الشيعة في الإسلام

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
220 /
103

الثابتة الخلابة، و عند إحساس لذاتها، تصبح اللذائذ الأخرى حقيرة في نظره، و بالتالي تجعله ينصرف عن الحياة الفاتنة الفانية.

هذا هو مدى جاذبية العرفان، التي تسلك بالمؤمن إلى العالم العلوي، و تقرّ في قلبه عظمة الله و جلاله، فينسى كل شي‏ء، و يغفل عن كل شي‏ء، فتحرضه هذه الجاذبية على أن ينبذ كل ما يتمناه و يرجوه في هذه الحياة، و تدعوه إلى عبادة الله الذي لا يرى، و هو أوضح من كل ما يرى و يسمع.

و في الحقيقة أن هذه الجاذبية الباطنية، هي التي قد أوجدت في الإنسان، سبل عبادة الله تعالى. و العارف هو الذي يعبد الله سبحانه عن حبّ و إخلاص، لا عن طلب للثواب و لا عن خوف و رهبة من العذاب. من هنا يتضح أن العرفان ليس مذهبا في قبال المذاهب الأخرى، بل أن العرفان طريق من طرق العبادة (عبادة الحب و الإخلاص، لا للخوف و الرجاء) و هو طريق لإدراك و فهم حقائق الدين، في قبال طريق الظواهر الدينية و طريق التفكر العقلي.

ظهور العرفان في الإسلام‏

من بين صحابة النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (و قد جاء ذكر ما يقارب من اثني عشر ألفا منهم في كتب الرجال) ينفرد الإمام علي عليه السّلام ببيانه البليغ عن حقائق العرفان، و مراحل الحياة المعنوية، إذ يحتوي على الذخائر الجمّة، ما لم نجد مثليه في الآثار التي بين‏

104

أيدينا عند بقية الصحابة، و أشهر أصحاب الإمام علي عليه السّلام و تلاميذه «سلمان الفارسي» و «أويس القرني» و «كميل بن زياد» و «رشيد الهجري» و «ميثم التمّار» و العرفاء عامة في الإسلام يجعلون هؤلاء أئمة و هداة لهم.

و هناك طائفة أخرى‏ تأتي في الدرجة الثانية، و هم «طاوس اليماني» و «مالك بن دينار» و «إبراهيم الأدهم» و «شقيق البلخي» الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري، و كانوا يعرفون بالزهاد و أولياء الله الصالحين، دون أن يتظاهروا بالعرفان و التّصوف، و على أية حال، فإنهم لم ينكروا ارتباطهم و مدى تأثرهم بالطائفة الأولى.

و هناك طائفة ثالثة ظهرت في أواخر القرن الثاني و أوائل القرن الثالث للهجرة مثل «أبا يزيد البسطامي» و «المعروف الكرخي» و «جنيد البغدادي» و غيرهم، من الذين سلكوا طريق العرفان، و تظاهروا بالعرفان و التصوف، و لهم أقوال تدل على مدى المكاشفة و المشاهدة لديهم، و لما كانت هذه الأقوال تتصف بظاهرها اللاذع، فإنها قد أثارت عليهم الفقهاء و المتكلمين في ذلك العصر، و سببت المشاكل و الفتن فأدّت إلى أن يزجّ بعضهم في السجون، و البعض الآخر يقدّم إلى أعواد المشانق.

و أمام هذا الوضع فقد أبدوا التعصب لطريقتهم مقابل المخالفين، و هكذا كانت طريقتهم تتسع و تنتشر يوما بعد يوم، و نجدها قد وصلت إلى ذروتها في القدرة و الانتشار، في القرنين السابع و الثامن الهجريين، حيث كانت تتسم بالرفعة و العلوّ تارة، ـ

105

و السقوط و الانحطاط تارة أخرى، و لا تزال تمارس حياتها حتى اليوم‏ (1) .

و الظاهر أن أكثر مشايخ العرفان الذين جاء ذكرهم في كتب العرفان، كانوا على مذهب أهل التسنن، و الطريقة التي نشاهدها اليوم (و التي تشتمل على مجموعة من عادات و تقاليد، لم نجد في الكتاب و السنة أساسا لها) تذكّرنا بتلك الأيام، و إن كان البعض من تلك العادات و التقاليد انتقلت إلى الشيعة.

و كما يقال، إن هؤلاء كانوا يعتقدون أن الإسلام يعوزه منهج للسير و السلوك، و المسلمون استطاعوا أن يصلوا إلى طريقة معرفة النفس، و هي مقبولة لدى الباري عزّ و جلّ، مثل ما في الرهبانية عند المسيحيين، إذ لم يوجد أساس له في الدعوة المسيحية، فأوجدها النصارى و حبّذها جمع فانتهجها (2) .

و يستنتج مما ذكر، أن كلا من مشايخ الطريقة، جعل ما رآه صلاحا من عادات و تقاليد، في منهج سيره و سلوكه. و أمر متبعيه بذلك، و بمرور الزمن أصبح منهاجا و سعيا مستقلا، مثل مراسم الخضوع و الخشوع، و تلقين الذكر و الخرقة و الاستفادة من الموسيقى و الغناء عند إقامة مراسم الذكر، حتى آل الأمر في بعض الفرق منها أن تجعل الشريعة في جانب، و الطريقة في جانب آخر، و التحق متبعو هذه الطريقة بنهج الباطنية. أما معايير النظرية الشيعية،

____________

(1) يراجع كتب التراجم و تذكرة الأولياء و الطرائق و غيرها.

(2) قوله تعالى في سورة الحديد الآية 27: «وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغََاءَ رِضْوََانِ اَللََّهِ.... »

106

فاستنادا إلى المصادر الأساسية للإسلام (الكتاب و السنة) تقرّ خلاف ذلك، و من المستحيل أن النصوص الدينية قد تغافلت عن هذه الحقيقة أو أنها أهملت جانبا من جوانب هذا النهج و الطريق (معرفة النفس و السير و السلوك) ، و يستحيل عليها أيضا أن تغض النظر عن شخص (أيّ كان) في الواجبات أو المحرمات.

إرشاد الكتاب و السنة إلى معرفة النفس، و مناهجها

إن الله تعالى جلّ شأنه، يأمر الناس في آيات متعددة في كتابه المجيد، أن يتدبّروا القرآن، و يعملوا به، و لا يقنعوا لأنفسهم بالفهم و الإدراك السطحي للقرآن، و بيّن في كثير من آياته أن في عالم الطبيعة آيات و دلالات له جلّ جلاله.

فلو تأملنا و تدبرنا معنى الآية و الدلالة، يتضح أن الآية و الدلالة هي التي تشير إلى شي‏ء آخر لا إلى نفسها، فعلى سبيل المثال، إن الذي يرى الضوء الأحمر، المشعر بالخطر.

فإنه مع مشاهدته للضوء، يتبادر إلى ذهنه الخطر ذاته، و لا يلتفت إلى الضوء نفسه، و إذا ما فكر في الضوء نفسه، أو ماهية الزجاج أو لونه، فذهنه يصوّر له الضوء أو الزجاج أو اللون، و لا يصور له مفهوم الخطر.

فإذا، كان العالم و ظواهره، آيات و دلالات لخالق العالم، فإن وجودهما ليس مستقلا، و لو شوهدت بأيّ شكل أو أيّة صورة، فإنما ترشد إلى وجوده سبحانه.

و الذي ينظر إلى العالم بهذا المنظار، و وفقا لتعاليم القرآن‏

107

الكريم و هدايته، لا يرى إلاّ الله سبحانه، و بدلا من أن يرى جمال العالم، فإنه يرى جمالا أزليا غير متناه، و هذا العالم تجلّ لهذا الجمال الأزلي عندئذ يهب حياته، و ينسى ذاته، و يفنى في حبّ الله جلّ شأنه.

و هذا الإدراك-كما يتّضح-لا يحصل عن طريق الحواس، كالعين و الأذن، و لا عن طريق الخيال و العقل، لأن هذه لم تكن سوى آيات و دلالات، فهي في غفلة عن هذه الدلالة و الهداية.

و هذا الطريق، الذي لا بدّ لسالكه أن ينسى كل شي‏ء سوى الله تعالى، عند ما يستمع إلى قوله في كتابه المجيد: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاََ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1) .

سيعلم أن الطريق الرئيسي الذي ينتهي به إلى الهداية الواقعية و الكاملة، هو طريق النفس الإنسانية، و المرشد الحقيقي له، هو الله تعالى، فقد كلّفه بمعرفة نفسه، و أن يسير في هذا السبيل، بتركه للسبل الأخرى ليرى الله من هذه الطريق، فإنه سيدرك مطلوبه الحقيقي.

و النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» .

و يقول أيضا: «اعرفكم بنفسه، أعرفكم بربه» .

و أما طريقة السير و السلوك، و هي طريقة الكثير من الآيات القرآنية التي تأمر بذكر الله تعالى، كقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (2)

____________

(1) سورة المائدة الآية 105.

(2) سورة البقرة الآية 152.

108

و غيرها من الآيات في الكتاب، و الأقوال في السنة، فقد جاءت مفصّلة، و يختتمها بقوله: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1) .

فهل يمكن أن يتصوّر، أن الإسلام، يعرّف لنا الطريق إلى الله تعالى، و لا يحثّ الناس على تتبعه، أو يعرّفه و يغفل عن تبيان نهجه، في حين نجده يقول عزّ من قائل: وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُسْلِمِينَ (2) .

____________

(1) سورة الأحزاب الآية 21.

(2) سورة النحل الآية 89.

109

الفصل الثالث:

المعتقدات الإسلامية من وجهة نظر الشيعة الإمامية

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

معرفة الله‏

ضرورة وجود الله تعالى‏

النظر إلى الكون عن طريق المخلوقات و الواقعيات.

إن أول خطوة يخطوها الإدراك و الشعور لدى الإنسان-و اللذان وجدا منذ وجوده-تبين له حقيقة وجود الخالق و المخلوق، باستثناء أولئك الذين يشكّون في وجودهم و في كل شي‏ء، و يعتبرون العالم ظنا و خيالا، إن الإنسان منذ وجوده يلازمه الإدراك و الشعور، يرى نفسه و العالم أجمع، فلا يشك بوجوده و لا يشك بأشياء أخرى غيره و هذا الإدراك و الشعور يمكن فيه، و ليس هناك مجال للشك و التردد.

