الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
455

أما الدليل القوي على أن القرآن الكريم لا يطلب منا أن نؤمن برأي معين في المسائل التاريخية هو أنه كان يخلّص العناصر القصصية أحداثا و أشخاصا من معانيها التاريخية و جعلها صالحة لاستثارة العواطف و الانفعالات حتى تكون العظة و العبرة و البشارة و النذارة و الهداية و الإرشاد و الدفاع عن الدعوة الإسلامية و التمكين لها حتى في نفوس المناوئين.

و بالتالي يغدو من حقنا و حق القرآن علينا إفساح المجال أمام العقل البشري للبحث و التدقيق حتى و لو أدى البحث إلى مخالفة هذه المسائل إنما أبدا لن تكون مخالفة لما أراده اللّه أو قصد إليه القرآن لأنه لم يرد تعليمنا التاريخ إنما إلى الموعظة و العبرة و ما شابههما قصد.

و يخلص إلى جوهر نظريته و هي أن المسائل التاريخية في القصص القرآني هي الصور الذهنية لما يعرفه معاصرو النبي عليه السلام و ما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يمثل الحق و الواقع و ليس مطلوبا من القرآن تصحيح هذه المسائل أو ردّها إلى الحق و الواقع لأنه كان يجي‏ء في بيانه المعجز على اعتقادات العرب و بيئتهم.

و هنا يرد الباحث على ما قد يثور في الذهن من أن هذا الذي يذهب إليه يعارض بعض آيات القرآن فهو يعارض وصف القصص القرآني بأنه الحق و كذا يعارض آيات الافتراء. و عن الأخيرة يقول أنها لم تتحدث أو تتعلق بالمواد الأدبية القصصية و لا في تصويرها للأشخاص أو الأحداث، إنما هي تتعلق بالقرآن ككل من حيث هو كتاب ديني وصلته باللّه سبحانه و تعالى أو بمحمد عليه السلام. من هو صاحب النص أ هو اللّه أنزله على النبي عليه السلام أو هو محمد عليه السلام الذي ينسب القرآن و القصص إلى اللّه افتراء.

ثم يأتي بآيات من تلك التي تناولت الافتراءات و تفسيراتها و يخلص إلى القول بأن المسألة تتعلق بهذا الجانب في مسألة قص القرآن أي جانب إضافتها إلى اللّه مع أنها من عند محمد عليه السلام بمعنى أدق أن رد القرآن عليهم انصبّ على هذا الجانب و هو كون القصص من عند اللّه لا من عند محمد عليه السلام.

و يختم الكلام عن (آيات الافتراء) بأن الواجب العلمي يحتم عدم تعميم الحكم و الوقوف في بحث هذه المسألة في القصص القرآني عند الحد الذي تغياه القرآن، و يرى أن قصة يوسف عليه السلام الوحيدة التي ختمت بآية انضوت على حديث عن الافتراء مََا

456

كََانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ََ (1) أي أن القصة و ما فيها من أخبار و أحاديث و شخصيات كلها من عند اللّه و أن القرآن منزل من السماء و ليس حديثا افتراه محمد.

بعد ذلك يعرّج المؤلّف على مسألة الحق و وصف القرآن لقصصه بتلك الصفة إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (2) و يذهب إلى أن ليس في تلك الآيات و أضرابها ما يقطع بأن المقصود الأحداث التاريخية (الحقيقية) و أن الراجح هو أن المقصود منها التوجيهات الدينية و سائر الأغراض و يسوق مقطعا من تفسير المنار يؤكد ما يذهب إليه أو نظريته و مقطعين من تفسير الرازي من قبيل التوثيق بأن القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين و يرشد إلى الحق و يأمر بطلب النجاة.

كذلك يورد قولا للقاضي عبد الجبار في (تنزيه القرآن عن المطاعن) يعالج قوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ و يذهب إلى أن هذا الوصف لا ينصرف لجسم أو هيكل القصة أو الحكاية أو عناصرها التاريخية إنما هو وصف لما فيها من انفعالات عاطفية تحث على الإيمان بما هو الحق من مسائل الدين. و ينتهي خلف اللّه إلى أنه قول سديد لا يصعب إدراكه و لا يتعذّر فهمه و لا يعسر استيعابه... إن القصد من القصص هو التوجيهات الدينية أو المقاصد التي نزلت من أجلها القصة.

و ينهى هذا الفصل بتلخيص ما يريد الاتفاق عليه من مسائل:

1-المقصود استخراج الحقيقة الدينية التي يرمي إليها القرآن الكريم.

2-هذا الاستخراج يستنفر ضربا من اللقانة الذي درج عليه العمل في كل تحليل أدبي للقصة.

3-الأحداث و الأشخاص في القص القرآني الذي يكون به البناء، فإن مواده قد تكون تاريخية أو خيالية أو صورة لما في أذهان أو معتقدات أو مسلمات معاصري محمد.

4-غالبا ما توجد تلك المواد في البيئة و أن القرآن اعتمد على هذا الموجود كما هو و بحالته التي كان عليها... لما ذا؟

____________

(1) سورة يوسف، الآية 111.

(2) سورة آل عمران، الآية 62.

457

لأن القصص القرآني لم يأت لتصحيح أوضاع تأريخية، إنما أتى للعظة و العبرة و الإرشاد و الهداية. و في هذا كله تكفي المسلمات و المعتقدات.

5-إذا حاك في صدر شخص شي‏ء من هذا و احتاج إلى قدر من الاطمئنان فعليه بالتأويل لمن يعوزه الاطمئنان.

كاتب هذه السطور لا يتعالى على (الثقافة الشعبية) أو ينظر إليها على أنها الثقافة الدنيا أو الثقافة غير العالمة بل ينظر إليها بقدر وافر من التقدير و يضعها في مكانها اللائق إذ أنها تحتوي على رصيد هائل و مخزون ضخم من تجارب الأمة و خبراتها و الدليل على ذلك أنني في كتاباتي أستعمل كثيرا من مفرداتها و أرجع إلى القواميس و المعاجم التي تحمل ألفاظ و تراكيب الثقافة العليا أو الثقافة العالمة فأفاجئ في العديد من الحالات أنها هي المفردات ذاتها و في بعض الأحيان أجدها مع تحوير أو تبديل بسيط فأفتح قوسين أكتب فيهما: و العامة أو العامة في مصر تقول كذا... و مما يشد انتباهي في الثقافة الشعبية الأمثال التي تجري على ألسنة الناس البسطاء إذ أنها في نظري تكثيف شديد و تقطير مضاعف لتجاربهم و خبراتهم.

أقدّم هذه الفرشة السريعة الموجزة التي هي أشبه ما تكون بالبرقية كمسوّغ لهذا المثل الشعبي: (عشّمتني بالحلق... خرّمت أنا و داني) . و شرحه أنك منّيتني بأن تحضر لي حلقا فصدّقتك فقمت بثقب أذنيّ.

هذا المثل ورد على ذهني فور أن فرغت من قراءة و تمحيص الفصل الرابع و هو (مصادر القصص القرآني) ذلك أن خلف اللّه بدأه بأنه سوف يلاقي خطورتين الأولى من أصحاب الثقافة الضحلة و الأخرى من المستشرقين و تحدّث طويلا عن العقول الضيقة و النظر القصير إلخ. و توقّعنا بعد ذلك أن يخب و يضع في موضوع المصادر و يتناوله بجرأة و موضوعية و لا يبالي بأولئك الذين رماهم بكل نقيصة و أضاف إلى جانبهم كل خسيسة و لكننا بعد قليل ذهلنا لأنه انطلق من أرضية أصولية و سطّر لغة نصوصية و تبنّى ثقافة الحفظ و فاصل لهجة العقل و استند إلى حجة الإسلام محمد الغزالي و الخطيب الإسكافي و الرازي و محمد عبده و أضرابهم. و لم يأت في موضوع المصادر و هو جد خطير بأي جديد بل ردّد آراء القدامى و إن حاول أن يدثرها بثياب جديدة و يزمّلها بشعارات حديثة و يلبسها حللا معاصرة.

458

و الذي لا شك فيه و بعيدا عن عواطف الأسى و شعور الخيبة و إحساس الإحباط فإن خلف اللّه قد أضاع فرصة عمره ليغدو رائدا لنقد الفكر الديني و قائدا لكتيبة البحث الحر في الجذور العميقة التي تتمحور عليها العقيدة. بيد أن هناك عذرا قد ينتصب له لأنه لو فعل ذلك لازدادت الثورة عليه اشتعالا و لتضاعف أوار النقمة عليه. إنما هناك من البحّاث من لا يأبه لذلك في سبيل العلم و خاصة في الرسائل الجامعية و الأطروحات الأكاديمية.

في رده على المستشرقين و المبشّرين في ادعائهم بأن في القرآن مخالفات تاريخية و أنه من ثم فهو من عند محمد أنهم يعلّلون المخالفات بأن (محمدا) كان يتعلم الأخبار من العبدان و الأرقاء خدمة صناديد قريش و أن المستشرقين تناسوا أن لسان هؤلاء أعجمي و القرآن جاء بلسان عربي مبين و أنهم لفقرهم عجزوا عن الحصول على نسخ مكتوبة من الإنجيل و التوراة و بذلك كانت معارفهم تتأسس على الشائعات و وسيلتها المشافهة التي هي دائما عرضة للتبديل و التحوير و التغيير و الزيادة و النقصان و الحذف و الإضافة. و لقائل أن يفند ردود خلف اللّه بما يأتي:

إن المستشرقين و أضرابهم من الحاقدين على الإسلام و كتابه و نبيه لم يقصروا زعمهم على لقاء محمد بالعبدان و الأرقاء الأعاجم خدام سادة قريش بل أضافوا إليهم عددا من رجال الدين المسيحي أو العلماء في هذه الديانة أو على الأقل ممّن قرءوا و درسوا العهدين القديم و الجديد منهم بحيرا و نسطور و عدّاس و الأخطر فيهم جميعا القس ورقة بن نوفل ابن عم الطاهرة أم هند خديجة أولى و أهم زوجات محمد و الذي استمر تماسه بمحمد من لحظة زواجه بها حتى وقوع تجربة غار حراء بل و بعدها و من الثابت الذي لا ذرة فيه من ريب أن ورقة كان يعرف العبرية و كان يترجم الكتاب المقدس أو أجزاء منه ربما التي تحوي القصص إلى العربية. و هؤلاء بحيرا و نسطور و عدّاس و ورقة وردت أسماؤهم و لقاءاتهم بمحمد في أهم كتب السيرة المحمدية التي تلقّتها أمة لا إله إلا اللّه بالتجلة التي تقارب تخوم التقديس و في طليعتها سيرة ابن هشام و السيرة الحلبية و السيرة الشامية إلخ. إذن لم يكن لقاء محمد-في زعم المبشّرين و المستشرقين-مقصورا على العبيد و الأرقاء فلما ذا تغاضى خلف اللّه عن هؤلاء إما أنه كان لا يعرف هذا الأمر و هذا ما نهزّله (من الهزال) و نضمّره‏

459

(من الضمور) و نضعّفه (من الضعف) أو كان يعرفه بيد أنه أسقط في يده و لم يجد لديه دفعا أو حتى تهوينا.

و يتصدى فلحاس (معاند سخيف و العامة في مصر تقول فلحوس أو فلحوص بالصاد) فيسأل إذا كان محمد سمع تلك الحكايا الدينية من العبيد الأعجميين فهل من الحتم اللازم أن يثبتها في القرآن بالصورة التي سمعها منهم و التي تملؤها العجمة و تحشوها الركاكة أم أنه يعيد صوغها بلغته الفصيحة و هو أفصح العرب قاطبة فهو من الذؤابة العليا من قريش و استرضع في بني سعد!

لم يحوم المؤلف حول هذا الاعتراض و ربما خلص إلى أنه لا يستحق ردا أو أنه لم يعثر له في جعبته دفعا.

و في هذين الحالين شأن الحالين السابقين مباشرة فقد كان يتوجّب على المؤلف الالتفات و التنفير ثم التعقيب و طرح الدفوع المقنعة و الردود المفحمة قطعا لألسنة المخاصمين.

و جاء في المتن أن تلك المعارف كانت وسيلتها المشافهة التي هي عرضة للتحوير و التبديل و في هذا المقام يقف للمؤلّف من يقول له: على رسلك، فقد كان ذلك المجتمع يعتمد على المشافهة و تلعب فيه الذاكرة الحافظة دورا متميزا مغايرا تماما لدورها في المجتمعات ذات الثقافة الكتابية أو المدونة أو المسطّرة و يذكّر خلف اللّه أن أحد وسائل حفظ القرآن نفسه كان (صدور الرجال) لأنهم في ذلك الزمان المعجب كانوا يعتقدون أن آلة الحفظ تكمن في الصدر و لذلك فإنّا نقرأ في السيرة كثيرا أنه مسح على صدره فلم يتفلّت منه (القرآن) شي‏ء و لم نقرأ أبدا أنه مسح على رأسه و كانوا يريدون بالقلب أو الفؤاد ما نعنيه نحن بالعقل أو حتى الدماغ... إنها بيئة مغايرة تماما للبيئة المعاصرة من كل الوجوه حتى من ناحية وظائف الأعضاء إن ماديا أو معنويا.

و يذكّر ذلك المعترض خلف اللّه بواقعة حفظ عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب لقصيدة كاملة ألقاها عليه مرة واحدة شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة فأعادها بنصّها و فصّها لم يخرم منها شطرا واحدا مما أثار دهش نافع بن الأزرق-و هذه أحدوثة (تقول العامة في مصر حدوثة أ. هـ. ) مشهورة ترد في كتب التفسير تحت عنوان (مسائل ابن الأزرق) ـ

460

و ينتهي ذلك الشكس إلى أن المشافهة في ذياك الوقت المدهش لم تكن وسيلة غريبة من وسائل نقل المعارف أي أن ناقلي الأخبار المحرّفة و الأحداث المحورة و الحوارات المبدّلة و المواقف الناقصة لم يكونوا هم العبدان و الأرقاء و بالتالي فليست هي إذن أخطاءهم كما يزعم الناقمون على دين الإسلام من المستشرقين و المبشّرين و من يسير على دربهم النكد و سكتهم المعوّجة و طريقهم الملتوي و شرعتهم اللولبية... إلخ. هذا ما كان فرض عين على الباحث أن يطرحه.

إنما الأهم من ذلك كله أن خلف اللّه قد صمت عن تقديم أمثلة من تلك الأخطاء التي يزعم المستشرقون و المبشّرون و أندادهم من الذين يتنقّصون كتاب الإسلام الأقدس و هو صمت حيرنا و نقبنا عن تعليل له فأعيانا العثور عليه ذلك أن المؤلف سبق له و هو في معرض لقطة عرضية أبرز بعض الأخطاء أو بمعنى أدق ما ينعتها الحقدة أنها أخطاء مثل نداء مريم بيا أخت هارون و الحال أن بينهما قرونا مديدة أو ذكر اسم هامان كوزير لفرعون في حين أن هذا اسم لم تعرفه مصر القديمة لا بين السوقة و لا بين الوزراء و مدوّنات المصريين القدماء على بكرة أبيها لم يرد في أحدها: لا بردية و لا لوحة جدارية و لا هرم و لا تابوت و لا مسلة هذا الإسم.

