الشيعة في الإسلام

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
220 /
153

و بعد هذه المحاسبة المختصرة، و وفقا للنتيجة التي يحصل عليها، يحكم عليه بحياة سعيدة أو شقيّة، و يكون عليها إلى يوم القيامة (1) .

و حالة الإنسان في عالم البرزخ تشابه كثيرا حالة الشخص الذي يراد التحقيق معه لما قام به من أعمال، فيجلب إلى دائرة قضائية كي تتم مراحل الاستجواب و الاستنطاق منه، لغرض تنظيم ملفّ له و بعدها يقضي فترة ينتظر خلالها وقت محاكمته.

روح الإنسان في عالم البرزخ، تعيش بالشكل الذي كانت عليه في الدنيا، فإذا كانت صالحة، تتمتع بالسعادة و النعمة و جوار الصلحاء و المقرّبين لله تعالى، و إذا كانت شقية، فإنها تقضي هذه الفترة في النقمة و العذاب، و مصاحبة الأشرار، و أهل الضلال.

فالله جلّ شأنه يصف حالة بعض السعداء بقوله:

وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ*`فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ*`يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (2) .

و في وصف حالة مجموعة أخرى، من الذين كانوا ينفقون أموالهم و ثرواتهم في مشاريع غير مشروعة في الحياة الدنيا، يصفهم بقوله تعالى:

حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ*`لَعَلِّي أَعْمَلُ

____________

(1) البحار ج 2 باب عالم البرزخ.

(2) سورة آل عمران الآية 169-171.

154

صََالِحاً فِيمََا تَرَكْتُ كَلاََّ إِنَّهََا كَلِمَةٌ هُوَ قََائِلُهََا وَ مِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (1) .

يوم القيامة. المعاد

ينفرد القرآن الكريم بين الكتب السماوية، بالتحدث عن المعاد و الحشر تفصيلا، في حين أن «التوراة» لم يشر إلى هذا اليوم و هذا الموقف، و كتاب «الإنجيل» يشير إليه إشارة مختصرة، فإن القرآن يذكره و يذكّر به في مئات الموارد، و بأسماء شتّى، و يشرح العاقبة التي تنتظر العالم و البشرية، تارة باختصار و أخرى بإسهاب.

و يذكّر مرارا أنّ الاعتقاد بيوم الجزاء (يوم القيامة) يعادل الاعتقاد بالله تعالى، و يعتبر أحد الأصول الثلاثة للإسلام و منكره (منكر المعاد) ، خارج عن شريعة الإسلام و ما عاقبته إلاّ الهلاك و الخسران.

و حقيقة الأمر هكذا، بأنه إذا لم تكن هناك محاسبة و جزاء و عقاب، فإن الدعوة الدينية بما تحتوي من أوامر الله و نواهيه، لم يكن لها أدنى فائدة أو أثر، و أن وجود النبوة و الإبلاغ و عدمه سواء، بل يرجّح عدمه على وجوده، لأن تقبل الدين و اتباع موازين الشرع، لا يخلو من تكلّف و سلب للحريّة، و إذا لم يكن اتباع الدين له أثر أو نتيجة، لن يتحمّل الناس هذا العب‏ء و هذه المسئولية، و لن يتخلوا عن الحرية الطبيعيّة.

____________

(1) سورة المؤمنون الآية 99-100.

غ

155

و من هنا يتّضح أن أهميّة ذكر يوم الحشر و تذكّره يعادل أهمية أصل الدعوة الدينية.

و يتضح أيضا أن الاعتقاد بيوم الجزاء من أهم العوامل التي تجبر الإنسان على أن ينتهج الورع و التقوى، و أن يتجنب الأخلاق الرذيلة، و المعاصي و الذنوب، كما أن نسيانه، أو عدم الاعتقاد به، سوف يكون أساسا و أصلا لكل معصية أو ذنب، و يقول جلّ من قائل:

إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ بِمََا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسََابِ (1) .

و مما يلاحظ في الآية، أن منشأ كل ضلال هو نسيان يوم الحساب.

و بالتدبّر في خلقة الإنسان و العالم، و كذا في الهدف من الشرائع السماوية، يتّضح الغرض من اليوم الذي سيلاقيه الإنسان «يوم الجزاء» .

و نحن عند ما نتدبر الأعمال و الأفعال في الطبيعة، نرى أن كل عمل (و الذي يحتوي على نوع من الحركة بالضرورة) لا يتم إلاّ لغاية و هدف، و ليس العمل نفسه بالأصالة هو المقصود، بل أنه مقدمة لهدف و غاية فيكون مطلوبا لذلك الهدف أو لتلك الغاية، حتى في الأعمال التي تعتبر سطحيّة مثل الأفعال الطبيعية و الأعمال الصبيانية و نظائرها، لو دققنا فيها لوجدنا فيها غايات

____________

(1) سورة ص الآية 26.

156

و أغراضا تناسب نوع الفعل، كما في الأعمال الطبيعية التي تتصف بالحركة غالبا، فإن الغاية التي تسعى إليها هذه الحركة تعتبر الغاية و الهدف لها، و أما في لعب الأطفال و ما يتناسب مع نوع اللعبة، فإن هناك غاية خيالية وهميّة، و الهدف من اللعبة هو الوصول إليها.

و في الحقيقة أن خلقة الإنسان و العالم، من أعمال الله تعالى و هو منزّه عن أن يقوم بأعمال عبث دون هدف أو غرض، فهو الذي يخلق، و يرزق و يميت، و هكذا يخلق و يهلك فهل يتصور أن يكون خلقه هذا دون هدف معيّن، و غرض محكم يتابعه.

إذن لا بد لخلق الكون و الإنسان، من هدف و غاية ثابتة، و الفائدة منه لا تعود إلى الله الغني المتعال، فكل ما فيه يعود للمخلوق نفسه. إذن يجب الاعتراف بأن الكون بما فيه الإنسان يتجه و يسير نحو خلقة معيّنة خاصة، و وجود أكمل، لا يتصفان بالفناء و الزوال.

و إذا أمعنا النظر في حالة الناس و وضعهم، و مدى تأثرهم بالتربية الدينيّة، فإننا نرى أن الناس نتيجة الارشادات الإلهيّة، و التربية الدينيّة، ينقسمون إلى قسمين، و هم الأخيار و الأشرار، و مع هذا فإننا لا نجد أيّ امتياز أو فارق في هذه الحياة، بل على العكس، غالبا ما تكون الموفقية للأشرار و الظالمين، أما الأخيار فإنهم مبتلون بالفتن و المشاكل و الحياة السيئة و الحرمان و تحمّل الظلم.

و الحال هذه تقتضي العدالة الإلهية أن تكون هناك نشأة

157

أخرى، حتى يجد فيها كل من الفريقين المذكورين، جزاء أعمالهم، و يحيون حياة تناسب حالهم، و يشير الله تعالى في كتابه العزيز إلى هاتين الحالتين بقوله:

وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ*`مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ (1) .

وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنََّارِ*`أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ (2) .

و يذكر سبحانه و تعالى في آية أخرى، جمع فيها الدليلين بقوله جلّ شأنه:

أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ* `وَ خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ (3) .

بيان آخر

قد أشرنا في الفصل الثاني من الكتاب في مبحث الظاهر و الباطن القرآني، إنّ المعارف الإسلامية في القرآن الكريم، مبيّنة بطرق مختلفة، و الطرق المذكورة بشكل تنقسم إلى قسمين، الظاهر و الباطن.

____________

(1) سورة الدخان الآية 38-39.

(2) سورة ص الآية 27-28.

(3) سورة الجاثية الآية 21-22.

158

و المراد من طريق الظاهر، هو البيان الذي يتناسب مع مستوى أفكار العامة، على خلاف الطريق الباطن الذي يختصّ بالخاصة منهم، و يدرك مع روح الحياة المعنويّة.

و البيان الذي يؤخذ عن طريق الظاهر مؤداه أن الله تعالى الحاكم المطلق لعالم الخلقة، فكل ما في هذا الكون ملكه، فهو الذي خلق الملائكة التي لا يعلم إحصاؤها كي تكون مطيعة و منفّذة لأوامره، يرسلهم إلى حيث شاء من الكون، و لكل بقعة من عالم الطبيعة و ما يلازمها من نظم ترتبط بمجموعة خاصة من الملائكة موكّلين عليها.

و النوع الإنساني من مخلوقاته و عباده الذين يجب عليهم اتباع أوامره و نواهيه، و الطاعة له، و ما الأنبياء إلاّ حملة شرائعه و قوانينه، يبعثهم إلى الناس، لبيان و إجراء تلك الشرائع و القوانين.

فالله جلّ ثناؤه، لما جعل الثواب و الأجر لمن آمن و أطاع، جعل العقاب و العذاب لمن كفر و عصى، و هو القائل، وَ لَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ وَعْدَهُ ، و لما كان عادلا، فعدالته تقتضي أن يفصل بين الفريقين في النشأة الأخرى، و هما الأخيار و الأشرار، و أن يمتّع الأخيار بالنعيم، و للأشرار الشقاء.

و قد وعد الله تعالى بمقتضى عدله، أن يحشر الناس الذين مروا في الحياة الدنيا دون استثناء، و يحاسبهم حسابا دقيقا في معتقداتهم و أعمالهم، من صغيرة أو كبيرة، و يقضي بينهم بالحق و العدل، و في النهاية، سيوصل لكل ذي حق حقه، و يأخذ لكل مظلوم نصيبه ممن ظلمه، و يعطي أجر عمل كل عامل، و يصدر الحكم لفريق في الجنة و فريق في السعير.

159

هذا هو البيان الظاهري للقرآن الكريم، و قد جاء مطابقا لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، و نطاقه أشمل.

أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة على فهم المعنى الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية على مستوى أرفع من العامة. و القرآن الكريم، يلمح خلال تعابيره البسيطة أحيانا بالمعنى الباطني تلميحا.

فالقرآن الكريم بتعابيره المختلفة، يذكر إجمالا أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني (نحو الكمال) تصير إلى الله تعالى، و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها و استقلالها كليا.

و الإنسان هو جزء من أجزاء هذا الكون، فإن طريق كماله الخاص يتم عن طريق الشعور و العلم، مسرعا في طريقه إلى الله تعالى، و اليوم الذي يختتم به هذا المسير، سيشاهد عيانا حقانية الله الأحد، و سيرى أن القدرة و الملك و كل صفة من صفات الكمال تنحصر في ذاته القدسية، و من هذا الطريق، ستتجلّى له حقيقة الأشياء كلها.

و هذا هو أول منزل و موقف من العالم الأبدي، فإذا كان الإنسان في هذه الدنيا، بإيمانه و عمله الصالح، أوجد ارتباطا و اتصالا بالله تعالى و استأنس به، و بالمقربين من عباده، سيحظى بسعادة لا توصف، و سيكون في جوار الله سبحانه، و يكون قرين الصالحين في العالم العلوي، و إذا ما كان ممن تربطهم علاقة وثيقة بهذه الدنيا الدنيئة، و لذائذها الزائلة، فقد قطع اتصاله بالعالم العلوي،

160

و لم تقم بينه و بين خالقه رابطة أو اتصال و لا مع المقربين من عباده، فإنه سيحاط بعذاب دائم، و خزي أبدي.

