بحار الأنوار - ج60

- العلامة المجلسي المزيد...
351 /
301

عن إبراهيم النخعي قال ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال اللهم ارزقني‏ (1) جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء ممن أنت قال من أهل الكوفة قال أ ليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة قال قلت بلى قال أ ليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه يعني عمارا قلت بلى قال أ ليس فيكم أو منكم صاحب السواك أو السوار (2) قلت بلى قال كيف كان عبد الله يقرأ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ قلت و الذكر و الأنثى الحديث.

و في كتاب خبر البشر بخير البشر عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود يريدون‏ (3) الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا حية بيضاء تثني على الطريق يفوح منها ريح المسك فقال قلت لأصحابي امضوا فلست ببارح حتى أرى ما ذا يصير إليه أمره فما لبثت أن ماتت فظننت به الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنته في خرقة ثم نحيتها عن الطريق و أدركت أصحابي في المتعشى قال فو الله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن أيكم دفن عمرا فقلنا من عمرو فقالت أيكم دفن الحية قال قلت أنا قالت أما و الله لقد دفنت صواما قواما يؤمن بما أنزل الله و لقد آمن بنبيكم و سمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة قال فحمدت الله ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر فأخبرته خبر الحية (4) فقال صدقت سمعت رسول الله(ص)يقول فيه هذا.

و فيه أيضا عن ابن عمر قال كنت عند عثمان إذ جاءه رجل فقال أ لا أحدثك بعجب‏ (5) قال بلى قال بينما أنا بفلاة من الأرض رأيت عصابتين قد التقتا ثم‏

____________

(1) في المصدر: اللّهمّ يسر لي.

(2) في المصدر: و الوساد.

(3) في المصدر: و أنا معهم يريدون.

(4) في المصدر: الحية و المرأة.

(5) في المصدر: بعجيب.

302

افترقتا قال فجئت معتركهما قال فإذا أنا من الحيات شي‏ء ما رأيت مثله قط و إذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة و ظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها فلففتها في عمامتي ثم دفنتها فبينما أنا أمشي إذا مناديا (1) ينادي هداك الله إن هذين حيان من أحياء (2) الجن كان بينهما قتال فاستشهدت الحية التي دفنت و هو من الذين استمعوا الوحي من رسول الله ص.

و فيه أيضا أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت كان تابع‏ (3) من الجن و كان إذا اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما فجاءني يوما فوقع‏ (4) على الجدار و لم يصنع كما يصنع فقلت له ما بالك لم تصنع كما كنت تصنع صنيعك قبل فقال إنه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا.

و روى أبو بكر في رباعياته و القاضي أبو يعلى عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال دخلت على طرطوس فقيل له‏ (5) هاهنا امرأة يقال لها نهوس‏ (6) رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله(ص)فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله(ص)قال نعم حدثني علية (7) بن سمحج و سماه النبي(ص)عبد الله قال‏

-

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)(8)

مَا مِنْ مَرِيضٍ يُقْرَأُ

____________

(1) في المصدر: إذا بمناد.

(2) في نسخة من حيات.

(3) في المصدر: قد كان لي تابع.

(4) في المصدر: فوقف.

(5) في المصدر: دخلت طرطوس فقيل لي.

(6) في أسد الغابة: منوس.

(7) في نسخة: [عبد علية بن سمج‏] و في المصدر: [حدّثني سمحج‏] و هو الصحيح راجع أسد الغابة 2: 353.

(8) في المصدر: قال قلت يا رسول اللّه أين كان ربّنا قبل السماوات و الأرض؟ قال:

على حوت من نور يتلجلج في النور، قالت: قال: تعنى سمحج و سمعته (صّلى الّله عليه و آله) يقول: ما من مريض.

303

عِنْدَهُ يس إِلَّا مَاتَ وَ دَخَلَ قَبْرَهُ رَيَّاناً وَ حشره [حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَيَّاناً

(1)

.

وَ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)خَارِجاً مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ‏

(2)

عَلَى عُكَّازَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)مِشْيَةَ جِنِّيٍّ وَ نَغْمَتَهُ قَالَ أَجَلْ قَالَ مِنْ أَيِّ الْجِنِّ قَالَ أَنَا هَامَةُ بْنُ الْهِيمِ أَوْ أَبِي هِيمِ بْنِ لَاقِيسَ بْنِ إِبْلِيسَ قَالَ لَا أَرَى بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ إِلَّا أَبَوَيْنِ قَالَ أَجَلْ قَالَ كَمْ أَتَى عَلَيْكَ قَالَ أَكَلْتُ الدُّنْيَا إِلَّا أَقَلَّهَا كُنْتُ لَيَالِي قَتْلِ قَابِيلَ هَابِيلَ غُلَاماً ابْنَ أَعْوَامٍ فَكُنْتُ أَسْتَوِي‏

(3)

عَلَى الْآكَامِ وَ أُوَرِّشُ بَيْنَ الْأَنَامِ فَقَالَ(ص)بِئْسَ الْعَمَلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي مِنَ الْعَتَبِ فَإِنِّي مِمَّنْ آمَنَ بِنُوحٍ(ع)وَ تُبْتُ عَلَى يَدَيْهِ وَ إِنِّي عَاتَبْتُهُ فِي دَعْوَتِهِ فَبَكَى وَ أَبْكَانِي وَ قَالَ إِنِّي وَ اللَّهِ مِنَ النَّادِمِينَ وَ

أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏

وَ لَقِيتُ هُوداً وَ آمَنْتُ بِهِ وَ لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ وَ كُنْتُ مَعَهُ فِي النَّارِ إِذْ أُلْقِيَ فِيهَا وَ كُنْتُ مَعَ يُوسُفَ إِذْ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ فَسَبَقْتُهُ إِلَى قَعْرِهِ وَ كُنْتُ مَعَ شُعَيْبٍ وَ مُوسَى وَ لَقِيتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَ قَالَ لِي إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّداً فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَ قَدْ بَلَّغْتُ رِسَالَتَهُ وَ آمَنْتُ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى عِيسَى وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ مَا حَاجَتُكَ يَا هَامَةُ قَالَ إِنَّ مُوسَى عَلَّمَنِي التَّوْرَاةَ وَ إِنَّ عِيسَى عَلِّمْنِي الْإِنْجِيلَ فَعَلِّمْنِي الْقُرْآنَ فَعَلَّمَهُ.

. و في رواية علمه عشر سور من القرآن و قبض رسول الله(ص)و لم ينعه إلينا فلا نراه و الله أعلم إلا حيا.

و فيه أيضا أن عمر بن الخطاب قال ذات يوم لابن عباس حدثني بحديث تعجبني به فقال حدثني خريم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في أبرق الغراف و سمي بذلك لأنه يسمع به غريف الجن قال فعقلتها و توسدت ذراع بكر منها ثم قلت أعوذ بعظيم هذا المكان و في رواية بكبير هذا الوادي و إذا بهاتف يهتف و يقول.

____________

(1) في المصدر: إلا مات ريان و دخل قبره ريان و حشر يوم القيامة ريان.

(2) في المصدر: يتوكأ.

(3) في المصدر: أتشوف.

304

تعوذن بالله ذي الجلال‏ (1)* * * منزل الحرام و الحلال‏

و وحد الله و لا تبال‏* * * ما هول ذي الجن من الأهوال.

فقلت‏

يا أيها الداعي ما تخييل‏ (2)* * * أرشد عنك‏ (3) أم تضليل.

فقال‏

هذا رسول الله ذو الخيرات‏* * * جاء بياسين و حاميمات‏

و سور بعد مفصلات‏* * * يدعو إلى الجنة و النجاة

يأمر بالصوم و بالصلاة* * * و يزجر الناس عن الهنات.

قال فقلت من أنت‏ (4) يرحمك الله قال أنا مالك بن مالك بعثني رسول الله(ص)على جن‏ (5) أهل نجد قال فقلت لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به قال أنا أكفيكها (6) حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء الله فاقتعدت‏ (7) بعيرا منها حتى أتيت النبي(ص)بالمدينة فوافقت الناس يوم الجمعة و هم في الصلاة فإني أنيخ راحلتي إذ خرج إلي أبو ذر فقال لي يقول لك رسول الله(ص)ادخل فدخلت فلما رآني قال ما فعل الشيخ الذي ضمن لك‏

____________

(1) في المصدر: ويحك عذ باللّه ذى الجلال.

(2) في المصدر: فما تخييل.

(3) في المصدر: عندك.

(4) في المصدر: من أنت أيها الهاتف.

(5) في المصدر: الى جن.

(6) في المصدر: فقال: ان أردت الإسلام فأنا أكفيكها حتّى أردها.

(7) في نسخة [فاعتلقت‏] و في المصدر: فامتطيت راحلتي و قصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد و قلت:

ألبث حتّى يفرغ من خطبته فإذا أبو ذر قد خرج فقال: ان رسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله) قد أرسلنى إليك و هو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني اسلامك فادخل فصل مع الناس، قال: فتطهرت و دخلت فصليت ثمّ دعانى و قال: ما فعل.

305

أن يرد إبلك إلى أهلك أما إنه قد أداها (1) إلى أهلك سالمة فقلت رحمه الله قال رسول الله(ص)أجل رحمه الله فأسلم و حسن إسلامه.