هذه الواقعية و الوجود الذي يثبته الإنسان أمام السوفسطائيين و المشككين، أمر ثابت لا يعتريه البطلان، و في الحقيقة أن كلام السوفسطائيين و المشككين الذي ينفي الواقعية القائمة بحدّ ذاتها، هو كلام باطل، لا يحمل على الصحة اطلاقا، بل إن العالم و الكون ينطوي على واقعية ثابتة.

و لكن كل هذه الظواهر التي تنطوي على واقعية، و التي نشاهدها عيانا، تفقد واقعيتها و تصير إلى الفناء، خلال أدوار حياتها.

و من هنا يتّضح أن العالم المشهود و أجزاءه، لم تكن عين الواقعية (و التي لا يمكن إنكارها) ، بل تعتمد و تستند إلى واقعية

112

ثابتة، و بتلك الواقعية، تتصف بالواقعية، و تتصف بالوجود، و ما دامت مرتبطة و متصلة بها، فهي موجودة و باقية، و ما إن تنقطع عنها حتى تزول و تفنى‏ (1) ، و نحن نسمّى هذه الواقعية الثابتة التي لا يعتريها البطلان بـ (واجب الوجود) أو الله سبحانه.

. نظرة أخرى عن طريق ارتباط الإنسان بالعالم.

إن الأسلوب الذي اتبع في الفصل السابق، لإثبات وجود الله تعالى أسلوب بسيط، يستطيع الإنسان أن ينتهج هذا الأسلوب بفطرته التي أودعه الله إياها، و ليس هناك أيّ رادع أو مانع يمنعه من ذلك، و لكن معظم الناس، نتيجة ارتباطهم المستمر بالماديات، و تفانيهم في اللذائذ المحسوسة، يصعب عليهم الرجوع إلى الفطرة، و هي الفطرة الإلهية البيّنة.

فعلى هذا يعلن الإسلام أن شريعته عامة، و الكل سواسية أمام الدين و مقاصده، فهو يثبت وجود الله تعالى لهؤلاء الناس من طريق و أسلوب آخر، و هو الفطرة الواضحة، و التي غفل عنها البشر، فيخاطب البشر بها، و يعرّف الله جلّ شأنه عن طريقها.

فالقرآن الكريم، يتخذ طرقا لإيصال البشر كافة إلى معرفة الله، فهو يلفت الأنظار، و يوجه الأفكار غالبا إلى خلقة العالم، و النظام و التنسيق القائم فيه، و يدعو إلى ملاحظة و دراسة الآفاق و الأنفس، ذلك لأن الإنسان في حياته المحدودة، لا يتخلف و لا

____________

(1) و في كتابه العزيز إشارة إلى هذا البرهان بقوله تعالى‏ «قََالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» سورة إبراهيم الآية 10.

113

يخرج عن الطبيعة و النظام الحاكم فيها مهما سلك من سبل، و لن يغض النظر-بما أوتي من شعور و إدراك-عن المشاهد الخلابة، سواء في الأرض أو في السماء.

إن عالم الوجود (1) بما يتصف من سعة فإن كل جزء منه، بل و جميع أجزائه معرّضة للتغيير و التبديل المستمرين، و تظهر في كل لحظة بشكل جديد غير سابقتها

و وفقا للقوانين التي لا تقبل الاستثناء، فإن هذا العالم بأسره، ينطوي على نظام واضح بيّن، يجري وفقا لقوانين مدهشة و محيّرة للعقول، تسيّر عمله من أدنى حالة إلى أكملها، كي توصله إلى الهدف الاسمي و هو الكمال.

و فوق الأنظمة الخاصة، توجد أنظمة أعمّ، و هي النظام العام للكون، الذي يربط أجزاءه العديدة التي لا تحصى بعضها ببعض، و يوفق بين الأنظمة الجزئية، و يربط بعضها بالبعض الآخر، فهي في سيرها المستمر لن تتصف بالاستثناء أو الاختلال.

فنظام الخلقة مثلا عند ما أوجد الإنسان على سطح الأرض، فقد جعل خلقته تتناسب مع المحيط الذي يعيش فيه، و جعل المحيط بشكل يتناسب و ذلك المخلوق، كالمربّية العطوف التي تربي النشأ بكل عطف و حنان، فالعالم بما فيه من شمس و قمر و نجوم و ماء و تراب و ليل و نهار، و الفصول السنويّة، و السحب و الرياح

____________

(1) يقول جلّ ثناؤه‏ إِنَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لَآيََاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ*`وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مََا يَبُثُّ مِنْ دََابَّةٍ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ*`وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ، وَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا وَ تَصْرِيفِ اَلرِّيََاحِ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ*`تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللََّهِ وَ آيََاتِهِ يُؤْمِنُونَ سورة الجاثية الآية (3-6) .

114

و الأمطار، و الكنوز التي تحت الأرض و فوقها، و بالتالي كل ما تملك من قوة، سخّرت لراحة الإنسان و سعادته، و إننا نلاحظ هذا الارتباط و التعاون في كل مظهر من مظاهر الطبيعة، و في كل ما يجاورنا من قريب أو بعيد، و حتى في البيت الذي نعيش فيه.

و مثل هذا الاتصال و الارتباط قائم في جميع أجزاء الأجهزة الداخلية لكل مظهر من مظاهر هذا العالم، فالطبيعة لمّا منحت الإنسان الخبز مثلا، منحته الرجلين للسعي إليه، و اليدين لتناوله، و الفم لأكله، و الأسنان لمضغه، و ربطته بسلسلة من الوسائل المرتبطة بعضها بالبعض الآخر كالسلاسل، و التي ترتبط بالهدف الغائي و هو البقاء و الكمال لهذا المخلوق.

و لم يشك أحد من علماء العالم أن الارتباطات اللامتناهية، و التي توصلوا إليها اثر الدراسات العلمية لآلاف السنين، ما هي إلا طليعة و بداية مختصرة لأسرار الخلقة، و كل كشف جديد، بمثابة إنذار للبشرية عن مجهولات لا حصر لها.

و هل يمكن القول بأن هذا الكون الرحب، مع استقلال أجزائه، يمتاز بوحدة و اتصال و مع ما فيه من اتقان مدهش، لا يدلّ على علم و قدرة غير متناهية. و هل يمكن القول بأنه وجد دون خالق، و لم يكن هناك سبب أو هدف من إيجاده؟

و هل يمكن التصديق بأن كل هذه الأنظمة سواء الجزئية منها أو الكلية، و كذا النظام العام القائم في الكون، مع ما يتصف به من ارتباط محكم غير متناه.

و الذي يسير وفق نظام دقيق خاص، لا يقبل التغيير

115

و الاستثناء، كل هذا قد جاء دون حساب، و إنما مجرد المصادفة هي التي لعبت دورها في خلقه و إيجاده؟أم أنّ كلا من هذه الظواهر سواء الصغيرة منها أو الكبيرة في العالم، قد اتخذت لها نهجا قبل حدوثها و خلقتها، و بعد أن وجدت سلكت ذلك السبيل و النهج؟

أم أن هذا الكون مع وحدته الكاملة الشاملة، و الاتصال و الارتباط القائم فيما بينها، فهو لا يعدو مجموعة واحدة متكاملة، قد أنشئت و خلقت نتيجة لعوامل متعددة مختلفة، و يسير وفقا لقوانين متباينة؟

من الطبيعي أن الشخص الذي يرجع كل ظاهرة لمسبب و كل معلول لعلة، فإنه عند مشاهدة عدة أحجار بصورة منتظمة و منسقة، ينسبها مباشرة إلى علم و قدرة قامت بصنعها، و بذلك ينفي المصادفة مطلقا، و يحكم بوجود تخطيط هادف، و لا يدّعي أن المصادفة هي التي أوجدت هذا النظام و التنسيق.

لذا فإن الكون، بما فيه من أنظمة مهيمنة، مخلوقة لخالق عظيم، هو الذي أوجدها بعلمه و قدرته غير المتناهية، و يسيّرها إلى الغاية. و ما العوامل البسيطة التي تنشئ الحوادث البسيطة، في العالم إلاّ منتهية إليه، فهي تحت قدرته و هيمنته و تسخيره، و كل ما في الكون محتاج إليه، و هو غير محتاج لأحد أو لشي‏ء، و لم يكن معلولا لعلة، و لا سببا لمسبب.

116

وحدانية الله تعالى‏

كل واقعية من واقعيات العالم، تعتبر واقعية محدودة، أي أنها تتمتع بالوجود على «فرض وجود السبب و الشرط» ، و تعتبر أيضا وفقا لغرض عدم السبب و الشرط» عدما، و لحقيقة وجودها حدّ محدود، إذ لا توجد خارج ذلك الحدّ، فالله جلّ شأنه هو المنزّه عن الحدّ و المحدودية لأن واقعيته مطلقة، فهو موجود بأيّ تقدير، و لم يكن محتاجا لأيّ سبب و شرط و لا مرتبطا بأيّة علة.

و لا يسعنا أن نفترض عددا لأمر غير محدود و غير متناه، فإذا ما افترض ثان، فإنه غير الأول، و في النتيجة، الاثنان محدودان متناهيان.

و سيضع كل منهما حدا فاصلا للآخر، فلو افترضنا على سبيل المثال حجما غير محدود و غير متناه، لا يسعنا افتراض حجم آخر إزاءه، و لو قدّر أن افترضنا هذا فإن الثاني هو الأول، فعلى هذا، فإن الله تعالى أحد لا شريك له‏ (1) ...

____________

(1) يروى أن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال: يا أمير المؤمنين أ تقول إن الله واحد، فحمل الناس عليه و قالوا: أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ و جل، و وجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له يدخل في باب الأعداد، أ ما ترى أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة، و قول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع و الجنس فهذا ما لا يجوز، -

117

الذات و الصفات‏

لو نظرنا إلى الإنسان مثلا من زاوية العقل، سنرى له ذاتا، و هذه الذّات هي عين إنسانيته الخاصة به، و يمتاز بصفات أيضا، و هذه الصفات التي تعرّف كنه ذاته، فمثلا أنه ابن لفلان، عالم قادر، طويل، جميل، أو صفات أخرى مغايرة.