صحيح أن الأعمال الحسنة و السيئة للإنسان في هذه الدنيا تزول و تذهب، لكن صور الأعمال هذه تستقر في باطنه، و أينما رحل فهي معه، و تكون مصدر حياته الآتية سواء في السعادة أو الشقاء.

و كل ما ذكر يمكن استنتاجه من الآيات التالية:

يقول جلّ من قائل: إِنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلرُّجْعى‏ََ (1) .

و يقول: أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ (2) .

و يقول: وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ (3) :

و يقول: يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ*`اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً*`فَادْخُلِي فِي عِبََادِي*`وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي (4) .

و يخاطب الله سبحانه يوم القيامة بعض أفراد البشر، بقوله:

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (5) .

و في تأويل القرآن الكريم، و الحقائق التي تنبع منه الآيات، يقول جلّ اسمه:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ اَلَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ

____________

(1) سورة العلق الآية 8.

(2) سورة الشورى الآية 53.

(3) سورة الانفطار الآية 19.

(4) سورة الفجر الآية 27-30.

(5) سورة ق الآية 22.

161

قَبْلُ قَدْ جََاءَتْ رُسُلُ رَبِّنََا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنََا مِنْ شُفَعََاءَ فَيَشْفَعُوا لَنََا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ اَلَّذِي كُنََّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ (1) .

و يقول تعالى:

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اَللََّهُ دِينَهُمُ اَلْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ (2) .

و يقول تعالى شأنه:

يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ (3) .

و يقول تعالى ذكره:

مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ (4) .

و يقول تعالى اسمه:

فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ. فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (5) .

و يقول سبحانه:

يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ `اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً `فَادْخُلِي فِي عِبََادِي `وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي (6) .

____________

(1) سورة الأعراف الآية 53.

(2) سورة النور الآية 25.

(3) سورة الانشقاق الآية 6.

(4) سورة العنكبوت الآية 5.

(5) سورة الكهف الآية 110.

(6) سورة الفجر الآية 27-30.

162

و يقول سبحانه و تعالى:

فَإِذََا جََاءَتِ اَلطَّامَّةُ اَلْكُبْرى‏ََ*`يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ مََا سَعى‏ََ* `وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى‏ََ*`فَأَمََّا مَنْ طَغى‏ََ*`وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا* `فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ*`وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ*`فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ (1) .

و يتعرض القرآن الكريم لحقيقة جزاء الأعمال قائلا: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (2) .

استمرار الخلقة و تعاقبها

إن عالم الخلقة الذي نشاهده، له عمر محدود، و سيأتي اليوم الذي يفنى فيه و يزول، كما يؤيد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى (3) .

و هل خلق عالم، و هل كان هناك إنسان، قبل ظهور عالمنا هذا و البشر الذي يعيش فيه حاليا؟و هل بعد زوال و فناء هذا العالم بما فيه، و الذي يخبر به القرآن الكريم سينشأ عالم آخر و سيخلق بشر، فهذه أسئلة لا نجد جوابها في القرآن الكريم إلاّ تلميحا، لكن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام، تجيب بإيجاب عن هذه الأسئلة (4) .

____________

(1) سورة النازعات الآية 34-41.

(2) سورة التحريم الآية 7.

(3) سورة الأحقاف الآية 3.

(4) البحار ج 14: 79.

163

معرفة الإمام‏

معنى الإمام‏

تطلق كلمة الإمام أو القائد على شخص يقود جماعة أو فئة، و يتحمل عب‏ء هذه المسئولية، في المسائل الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، و يرتبط عمله بالمحيط الذي يعيش فيه، و مدى سعة المجال للعمل فيه أو ضيقه.

إن الشريعة الإسلامية المقدسة (كما اتضح في الفصول السابقة) تنظر إلى الحياة العامة للبشر من كل الجهات، فهي تصدّر أوامرها لإرشاد الإنسان في الحياة المعنوية، و كذا في الحياة الصوريّة من الناحية الفردية، و تتدخل في إدارة شئونه، كما تتدخل في حياته الاجتماعية و القيادية (الحكومة) أيضا.

و على ما مرّ ذكره، فإن الإمام أو القائد الديني في الإسلام، يمكن أن يكون مورد نظر من جهات ثلاث:

الأولى: من جهة الحكومة الإسلامية.

الثانية: من جهة بيان المعارف و الأحكام الإسلامية المعنويّة.

تعتقد الشيعة بأن المجتمع الإسلامي يحتاج إلى الجهات الثلاث التي سبق ذكرها، احتياجا مبرما، و الشخص الذي يتصدّى لقيادة الجهات الثلاث، بما فيها قيادة المجتمع، يجب أن يعيّن من قبل الله و الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم، علما بأن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أيضا يعيّن الإمام بأمر من الله تعالى.

164

الإمامة و خلافة النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم في الحكومة الإسلامية

إن الإنسان بما يمتاز به من مواهب إلهية، يدرك جيدا و من دون تردّد، إن أي مجتمع متآلف، في أيّة بقعة أو مملكة أو مدينة أو قرية أو قبيلة، و حتى في بيت واحد يتألف من عدة أفراد، لن يستطيع أن يعيش و يستمرّ في حياته دون قائد أو ناظر عليه، فهو الذي يجعل الحياة نابضة، يحرّك عجلات اقتصادها، يحفّز كل فرد من أفراد المجتمع لإنجاز وظيفته الاجتماعية. فالمجتمع الفاقد لقائد، لا يستطيع أن يستمر في حياته، و في أقل فترة ينهار قوامه، و يسير نحو الهمجية و التحلل الخلقي.

فعلى هذا، الشخص الذي يتولى قيادة مجتمع (سواء أ كان كبيرا أم صغيرا) و يعير اهتماما لمنصبه و مقامه، و يبدي عنايته لبقاء ذلك المجتمع، نجده يعيّن خلفا له فيما لو أراد أن يغيب عن محل عمله (سواء أ كانت الغيبة مؤقتة أم دائمة) و لا يتخلى عن مقامه ما لم يعين أحدا، و لا يترك بلاده، أو بقعته دون ناظر أو حارس عليها أو قائد لها، لأنه يعلم جيدا، أنّ غضّ النظر عن هذه المهمة و عدم استخلاف أحد، يؤدّي بمجتمعه إلى الزوال و الاضمحلال، كما لو أراد ربّ البيت أن يسافر عدة أيام أو أشهر، فإنه يختار أحد أفراد أسرته (أو غيرهم) مكانه، و يلقي إليه مقاليد الإدارة في البيت، و هكذا الرئيس لمؤسسة أو المدير لمدرسة، أو التاجر لمحله، و هو يشرف على موظفين أو صنّاع يعملون تحت أمرته، فلو قدر أن يترك محل عمله لساعات قليلة فإنه يختار أحدهم و يعيّنه مكانه، كي يتسنّى للآخرين الرجوع إليه، في المشكلات أو المعضلات، و قس على هذا... غ

165

الإسلام دين قوامه الفطرة، و ذلك بنصّ القرآن الحكيم و السنة النبويّة، و هو نظام اجتماعي، يدركه كل من له إلمام بهذا الدين، و من ليس له صلة به. و العناية الخاصة التي قد بذلها الله جلّ و علا، و نبيّه الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم لهذا الدين الجامع، لا ينكرها أحد، و لا يسعنا مقارنتها مع أي أمر آخر.

فالنبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم كان لا يترك المجتمع الذي يدخل في الإسلام، أو المجتمع الذي قد سيطر عليه الإسلام، و كذا كل بلدة أو قرية كانت تقع تحت أمرة المسلمين، دون أن يرسل إليها واليا أو عاملا، مباشرة، كي يدير شئون تلك المجتمعات أو البقاع، و كان هذا دأب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، في الجهاد، فعند ما كان يرسل كتيبة إلى مكان ما، كان يعين قائدا لها، و كان يعين أكثر من قائد أحيانا، كما حدث ذلك في حرب (مؤتة) إذ عيّن صلى اللّه عليه و آله و سلم أربعة، فإذا ما قتل الأول، خلفه الثاني من بعده، و إذا ما قتل الثاني، خلفه الثالث... و هكذا.

و قد أبدى الإسلام بموضوع الخلافة و الاستخلاف عناية تامة، فلم يتغافل عن هذا الموضوع، و متى ما أراد النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، أن يترك المدينة، كان يستخلف أحدا. و في الوقت الذي أراد الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم الهجرة من مكة إلى المدينة، عيّن عليا خليفة له في مكة، للقيام بالأعمال الخاصة به لفترة قصيرة، كأداء الأمانات إلى أهلها، و قد أوصى صلى اللّه عليه و آله و سلم لعلي عليه السّلام أن يقوم بأداء الديون و ما يتعلق بشئونه الخاصة، بعد وفاته صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و وفقا لهذه القاعدة، فإن الشيعة تدّعي أنه لا يتصوّر أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم قبيل وفاته لم يوص لأحد يستخلفه في شئون الأمة من‏

166

بعده، أو أنه لم يعين شخصا يقوم بإدارة الدولة الإسلامية.

و ليس هناك من شك، و الفطرة الإنسانية تقرّ، بأن نشوء مجتمع ما يرتبط بمجموعة من عادات و تقاليد مشتركة تقرّها أكثرية ساحقة لذلك المجتمع، و كذا يرتبط بقاؤها و دوامها بحكومة عادلة تتبنّى إجراء تلك العادات و التقاليد إجراء كاملا، و هذا الأمر لا يخفى على الشخص اللبيب أو يغفل عنه، في حين أنه ليس هناك مجال للشك في الشريعة الإسلامية، بما فيها من دقة و نظام، و لما كان يبديه النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم من احترام و تقدير لتلك الشريعة، إذ كان يضحّي بما في وسعه في سبيلها، أن يهمل الموضوع أو يتركه. علما بأن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، كان نابغة زمانه، في قوة تفكره، و فراسته و تدبيره، (فضلا عن مستلزمات الوحي و النبوة و ما تتبعها من تأييدات) .

و كما نجد في الأخبار المتواترة عن طريق العامة و الخاصة، في كتب الأحاديث و الروايات (باب الفتن و غيرها) ، إنه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان ينبئ بالفتن و المحن التي ستلاقيها الأمة الإسلامية بعده، و ما يشوب الإسلام من فساد، كحكومة آل مروان و غيرهم، الذين غيّروا و حرّفوا الشريعة السمحاء، فكيف يعقل أن من يهتم بأمور تحدث بعد سنوات عديدة متأخرة عن وفاته، و ما تنطوي عليها من فتن و مصائب، أن يتغافل عن موضوع يحدث بعيد وفاته، و في الأيام الأوّل بعد رحيله صلى اللّه عليه و آله و سلم؟!و لا يبدي اهتماما لموضوع خطير من جهة، و بسيط من جهة أخرى، في حين كان يبدي اهتمامه لأبسط الأمور الاعتيادية، كالأكل و الشرب و النوم و ما شاكل، فنجده يصدّر

167

الأوامر اللازمة لهذه المسائل الطبيعية، فكيف لا يبدي اهتماما لمسائل أساسية هامة أو أن يختار الصمت إزاءها، و لا يعيّن أحدا مكانه؟

و على فرض المحال، لو كان تعيين القائد لمجتمع إسلامي في الشريعة الإسلامية، منوطا بالمجتمع نفسه، لكان لزاما على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، أن يصرّح في هذا الخصوص و يشير إليه إشارة وافية، و يعطي الأمّة الإرشادات اللازمة، كي تصبح واعية أمام موضوع يضمن لها تقدمها و تكاملها، و تتوقف عليه شعائر دينها.