و في مسند الدارمي عن الشعبي قال قال عبد الله بن مسعود لقي رجل من أصحاب رسول الله‏ (2)(ص)رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي فقال له الإنسي إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك قال لا و الله إني من بينهم لضليع و لكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك قال نعم قال فعاوده فصرعه فقال له أ تقرأ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ قال نعم قال فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخل‏ (3) حتى يصبح.

قال الدارمي الضئيل الرقيق‏ (4) و الشخيت المهزول و الضليع جيد الأضلاع و الخبج الريح قال أبو عبيدة الخبج الضراط.

ثم قال الدميري يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا سواء كانوا من الجن أو من الإنس أو منهما.

قال القمولي لكن نقل‏ (5) في مناقب الشافعي أنه كان يقول من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن ردت شهادته و عزر لمخالفته قوله تعالى‏ إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏ (6) إلا أن يكون الزاعم نبيا و يحمل قوله على من‏

____________

(1) في المصدر: قد ردها.

(2) في المصدر: و في نسخة: محمّد.

(3) في المصدر: لا يدخله.

(4) في المصدر: الدقيق.

(5) في المصدر: نقل الشيخ أبو الحسن محمّد بن الحسين الابرى في مناقب الشافعى التي الفها عن الربيع أنّه قال: سمعت الشافعى يقول.

(6) الأعراف: 27.

306

ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه و قول القمولي على ما إذا تصورا (1) صور بني آدم.

و المشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس و بذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون لأنهم ليس فيهم إناث و قيل الجن جنس و إبليس واحد منهم و لا شك أن لهم ذرية (2) بنص القرآن و من كفر من الجن يقال له شيطان و في الحديث لما أراد الله تعالى أن يخلق لإبليس نسلا و زوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منه امرأته.

و نقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي أنه قال إني لقاعد يوما إذ أقبل جمال و معه دن فوضعه ثم جاءني فقال أنت الشعبي قلت نعم قال أخبرني هل لإبليس زوجة فقلت إن ذلك العرس ما شهدته قال ثم ذكرت قوله تعالى‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي‏ فقلت إنه لا يكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم فأخذ دنه و انطلق قال فرأيته يختبرني‏ (3).

و روي أن الله تعالى قال لإبليس لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس أحد من ولد آدم‏ (4) إلا و له شيطان قد قرن به.

و قيل إن الشياطين فيهم الذكور و الإناث يتوالدون من ذلك و أما إبليس فإن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا و في اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات‏ (5).

و ذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لاقيس و ولها (6) و هو صاحب الطهارة

____________

(1) في المصدر: فى صورة.

(2) في المصدر: و لا شك ان الجن ذريته.

(3) في المصدر: فرأيت انه مجتاز بي.

(4) في المصدر: فليس من ولد آدم أحد الا.

(5) زاد في المصدر: يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا و شيطانة.

(6) في المصدر: و ولهان.

307

و الصلاة و الهفاف و هو صاحب الصحاري و مرة و به يكنى و زلنبور و هو صاحب الأسواق و يزين اللغو و الحلف الكاذب و مدح السلعة و بثر و هو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه و لطم الخدود و شق الجيوب و الأبيض و هو الذي يوسوس للأنبياء و الأعور و هو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل و عجز المرأة و داسم و هو الذي إذا دخل الرجل بيته و لم يسلم و لم يذكر اسم الله تعالى دخل معه و وسوس له فألقى الشر بينه و بين أهله فإن أكل و لم يذكر اسم الله تعالى أكل معه فإذا دخل الرجل بيته و لم يسلم و لم يذكر الله و رأى شيئا يكره‏ (1) فليقل داسم داسم أعوذ بالله منه و مطرش‏ (2) و هو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس و لا يكون لها أصل و لا حقيقة و الأقبض‏ (3) و أمهم طرطبة و قال النقاش بل هي حاضنتهم و يقال إنه باض ثلاثين بيضة عشرا في المشرق و عشرا في المغرب و عشرا في وسط الأرض و إنه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت و الغيلان و القطاربة (4) و الجان و أسماء مختلفة كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ (5) إلا من آمن منهم و كنية إبليس أبو مرة.

و اختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة (6) يقال لهم الجن أم ليس من الملائكة و في أنه اسم عربي أو عجمي‏ (7) فقال ابن عباس و ابن مسعود و ابن‏

____________

(1) في المصدر: يكرهه و خاصم أهله فليقل.

(2) في المصدر: و مطوس.

(3) في المصدر: و الاقنص.

(4) في المصدر: كالغيلان و العقارب و القطارب.

(5) الكهف: 51.

(6) في المصدر: و اختلف العلماء في انه هل من الملائكة من طائفة.

(7) و في المصدر: و في اسمه هل هو اسم اعجمى أم عربى.

308

المسيب و قتادة و ابن جريح‏ (1) و الزجاج و ابن الأنباري كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن و كان اسمه بالعبرانية عزازيل و بالعربية الحارث و كان من خزان الجنة و كان رئيس ملائكة سماء الدنيا و سلطانها و سلطان الأرض و كان من أشد الملائكة اجتهادا و أكثرهم علما و كان يسوس ما بين السماء و الأرض‏ (2) نعوذ بالله من خذلانه قالوا و قوله تعالى‏ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ (3) أي من طائفة من الملائكة هم الجن‏ (4).

و قال ابن جبير و الحسن لم يكن من الملائكة طرفة عين و إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.

و قال عبد الرحمن بن زيد و شهر بن حوشب‏ (5) و إنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم و ذهب به إلى السماء.

و قال أكثر أهل اللغة و التفسير إنما سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله و الصحيح كما قاله الإمام النووي و غيره من الأئمة الأعلام أنه من الملائكة و أنه اسم أعجمي و الاستثناء متصل لأنه لم يقل‏ (6) إن غيرهم أمر بالسجود و الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه.

و قال القاضي عياض الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر و الاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب قال تعالى‏ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏

____________

(1) هكذا في الكتاب و الصحيح اما ابن جريج أو ابن جرير، و الموجود في المصدر الثاني.

(2) زاد في المصدر: فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما و عظمة فذاك الذي دعاه الى الكبر فعصى و كفر فمسخه اللّه شيطانا رجيما ملعونا.

(3) الكهف: 51.

(4) في المصدر: يقال لهم: الجن.

(5) في المصدر: ما كان من الملائكة قط و الاستثناء من قطع و زاد ابن حوشب: و انما.

(6) في المصدر: لم ينقل.

309

و الصحيح المختار على ما سبق عن النووي و من وافقه و عن محمد بن كعب القرظي أنه قال الجن مؤمنون و الشياطين كفار و أصلهم واحد و سئل وهب بن منبه عن الجن ما هم و هل يأكلون و يشربون و يتناكحون فقال هم أجناس فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون و لا يشربون و لا يموتون‏ (1) في الدنيا و لا يتوالدون و لهم أجناس يأكلون و يشربون و يتناكحون و هم السعالى و الغيلاب و القطارب و أشباه ذلك.

و قال القرافي اتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم(ع)و ليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود و إلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا و ليس كذلك و لا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى و إلا لكان كل حاسد كافرا و ليس كذلك و لا كان كفره لعصيانه و فسوقه و إلا لكان كل عاص و فاسق كافرا و قد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء (2) فضلا عن غيرهم و ينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبة الحق جل جلاله إلى الجور و التصرف الذي ليس بمرضي و أظهر ذلك من فحوى قوله‏ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (3) و مراده على ما قاله الأئمة المحققون من المفسرين و غيرهم أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور و الظلم فهذا وجه كفره لعنه الله و قد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى و تنزه كافر.

و اختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أو لا فقيل لا و إنه أول من كفر قيل كان قبله قوم كفار و هم الجن الذين كانوا في الأرض انتهى.

و قد اختلفوا في كفر إبليس هل كان جهلا أو عنادا على قولين لأهل السنة و لا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال إنه كفر جهلا قال إنه سلب‏

____________

(1) في المصدر: و لا ينامون.

(2) على جماعة من متأخرى الفقهاء.

(3) الأعراف: 11.

310

العلم الذي كان عنده عند كفره و من قال كفر عنادا قال كفر و معه علمه قال ابن عطية و الكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء.

و ذكر البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في قوله تعالى‏ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ (1) عن عمر بن ذر قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لو أراد الله تعالى أن لا يعصى لم يخلق إبليس و قد بين ذلك في آية من كتابه و فصلها علمها من علمها و جهلها من جهلها و هي قوله تعالى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ‏ (2) ثم‏

-

رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ‏

أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ.

انتهى.

و قال رجل للحسن يا أبا سعيد أ ينام إبليس فقال لو نام لوجدنا راحة و لا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى.

و قال في الإحياء (3) من غفل عن ذكر الله تعالى و لو لحظة ليس له قرين في تلك اللحظة إلا الشيطان قال تعالى‏ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ (4) و اختلفوا هل بعث الله إليهم من الجن رسلا قبل بعثة نبينا محمد فقال الضحاك كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى‏ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏ (5) و قال المحققون لم يرسل إليهم منهم رسول و لم يكن ذلك في الجن قط و إنما الرسل من الإنس خاصة و هذا هو الصحيح المشهور أما الجن ففيهم النذر و أما الآية فمعناها

____________

(1) الأنعام: 111.

(2) الصافّات: 162 و 163.