فبعض هذه الصفات، كالأولى، لا تنفصل عن الذّات، و بعضها الآخر، كالعلم مثلا، يمكن أن تنفصل عن الذّات أو تتغير، و على أية حال، فإن كلا من هذه الصفات، ليست بالذّات، كما أن كلّ واحدة منها غير الأخرى.

و هذا الموضوع (الذّات مغايرة للصّفات، و الصّفات تختلف فيما بينها) خير دليل على أن الذّات التي تتصف بصفة، و الصفة التي تعيّن و تعرّف الذّات، كلاهما محدودتان و متناهيتان، لأن الذّات إذا كانت غير محدودة و غير متناهية، لكانت تشمل الصفات و كذا الصفات كانت كل واحدة منها تشتمل على الأخرى، فتصبح في النتيجة كلها شيئا واحدا، فمثلا لو كانت الذّات الإنسانية هذه

____________

ق-لأنه تشبيه و جلّ ربنا تعالى عن ذلك. و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، و قول القائل إنه عزّ و جلّ أحديّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا و هم كذلك ربنا عزّ و جلّ. بحار الأنوار ج 2: 65.

و يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: معرفته (الله) عين ذاته، أي أن إثبات وجود الله تعالى، و هو وجود غير متناه و غير محدود، كاف في إثبات وحدانية، لأن الثاني لا يتصور لغير المتناهي.

118

تنحصر في القدرة، و كانت القدرة و العلم و كذا طول القامة، و الجمال كل واحدة منها عين الأخرى، لكانت كل هذه المفاهيم لا تعدو المفهوم الواحد.

فيتّضح مما سبق بأنه لا يمكن إثبات صفة (بالمعنى السابق) لذات الله عز و جل، لأن الصفة لا تتحقق من غير تحديد لها، و ذاته المقدسة منزّهة من أيّ تحديد (حتى من هذا التنزيه الذي يعتبر في الحقيقة اثبات صفة له) .

معاني صفات الله تعالى‏

نعلم أنّ في العالم الكثير من الكمالات التي تظهر بشكل صفات، فهذه الصفات المثبتة متى ما ظهرت في شي‏ء، تسعى في تكامل المتّصف، و تمنحه قيمة أكثر، كما يتّضح ذلك من مقارنة جسم حيّ كالإنسان مع جسم غير حيّ كالحجر.

مما لا شك فيه أن هذه الكمالات قد منحها الله تعالى، و لو كان مفتقدا لها لما منحها لأن فاقد الشي‏ء لا يعطيه، و لما جعلها تتدرج في طريق الكمال، فعلى هذا يجب أن يقال، و وفقا لحكم العقل السليم، أن الخالق، يتّصف بالعلم و القدرة و كل كمال حقيقي.

و فضلا عن هذا، فإن آثار العلم و القدرة و بالتالي آثار الحياة واضحة في نظام الخلقة.

و بما أن ذات الله غير محدودة و غير متناهية، فالكمالات هذه أن اعتبرت صفات له، فإنها في الحقيقة عين ذاته، و كذا كل‏

119

واحدة منها هي عين الأخرى‏ (1) ، و أما الاختلاف الذي يشاهد بين الذّات و الصّفات، و بين الصّفات نفسها فتنحصر في المفهوم، و في الحقيقة ليس هناك سوى مبدأ واحد غير قابل للانقسام.

فالإسلام يلزم متبعيه كي لا يقعوا في مثل هذا الاشتباه (المحدودية بالتوصيف، أو نفي أصل الكمال) و يضعهم بين النفي و الإثبات‏ (2) و يأمرهم بهذا الاعتقاد، فالله عالم لا كعلم غيره، و له القدرة، و ليست كقدرة الآخرين، فهو يسمع لا بإذن، و يرى لا بعين، و هكذا...

مزيد من التوضيح في معاني الصفات‏

الصفات نوعان: صفات كمال و صفات نقص. فالصفات الكمالية-كما أشرنا إليها-معان إثباتية، تمنح المتصف بها قيمة وجودية أكثر، و آثارا وجوديّة أوسع، و يتّضح ذلك من مقارنة موجود حيّ عالم قادر، مع موجود آخر غير حيّ، غير عالم و غير قادر، و أما صفات النّقص، فهي صفات تغايرها.

____________

(1) عن الإمام الصادق عليه السّلام أنه قال: لم يزل الله جلّ و عزّ ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور. البحار ج 2:

152.

(2) عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام: إن الله نور لا ظلمة فيه و علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه. البحار ج 2: 129.

و قد سئل الإمام الرضا عليه السلام عن التوحيد فقال: ... إن للناس في التوحيد ثلاثة مراتب، إثبات بتشبيه و مذهب النفي و مذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، و مذهب النفي. لا يجوز، و الطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه. البحار ج 2: 94.

120

عند ما نمعن النظر في صفات النقص، نجدها بحسب المعنى منفية. تفتقر إلى الكمال، و إلى نوع من قيم الوجود، مثل: الجهل و العجز و القبح و السّقم و أمثالها.

و حسب ما تقدم أن نفي صفات النقص تعني صفات الكمال، كما أن نفي الجهل يعني العلم، و نفي العجز يعني القدرة، و من هنا نجد القرآن الكريم يثبت كل صفة كمالية لله تعالى بشكل مباشر، و ينفي كل صفة نقص عنه،

كما في قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ؛ و هُوَ اَلْحَيُّ؛ لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ؛ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اَللََّهِ .

و مما تجدر ملاحظته أن الله تعالى واقعيّة مطلقة، فليس له حدّ و نهاية، فعلى هذا (1) فإن أيّة صفة كمالية تطلق عليه، لا تعني المحدودية، فإنه ليس بمادة و جسم و لا يحدّد بزمان أو مكان، و منزه من كل صفة حالية حادثة، و كل صفة تثبت له حقيقة فهي بعيدة عن المحدودية و هو القائل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (2) .

صفات الفعل‏

فالصّفات (فضلا عما سبق) تنقسم انقساما آخر، و هي صفات الذّات و صفات الفعل.

____________

(1) يقول الإمام جعفر الصادق عليه السّلام: لا يوصل الله تعالى بزمان أو مكان و لا حركة و لا انتقال و لا سكون، بل هو خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال. البحار ج 2: 96.

(2) سورة الشورى الآية 11.

121

فالصفة أحيانا تكون قائمة بالموصوف، مثل الحياة و العلم و القدرة، فتتحقق هذه في الإنسان الحيّ القادر، و نرى تارة أنه لا يتحقق بالموصوف فحسب، فإذا أراد الموصوف أن يتصف بصفة لا بد من تحقق شي‏ء آخر، مثل الكتابة، الخطابة، الطلب، و نظائرها، لأن الإنسان إنما يستطيع الكتابة عند ما يتوفر لديه القلم و الدواة و الورق مثلا، و يستطيع أن يكون خطيبا عند حضور المستمع، و يستطيع أن يكون طالبا عند ما يتوفر المطلوب، و لا يكفي أن نفترض للإنسان تحقق هذه الصفات.

من هنا يتضح أن الصفات الحقيقية لله تعالى (كما سبقت الإشارة إليها عين الذات) هي من النوع الأول و أما النوع الثاني، و الذي يستلزم تحققه لشي‏ء آخر، فإن كل شي‏ء غيره مخلوق له، و يأتي بعده في مرحلة الوجود، و كل صفة يوجدها مع وجوده، لا يمكن أن تعتبر صفة لذاته أو عين ذاته تعالى.

فالصّفات التي يتصف بها تعالى عند تحقق الخلقة، هي الخالقية، الربانية، و الإحياء، و الإماتة، و الرازقية، و أمثالها، لم تكن عين ذاته، بل زائدة على الذات و صفات للفعل.

و المقصود من صفات الفعل هو أن تتخذ معنى الصفة من الفعل لا من الذات، مثل الخالقية، أي يتصف بهذه الصفة بعد تحقق الخلقة للمخلوقات، فهو قائم منذ قيامها (أي موجود منذ وجودها) ، و لا علاقة لها بذاته تعالى، كي تتغير من حال إلى حال عند تحقق الصفة.

تعتبر الشيعة صفتي الإرادة و الكلام، (الإرادة بمعنى الطلب،

122

و الكلام بمعنى الكشف اللفظي عن المعنى) من صفات الفعل‏ (1) و الغالبية من أهل السنة يعتبرونها بمعنى العلم، و صفات لذاته تعالى.

القضاء و القدر

إن قانون العلية سار في الكون، و مهيمن، بحيث أنه لا يقبل الاستثناء، و وفقا لهذا القانون كل مظهر من مظاهر هذا العالم، يرتبط بعلل عند وجودها، و هي الأسباب و الشروط اللازمة لتحققها، و مع توفر كل تلك الشروط (و التي تدعى بالعلة التامة) يتحتم وجود تلك الظاهرة (المعلول المفروض) . و لو فرضنا عدم تحقق تلك الأسباب كلها أو بعضها، فإنه يستحيل تحقق وجود تلك الظاهرة.

عند الإمعان في هذه النظرية، يتّضح لنا موضوعان:

الأول: لو قدّر أن نقارن بين ظاهرة «المعلول» مع العلة تامة بأجمعها، و كذلك مع الأجزاء لتلك العلة التامة، تكون النسبة بينها و بين العلة التامة، نسبة الضرورة (الجبر) و لكانت النسبة بينها و بين كل من أجزاء العلة التامة (و التي تعتبر علّة ناقصة) نسبة الإمكان، لأن جزء العلة بالنسبة إلى المعلول يعطي إمكان التحقق و الوجود، و لا يعطي ضرورة الوجود.

____________

(1) قال أبو عبد الله عليه السّلام: لم يزل الله جل اسمه عالما بذاته و لا معلول و لم يزل قادرا بذاته و لا مقدور، قلت جعلت فداك، فلم يزل متكلما، قال الكلام محدث كان الله عزّ و جلّ و ليس بمتكلم ثم أحدث الكلام» . البحار ج 2: 147.