في حين أننا لم نجد مثل هذا التصريح، و لو كان هناك نصّ صريح لما خالفه من جاء من بعده، و ذلك ما حدث من الخليفة الأوّل، و انتقال الخلافة إلى الثاني بوصية منه، و الرابع أوصى لابنه، أما الخليفة الثاني فقد دفع الثالث إلى منصة الخلافة بحجّة أنه أحال الأمر من بعده إلى شورى تتضمن ستة أعضاء، و قد عين هؤلاء الأعضاء، و كذا كيفية انتخابهم.

أما معاوية فقد استعمل الشدّة حتى صالح الإمام الحسن عليه السّلام، و استتب له الأمر، و بعدها صارت الخلافة وراثية، و تغيّرت الشعائر الدينية، من جهاد و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر و إقامة الحدود و غيرها. كل هذه قد زالت عن المجتمع الإسلامي، فاضحت جهود الشارع هباء (1) .

____________

(1) فيما يتعلق بموضوع الإمامة و خلافة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و الحكومة الإسلامية، تراجع المصادر التالية: تاريخ اليعقوبي ج 2: 26-61-السيرة لابن هشام ج 2: 223-271.

تاريخ أبي الفداء ج 1: 126/غاية المرام صفحة 664 نقلا عن مسند أحمد و غيره.

168

أما الشيعة فقد حصلت على هذه النتيجة خلال البحث و الدراسة في الوعي الفطري للإنسان، و السيرة المستمرة للعقلاء، و بالتعمّق و الفحص في الأسس الأساسية للشريعة الإسلامية و التي تهدف إلى إحياء هذه الفطرة الإنسانية، و بالتأمل في الحياة الاجتماعية التي كان ينهجها النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و كذا بدراسة الحوادث المؤسفة التي حدثت بعد فاته، و التي عانت الأمة الإسلامية منها عناء بالغا، و دراسة وضع الحكومات الإسلامية في القرن الأول، و ما لازمها من قصور عن أداء وظائفها، فإننا نصل إلى هذه النتيجة.

ثم إن هناك نصوصا كافية قد صرّحت من قبل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في خصوص تعيين إمام و خليفة من بعده، و أن الآيات و الأخبار المتواترة القطعية تشير إلى هذا المعنى، كآية الولاية و حديث غدير خم‏ (1) و حديث السفينة و حديث الثقلين، و حديث الحقّ و حديث

____________

(1) و يستدل آيات من الذكر الحكيم لإثبات خلافة علي بن أبي طالب (ع) منها الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» الآية 55 من سورة المائدة.

اتفق المفسرون شيعة و سنة، إن الآية المذكورة، نزلت في شأن علي بن أبي طالب (ع) ، و تؤيد ذلك المزيد من الروايات عن طريق العامة و الخاصة.

و مما ينقل عن أبي ذر الغفاري أنه قال: «صلّيت مع رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم فلم يعطني أحد شيئا، و كان علي راكعا و أومى إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بعين النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فلما فرغ من صلاته، رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهم، سألك موسى، فقال: «رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي*`وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي*`وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي*`يَفْقَهُوا قَوْلِي `وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي*`هََارُونَ أَخِي*`اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*`وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» . فانزلت عليه قرآنا ناطقا: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ، وَ نَجْعَلُ لَكُمََا سُلْطََاناً فَلاََ يَصِلُونَ إِلَيْكُمََا بِآيََاتِنََا أَنْتُمََا وَ مَنِ اِتَّبَعَكُمَا اَلْغََالِبُونَ» -

169

المنزلة و حديث دعوة العشيرة الأقربين و غيرها، و لكن المراد من الآيات و الأحاديث الآنفة الذكر قد أوّل و حرّف لأسباب و دواع.

____________

ق-اللهم و أنا محمد نبيك و صفيك، اللهم و اشرح لي صدري، و يسّر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا، اشدد به ظهري.

قال أبو ذر: فما أنهى الكلمة، حتى نزل عليه جبرئيل (ع) من عند الله تعالى، فقال: يا محمد اقرأ، قال النبي (ص) : و ما اقرأ؟قال جبرئيل (ع) : اقرأ: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» .

و من الآيات التي يستدل بها على خلافة علي بن أبي طالب (ع) هي الآية: «اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاََ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً» . المائدة الآية (3) .

فظاهر الآية يدل على أن الكفار كانوا يأملون في انتهاء الدعوة الإسلامية و زوال معالمها، و لكن الله سبحانه و تعالى قد أبدل أمنياتهم إلى يأس بالآية المذكورة، لقد أكمل دينه و قوّم بنيانه، و ربما لم يكن الأمر هذا من الأحكام الجزئية في الإسلام، بل أمر ينطوي على أهمية خاصة، يعتمد عليه بقاء الإسلام و استمراره.

لعلّ ظاهر الآية هذه يرتبط بالآية الأخيرة من السورة ذاتها، «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» الآية 67 من سورة المائدة.

تدل هذه الآية على أن هناك أمرا خطيرا، انذر به الرسول الأعظم (ص) لا بد من تحققه، فإذا ما أهمل فيه، فإن رسالة الإسلام و أهدافه ستتعرض للخطر، و الأمر بما ينطوي عليه من أهمية خاصة، فإن الرسول (ص) كان يخشى المعارضة من قبل المخالفين، و كان ينتظر الفرصة المناسبة لبيانه و إظهاره، لذا كان يؤجل إعلان الأمر للأمة الإسلامية، حتى نزل الوحي من السماء، يطلب فيها ربّ العالمين من الرسول الكريم (ص) أن يبادر في إعلانه دون تأمل و تهاون، و ألا يخشى أحدا سوى الله جلّ و علا.

فالموضوع هذا لم يكن من نسخ الأحكام، لأن عدم تبليغ الأحكام الإسلامية أو إعلان بعضها منه، لا يعني تزلزل الكيان الإسلامي بأسره، هذا من جهة، و من جهة أخرى، فإن النبي الأكرم (ص) كان يخشى من تبيان الأحكام الإسلامية للأمة الإسلامية.

فهذه الشواهد و القرائن، تؤيد الأخبار أن الآيات التي ذكرت، قد نزلت في غدير خم، في شأن علي بن أبي طالب (ع) و أيّده الكثير من المفسرين من إخواننا أهل السنة.

و مما يروى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله (ص) دعا الناس إلى علي (ع) في غدير خم، فأخذ بضبعيه فرفعهما، حتى نظر الناس إلى بياض ابطي رسول-

170

____________

ق-الله (ص) ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الآية: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً» . فقال رسول الله (ص) : الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الرب برسالتي، و الولاية لعلي من بعدي، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله) غاية المرام البحراني صفحة 336.

و قد ذكرت ستة أحاديث عن طرق العامة، و خمسة عشر حديثا عن طرق الخاصة في شأن نزول الآية المذكورة. و صفوة القول، أن أعداء الإسلام الذين طالما حاولوا الإطاحة بالإسلام و قيمة، و تناولوا شتى الوسائل لهذا الغرض، باءت محاولاتهم هذه بالفشل، و قد خيّم اليأس عليهم، فأصبحوا متربصين للأمر، و بعد وفاة الرسول (ص) الذي كان يعتبر حافظا للإسلام و حارسا له، و بوفاته يتزلزل قوام الإسلام، و تنهدم أركانه. إلا أن هذه الأمنيات، فندت في يوم غدير خم، إذ أعلن نبيّ الإسلام أن عليا خليفته و وصيه الذي سيستخلفه للحفاظ على كيان الإسلام فعرّفه للأمة، و بعد علي، أنيطت هذه المسئولية الخطيرة لآل علي. و لمزيد من الاطلاع يراجع تفسير الميزان، الجزء الخامس صفحة 177-214 و الجزء السادس صفحة 50-64، من مصنفات مؤلف هذا الكتاب.

حديث الغدير: عند عودة الرسول (ص) من حجّة الوداع، مكث في مكان يدعى (غدير خم) ، فأمر أن يجمع المسلمون العائدون من الحجّ، فاجتمعوا، فخطب فيهم، و نصب عليا قائدا للأمة الإسلامية من بعده، فأعطاه الولاية، و جعله خليفة للمسلمين من بعده.

عن البراء، قال: كنّا مع رسوله الله (ص) في حجة الوداع، فلما أتينا على غدير خم، كشح لرسول الله (ص) تحت شجرتين و نودي في الناس، الصلاة جامعة، و دعا رسول الله (ص) عليا، و أخذ بيده فأقامه عن يمينه، فقال: أ لست أولى بكل امرئ من نفسه، قالوا: بلى، قال: «فإن هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه» ، فلقيه عمر بن الخطاب، فقال: «هنيئا لك أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة» .

البداية و النهاية ج 5: 208 و ج 7: 346-ذخائر العقبي للطبري طبع القاهرة 1356 صفحة 67-الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2: 23 و قد جاء هذا الحديث في كل من الخصائص للنسائي طبع النجف 1369 صفحة 31-و غاية المرام للبحراني صفحة 79، عن 89 طريقا من العامة، و 43 طريقا من الخاصة.

حديث السفينة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) «مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، و من تعلق بها فاز، و من تخلّف عنها غرق» . ذخائر العقبى صفحة 20-الصواعق المحرقة لابن حجر طبع القاهرة صفحة 84 و 150- تاريخ الخلفاء للسيوطي صفحة 307-كتاب نور الأبصار للشبلنجي طبع مصر صفحة 114-غاية المرام للبحراني صفحة 237-و قد جاء الحديث المذكور في هذه الكتب، -

171

تأييد للأقوال السابقة

في أواخر أيام النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و التي قد مرض فيها، بحضور جمع من الصحابة عنده، قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم:

«هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا» .

____________

ق-بأحد عشر طريقا من العامة، و سبعة طرق من الخاصة.

حديث الثقلين: عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص) : «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، كتاب الله و عترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» . البداية و النهاية ج 5: 209-ذخائر العقبى صفحة 16-الفصول المهمة صفحة 22-الخصائص صفحة 30-الصواعق المحرقة صفحة 147-و قد نقل هذا الحديث في غاية المرام عن العامة و الخاصة، 39 طريقا عن العامة، و 82 طريقا عن الخاصة.

و حديث الثقلين هذا يعتبر من الأحاديث القطعية، و روي بأسانيد كثيرة و بعبارات مختلفة و أنه متّفق على صحته، سنة و شيعة، و يستفاد من الحديث المذكور و نظائره، أمور منها:

1-لو بقي القرآن بين الناس حتى قيام الساعة، فالعترة باقية أيضا، أي لا يخلو زمن من وجود إمام و قائد حقيقي للأمة.

2-لقد قدّم النبي (ص) عن طريق هاتين الأمانتين كل ما يحتاج إليه المسلمون من الناحية العلمية و الدينية، و عرّف أهل بيته مرجعا علميا و دينيا للأمة الإسلامية، و أيّد أقوالهم و أعمالهم تأييدا مطلقا.

3-لا يفترق القرآن عن أهل البيت، و لا يحق لمسلم أن يبتعد عنهم، تاركا نهجهم و إرشادهم.