نئوب إلى سياق المتن فنقول إن الباحث ذكر أمثلة لتلك الأخطاء التي يزعمها الشانئون في ذلك الموضع الهامشي ثم يأتي في موضع في غاية الأهمية و الخطورة هو (مصادر القصص القرآني) و يحجم عن تقديم الأمثلة بدون سبب معروف أو علة ظاهرة، و هذا في اعتقادنا نقص شأن الرسالة و نزل درجة بالقيمة العلمية للأطروحة و عاب الكتاب.

يفتخر المؤلف أن يجري على سنن السلف. هو لا يعترف بذلك فحسب و يقارن بين ما قرّره العلماء الأجلاء: أن من عناصر الدين الإسلامي ما يئوب إلى عهد ما قبل الإسلام (خلف اللّه يطلق عليه العهد الجاهلي و سبق أن سطّرنا في كتابات لنا سوابق أن كلمة جاهلية ذات مصدر أيديولوجي القصد منه تنفير تبع محمد من الفترة الزمانية السابقة على ظهور الديانة التي كان يبشّر بها، و من ثم فإن هذا التوصيف الإيديولوجي ما كان يجوز استعماله في أطروحة أكاديمية أ. هـ. ) و بين ما يذهب إليه هو اتباعا لسلفه الصالح أن‏

461

القرآن في قصصه وافق أو بمعنى أكثر دقة تبع ما كان شائعا في تلك البيئة عن الشخصيات و الأحداث و المواقف و الأخبار و الأماكن لا الأحداث التاريخية الصحيحة و لندع العلة التي طرحها خلف اللّه من وراء ذلك-لندعها قليلا لحين يأتي الوقت لمناقشتها و تبيين ما تنضوي عليه من خطأ أو صواب-إذ أن من حق أي مسلم غيور على دينه أن يوجّه هذا السؤال إلى الباحث:

منذ متى ينساق القرآن و يتبع تصوّرات (الجاهليين!) و أفكارهم و آراءهم؟و فيم كان كل هذا العناء و لم إذن بعث محمد؟

أ لم يبعث لإخراج أولئك (الجاهليين!) من الظلمات إلى النور؟

و الظلمات تعني بكل بساطة و في المقام الأول: الأفكار و الآراء التي كانت مسيطرة عليهم و سائدة بينهم و معشّشة في أدمغتهم و مقيّدة لعقولهم. فكيف و بأي منطق يسير بل يتبع حسب عبارة المؤلف الأحداث و الشخصيات و الأخبار و المواقف... إلخ. التي كانت مشهورة بينهم و شائعة في بيئتهم و ذائعة في أوساطهم و ينقلها بنصّها و فصّها و قضّها و قضيضها و بما فيها كله إلى قصصه؟

و من حق هذا السائل أن يستفهم من الباحث: حسب نظريتك التي طلعت بها علينا سواء أخذتها برمّتها من سلفك الصالح أو نفخت فيها من إبداعك أ لا تعطي هذه النظرية سندا قويا لأولئك الذين يدّعون أن القرآن جاء معجونا بماء البيئة التي انبثق فيها حاملا لبصماتها منطبعة على وجهه قسماتها ما دامت قصصه جاءت مطابقة حذوك القذّة بالقذّة لحكايا (الجاهليين!) حتى بما يعدّه البعض أو الكل من الشانئين تجاوزات أو هفوات أو أخطاء!

و سؤال آخر ينتصب بقوة: أيهما أشد أثرا في حياة المجتمعات:

العقائد و العبارات و المعاملات و الأحوال الشخصية أم القصص و الحكايات حتى لو حملت الهداية و الإرشاد و العظة و العبرة و الترغيب؟

فإذا كان القرآن غيّر عقائد القوم و عباداتهم و معاملاتهم و أحوالهم الشخصية تغييرا جذريا و خاض في ذلك حربا ضروسا و معارك ضواري فلما ذا لم يغيّر القصص و الحكايا و نقلها كما هي و كما كان يتداولها (الجاهليون!) ؟

462

و أيهما الأيسر و الأسهل: تبديل العقائد و العبارات و المعاملات أم تبديل الحكايات و القصص؟

ثم نرجع إلى النقطة التي علّقناها قليلا و هي العلة التي تغيّاها القرآن من وراء نقله قصص (الجاهليين و حكاياهم!) كما هي دون تصحيح و هي حسب عبارات المؤلف:

أسلوب القرآن في رسم الأشخاص و في تصوير الأحداث و في إقامة الحوار و في توزيع العناصر القصصية و تحريكها و هي العملية الفنية المبتغاة أو المقصودة. هي أن تكون هذه القصص مصدر هداية و إرشاد و وعظ و ترغيب و بالمقابل ترهيب و تنفير و زجر و وعظ...

إلخ. و هو القصد و الهدف لا التاريخ و لا تعليمه أو تدريسه هل هذه العلة على سموّها و جلالها و ارتفاع قدرها و علو درجتها... إلخ. تستلزم السير وراء أو بتعبير الباحث إتباع حكايا الجاهليين؟

لنطرح السؤال بصيغة أخرى: هل من الحتم اللازم حتى يحقق القرآن هذا الهدف السامي و القصد الشريف و الغرض المنيف أن يورد القصص على حسب اعتقادات الجاهليين؟

إن القرآن من لدن حكيم خبير من اللّه جلّ جلاله إذن هو قادر على أن يستخلص ذلك الهدف و يستخرج ذلك الغرض و يستقطر ذلك القصد من القصص التاريخية الحقيقية بما عرف عن القرآن من بلاغة و إعجاز و لا نريد أن نذكر في هذا المجال أمثلة من شكسبير و غيره لأن اللّه المثل الأعلى و ننزّهه عن أن نقارن قرآنه بمسرحية أو رواية أبدعها واحد من خلقه.

إذن فرضية إتيان القرآن بالوقائع التاريخية الواقعية الصحيحة بنسبة مائة بالمائة مع كسوتها بالصور الفنية الأدبية البلاغية الإعجازية و التي تستهدف كل الأهداف التي كرّر القول فيها خلف اللّه لحد الإملال هذه الفرضية قائمة. و ما دام ذلك كذلك يسقط الافتزاض الذي يتبناه المؤلف أو الباحث و هو أن القرآن أورد قصصه حسب اعتقادات معاصري محمد من المشركين أو اليهود بهدف إبراز صورة فنية أدبية تنتج تلك الأهداف.

و القول بأن القرآن تبنّى أو اتّبع القصص حسب تصوّرات أو اعتقادات الجاهليين!

فيه إعلاء لشأن هؤلاء الجاهليين!و تعظيم لأمرهم يخالف نظرة القرآن إليهم سواء أ كانوا من‏

463

المشركين من قريش أو من يهود عصر محمد، و آيات القرآن تنطق بذلك.

و إذا كان القرآن يبغي تقديم صور أدبية فنية بلاغية معجزة يعرضها في القصص ثم يستهدف من ورائها التأثير في نفوس المخاطبين و دفعهم إلى الأغراض المتنوعة التي ذكرها الباحث فلما ذا لم يأت بقصص خيالية أو تمثيلية لتؤدي هذا الدور.

إن من أنزل القرآن على قلب محمد و هو اللّه جلّ جلاله لم يكن ليعجزه ذلك فأي حكمة إذن في عرض قصص تاريخية في الأصل بصورة ليست هي حقيقتها و واقعها و لكنها الصورة التي انطبعت في أذهان أولئك الذين حملوا له في جوامحهم أشد عواطف العداء و أقسى أحاسيس الخصومة و أفظع مشاعر الكراهية هذا من جانب.

و من جانب آخر لما ذا فعل ذلك و هذا المسلك يعطي المناوئين و المعارضين فرصة ذهبية سرعان ما اهتبلوها و طعنوا فيه بأنه ليس من عند اللّه بل هو من عند محمد الذي أورد القصص بالصورة عينها التي كانت شائعة و ذائعة في مجتمعه و في بيئته؟

من المشروع لأي قارئ يطالع أطروحة خلف اللّه أو يقرأ كتابه أن يلفت انتباهه تركيزه على أن قصص القرآن المستقاة من معتقدات و تصوّرات معاصري محمد حفلت بالعواطف و الانفعالات التي تستثيرها المواد الأدبية في القصص القرآني و أن هذه الأحاسيس التي تصوّرها هذه المواد تختلف في موطن عنها في آخر أي أن الوظيفة الرئيسة لهذه القصص تمحورت على العواطف و الانفعالات و الأحاسيس و المشاعر إلخ.

إذن أين دور العقل و الفكر فيها و لما ذا خلت من أي شي‏ء منهما؟

و إذا كان الرد يأتي من أن ذلك المجتمع كان في طور التبدّي و من ثم فلا تناسبه إلا العواطف و الأحاسيس و المشاعر و الانفعالات شأن الأطفال جاء دفع هذا الرد:

إن القرآن لم ينزله رب العالمين لتقتصر مهمته على مخاطبة الجاهليين فقط إنما يخاطب البشر من لدن نزوله حتى يرث الأرض و من عليها. إذن دعوى أن عمالة القصص انحصرت في استثارة العواطف و الانفعالات... إلخ. دعوى فطيرة و بعبارة أخرى لم تنل حظها من التمحيص.

464

حتى يثبت خلف اللّه رأيه ذاك أو نظريته تلك نراه يلجأ إلى تمحّل وجوه المشابهة بين ما جاء في بعض القصص و ما قرأناه في سيرة محمد فعلى سبيل المثال:

ما جاء في قصة صالح و الحديث عن المدينة و التسعة رهط في المدينة و التآمر ضد محمد من صناديد قريش و محاولة إخراج قوم لوط إياه من قريتهم و هجرة محمد من مكة و مبدأ العداوة بين إبليس و آدم و موقف عداوة المشركين لمحمد. و دليل الثبوت الذي نقدّمه على التمحّل الظاهر هو قول المؤلف إن القصة مرة تأتي في صورة عنيفة و أخرى في صورة ليّنة هيّنة لطيفة.

لما ذا هذا التباين في التصوير و الموقف واحد و هو العداوة و التبييت و الإخراج لمحمد و هو موقف لا يحتاج إلى مراوحة أو سوم (مساومة) ؟

إنما كانت الصور التي وردت في قصص القرآن كانت تحكي عن مواقف مختلفة منبتة الصلة عن سيرة محمد.

العناصر في القصة القرآنية

عنوان الفصل الخامس هو (العناصر في القصة القرآنية) ، في مفتتحه يقارب المؤلف بين صنيع القرآن و صنيع كل مؤلف قصة أو أقصوصة و هو أن تتمحور على أحد العناصر و ما عداه (من العناصر) يبقى في الظل، و بالتالي فإن العناصر لا تكون مجتمعة أو موزّعة بحيث يغدو و لكل منها قيمته و خطره و لو اختفى لاختل التوازن الفني مثلما يحدث في الرواية أو القصة الطويلة و يورد استثناء لتلك القاعدة قصة يوسف عليه السلام. ثم يقفز إلى رأي بالغ الخطورة و هو أن توزيع عناصر القصة القرآنية تطوّر بتطوّر الدعوة الإسلامية و نذكر أن خلف اللّه كان فيما تقدّم قد عاب على المستشرقين رأيا شبيها بهذا. و يفرّق بين أنواع من القصص: التي يقصد منها إلى التخويف و الإنذار و هذه يكون عنصر الأحداث هو عنصرها البارز و تلك التي يقصد منها الإفاضة و الإيحاء و تثبيت قلب النبي عليه السلام و تبعه من المؤمنين بديانته و بهذه يغدو عنصر الأشخاص هو الأبرز. و النوع الثالث هو الذي خصّص للدفاع عن الدعوة الإسلامية و فيه يتميز عنصر الحوار.

يختار الباحث أقاصيص قرآنية تدور حول شخص واحد و منها قصة ثمود و صالح كما وردت في سورتي ثمود و صالح ليخلص إلى أن العنصر الرئيس هو تصوير الأحداث‏

465

لأن الهدف هو تخويف المكذّبين و قد تم الاختيار لملاءمة حال النبي أول عهده بالدعوة و إعلانه أنه رسول اللّه.

فإذا ما تقدّمنا خطوة و قرأنا القصة ذاتها في سورتي الأعراف و الشعراء لحظنا تطوّرا في فن البناء و كذا تعدّد الشخصية و أيضا الحوار بين النبي و قومه آنا و بين بعضهم البعض آنا آخر و مع المسرفين المفسدين في الأرض و إلى جانبهم الأحداث و تحدّيهم للنبي بطلب البينات، إنما أهمها و أقواها هو عنصر الحوار و موضوعه هو ذات الأمور التي كانت تشغل الذهن العربي وقت إرسال محمد و نزول القرآن الكريم عليه.

أما في سورة النمل فنرى القصة نفسها تجاري أحداث الدعوة الإسلامية و تتغذى بلبانها و نلحظ عناصر جديدة هي الغرائز و العواطف و القضاء و القدر إذ بلغ الضيق مداه بعد تفاقم الخصومة و تطيّر القوم برسولهم و عزمهم على اغتياله و تآمر التسعة رهط المفسدين في الأرض لتنفيذ المؤامرة لو لا تدخّل القدر و نجاة النبي عليه السلام و حلول العذاب بقومه.

إذن توزيع العناصر كان يتمشى مع ظروف كل قصة، و يكتفي بهذه الفرشة أو الأمثال ثم يأخذ في شرح العناصر.

يبدأ بالأشخاص و لا يقصد الناس فقط إنما المعنيّ كل شخصية وقعت منها أحداث و صدرت منها عبارات و أفكار من ثم فهي تشمل الجن و الملائكة و الطيور و الحشرات بداهة مع الأناسي رجالا و نساء و اختار أن يكون افتتاح القول من سورة النمل بالهدهد و النملة و الأخيرة تحذّر أخواتها من الأذى الذي يوشك أن يحيق بهم إذا ظلوا خارج مساكنهم أما الهدهد فهو يقظ متنبّه لكل ما يجري في أنحاء المملكة بل و متطلّع لأخبار ما يجاورها من الممالك و يلحظ خاصة ما يرتكبونه من مخالفات دينية. و موقفه هو الذي حيّر الرازي و أضرابه من المفسّرين إذ تعجّبوا من رجاحة عقل هذا الطائر الصغير و فطنته و بصره بالأمور... إلخ. و لو أنهم نظروا إلى المسألة بمنظار الخلق الفني و الإبداع الأدبي لما تحيّروا، و يذكّر المؤلف قارئه بأن بعض الحيوانات في القديم و الحديث كانت صاحبة أدوار رئيسة رسمت بطريقة فنية و أبرز مثل على ذلك كتاب (كليلة و دمنة) .

ثم يأتي إلى (الأرواح الخفية) و أولها الملائكة، منها التي جاءت إلى إبراهيم و لوط

466

و ما كان لها حضور في قصة زكريا و مريم، و تعدّدت صور الملائكة و تباينت حواراتهم في كل قصة.