قال الرضا عليه السّلام: «الإرادة من المخلوق الضمير و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل و أما من الله عزّ و جلّ فإرادته أحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي و لا يهمّ و لا يتفكر» . البحار ج 2: 144.

123

على هذا فالكون و جزء من أجزائه يستلزم علة تامة في تحقق وجوده، و الضرورة مهيمنة عليها بأسرها، و قد نظّم هيكلها من مجموعة حوادث ضرورية و قطعية، فمع هذا الوضع، فإن صفة الإمكان في أجزائها (الظواهر التي ترتبط مع غير العلة التامة لها) محفوظة.

فالقرآن الكريم في بيانه يسمي هذا الحكم الضروري بالقضاء الإلهي، لأن الضرورة هذه تتبع من وجود الخالق، و لهذا يكون حكما و قضاء عادلا حتميا غير قابل للتخلف، إذ لا يقبل الاستثناء أو التبعيض.

يقول جلّ شأنه: أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ (1) .

و يقول سبحانه و تعالى: وَ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2) .

و يقول سبحانه و تعالى: وَ اَللََّهُ يَحْكُمُ لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (3) .

الثاني: إن كلا من أجزاء العلة، لها مقدارها الخاص تمنحه إلى المعلول، و تحقق المعلول و ظهوره يطابق مجموع المقادير التي تعيّنها العلة التامة، فمثلا العلل التي تحقق التنفس للإنسان، لا تحقق التنفس المطلق، بل يتنفس الإنسان مقدارا معينا من الهواء المجاور لفمه و أنفه و في زمان و مكان معينين، و وفق طريقة معينة، و يتم ذلك عن طريق مجرى التنفس، حيث يصل الهواء إلى الرئتين، و هكذا

____________

(1) سورة الأعراف الآية 54.

(2) سورة البقرة الآية 117.

(3) سورة الرعد الآية 41.

124

الرؤية و الإبصار، فإن العلل الموجودة لها في الإنسان (و الذي هو جزء منها) لم تحقق إبصارا من دون قيد أو شرط، بل تحقق إبصارا معينا من كل جهة، بواسطة الوسائل اللازمة له، و هذه الحقيقة سارية في كل ظواهر الطبيعة، و الحوادث التي تتفق فيها لا تتخلف.

و القرآن الكريم يسمّي هذه الحقيقة ب «القدر» و ينسبها إلى خالق الكون و مصدر الوجود، بقوله تعالى: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ (1) .

و يقول: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (2) .

و كما أن كل ظاهرة و حادثة في نظم الخلقة تعتبر ضرورية الوجود وفقا للقضاء الإلهي، و يتحتم وجودها، فكذلك وفقا للقدر فإن كل ظاهرة أو حادثة عند تحققها لا تتخلف عن المقدار المعيّن لها من قبل الله تعالى.

الإنسان و الاختيار

كل ما يقوم به الإنسان من فعل، يعتبر ظاهرة من ظواهر عالم الخلقة، و يرتبط تحققه كسائر الظواهر بالعلة ارتباطا كاملا، و بما أن الإنسان هو جزء من عالم الخلقة، و يرتبط مع سائر الأجزاء الأخرى من العالم، فإنها بدورها تؤثر في أفعال الإنسان.

____________

(1) سورة القمر الآية 49.

(2) سورة الحجر الآية 21، قال أبو عبد الله عليه السّلام: إن الله إذا أراد شيئا قدّره و إذا قضاه أمضاه. البحار ج 3: 35.

125

و على سبيل المثال، فإن قطعة الخبز التي يريد الإنسان تناولها، فإنه يستلزم وجود الوسائل كاليد و الفم و العلم و القدرة و الإرادة، و أيضا وجود الخبز في الخارج، و عدم وجود أي مانع يمنع من الوصول إليه، و شروط أخرى من زمان أو مكان. و مع فقدان إحداها يتعذّر تحقق الفعل، و مع تحقق كل تلك العوامل (تحقق العلة التامة) فإن تحقّق الفعل ضروري.

و كما أشرنا آنفا، فإن ضرورة الفعل بالنسبة إلى مجموع أجزاء العلة التامة تعتبر نسبة إمكان، و لا يتنافى مع نسبة الفعل إلى الإنسان الذي هو أحد أجزاء العلة التامة.

إن الإنسان له اختيار الفعل، و ضرورة نسبة الفعل إلى مجموع أجزاء العلة، لا يستلزم الضرورة بالنسبة إلى فعل بعض من أجزائها و هو الإنسان.

و الإدراك البسيط للإنسان يؤيد هذا القول، فإننا نراه يميّز بحكم الفطرة الإلهية المودّعة لديه، يميّز بين الأكل و الشرب، و الذهاب و الإياب، و بين الصحة و السقم، و الكبير و الصغير، و القسم الأول الذي يرتبط بإرادة الإنسان ارتباطا مباشرا، يعتبر من إرادة الشخص، فيحاسب في مواضع الأمر و النهي و المدح و الذم، خلافا للقسم الثاني، الذي يترتب فيه تكليف على الإنسان.

و قد وجد في صدر الإسلام، بين أهل السنة، مذهبان معروفان بالنسبة إلى أفعال الإنسان، ففريق كان يرى أن أفعال الإنسان متعلقة بإرادة الله تعالى لا تخلّف فيها، فكان يدّعي أن الإنسان مجبور في أفعاله، و لا أثر لما يمتاز به من اختيار و إرادة، و الفريق

126

الآخر، كان يدّعي أن الإنسان مستقل في أفعاله، و ليس له ارتباط بإرادة الله سبحانه، و يعتبرونه خارجا عن حكم القدر.

و مما يروى عن أهل البيت عليهم السّلام، و هو مطابق مع ظاهر تعاليم القرآن، إن الإنسان مختار في أفعاله، ليس بمستقل، إذ أن الله تعالى قد أراد الفعل عن طريق الاختيار، و هذا ما عبرنا عنه سابقا، بأن الله سبحانه، أراد الفعل عن طريق مجموع أجزاء العلة التامة، و التي إحداها إرادة الإنسان، و أصبحت ضرورة، و في النتيجة، أن مثل هذا الفعل الذي يرتبط بإرادة الله تعالى ضروري، و الإنسان أيضا مختار فيه، أي أن الفعل يعتبر ضروريا بالنسبة إلى مجموع أجزاء علته، و لكنه اختيار و ممكن بالنسبة إلى أحد أجزائه و هو الإنسان.

و الإمام الصادق عليه السّلام يقول: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين» (1) .

____________

(1) عن أبي جعفر أبي عبد الله عليه السّلام: قال: إن الله عزّ و جلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذّبهم عليها، و الله أعزّ من أن يريد أمرا فلا يكون. البحار ج 3: 15.

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون و الله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد. البحار ج 3: 15.

127

معرفة النبيّ‏

نحو الهدف الهداية العامة

تبدأ حبة الحنطة بالنمو عند توفر العوامل المساعدة لها، فبعد أن توضع في التربة، و بمرور الزمن تتحول من حالة إلى أخرى، و في كل لحظة تتخذ حالة و شكلا غير ما كانت عليها قبل لحظات، و تسلك طريقا وفقا لنظام خاص، حتى تزداد نموا، فتصبح سنبلة، و إذا ما سقطت حبة قمح على الأرض، سلكت الطريق ذاته، و إذا ما سقطت بذرة فاكهة على الأرض، تبتدئ بالحركة و النمو فيخترق الغشاء نتوء أخضر، و يسلك طريقا خاصا منتظما، حتى يزداد في نموه و يصبح شجرة مثمرة.

و إذا ما استقرت نطفة حيوان في بيضة أو في رحم أمّ، تشرع بالنمو و التكامل، و تسلك سلوكا، تختصّ به تلك النطفة، حتى تصل إلى فرد كامل من ذلك النوع.

إنّ هذا السلوك الخاص و المنتظم يشاهد في كل من أنواع الكائنات الحيّة في العالم، و يعتبر من مميزاتها و فطرتها الخاصة، و لن تجد في الحياة نقيضا لهذه السنّة، أي يستحيل أن تتبدل حبة قمح إلى حيوان، و نطفة حيوان إلى شجرة. و إذا ما حدث تغيير في تكوين حيوان أو نبات بأن نقص منها عضو أو جزء فإن السبب في ذلك يعود إلى مرض أو ما شابه.

إن النظام القائم و المستمر في الكون، و خلقة الأجسام المتنوعة،

128

و اختصاص كل نوع منها في سلوك خاص، نحو التطور و التكامل، يحتاج إلى نظام خاصّ به، لا ينكره أيّ محقق متتبع، و من هذه النظرية البيّنة نستنتج موضوعين:

1- أنه في جميع المراحل التي يطويها نوع من أنواع الكائنات الحية في العالم، هناك اتصال و ارتباط قائم بينها، و كأنّ هناك قوة تسيّرها هذا المسير الخاص في كل مراحلها التطورية.

2- إن هذا الاتصال و الارتباط يهدف في مرحلته الأخيرة إلى تكوين بني نوعه، فكما أن البذرة عند ما توضع في التربة تهدف في طريقها منذ مراحلها الأولى إلى أن تنشأ شجرة، و كذا النطفة في رحم الأمّ، تهدف من مراحلها الأولية إلى أن تكون حيوانا متكاملا، و للوصول إلى التكامل نراها تسلك نهجا خاصا في حياتها.

و القرآن العظيم في تعليماته يؤيد هذه الحركة و هذا الاندفاع، كما أن أنواع الكائنات الحية في العالم تهتدي بهدى الله تعالى في طريق تكاملها و كمالها، و يستدل بآيات من الذكر الحكيم في هذا الشأن كما في قوله تعالى:

قََالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ (1) .

و في سورة الأعلى، الآية 2 و 3 يقول جلّ ذكره: اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى*`وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ .

و كذا يشير إلى النتائج التي ذكرت آنفا في سورة البقرة الآية 148: يقول جلّ شأنه:

وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا .

____________

(1) سورة طه الآية 50.

129

و يقول جلّ من قائل في سورة الدخان الآية 38 و 39: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ*`مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ .

الهداية الخاصة

بديهي أن النوع الإنساني لا يستثنى عن هذه الهداية التكوينية التي تهيمن على جميع الكائنات في العالم، فهي تسيطر على الإنسان أيضا، و بما أن كلّ كائن يطوي في طريقه نحو التكامل بما لديه من قدرة و قابلية، فكذلك الإنسان يساق نحو الكمال الواقعي بواسطة الهداية التكوينية.