(3) في المصدر: فى الاحياء قبيل بيانه دواء الصبر.

(4) الزخرف: 36.

(5) الأنعام: 130.

311

من أحد الفريقين كقوله تعالى‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ (1) و إنما يخرجان من المالح دون العذب.

و قال منذر بن سعيد البلوطي قال ابن مسعود إن الذين لقوا النبي(ص)من الجن كانوا رسلا إلى قومهم و قال مجاهد النذر من الجن و الرسل من الإنس و لا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى‏ أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ‏ (2) و قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (3) قيل المراد مؤمنو الفريقين فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته و لا خلق الأشقياء إلا للشقاوة و لا مانع من إطلاق العام و إرادة الخاص و قيل معناه إلا لأمرهم بعبادتي و أدعوهم إليها و قيل إلا ليوحدوني.

فإن قيل لِمَ اقتصر على الفريقين و لم يذكر الملائكة فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين بخلاف الملائكة فإن الله تعالى عصمهم كما تقدم.

فإن قيل لم قدم الجن على الإنس في هذه الآية فالجواب أن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة و السين المهموسة و كان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم و راحته.

فرع كان الشيخ عماد الدين يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس و يقول لا يجوز للإنسي أن يتزوج جنية لقوله تعالى‏ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً (4) فالمودة الجماع و الرحمة الولد

____________

(1) الرحمن: 22.

(2) الأحقاف: 18.

(3) الذاريات: 56.

(4) هكذا في الكتاب مطبوعه و مخطوطه، و فيه وهم و الصحيح كما في المصدر: «وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً» و قال تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» انتهى أقول: الآية الأولى في النحل: 72، و الثانية في الروم: 21.

312

و نص على منعه جماعة من الحنابلة و في الفتاوي السراجية (1) لا يجوز ذلك لاختلاف الجنس و في القنية سئل البصري عنه فقال يجوز بحضرة شاهدين و في مسائل ابن حرب عن الحسن و قتادة أنهما كرها ذلك ثم روي بسند فيه ابن لهيعة أن النبي(ص)نهى عن نكاح الجن و عن زيد العمى أنه كان يقول اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كانت‏ (2).

و ذكر ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب(ع)عن الطحاوي قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول تزوجت امرأة من الجن و لم أعد إلى ذلك‏ (3).

-

وَ رُوِيَ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

أَحَدُ أَبَوَيْ بِلْقِيسَ كَانَ جِنِّيّاً.

. قال الشيخ نجم الدين القمولي و في المنع عن التزويج نظر لأن التكليف يعم الفريقين قال و قد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية انتهى.

قلت و قد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن و العلم تزوج‏ (4) أربعا من الجن واحدة بعد واحدة لكن يبقى النظر في حكم طلاقها و لعانها و الإيلاء منها و عدتها و نفقتها و كسوتها و الجمع بينها و بين أربع سواها و ما يتعلق بذلك و كل ذلك فيه نظر لا يخفى.

قال شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري يقول و حدثني عنه عثمان المقاتلي قال سمعت أبا الفتح القشيري يقول سمعت الشيخ عز الدين عبد السلام يقول و قد سئل عن ابن عربي فقال شيخ سوء كذاب‏

____________

(1) في المصدر: الفتاوي السرجية.

(2) في المصدر: حيثما كنت.

(3) في المصدر: فلم أرجع إليه.

(4) المصدر: اخبرنى انه تزوج.

313

فقال‏ (1) و كذاب أيضا قال نعم تذاكرنا يوما نكاح الجن فقال الجن روح لطيف و الإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان ثم غاب عنا مدة و جاء و في رأسه شجة فقيل له في ذلك فقال تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني و بينها شي‏ء فشجني هذه الشجة قال الإمام الذهبي بعد ذلك و ما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة و إنما هي من خرافات الرياضة.

فرع روى أبو عبيد في كتاب الأموال و البيهقي عن الزهري عن النبي أنه نهى عن ذبائح الجن و ذبائح الجن هو أن يشتري الرجل الدار و يستخرج العين و ما أشبه ذلك فيذبح لها ذبيحة للطيرة و كانوا في الجاهلية يقولون إذا فعل الرجل ذلك لا يضر أهلها الجن فأبطل(ص)ذلك و نهى عنه.

و قال الدميري لا تدخل الجن بيتا فيه أترج قال‏

-

وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

إِنَّ الْجِنَّ لَا يَدْخُلُونَ دَاراً فِيهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ‏

(2)

.

. و أقول قال السعلاة أخبث الغيلان و كذلك السعلاء يمد و يقصر و الجمع السعالى.

قال الجاحظ كان عمرو بن يربوع متولدا من السعلاة و الإنسان قال و ذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة و بنات آدم قال و كان الملائكة إذا عصى ربه أهبط إلى الأرض في صورة رجل كما صنع بهاروت و ماروت فولدت منهما جرهما (3).

قال و من هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبإ و كذلك كان ذو القرنين كانت أمه آدمية و أبوه من الملائكة و لذلك لما سمع عمر رجلا ينادي رجلا يا ذا القرنين قال أ فرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة انتهى.

و الحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر و الكبائر كالأنبياء(ع)كما

____________

(1) في المصدر: فقيل له.

(2) حياة الحيوان 1: 147- 155 باب الجيم في الجن.

(3) في المصدر: و ماروت فوقع بعض الملائكة على بعض بنات آدم فولدت جرهما.

314

قاله القاضي عياض و غيره و ما ذكروه من أمر جرهم و ذي القرنين و بلقيس فممنوع و استدلالهم بقصة هاروت و ماروت ليس بشي‏ء فإنها لم تثبت على الوجه الذي أرادوه‏ (1) بل قال ابن عباس هما رجلان ساحران كانا ببابل.

و قال الجاحظ و زعموا أن التناكح و التلاقح قد يقع بين الجن و الإنس لقوله تعالى‏ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ (2) و هذا ظاهر و ذلك أن الجنية إنما تصرع رجال الإنس‏ (3) على جهة العشق في طلب السفاد و كذلك رجال الجن لنساء الإنس و لو لا ذلك لعرض الرجال للرجال و النساء للنساء قال تعالى‏ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌ‏ (4) فلو لا كان الجان تقتض الآدميات‏ (5) و لم يكن ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى هذا القول و ذكروا أن الواق واق نتاج ما بين بعض النباتات و بعض الحيوان.

و قال السهيلي السعلاة ما يتراءى للناس بالنهار و الغول الذي يتراءى بالليل‏ (6).

و قال القزويني السعلاة نوع من المتشيطنة مغاير للغول و أكثر ما توجد السعلاة في الغياض إذا ظفرت بإنسان ترقصه و تلعب به كما يلعب القط بالفأر و قال و ربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها فإذا افترسها ترفع صوتها و تقول أدركوني فإن الذئب قد أكلني و ربما تقول من يخلصني و معي ألف دينار يأخذها و الناس يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب‏ (7).

____________

(1) في المصدر: اوردوه.

(2) الإسراء: 64.

(3) في المصدر: و ذلك أن الجنيات انما تتعرض لصرع رجال الانس.

(4) الرحمن: 74.

(5) في المصدر: و لو كان الجان لا يفتض الآدميات.

(6) في المصدر: للناس بالليل.

(7) حياة الحيوان 2: 14- 16 باب السين.

315

و قال الدميري أيضا الغول واحد الغيلان و هو جنس من الجن و الشياطين و هم سحرتهم قال الجوهري هو من السعالى و الجمع أغوال و غيلان و كل من اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول و التغول التلون.

-

وَ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

إِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَدْبَرَ وَ لَهُ حُصَاصٌ.

أَيْ ضُرَاطٌ.

قال النووي في الأذكار إنه حديث صحيح أرشد(ص)إلى دفع ضررها بذكر الله.

-

وَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي آخِرِ سُنَنِهِ الْكُبْرَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ فَإِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ.

. قال النووي و كذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للإنسان شيطان لما روى مسلم عن سهل بن أبي صالح أنه قال أرسلني أبي إلى بني حارثة و معي غلام لنا أو صاحب لنا فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال لو شعرت أنك تلقى‏ (1) هذا لم أرسلك و لكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني‏

-

سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ:

إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ.

-

وَ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

لَا عَدْوَى وَ لَا طِيَرَةَ وَ لَا غُولَ.

. قال جمهور العلماء كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات و هي جنس من الشياطين تتراءى للناس و تتغول تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق و تهلكهم فأبطل النبي(ص)ذلك و قال آخرون ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول و إنما معناه إبطال ما تزعم‏ (2) العرب من تلون الغول بالصور المختلفة قالوا و معنى لا غول أي لا تستطيع أن تضل أحدا و يشهد له حديث آخر

____________

(1) في المصدر: ترى هذا ما أرسلنك.

(2) في المصدر: ما تزعمه.

316

لا غول و لكن السعالى قال العلماء السعالى بالسين المفتوحة و العين المهملة من سحرة الجن و منه ما

-

رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

كَانَتْ لِي سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ فَكَانَتْ تَجِي‏ءُ الْغُولُ كَهَيْئَةِ السِّنَّوْرِ فَتَأْخُذُ مِنْهُ فَشَكَوْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ اذْهَبْ فَإِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذْتُهَا

(1)

فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا

(2)

ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ قَالَ حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ قَالَ(ص)كَذَبَتْ وَ هِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ فَأَخَذَهَا وَ قَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَتْ إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئاً آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ وَ لَا غَيْرُهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ قَالَ(ص)صَدَقَكَ وَ هُوَ كَذُوبٌ‏

(3)

.

. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب و هذا روى مثله البخاري عن أبي هريرة و في آخره تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة قال لا قال(ص)ذاك الشيطان.

و روى الحاكم و ابن حبان عن أبي بن كعب أنه كان له جرين تمر و كان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم قال فسلمت فرد علي السلام فقلت ما أنت ناولني يدك فإذا (4) يد كلب و شعر كلب فقلت أ جني أم إنسي فقال بل جني قلت إني أراك ضئيل الخلقة أ هكذا خلق الجن قال لقد علمت الجن‏

____________

(1) في المصدر: فأخذها.

(2) زاد في المصدر: و جاء الى النبيّ (صّلى الّله عليه و آله) فقال: ما فعل أسيرك؟ قال:

حلفت أن لا تعود، قال صلّى اللّه عليه آله: كذبت و هي معاودة للكذب، قال: فأخذها مرة اخرى فحلفت أن لا تعود فأرسلها، ثمّ جاء.

(3) في المصدر: بما قالت فقال (صّلى الّله عليه و آله): صدقت و هي كذوب.

(4) في المصدر: فناولنى فاذا.

317

أن ما فيهم أشد مني فقلت ما يحملك‏ (1) على ما صنعت قال بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك فقلت فما يجيرنا منكم قال تقرأ آية الكرسي فإنك إن قرأتها غدوة أجرت منا حتى تمسي و إن قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح قال فغدوت إلى رسول الله(ص)فأخبرته فقال صدق الخبيث.

و تزعم العرب أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة إنسان فلا يزال يتبعها حتى تضله عن الطريق و تدنو له و تتمثل له في صور مختلفة فتهلكه روعا و قالوا إذا أرادت أن تضل إنسانا أوقدت له نارا فيقصدها فيفعل ذلك‏ (2) قالوا و خلقتها خلقة إنسان و رجلاها رجلا حمار.

و قال القزويني و رأى الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الإسلام فضربها بالسيف و ذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه رأى الغول و ذكر أبياته النونية في ذلك‏ (3).

و قال الدميري أيضا قطرب طائر يجول الليل كله لا ينام و قال ابن سيدة إنه الذكر من السعالي و قيل هم صغار الجن و قيل القطارب صغائر الكلاب واحدها قطرب دويبة لا تستريح نهارها سعيا و قال محمد بن ظفر القطرب حيوان يكون بالصعيد في أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا و إلا لم ينته حتى ينكحه فإذا نكحه هلك و هم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا أ منكوح أم مروع فإن قال منكوح يئسوا منه‏ (4) و إن قال مروع عالجوه قال و قد رأيت أهل مصر يلهجون بذكره‏ (5) انتهى ما أخرجته من كتاب‏

____________

(1) في المصدر: ما حملك.

(2) في المصدر: فتفعل به ذلك.

(3) حياة الحيوان 2: 134- 137 باب الغين.

(4) في المصدر: آيسوا من حياته.

(5) حياة الحيوان 2: 181 باب القاف.

318

حياة الحيوان.

و لنبين بعض ما ربما يحتاج إلى البيان الحشاش مثلثة حشرات الأرض و في النهاية مستطير أي منتشر متفرق كأنه طائر في نواحيها و منه حديث ابن مسعود فقدنا رسول الله ليلة فقلنا اغتيل استطير أي ذهب به بسرعة كأن الطير حملته أو اغتاله أحد و الاستطارة و التطاير التفرق و الذهاب و الاغتيال أن يخدع فيقتل في موضع لا يراه فيه أحد قوله أوفر ما كان قال الآبي الأظهر أنه مما يبقى عليه بعد الأكل و يحتمل أنه تعالى يخلق ذلك عليها و النظر في أنه هل يستحب أن لا يستقصى العظام بتقشير ما عليها و هل يثاب مثله له و الأظهر أن انتفاعهم إنما هو بالشم لأنه لا يبقى عليه ما يقولون إلا أن يكونوا في القوت بخلاف الإنس انتهى.

و في النهاية في صفة الجن فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم هو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه.

و قال العرج بفتح العين و سكون الراء قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة و قال اللغط صوت و ضجة لا يفهم معناه و قال الجلس كل مرتفع من الأرض و الغور ما انخفض من الأرض. و قال فيه ذكر عكاظ و هي موضع بقرب مكة كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياما.

و قال في حديث عمر إنه سأل رجلا استهوته الجن فقال ما كان طعامهم قال الفول و ما لم يذكر اسم الله عليه قال فما كان شرابهم قال الجذف الفول هو الباقلى و الجذف بالتحريك نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء و قيل هو كل ما لا يغطى من الشراب و غيره قال القتيبي أصله من الجذف القطع أراد ما يرمى به عن الشراب من زبد أو رغوة أو قذى كأنه قطع من الشراب فرمي به هكذا حكاه الهروي عنه و الذي جاء في صحاح الجوهري أن القطع هو الجذف بالذال المعجمة و لم يذكره في الدال المهملة و أثبته الأزهري فيهما.

319

و قال تفلت علي أي تعرض في صلاتي فجأة و قال في ذعت فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته و الذعت و الدعت بالذال و الدال الدفع العنيف و الذعت أيضا المعك في التراب.

و قال و فيه ما من آدمي إلا و معه شيطان قيل و معك قال نعم و لكن الله أعانني عليه فأسلم و في رواية حتى أسلم أي انقاد و كف عن وسوستي و قيل دخل في الإسلام فسلمت من شره و قيل إنما هو فأسلم بضم الميم على أنه فعل مستقبل أي أسلم أنا منه و من شره و يشهد للأول الحديث الآخر كان شيطان آدم كافرا و كان شيطاني مسلما انتهى.

و أقول قصة سعد مما افتري على الجن و إنما قتله من بعثه عمر ليقتله كما ذكرناه في كتاب الفتن مفصلا.

و في النهاية يقال صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره و كانت العرب تسمي النبي(ص)الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام و يسمون المسلمين الصباة بغير همز.

و قال لهث الكلب و غيره يلهث لهثا إذا أخرج لسانه من شدة العطش و الحر و قال الفهر الحجر مل‏ء الكف و قيل هو الحجر مطلقا.

و في القاموس الغريف صوت الجن و هو جرس يسمع في المفاوز بالليل و كشداد رمل لبني سعد أو جبل بالدهناء على اثني عشر ميلا من المدينة سمي به لأنه كان يسمع به غريف الجن و أبرق الغراف ماء لبني أسد و قال القعدة بالضم من الإبل ما يقتعده الراعي في كل حاجة و اقتعده اتخذه قعدة.

و في النهاية قال للجني إني أراك ضئيلا شخيتا الضئيل النحيف الدقيق و الشخت و الشخيت النحيف الجسم الدقيق.

و قال إني منهم لضليع أي عظيم الخلق و قيل هو العظيم الصدر الواسع الجبينين و قال الشظية الفلقة من العصا و نحوها و قال الفيروزآبادي القط بالكسر السنور.

320

و قال في النهاية الحصاص شدة العدو و حدته و قيل هو أن يمصع بذنبه و يصر بأذنيه و يعدو و قيل هو الضراط و قال السهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع و الخزانة و قيل هو كالصفة يكون بين يدي البيت و قيل شبيه بالرف و الطاق يوضع فيه شي‏ء و قال الجرين هو موضع تجويف التمر و هو له كالبيدر للحنطة.

و قال الرازي في مفتتح تفسيره في تحقيق الاستعاذة من الشيطان و في بيان المستعاذ منه قال و فيه مسائل المسألة الأولى اختلف الناس في وجود الجن و الشياطين فمن الناس من ينكر الجن و الشياطين و اعلم أنه لا بد من البحث أولا عن ماهية الجن و الشياطين فنقول أطبق الكل على أنه ليس الجن و الشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجي‏ء و تذهب مثل الناس و البهائم بل القول المحصل فيه قولان الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة و لها عقول و أفهام و قدرة على أعمال صعبة شاقة.

و القول الثاني أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة و لا حالة في المتحيز و زعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ثم إن هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية و هي الملائكة المقربون كما قال تعالى‏ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ‏ (1) و تليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام و أشرفها حملة العرش كما قال تعالى‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (2) و المرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى‏ وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏ (3)

____________

(1) الأنبياء: 19.

(2) الحاقّة: 17.

(3) الزمر: 75.

321

و المرتبة الثالثة ملائكة الكرسي.

و المرتبة الرابعة ملائكة السماوات طبقة فطبقة.

و المرتبة الخامسة ملائكة كرة الأثير.

و المرتبة السادسة ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم.

و المرتبة السابعة ملائكة كرة الزمهرير.

و المرتبة الثامنة مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار.

و المرتبة التاسعة مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال.

و المرتبة العاشرة مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية و الحيوانية الموجودة في هذا العالم.

و اعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة و هي المسماة بالصالحين من الجن و قد تكون كدرة سفلية شريرة شقية و هي المسماة بالشياطين.

و احتج المنكرون لوجود الجن و الشياطين بوجوه.