و في أحيان تقوم الملائكة بما يؤديه البشر كهاروت و ماروت فيعلّمان الناس السحر إنما يخبرانهم إنما هي فتنة. و يرى أن الملائكة لا تأتي بالخوارق و تخرج عن حد المعقول خاصة في مثل الموقف الذي نزل فيه القرآن و الذي كان مملوءا بالأوهام المضفيّة على الأرواح الخفية القدرة على الإتيان بالخوارق و تغدو أشبه بالشخصيات الخرافية أو الخيالية.

و نحن نخالف المؤلف فيما ذهب إليه:

أولا: تدمير ملك أو اثنين أو ثلاثة قرية بأكملها و جعل عاليها سافلها أ ليس هذا من خوارق العادات و يخرج عن حدود المعقول. و الملك الذي وهب لمريم غلاما زكيا دون أن يباشرها هل فعله هذا ما جرت عليه السنن الطبيعية أو هو من المألوف؟

آخرا: إذا كانت الملائكة لدى عرب الجزيرة وقت نزول القرآن تأتي بالأعمال الخارقة و التي تخرج عن حدود العقل و تند عما ألفه الناس و جوهر نظرية خلف اللّه أن القرآن كان يأتي بالقصص القرآني وفق اعتقادات معاصري محمد من عرب و يهود فلما ذا إذن لم ينسب القرآن-من وجهة نظر الباحث-إلى الملائكة الخوارق حسب ما يعتقده أولئك المعاصرون؟لما ذا جاء في هذه الخصوصية و خالف هذا الاعتقاد؟و ما هي الحكمة؟

أ ليس من الواضح أن الباحث قد ناقض نفسه و هدم بذاته نظريته!

بعد الملائكة يأتي دور الجن و هم صور مبهمة غامضة لا تتمثل في صور الرجال و لا تأتي في أثواب البشر و بالتالي فهم أحق بهذا اللقب (الأرواح الخفية) و هنا يقرر أنها تتحدث بلسان العرب المعاصرين لمحمد عليه السلام و تخاف مما يخافون و تطمئن إلى ما يطمئنون إليه و تنصرف عما يريد القرآن للعربي أن ينصرف عنه و هنا يعود خلف اللّه إلى نظريته و هي أن القرآن صوّر الجن بالصورة التي كانت مطبوعة في أذهان العرب وقت نزول القرآن على محمد. و ليس هذا سببا معقولا لتفرقة القرآن بين الملائكة و الجن فالأولى يصوّرها بصورة مخالفة عما هي عليه في أذهان العرب و الأخرى يرسمها بالرسم ذاته المحفور في مخيلة أولئك العرب. و يضيف أن الجن صنفان: مؤمن و كافر و أن حوارات تجري‏

467

بينهم و منها ما يدور حول النبي عليه السلام و يؤكد أن سورة الجن عرضت كل تلك الأمور كما تخيلها العربي في حياته.

أما رسم الجن في قصة سليمان فله صداه في الشعر الجاهلي خاصة في شعر النابغة و هي قضية خطيرة ألقاها المؤلف إلقاء سريعا و لم يتوقف عندها و كان حتما عليه أن يفعل لأن بعضا و لا نقول كثيرا مما تضمّنه شعر أولئك الشعراء نجده ربما بألفاظه في بعض آي الذكر الحكيم و نخص بالذكر شعر أمية بن أبي الصلت فكان عليه أن يلتفت إلى هذه القضية و يقول رأيه فيها و يدلي بدلوه فيها خاصة في (المصادر) و لكنه تقاعس ربما لما لها من حساسية و ما يكتنفها من دقة و ما يحوطها من شوك بل من ألغام. و بذلك يتفطّن القارئ أن الأطروحة يعتورها النقص بإغفاله هذه القضية و نئوب إلى السياق:

الباحث يرى فرقا بين الصورتين الأولى كما رسمتها صورة الجن و الأخرى كما رسمتها قصة سليمان فالأولى حسب منظوره-أقرب إلى الصورة البشرية و الأخرى هي وفق ما كان يتخيّله العربي و بداهة أن يضم إلى المسألة نفسها صورة إبليس أو صوره (بالجمع) إن في موقفه من آدم و الكبر و الاستكبار و العناد أو تعهّده بالإيقاع ببني آدم في حبائل الشر ثم يورد مقطعا من تعليق الرازي على القصة التي جاءت في سورة طه و يذهب إلى أنه مستقيم فيما عدا أنها من وجهة نظر خلف اللّه رمزية تصوّر النزاع بين الإيمان و الاستكبار و يخلص إلى أن القرآن الكريم رسم لإبليس شخصية جبارة متكبرة بيد أن قسوتها و عنفوانها يختلفان باختلاف الدور الذي تلعبه في القصة و لا ينسى أن يذكر أن شخصية إبليس مثل غيرها من الشخصيات تخضع لأثر البيئة و الظروف المحيطة و الأزمات بين النبي عليه السلام و معاصريه.

أما الرجال فهم في القصص القرآني كثيرون فهم رسل و أنبياء و ملوك و وزراء و أفراد عاديون بيد أن القرآن لم يقم وزنا لصفاتهم و مميّزاتهم الحسية فلا طول و لا عرض و لا لون بشرة و لا ملامح و لا قسمات و لو أنه التفت إلى بعض الإشارات التي تشير إلى الصفات المعنوية مثل: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي (1) و هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ (2)

____________

(1) سورة طه، الآية 27.

(2) سورة الزخرف، الآية 52.

468

دلالة على لكنة موسى أو زاده بسطة في العلم و لو أن بها زيادة على ملمح جسماني زََادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ (1) دلالة على متانة جسمه.

و في مجال ذكر الأسماء يهمل القرآن ذكرها إهمالا تاما في قصص التخويف التي يبرز فيها الحوادث و أمثالها قصص عاد و ثمود و قوم شعيب.

أما في القصص التي يبرز فيها عنصر الحوار و التي يقصد منها القرآن بث الآراء و الأفكار و تقرير الدعوة الإسلامية و هدم العقائد الباطلة فله فيها طريقان:

إهمال الأسماء إهمالا تاما مثل: وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ (2) وَ جََاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ََ (3) .

أو هو يذكر الأسماء أحيانا و لكن بما يشبه الرموز التي جي‏ء بها ليتمكّن القارئ أو السامع من متابعة الأفكار و الوقوف على مجرياتها و لذا نلحظ في هذه السور ذكر القوم أولا ثم ذكر الألفاظ المبهمة العامة كلفظ المرسلين مثل قوله تعالى في سورة الشعراء كَذَّبَتْ عََادٌ اَلْمُرْسَلِينَ (4) .

إذن القصص المقصود فيه الآراء و الأفكار و الذي يستخدم فيه الحوار وسيلة لذلك فإن عنصر الشخصية يكاد أن يختفي لو لا بعض الأسماء و بعض الصفات و العنصر القوي الذي يجاورها مع عنصر الحوار هو عنصر الأحداث مع أنه ثانوي.

يتغير الآخر تغيّرا تاما فيما يتعلق بالأسماء و بتوزيع العناصر في القصص المقصود منها الإفاضة فستبرز الشخصية و لكن بدرجات متفاوتة حسب الظروف و الأحداث ثم يشير إلى أثر البيئة في اختيار الشخصية الذي عالجه في (المصادر) و يقرر واقعية القرآن في اختياره لعنصر الأشخاص و إكثاره من الحديث عن الأنبياء المعروفين و محورة الأقاصيص

____________

(1) سورة البقرة، الآية 247.

(2) سورة يس، الآية 13.

(3) نفس السورة، الآية 20.

(4) سورة الشعراء، الآية 123.

469

عليهم و إهماله لمن عداهم و يضرب مثلا للأولين بموسى و إبراهيم و بالآخرين أيوب و يونس و يكرر ما سبق له ذكره أن القرآن كان يختار الأحوال المعروفة إنما عند إنطاقهم أي إجراء الكلام على ألسنتهم كان يجريه وفق أحوال دعوة الإسلام. و يخلص إلى معادلة و هي كلما كثرت الأحداث تميزت الشخصية و وضحت قسماتها و برزت ملامحها و العكس صحيح، و جاءت الشخصية مبهمة غامضة حتى ليصح أن يقول إنها شخصية كل رسول و إنها شخصية النبي العربي محمد بن عبد اللّه-صلّى اللّه عليه و سلّم-و هذه عبارة لا شك يعتورها الغموض لو أن المؤلف تداركها بالتوضيح بعد عدد قليل من الأسطر في ذكر محاورات بعض الأنبياء مثل هود و شعيب التي تجري مع أقوامهم في صورة عمومية فهي التي تصلح لكل رسول و أيضا تصلح للنبي العربي عليه السلام... أما كل من إبراهيم و موسى و عيسى فلهم صور متميزة تتمثل في الأحداث و المواقف من أقوامهم و الذين أرسلوا إليهم. و لكن هناك فريق ثالث يقف في الوسط بين أولئك و هؤلاء منهم نوح و صالح و لوط ففي بعض الأحيان نستطيع أن نميّزهم و في أحيان لا نستطيع لو لا بعض الأحداث المميزة مثل الطوفان و الناقة التي بدونها غدت صورهم مبهمة غامضة. و نحن نرى أن هذا التقسيم يشوبه قدر غير قليل من التعسّف خاصة بالنسبة إلى الفريق الثالث ذلك أن كل نبي أو رسول له أحداث مميزة لولاها لأصبحت صورته باهتة غائمة حتى من أفراد الفريق الأول فعلى سبيل المثال لا الحصر: إبراهيم لو لا المجادلة و التحريق بالنار ثم النجاة منها و موسى لو لا الحوار مع فرعون و مبارزة السحرة ثم الخروج و انشقاق البحر و عيسى لو لا الكلام في المهد و إحياء الموتى و شفاء المرضى-كله طبعا بإذن اللّه-نقول لو لا هذه الأحداث الخوارق المعجبة لماعت صورهم و هزلت بل و غدا وجودهم بلا معنى و فاقدا لأي دلالة.

إذن المعيار الذي قنّنه خلف اللّه تعوزه الدقة و يفتقر إلى الضبط و يحتاج إلى التحديد. كما أن القول بأن محمدا يقف في طابور الأنبياء ذوي الشخصية المبهمة الغامضة و بألفاظ الباحث (و جاءت الشخصية مبهمة و غامضة حتى ليصح أن يقال إنها شخصية كل رسول و إنها شخصية النبي العربي) هذا القول نعارضه بشدة و نختلف فيه مع المؤلف اختلافا جوهريا فمحمد سواء في جانبه اللاهوتي أو الديني أو الرسولي أو

470

الغيبي-اختر أي لفظ شئت-عند من يؤمنون بهذا الجانب أو في سيرته البشرية كقائد و مؤسّس و صاحب شخصية سيادية آسرة كارزمية أو في علاقاته الإنسانية مع كل من يحيطون به: أزواج و أبناء و أحفاد و أصحاب و عبدان... إلخ.

محمد سواء في هذا الشق أو ذاك يستحيل عقلا و نقلا أن يكون صاحب شخصية مبهمة غامضة و الحق أنني لم أقرأ لمؤلف أو كاتب سواء من العرب أو العجم أو الفرنجة من أضفى على محمد هذا النعت الفلوت و الذي نرجّحه أن قلم خلف اللّه شطّ منه و هو يسطر هذه العبارة أو أنني لم أحسن فهمها و استعصى عليّ إدراكها و تعذّر عليّ استيعابها و تعسّر عليّ الإحاطة بها و لا أبرئ نفسي.

و يذهب الباحث إلى أن القرآن في تصويره للرسل و الأنبياء كان يعطي لنفسه الحرية التامة في الحديث عن الأمور التي يقصد إليها في دعوة الإسلام حين تكون المعلومات العامة عن الشخصية معدومة أو في حكمها فيتجاوز الأسماء و الصفات الحسية و يجنح إلى الإجمال و الإبهام ليأتي بالأثر المطلوب و يشير في هذه الخصوصية إلى حرية الفنان في انتقاء الصور التاريخية التي عمد إليها و هو يقوم بالتصوير الفني للأحداث. بيد أن هنا ينتصب اعتراض يتمتع بشي‏ء من الرسوخ و المصداقية:

القرآن منزل من اللّه الذي لا يخفى عليه شي‏ء، لا في الأرض و لا في السماء، و لا في الماضي و لا في الحاضر، فكيف تكون المعلومات عن الشخصيات الواردة في هذا النوع من القصص معدومة أو شبه معدومة؟

و إذا صحّ انعدام المعلومات عند القاص أو الروائي البشر الإنسان ابن آدم فكيف يجوز عقلا نسبة ذلك إلى اللّه العليم سبحانه و تعالى؟إن هذه إشكالية غفل عنها خلف اللّه.

الفروق بين الشخصيات تنبني على تصرّفاتهم حيال الأحداث و هذه التصرّفات هي التي تنبئ عن عقليتهم و مزاجهم و من هنا قيل عن شعيب إنه خطيب الأنبياء و هو لقب أطلقه عليه قدامى المفسّرين عند تفسيرهم لسورة هود و قد ورد في أسباب النزول أن محمدا شبّه موقف أبي بكر بإبراهيم و عيسى و موقف عمر بن الخطاب بموسى و نوح و ذلك‏

471

في مسألة التصرّف في الأسارى بعد غزاة بدر الكبرى. فوصف إبراهيم و عيسى بالرقة و الرحمة و وصف موسى و نوحا بالشدة و القسوة و لا شك أن هذا مصدره قصص القرآن.

و المشابهة بين تصرّفاتهم (الأنبياء) و أقوالهم وقعت في مواطن مختلفة و لقد لحظ الرازي التشابه بين شخصيتين قويتين في أكثر من موطن و أورده في تفسيره. و يرى المؤلف أن شخصيات الرجال في القصص القرآني تتميز بالأحداث التاريخية المعروفة و لا تتميز بالصفات الحسية أو الصفات المعنوية من خلق و مزاج. و لا شك أن خلف اللّه يقصد بعبارة (الأحداث التاريخية) حسب نظريته هو لا الأحداث التاريخية الحقيقية أو الصحيحة.

يضيف: إننا لو حاولنا ما يعرض لكل منهم من انفعالات نفسية و تأثّرات عاطفية فلا بد لنا من فهم الظروف المحيطة بالنبي العربي و العوامل المؤثّرة في الدعوة الإسلامية فهي التي تفصح لنا عن المواقف التي توضح لنا البطل و تجلّي صورته و هذا هو قصد قصص التنفيس و تخفيف الضغط عن محمد...

و هذه دعوى جريئة من قبل خلف اللّه و لا شك أنه يعتمد في فهمها حق الفهم و إدراكها الإدراك الصحيح على فطانة القارئ و لقانته و نذكّر هنا بما سطّرناه في بداية هذه المقدمة إلى أن المؤلف ترك للقارئ ما يطالعه ببصيرته لا بباصرته. ثم ضرب مثلا بيوسف لتوضيح دعواه لأنها شخصية واضحة الصورة بارزة المعالم ظاهرة القسمات.

من البديهي أن يجمع جامع بين صفات النساء و الرجال و أن يفرقها فيها (الصفات) فارق إنما لحظ خلف اللّه أن شخصيات النساء أكثر وضوحا و تعبيرا من شخصيات الرجال و هو أمر لا شك أنه يسعد النسوان.