قد يشترك الإنسان في كثير من صفاته و مميزاته مع سائر أنواع الكائنات الحيّة من حيوان أو نبات، لكنه يتميّز بخصائص خاصة به، تجعله يمتاز عن غيره، و أهمها العقل.

فالعقل يدعو الإنسان إلى التفكّر و التدبّر، و الانتفاع من كل وسيلة ممكنة، لتحقيق أهدافه و أغراضه، فهو يعرج إلى السماء حينا، فيسير في الفضاء اللامتناهي، و يغوص في أعماق البحار أحيانا، و يدأب في الاستفادة من أنواع الحيوان و النبات و الجماد على ظهر البسيطة، و قد يتجاوز هذا الحدّ بأن يتجه إلى استغلال بني نوعه.

و الإنسان حسب طبعه الأولي، يرى حريته المطلقة في سعادته و كماله، و بما أن وجوده وجود اجتماعي، و متطلباته في الحياة متعددة، بحيث لا يمكن أن ينالها لوحده، بل بالتعاون مع أبناء

130

نوعه الذين يتصفون بالغرائز ذاتها، بما فيها حبّ الذّات و الحرية.

فتفرض عليه طبيعة المجتمع أن يضحّي بقسط من حريته في هذا السبيل مقابل المنافع التي يحصل عليها من الآخرين، فهو يقدم خدمة، و ينتفع بما يقدمه الآخرون من خدمات، أي أنه يتقبل، رغما عنه، الحياة الاجتماعية التي تتصف بالتعاون.

و هذه الحقيقة تظهر جليّة لدى الأطفال و الفتيان، إذ هم في البداية، يحققون ما تصبو إليه نفوسهم بالرفض تارة و البكاء تارة أخرى. فيرفضون كل قانون أو عادة أو ما شاكل ذلك، و لكن مع مرور الوقت، و حسب تطورهم الفكري يدركون أن الحياة لا تتلاءم مع الرفض و الطغيان، فيمارسون ما يمارسه الفرد في المجتمع بشكل تدريجي، حتى يصلوا إلى ما يصل إليه الفرد في مجتمعه، من اتّباع العادات و السنن و القانون، فهم بعد نضوجهم يألفون المجتمع.

و الإنسان بعد تقبله الحياة الاجتماعية التي قوامها التعاون، يرى ضرورة القانون الحاكم على الحياة، و هو الذي يعيّن واجبات كل فرد من أفراد المجتمع، و يضع الجزاء لكل من يخالف القانون، فإذا عمّ القانون و ساد المجتمع، عندئذ ينال كل فرد من أفراد المجتمع السعادة المطلوبة، التي طالما تمناها.

هذا القانون هو القانون العملي الذي ما برح البشر منذ نشأتهم و إلى يومنا هذا يرجونه و يرغبون في الوصول إليه، و طالما كانوا يستلهمون منه أهدافهم و أغراضهم، و يسعون لتحقيقها،

131

و من الطبيعي أنه إذا كان الأمر يستحيل تحققه على البشرية، و لم يكن مفروضا عليها، لما كانت تهدف إليه دوما (1) .

و الله جل شأنه يشير إلى حقيقة المجتمع البشري بقوله:

نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (2) .

و قد أشار الذكر الحكيم إلى حبّ النفس و الأنانيّة بقوله تعالى:

إِنَّ اَلْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعاً*`إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً*`وَ إِذََا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً (3) .

العقل و القانون‏

لو تأملنا جيدا، لرأينا أن القانون الذي ما برح البشر ينتظرونه، و يطلبونه مع ما لديهم من إدراك فطري إلهي، و إدراك للزوم إجرائه كي يضمن لهم سعادتهم، هو القانون الذي يستطيع أن يسيّر البشرية إلى السعادة دون انحياز أو تبعيض و أن ينشر بينها الكمال، و يرسي قواعده. و من البديهي بأن البشرية لم تدرك حتى الآن طوال أجيال متعاقبة مضت من حياة البشرية، مثل هذا

____________

(1) ترغب البشرية عادة و حتى الشعوب البدائية، حسب طبعها في أن يعيش الجميع في جو ملؤه الصلح و الراحة و الاطمئنان. و من الوجهة الفلسفية، فإن الطلب و الميل و الرغبة ما هي إلا أوصاف و ارتباطات قائمة على طرفين، كالطالب و المطلوب، و المحبّ و المحبوب و.... و واضح أن لم يكن هناك محبوب، فالكلام عن المحبّ عبث.

و صفوة القول إن الأمور هذه ترجع إلى إدراك نقص في الوجود الإنسانى، فإذا تعذر الكمال، لم يكن هناك معنى للنقص.

(2) سورة الزخرف الآية 32.

(3) سورة المعارج الآية 19-21.

132

القانون الذي قوامه العقل، و الذي لو قدّر له أن يخرج إلى حيّز الوجود لفهمته البشرية في حياتها الطويلة بما تمتاز به من تعقّل و تدبّر، و لكانت التزمت به في مجتمعاتها.

و بعبارة أوضح، لو كان هناك قانون كامل عام، بحيث يستجيب لما تصبوا إليه البشرية من سعادة، و يرشدها إليه من حيث الفطرة و التكوين، لأدركه كل إنسان بما لديه من إمكانات عقلية، كما يدرك ما ينفعه أو يضرّه، و لكن مثل هذا القانون لم يتحقق بعد.

و القوانين التي توضع من قبل شخص حاكم أو أشخاص، أو جوامع بشرية، نجدها مورد احترام و تصديق لدى فئة، و مورد رفض و اعتراض لدى آخرين و هناك من اطلع عليها و عرفها، و آخرون لم يطّلعوا. و لن تجد وجه اشتراك في المجتمعات البشرية-بما أنهم يشتركون في كونهم بشر، و يتصفون بالفطرة الإلهيّة-في إدراك هذه القوانين.

الشعور المرموز، أو ما يسمى. (الوحي)

و مما تقدم يتّضح، أن القانون الذي يضمن السعادة للبشرية، لا يدركه العقل، و بمقتضى نظرية الهداية العامة، التي ترى ضرورة هذا الإدراك في النوع البشري، لا بدّ من وجود جهاز آخر في النوع الإنساني يدرك ذلك، كي يرشده إلى الواجبات الواقعية للحياة، و تكون في متناول يد الجميع، و هذا الشعور و الإدراك هو غير العقل و الحسّ، إنه ما يسمى بـ «الوحي» و من الطبيعي أن وجود مثل هذه القوة في البشر لا يتحتّم أن يكون في جميع أفراد

133

البشر، كما هو في القوة المودعة في الإنسان للتناسل، في حين أن إدراك لذة الزواج، و التأهب له، يتحقق في الأفراد عند بلوغهم، و شعور «الوحي» الذي لا يظهر لدى الأفراد، هو شعور مرموز، كما هو الحال في إدراك و شعور اللذّة في الزواج عند من لم يصل إلى سنّ البلوغ، فيبقى هذا الإدراك غير معروف لديه.

و الله تعالى يشير في خطابه عن (الوحي) بالنسبة إلى الشريعة و عجز العقل، بقوله: إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (1) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَى اَللََّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ (2) .

الأنبياء و عصمة النبوة

إنّ ظهور الأنبياء يؤيد نظرية (الوحي) الذي سبق ذكره. إنّ أنبياء الله تعالى كانوا ممن ادّعوا «الوحي» و النبوة، و في ادعائهم هذا أقاموا الحجج و البراهين، و بلّغوا الناس ما تحتويه شريعة الله سبحانه، ألا و هو القانون الذي يمنحهم السعادة و جعلوها في متناول أيدي الجميع، و لما كان الأنبياء يمتازون بـ «الوحي» و النبوة، فعند ظهورهم في كل زمن كانوا قلة، فجعل الله هداية الناس على عاتق هؤلاء، بما أمروا من دعوة و إبلاغ، و ما ذلك إلا لتعمّ و تتم و تكتمل تلك الدعوة.

و من هنا يتضح وجوب عصمة الأنبياء، فهم مصونون من الخطأ

____________

(1) سورة النساء آية 163.

(2) سورة النساء آية 165.

134

في تلقي «الوحي» من جانب الله تعالى، و في حفظه، و إيصاله إلى الناس، فإنهم بعيدون كل البعد عن المعصية و الخطأ؛ لأن تلقي الوحي-كما ذكر-و حفظه و إبلاغه، يشتمل على الأركان الثلاثة للهداية التكوينية، و لا معنى بأن يكون هناك خطأ في التكوين.

فضلا عن أن المعصية و التخلّف عن أداء الدعوة و الإبلاغ، عمل يخالف الدعوة، و يوجب سلب ثقة الناس و اطمئنانهم، بصحة الدعوة و صدقها، و نتيجة لذلك ينتفي الغرض و الهدف الأساسي للدعوة.

و الخالق جلّ شأنه يشير إلى عصمة الأنبياء في كتابه المجيد بقوله: وَ اِجْتَبَيْنََاهُمْ وَ هَدَيْنََاهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1) .

و هو القائل أيضا: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً*`إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً* `لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسََالاََتِ رَبِّهِمْ وَ أَحََاطَ بِمََا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً (2) .

الأنبياء و الشرائع السماوية

إن ما حصل عليه الأنبياء عن طريق (الوحي) و إبلاغه للناس على سبيل الخبر و الأحكام الإلهيّة هو الدين، و اتخاذهم إياه نهجا لهم في سبيل الحياة و الوظائف و الواجبات الإنسانية، يضمن لهم السعادة (3) .

____________

(1) سورة الأنعام الآية 87.

(2) سورة الجن الآية (26-28) .

(3) يراجع مقدمة الكتاب.

135

يشتمل التشريع الإلهي بشكل عام على جانبين: الاعتقادي و العملي: فالجانب الاعتقادي يحتوي على مجموعة معتقدات أساسية، تفرض على الإنسان أن يتخذها أساسا لحياته، و هي الأسس العامة الثلاثة، التوحيد و النبوة و المعاد، و إذا أهملت إحداها لم يتحقق اتّباع الدّين.