الحجة الأولى أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما لطيفا أو كثيفا و القسمان باطلان فيبطل القول بوجوده و إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة و نحن لا نراها لجاز أن تكون بحضرتنا جبال عالية و شموس مضيئة و رعود و بروق مع أنا لا نشاهد شيئا منها و من جوز ذلك كان خارجا عن العقل.

و إنما قلنا إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمزق و يتفرق‏ (1) عند هبوب الرياح العاصفة القوية و أيضا يلزم أن لا يكون لها قدرة و قوة على الأعمال الشاقة و مثبتو الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة و لما

____________

(1) في المصدر تتمزق و تتفرق.

322

بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن.

و الحجة الثانية أن هذه الأشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم و مخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة و المصاحبة إما صداقة و إما عداوة فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة و إن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة و لا من تلك العداوة و هؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن و ذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء و سمعت ممن تاب عن هذه الصنعة قال إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام و ما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا و لا خبرا.

الحجة الثالثة أن الطريق إلى معرفة هذه الأشياء إما الحس و إما الخبر و إما الدليل أما الحس فلم يدل دليل على وجود هذه الأشياء (1) فإذا كنا لا نرى صورة و لا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها و الذين يقولون إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها و الكاذبون المنحرفون.

و أما إثبات هذه الأشياء بواسطة إخبار الأنبياء و الرسل(ع)فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء فإن على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل بإعانة الجن و الشياطين و كل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين و لم لا يجوز أن يقال إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول(ص)لأجل أن الشيطان دخل في بطنها و تكلم و لم لا يجوز أن يقال إن الشجرة إنما انقلعت من‏

____________

(1) زاد في المصدر بعد ذلك: لان وجودها اما بالصورة أو الصوت.

323

أصلها لأن الشيطان اقتلعها فثبت أن القول بإثبات الجن و الشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء(ع)و أما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل و النظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن و الشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه الأشياء باطلا فهذا جملة شبه منكري الجن و الشياطين.

و الجواب عن الأول بأنا نقول إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال إنه جوهر مجرد عن الجسمية و اعلم أن القائلين بهذا القول فرق الأولى الذين قالوا النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة و قد تكون شريرة فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية و إن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة (1) و تعلق بذلك البدن نفس شديدة المتشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث و تصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فإن كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة كانت تلك المعاونة و المعاضدة إلهاما و إن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة و المناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الإلهام و الوسوسة على قول هؤلاء.

الفريق الثاني الذين قالوا الجن و الشياطين جواهر مجردة عن الجسمية و علائقها و جنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا فإن كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية و هم المسمون بصالحي الجن و إن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية إذا عرفت هذا فنقول الجنسية علة الضم فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم إليها تلك الأرواح النورانية الطاهرة (2) و تعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير و البر و التقوى‏

____________

(1) في المصدر: تلك النفوس المفارقة.

(2) في المصدر: الطاهرة النورانية.

324

و النفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة و تعينها على أعمالها التي هي من باب الشر و الإثم و العدوان.

الفريق الثالث و هم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية و لكنهم أثبتوا الأرواح‏ (1) المجردة الفلكية و زعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية و هي مختلفة بجواهرها و ماهياتها فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين و هو ذلك الفلك المعين و كما أن الروح البشري‏ (2) يتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك التعلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك و إلى كلية ذلك العالم و كما أنه يتولد في القلب و الدماغ أرواح لطيفة و تلك الأرواح تتأدى في الشرايين و الأعصاب إلى أجزاء البدن و تصل بهذا الطريق قوة الحياة و الحس و الحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوطا شعاعية تتصل بجوانب العالم و تتأدى قوة ذلك‏ (3) الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم و كما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب و الدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من أجزاء ذلك البدن قوى مختلفة و هي الغاذية و النامية و المولدة و الحساسة فتكون هذه القوى كالنتائج و الأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة مثل نفس زيد و نفس عمرو و هذه النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية و لما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها و ماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة و النفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة

____________

(1) في المصدر: وجود الأرواح.

(2) في المصدر: الروح البشرية تنعلق.

(3) في المصدر: تلك.

325

أخرى فتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة و يحصل بينها مودة و محبة (1) و تكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع و الماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشتري و إذا عرفت هذا فنقول قالوا إن العلة تكون أقوى من المعلول فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة و هي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية و تلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى و أعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية و تلك الروح‏ (2) الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق و السلطان الرحيم فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على صلاحها (3) و تهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا و الأخرى‏ (4) في اليقظة على سبيل الإلهام.

ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية و قوي اتصاله بالروح الفلكي الذي هو أصله و معدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة و أعمال خارقة للعادات فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن و الشياطين و يزعم أنها موجودات ليست أجساما و لا جسما.

و اعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب و زعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات و المجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية.

و اعلم أن هذا باطل لوجهين الأول أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان و ليس بفرس و القاضي على الشيئين لا بد و أن يحضره المقضي عليهما فهاهنا شي‏ء واحد هو مدرك للكلي و هو النفس فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس.

____________

(1) في المصدر: محبة و مودة.

(2) في المصدر: و تلك الأرواح.

(3) في المصدر: على مصالحها.

(4) في المصدر: و اخرى.

326

الثاني هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن و الشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات و على التصرف في هذه الأبدان فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذهب.

و أما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا الأجسام متساوية في الحجمية و المقدار و هذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض و الأشياء المختلفة في الماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم فلم لا يجوز أن يقال إن الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة و ماهياتها المعينة و إن كانت مشتركة في قبول الحجمية و المقدار و إذا ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يقال أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها و هي غير قابلة للتفرق و التمزق و إذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها و الأجسام الكثيفة لا تفرقها أ ليس أن الفلاسفة قالوا إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار و الحديد و تخرج من الجانب الآخر فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة و على هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس و على التصرف فيها و إنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين و الوقت المعلوم فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة و الدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها.

و الجواب عن الشبهة الثانية أنه لا يجب حصول تلك الصداقة و العداوة مع كل واحد و كل واحد لا يعرف إلا حال نفسه أما حال غيره فإنه لا يعلمها فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال.

327

فأما الجواب‏ (1) عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول لا نسلم أن القول بوجود الجن و الملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء(ع)و سيظهر الجواب عن الشبهة (2) التي ذكرتموها فيما بعد ذلك فهذا آخر الكلام في الجواب عن هذه الشبهات.

المسألة الثانية اعلم أن القرآن و الأخبار يدلان على وجود الجن و الشياطين أما القرآن فآيات الآية الأولى قوله تعالى‏ وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (3) و هذا نص على وجودهم و على أنهم سمعوا القرآن و على أنهم أنذروا قومهم.

و الآية الثانية قوله تعالى‏ وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ‏ (4) و الآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان‏ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏ (5) و قال تعالى‏ وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (6) و قال تعالى‏ وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ‏ (7) و الآية الرابعة قوله تعالى‏ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ‏

____________

(1) في المصدر: و أمّا الجواب.

(2) في المصدر: عن الأجوبة التي.

(3) الأحقاف: 29 و 30.

(4) البقرة 102.

(5) سبأ: 13.

(6) ص: 38.

(7) سبأ: 12.

328

أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1) و الآية الخامسة قوله تعالى‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (2) و أما الأخبار فكثيرة الخبر الأول‏

رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ صَيْفِيِّ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ

أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ قَالَ فَسَمِعْتُ تَحْرِيكاً تَحْتَ سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ نَفَرَتْ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقْتُلَهَا

(3)

فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ أَنِ اجْلِسْ‏

(4)

فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ تَرَى هَذَا الْبَيْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فَرَأَى امْرَأَتَهُ وَاقِفَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ‏

(5)

فَهَيَّأَ الرُّمْحَ لِيَطْعَنَهَا بِسَبَبِ الْغِيرَةِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ ادْخُلْ بَيْتَكَ لِتَرَى فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ عَلَى فِرَاشِهَا فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ فَاضْطَرَبَتِ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَ خَرَّ الْفَتَى فَمَا يُدْرَى‏

(6)

أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتاً الْفَتَى أَمِ الْحَيَّةُ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)

(7)

فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنِّيّاً قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ بَدَا لَكُمْ مِنْهُمْ فَأَذِّنُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ‏

(8)

.

.

____________

(1) الرحمن: 33.

(2) الصافّات: 6 و 7.

(3) في المصدر: فقمت لاقتلها.

(4) في المصدر: أن اجلس فلما انصرف.

(5) في المصدر: بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت: لا تعجل حتّى تدخل و تنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه.

(6) في المصدر: و خر الفتى ميتا فما ندرى.

(7) في المصدر: فذكرت ذلك لرسول اللّه (صّلى الّله عليه و آله).

(8) في المصدر: فآذنوه ثلاثة أيّام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فانما هو شيطان.

329

و الخبر الثاني‏

-

روى مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد قال‏

لما أسري بالنبي(ص)رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من النار كلما التفت رآه فقال جبرئيل(ع)أ لا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفيت شعلته و صرفته‏

(1)

قل أعوذ بوجه الله الكريم و بكلمات‏

(2)

الله التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر من شر ما

يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ

و من شر

ما يَعْرُجُ فِيها

و من شر ما ينزل إلى الأرض و من شر

ما يَخْرُجُ مِنْها

و من شر فتن الليل و النهار و من شر طوارق الليل و النهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان.