و الأمر الأول الذي يتساوى فيه الرجال و النسوة هو العدول عن الصفات الحسية و الجسمانية.

و الآخر هو العدول عن التسمية و يرجع ذلك إلى سلطان البيئة و الحرص على مراعاة التقاليد المعروفة في البيئة العربية، و يدلل على هذا التعليل بأن الشخصيات النسائية قصد إليها لتأدية أدوار بعينها لا لتكون رموزا أو كالرموز لتجري على ألسنتها الأفكار و الآراء.

و هنا قد ينتصب اعتراض له بعض الوجاهة على أن تعليل عدم ذكر أسماء النسوة

472

كان مجاراة للتقاليد العربية و هي تقاليد كانت تنظر إلى المرأة بقدر واضح من الدونية و من أبرز قسمات هذه الدونية هو اعتبارها عورة و عدم ذكر اسمها.

إذن لما ذا جاراها القرآن في ذلك و لما ذا لم يحاول ترقية هذه التقاليد و الارتفاع بشأن المرأة و تعلية رتبتها و أبسطها ذكر اسمها؟

ثم أ لا يعطي هذا التعليل حجة إضافية أن القرآن قد انبثق من البيئة العربية و تخلّق في أجوائها و من ثم جاء موسوما بسماتها و حاملا لقسماتها؟

لا أدري هل فكّر الباحث في ذلك و هو يطرح هذا التعليل أم أنه لم يخطر له على بال.

ثم يذكر التقليدين اللذين كانت تحرص عليهما البيئة العربية و هما:

تبعية المرأة للرجل تبعية تامة و عدم ذكر اسمها البتة حين الحديث في أي موقف و بين قوم كلهم رجال. و لم يعلّل لنا هذين التقليدين و هو أن ذياك المجتمع كان ذكوريا بطريركيا و من ثم كانت مكانة المرأة فيه هامشية. ثم يدلّل على صحة وجهة نظره بأن القرآن راعى موجبات المجتمع العربي و تقاليده بأن القرآن وقف هذا الموقف من أم البشرية و أول امرأة في الحياة فهو لم يذكر اسمها و لا مرة واحدة و يقول (و هو الأمر الذي يدعو إلى العجب) . و هنا يناقض-الباحث-نفسه إذ ما هو وجه العجب ما دام القرآن ساير البيئة العربية و مجتمعها ذكوري يتمحور على الرجل و وضع المرأة فيه متدن. إنما يبدو أنه (خلف اللّه) لم يشعر بأي قدر من الخروجة من ادعائه ذاك و نعني متابعة القرآن لتقاليد البيئة العربية حيال المرأة فنراه يأتي بعبارات تؤكّده و توثقه فيقول إن العدول عن التسمية مقصود...

لما ذا؟

إذ عدل أن تكون هي البطلة في الغواية و الإخراج و هذا تأكيد لذات الرأي أو النظرية و بتعبير المؤلف نفسه فقد صوّرها تابعة لآدم في كل شي‏ء في النهي عن الأكل من الشجرة ثم في الأكل فالخروج و يضيف أنها أي تلك التبعية كانت تقاليد البيئة العربية التي تحرص عليها أشد الحرص.

ثم يئوب إلى معالجة الأمرين السابقين و هما العدول عن ذكر الصفات الحسية

473

و الجثمانية و العدول عن ذكر الأسماء، فيذكر أن القرآن دائما يعبّر عنها (الأنثى) بلفظ امرأة سواء أ كانت متزوجة أو أيّم:

امرأة نوح و امرأة لوط و امرأة إبراهيم و امرأة عمران و امرأة العزيز و امرأة فرعون هذا بالنسبة للمتزوجات أما عن الأيامى ف اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (1) و هي ملكة سبأ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ (2) و هما ابنتا الشيخ.

و الاستثناء الوحيد الذي كسر هذه القاعدة جاء في حديثه عن مريم و يعلّل الباحث ذلك بأن أتباع عيسى كانوا يعتقدون أنه ابن اللّه فصمم القرآن على القضاء على هذه العقيدة الباطلة فأثبت مكانها أمرا آخر هو أنه ابن مريم.

و مجاراة للتقاليد اختلف دور المرأة عن دور الرجل فهي لم تأخذ دورا رئيسا في أية قصة قرآنية بل دورا ثانويا و لكنه دور متميّز ذو صورة واضحة و طابع خاص و يضرب أمثلة يؤيّد بها وجهة نظره:

امرأة فرعون تمثّل الحرص على الأمومة بما فيها من بر و حنان و يبرز هذا في معارضتها لقتل موسى (و هو طفل رضيع في المهد) . و امرأة العزيز تمثّل الأنوثة المكتملة التي تحرص على الفتنة و الإغواء و يتّضح هذا من موقفها مع يوسف و محاولتها مراودته عن نفسه. ثم يفصّل الباحث القول في مواقفها و ما يبرزه من صفاتها و كذلك تقوّلات نسوة المدينة الدالة على مكرهن و ردّها على هذا المكر ثم اعترافها مؤخرا بأنها هي التي راودته و هو صادق. أما صورة ابنتي الشيخ فهي تفصح عن محبة الأنثى للفتوة في الرجل مع المحافظة في الوقت نفسه على الخفر و الحياء اللذين لا يمنعانها من استعمال الحيلة لاستبقاء صاحب الجسد الفتي بينهما-و هو موسى-إلى أن يتزوج واحدة منهما.

و لم يشر خلف اللّه إلى لمحة أوردها عدد من المفسّرين أن الفتاة-إحدى الفتاتين-تعمّدت أن تسير أمام موسى عند ما دعاه أبوها أو أبوهما ليقابله-و ذاك لكي

____________

(1) سورة النمل، الآية 23.

(2) سورة القصص، الآية 23.

474

تستعرض أمام عينيه-عينا موسى-مفاتن جسدها الأنثوي الفائر و هذا من مكر النسوان.

بيد أن موسى و هو بعين اللّه يرعاه و يوجّهه طلب إلى الفتاة أن تمشي خلفه خاصة فيما يقال إن الريح بدأت تكشف عن بعض تلك المفاتن أو تجعل ثوبها يشف عنها.

و عذر خلف اللّه في إغفال هذا الملمح الذي يكشف عن المكر الأنثوي و عما يمكن أن نسميه (الغواية المشروعة) التي انتهت بالنكاح في مقابل (الغواية الحرمة) التي مارستها امرأة العزيز. نقول أن عذره في ذلك الإغفال أن هذه الجزئية لم ترد في القرآن بيد أن دفع هذا العذر أن المؤلف كثيرا-في سبيل تأييد رأيه-ما يلجأ إلى استعارة مقاطع من كتب المفسّرين القدامى منهم أو المحدثين. أما مريم فهي تذهب بما في المرأة من حرص على الشرف و العفاف و الخشية من الفضيحة و العار في حين أن ملكة سبأ تذهب بالضعف المستحب في المرأة المصحوب بسمة الحيلة و حسن السياسة الذي يطرحه إرسال الهدية لسليمان فلما رفضها فليس أمامها سوى الاستسلام و الخضوع.

و التي تمثّل العاطفة الدينية أوضح تمثيل هي امرأة عمران أي أم مريم.

و هكذا نرى أن أدوار النسوان في القصص القرآني حتى و لو كنّ ملكات فهو دور تابع للرجل و لو أن هذا لا يمنع مع اتصافه بالتميّز و الخصوصية.

و يوجز خلف اللّه حديثه عن عنصر (الأشخاص) أو (الشخصيات) في قصص القرآن فيما يلي:

1-يذهب القرآن في رسمها و تصويرها المذهب غير المباشر (كتبها المؤلف الغير المباشر و معلوم أن الألف و لام التعريف لا تدخلان على غير و كان حريا به ألا يفعل ذلك خاصة و أن الأطروحة مقدّمة إلى قسم اللغة العربية. أ. هـ. ) و هو يعني به المذهب الذي يعمد القاص فيه إلى عرض الشخوص في تفكيرهم و أعمالهم و يترك للقارئ التعرّف إليها من طرق التفكير و نهج الأعمال.

2-الشخصيات النسائية تسيّرها الغرائز و العواطف الأولية بعكس شخصيات الرجال-خلا الأنبياء-التي تهيمن على تسييرها المصالح الخاصة و العقائد الباطنية و النزعات النفسية و الأهواء...

475

و هنا ندلي بملحظين:

الأول: أن ما ذكره عن النسوان فهو تابع لنظرة العربي للمرأة إبان صدع محمد بديانته و سبق أن تناولنا هذا المنزع بالتفنيد و الرد و أوضحنا ما يجر إليه من تداعيات قد لا تكون في صالح القرآن.

الآخر: أنه ما الفرق بين قوله إن النسوة تحرّكها الغرائز و العواطف و بين قوله إن الرجال-حاشا الأنبياء و الرسل-تسيّرهم النزعات النفسية و الأهواء ثم يمضي-الباحث-فيقول إن شخصيات الرسل كان قائدها المثل العليا و المبادئ الدينية و إلى هذا يرجع تشابه صفاتهم العقلية و حركاتهم الفكرية.

و مرة أخرى نحن نختلف مع خلف اللّه في تشابه الصفات العقلية و الحركات الفكرية للرسل/الأنبياء... فأين هي تلك المشابهة في الصفات العقلية و الحركات الفكرية بين نوح و إبراهيم و يعقوب و يوسف و موسى و لوط و شعيب و صالح و هود و عيسى و محمد...

لو كان هؤلاء الرسل نسخة (كاربونية) في العقل و الفكر لما كانت هناك حاجة بالقرآن لقص حكاياتهم و لاكتفى بقصة واحد منهم.

3-القرآن في حديثه عن الأشخاص كان يختار من مواقفهم ما يتّفق و أحوال النبي ليثبت نفسه و ليسري عنه ما ألمّ به من حزن و ألم.

ثم ينتهي إلى رأي في غاية الخطورة: شخصية النبي عليه السلام هي الأساس أو العامل في الاختيار إلخ. و هذا الرأي يذكّرنا بما يذهب إليه بعض غلاة الصوفية من أن اللّه لم يخلق الخلق إلا من أجل محمد.

و بذلك ينهى المؤلف معالجته لعنصر الأشخاص أو الشخوص أو الشخصيات.

و نذكّر القارئ بالملاحظات و الاعتراضات التي قدّمناها في ثنايا تحليلنا لهذه الفاصلة و بداهة لا نريد تكريرها إنما نريد أن نذكّر القارئ أن تلك التعقيبات أو التنفيدات لا تنفي أن خلف اللّه اجتهد و أصاب و أبدع فأظهر قدرة فاذة في الإبداع و أنه أثبت أنه باحث جري‏ء فكريا طرح ما استطاع طرحه في شجاعة نادرة و ما لم يستطع فقد تركه لفطانة القارئ و ذكائه و لقانته و لماحيته.

476

و يثنّي خلف اللّه بتفصيل القول في الحوادث: فيذهب إلى أن صلة الحوادث بالشخصيات ليست في حاجة إلى دليل فهما عنصرا القصة الرئيسان و لا يمكن تصوّر شخص بلا أحداث، و لقصر القصة القرآنية فإن أبرز عناصرها الحوادث و عنصر الأشخاص مبهم غامض و تختلف طبيعة الأحداث فيها فهناك:

أحداث تنتج عن تدخّل القضاء و القدر مثل أن يكذّب قوم الرسول أو الملأ منهم رسولهم و يطلبوا منه إظهار معجزاته و يهدّدوه بالتصفية الجثمانية فهنا يتقدّم من أرسله و ينزل عليهم غضبه ثم أورد آيات فيها قصة ثمود و صالح تصوّر هذا الأمر أصدق تصوير.

و أحداث أخرى تعتبر من الخوارق و المعجزات التي يجريها اللّه إما على أيدي الرسل أو استجابة لدعوة أحدهم بعد أن تحداه قومه أو حتى تبعه لنوع من البيّنة و أبرز مثل عليها المائدة التي طلب الحواريون إنزالها من السماء فضلا عن أن معجزات عيسى مثل خلق طير من الطين و إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الأموات (طبعا كله بلا استثناء بإذن اللّه) أوضح مثل على الخوارق المؤيّدة لنبوّة أو رسولية النبي أو الرسول.

و لو أن هذين النوعين (تدخّل القدر) و (الخوارق) وردا في غير القرآن أو القص الديني لاعتبر قصصا خياليا، و لكنه في فضاء القصص القرآني هو خلاف ذلك واقعي بل مألوف... لما ذا؟

لأن المخاطبين من قبل الرسل/الأنبياء كانوا يعتقدون أن ذلك أمر بديهي و أن المعجزات هي دليل الرسالة و الخوارق برهان النبوّة و من ثم كانوا يطالبون الأنبياء بإتيانها حتى تطمئن قلوبهم إلى صدقهم.

و يرى الباحث أن موقف القرآن من هذين النوعين مثار الإعجاب إذ وقف عند الأحداث المعروفة للرسل و الأقوام و هذا كسب عظيم للحياة العقلية و الفكرية آنذاك.

و لكنه (القرآن) وقف عند هذا الحد و لم يتجاوزه و اكتفى بالاعتماد على الواقع النفسي و لم يعمد إلى الخلق الفني و فصل بين الأمرين فلم يجعل الرسالة تتوقف على الخوارق. و هنا يحق لنا أن نقول إن هذا الرأي الذي يقرّره خلف اللّه قد جاء متأخرا فما من نبي-قبل محمد-إلا و صحبته معجزات: إبراهيم: النجاة من النار. داود: إلانة الحديد.

477

سليمان: تسخير الريح و الجن. حتى أن بلقيس لم تؤمن و تسلم إلا بعد أن رأت عرشها عنده... موسى: الآيات البيّنات الدم و الضفادع و القمل... إلخ و الغلبة على السحرة...

و تحوّل العصا إلى حية أو ثعبان أو جان و شق البحر و عبوره دون غرق. و عيسى المعجزات التي ذكرنا آنفا قبل قليل، حتى محمد فله العديد من المعجزات التي روتها دواوين سيرته عالية الرتبة رفيعة الدرجة بل و عدد من الصحاح الستة و بعضهم يضع على رأسها انشقاق القمر في مكة أول مراحل الدعوة. عالجنا موضوع المعجزات بشي‏ء من التفصيل في كتابنا (بصائر في عام الوفود و في أخباره) دار سينا و مؤسسة الانتشار العربي. و لو أن القرآن هو معجزة محمد-مما جعلنا نسطر، أن ما يذكره المؤلف من أن القرآن لم يجعل الرسالة متوقفة على المعجزات غير صحيح على إطلاقه إنما جاء متأخرا و ربما يغدو محمد هو المثل الفاذ و حتى في حالته فقد كان بعض أو إن شئت الدقة عدد كبير من تبعه يطلب إليه أن يدعو ربه للقيام أو بإنجاز عمل معين مثل إنزال المطر أو الإبراء من الجنون أو الشفاء من المرض. و هذا أمر بديهي لأن تلك الشعوب كانت لديها قناعة راسخة أن النبي أو الرسول هو (فم السماء) بل لا زالت الشعوب ذات المستوى الحضاري الخفيض تعتقد ذلك أو لديها ذات القناعة و لكن بدلا من الرسول/النبي تحوّل الأمر إلى أولياء اللّه الصالحين و القديسين و أصحاب الأحوال و أرباب الكرامات فهؤلاء في نظرهم هم ورثة الأنبياء الحقيقيين لأنهم أصحاب العلم اللدني و هناك حديث لمحمد يقول فيه (العلماء ورثة الأنبياء) .