4-لو أطاع الناس أهل البيت، و تمسّكوا بأقوالهم، لن يضلّوا، و سوف يكون الحقّ حليفا لهم.

5-كل ما يحتاج إليه الناس من علوم و مسائل دينية، فهي موجودة لدى أهل البيت، و كل من يتابع طريقهم، لن يضل و لن يهلك، و ينال السعادة الحقيقة، أي أن أهل البيت مصونون من الاشتباه و الخطأ، و بهذه القرينة، يتّضح أن المراد من أهل البيت و العترة، ليس كل أقرباء النبي (ص) و أولاده، بل المراد عدة معدودة منهم، و هم الذين قد نالوا المقام الاسمي من العلوم الدينيّة، و لم يعتريهم الخطأ و النسيان، كي تتوفر لديهم صلاحية القيادة للأمة، و هم علي بن أبي طالب و الأحد عشر من ولده، فإن مقام الإمامة لهم، الواحد بعد الآخر، كما تشير الروايات إلى هذا المعنى.

172

قال بعضهم، إن رسول الله قد غلبه الوجع و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف الحضور بالبيت و اختصموا، فمنهم من يقول، قرّبوا يكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده، و منهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف، قال رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم: قوموا (1) .

مع ما تقدم من البحث، و مع الالتفات إلى أنّ الذين مانعوا أمر تدوين كلمة الرسول العظيم صلى اللّه عليه و آله و سلم، هم أنفسهم قد حظوا في اليوم التالي بالخلافة الانتخابية، و كان الانتخاب دون علم علي عليه السّلام و أصحابه، فجعلوهم أمام أمر واقع، فهل هناك من شك في أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يريد تعيين علي، ليجعله خليفة له من بعده.

و ما كان الهدف من المعارضة (لتدوين أمر الرسول) إلاّ جعل الجو مضطربا. كي ينصرف النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عن الأمر، و لم يكن الغرض وصف النبي بالهذيان، و غلبة المرض عليه، و ذلك لأسباب:

أولا: فضلا من أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم طوال فترة مرضه، لم يسمع منه كلام لا يليق بمقامه، و لم ينقل أحد هذا المعنى، فإنه لا يحقّ لمسلم وفقا للموازين الدينية أن ينسب إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم الهذيان و الكلام العبث، علما بأنه صلى اللّه عليه و آله و سلم مصون و معصوم من قبل الله تعالى.

ثانيا: لو كان المراد من الكلام، المعنى الحقيقي له، فلا حاجة إلى ذكر العبارة التي تلتها، «كفانا كتاب الله» إذ لو كان المراد نسبة الهذيان إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، لكفى ذكر مرضه، لا أن يؤيد القرآن، و ينفي قول الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم، و هذا الأمر لا يخفى على صحابي، من

____________

(1) البداية و النهاية ج 5: 227-شرح ابن أبي الحديد ج 1: 133-الكامل في التاريخ ج 2:

217-تاريخ الرسل و الملوك للطبري ج 2: 436.

173

أن القرآن الكريم قد فرض على الأمة الإسلامية اتباع النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أنه مفروض الطاعة، و كلامه عدل للقرآن. و الناس ليس لهم أيّ اجتهاد أو اختيار أمام حكم الله و رسول.

ثالثا: إن ما حدث في مرض الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم، قد حدث أيضا في مرض الخليفة الأول، عند ما كان يوصي إلى الخليفة الثاني من بعده، و عثمان حاضر يحرّر ما يملي عليه الخليفة الأول، إذ أغمي على الخليفة، و الخليفة الثاني لم يعترض عليه كما اعترض على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (1) .

و فضلا عن هذا كله، فإن الخليفة الثاني قد اعترف في حديث له لابن عباس قائلا (2) . إنني أدركت أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم يريد أن يوصي لعلي، إلا أن مصلحة المسلمين كانت تستدعي ذلك، و يقول أيضا، أن الخلافة كانت لعلي‏ (3) ، فإذا ما كانت الخلافة صائرة إليه، لفرض على الناس اتّباع الحق، و لم ترضخ قريش لهذا الأمر، فرأيت من المصلحة ألا ينالها، و نحيّته عنها.

علما بأن الموازين الدينيّة تصرّح أن المتخلف عن الحقّ يجب أن يعود إليه، لا أن يترك الحق لصالح المتخلف.

و مما تتناقله كتب التاريخ، إن الخليفة الأول أمر بمحاربة القبائل المسلمة التي امتنعت عن إعطاء الزكاة، قال: «و الله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم لأقاتلنهم على منعه» (4) .

____________

(1) الكامل لابن الأثير ج 2: 292.

(2) شرح ابن أبي الحديد ج 2: 134.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 2: 137.

(4) البداية و النهاية ج 6: 311.

174

و المراد من هذا القول، هو أن إقامة الحقّ و إحيائه واجب مهما بلغ الثمن، و بديهي أن موضوع الخلافة حقّ أيضا إلا أنه أغلى من العقال و أثمن.

الإمامة في العلوم التشريعية

أشرنا في الفصول المتقدمة، في معرفة النبي «الرّسول» و قلنا، وفقا للقانون الثابت و الضروري للهداية العامة، إن أيّ نوع من أنواع الكائنات يسير نحو الكمال و السعادة المناسبة له و ذلك عن طريق الفطرة و التكوين.

و الإنسان أيضا أحد أنواع هذه الكائنات لا يستثنى من القانون العام. و يجب أن يرشد إلى طريق خاص في حياته، تضمن له سعادته في الدنيا و الآخرة، و ذلك عن طريق الغريزة المتّصفة بالنظرة الواقعية للحياة، و التأمل في حياته الاجتماعية، و بعبارة أخرى، يجب أن يدرك مجموعة من المعتقدات و الوظائف العملية، كي يجعلها أساسا له في حياته ليصل بها إلى السعادة و الكمال المنشود، و قلنا أن المنهاج للحياة و هو ما يسمى بالدين لا يتأتّى عن طريق العقل، بل هو طريق آخر و يدعى الوحي و النبوّة، و التي تظهر في بعض من أولياء الله الصالحين و هم الأنبياء، و رسل السماء.

فالأنبياء قد أنيطت بهم مسئولية هداية النّاس عن طريق الوحي من الله تعالى فإذا ما التزموا بتلك الأوامر و النواهي، ضمنوا السعادة لهم.

يتّضح إن هذا الدليل، فضلا عن أنه يثبت لزوم مثل هذا

175

الإدراك بين أبناء البشر، يثبت أيضا، لزوم و ضرورة وجود أفراد حفظة على هذا البرنامج، و إيصاله إلى الناس إذا اقتضت الضرورة ذلك.

و كذا يستلزم وجود أشخاص قد أدركوا الواجبات الإنسانية، و ذلك عن طريق الوحي، و هم بدورهم ينهضون لتعليم المجتمع، كما يجب أن تبقى هذه الواجبات السماوية، ما دام الإنسان حيا، و تعرض عليه عند الضرورة.

فالذي يتحمل عب‏ء هذه المسئولية، يعتبر حاميا للدين الإلهي، و يعيّن من قبل الله تعالى، و هو من يسمّى بـ «الإمام» كما يدعى حامل الوحي الإلهي و الشرائع السماويّة بـ «النبي» و هو من قبل الله تعالى أيضا.

يتفق أن تكون النبوة و الإمامة في شخص واحد، و قد لا يتحقق ذلك، فكما أن الدليل المتقدم يثبت عصمة الأنبياء، فإنه يثبت عصمة الأئمة أيضا.

إذ تقتضي رحمة الله و عطفه أن يضع الدين الحقيقي و غير المحرّف في متناول أيدي البشر دوما. و لا يتحقق هذا الأمر دون أن تكون هناك عصمة.

الفرق بين النّبي و الإمام‏

إن تسلم الأحكام و الشرائع السماوية، و التي تتم بواسطة الأنبياء، إنما يثبت لنا موضوع «الوحي» و هذا ما مرّ علينا في الفصل المتقدم. و ليس فيه ما يؤيد استمراره و بقاءه على خلاف‏

176

الحافظ و الحامي الذي يعتبر أمرا مستمرا، و من هنا نصل إلى نتيجة أن ليس هناك ضرورة أن يكون نبي بين الناس بصورة مستمرة، لكن يستلزم أن يكون إمام بينهم، و يستحيل على مجتمع بشري أن يخلو من وجود إمام سواء عرفوه أم لم يعرفوه، و قد أشار الله سبحانه و تعالى في كتابه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ (1) .

فكما أشرنا، يتفق أن تجتمع النبوّة و الإمامة في شخص واحد، فيمتاز بالمقامين النبوة و الإمامة، (تسلم الشريعة و الحفاظ عليها و السعي في نشرها) و قد لا تجتمع في واحد، و هناك أدوار من الزمن خلت من وجود الأنبياء، إلا أن هناك إمام حق في كل عصر، و من البديهي أن عدد الأنبياء محدود، و لم يظهروا في جميع الأدوار التي مرّت بها البشرية.

يشير الله سبحانه و تعالى في كتابه المبين إلى بعض الأنبياء الذين امتازوا بصفة الإمامة أيضا، كما في ابراهيم عليه السّلام إذ يقول:

وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قََالَ إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً قََالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قََالَ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ (2) .

و كذا قوله تعالى: وَ جَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنََا (3) .

____________

(1) سورة الأنعام الآية 89.

(2) سورة البقرة الآية 124.

(3) سورة الأنبياء الآية 73.

177

الإمامة في باطن الأعمال‏

كما أن الإمام قائد و زعيم للأمة بالنسبة للظاهر من الأعمال، فهو قائد و زعيم بالنسبة للباطن من الاعتقادات و الأعمال أيضا، فهو الهادي و القائد للإنسانية من الناحية المعنويّة نحو خالق الكون و موجده.

لكي تتضح هذه الحقيقة لا بدّ من مراعاة المقدمتين التاليتين:

أولا: ليس هناك من شك أو تردد في أن الإسلام و سائر الأديان السماوية، تصرّح بأن الطريق الوحيد لسعادة الإنسان أو شقائه هو ما يقوم به من أعمال حسنة أو سيئة، فالدّين يرشده، كما أن فطرته و هي الفطرة الإلهية تهديه إلى إدراك الحسن و القبيح.

فالله سبحانه يبيّن هذه الأعمال عن طريق الوحي و النبوة، و وفقا لسعة فكرنا نحن البشر، و بلغة نفهمها و نعيها، بصورة الأمر و النهي و التحسين و التقبيح في قبال الطاعة أو التمرد و العصيان، يبشر الصالحين و المطيعين بحياة سعيدة خالدة، و قد احتوت على كل ما تصبو إليه البشرية من حيث الكمال و السعادة، و ينذر المسيئين و الظالمين بحياة شقيّة خالدة، و قد انطوت على البؤس و الحرمان.

و ليس هناك أدنى شكّ من أن الله تعالى يفوق تصورنا و ما يجول في أذهاننا و لكنه لا يتصف بصفة البشر من حيث التفكير.

و ليس لهذه الاتفاقية أن يكون هناك سيّد و مسود و قائد و مقود، و أمر و نهي و ثواب و عقاب واقع خارجي سوى في حياتنا

178

الاجتماعية. أما الجهاز الإلهي فهو الجهاز الكوني الذي يربط حياة كل مخلوق و كائن بالله الخالق ربطا وثيقا.