. و الخبر الثالث روى أيضا مالك في الموطإ أن كعب الأحبار كان يقول أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شي‏ء أعظم منه و بكلماته‏ (3) التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر و بأسمائه كلها ما قد علمت منها و ما لم أعلم من شر ما خلق و ذرأ و برأ.

و الخبر الرابع‏

-

رَوَى أَيْضاً مَالِكٌ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَ عِقَابِهِ وَ شَرِّ عِبَادِهِ وَ

مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏

وَ

أَنْ يَحْضُرُونِ‏

.

. و الخبر الخامس ما اشتهر و بلغ مبلغ التواتر من خروج النبي(ص)ليلة الجن و قراءته عليهم و دعوته إياهم إلى الإسلام.

و الخبر السادس روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى(ع)دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر الله تعالى خنس و إذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه.

و الخبر السابع‏

-

قَوْلُهُ(ع)

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ لَهُ شَيْطَانٌ قِيلَ وَ لَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَ لَا أَنَا إِلَّا

____________

(1) في المصدر: و خر لفيه.

(2) في المصدر: و بكلماته.

(3) في المصدر: و بكلمات اللّه.

330

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ.

. و الأحاديث في ذلك كثيرة و القدر الذي ذكرناه كاف.

المسألة الثالثة في بيان أن الجن مخلوق من النار و الدليل عليه قوله تعالى‏ وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ‏ و قال تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال‏ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ و اعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد أ لا ترى أن الأطباء قالوا إن المتعلق الأول للنفس هو القلب و الروح و هما في غاية السخونة و قال جالينوس إني بقرت مرة بطن قرد و أدخلت يدي في بطنه و أدخلت إصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة (1) و نقول أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية و قال بعضهم الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوة من الروحانيات.

المسألة الرابعة ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن.

الأول أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار و منه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار و منه الجنة لأنها (2) ساترة للإنسان و منه الجن لاستتارهم عن العيون و منه المجنون لاستتار عقله و منه الجنين لاستتاره في البطن و منه قوله تعالى‏ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (3) أي وقاية و سترا.

و اعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف.

و القول الثاني أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة و القول الأول أقوى.

المسألة الخامسة اعلم أن طوائف المكلفين أربعة الملائكة و الإنس و الجن و

____________

(1) في المصدر: فى غاية السخونة بل تزيد.

(2) في المصدر: لكونها.

(3) المنافقون: 2.

331

الشياطين و اختلفوا في الجن و الشياطين فقيل الشياطين جنس و الجن جنس آخر كما أن الإنسان جنس و الفرس جنس آخر و قيل الجن منهم أخيار و منهم أشرار و الشياطين اسم لأشرار الجن.

المسألة السادسة المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر و أنكر أكثر المعتزلة ذلك و أما المثبتون فقد احتجوا بوجوه الأول أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم و لا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه و ذلك غير مستبعد و إن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم غير ممتنع قياسا على النفس و غيره.

الثاني قوله تعالى‏ لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ‏ (1) الثالث‏

-

قَوْلُهُ(ع)

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنْ بَنِي آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.

. أما المنكرون فقد احتجوا بأمور الأول قوله تعالى حكاية عن إبليس‏ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏ (2) صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد و هو إلقاء الوسوسة و الدعوة إلى الباطل.

و الثاني لا شك أن الأنبياء و العلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان و البراءة منه فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين و بينهم أعظم أنواع العداوة فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر و على إيصال البلاء و الشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء و العلماء منهم أشد من تضرر كل أحد و لما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل.

المسألة السابعة اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون و لا يشربون و لا ينكحون‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏ و أما الجن و الشياطين فإنهم يأكلون و يشربون‏

-

قَالَ‏

____________

(1) البقرة: 275.

(2) إبراهيم: 22.

332

ص‏

فِي الرَّوْثِ وَ الْعَظْمِ إِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ.

و أيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي‏ و الله أعلم.

المسألة الثامنة في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار ذكروا أنه يغوص في باطن الإنسان و يضع رأسه على حبة قلبه و يلقي إليه الوسوسة و احتجوا عليه بما

-

رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ أَلَا فَضَيِّقُوا مَجَارِيَهُ بِالْجُوعِ.

-

وَ قَالَ(ص)

لَوْ لَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ‏

(1)

.

. و من الناس من قال هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها و احتج عليه بوجوه الأول أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام.

و الثاني ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه و بين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لم يخصهم بمزيد الضرر.

الثالث أن الشيطان مخلوق من النار فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن و معلوم أنا لا نحس بذلك‏ (2).

الرابع أن الشياطين يحبون المعاصي و أنواع الكفر و الفسق ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الكفر و الفسق فلا نجد منه أثرا و لا فائدة و بالجملة فلا نرى من عداوتهم ضررا و لا نجد من صداقتهم نفعا (3).

و أجاب مثبتو الشياطين عن السؤال الأول بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل و على القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء و الهواء فالسؤال أيضا زائل.

____________

(1) المصدر خال عن كلمة: و الأرض.

(2) في المصدر و معلوم أنّه لا يحس بذلك.

(3) في المصدر: لا من عداوتهم ضررا و لا من صداقتهم نفعا.

333

و عن الثاني لا يبعد أن يقال إن الله و الملائكة (1) يمنعونهم من إيذاء علماء البشر.

و عن الثالث أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم‏ يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (2) فلم لا يجوز مثله هاهنا.

و عن الرابع أن الشياطين مختارون و لعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض.

المسألة التاسعة في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء قال القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها الأشخاص فيتراءى‏ (3) فيها صورة بعد صورة أو مثل حوض ينصب‏ (4) إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة و اعلم أن مداخل هذه الآثار المجددة (5) في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس و إما من الباطن كالخيال و الشهوة و الغضب و الأخلاق المركبة في مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب و كذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب و أما إذا منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى و ينتقل الخيال من الشي‏ء إلى الشي‏ء (6) و بحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال فالقلب دائما في التغير و التأثر من هذه الأسباب و أخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر و أعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار و الأذكار و أعني بهذا إدراكات و علوما إما على سبيل التجدد و إما على سبيل التذكر فإنما (7) تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بالخيال بعد أن‏

____________

(1) في المصدر: و ملائكته.

(2) الأنبياء: 69.

(3) في المصدر: [تجتاز] و فيه: فتتراءى.

(4) في المصدر: تنصب.

(5) في المصدر: [المتجددة] و في النسخة المخطوطة: المحددة.

(6) في المصدر: من شي‏ء الى شي‏ء.

(7) في المصدر: و انما.

334

كان القلب غافلا عنها فالخواطر هي المحركات للإرادات و الإرادات محركة للأعضاء ثم إن هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة و إلى الخير أعني ما ينفع في العاقبة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما و المذموم يسمى وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب و التسلسل محال فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود هذا مخلص كلام الغزالي و قد حذفنا التطويل منه‏ (1).

المسألة العاشرة في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي و اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات فالمقدمة الأولى لا شك أن هاهنا مطلوبا و مهروبا و كل مطلوب فإما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره و لا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره و أن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره و إلا لزم إما الدور و إما التسلسل و هما محالان فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شي‏ء يكون مطلوبا لذاته و وجود (2) شي‏ء يكون مهروبا عنه لذاته.

و المقدمة الثانية أن الاستقراء يدل على أن المطلوب بالذات هو اللذة و السرور و المطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما و المهروب عنه بالذات هو الألم و الحزن و المهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما.

و المقدمة الثالثة أن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شي‏ء آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شي‏ء و اللذيذ عند القوة السامعة شي‏ء آخر و اللذيذ عند القوة الشهوانية شي‏ء ثالث و اللذيذ عند القوة الغضبية شي‏ء رابع و اللذيذ عند القوة العاقلة شي‏ء خامس.

____________

(1) في المصدر: بعد حذف التطويلات منه.

(2) في المصدر: و بوجود شي‏ء.

335

و المقدمة الرابعة أن القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الإدراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي و عند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما أو خاليا عنهما فإن حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله و إن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه و الفرار منه و إن لم يحصل العلم بكونه مؤلما و لا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه و لا رغبة إلى تحصيله.

المقدمة الخامسة أن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل و الرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض و المعاوق فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء مثاله إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الإقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد فعندئذ يعتبر العقل كيفية المعارضة و الترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه راجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان و مثال آخر لهذا المعنى أن الإنسان قد يقتل نفسه و قد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة و النفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض المقدمة السادسة في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مترتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا و ذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل و الترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك و للترك بدلا عن الفعل إلا بضميمة تنضم إليها و هي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد و تحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل إنسان عاد البحث الأول فيه و لزم إما الدور و إما التسلسل و هما محالان و إما الانتهاء إلى علوم و إدراكات و تصورات تحصل في جوهر النفس من‏

336

الأسباب الخارجة و هي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي فهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات و العلوم في القلب فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشياطين و نفاة الوسوسة قالوا ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المركوزة (1) في العضلات و الأوتاد (2) و ثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل و الترك إلا عند انضمام الميل و الإرادة إليها و ثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشي‏ء لذيذا أو مؤلما و ثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد و أن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه و ثبت أن ترتب‏ (3) كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا فإنه إذا أحس بالشي‏ء و عرف كونه ملائما مال طبعه إليه و إذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب و إذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة فلو قدرنا شيطانا من الخارج و فرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل و إن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل فعلمنا أن القول بوجود الشيطان و بوجود الوسوسة قول باطل بل الحق أن نقول إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالإلهام و إن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة هذا تمام الكلام في تقرير هذا الإشكال.