نعود إلى سياق الحديث: ما يقوله خلف اللّه: إن القرآن فصل بين الرسالة و الخوارق غير دقيق فهو:

إما أنه ينطبق على محمد فحسب أي جاء متأخرا و لم يكن منذ البداية مطبقا.

و إما أنه لم يحدث على إطلاقه لأنه ما من نبي إلا و له خوارق.

و هذا ما يؤيّدنا فيما ذهبنا إليه من أن الباحث يفتقر بشدة إلى ضبط القواعد و تقعيد الضوابط و حد الرسوم و رسم الحدود و تبيين الفوارق. و يخلص المؤلف الباحث بأن هذا

478

الصنيع من قبل القرآن مع أنه معجب إلا أنه حدد الحرية في عرض الصورة و حصر العمل الفني في رسم الحادث، و إذا أضيف ذلك إلى اعتماد القرآن على التكرار كوسيلة إقناعية فإن ذلك دفع إلى:

أ-إنطاق عدة أشخاص متباينين بعبارات واحدة و ساق مثلا على ذلك.

ب-التفنّن في العرض و التنويع في الرسم عبر تصوير الحادثة الواحدة بصور مختلفة.

آخر الأنواع هو الأحداث العادية أو المألوفة التي وقعت للأبطال أو الرسل باعتبارهم أفرادا من البشر و القرآن ملي‏ء بهذا النوع و أطيب مثل عليه قصة يوسف عليه السلام.

و يحايث العرض-هنا-الخلق الأدبي و الإبداع الفني و سبق للباحث معالجة ذلك عند حديثه عن القصة التمثيلية، و يمثل لذلك بقصة أو حديث الهدهد و النملة و الحديث الذي لم يقع بين عيسى و ربه‏ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ... و كذا حديث المستضعفين و المستكبرين و تدخّل الشيطان ثم ينتقل إلى أمر آخر مكمل و لو أنه يدخل في طبيعة الأحداث و هو ربطها و تسلسلها و يذكّر القارئ بأن القرآن في بعض الأحيان لا يمحور الأحداث على الزمان.

و يسلّط الضوء على أن القصة القصيرة قد يهتم فيها بالحادث لكي تؤثر في النفس و تستثير في الناس انفعالاتهم و ضرب لذلك مثلا بتكذيب ثمود و عاد بالقارعة.

و كذلك حكاية قارون و فرعون و هامان الذين رفضوا البيّنات التي طرحها أمامهم موسى فاستكبروا. و يشرح المؤلف ما يعنيه بعدم جعل الزمن محورا للقصة فيقول ليس معناه فصم الأحداث عن الزمن بالكلية و إنما يعني أن تسلسلها (الأحداث) يخضع لقصد القصة الذي من أجله نزلت.

و عند ما يكون القصد هو تخفيف الضغط العاطفي أو تثبيت قلب النبي فإن محور الأحداث يغدو هو الشخص نفسه و أن ما حدث له لم يضعف نفسه أو يوهن عزيمته و أنه مضى في طريقه حتى جاء نصر اللّه و الفتح، و قصتا لوط و نوح تمثلان ذلك، و لو أن بينهما فروقا كثيرة لاحظها الرازي. غ

479

و ينتهي المؤلف إلى أن المسألة عنده تئوب إلى قصد القصة الذي من أجله بنيت:

في سورة هود كان القصد التسرية عن نفس محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تخفيف الضغط العاطفي...

أما في سورة الذاريات فكان غرضها التخويف و عليه تأسست.

و هذا هو سر إختلاف الحركة و الوصف و الحبكة الفنية و التسلسل.

و يلفت الانتباه إلى أن القرآن يعمد إلى التنويع حتى لا يمل قارئه أو سامعه من التكرار.

أما ما هو أسلوب القرآن الكريم في رسم الصورة أو عرض الحادثة؟فقد سلك في ذلك عدة طرق:

أ-الاعتماد على الألفاظ الفخمة ذات الرنين القوي و ذات التأثير بمعناها و مبناها و موسيقاها على الجمل المسجوعة ذات الفقرات و الرنين القوي فتملأ الألفاظ الأذن نغما و القلب خشية و رهبة أو غبطة و سرورا، ثم ضرب أمثلة على ذلك.

ب-الاعتماد على تتابع الأحداث تتابعا سريعا لتؤثر في النفس و تهز الفؤاد و لعل هذا سر جمع ألوان من القصص في سورة واحدة مثل ما حدث في سور: الأعراف، هود، الشعراء، القمر.

ج-أما الأغلب فهو الاعتماد على الألفاظ السهلة الليّنة كألفاظ الأحاديث العادية.

يفعل القرآن ذلك و كأنه يوجّه خطابه إليهم بالكلمات العادية و هنا نلاحظ أن حركة الأسلوب تسير مع حركة العاطفة و أطيب مثل عليه قصة ورود موسى ماء مدين و المرأتين اللتين تذودان و سؤاله إياهما عن شأنهما... إلخ.

ثم يحدّثنا المؤلف عن اعتماد القرآن أحيانا على تصوير الحركات لكي تدل بذاتها على الانفعالات قوة و ضعفا أو عنفا و لينا أو يستعين بالعبارات التصويرية و الصيغ الدالة على الانفعالات. و يذكّرنا أن أسلوب القرآن غالبا هو أسلوب التخاطب... لما ذا؟

لأنه كان يلقي القول إلقاء و من هنا امتازت أساليب القص فيه بأسلوب الحديث و المشافهة خاصة في بدي القصة.

480

و لكن ألا يعني هذا أن القرآن تأثّر في ذلك بالبيئة العربية التي كانت لا تعرف من الأساليب الأدبية سوى أسلوب التخاطب أو الخطابة حتى أن القصائد الشعرية كانت تلقى في الأسواق مثل عكاظ و ذي الجنة و غيرهما إلقاء خطابا.

يرى الباحث أن الحوار ليس ضروريا في القصة و هذا بديهي فهو ليس عنصرا رئيسا فيها بعكس المسرحية و قد سار القرآن على ذلك في قصصه ذات قصد التخويف و في أحيان أدار الحوار مع النفس أي أن الخواطر النفسية تتحادث مع بعضها البعض كما جاء في سورة الأنعام من حوار إبراهيم مع نفسه بشأن من يستحق العبادة الكوكب أم القمر أم الشمس ثم انتهى إلى أن وجه وجهه لفاطر السموات و الأرض.

بيد أن كثيرا من القصص القرآني مثّل فيه الحوار عنصرا هاما خاصة تلك التي تعدّدت شخصياتها مثل قصة يوسف في السورة التي تحمل اسمه و قصة موسى في سورة طه ثم مجموعات قصص سورتي هود و الشعراء و قصة إبراهيم في سورة مريم و غيرها من القصص التي قصد منها التثبيت أو شرح مبادئ دعوة الإسلام، و ضرب مثلا لذلك من قصة موسى في سورة طه. و الموضوعات الدينية التي قام الجدل العنيف بشأنها بين النبي عليه السلام و بين قومه مثل الوحدانية و البعث و النشور و بشرية المرسلين إلخ هي الغالبة على موضوعات حوارات قصص القرآن و يرى أن طريقة القرآن في تصوير الحوار تتأسس على الرواية بأن يصدرها بقوله: قال... قالا... قالوا.

و لم يبيّن لنا الباحث العلة في ذلك و هي أن ذياك المجتمع كان مجتمعا أميا متبدّيا، طريقة العلم بالشي‏ء فيه المناقلة و المشافهة و قد استمرّت هذه الطريقة حتى بعد ظهور العلوم الإسلامية أي حتى بعد عصر التدوين فنجد على سبيل المثال في علم الحديث أخبرنا/أنبأنا/ حدّثنا/قال: ... /سمعنا... و الاهتمام بالسند و هو سلسلة رواة الحديث و علم الجرح و التعديل أي ما إذا كان راوي الحديث عدلا أو مجروحا أي تلحقه علة تطعن في صلاحيته لحمل الحديث و روايته. إلى هذا الحد الخطير أثّرت الفترة السابقة على ظهور محمد (يسمّونها الجاهلية) .

و يضيف خلف اللّه أن الحوار في القصص القرآني لا يلزم أن يجري بين اثنين بل قد

481

يجري بين كثرة أو بين واحد من طرف و اثنين من طرف آخر أو بين واحد من طرف و جماعة من طرف آخر ثم ضرب أمثلة على ذلك.

أما القضايا التي اعتمدها القرآن لحواره مرجعيتها في الغالب إلى المسلمات الدينية أو المسلمات بحسب العرف و البيئة و سبق لنا أن وصفنا هذا النوع بـ (القصص الشعبي) كما يمكن تسميته بـ (الفولكلور) و يستمر الباحث في عرض جوانب عنصر الحوار فيؤكّد أن أسلوبه الأدبي يكاد يخضع خضوعا تاما لسمات الأسلوب القرآني و من ثم نلحظ فيه السمات الآتية:

1-إختلاف لغة الأسلوب باختلاف الموضوعات و الطور الذي نزلت فيه أي هو أسلوب فني يجري على وتيرة واحدة في كل قصة و يخلص من ذلك أن القرآن كان لا يساير نفسية المتحاورين بقدر مسايرته لنفسية محمد و نفسية معاصريه و نحن نخالف المؤلف في مذهبه هذا فأسلوب القصص القرآني لا يجري على وتيرة واحدة و دليلنا على ذلك القصص القرآني ذاته إذ يستحيل على قارئه أو سامعه أن يسلم بمقولة جريانه على نسق واحد أو وتيرة واحدة... كما أن ما طرحه المؤلف ذاته فيما سبق يناقض هذا الرأي الأخير مناقضة تامة.

كل هذا في كوم (كما تقول العامة في مصر) و تقف في كوم لوحدها منفردة النتيجة التي يمكن أن يفرزها هذا الرأي و هي أن القصص طوّع لنفسية محمد و معاصريه و أنه يأتي تابعا لهما و هو ما يعطي برهانا إضافيا لمقولة إن القرآن من عند محمد، ذلك أن الادّعاء بأن القص القرآني يجري وفق أسلوب فني ذي وتيرة واحدة يتّسق مع نفسية محمد و المعاصرين معناه بمنتهى البساطة أن ذلك القصص لم يكن له شغل يشغله سوى نفسية محمد و معاصريه. لو أن خلف اللّه قصر ذلك على عدد من القصص لكان صحيحا و سائغا لأن الاهتمام أو الانشغال من قبل السماء بمحمد و نفسيته و ظروفه و مواقفه من معاصريه و مواقف هؤلاء منه أمر وارد و محتمل بل لا نغالي إذا قلنا إنه منتظر من السماء التي أرسلته بالرسالة لأن اللّه جلّ جلاله في العديد من آياته تعهّد بحفظ رسله و رعايتهم... إلخ.

أما تخصيص القصص كله لنفسية محمد و معاصريه فهذا شطط لا يتفق مع رسالة

482

القرآن الذي صرّح أن محمدا رسول قد خلت من قبله الرسل و لم يحدث في الكتابين السابقين (التوراة و الإنجيل) أن قصرت قصصها و حكاياتهما و أمثالهما على رسوليهما (موسى بالنسبة للتوراة و عيسى بالنسبة للإنجيل) و نكرّر ما سبق أن ذكرناه أن العاطفة الدينية المشبوبة لدى خلف اللّه هي التي دعته إلى تقديم مثل هذه الأفكار الغالية و من الغريب أن هذا الحماس منه لرسول الإسلام محمد لم يشفع له لدى الذين ثاروا عليه.

و يؤكد المؤلف أن أسلوب القصص القرآني يساير نفسية النبي محمد عليه السلام و ستظهر هذه المسايرة عند ما يتحدث عن القصص القرآني و نفسية الرسول، و الحكم الأدبي هو أن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء و المرسلين أو الأقوام يمشي على وتيرة واحدة أي أنه لا يشاكل الواقع و يقارن بينه و بين أسلوب قصص هذه الأيام الذي يمضي على خلاف ذلك إذ الحوار فيها يمثّل نفسية المتحاورين و طريقتهم في المخاطبة و عقليتهم في التفكير و الحركات الذهنية كما يمثّل حرفهم و صناعاتهم.

بيد أنه يستثني بعض الحالات القليلة التي نجد فيها الحوار يمثّل شخصية المتحاورين و ما تنضوي عليه من قوة و جبروت و عظمة و كبرياء و هي المحاورات التي تجري على لسان إبليس حين يحاور الرسول الذي يواجهه مثل آدم و موسى و لكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي يعتنقها (المؤلف) و هو أن الحوار يمثّل الدعوة الإسلامية و نفسية محمد عليه الصلاة و السلام ثم يأتي إلى عنصر القضاء و القدر و سبق أن ألمع إلى ذلك عند ما شرح كيفية تدخّل عنصر القضاء و القدر لإنقاذ الرسول من القتل و الاضطهاد و كان حريا بخلف اللّه أن يسمي هذا العنصر-في هذه الخصوصية-مشيئة السماء أو إرادة اللّه. و يضرب مثلا آخر لإبراز أهمية هذا العنصر في بعض القصص مثل رؤيا إبراهيم ذبح ابنه ثم فدائه بذبح عظيم. و كذلك قصة يوسف التي وعد بتحليلها في القريب ثم أردفها بالمشيئة الإلهية: (إن شاء اللّه) و مثل هذه العبارة نسمعها في الخطب المنبرية العصماء التي ترتجف لها الأفئدة و تخشع من بلاغتها القلوب و تذرف من طلاقتها العيون... إلخ أما أن تضمها رسالة جامعية أو بحث أكاديمي أو كتاب علمي رصين و لو كان في العلوم الدينية فهذا ما لم نعهده.

483

خامس العناصر الفنية في القصص القرآني هو عنصر المناجاة و إن كان حظه قليلا و يرد بصورة مغايرة لما يأتي به أغلب القصص الأدبي و هو المناجاة الشخصية أو الذاتية.

أما في القرآن فيناجي النبي عليه السلام ربه متوسلا إليه لكي يستجيب لدعائه و أورد أمثلة على ذلك من قصص كل من نوح و إبراهيم و يوسف و هكذا ينتهي الباحث من الفصل الخامس و هو العناصر.

إن أخطر ما طرحه خلف اللّه في هذا الفصل هو أن القصص القرآني جاء بأسلوب فني ذي وتيرة واحدة تتسق مع نفسية محمد و المعاصرين مما يعني أنه تمحور على ذلك و قد فنّدنا هذا الادّعاء فيما سبق و كشفنا عن عواره و أوضحنا الباعث الدافع له على ذلك لدى المؤلف، في حين أن عنصري الأشخاص (الشخصيات) و (الحوادث) اتّسما بالغنى و الدسامة و دلّلا على الجهد الواضح الذي بذله الباحث فيهما و كشف عنصرا (القضاء و القدر) و (المناجاة) على العجلة و التسرّع إذ لم يأخذا حقّهما من التمحيص و التنقير و يبدو أن طاقته قد استنفدها عنصرا الأشخاص و الحوادث أو الأحداث-فضلا عن أن تسمية عنصر القضاء و القدر أدخل في باب الوعظ الديني منها (التسمية) في البحث الفني الأدبي.