و الجانب العملي، يتألف من مجموعة وظائف أخلاقية عملية تحتوي على وظائف معيّنة يتقيد بها الإنسان أمام الله تعالى و أمام المجتمعات البشرية.

و من هنا تنقسم الواجبات الفرعية في الشرائع السماوية، إلى قسمين: الأخلاق و الأعمال، و كل من هاتين، تنقسم إلى قسمين أيضا.

فأما الأخلاق و الأعمال التي ترتبط بالله الخالق فهي، الخلق و صفة الإيمان و الإخلاص و التسليم و الرضى، و الخشوع، و كذا الصلاة و الصوم و الفدية و غيرها، و هذه المجموعة من الأعمال تسمّى العبادات، و تعبّر عن خشوع الإنسان و عبوديته لربه.

و أما ما يتعلق بالمجتمع من الأخلاق و الأعمال، فهي الصّفات الحسنة، كحبّ النوع، و المساعدة، و العدالة، و السخاء و ما يرتبط بآداب المعاشرة، و المعاملة و غيرها، و هذه الأعمال الخاصة هي ما تسمّى بـ «المعاملات» .

و من جهة أخرى فإن النوع الإنساني يتّجه نحو الكمال بصورة تدريجية، و المجتمع البشري يتكامل بمرور الزمان، و أن ظهور هذا الشكل من التكامل ضروري في الشرائع السماوية، و يؤيد القرآن

136

الكريم هذا التكامل التدريجي (و يمكن الوصول إليه عن طريق العقل) ، و مما يستفاد من آياته، أن الشرائع اللاحقة أكمل من الشرائع السابقة، بقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ (1) .

و مما تبيّنه النظريات العلميّة، و يصرّح به القرآن الكريم، إن حياة المجتمعات البشرية في هذا العالم ليست أبديّة، و من الطبيعي أن التكامل لبني نوعها لم يكن غير متناه، فمن هذه الجهة، ستتوقف جميع الوظائف الإنسانية من حيث الاعتقاد و العمل في مرحلة معينة، و تبعا لهذه الحقيقة، فإن النبوة و الشريعة أيضا يوما ما ستصل إلى آخر مرحلة من مراحل الكمال و الاعتقاد، و بثّ القوانين العلمية، و بذلك تكون النهاية و الخاتمة لها.

و من هنا نرى القرآن الكريم يوضّح هذه الحقيقة و يصرّح بأن الإسلام، هو الدين الذي اختاره لمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم هو آخر الأديان السماوية و أكملها، و بأن الكتاب العزيز لا ينسخ، و أن النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم هو خاتم الأنبياء، و الإسلام يحتوي على كافة الوظائف و الواجبات، كما في قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ*`لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ (2) .

و يقول أيضا: مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ (3) .

و قوله تعالى: وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (4) .

____________

(1) سورة المائدة الآية 48.

(2) سورة فصلت الآية 41-42.

(3) سورة الأحزاب الآية 40.

(4) سورة النحل الآية 89.

137

الأنبياء و دليل (الوحي) و النبوة

إنّ الكثير من علماء اليوم الذين حققوا في موضوع (الوحي) و النبوة، قد فسّروا موضوع (الوحي) و النبوة و الأمور المرتبطة بهما، على الأسس التي يقوم عليها علم النفس و علم الاجتماع، بقولهم أن الأنبياء كانوا أناسا أطهارا، ذوي همم عالية، محبّي البشرية، و لغرض تقدمها و تطورها من الناحية المادية و المعنوية، و كذا تزكية المجتمعات المنحطة خلقيا، نظّموا و وضعوا قوانين خاصة، و دعوا الناس إليها، و لما كان الناس في ذلك الوقت لم يخضعوا بعد للمنطق و العقل، فما كان من الأنبياء إلا أن ينسبوا أفكارهم و أنظمتهم إلى العالم العلوي كي يستطيعوا بذلك أن يجلبوا رضى الناس، و يخضعوهم لقيادتهم. و كان اعتقاد البعض منهم أن روحهم هي روح القدس و ما الفكر الذي يتجلى إلا «الوحي و النبوة» ، و ما الوظائف و الواجبات التي تستنتج من ذلك إلاّ (الشريعة السماويّة) ، و الكلام الذي يتضمن ذلك كان يسمى «الكتاب السماويّ» .

فالذي ينظر بتأمل و إنصاف إلى الكتب السماوية، و خاصة القرآن الكريم، و كذا إلى الشرائع التي جاء بها الأنبياء، لا يشك في بطلان هذه النظرية، و ذلك أن الأنبياء لم يكونوا رجال سياسة، بل كانوا رجالا يتصفون بالصدق و الصفاء و الخلوص، و كل ما كانوا يدركونه كانوا يتفوهون به، و كل ما كانوا يقولون به كانوا يعملون به، و ما كانوا يزعمونه هو أن هناك شعورا مرموزا، و إمدادا غيبيا، يفيض عليهم، و أنهم في هذا الطريق يتلقون الوظائف الاعتقادية و العلمية من جانب الله تعالى، لإبلاغ الناس و إرشادهم.

138

و من هنا يتضح أن ادعاء النبوة يحتاج إلى حجة و دليل، و لا يكفي أن تكون الشريعة التي جاء بها النّبي توافق العقل، فإن صحة الشريعة لها طريق آخر للإثبات، و هو أنه على اتصال بالعلم العلوي (الوحي) و النبوة، و قد أنيطت به هذه المسئولية من قبل الله تعالى، و هذا الادعاء يحتاج إلى دليل عند إقامته.

لذا نجد أن البسطاء و ذوي الفطرة السليمة من الناس (كما يخبرنا به القرآن الكريم) كانوا يطالبون الأنبياء بالمعجزة لصدق دعواهم.

و يستنتج من هذا المنطق أن الوحي الذي يدعيه المرسل، لم يكن ليحصل عند سائر الناس، بل لا بدّ من قوة غيبيّة يودعها الله تعالى في نبيّه بنحو يخرق به العادة.

و يتّضح أن مطالبة الناس الأنبياء بالمعجزة أمر يوافق المنطق الصحيح، و على الأنبياء لإثبات نبوتهم أن يأتوا بالمعجزة إما ابتداءً أو وفقا لما يطالب به المجتمع.

و القرآن الكريم يؤيد هذا المنطق، و يشير إلى معاجز الأنبياء إما ابتداءً أو بعد مطالبة الناس إياهم.

و تجدر الإشارة إلى أن علل و أسباب الحوادث التي حصلنا عليها حتى الآن كانت بالتجربة و الفحص، و ليس لدينا أي دليل أنها دائمية، و لن تتحقق أية حادثة أو ظاهرة إلاّ بعللها و أسبابها، و أما المعاجز التي تنسب إلى الأنبياء لم تكن مخالفة للعقل أو يستحيل إقامتها، لكنها خرق للعادة في حين أن موضوع خرق العادة يرى و يسمع من أصحاب الرياضيات الروحية أيضا.

139

عدد الأنبياء

مما ينقل في تاريخ الماضين، أن أنبياء كثر أرسلوا و بعثوا، و يؤيد القرآن الكريم كثرة الأنبياء، و يذكر أسماء بعضهم، إلاّ أنه لم يصرح بعددهم.

و لم نحصل على عددهم من الروايات بصورة قطعية، إلا أن الرواية المعروفة و التي تنقل عن «أبي ذر الغفاري» عن النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، يبين فيها أن عدد الأنبياء مائة و أربعة و عشرون ألف نبي.

الأنبياء أولو العزم، حملة الشرائع السماوية

و مما يستفاد من القرآن الكريم، أن الأنبياء كلّهم لم يأتوا بشرائع، بل أن خمسة منهم قد جاءوا بشرائع سماوية، و هم نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، و هؤلاء هم أولو العزم، و أما سائر الأنبياء فإنهم يتبعون أولي العزم في شرائعهم.

و قوله تعالى:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ... (1) .

و يقول تعالى:

وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنََا مِنْهُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً (2) .

____________

(1) سورة الشورى الآية 13. و لو كان هناك غيرهم. لذكرهم تعالى في الآية.

(2) سورة الأحزاب الآية 7.

140

نبوّة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم‏

يعتبر نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم آخر الأنبياء الذين كانوا يمتازون بالكتب و الشرائع، و قد آمن به المسلمون.

ولد النبي محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم قبل بدء التاريخ الهجري القمري بثلاث و خمسين سنة، في مدينة «مكة» ، في قبيلة «بني هاشم» من قريش، و هي من أشرف القبائل العربية.

أبوه «عبد الله» و أمّه «آمنة» و قد فقد أبويه منذ أوائل طفولته، و تكفّله جده لأبيه «عبد المطلب» و سرعان ما وافاه الأجل، حتّى تعهد تربيته عمه «أبو طالب» و أسكنه معه في داره.

ترعرع و نشأ في بيت عمّه، و قد صحب عمّه في سفرة تجارية إلى الشام و ذلك قبل سنّ البلوغ. كان النبي محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم أميّا، و لكنه بعد البلوغ و الرشد، اشتهر بعقله و أدبه و أمانته، و نتيجة لذلك، جعلته (خديجة) و التي كانت من أثرى القريشيات، مشرفا على أموالها، و إدارة أمورها التجارية.

سافر محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم للمرة الثانية إلى الشام لغرض التجارة، و بسبب نبوغه فقد نال أرباحا جمّة، و لم تمض فترة، حتى اقترحت خديجة عليه موضوع الزواج، فوافق محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم على اقتراحها، و بعد الزواج حيث كان في سن الخامسة و العشرين و حتى بلوغه سنّ الأربعين، كان يمارس عمله، فحصل على شهرة في تدبيره و أمانته و لم يكن يعبد صنما، (علما بأن الدين السائد في ذلك الوقت هو عبادة الأصنام) و أحيانا كان يعتكف للعبادة.

فاختاره الله للنبوة في الأربعين من عمره عند ما كان متفرغا

141

للعبادة في غار «حراء» (1) و أمر أن يبلّغ، و نزلت عليه أول سورة من سور القرآن‏ (2) ، و رجع إلى بيته في اليوم نفسه، فرأى ابن عمه «عليّ بن أبي طالب عليه السّلام» في الطريق، فعرض عليه الإسلام فآمن به، و بعد دخوله البيت، أسلمت زوجته خديجة.

و النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم عند بدء دعوته، واجه من الناس مواجهة عنيفة مؤلمة، حتى اضطر إلى كتمان دعوته و جعلها سرية، ثم أمر ثانية أن يبلّغ دعوته إلى عشيرته الأقربين، و لكنها لم تجد، إذ لم يؤمن به سوى «عليّ بن أبي طالب عليه السّلام» (3) .

و بعد ذلك، أعلن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم دعوته بأمر من الله تعالى، و ما إن أعلن النبي الدعوة حتى شاهد ردود الفعل من أهل مكة مقرونة بالأذى و التعذيب بالنسبة له و للمسلمين الذين أسلموا حديثا، مما اضطر بعض المسلمين ترك ديارهم اثر حملات الاضطهاد التي كانت تقوم بها قريش، فهاجروا إلى الحبشة، و تحصّن النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم مع عمه «أبو طالب» و أفراد من قبيلته بني هاشم في «شعب أبي طالب» (4) لمدة ثلاث سنين، في غاية من الضغط و الشدّة، فلم يتعامل معهم، و لم يعاشرهم أحد، و لم يستطيعوا في تلك الفترة الخروج من الشعب.

____________

(1) غار في جبال (تهامة) على مقربة من مكة.

(2) سورة العلق.

(3) وفقا لروايات أهل البيت عليه السّلام و لأشعار قالها أبو طالب، تعتقد الشيعة أن أبا طالب أسلم، و بما أنه كان المدافع الوحيد عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يكتم إسلامه، كي يحتفظ بقدرته الظاهرية أمام قريش.

(4) حصار كان في إحدى وديان «مكة» .

142

و لم يكتف كفار مكة و عبدة أصنامها، بالإيذاء و الإهانة و الاستهزاء بل كانوا يلجئون أحيانا إلى الاستمالة، و الوعد بالأموال الطائلة كي يصرفوا النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عن دعوته، فقد اقترحوا عليه الرئاسة و السلطان، و لكن وعدهم و وعيدهم كان سيّان عند النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و كان مما يزيد في عزمه و إرادته.

و قد اقترحوا عليه مرة المال الكثير و الرئاسة، فأجابهم النبي قائلا: «و الله لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك فيه» .

خرج النبي من «شعب أبي طالب» حوالى السنة العاشرة من بعثته و لم يمض زمن حتى توفي عمه أبو طالب، و توفيت زوجته الوفية أيضا.

فلم يكن للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ملجأ، مما دعا كفار مكة إلى أن يخططوا لقتله، فحاصروا داره من كل جانب، كي يحملوا عليه في آخر الليل، و يقطّعوه إربا إربا في مضجعه.

و لكن الله جلّ شأنه أطلعه بالأمر، و أمره بالهجرة إلى «يثرب» (1) فاستخلف عليا عليه السّلام في فراشه، و خرج ليلا برعاية الله و عنايته من داره و اجتاز الأعداء، و اختفى في غار يبعد عدة فراسخ عن مكة المكرمة، و خرج من الغار بعد ثلاثة أيام، بعد أن يئس الأعداء من الوصول إليه، عادوا أدراجهم، إلى مكة، و عندها أكمل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم طريقه إلى يثرب.

____________

(1) منطقة تقرب من «المدينة» .

143

أما أهل «يثرب» فقد آمنوا به صلى اللّه عليه و آله و سلم كبارهم و أسيادهم، فبايعوه، و استقبلوه بحفاوة بالغة، و قدموا له أموالهم و أنفسهم.

فأسس الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و لأوّل مرة؛ أول مجتمع إسلامي صغير، في مدينة (يثرب) و عقد مع الطوائف اليهودية التي كانت تستقر في المدينة و أطرافها معاهدات، و كذا مع القبائل العربيّة القويّة المتواجدة في تلك المنطقة، و قام بنشر دعوته الإسلامية، و عرفت مدينة «يثرب» بـ «مدينة الرسول» .

و على مرّ الأيام، قويت شوكة الإسلام، و استطاع المسلمون الذين عانوا من اضطهاد القرشيين أن يتركوا دورهم و مساكنهم في مكة، فبدءوا بالهجرة إلى المدينة شيئا فشيئا، و التفوا حول النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و سمّوا بـ «المهاجرين» كما اشتهر أصحابه و أعوانه في يثرب بـ «الأنصار» .

نال الإسلام تقدما سريعا، لكن عبدة الأصنام من قريش، و الطوائف اليهودية المستقرة في الحجاز، كانت ما تزال حجرة عثرة أمام هذه الحركة، فحاولوا القيام بأعمال تخريبية لصدّ النبي و المسلمين، بمساعدة المنافقين، الذين كانوا في صفوف المسلمين، و لم يعرفوا بأيّ شكل من الأشكال، فكانوا يخلقون المشاكل، و يسبّبون المصائب، و الحوادث المستحدثة، حتى آل الأمر إلى الحرب، فنشبت الحروب المتعددة بين الإسلام و عبدة الأصنام و اليهود، فكانت الغلبة غالبا لجيش الإسلام، و يقرب إحصاء تلك الحروب من ثمانين و نيف معركة بما فيها المعارك الدامية الكبرى، و الصغيرة منها، و في كل هذه المعارك، كان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يشارك المسلمين في قتالهم، كمعركة

144

بدر و أحد و الخندق و خيبر و غيرها، و كانت الغلبة في معظمها تتم على يد «علي عليه السّلام» . فهو الوحيد الذي ما تراجع و لا فشل في أي معركة، و طوال هذه المعارك التي دامت عشر سنوات بعد الهجرة النبوية، قتل من المسلمين أقلّ من مائتين، و من الكفار ما يقرب الألف. و نتيجة المثابرة و التضحية و الفداء الذي عرف به المهاجرون و الأنصار خلال السنوات العشر بعد الهجرة، عمّ الإسلام (شبه الجزيرة العربية) و بعثت الرسائل إلى ملوك الدول الأخرى مثل (إيران) و (الروم) و (مصر) و (الحبشة) تدعوهم إلى الإسلام.

كان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يواسي الفقراء في معيشتهم، فلا تختلف حياته عن حياتهم، و كان يفتخر بالفقر (1) ، و كان يستغلّ أوقاته، فلا تمر عليه لحظة إلا و هو دائب في عمل، و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم يقسّم أوقاته إلى ثلاثة أقسام: الأول للعبادة و ذكر الله تعالى، الثاني: له و لعياله و بيته، الثالث: للناس، فكان يسعى في نشر المعارف الإسلامية و تعليمها، و تصحيح الأهداف و السبل التي تؤدي إلى إصلاح المجتمع الإسلامي، و كذا السعي في رفع حوائج المسلمين، و تحكيم العلاقات الداخلية و الخارجية، و سائر الأمور المرتبطة بها.

و بعد إقامته صلى اللّه عليه و آله و سلم عشر سنوات في المدينة، فارق الدنيا على اثر سم دسّ في طعامه على يد امرأة يهودية، طرحه في الفراش أياما، و مما جاء في الروايات أن آخر ما تكلم به النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، وصيته في العبيد و النساء.

____________

(1) و في رواية مشهورة يقول (ص) «الفقر فخري» . و لمزيد الاطلاع في هذا الفصل يراجع كتاب سيرة ابن هشام و السيرة الحلبية و كتاب البحار ج 6 و غيرها.

غ

145

النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و القرآن‏

كان الناس يطالبون النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بالمعجزة، كما كانوا يطالبون سائر الأنبياء فكان صلى اللّه عليه و آله و سلم يؤيد المعاجز التي كانت لدى الأنبياء، و القرآن الكريم يصرح بذلك.

و تذكر للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم معاجز كثيرة، إلاّ أن البعض منها لا تتصف بالقطعية في روايتها، و لم تكن مورد قبول و اعتماد، و لكن المعجزة الباقية له صلى اللّه عليه و آله و سلم و التي لا تزال حيّة هي «القرآن الكريم» كتابه السماوي. فالقرآن الكريم كتاب سماوي يشتمل على ستة آلاف و نيف آية، و ينقسم إلى مائة و أربع عشرة سورة بما فيها الطويلة و القصيرة.

نزلت الآيات القرآنية الكريمة بصورة تدريجية خلال أيام بعثته و دعوته صلى اللّه عليه و آله و سلم طوال ثلاث و عشرين سنة، و كانت (توحى) إليه صلى اللّه عليه و آله و سلم بصور مختلفة، من سورة أو آية أو أقل من آية، و في أوقات متفاوتة، في ليل أو نهار، في سفر أو حضر، في الحرب أو السلم، و في أيام الشدّة أو الرخاء.

و القرآن الكريم بنفسه، يصرّح أنه معجزة و قد تحدّى العرب في ذلك اليوم، فكان في القمة من الفصاحة و البلاغة، هذا ما يشهد به التأريخ، و كان في المقدمة من حيث البيان و التعبير، يقول تعالى في كتابه العزيز:

فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كََانُوا صََادِقِينَ (1) .

____________

(1) سورة الطور الآية 34.

146

أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيََاتٍ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (1) .

أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (2) .

فتحداهم القرآن بهذه الآيات، قائلا إذا كنتم تظنون أنه من كلام البشر، أو من عند محمد، أو أنه قد أخذه من أحد، فأتوا بمثله. أو بعشر سور منه أو بسورة واحدة من سوره، و استعينوا بأيّة وسيلة شئتم لتحقيق هذا الأمر، و ما كان جواب الفصحاء و البلغاء من العرب إلا أن قالوا إنه لسحر و يعجز من مثلنا أن يأتي به‏ (3) .

إن القرآن الكريم لم يتحدّ العلماء من جهة الفصاحة و البلاغة فحسب، بل تحداهم من جهة المعنى أيضا، و تحدّى الجن و الإنس بما يمتلكون من قدرات فكريّة خلاّقة، لأنه يشتمل على البرنامج الكامل للحياة الإنسانية، و لو محص تمحيصا دقيقا، لوجد أنه الأساس و الأصل في مجالات الحياة الإنسانية كلها، بما فيها الاعتقادات و الأخلاق و الأعمال التي ترتبط بالإنسان فإنه يعالج كل جانب من جوانبها بدقة تامة، فهو من الله الحقّ، و دينه دين الحق أيضا.