و الجواب أن كل ما ذكرتموه حق و صدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلا عن الشي‏ء فإذا ذكره الشيطان ذلك الشي‏ء تذكره ثم عند التذكر ترتب عليه الميل إليه و ترتب الفعل على حصول ذلك الميل فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال‏ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏

____________

(1) في المصدر: المذكورة.

(2) في المصدر: و الاوتار.

(3) في المصدر: يترتب الميل عليه و يترتب.

337

إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏ (1) إلا أنه بقي لقائل أن يقول فالإنسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم التسلسل‏ (2) و إن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه و لا بد لذلك الاعتقاد الحادث من محدث و ما ذاك إلا الله تعالى و عند هذا يظهر أن الكل من عند الله تعالى فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق و صار حاصل الكلام‏

-

مَا قَالَهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ(ص)

وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ.

و الله أعلم.

المسألة الحادية عشر اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة و تواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه و دماغه أصواتا خفية و حروفا خفية و كأن متكلما يتكلم معه و مخاطبا يخاطبه و هذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة إن هذه الأشياء ليست حروفا و لا أصواتا و إنما هي تخيلات الأصوات و الحروف و تخيل الشي‏ء عبارة عن حضور رسمه و مثاله في الخيال و هذا كما أنا إذا تخيلنا صورة البحار و الأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل و القلب بل الموجود في العقل و القلب صورها و أمثلتها و رسومها و هي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإذا أحسسنا صورة الفلك و الشمس و القمر في المرآة فإن ذلك ليس بأنه حضرت‏ (3) ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال و إنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء و صورها و أمثلتها فإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف و الكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة و لقائل أن يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف و الكلمات هل هو مساو للحروف و الكلمة في الماهية أو لا فإن حصلت المساواة فقد عاد

____________

(1) إبراهيم: 22.

(2) في المصدر: لزم تسلسل الشياطين.

(3) في المصدر: فاذا احسسنا في المرآة صورة الفلك و الشمس و القمر فليس ذلك لاجل انه حضرت.

338

الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف و الأصوات و إلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر و السماء حقيقة البحر و السماء و إن كان الحق هو الثاني و هو أن الحاصل في الخيال شي‏ء آخر مخالف للمبصرات و المسموعات فحينئذ يعود السؤال و هو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات و كيف نجد من أنفسنا هذه الكلمات و العبارات وجدانا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة و أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف و أصوات خفية (1).

و اعلم أن القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف و الأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر و إما شي‏ء روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف و الأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن و الشياطين أو الملك و إما أن يقال خالق تلك الحروف و الأصوات هو الله تعالى أما القسم الأول و هو أن فاعل هذه الحروف و الأصوات هو ذلك الإنسان فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادرا على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه و معلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه و تتعاقب على ذهنه بغير اختياره.

و أما القسم الثاني و هو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد و لما بطل هذان القسمان بقي الثالث و هي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى و أما الذين قالوا إن الله لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن و الشياطين و أما الذين قالوا إنه لا يقبح من الله شي‏ء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من نسبة

____________

(1) في المصدر: و أصوات حقيقة.

339

إسناد (1) هذه الخواطر إلى الله تعالى.

و اعلم أن الثنوية يقولون للعالم إلهان أحدهما خير و عسكره الملائكة و الثاني شر (2) و عسكره الشياطين و هما يتنازعان أبدا و كل‏ (3) شي‏ء في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به فالخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله و الخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان و اعلم أن القول بإثبات إلهين قول باطل على ما ثبت فساده بالدلائل فهذا منتهى القول في هذا الباب.

المسألة الثانية عشر من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الإحياء و على الإماتة و على خلق الأجسام و على تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية و خلقتها الأولوية (4) و منهم من أنكر هذه الأحوال و قال إنه لا قدرة لها على شي‏ء من هذه الأحوال و أما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الإيجاد و التكوين و الإحداث ليست إلا لله فبطلت هذه المذاهب كلها بالكلية و أما المعتزلة فقد سلموا أن الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام و الحياة و دليلهم هو أن قالوا الشيطان جسم و كل جسم فإنه قادر بالقدرة و القدرة التي لنا لا تحصل لإيجاد الأجسام فهذه مقدمات ثلاث فالمقدمة الأولى أن الشيطان جسم فقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله إما متحيز و إما حال في المتحيز و ليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة.

و أما المقدمة الثانية و هي قولهم الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة فقد بنوا

____________

(1) في النسخة المخطوطة: [من نسبة إنشاء هذه الخواطر] و في المصدر: من اسناد هذه الخواطر.

(2) المصدر: شرير.

(3) في المصدر: [كل‏] بلا عاطف.

(4) في المصدر: الاولية.

340

هذا على أن الأجسام متماثلة (1) فلو كان شي‏ء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته و بناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام.

و أما المقدمة الثالثة و هي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام و هذا أيضا ضعيف لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا و تكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشي‏ء في الحال امتناع وجوده فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.

المسألة الثالثة عشر اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب و قد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان(ع)و في حبسه بعد موته مدة و هم ما كانوا يعلمون موته و ذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب و من الناس من يقول إنهم يعلمون الغيب ثم اختلفوا فقال بعضهم إن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها و يتلقى بعض تلك الغيوب‏ (2) على ألسنة الملائكة و منهم من قال إن لهم طرقا أخرى في معرفة الغيوب عن الله تعالى‏ (3).

و اعلم أن فتح الباب في مثل هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون و الحسبانات و العالم بحقائقها هو الله سبحانه و تعالى‏ (4).

و قال أيضا في تفسير سورة الجن اختلف الناس قديما و حديثا في ثبوت الجن و نفيه فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره و ذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة ثم قال و هذا شرح للاسم.

فقوله فهذا شرح للاسم يدل على أن هذا الحد شرح المراد من هذا اللفظ

____________

(1) في المصدر: مما تستلزم مماثلة.

(2) في المصدر: و يخبر ببعض الغيوب.

(3) في المصدر: فى معرفة الغيوب لا يعلمها الا اللّه.

(4) تفسير الرازيّ 1: 76- 89.

341

و ليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج‏ (1).

و أما جمهور أرباب الملل و المصدقين للأنبياء(ع)فقد اعترفوا بوجود الجن و اعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة و أصحاب الروحانيات و يسمونها بالأرواح السفلية و زعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف و أما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى.

و اختلف المثبتون على قولين فمنهم من زعم أنها ليست أجساما و لا حاله في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها قالوا و لا يلزم من هذا أن يقال إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساما و لا جسمانية سلوب و المشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية قالوا ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة و بعضها شريرة و بعضها كريمة حرة محبة للخيرات و بعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور و الآفات و لا يعرف عدد أنواعهم و أصنافهم إلا الله تعالى قالوا و كونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخيرات‏ (2) قادرة على الأفعال فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع و تبصر و تعلم الأفعال الخيرة (3) فيفعل‏ (4) الأفعال المخصوصة و لما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لا يبعد (5) أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها قدرة البشر و لا يبعد أيضا أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم و كما أنه دلت الدلائل الطبيعية على أن التعلق‏ (6)

____________

(1) هذا لا يدلّ على ذلك بل المراد انه ليس حدا ذاتيا له بل هو شرح للاسم، و ذلك اعم من أن يكون له وجود في الخارج أم لا.

(2) في المصدر: عالمة بالخبريات.

(3) في المصدر: [و تعلم الأحوال الخبرية] و في النسخة المخطوطة: الأحوال الخيرة.

(4) في المصدر: و تفعل.

(5) في المصدر: لم يبعد.

(6) في المصدر: المتعلق الأول.

342

الأول للنفس الناطقة التي ليس للإنسان‏ (1) إلا هي هي الأرواح و هي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم و تتكون في الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضا أنه يكون‏ (2) لكل واحد من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهواء فيكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلق الأول لذلك الروح ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق و تصرف في تلك الأجسام الكثيفة.

و من الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال هذه الأرواح البشرية و النفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوة و كمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن و تصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها و تدبيرها لذلك البدن فإن الجنسية علة الضم فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا و تلك الإعانة إلهاما و إن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا و تلك الإعانة وسوسة و القول الثاني في الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها إنما المشترك بينها صفة واحدة و هي كونها بأسرها حاصلة في الحيز و المكان و الجهة و كونها موصوفة بالطول و العرض و العمق و هذه كلها إشارة إلى الصفات و الاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد قالوا و ليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد و حقيقة واحدة فيلزم أن لا يصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث‏

____________

(1) في المصدر: الإنسان.

(2) في المصدر: أن يكون.