أما عنصر الحوار فقد كان (بين بين) بمعنى أنه لم يقتله بحثا و لا هو مر عليه مرور الكرام.

و نختم بلفت الانتباه بمنتهى الشدة إلى ما أكده المؤلف من أن القصص القرآني لم تكن سوى مرآة انعكست عليها مكانة المرأة لدى الرجل العربي و في البيئة العربية التي ظهر فيها القرآن و الذي كان من البديهي أن يتبنّى تلك النظرة نلفت انتباه أولئك الذين يدّعون بكل جرأة على الحق أن الشريعة الإسلامية ارتفعت بمكانة المرأة إلى درجة لم ترفعها إليها شريعة أو حضارة لا قبلها و لا بعدها و ردّدنا عليهم في كتابات لنا سوابق أن ذلك غير صحيح و مناف لبداءة العقول لأن فاقد الشي‏ء لا يعطيه فالبيئة التي أفرزت (النصوص) و المجتمع الذي انبثقت منه بعد أن تخلّقت في حناياه و تشكّلت في باطنه لم يكونا ليسمحا بأن يعطى النسوان أكثر مما أعطتها (النصوص) و يكفي هذه شرفا أنها فتحت الباب لتحرير المرأة و إنصافها و منحها طرفا من حقوقها.

484

و كان على المجتهدين من الفقهاء و المفتين أن يكمّلوا السيرة كلما تقدّمت المجتمعات صعودا في سلم الحضارة لأنه من غير المعقول أن تكون حقوق المرأة الأعرابية المقصورة في الخيام و الأخبية مثل سيدة القصور و البيوت في عهود الحضارة الزاهرة في الخلافة العباسية في بغداد و الأموية في الأندلس و الفاطمية في القاهرة. بيد أنه للأسف أحجم الفقهاء و المفتون عن ذلك و وقفوا عند الحقوق الأولية كما قدّمتها النصوص فحسب و التي كانت توائم موجبات ذلك المجتمع. و من ثم يثبت بالدليل القاطع أن دعوى الشريعة الإسلامية في مجال حقوق المرأة و مكانتها فاقت ما سبقها من الشرائع و الحضارات بل و حتى ما سوف يلحقها دعوى عجفاء هزيلة و تنتصب أدلة الثبوت من النصوص ذاتها ثم من جمودها القرون أو تجمّدها لقرون عديدة كما أن الذين رفعوا هذا الشعار الضامر لم يقرأ واحد منهم سطورا قلائل عن مكانة المرأة في أي شريعة أو حضارة سابقة و مع ذلك تبلغ به الجرأة أن يتشدّق بهذه الدعوى، أما الشرائع اللاحقة فلا ندري كيف اطّلع عليها إلا إذا كان يعتقد في قرارة نفسه أنه يعلم الغيب و ما يستجد من شرائع و حضارات في المستقبل و أنه لأكرم و أشرف للشريعة الإسلامية أن يقرر في جانبها الحق الذي لا مرية فيه و هي أنها جاءت بنصوص فيها إنصاف للمرأة و بداية لتحرير أوضاعها المختلفة و أن تلك النصوص التي تحمل آثار البيئة التي نبتت منها و بصمات المجتمع الذي ولدت فيه و أنه كان من المتعيّن على معتنقيها أن يسيروا على دربها و يكملوا المشوار نقول ذلك أشرف و أكمل من أن ينسب إلى النصوص ما هي براء منه و ما لم تكن (النصوص) تحتمله بل و لا يخطر لها على بال فضلا عن منافاة ذلك الادّعاء للموضوعية و العلم.

ثم نرجع إلى السياق كالعادة:

إن خلف اللّه و قد لفت الانتباه إلى وضع المرأة كما جاء في القص القرآني و أنه نبت البيئة العربية إبان انبثاقه قدّم حجة لم يكن الكثيرون ينتبهون إليها في مجال بحث وضع المرأة و مكانتها و حقوقها في الشريعة الإسلامية و هي بكل المقاييس نقطة إيجابية تضاف إلى الإيجابيات العديدة التي ضمنها أطروحته. غ

485

تطوّر الفن القصصي‏

يرى المؤلف في تطوّر الفن القصصي: أنه ميسور للدارس ترتيب قصص الأدباء موضوع دراسته ليلحظ الظواهر و التطوّرات لديهم كما و كيفا و منها يستخلص النتائج فيعزو التطوّر إلى المران و التجربة أو الموهبة الفنية و القدرة على الابتكار و الإبداع و يشرح الطرق المختلفة التي يسلكها في تنمية مواهبهم و قدرتهم على الخلق و التأليف و قد يرزقون بالعبقرية فينهجون أساليب جديدة و يخطّون مذاهب جديدة و يؤسسون مدارس جديدة بيد أن الأمر مختلف تماما مع القصص القرآني إذ القول فيه بالتجربة و المران محال لأنه منزل من اللّه المنزّه عن الضعف و النقصان و التجربة و الخطأ و المران و مع ذلك فالتطوّر (موجود لا شك فيه) إذن ما هو الطريق لحل هذه الإشكالية؟

يرى خلف اللّه أن الحل يكمن في ولوج طريق سلكه السلف من قبل إن في الفقه أو في الأصول و نرجّح أنه يعني أصول الفقه لا أصول الدين. و في طليعة تلك الحلول التي عمد إليها القدامى: النسخ و التدرّج في التشريع، ذلك أن مبادئ الدين و عقائده و شرائعه لم تنزل دفعة واحدة و إنما نزلت على دفعات و أن الزمن طال و استغرق مدة البعثة و في هذه الخصوصية نحن نختلف مع خلف اللّه إذ هو خلط بين العقيدة (مبادئ الدين حسب لفظه) و بين الشريعة (الأحكام العملية) فالعقيدة (المبادئ) لم يحلقها نسخ أو تدرّج و ربما حصل ترتيب في نزول العبارات التالية أو الرديف للعقيدة (المبادئ) إنما هناك فرق بين التدرّج و الترتيب و أوضح مثل على ذلك هو تحريم الخمر فهذا تدرّج أما أن تجي‏ء الصلاة قبل الزكاة و الصوم و الحج فهذا ترتيب و ليس تدرّجا. و بداهة أن التدرّج يأتي من مجال أو موضوع واحد. كذلك تفريق بين الشريعة التي هي تنزيل من اللّه تقدّست أسماؤه أي إبداع و خلق إلهي و بين الفقه و هو صنيع بشر و تحضرنا قولة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان شيخ مذهب الأحناف (أما إذا جئنا إلى سفيان الثوري و مكحول و النخعي فهم رجال و نحن رجال) . إنما نجد الباحث يئوب إلى الصواب فيقارن بين ما حدث للتشريع من تدرّج و بين القصص الفني أي أن التدرّج اقتصر على التشريع أي الشريعة و لم يؤم العقيدة أو حتى يحوم حولها و التشريع أو الأحكام العملية هي الميدان الذي خبّ فيه الفقهاء و وضعوا و أظهر فيه بعضهم عبقرية فاذة و كاتب هذه الأسطر لديه قناعة كاملة أن الفقهاء هؤلاء هم‏

486

الذين أسسوا الشريعة (التشريع) و رسّخوا أسسها و قعدوا قواعدها و أقاموا بنيانها هذا الشامخ الذي يعترف بسموّه و سموقه و شموخه المناوئ قبل المعاضد و المعارض قبل المؤيد و الخصم قبل المدافع و العدو قبل الحبيب و الشانئ قبل الصديق ذلك أنهم أزالوا ما في النصوص من شوائب و طهروها مما بها من معضلات و حلوا ما يعتورها من مشكلات و رفعوا ما بها من مطاعن و الذي لا يماري فيه إلا الشكس و لا يجادل فيه إلا العنيد و لا ينكره إلا اللجوج أن امتزاج الشعوب ذات الأعراق المختلفة مثل العرب و الفرس و الهنود و الأفغان و بلاد ما وراء النهر و المصريين و البربر و أبناء شبه جزيرة أيبيريا و الأفارقة و الآسيويين تحت راية الحضارة الإسلامية هذا المزج أفرز فقهاء أعاظم هم الذين قاموا بالدور المعجب الذي ذكرناه.

و نعود أدراجنا إلى السياق: يرى الباحث أن القصص القرآني نزل لخدمة الدعوة الإسلامية و شرح المبادئ و توضيح العقائد و الدفاع عن النبي العربي و القرآن الكريم و إذ- كما سبق ذكرنا-استطال عمر دعوة الإسلام و درج القرآن على التدرّج في التشريع. و مرة أخرى أسقط المؤلف من حسابه العقائد و المبادئ و بذلك يكون قد رجع إلى الصواب. إذن من البديهي أن يأتي القص القرآني متطورا... لما ذا؟

لأن القصة من الحتم اللازم أن تغدو صورة لدعوة الإسلام و تعبّر عن آراء و أفكار البيئة-و نحن نرى من جانبنا أنها لفتة ذكية من خلف اللّه فضلا عن اتسامها بالجرأة البالغة التي لا نملك إلا أن نحييه بشأنها-كما ترسم بدقة حركات العداء و السلام و تدافع عن النبي عليه السلام و لدعوته و تثبيتها و التمكين لها في قلوب المخاطبين.

و من هنا يصح القول إن القصص القرآني يتطور من حيث الموضوعات و الأفكار و الآراء نزولا على قاعدة التدرّج هذه و هو ما يسميه التطوّر الداخلي لأحد العناصر و قد تأثر بذلك البناء و توزيع العناصر و أوليات القص القرآني التي بدأت بخبر عادي يصوّر إما حالة أو موقفا أو حادثة و يسوق أمثلة عليها.

و في فجر الدعوة أي في بدايات النزول كانت الغاية زلزلة المشركين و تقويض عنادهم و زعزعة مقاومتهم... و انعكس ذلك على القصص التي نزلت آنذاك و من ثم جاءت تصوّر الكوارث و البلايا و المصائب التي ألّت بمن كذبوا برسلهم مثل عاد و ثمود و تتميز بجرس قوي يتناسب و رسم تلك اللوحات المفزعة.

487

و في ذياك الوقت نفسه كانوا ينكرون على محمد نبوّته و يتّهمونه بالكذب و السحر و الجنون و أنه لا يتلقى الوحي من اللّه سبحانه و تعالى بل هو بشر مثلهم و يصوّر القصص ذلك في أسلوب مسجوع له رنين صوتي و لا يركّز على الأسماء-أسماء المرسلين-بقدر ما يركّز على الحوادث أو الأحداث و أوضح مثل على ذلك سورتا القمر و الذاريات.

و يشير بعض الدارسين إلى أن محمدا في تلك الحقبة المبكرة كان يمثل الداعية المشبوب العاطفة ذا الوجدان الثائر و الأحاسيس الملتهبة غيرة على الديانة التي يغشوها و العقيدة التي يذيعها و المبادئ التي يطرحها و من ثم جاءت سورها و قصصها ذات جرس يصك الآذان و رنين يقرع الأسماع و يقارنونها بخطب يوحنا المعمدان النارية التي أودت به إلى التصفية الجسدية. و يضيفون أن محمدا عند ما نزح (هاجر) إلى أثرب (المدينة) و تحوّل إلى قائد عسكري و رأس حكومة و زعيم دولة و تحلّقت حوله حاشية من العبدان و أمناء السر (كتاب الوحي و الرسائل) و المستشارين و الوزراء و الخاصة و البطانة و الوليجة و تعددت زوجاته و كثرت بيوته... إلخ. و بالتالي انخفضت حرارة آيات القرآن و غدت بردا و سلاما و اختفت المقاطع الملتهبة ذات الجرس القوي و الرنين و الفواصل القصيرة و حلّت محلها الفواصل الهادئة المطمئنة الطويلة النفس و تورات ألفاظ القارعة و الصاعقة و الحاقة و الريح الصرصر العاتية و النحس المستمر و النخل المنقعر. و تناولت (الآيات) مسائل معاشية و شغلت بما كان يحدث لمحمد مع زوجاته: الإفك... التآمر عليه... و طلب مطاليب تكون مغبّتها التخيير.

هل كان خلف اللّه متأثرا بمقولة هؤلاء الدارسين عند ما ذكر في الفصل السابق أن القصص كان يتمحور حول نفسية محمد؟

لا أدري و لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال إجابة شافية... بيد إن كل ما يمكنني قوله أن أولئك الباحثين الذين ذكرتهم كان من بينهم مستشرقون.

و هل هذا التأثّر من قبل خلف اللّه-مع الغرض الجدلي على حدوثه-يتّفق مع حملته عليهم في البدايات الأولى للرسالة أو الأطروحة أو الكتاب؟

دخل عنصر الحوار القصة إثر إقبال البعض على اعتناق الدين الجديد و موضوعه هو

488

موضوعات الدعوة الإسلامية مثل الوحدانية و البعث و أيضا الدفاع عن النبي عليه الصلاة و السلام و القرآن و لا بد للحوار من أشخاص و بذلك ظهرت أسماء الرسل التي تغدو أشبه بالرموز التي تحدد خط سير الحوار و غرضه و مرماه. و سبق تعيين أطراف الحوار فمرة بين الرسل و من أرسلوا إليهم و تارة بين المستكبرين و المستضعفين... إلخ. و هنا يرصد الباحث بعض الظواهر من الآيات التي جاء بها كبرهان على رأيه:

1-تعددت العناصر فنجد الموضوعات، الأحداث، الحوار، الأشخاص بيد أن الأخير هو أقلها بروزا.

2-تميّز العناصر و اتخاذ كل واحد منها طابعا خاصا و أخذ يورد أمثلة على ذلك.

3-إبعاد الأسلوب عن السجع و بدء استرساله و اقترابه من الأسلوب القصصي الشبيه بأسلوب التخاطب.

4-شعور من يقرأ القصة بوجود شخصية تختفي وراء ما أبهم من أسماء و أن الحوار دائر حول الموضوعات التي تهم هذه الشخصية.

و في إبان تألّم النبي عليه السلام و إحساسه بالضيق الشديد من عداوة قومه له، تلك العداوة التي تبلغ حد التهديد بالتغريب أو التصفية الجثمانية ينزل القصص ليصوّر هذا كله بقصد إذهاب ما ألمّ بنفس النبي من ضيق و عنت.

هنا في هذا الدور أو الطور طفقت الشخصية في القصة القرآنية تتميز بعواطفها الخاصة بها و بأحداثها التاريخية و بتكامل بنائها و استقرار حوارها و ظهور آثاره الفنية في توضيح الفكرة و ما تستثيره من عواطف و انفعالات ذات تأثير في مجرى الأحداث و حياة الأشخاص و أطيب مثل على ذلك قصة يوسف و هنا ينجز خلف اللّه وعده الذي وعد القارئ به في الفصل السابق و قدّمه بالمشيئة (إن شاء اللّه) و يعرض القصة عرضا جيدا استغرق عدة صفحات لكي ينتهي إلى القول بأن قصة يوسف من القصص الفني المحكم البناء و أنها جمعت كل العناصر القصصية التي توزّعتها القصص المختلفة في القرآن و هو بذلك يعتبرها قمة تطوّر القص المكي.