و مما يستفاد من القرآن الكريم‏ (1) و أقوال النبي العظيم صلى اللّه عليه و آله و سلم أن الدين يشتمل على حقائق و معارف تفوق فهمنا و إدراكنا الاعتيادي، و أن الله جلّ شأنه قد أنزلها إلينا بتعبير بسيط يلائم تفكيرنا، كي يتسنى لنا فهمها و إدراكها.

يستنتج مما تقدم أن هناك ارتباطا بين الأعمال الحسنة و السيئة من جهة، و الحياة الأخرى بما تمتاز به من خصائص و صفات من جهة أخرى ارتباطا واقعيا، تكشف عن سعادة أو شقاء.

و بعبارة أوضح، أن كل عمل من الأعمال الحسنة و السيئة تولد في الإنسان حقيقة، و الحياة الأخروية ترتبط بهذه الحقيقة ارتباطا وثيقا.

إن الإنسان في حياته يشبه الطفل، سواء أشعر بهذا الأمر أم لم يشعر، حيث تلازمه شئون تربويّة، فهو يدرك ما يملي عليه مربيّه بألفاظ الأمر و النهي، لكنه كلما تقدم في العمر استطاع أن يدرك ما قاله مربيه، فينال بذلك الحياة السعيدة، و ما ذلك إلا بما اتّصف به من ملكات، و إذا ما رفض و عصى معلمه الذي كان يسعى له بالصلاح، نجد حياته مليئة بالمآسي و الآلام.

فالإنسان يشبه المريض الذي دأب على تطبيق أوامر الطبيب في الدواء و الغذاء، أو رياضة خاصة، فهو إذا لم يبال إلاّ بما أملاه

____________

(1) «وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ*`إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*`وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» سورة الزخرف الآية 2-4.

179

عليه طبيبه، فعندئذ يجد الراحة و الصحة، و يشعر بتحسن صحته.

و خلاصة القول، إن الإنسان يتصف بحياة باطنية غير الحياة الظاهرية التي يعيشها، و التي تنبع من أعماله، و ترتبط حياته الأخروية بهذه الأعمال و الأفعال التي يمارسها في حياته هنا.

إن القرآن الكريم يثبت هذا البيان العقلي، و يثبت في الكثير من آياته‏ (1) بأن هناك حياة أسمى و روحا أرفع من هذه الحياة للصالحين و المؤمنين، و يؤكد على أن نتائج الأعمال الباطنية تلازم الإنسان دوما، و النبي العظيم قد أشار إلى هذا المعنى أيضا في الكثير من أقواله‏ (2) .

____________

(1) مثل هذه الآية: «وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ*`لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ) سورة ق الآية 21-22.

و الآية: «مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً» (سورة النحل الآية 97) .

«يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ» سورة الأنفال، الآية 24.

و في سورة آل عمران الآية 30: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ... » .

و الآية: «إِنََّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَ آثََارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ» سورة يس الآية 12.

(2) على سبيل المثال: يقول تعالى في حديث المعراج لنبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «فمن عمل برضائي أمنحه ثلاث خصال: اعرضه شكرا لا يخالطه الجهل و ذكرا لا يخالطه النسيان و محبّة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين، فإذا أحبّني، أحببته و افتح عين قلبه إلى جلالي و لا أخفي عليه خاصة خلقي و أناجيه في ظلم الليل و نور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين و مجالسته معهم و اسمعه كلامي و كلام ملائكتي و أعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي و ألبسه الحياء حتى يستحي منه الخلق و يمشي على الأرض مغفورا له و اجعل قلبه واعيا و بصيرا و لا أخفي عليه شيئا من جنة و لا نار و أعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول و الشدة. بحار الأنوار ج 17: 9.

عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: استقبل رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك؟فقال: يا رسول الله مؤمن حقا. فقال-

180

ثانيا: كثيرا ما يحدث أن يرشد شخص أحدا بعمل حسن دون أن يلتزم هو بذلك العمل، في حين أن الأنبياء و الأئمة الأطهار ترتبط هدايتهم للبشر بالله جلّ و علا، و يستحيل أن يشاهد عندهم هذه الحالة، و هو عدم الالتزام بالقول أو العمل به، فهم العاملون بمبادى‏ء الدين الذي هم قادته و أئمته و هم متّصفون بروح معنوية سامية، يرشدون بها النّاس، و يهدونهم إلى الطريق القويم.

فإذا أراد الله سبحانه أن يجعل هداية أمّة على يد فرد من أفرادها، يربّي ذلك الفرد تربية صالحة تؤهّله للقيادة و الإمامة، و لن تجد لسنة الله تبديلا.

مما تقدم نستطيع أن نحصل على النتائج التالية:

1- إن النبي أو الإمام لكل أمّة، يمتاز بسموّ روحي و حياة معنويّة رفيعة، و هو يريد هداية الناس إلى هذه الحياة.

2- بما أنهم قادة و أئمة لجميع أفراد ذلك المجتمع، فهم أفضل من سواهم.

3- إن الذي يصبح قائدا للأمة بأمر من الله تعالى، فهو قائد للحياة الظاهرية و الحياة المعنوية معا، و ما يتعلّق بهما من أعمال، تسير مع سيره و نهجه‏ (1) .

____________

ق-له رسول الله، لكل شي‏ء حقيقة فما حقيقة قولك؟فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي و أظمأت هواجري فكأني أنظر إلى عرش ربّي و قد وضع للحساب و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة و كأني أسمع عواء أهل النار في النار، فقال رسول الله عبد نوّر الله قلبه الوافي الجزء الثالث صفحة 33.

(1) «وَ جَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنََا وَ أَوْحَيْنََا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرََاتِ... » سورة الأنبياء الآية 73.

«وَ جَعَلْنََا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنََا لَمََّا صَبَرُوا» سورة السجدة الآية 24.

و يستفاد من الآيات المتقدمة و ما شابهها، أن الإمام فضلا عن الإرشاد و الهداية-

181

أئمة الإسلام و قادته‏

و مما تقدم يستنتج أنه بعد وفاة الرسول العظيم صلى اللّه عليه و آله و سلم ما زال و لا يزال إمام معيّن من قبل الله تعالى في الأمة الإسلامية.

و هناك المزيد من الأحاديث النبوية (1) في وصف الأئمة و عددهم، و أنهم من قريش و من أهل بيته صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أن منهم الإمام المهدي و هو آخرهم.

و هناك نصوص صريحة (2) أيضا من الرسول الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم في إمامة علي عليه السّلام، و أنه الإمام الأوّل و هكذا روايات و أحاديث أخرى عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم و عن الإمام علي عليه السّلام بشأن الإمام الثاني، و هكذا كل إمام ينبئ بالإمام الذي يليه و يأتي بعده.

____________

ق-الظاهرية يختص بنوع من الهداية المعنوية، و يعتبر من سنخ عالم الأمر و التجرد، فهو بواسطة الحقيقة و النور الباطني الذي يتصف به، يستطيع أن يؤثر في القلوب المهيأة، و أن يتصرف بها كيفما شاء، و يسيّرها نحو مراتب الكمال و الغاية المتوخاة، فتأمّل.

(1) على سبيل المثال عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله يقول: لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة، قال: فكبّر الناس و ضجّوا ثم قال كلمة خفيّة. قلت لأبي:

يا ابه، ما قال: قال: قال كلهم من قريش... صحيح أبي داود ج 2: 207، مسند أحمد ج 5: 92 و أحاديث أخرى بهذا المضمون.

عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فإذا الحسين على فخذيه و هو يقبّل عينه و يقبّل فاهه و يقول: أنت سيّد ابن سيد، و أنت إمام ابن إمام، و أنت حجة ابن حجة، و أنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم. ينابيع المودة الطبعة السابعة صفحة 308.

(2) يراجع كتاب الغدير تأليف العلامة الأميني، و كتاب غاية المرام تأليف السيد هاشم البحراني، و كتاب الهداة تأليف محمد بن حسن الحر العاملي و كتاب ذخائر العقبى تأليف محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري. و كتاب المناقب للخوارزمي. و كتاب تذكرة الخواص لابن الجوزي. و كتاب ينابيع المودة لسليمان بن ابراهيم الحنفي. و كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ و كتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري. و كتاب النص و الاجتهاد لشرف الدين الموسوي. و كتاب أصول الكافي الجزء الأول لمؤلفه محمد بن يعقوب الكليني. و كتاب الإرشاد للشيخ المفيد.

182

و بمقتضى هذه النصوص، فإن أئمة الإسلام اثنا عشر بالترتيب التالي:

1-علي بن أبي طالب عليه السّلام.

2-الحسن بن علي عليه السّلام.

3-الحسين بن علي عليه السّلام.

4-علي بن الحسين عليه السّلام.

5-محمد بن علي عليه السّلام.

6-جعفر بن محمد عليه السّلام.

7-موسى بن جعفر عليه السّلام.

8-علي بن موسى عليه السّلام.

9-محمد بن علي عليه السّلام.

10-علي بن محمد عليه السّلام.

11-الحسن بن علي عليه السّلام.

12-محمد بن الحسن المهدي عليه السّلام.

موجز عن حياة الأئمة الاثني عشر

الإمام الأول:

هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و أبو طالب شيخ بني إبراهيم و عمّ النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، و قد ربّى محمدا في حجره، و بعد أن بعث بالرسالة، كان مدافعا عنه، يحميه من شرّ المشركين و خاصة قريش.

ولد علي-على أشهر الروايات-قبل البعثة النبوية بعشر

183

سنوات، و عند ما أصاب مكة و أطرافها الجدب، كان عمره آنذاك ست سنوات، فاقترح النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أن ينتقل من بيت أبيه «أبي طالب» إلى بيته صلى اللّه عليه و آله و سلم ليصبح في كنفه و تحت رعايته‏ (1) .

نال محمد بعد سنوات عدة مقام النبوة، و قد أوحي إليه لأول مرة و هو في غار «حراء» فرجع إلى بيته، و أخبر عليا بما جرى عليه، فآمن عليّ عليه السّلام به‏ (2) .

و قد دعا النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عشيرته الأقربين إلى دينه الجديد، قائلا:

«من يؤازرني على هذا الأمر، يكن وصيّ و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي» .

فلم يستجب أحد لهذه الدعوة إلاّ عليّ، حيث قام و قال: أنا يا رسول الله، فقبل الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم إيمانه، و أقرّ بما وعده إيّاه‏ (3) ، فهو أول من أسلم و قبل الإسلام من الرجال و آمن به، و هو لم يعبد إلاّ الله سبحانه.

كان عليّ يرافق النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم دوما، إلى أن هاجر من مكة إلى المدينة، و في ليلة الهجرة، عند ما حوصر بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و كان الكفار و المشركون قد جهّزوا الحملة للهجوم على بيت النبوة و الرسالة، و قتل النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في فراشه، نام عليّ في فراش الرسول، و خرج الرسول مهاجرا إلى يثرب‏ (4) ، فردّ عليّ الأمانات إلى أهلها

____________

(1) الفصول المهمة الطبعة الثانية صفحة 14/المناقب للخوارزمي صفحة 17.

(2) ذخائر العقبى طبعة القاهرة سنة 1356 صفحة 58/المناقب للخوارزمي طبعة النجف سنة 1385، صفحة 16-22/ينابيع المودة الطبعة السابعة.