الإسلام دين يستلهم أحكامه و مواده من الله الحقّ و ليس من رغبة أكثرية الناس أو من فكر شخص حاكم قدير.

____________

(1) سورة هود الآية 13.

(2) سورة يونس الآية 38.

(3) و مما نقل عن أشهر مشاهير العرب في القرآن في قوله تعالى‏ «فَقََالَ إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ*`إِنْ هََذََا إِلاََّ قَوْلُ اَلْبَشَرِ» . سورة المدثر الآية 24-25.

147

إن الركن الأساسي لهذا القانون الشامل هو الكلمة الحقة و هو الإيمان بالله الأحد، و أن جميع العلوم تنبثق من التوحيد، و من ثمّ تستنبط الأخلاق الإنسانية المثلى من هذه الأصول، و تصبح جزء من هذا القانون، ثمّ تنظّم و تنسّق الكليات و الجزئيات و التي هي خارجة عن نطاق إحصاء البشر، و تدرس الوظائف التي ترتبط بها، و التي تنبع من التوحيد، و تصدر منه.

في الدين الإسلامي ارتباط و ثيق بين الأصول و الفروع على نحو يرجع كل حكم فرعي من أيّ باب-إذا ما محص-إلى كلمة التوحيد و ينتهي إليه.

و طبيعي أن التنظيم و التنسيق النهائي لمثل هذا القانون الواسع الشامل، مع ما يمتاز به من وحدة و ارتباط، خارج عن قدرة شخص ضليع في علم الحقوق و القانون، و إن كان من أشهر مشاهيرهم، فضلا من أن الفهرست الابتدائي له ليس بالأمر اليسير، فكيف برجل يعيش في زمن يتصف بالحياة البدائية، في خضم الآلاف من المشاكل و المصائب التي تهدّد الأموال و الأرواح و الفتن الداخلية و الخارجية، و في النهاية يبقى منفردا أمام العالم أجمع.

هذا فضلا من أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، لم يتعلّم القراءة و الكتابة عند معلم، لقد قضى ثلثي عمره و حياته قبل دعوته‏ (1) في بيئة تفتقر

____________

(1) و في القرآن الكريم عن النبي (ص) «فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ» .

سورة يونس الآية 16، و يقول أيضا: «وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ» سورة العنكبوت الآية 48.

و يقول أيضا: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» . سورة البقرة الآية 23.

148

إلى حضارة، و لم تسمع بمدنية أو حضارة، كانوا يعيشون في أرض صحراء قاحلة، و جو مهلك، مع أتعس الظروف الحياتية، علما بأنها كانت تستعمر من قبل الدول المجاورة بين آونة و أخرى، و مع كل هذه الظروف و الأحوال نجد القرآن الكريم يتحدّى من طريق آخر، و هو أنه أنزل بصورة تدريجية مع ظروف متفاوتة مختلفة، في أيام الفتن و الأيام الاعتيادية، في الحرب و الصلح، و في أيام القدرة و أيام الضعف و غيرها، خلال ثلاث و عشرين سنة.

و لو لم يكن من كلام الله تعالى، و كان من صنع البشر، لوجد فيه تناقضا و تضادا كثيرا، فلا بدّ أن يأتي آخره أجود و أحسن من أوله، و أكثر تطورا، و هذا مما يؤيده التكامل التدريجي للبشر، في حين نرى أن الآيات المكيّة و المدنية على نمط واحد، لم يختلف آخرها عن أوّلها، كتاب متشابه الأجزاء، يحيّر العقول في قدرة بيانه و وحدة تنسيقه‏ (1) .

____________

(1) في قوله تعالى شأنه: «أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً» سورة النساء الآية 82.

149

معرفة المعاد

الإنسان روح و جسم‏

إن كلمة الروح و الجسم و النفس قد كثر استعمالها في القرآن و السنة، علما بأن تصوّر الجسم و البدن الذي يتم عن طريق الحس قد يكون أمرا بسيطا، إلاّ أن تصور الروح و النفس لا يخلو من إبهام و غموض.

إن الباحثين و المتكلمين و الفلاسفة سواء من الشيعة أو من السنة، لهم نظريات متفاوتة في حقيقة الروح، و لكن الروح و البدن من وجهة نظر الإسلام هما حقيقتان متضادتان، فالبدن يفقد خواصه الحياتية بالموت، و يضمحل بصورة تدريجية، و لكن الروح ليست هكذا، فإن الحياة أصالة للروح، و ما دامت الروح في الجسم، فإن الجسم يستمد حياته منها، و عند ما تفارق الروح البدن، و تقطع علاقتها به، لا يقوى البدن على القيام بأي عمل، إلا أن الروح تستمر في حياتها.

و مما يستنبط من تدبر الآيات القرآنية، و كلام أهل بيت العصمة عليه السّلام أن الروح الإنسانية غير مادية، و لكنها تؤلف نوعا من العلاقة و الوحدة مع الجسم، إذ يقول الله تعالى في كتابه المبين:

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ*`ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ*`ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً

150

فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظََاماً فَكَسَوْنَا اَلْعِظََامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ (1) .

و يتّضح من سياق الآيات، أن أوائلها تصف الخلقة المادية بشكلها التدريجي، و أواخرها تشير إلى خلقة الروح أو الشعور و الإرادة؛ و تصفها بأنها خلقة أخرى، تختلف عن خلقتها الأولى.

و في آية أخرى في الردّ على من يستبعد «المعاد» أو ينكره يشرح القرآن الكريم كيف أن الإنسان تستعاد خلقته بعد موته و تفتت أجزائه، و تمازجها مع أجزاء التربة، و يرجع كما كان إنسانا كاملا، يقول الله سبحانه و تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (2) . أي أن الأرواح تقبض على يد ملك الموت من أبدانكم، و تحفظ عندنا.

و يعرّف القرآن الكريم الروح بصورتها المطلقة غير المادية، بقوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (3) . و في آية أخرى من الذكر الحكيم، يتطرق إلى موضوع الأمر بقوله:

إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (4) . و بمقتضى هذه الآيات أن أمر الله تعالى في خلقته للأشياء لم يكن تدريجا، و لم يكن محددا بزمان أو مكان، و لما كانت الروح أمرا من الله إذن فهي ليست بمادة، و لم يكن في كنهها خاصة المادة التي تتصف بالتدرّج و الزمان و المكان.

____________

(1) سورة المؤمنون الآية 12-14.

(2) سورة السجدة الآية 11.

(3) سورة الإسراء الآية 85.

(4) سورة يس الآية 82.

151

مبحث في حقيقة الروح من منظار آخر

إن الاستدلالات العقليّة تؤيد القرآن الكريم أيضا في موضوع الروح. كلّ واحد منا يدرك حقيقة من وجوده، و التي نعبّر عنها بالـ «أنا» و هذا الإدراك موجود في الإنسان بصورة مستمرة، و أحيانا ينسى بعض أعضاء جسمه من رأس أو يد أو سائر الأعضاء، و حتى جسمه كليا، و لكن يدرك الـ «أنا» عند ما يكون هو موجودا.

و هذا «المشهود» كما هو مشهود، غير قابل للانقسام و التجزئة، مع أن جسم الإنسان في تغيّر و تحوّل دائم، و يتخذ أمكنة مختلفة، و تمرّ عليه أزمنة مختلفة إلاّ أنّ الحقيقة المذكورة و هي الـ (أنا) ثابتة في حقيقتها لا تقبل التغيير أو التبديل، و واضح بأنها لو كانت مادة، لتقبلت المادة، بما فيها الانقسام و تغيّر الزمان و المكان.

نعم إن الجسم يتقبل كل هذه الخواص، و بما أن هذه الخواص لها ارتباط روحي، فتنسب إلى الروح. و لكن مع تأمل و تدبر يتجلى للإنسان، إن هذا المكان و ذلك المكان، و هذا الشكل و ذلك الشكل، و كلها من خواص البدن، و الروح منزهة عنها، و كل من هذه الصفات إنما تنتقل إلى الروح عن طريق البدن.

يسري هذا البيان في خاصية الإدراك و الشعور على (العلم) و الذي هو من مميزات الروح. و بديهي أن العلم إذا كان يتصف بما تتصف به المادة، لكان تباعا يتقبل الانقسام و التجزئة و الزمان و المكان.

إن هذا البحث العقلي واسع مطوّل، تتبعه أسئلة و أجوبة، و لا يسعه كتابنا هذا، و هذا المقدار من البحث إنما أدرج هنا على‏

152

سبيل الإشارة، و لغرض استقصائه و استقرائه يستلزم الرجوع إلى الكتب الفلسفية الإسلامية.

الموت من وجهة نظر الإسلام‏

إن النظرة العابرة تفترض أن موت الإنسان فناؤه و عدمه، و تحديد حياة الإنسان بالأيام التي يعيشها فيما بين ولادته و وفاته، في حين نرى أن الإسلام يعتبر الموت انتقالا من مرحلة حياتية إلى مرحلة حياتية أخرى، فللإنسان حياة أبديّة لا نهاية لها، و ما الموت الذي يفصل بين الروح و الجسم إلا ليورده المرحلة الأخرى من حياته، و أن السعادة و الشقاء فيها يعتمدان على الأعمال الحسنة أو السيئة في مرحلة حياته قبل الموت، و يروى عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، ما مضمونه، تظنون أنكم تفنون بالموت، و لكنكم تنتقلون من بيت لآخر (1) .

عالم البرزخ‏

و مما يستفاد من القرآن الكريم و السنة، إن الإنسان يتمتع بحياة مؤقتة و محدودة في الحدّ الفاصل بين الموت و يوم القيامة، و التي تعتبر رابطة بين الحياة الدنيا و الحياة الأخرى‏ (2) .

و الإنسان بعد موته، يحاسب محاسبة خاصة من حيث الاعتقاد، و الأعمال الحسنة و السيئة التي كان عليها في الدنيا،

____________

(1) بحار الأنوار ج 3: 161. الاعتقادات للصدوق.

(2) البحار ج 2 باب عالم البرزخ.