أما في الدور المدني فالباحث يرى أن القارئ لقصص هذا الدور يحس أنها غدت‏

489

معرض صور و آراء و أنها تخلو من المقدمات و النتائج و أنها تركيز على الأحداث و تصويرها بهيئة تهز النفوس و تستثير العواطف أما الآراء فهي تذكر لكي تحتل مكانها من القلب و في طوايا الفؤاد.

و لكن ما الذي ترسمه قصص هذا الدور؟

الصراع بين النبي-عليه السلام-و أهل الكتاب و نضيف أن هذا أمر طبيعي لوجود اليهود بكثافة في أثرب و كذا ما نزل باليهود من مكر و كيد و ما أنزله بهم فرعون من عذاب و أيضا الجدل الذي دار حول عيسى بين النبي عليه السلام و أهل الكتاب و أنه ابن مريم و ليس ابن اللّه و أنه لم يصلب و لم يقتل و لكن شبّه لهم. و نحن نضيف بأننا في هذه الفقرة نذكّر بما دار من حوار بين محمد و بين رؤساء وفد نصارى نجران الذي أوشك أن يؤدي إلى المباهلة لو لا تراجع الأخيرين عنها خوفا من حلول لعنة السماء بهم و بداهة دار الجدل العنيف حول المسيح و مما يؤسف له أن كتب السيرة لم تدوّن تلك المحاورات و بذلك ضاعت ثروة فكرية دينية شديدة الثمانة بل لا تقدّر قيمتها و يرى الباحث أن خير ما يمثل تلك الألوان قصة موسى عليه السلام في سورة البقرة و قصة عيسى عليه السلام في سورة آل عمران.

و قبل ختام هذا الفصل يذكر أنه لاحظ وجود قصص في هذا الطور تصوّر أحداثا إنما ليس بقصد استثارة الانفعالات و العواطف خاصة التي ترعب إنما تصوّر الأحداث كأنها التجارب البشرية التي أخذت مكانها في الحياة و كان القصد هو استقرار الفكرة في النفوس و إزالة الغرابة التي تحسها العقول أما موضوعاتها فأكثرها دار حول البعث مثل قصة إبراهيم و الطير و الذي مرّ على قرية خاوية على عروشها و القصتان وردتا في سورة البقرة.

إن الفقرة الأخيرة التي أوردها خلف اللّه تعتبر لمحة سريعة بل خاطفة لبيان إختلاف قصص الطورين المكي و المدني و تمايز أو تباين أسلوبهما و هي فقرة سريعة هرول فيها هرولة ظاهرة على هذه النقطة بالغة الخطورة و التي سبق أن أوردنا بشأنها رأي عدد من الدارسين أو الباحثين و منهم مستشرقون و كان حريا بالمؤلف ألا يفعل ذلك، و أن يوفي هذه النقطة ما تستحقه من بحث و تنقيب و أن يعرج على ذلك الرأي الذي أوردناه و أن يصعّب عليه إما بالتأييد أو التفنيد و في كلتا الحالتين كان يتعين عليه أن يأتي بحججه. و هو إذ لم يفعل شيئا من ذلك فإن هذا في رأينا قد خدش القيمة العلمية للأطروحة أو الكتاب.

490

نفسية الرسول و قصص القرآن‏

أخيرا يصل خلف اللّه إلى الفصل الخاتم أو السابع و هو: نفسية الرسول و قصص القرآن و يبدأه بتبيين عدد من الحقائق لتساعد في الحديث عن النفسية:

1-وحدة الأديان أو تشابهها في كثير من العناصر أي عناصر الدعوات و يأتي في مقدمها وحدانية اللّه و محاربة الوثنية.

2-المشابهة التامة بين حالة النبي عليه السلام و أحوال غيره من المرسلين من حيث الاختيار و الاصطفاء و نزول الوحي و عمومية الرسالة.

3-تشابه الآيات العديدة التي تصوّر مواقف الأمم من رسلها.

إذن الجو القصصي الممثل لهذه الحقائق يعكس أيضا نفسية كل رسول من حيث الجانب الفكري فيما يدعو إليه من آراء و معتقدات و يمثلها من حيث الجانب الاجتماعي وجود القادة و العظماء و الرسل و هذه العبارة و خاصة في الشطر الأول منها نوع من التوليف أو التلفيق فكيف يتّسق أن يقال إن نفسية الرسول لها جانب فكري يتضح فيما يدعو إليه من آراء و معتقدات. إذ من المعلوم أن الجزء النفسي من الإنسان و الرسول إنسان بشر ينضوي على الأحاسيس، المشاعر، العواطف، الانفعالات، التوتّرات، و لم يدّع أحد قبل خلف اللّه أن هذا الجزء له جانب فكري و يختص بالآراء و المعتقدات. ثم يمضي المؤلف فيقول: إن محمدا عليه السلام كان واحدا من أولئك المرسلين إذن الجو الفكري و الاجتماعي في قص القرآن يمثله.

و ينتقل إلى العلة من وراء اختيار أحداث معينة حصرا و تحديدا من حياة بعض الرسل و يورد عددا من الآيات إحداها تتكلم عن تثبيت الفؤاد و أخرى من أجل التفكّر و يعقّب بعدها بأن الاختيار كان مقصودا ثم يحدد القصة بأنه التنفيس و الإفاضة عن النبي عليه السلام و خدمة دعوة الإسلام و في اعتقادنا أنه تحديد تعسّفي لا مسوّغ له و لا برهان عليه و أنه حجّر وسيعا و ضيّق رحيبا و قيّد طليقا دونما سند من نقل أو عقل و بغير أساس من نص أو منطق. و يضاعف المؤلف من اضطراب الرأي الذي يطرحه من هذه الخصوصية فيقول إن القص القرآني الذي تتفاوت فيه حيوات الرسل و يمضي فيه كل نوع من الأحداث

491

يوائم ظروفه و يتفق و طبيعة دعوته و أحوال بيئته كل هذا يمثل نفسية النبي عليه السلام التي هي العامل الأول في الاختيار... كيف؟

كيف تشكّل الأحداث المختلفة و الظروف المتباينة و البيئات المغايرة و الدعوات المتعددة للرسل الذين يتفاصلون في العمر و المزاج النفسي و التكوين العقلي و الإتجاه الفكري و المحمول العاطفي و البنية الجسدية و الملكات و القدرات و المواهب. كيف تشكّل جميعها تمثيلا لنفسية محمد؟

إن المؤلف أقدم على طرح هذا الخليط المتنافر و المجموع المتشاكس و المزيج المتعاكس بهدف يتيم سبق لنا أن فنّدناه و هو أن القصص القرآني إنما يمثل النفسية المحمدية و أنها هي العلة الرئيسة و الباعث الحثيث و الدافع الملح و السبب الفريد و العامل الأول في اختيار ما حملته قصص القرآن من أحداث و وقائع و مواقف و مشاهد و حوارات إلخ.

يلفت المؤلف النظر إلى ضرورة تذكّر أن الفروق التي تميّز شخصية رسول عن آخر إنما تقوم على الأحداث المعروضة لكل منهم فمثلا في حق إبراهيم تقوم على إلقائه في النار و عند يونس التقام الحوت إياه، و بالنسبة لعيسى-عليه السلام-إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى و لدى نوح الطوفان، و صالح له الناقة التي لها شرب يوم معلوم. و لعلنا ذكرنا ذلك فيما سبق و من ثم يغدو ذكر خلف اللّه له جاء من قبيل الاستدراك الناتج عن معاودة النظر و إمعان التفكير و تقليب الرأي، و نحن نحمد له ذلك و نعتبره نقطة إيجابية فهذا من سمات العلماء.

و يستأنف كلامه: إنه يتعين علينا أن نعرّي هذا القصص القرآني من الوقائع الخاصة إذا أردنا أن تبقى لنا الوقائع العامة التي ثم اختيارها عدة مرات و هي التي نلمس فيها صورة النفس المحمدية بيد أن هذا لا يعني تقليل قيمة الأحداث الخاصة من حيث عملية الإفاضة أو الإيحاء إذ أنه لدى عرضها قد تسري عن نفس النبي عليه السلام و من جانبنا نضيف أن إلقاء إبراهيم في النار و التقام الحوت ليونس ثم نجاتهما لا مشاحة أن يسرّي عن محمد و ينفحه مزيدا من العزم على المضي في تبليغ دعوته. إنما-على حد قول المؤلف-لا تعدوها

492

إلى ما يحدث وراءها من آراء و أفكار و عواطف. و يذهب إلى أنه بعد إنجاز عمليات التعرية و بعد استبعاد العموميات الممثلة لنفسية كل رسول لما تنضوي عليه من وحدة أو حتى تشابه نستطيع أن نلحظ الآتي:

1-هناك قصص مختلفة توزّعت عددا من عناصر دعوة الإسلام و التصقت برسل معينين يمتازون بها مثل قصص شعيب اختصّت بتطفيف المكيال و بخس الناس أشياءهم و ذلك عند ورودها في كل موطن أما قصة لوط فقد التزمت الحديث عن إتيان الذكور.

و يذهب إلى أن القصة التي تصوّر فكرة اغتيال النبي محمد عليه السلام هي قصة صالح في النمل و أنها تصوّر أحوال النبي مع قومه. و ألحق بها قصص موسى و على سبيل المثل المقطع الذي ورد في سورة غافر.

و هنا يعود خلف اللّه إلى ما أسميناه قبل ذلك التمحّل فهو يرى أن الرجل الذي جاء إلى موسى و أخبره بائتمار القوم به لقتله يشبه حال محمد عليه السلام... لما ذا؟

لأنه علم بمؤامرة اغتياله و لا شك أن المؤلف قد أجرى عملية إسقاط دون سند ففرّق بين حضور من أخبر موسى بالمؤامرة و تخمين أو حدس محمد بها و يرى الباحث أن الآيات التي أوردها تقطع بأن القرآن صرّح بعلم محمد بمؤامرة المكيين و هو رأي لم يسبقه إليه أحد و يؤكد أن قصص صالح و موسى هي تفسير لتلك المؤامرة و هذا مذهب انفرد به خلف اللّه. و لعل عدم وجود تأريخ دقيق أو غير دقيق لنزول الآيات و السور و على الأخص في الفترة المكية هو الذي أعطى الباحث راحته في طرح مثل هذه الآراء المعجبة.

و يرى أن الأمرين اللذين تراهما في كل قصة و ان تميّز بهما رسول بالذات فهما:

الأول: عبادة غير اللّه سواء في ذلك الكواكب و الأوثان أو الأرواح الخفية. بيد أن إبراهيم هو الذي تميّز من بين المرسلين بنفي عبادة غير اللّه و تحطيم الأوثان.

الآخر: تكرار عرض مواقف المستكبرين من الرسل و الأنبياء أو من الأراذل و الفقراء و المستضعفين بيد أن أبرزهما: إبليس و فرعون.

2-تساوي الشخصيات في تمثيل نفسية النبي عليه السلام لدرجة أنك ما أن‏

493

تلحظ الصورة حتى تحس لساعتها كأنها صورته بل و كأن الحوار القائم و الأحداث البارزة هي ذاتها التي تلم به أو تقع بينه و بين من يدعوهم إلى دينه. و سيكتفي بمثال واحد اختاره من شخصية نوح ثم أورد آيات من القرآن من قصص نوح المختلفة و يذهب إلى أن القرآن أراد أن يعقد بينها و بين النبي محمد صلات. ثم يلفت الذهن إلى أشياء هي:

أ-الدعوة في السر و العلن و في الليل و النهار و تصوير مواقف المعارضين المناوئين للدعوة.

ب-عوامل الترغيب لاعتناق الديانة الجديدة هي ذاتها.

ج-المعارضون الأغنياء الذين يستخدمون أموالهم لصد الناس عن الدعوة الجديدة و يطلبون إبقاء دين الوثنية الذي اعتنقه الآباء و الجدود.

د-الضيق بالقوم و الاستسلام للّه الذي يتوزّع النفسية لدى كل من الرسولين.

أما القصص التي استهدفت التنفيس فأبرز مثل عليها قصص هود التي سبقها الحديث عن حالة محمد عليه السلام النفسية و كيف كان يضيق صدره بالمعارضة و المعارضين حتى إنه ليهم بترك الدعوى بسبب ادعائهم افتراءه على اللّه كذبا.

و بعد هذه الفقرة التي يمكن أن نسميها فقرة اعتراضية يعود الباحث إلى استعراض قصص نوح في ما تبقى من سور و آيات لم يذكرها قبلها. أما قصص الصافات و الأنبياء فهي تتحدث عن نصر اللّه لأنبيائه و تلك قاعدة عامة أو ناموس نفسي يحدث لكل نبي و في كل زمان.

و يدل هذا المقطع من الرسالة أو الكتاب على صبر خلف اللّه في الحفر و التنقير فهو قد تتبع قصص نوح في كافة السور التي وردت بها و عقب إثباتها يتولى الشرح و سواء وافقته على الفكرة التي يطرحها أم خالفته فيها فلا يسعك إلا أن تقدّر له هذا الجهد.

ثم يضيف أنه من الممكن أن نفعل ذلك في قصص كل نبي نحذف منه الوقائع المعروفة فلن نجد بعدها إلا نفسية محمد عليه السلام.

ثم يختم هذا الفصل أو الخاتم أو السابع بأن هناك أمرا آخر يبيّن الصلة و نفسية النبي عليه السلام هو أن النبي الذي كان يلقيه أي أنه كان يعبّر بصوته عما يصوّره النص من‏

494

معان و يحمله اللفظ من أحاسيس و عواطف. و أن القصص القرآني يمثّل نفسية النبي في أدق مراحلها و في أعنف صورها و ليس ثمة حاجة بعد ما قدّمه من شرح إلى أي دليل و برهان.

و نحن بدورنا لا نريد أن نكرّر ما طرحناه من تفنيد لهذه الفكرة و هي أن القصص القرآني مثل نفسية محمد، و نأمل ألا يفهم من اعتراضنا أن القصص القرآنية لم تمثل نفسية محمد بل هي مثّلتها في كثير من الجوانب بيد أنها لم تقتصر على تمثيلها فحسب بل هي شملت على جوانب أخرى. و يحق لنا أن نسأل خلف اللّه أن نفسية محمد خاصة عند ما نزح إلى أثرب لها جوانب متعددة: فهو قائد عسكري قاد بنفسه العديد من الغزوات و كان على رأسها و اشترك اشتراكا فعليا في بعضها و انتصر في كثير منها و لم يكن النصر نصيبه في عدد محدود منها، فليدلنا المؤلف على القصص القرآني الذي يمثل نفسية محمد في هذه الحالات المتباينة.