343

هو جسم بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك و أيضا فلأنه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف و الكثيف و العلوي و السفلي و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية و التفاوت إنما يحصل بهذه الصفات و هي اللطافة و الكثافة و كونها علوية و سفلية قالوا و هاتان الحجتان ضعيفتان.

أما الحجة الأولى فلأنا نقول كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد و حقيقة واحدة فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد و حقيقة واحدة فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية و هذا مما لا يقوله عاقل بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للأعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات إذ لو حصل بينها قدر مشترك لكان ذلك المشترك جنسا لها و لو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد.

إذا ثبت هذا فنقول الأعراض من حيث إنها أعراض لها حقيقة واحدة و لم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض و هو كونه عارضا لموضوعاتها فكذا من الجائز أن يكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض و هو كونها مشارا إليها بالحس و حاصلة في الحيز و المكان و موصوفة بالأبعاد الثلاثة فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا.

و أما الحجة الثانية و هي قولهم إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف و الكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف و الكم و لم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا عن التساوي في كل الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمر هنا أيضا كذلك و إذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة و لم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال و حينئذ قالوا لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية ثم يكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا و قدرة مخصوصة على أفعال عجيبة و على هذا التقدير يكون‏

344

القول بالجن ظاهر الاحتمال و تكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال.

القول الثاني قول من قال الأجسام متساوية في تمام الماهية و القائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان الفرقة الأولى الذين زعموا أن البنية ليست شرطا في الحياة و هذا قول الأشعري و جمهور أتباعه و أدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية قالوا لو كانت البنية شرطا في الحياة (1) لكان إما أن يقال إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أو يقال قام بكل واحدة من الأجزاء حياة واحدة على حدة و الأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول.

و الثاني أيضا باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية و الحياة القائمة بكل واحد منها متساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر و حكم الشي‏ء حكم مثله فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء يحصل‏ (2) هذا الافتقار من الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور و هو محال و إن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني و إذا بطل هذا التوقيف‏ (3) ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة و العلم و في القدرة و الإرادة و بطل القول بأن البنية شرط قالوا و أما دليل المعتزلة و هو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء و هو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة و متى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف الحياة على حصول البنية إلا أن هذا ركيك فإن الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب فما الدليل على أن حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد و أيضا فلأن هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه و الفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة و جعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه فثبت أن البنية ليست شرطا في الحياة

____________

(1) في المصدر: للحياة.

(2) في المصدر: لحصل.

(3) في المصدر؟ هذا التوقف.

345

و إذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة و قدرة على أشياء شاقة شديدة و عند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة و سواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة.

القول الثاني أن البنية شرط الحياة و أنه لا بد من صلابة من البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة.

فهاهنا مسألة أخرى و هي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا و الموانع مرتفعة و الشرائط من القرب و البعد حاصلة و تكون الحاسة سليمة ثم مع هذا لا يحصل الإدراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا أما الأشعري و أتباعه فقد جوزوه و أما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا و استدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية و نقلية أما العقلية فأمران.

الأول أنا نرى الكبير من البعيد صغير و ما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض مع أن نسبة الحاسة و جميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة و حضور المرئي و حصول الشرائط و انتفاء الموانع لا يكون الإدراك واجبا.

الثاني أن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء فإما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أو لا يكون فإن كان الأول لزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء فيقع الدور و إن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة.

ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط (1) لا يكون واجبا بل جائزا.

____________

(1) في المصدر: عند اجتماع الشرائط.

346

و أما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات و بوقات و لا نراها و لا نسمعها و إذا عارضناهم بسائر الأمور العادية و قلنا لهم فجوزوا أن يقال انقلبت مياه البحار ذهبا و فضة و الجبال ياقوتا و زبرجدا و حصل‏ (1) في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس و قمر ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق و السبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا (2) أن بعضها واجبة و بعضها غير واجبة فلما لم يجدوا قانونا مستقيما و مأخذا سليما بين البابين تشوش الأمر عليهم بل الواجب أن يسوى بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب كما هو قول الفلاسفة أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري فأما التحكم في الفرق فهو بعيد.

إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن و أن أجسامهم و إن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها و إن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه.

و أنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك و الجن مع استمرارهم على مذاهبهم و ذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة و الجن أيضا كذلك و هذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة فإذا يجب في الملك و الجن أن يكونوا كذلك ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا و هم الكرام الكاتبون و الحفظة و يحضرون أيضا عند قبض الأرواح و قد كانوا يحضرون عند الرسول(ص)و إن أحدا من القوم ما كان يراهم و كذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها و إن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم و إن كانوا موصوفين بالقوة و الشدة مع عدم الكثافة و الصلابة فقد بطل قولهم إن البنية شرط الحياة فإن قالوا إنها أجسام لطيفة و لكنها للطافتها لا تقدر على الأعمال الشاقة فهذا إنكار لصريح القرآن و بالجملة فحالهم في الإقرار بالملك و الجن مع هذه المذاهب عجيبة (3).

____________

(1) في المصدر: أو حصلت.

(2) في المصدر: فوهموا.

(3) تفسير الرازيّ 30: 148- 152.

347

بيان‏ (1) أقول إنما أوردت هذه الأقوال الركيكة لتطلع على مذاهب جميع الفرق في ذلك و قد عرفت ما دلت عليه الآيات و الأخبار المعتبرة و أشرنا إلى ما هو الحق الحقيق بالإذعان و لم نتعرض لتزييف الأقوال السخيفة حذرا من الإطناب.

قوله فآذنوه ثلاثة أيام أي فأعلموه و أتموا الحجة عليه قال النووي فإنه إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت و لا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فاقتلوه و لن يجعل الله له سبيلا إلى الانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر و صفة الإنذار أن يقول أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا و أن تظهروا لنا قالوا لا تقتل حيات المدينة إلا بالإنذار و في غيرها يقتل بغيره بسبب أن طائفة من الجن أسلم بها و قيل النهي في حيات البيوت في جميع البلاد و ما ليس في البيوت يقتل بدونه انتهى.

و أقول و في بعض رواياتهم فليحرج عليها قال في النهاية قوله(ع)في قتل الحيات فليحرج عليها هو أن يقول لها أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا فلا تلومينا إن ضيق عليك بالتتبع و الطرد و القتل انتهى.

و قال النووي يقول أحرج عليك بالله و اليوم الآخر أن لا تبدوا لنا و لا تؤذونا و لا تظهروا لنا فإن لم يذهب أو عاد بعده فاقتلوه فإنه إما جني كافر أو حية و قوله شيطان أي ولد من أولاد إبليس أو حية (2).

____________

(1) في النسخة المخطوطة: تنبيه.

(2) أقول: هذا آخر الجزء الثالث و الستون من كتاب بحار الأنوار من المجلد السماء و العالم و يأتي بعده الجزء الرابع و الستون و أوله أبواب الحيوان و أصنافها، و الحمد للّه أولا و آخرا و نصلى على رسوله و آله. قم المشرفة: عبد الرحيم الربانى الشيرازى عفى عنه و عن والديه.

348

[كلمة المحقّق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيبين الطاهرين و بعد فقد وفّقنا الله تبارك و تعالى لتصحيح هذا الجزء من كتاب بحار الأنوار و هو الجزء الستّون حسب تجزئتنا قد بذلنا الجهد و المجهود في تصحيحه و تنميقه و مقابلته بالنسخ و بمصادره و علّقنا عليه تعليقاً مختصراً تتميماً لما لم يذكره المصنّف من غريب الغة و غيره و تبياناً لما اختلف في مصادره من نصوصه و كان المرجع في تصحيحنا مضافا إلى النسخة المطبوعة المعروفة بطبعة أمين الضرب و النسخة المعروفة بطبعة الخونساريّ نسخة مخطوطة أرسلها الفاضل المحترم السيّد جلال الدين الأرمويّ دامت توفيقاته استكتبها أبو القاسم الرضويّ الموسويّ الخونساريّ في سنة 1235 نشكر الله تعالى على توفيقنا لذلك و نسأله المزيد من توفيقه و إفضاله إنّه ذو الفضل العظيم.

قم المشرفة: عبد الرحيم الربانيّ الشيرازيّ عفى عنه و عن والديه رمضان 1390 ق‏

349

فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب‏

الموضوع/ الصفحه‏

1- باب تأثير السحر و العين و حقيقتهما زائدا على ما تقدّم في باب عصمة الملائكة 1

2- باب حقيقة الجنّ و أحوالهم 42

3- باب إبليس لعنه الله و قصصه و بدء خلقه و مكائده و مصائده و أحوال ذرّيّته و الاحتراز عنهم أعاذنا الله من شرورهم 131

تتمّة تشمل على فوائد جمّة (يتعلّق بالباب)

[كلمة المصحّح‏]

بسمه تعالى‏

انتهى الجزء السابع من المجلّد الرابع عشر- كتاب السماء و العالم- من بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأبرار و هو الجزء الثالث و الستّون حسب تجزئتنا من هذه الطبعة النفيسة الرائقة. و قد قابلناه على النسخة الّتي صحّحها الفاضل الخبير الشيخ عبد الرحيم الرباني المحترم بما فيها من التعليق و التنميق و اللّه وليّ التوفيق.

محمّد الباقر البهبودى‏

350

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}