(3) الإرشاد للشيخ المفيد طبع طهران 1377 صفحة 4/ينابيع المودة صفحة 122.

(4) الفصول المهمة صفحة 28-30/تذكرة الخواص طبع النجف 1383 صفحة 34/ ينابيع المودة ص 105/المناقب للخوارزمي ص 73-74.

184

حسب ما وصى به النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و توجّه إلى يثرب مع أمّه، و زوجتي الرسول و ابنته‏ (1) .

كان علي بن أبي طالب ملازما للرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم لا يفارقه، و زوّجه النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ابنته فاطمة سلام الله عليها.

لما أقام النبي عقد الأخوة و أنشأها بين أصحابه، جعل عليا أخا له‏ (2) .

كان علي عليه السّلام يشارك في جميع غزوات النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عدا غزوة تبوك، إذ استخلفه الرسول في المدينة (3) ، فلم يتراجع في جميع تلك الغزوات عن مواجهة الخصم، و لم يخالف النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في أمر.

و قد قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في حقّه عليه السلام: «عليّ مع الحقّ و الحقّ مع علي» (4) .

كان عمره الشريف يوم توفي الرسول العظيم ثلاثا و ثلاثين سنة، فنحّي عن منصب الخلافة، علما بأنه كان منارا لجميع المثل الإنسانية، مميزا عن أقرانه و عن كل صحابة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و قد تمسك المخالفون بأعذار منها، أنه شاب لا تجربة له في الحياة، و أنه قد قتل صناديد العرب عند محاربة الكفار و هو في ركاب الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم، فاستطاعوا بهذه الحجج الواهية أن يجعلوه بمنأى و بمعزل عن الخلافة و قيادة شئون المسلمين

____________

(1) الفصول المهمة صفحة 34.

(2) الفصول المهمة صفحة 20/تذكرة الخواص صفحة 20-24/ينابيع المودة ص 63-65.

(3) تذكرة الخواص صفحة 18/الفصول المهمة صفحة 21/المناقب للخوارزمي صفحة 74.

(4) مناقب آل أبي طالب تأليف محمد بن علي بن شهرآشوب طبع قم ج 3: 62، 218.

غاية المرام صفحة 539/ينابيع المودة صفحة 104.

185

العامة، فانعزل عن المجتمع، و أصبح جليس داره، و شرع بتربية الخاصة من أصحابه، و بعد مضي خمس و عشرين سنة، و هي الفترة التي حكم فيها الخلفاء الثلاثة بعد الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم، و بعد مقتل الخليفة الثالث، اتجهت الأمة الإسلامية إلى علي عليه السّلام و بايعته بالخلافة.

كان علي عليه السّلام طوال حكومته، و التي لم تدم أكثر من أربع سنوات و تسعة أشهر يسير على نهج الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و اتصفت خلافته بلون من الثوريّة إذ قام بإصلاحات أدّت بالإضرار إلى بعض المنتفعين، فنجد أعلام المعارضة ترتفع، و سيوف المعارضين تشهر، يتقدمهم طلحة و الزبير و معاوية و عائشة فجعلوا مقتل عثمان ذريعة لنواياهم السيئة، و قاموا بالأعمال المضللة.

و الإمام علي عليه السّلام استعدّ للحرب للقضاء على هذه الفتنة، و قد جهزت أم المؤمنين جيشا و كان طلحة و الزبير خير من يعينها و ينهض معها بالأمر. فوقع القتال بين الطرفين على مقربة من البصرة، و اشتهرت الواقعة بحرب الجمل.

و قام الإمام أيضا بحرب مع معاوية في الحدود العراقية الشامية، عرفت بحرب صفّين، و استغرقت سنة و نصف السنة، و شغل بحرب مع الخوارج في النهروان، اشتهرت بحرب النهروان.

و يمكن القول بأن معظم تلك الفترة التي حكم فيها الإمام علي عليه السّلام قد صرفت لرفع الاختلافات الداخلية، و بعدها أصيب بضربة على يد أحد الخوارج في مسجد الكوفة، و ذلك صبيحة

186

يوم التاسع عشر من رمضان المبارك لسنة 40 للهجرة، و استشهد في اليوم الواحد و العشرين من الشهر نفسه‏ (1) .

و التاريخ يشهد أن عليا أمير المؤمنين عليه السّلام لم تكن تنقصه صفة من الكمالات الإنسانية، و يؤيد هذا الادعاء كل عدو و صديق. فكان مثلا رائعا في الفضائل و المثل الإسلامية، و نموذجا حيا كامل لتربية الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الكتب التي تناولت هذه الشخصية الفذّة سواء لدى الشيعة أو السنة و غيرهم من المحققين، لم تتناول أية شخصية أخرى بهذا القدر في الحياة البشرية.

كان علي-عليه السلام-أعلم الصحابة، بل أعلم المسلمين، و هو أول من فتح باب الاستدلال الحرّ في المسائل العلمية، و استعان بالبحوث الفلسفيّة في المعارف الإلهية، و تكلم عن باطن القرآن، و وضع قواعد اللغة العربية حفاظا على ألفاظ القرآن الحكيم، و كان أفصح العرب بيانا، و أبلغهم خطابا (كما أشرنا في الفصل الأول من الكتاب) و كان يضرب به المثل في شجاعته، و لم يدع للقلق أو الخوف طريقا إلى قلبه، في تلك الغزوات و الحروب التي مارسها و اشترك فيها.

و التاريخ الإسلامي لا يزال يحمل في طياته خبر الصحابة و المقاتلين في الغزوات، و قد انتابهم الفزع و الخوف، و قد تكررت هذه الحالة في أكثر من واقعة، كحرب «حنين» و «خيبر» و

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 3: 312/الفصول المهمة ص 113. تذكرة الخواص ص 172- 183.

187

«الخندق» . إذ انهزم الجيش أمام الأعداء، و لكن الإمام كان يتصدى لحملات العدوّ، و لم يسلم كل من نازل الإمام من أبطال العرب و محاربيهم، و كان على العاجز عطوفا، فيترك قتله، و لم يعقّب على الفارّ من ساحة الحرب، و لم يغافل العدوّ ساعة الهجوم عليه، و لم يقطع الماء على الأعداء.

و مما اتفقت عليه كتب التأريخ أنه عليه السلام، في معركة خيبر، تناول حلقة الباب، و اقتلع الباب و هزه هزة ثم رمى به جانبا (1) .

و مما ينقل أيضا، إنه في يوم فتح مكة، عند ما أمر الرسول العظيم تحطيم الأصنام، كان هناك صنم يدعى (هبل) و هو أكبر الأصنام وزنا، و أشدّها ضخامة، و كان قد وضع فوق الكعبة، صعد عليّ على أكتاف النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بأمر منه، و رمى بـ «هبل» إلى الأرض‏ (2) .

لم يكن له شبيه في تقواه و عبادته، و كان الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم يردّ على الذين يحاولون النيل منه بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا تسبّوا عليا فإنّه ممسوس في ذات الله» (3) .

و ذات يوم، رأى الصحابي الجليل أبو الدرداء عليا عليه السّلام في إحدى ضيعات المدينة فظنّ أنه ميّت لما رأى من عدم الحركة و سكون الجسم، فرجع مسرعا إلى دار فاطمة، أنبأها بالحدث، و عزّاها بوفاة زوجها، فأجابته فاطمة عليه السّلام أنه لم يمت، بل أنه

____________

(1) تذكرة الخواص صفحة 27.

(2) تذكرة الخواص 27/المناقب للخوارزمي 71.

(3) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 3: 221.

188

مغشيّ عليه من شدة خوفه من الله سبحانه في عبادته و طاعته، و ما أكثر ما كانت تنتابه هذه الحالة.

و ما أكثر القصص و الروايات التي تشير إلى رأفته و عطفه بالفقراء و المساكين و المستضعفين، فكان ينفق مما يحصل على المحتاجين في سبيل الله تعالى، و هو يعيش عيشة خشنة.

كان يهوى الزراعة، و غالبا ما كان يهتم بحفر الآبار، و عمران الأراضي الموات بتشجيرها، فكان يجعلها وقفا للفقراء و البائسين.

و كانت تطلق على كل هذه الموقوفات، (صدقات علي) و كانت لها عائدات جمة، و كانت تقدر هذه الموقوفات بـ (أربعة و عشرين رطلا ذهبا) في السنوات الأخيرة من عهده عليه السّلام‏ (1) .

الإمام الثاني:

هو الإمام الحسن المجتبى و أخوه الحسين عليهم السّلام، ولدا أمير المؤمنين علي عليه السّلام من فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بنت الرسول الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و قد قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم مرارا أن الحسن و الحسين ولداي، و احتراما لهذا القول كان علي عليه السّلام يقول لباقي أولاده: أنتم أولادي، و الحسن و الحسين ولدا رسول الله صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (2) .

ولد الحسن عليه السّلام في المدينة السنة الثالثة من الهجرة، عاصر جده الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم مدة تزيد على سبع سنوات، كان يتمتع برعاية

____________

(1) نهج البلاغة الجزء الثالث الكتاب 24.

(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 21، 25/ذخائر العقبى صفحة 67، 121.

غ

189

جده و عطوفته، و قد توفيت أمه فاطمة سيدة النساء بعد وفاة جده، بثلاثة أو ستة أشهر، فتعهده والده بالتربية.

و بعد استشهاد أبيه علي عليه السّلام نال مقام الإمامة الشامخ، و ما ذلك إلا بأمر من الله العلي العليم، و عملا بوصية الإمام علي عليه السّلام، فاحتلّ مقام الخلافة ظاهرا، و عمل في إرادة المسلمين، طوال ستة أشهر.

جهّز معاوية الجيش لمحاربة الحسن عليه السّلام، بعد أن قضى فترة في الحرب ضد أبيه الإمام علي عليه السّلام، و كان معاوية من ألدّ أعداء آل علي بعد استشهاد الإمام عليّ، (فحارب بحجة الثأر لدم عثمان ابتداء و بعد ذلك صرّح بطلبه للخلافة) ، فوجّه الجيش إلى الكوفة، حيث كان مقرّ الخلافة للإمام الحسن عليه السّلام، و استطاع أن يكسب قادة جيش الإمام بالتطميع بالمال، أو الوعد بالمقام و الجاه، فأغوى بهذا عددا من رؤساء و قادة الجيش، الذين تخاذلوا تاركين خلفهم أمامهم، متجهين نحو معاوية و ثرواته.

و في نهاية الأمر أجبر الإمام الحسن عليه السّلام على الصلح‏ (1) ، و أحال الخلافة الظاهرية بالشروط التي اشترطها إلى معاوية، منها أن تكون الخلافة للحسن بعد وفاة معاوية، و أن يصان شيعته و عشيرته من أيّ تعرض أو اعتداء و بهذا استطاع معاوية أن يأخذ بزمام الأمور في الشام، ثم دخل العراق، و أعلن إلغاءه لشروط الصلح التي أبرمها بالأمس مع الإمام الحسن، و ذلك في اجتماع

____________

(1) إرشاد المفيد 172/مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 133. الإمامة و السياسة تأليف عبد الله بن مسلم بن قتيبة ج 1: 163 الفصول المهمة 145/تذكرة الخواص 197.

190

عام للمسلمين، و مارس أقسى أنواع الاضطهاد و الشدة على أهل بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و الشيعة خاصة.

عاش الإمام الحسن طوال مدة إمامته (عشر سنوات) حياة محاطة بالقمع، و لم يكن بمأمن حتى في بيته مع عائله و أهل بيته، فاستشهد على يد زوجته إذ دست إليه السمّ بإيعاز من معاوية، و ذلك سنة 50 للهجرة النبوية.

كان الحسن مثالا فذا لجدّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و نموذجا كاملا للخلق الأبيّة لأبيه، فكان و أخوه الحسين ملازمين للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و كان يحملهما على كتفه أحيانا.

و مما يروى عن العامة و الخاصة، أن الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم قال:

الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا، و الروايات عن الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و علي عليه السّلام متوافرة بإمامة الحسن بعد أبيه عليهما السلام.

الإمام الثالث:

هو الإمام الحسين (سيّد الشهداء) ثاني ولد علي عليه السّلام من فاطمة بنت النبي الكريم صلى اللّه عليه و آله و سلم.

ولد في السنة الرابعة الهجرية، و بعد استشهاد أخيه الحسن المجتبى، وصلت إليه الإمامة بأمر من الله جلّ شأنه، و وفقا للوصية (1) .

تعتبر مدة إمامة الإمام الحسين عليه السّلام عشر سنوات، عاشها

____________

(1) إرشاد المفيد 179/إثبات الهداة ج 5: 168-212. إثبات الوصية للمسعودي طبعة طهران 1320 صفحة 125.

191

مضطهدا. فمعاوية قد استخدم شتى الطرق و الوسائل لتصفية أهل البيت، و كان يستعين بأعوان و أنصار له في تحقق هذا الأمر.

فحاول طمس اسم علي و آل علي. و مهّد السبل لخلافة ابنه يزيد، فهيّأ المقدمات اللازمة التي لا بدّ من اتخاذها لتشريع حكمه، و إن كانت هناك فئة معارضة لما شاهدوه من فجور يزيد و فسقه. إلا أنهم لم يسلموا من غضب معاوية و سخطه، فوجّه إليهم الضربات قاصمة.

فالحسين عاصر هذه الظروف الحالكة، و تحمّل كلّ الأذى من قبل معاوية و أتباعه، حتى جاء منتصف سنة ستين للهجرة، التي مات فيها معاوية، مخلفا ابنه يزيد (1) .

كانت البيعة سنّة عربية تجري في الأمور الهامة كالملوكية و الإمارة و ما شابه، فيتقدم السادة و كبار القوم بمدّ يد البيعة و الطاعة للملك أو الأمير، و كان يعتبر التخلّف عن البيعة عارا، و تخلّفا عن معاهدة رسمية، و البيعة كانت معتبرة في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و سيرته تؤيد ذلك، هذا إذا كانت تتصف بصفة الاختيار دون الإجبار و الإكراه.

لقد أخذ معاوية البيعة من شرفاء القوم و رؤسائهم، إلا أنه لم يتعرض للحسين عليه السّلام، و لم يحمّله بيعة يزيد، و قد أوصى يزيد بعدم التعرض للحسين بن علي، إذا امتنع من البيعة له، فكان معاوية أكثر حنكا في الأمور، و كان يرى العقبات التي تترتب على هذا الأمر

____________

(1) إرشاد المفيد 182/تاريخ اليعقوبي ج 2: 226-228/الفصول المهمة 163.

192

و لكن يزيد لما كان يتّصف به من أنانية، نسي وصية أبيه، فأمر والي المدينة بعد وفاة أبيه معاوية أن يأخذ البيعة من الحسين، أو يرسل برأسه إليه‏ (1) .

و بعد أن أبلغ والي المدينة بأمر يزيد، و نقله إلى الإمام الحسين عليه السّلام طلب الحسين عليه السّلام مهلة لدراسة الموضوع، فخرج من المدينة في تلك الليلة، متّجها إلى مكة، و التجأ بالكعبة التي هي مأمن للمسلمين.

هذا ما حدث أواخر شهر رجب، و أوائل شهر شعبان من سنة ستين للهجرة، فالحسين لما قضى ما يقارب الأربعة أشهر في مكة، في حالة اللجوء انتشر هذا النبأ شيئا فشيئا، حتى عمّ جميع البلدان الإسلامية، فأيّد الحسين جمع من الأمة الإسلامية، لما شاهدوه من ظلم و تعسّف في زمن معاوية و ابنه يزيد.

هذا من جهة، و من جهة أخرى، فقد انهالت الرسائل الواردة من العراق، و خاصة من الكوفة إلى الحسين بن علي، تطلب منه أن يتّجه إلى العراق، ليصبح قائدا لهم، و تتم على يده إزالة معالم الظلم و الجور، فكان من الطبيعي أن يشعر يزيد بخطورة الموقف.

مكث الحسين عليه السّلام في مكة حتى موسم الحجّ، فكانت تفد جماعات من المسلمين لأداء فريضة الحج.

و علم الحسين عليه السّلام بأن هناك من أعوان يزيد و عملائه من قد وصل إلى مكة و هم يرتدون رداء الإحرام، و قد أخفوا تحته

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج: 88/إرشاد المفيد صفحة 182 الإمامة و السياسة ج 1:

203/تاريخ اليعقوبي ج 2: 229/الفصول المهمة 163/تذكرة الخواص صفحة 235.

193

السلاح، لقتله حين قيامه بأداء فريضة الحج‏ (1) .

قرّر الحسين مغادرة مكة متجها إلى العراق، فوقف خطيبا (2) بين جمع غفير من المسلمين، فأوجز في خطبته و أعلمهم بسفره إلى العراق، و أشار باستشهاده في هذا الطريق، و طلب العون منهم، في سبيل أهدافه المقدّسة، و ألا يتوانوا عن نصرته و نصرة الإسلام، دين الله الحنيف، و غداة ذاك اليوم، سلك طريق العراق و معه أهله و عياله، و نفر من شيعته و أصحابه.

لقد صمّم الحسين عليه السّلام على عدم البيعة ليزيد، و هو على علم بأن الطريق هذا سينتهي به إلى الاستشهاد و كان يعلم أن الجيش الأموي يتصف بالعدة و العدد، و أنه مؤيّد من قبل عامة الناس و خاصة أهل العراق.

و قد جاء إليه جماعة ممن لهم صلة به، فذكروا له خطورة الموقف و السفر الذي هو عازم عليه، و النهضة التي هو قائدها، فأجابهم الحسين عليه السّلام بما مضمونه، إنني لن أبايع يزيدا، و لا أقرّ بحكومة جائرة، و إني على علم بأنهم يريدون قتلي أينما أقمت، و ما تركي لهذه البقعة المكرّمة إلا لحرمة هذا المكان المقدّس (بيت الله الحرام) ، و ألا تهتك حرم الله تعالى، بإهراق دمي‏ (3) .

سار الحسين عليه السّلام إلى العراق، و في طريقه، وصله نبأ بواسطة أحد شيعته، عن مقتل رسوله و مبعوثه إلى الكوفة، على يد والي

____________

(1) إرشاد المفيد 201.

(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 89.

(3) إرشاد المفيد 201/الفصول المهمة 168.

194

يزيد، و قد أمر الوالي بعد قتلهم، أن تربط أرجلهم بالحبال، و يدار بها في شوارع الكوفة و أزقتها (1) .

فكانت الكوفة و ضواحيها، تحت مراقبة شديدة من قبل الأعداء، تنتظر قدوم الحسين، و الإشارات دالة على قتله لا محالة. و هنا أعلن الحسين عليه السّلام مصرحا بنبإ قتله دون تردد، و استمر في سيره‏ (2) .

حوصر الحسين عليه السّلام و من معه من قبل الجيش الأموي، على مسافة سبعين كيلومترا من مدينة الكوفة، في منطقة تسمى (كربلاء) . فكانت تضيّق دائرة الحصار على هؤلاء، و يزداد الجيش الأموي عددا و عدة، و آل الأمر إلى أن استقر الإمام مع القلة من أصحابه تحت الحصار من قبل ثلاثين ألفا من الأعداء (3) .

حاول الإمام في هذه الأيام، أن يثبت أنصاره، فأخرج من جنده من أخرج، و أمر بأن يجتمع الأصحاب، فاجتمعوا، فقال الإمام عليه السّلام في خطاب بهم، أن القوم لم يريدوا إلا قتلي، و أنا رافع بيعتي عنكم، فمن أراد منكم الفرار، فليتخذ الليل له سترا، و ينجي بنفسه من الفاجعة الموحشة التي تتربص بنا.

فأمر بإطفاء الأنوار، و تفرق جمع كثير ممن كان معه، من الذين لم تكن أهدافهم سوى المادة و القضايا المادية، و لم يبق معه إلا روّاد الحقّ و متبعو الحقيقة، و هم ما يقارب من أربعين شخصا، و عدد

____________

(1) إرشاد المفيد 204/الفصول المهمة 170/مقاتل الطالبيين الطبعة الثانية ص 73.

(2) إرشاد المفيد 205/الفصول المهمة 171/مقاتل الطالبين ص 73.

(3) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 98.

195

من بني هاشم، و للمرة الثانية، جمع الإمام الحسين عليه السّلام أصحابه، فخطب فيهم قائلا:

«اللهم إني أحمدك على أن كرمتنا بالنبوة و علمتنا القرآن و فقّهتنا في الدين، و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة فاجعلنا من الشاكرين.

أما بعد، فإني لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابي، و لا أهل بيت أبرّ و لا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا و إني لا أظن يوما لنا من هؤلاء، ألا و إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حلّ ليس عليكم مني زمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا»

فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه و ابنا عبد الله بن جعفر، لم نفعل ذلك لنبقى بعدك!؟

قال بعضهم: ما نفعل ذلك، و لكن نفديك بأنفسنا و أموالنا و أهلينا، و نقاتل معك حتى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

فقام مسلم بن عوسجة خطيبا، قال: أ نحن نخلّي عنك و بما نعتذر إلى الله في أداء حقّك، أما و الله حتى أطعن في صدورهم برمحي و اضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي، و لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة، و الله لا نخليك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك.

أما و الله، لو قد علمت أني أقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى، ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي (الموت) دونك، و كيف لا أفعل ذلك، و إنما هي قتلة واحدة، ثم هي‏

196

الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا (1) .

وصل الإنذار إلى الإمام في عصر يوم التاسع من محرم (أمّا البيعة أو القتال) من جانب العدو فطلب الإمام المهلة لتلك الليلة لغرض العبادة، و تأجيل القتال لليوم التالي‏ (2) .

و في يوم العاشر من المحرم سنة 61 هـ. ق استعد الإمام مع جمعه القليل (لا يتجاوز عددهم تسعين شخصا، أربعون ممن جاءوا معه، و نيف و ثلاثون التحقوا بالإمام في ليلة الحرب و نهارها من جيش الأعداء، و البقية كانوا من الهاشميين، بما فيه ولده و أخوته و أبناء أخوته و أبناء أخواته و أبناء عمومته) استعدوا في معسكر واحد أمام العدد الغفير من جيش الأعداء، فاشتعلت نار الحرب.

حارب هؤلاء من الصباح الباكر حتى الظهيرة، و استشهد الإمام مع سائر الفتية الهاشميين، فلم يبق منهم أحد، (و كان بين القتلى طفلان للإمام الحسن و طفل و رضيع للإمام الحسين عليه السّلام) .

أغار الجيش بعد انتهاء الحرب على حرم الإمام، و أشعلوا النيران في مخيّماتهم و حزّوا رءوس الشهداء و سلبوا ما على أبدانهم من رداء و ملابس، و تركوا الأجساد عارية على الأرض، دون أن يواروهم في التراب، ثم ساروا بأهل بيت الإمام (حرمه) زوجاته و بناته اللواتي لم يكن لهنّ مأوى مع رءوس الشهداء إلى جانب الكوفة (و لم يكن في الأسرى من الرجال سوى القليل، منهم

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 99/إرشاد المفيد ص 214.

(2) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 98/إرشاد المفيد ص 214.

197

ابن الإمام و هو السجاد شاب في سن الثانية و العشرين، و قد اشتدّ عليه المرض، و ولده في سن الرابعة (محمد بن علي) الإمام الباقر عليه السّلام، و كان ممن بقي أيضا الحسن المثنى ابن الإمام الحسن، و الذي كان صهرا للإمام الحسين عليه السّلام و كان قد أصيب بجراح كثيفة في جسمه، و كان طريحا بين القتلى و قد عثروا عليه و هو في آخر رمق من حياته، و لم يقتل بسبب تشفّع أحد الأمراء، و كان من جملة الأسرى الذين جاءوا بهم إلى الكوفة) ، و نقلوهم من الكوفة إلى دمشق التي كانت مركز حكم يزيد.

و قد فضحت «واقعة كربلاء» و كذا ما قام به هؤلاء الأسرى من خطب، و هم ينقلون من بلد إلى بلد، في الكوفة و الشام و منهم زينب بنت الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام و الإمام السجاد اللذان كانا من جملة الأسرى، فضحت نوايا بني أمية، و كشفت النقاب عما كان يقوم به معاوية طوال سنوات عدة، حتى أدى الأمر بيزيد أن يوبّخ عماله و أعوانه في الملأ على هذه الواقعة المفجعة.

كانت واقعة كربلاء عاملا مؤثرا عجّل في إبادة حكومة بني أمية، و ساعدت على ترسيخ مبادي الشيعة و كان من نتائجها الحروب الدامية طوال اثني عشر عاما!و ما لازمها من ثورات و انتفاضات، و لم يخلص أحد ممن ساهم و شارك في مقتل الحسين و أصحابه من الانتقام و الأخذ بالثأر.

و ليس هناك أدنى شك لمن يطالع تأريخ حياة الإمام الحسين عليه السّلام و يزيد، و الأوضاع في ذلك الوقت، و يدقّق النظر فيها بأنه لم يكن هناك سوى طريق واحد، و هو مقتل الحسين عليه السّلام و ما كانت

198

نتيجة البيعة ليزيد إلا هتكا لحرمات الإسلام، و هذا ما لم يرض به الإمام، لأن يزيد لا يحترم الإسلام، و لا يتصف بصفات تجعله يتقيد أو يراعي شيئا منه، و لا يأبى من سحق و إبادة جميع المقدسات و القوانين الإسلامية. بعد أن كان أسلافه يحترمون الشعائر الدينية، فلم يخالفوها في الظاهر، و ما كانوا يقومون به من أعمال كانت تصطبغ بصبغة دينية، و كانوا يحافظون على المظاهر الدينية، و يفتخرون بالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و سائر القادة و الزعماء الدينيين الذين كانت لهم منزلة لدى الناس.

و من هنا يتّضح ما يعتقده بعض مفسري الحوادث و الوقائع التاريخية بأن الحسن و الحسين كانا يتّصفان بصفات متباينة، فالحسن عليه السّلام يحبّذ الصلح على خلاف الحسين عليه السّلام الذي كان يرجّح الحرب و القتال، حيث أن الأول اتخذ جانب الصلح مع معاوية مع أن جيشه كان مقدرا بأربعين ألفا، و الثاني «الحسين عليه السّلام» نهض بجيشه الذي يتراوح عدده الأربعين في القتال ضد يزيد، و من هنا يتّضح سقم هذا التفسير، لأننا نرى الحسين عليه السّلام الذي لم يرضخ لحكم يزيد يوما واحدا، كان يعيش مع أخيه الحسن عليه السّلام (في حدود العشر سنوات من حكم معاوية) و لم يعلن الحرب على معاوية.

و مما لا شك فيه، أن الحسن أو الحسين عليهما السّلام إذا كانا يريدان الحرب ضد معاوية لكان القتل نصيبهما، فضلا عن أن هذا القتل لا ينفع الإسلام و المسلمين بشي‏ء، و لا يجد أيّ نفع أمام سياسة معاوية، الذي كان يصف نفسه بالصحابيّ و كاتب الوحي‏

199

و خال المؤمنين، و ما شابه ذلك مما اتخذه كوسيلة و ذريعة.

هذا و كان بإمكانه أن يقتلهم بأيادي مقربيهم، و يبدي حزنه، و الانتقام ممن قام بهذا العمل كما فعل مع الخليفة الثالث.

الإمام الرابع:

هو الإمام السجاد (علي بن الحسين الملقب بزين العابدين و السجّاد عليه السّلام) .

ولد الإمام الرابع، من شاه زنان بنت «يزدجرد ملك إيران» ، و هو الولد الوحيد الذي بقي للإمام الحسين عليه السلام بعد واقعة كربلاء، إذ أن أخوته الثلاثة استشهدوا فيها. و قد شهد الواقعة، و لكنه لم يشارك فيها لمرضه، و لم يكن قادرا على حمل السلاح، فحمل مع الأسرى إلى الشام.

و بعد أن قضى فترة الأسر، ارجع مع سائر الأسرى إلى المدينة، و ما ذلك إلا لجلب رضى عامة الناس. فعند ما رجع الإمام الرابع إلى المدينة، اعتزل عن الناس في بيته، و تفرّغ للعبادة، و لم يتصل بأحد سوى الخواص من الصحابة مثل (أبي حمزة الثمالي) و (أبي خالد الكابلي) و أمثالهم، و لا يخفى أن هؤلاء الخاصة كانوا يوصلون ما يصلهم من الإمام من معارف إسلامية إلى الشيعة و اتسع نطاق ثقافة الشيعة عن هذا الطريق، فنرى ثماره في زمن الإمام الخامس (الإمام الباقر عليه السّلام) .

و مما ألّفه و صنّفه الإمام السجّاد عليه السّلام كتاب يحتوي على أدعية تعرف به (الصحيفة السجادية) و تشتمل على سبعة و خمسين‏

200

دعاء، و التي تتضمن أدق المعارف الإلهية و يقال عنها «زبور آل محمد» .

كانت مدة إمامته عليه السلام خمسا و ثلاثين سنة حسب بعض الروايات الشيعية، و دسّ إليه السم‏ (1) على يد «الوليد بن عبد الملك» و ذلك بتحريض من هشام، الخليفة الأموي، سنة 95 للهجرة.

الإمام الخامس:

هو الإمام محمد بن علي (الباقر) و لفظ الباقر يدل على تبحره في العلم، و قد منحه هذا اللقب، النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (2) .

هو ابن الإمام السجّاد، ولد سنة 57 للهجرة، و كان عمره في واقعة كربلاء أربع سنوات، و كان ممن حضرها، نال مقام الإمامة بعد والده، بأمر من الله تعالى، و وصية أجداده.

و في سنة 114 أو 117 للهجرة (حسب بعض الروايات الشيعية) دس إليه السم بواسطة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ابن أخ هشام الخليفة الأموي، فقضت هذه الحادثة على حياته، و مضى شهيدا.

في عهد الإمام الباقر، و على إثر استفحال ظلم بني أمية، كانت تبرز ثورات متعاقبة في كل قطر من الأقطار الإسلامية، و تحدث الحروب.

و كان الاختلاف في حكومة بني أمية ظاهرا، هذا ما كان

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 176/دلائل الإمامة ص 80/الفصول المهمة ص 190.

(2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 246/الفصول المهمة ص 193/مناقب ابن شهرآشوب.

201

يشغل الحكومة آنذاك، فكانت نتيجتها أن يخفّ من التعرض لأهل البيت، هذا من جهة.

و من جهة أخرى، ما حدث من واقعة كربلاء، و ما أبرزت من مظلومية أهل البيت، متمثلة في الإمام الباقر عليه السّلام، جعل المسلمين يتجهون إلى أهل البيت، و يبدون حبّهم لهم، و إخلاصهم و تعاطفهم معهم.

و هذه العوامل مجتمعة ساعدت على أن ينصرف ذهن العامّة نحو أهل البيت، فصاروا يتجهون إلى المدينة حيث الإمام الخامس، و كانت العوامل مساعدة في انتشار الحقائق الإسلامية، علوم أهل البيت على يد الإمام الباقر، إذ لم يتحقق هذا لأحد من أجداده، و مما يؤيد هذا الادعاء هو كثرة الأحاديث التي نقلت عن الإمام الخامس، و كذا رجال الشيعة الذين تخصصوا في شتّى العلوم الإسلامية على يد إمامهم، و لا تزال أسماؤهم في كتب الرجال مدرجة (1) .

____________

(1) إرشاد المفيد ص 245-253/يراجع كتاب رجال الكشي، تأليف محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، و كتاب رجال الطوسي، تأليف محمد بن حسن الطوسي، و كتاب الفهرست للطوسي و سائر كتب الرجال.

202

الإمام السادس:

هو الإمام جعفر بن محمد (الصادق عليه السّلام) ابن الإمام الخامس، ولد سنة 83 للهجرة، و استشهد بعد أن دسّ إليه السمّ، سنة 148 للهجرة، و ذلك بتحريض من المنصور الخليفة العباسي (وفق الروايات الشيعية) (1) .

و في عهد الإمام السادس، و على اثر الانتفاضات التي حدثت في الدول الإسلامية، و خاصة قيام «ثورة العباسيين» ضد دولة بني أمية للإطاحة بها، و الحروب المدمرة التي أدّت إلى سقوط الدولة الأموية و انقراضها، و على اثر كل هذا كانت الظروف مؤاتية و مساعدة لنشر حقائق الإسلام و علوم أهل البيت التي طالما ساهم في نشرها الإمام الخامس طوال عشرين سنة من زمن إمامته، و قد تابع الإمام السادس عمله في ظروف أكثر ملاءمة، و تفهما.

فاستطاع الإمام الصادق حتى أواخر زمن إمامته، و التي كانت معاصرة لآخر زمن خلافة بني أمية و أوائل خلافة بني العباس، أن ينتهز هذه الفرصة، لنشر التعاليم الدينية و تربية العديد من الشخصيات العلمية الفذّة في مختلف العلوم و الفنون سواء في العلوم العقلية أو العلوم النقلية.

و من أشهر أولئك الذين تتلمذوا عند الإمام: زرارة، و محمد بن مسلم، و مؤمن الطّاق، و هشام بن الحكم، و أبان بن تغلب، و هشام بن سالم، و حريز، و هشاك الكلبي النسابة، و جابر بن حيان

____________

(1) الأصول الكافي 1: 472/دلائل الإمامة 111/إرشاد المفيد ص 254، تاريخ اليعقوبي ج 3:

119/الفصول المهمة 212/تذكرة الخواص 346 مناقب ابن شهرآشوب ج 4: 280.