نحن نعلم أنه نزلت سور و آيات بشأن غزوات مثل بدر الكبرى و أحد و حنين و لكن هذه ليست قصصا. و كانت هناك أقوال فلوت و أحاديث خارجة و ألفاظ بذيئة في حق محمد صدرت من أمثال كعب بن الأشرف و أبي عفك و أم فروة حتى إنه اضطر لانتداب فرق خاصة لتصفيتهم جسديا و في بعض الأحيان مثل أم فروة كانت صورة التصفية بالغة العنف مما يدل على شناعة الجرم الذي ارتكبته تلك المرأة التي كان يضرب بها المثل في المنعة فيقال: أعز من أم فروة... فأين هي القصص التي حاولت تصوير نفسية محمد إزاء أولئك المتقوّلين؟

و في بيوت محمد التسعة كانت تحدث من زوجاته أمور ضرائرية يضيق بها صدره فأي قصة من قص القرآن رسمت حالته النفسية إزاءها؟

و الأزمة النفسية التي مرّ بها محمد من حديث الإفك و الخائضين فيه سواء من المنافقين أو المسلمين و للأسف من بينهم بعض الصحابة و أحدهم بدري (شهد بدرا الكبرى) تلك الأزمة أشهر من أن نذكرها فهل وردت بشأنها قصة-نحن نعلم أن آيات نزلت فيها و لكن هذه شي‏ء و القصص شي‏ء آخر-و خيانة عضل و القارة من الهون بن خزيمة بن مدركة و قتلهم لستة من قرّاء الصحابة يوم الرجيع و حزن محمد عليهم و دعاؤه‏

495

في الصلوات على عضل و القارة هل نزلت بشأنها قصص قرآنية تمثّل نفسية محمد إبانها أو تسرّي عنه؟

و أخيرا تحالف الأحزاب عليه و خيانة اليهود له في غزوة الخندق التي وصفتها السيدة أم سلمة إحدى زوجات محمد التسع أنها كانت من أشد الغزوات و أقساها و آيات القرآن بشأنها تؤيد ذلك و تؤكده و توثقه فهل هناك قصة وردت بشأنها تمثّل نفسية محمد و معاصريه و مرة أخرى نحن نفرّق بين الآيات و القصص و خلف اللّه لم يقل إن آيات القرآن تمثّل نفسية محمد و إنما ادّعى إن القصص القرآني أشبه بمرآة انعكست عليها نفسية محمد و معاصريه... و هذا ما خالفناه فيه.

و نكتفي بهذه الأمثلة من سيرة محمد نقدّمها كأدلة و براهين و حجج دوامغ لدحض الفكرة التي طرحها خلف اللّه و لإثبات أنها ليست صحيحة حتى لو أنه قصرها على الفترة المكية فنحن نرى أنها لم تكن دقيقة و إن كانت تنضوي على قدر لا بأس به من الصحة فهناك العديد من وقائع السيرة المحمدية في الحقبة المكية من التعسّف البالغ القول بأن القصص القرآني قد مثّلها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: هجرة أو نزوح بعض المسلمين الأول إلى الحبشة و ترحيب النجاشي بهم و محاولة قريش تهييجه عليهم، الإسراء و المعراج، لقاء اليثاربة بمحمد في العقبتين الأولى و الثانية. إذن كان يتعين على خلف اللّه و هو يقدّم أطروحة جامعية أو رسالة أكاديمية أو كتابا علميا أن يتحرّى الدقة و الموضوعية و أن يذكر أن بعض القصص القرآني قد مثّل نفسية محمد و معاصريه في عدد من المواقف و الحالات.

رسالة الفن القصصي في القرآن‏

في خاتمة الكتاب يذهب خلف اللّه إلى أن رسالة الفن القصصي في القرآن الكريم لها هدفان:

الأول: درس أدبي أو بلاغي فني للقصة القرآنية يكشف عن بعض أسرار الإعجاز إذ هو يبيّن مذهب القرآن الكريم في بناء القصة و ألوانها: تاريخية و تمثيلية و أسطورية و يوضح كيف فهم القدماء كل لون و كيف فسّروه و إلى أن انتهى بهم الفهم و التفسير و بيّن طريقة

496

توزيع العناصر القصصية أي هندسة القصة و كيف أنه (التوزيع) اتّبع الظروف و المناسبات و تأثّر لحد كبير بتدرّج الدعوة الإسلامية و ترقّيها و كذلك كشف عن مذهب القرآن الكريم في رسم الأشخاص و الأحداث و إدارة الحوار و كيف جعل عنصرا واحدا من الأحداث و الأشخاص محورا دارت حوله أكثر القصص.

و كذلك كشف عن العوامل النفسية التي كان يقيم عليها القرآن أسس الاستهواء و عن النواميس الاجتماعية التي كان يرجع إليها القرآن السبب في قوة الدعوة الإسلامية و في صحتها و سلامتها.

الآخر: الانتهاء من الدرس إلى قاعدة أو نظرية فسّرت مواقف الكفرة و المشركين من القصص القرآني و حلّت المشكلات العديدة التي وقف عندها المفسّرون ثم ردّت اعتراضات المستشرقين و أضرابهم من الزنادقة و الملاحدة و كل طاعن على النبي و القرآن.

يتأسس تفسير المشركين على ما قال به الرازي و النيسابوري عند ما فسّر كل منهما الآية الكريمة بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (1) من سورة يونس و هو الذي يتمحور على التقرير بأنهم حبسوا نظرهم في هيكل القصة و جسم الحكاية و بذلك عجزوا عن رؤية الجوهر: التوجيهات الدينية و الخلقية و الأسس النفسية و النواميس الاجتماعية و لو أنهم التفتوا إليها و لم يقفوا عند الأحداث و الأخبار من حيث هي تاريخ لما عارضوا القرآن بالقصص التاريخي و لما ادّعوا أنه أساطير الأولين و لأدركوا أن القص القرآني لم يؤم إلا إلى التوجيهات الدينية و الخلقية و تقرير دعوة الإسلام و ابتناء هذا التقرير على الأسس النفسية و النواميس الاجتماعية و آنذاك كانوا سوف يقرّون حتما بأنه وحي أنزله الحكيم المجيد.

إن حل المشكلات التي اعترضت المفسّرين يقوم على المذهب الذي لفت الذهن إليه الأستاذ الإمام محمد عبده عند ما فسّر قصص آدم و هاروت و ماروت التي حملتها سورة البقرة و الذي يقرّر أن القصص القرآني يصح فهمه بلاغيا و لا يجوز فهمه فهما تاريخيا كما كان يفعل المؤرخون في العديد من المواقف و به يحلّون المشكلات مثل

____________

(1) سورة يونس، الآية 39.

497

تفسيرهم بـ: قصة داود و الملكين من سورة صاد، و قول اليهود عن عيسى إنه رسول اللّه إلخ.

أما الرد على الملاحدة و الزنادقة و المستشرقين و المبشّرين فيتأسس على أن القرآن الكريم أقام بناء قصصه على ما كان يعتقده المخاطب و ما تتصوّره الجماعة من مسائل التأريخ لأنه كان يهدف إلى الهداية و الإرشاد و العظة و العبرة إنما أبدا لم يقصد إلى تعليم التاريخ أو نشر وثائقه بأي حال من الأحوال.

و هذا المذهب الذي جرى عليه القرآن هو مذهب أدبي مقرّر و معروف في جميع اللغات و درج عليه كل الأدباء و قد التفت إليه كثير من المفسّرين و قال به بعض الأقدمين منهم من نقل آراءهم الطبري ساعة تفسيره قصة أصحاب الكهف و ذهب إليه الشيخ محمد عبده عند تناوله لقصة هاروت و ماروت، و أخذ به علماء البلاغة عند اكتفائهم باللزوم العرفي أي بالعرف و العادة، و اعتقاد المخاطب في مسائل البيان، و لم يتطلبوا اللزوم العقلي أي الحق و الواقع.

و يستطرد المؤلف قائلا:

إن مذهب القرآن القصصي ردّ على أولئك جميعهم اعتراضاتهم التي محوروها على أس المخالفات التاريخية يعني مخالفات القصص القرآني لما أثبتته الكشوف التاريخية و ما وثّقه المؤرخون غير المسلمين، و هو أس لا يتواءم مع العرف الأدبي (الذي تفانى الباحث في شرحه و توضيحه) ، فالذي يعيب القاص هو المخالفة التاريخية التي تنم عن جهله بالتأريخ: مسائله و قضاياه، أما الصادرة عن مذهب أدبي يتمحور عن تصوير اعتقاد المخاطبين لاتخاذه تكأة إلى ما خلفه فهذا لا يقدح فيه خاصة إذا تأخر الكشف التاريخي عنه بعدة قرون. تلك المخالفات مع فرض ثبوتها فهي مخالفات لما كانت تعرفه البيئة من تاريخ و هي لا تضير القرآن في شي‏ء لأنه ما قصد إلى التاريخ أو تعليمه للناس أو نشر وثائقه.

ثم ينهى خلف اللّه رسالته أو كتابه بقوله إن رأيه الذي طرحه للقارئ أن يوافقه عليه أو يخالفه و بينما الآية الكريمة قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ (1) .

____________

(1) سورة يوسف، الآية 108.

غ

498

و بعد.

فقد كانت رحلة مضنية-أجهدتني أيما إجهاد-خاصة و أنها جاءت أو حدثت في شهري يوليو و أغسطس من العام 1998 اللذين هبّت فيهما الموجة الحارة التي قالت عنها وسائط الإعلام إن مصرنا المحروسة لم تشهد لها مثيلا منذ قرن و عشر سنوات.

و كان من أهم بواعث العناء أن انتابني إحساسان:

العلاقة التي ربطتني بالمؤلف و الحرص على قول الحق أو بمعنى أدق و حتى لا يفهم أن ما أقوله هو الحق و بذلك يضاف اسمي إلى قائمة من يدّعون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة... بمعنى أدق: ما أراه أنه حق أو صواب تعقيبا على رأي ذهب إليه المؤلف أرى فيه رأيا مخالفا، بيد أنني أظن أن هذا التصويب من جانبي لبعض ما اعتقدت أنه خطأ أو جنوح أو غلو أو شطط ينال من تقديري للباحث جريا وراء القالة المشهورة: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

في أثناء تحليلنا للمقدمة نوّهنا بالجرأة الفكرية و الشجاعة الأدبية اللتين تحلّى بهما خلف اللّه و هو يعرض أفكاره في هذه الرسالة أو الكتاب تلك الأفكار التي أثارت عليه العديد من المعارضين و التي أحدثت تلك العاصفة و التي انتهت إلى ما انتهت إليه. كذلك أشرنا إلى ما أضمره المؤلف و ما دسّه لا في السطور فحسب بل ما بينها و ترك فهمه و إدراكه لفطانة القارئ و لقانته كما ألمعنا إلى ما سكت عنه و أحاله إلى ذكاء من يطالع الكتاب.

و قلنا إن في العديد من المواضع مرافعة موضوعية رصينة عن القرآن صدّت مزاعم عدد من المستشرقين و إن عبنا عليه تعميم حكمه على جميع المستشرقين و أوضحنا أن ما طرحه يعتبر دفاعا عن القرآن عجز عن طرحه عدد من القدامى سواء كانوا من المفسّرين أو البلاغيين و إن توصّل بعضهم إلى طرف منه و لكنه (البعض) لم يكمل الشوط و توقّف عند بدايته فجاء الباحث و اضطلع بذلك باقتدار و كفاية و لا نريد أن نكرر ذلك أو بعضا منه دفعا للإملال.

كذلك في ثنايا التحليل رفعنا الستار عما اعتقدنا أن خلف اللّه لم يحالفه التوفيق‏

499

فيه و أثبتنا ما نرى أنه صواب و لم نزعم أنه الحق المطلق و نتبنّى ما كان يقوله أئمة السلف:

نحن نذهب إلى أن رأينا هذا صحيح فإن جاء أحد بدليل ينقضه قبلناه على العين و الراس.

بقي أن نبدي بعض الملاحظات التي نرى أنها لا تقلل من قيمة الرسالة/الأطروحة/ الكتاب إنما لو خلت منها لضاعف ذلك من ثمانتها و رفع مرتبتها و سما بمكانتها:

-التكرار: إن القارئ يدرك أن المؤلف عمد إلى التكرار الذي من الجائز أن نسطر أنه بلغ تخوم الإملال و حوّم حول حدود الزهق، لم يقتصر على الأفكار و الآراء بل تعدّاه إلى الأمثلة التي في غالبيتها آيات من القرآن. و نحن نرجع ذلك إلى أمرين:

-محاولة خلف اللّه تأكيد و تثبيت الفكرة الأم التي يتمحور عليها الكتاب أو الرسالة و إضفاء مزيد من المصداقية عليها و منحها قدرا إضافيا من الحجّة و زخما زائدا من البرهان، هذا من زاوية الفكرة. أما من منظور الأمثلة فقد اضطر للاستعانة بها هي بذاتها نعني بها الآيات لأن القرآن لا يضم سواها كأدلة ثبوت على صحة الفكرة أو النظرية التي يقول بها الباحث و هذا بدوره يجرّنا إلى الأمر الآخر و هو:

-أن الفكرة أو النظرية ضيقة المساحة صغيرة الحجم و قد تراءى للمؤلف أن تكريرها هي و شواهدها يوسّعها و يضخّم جرمها. و هذا مسلك قد يفتح باب عدم الوفاق معه لأنه في مجال الآراء و النظريات العبرة بالكم و لا الكيف، و ربما يعاضد على تقريب المعنى الذي نهدف إليه: قولة العرب: ترى الرجل الضئيل فتزدريه و يخلف ظنك الرجل الطرير (الفخم المفخّم الطويل العريض... إلخ) .

-رغم أن الرسالة/الأطروحة مقدّمة في الأصل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب و في موضوع فني بلاغي أدبي و تتحدث عن إعجاز القرآن في فن القص و سرده و بنائه و التوليف بين عناصره و حبكة حواراته المتعددة المتنوعة و روعة المواقف و تناغم العناصر إلخ.

نقول رغم ذلك فإن أسلوب خلف اللّه فيها كان أبعد ما يكون عن البلاغة و الفن و الأدب و حسن السبك و نصاعة البيان و طلاوة الطرح. بل جاء على النقيض و أتى على العكس تقريريا و جافا أشبه بالتقارير العلمية في غير مجالات الأدب و البلاغة و النثر الفني و لا أدل على ذلك من أنه كان يكرّر اللفظة الواحدة لا في الصفحة الواحدة و لا في المقطع‏

500

الواحد و لا في الفقرة الواحدة بل في الجملة الواحدة يكرّرها عدة مرات و هذا يقطع بهزال محصوله اللغوي و ضآلة مخزونة المعجمي و لو كان الأمر على خلاف ذلك لاستخدم المترادفات من الألفاظ و البدائل من الكلمات التي تؤدي المعنى ذاته و توصل المدلول نفسه و بذلك تضفي على الأسلوب قدرا من الحيوية و مزيدا من النضارة لا يشعر معه المطالع بالسأم و لا يحس معه القارئ بالضجر و نحن ننتهز هذه الفرصة فننصح البحّاث و الكتّاب و المؤلّفين أن تكون عيونهم دائما على القواميس و المعاجم و كتب اللغة لإثراء حصيلتهم اللغوية و مدّهم بكنز ثمين من المخزون اللساني الذي يعينهم على تسطير كتابتهم بهيئة تسري في عروقها الدماء الحارة.

و نأمل ألا يفهم من هذا أننا ندعو إلى العودة إلى السجع و المحسّنات اللفظية الجوفاء. كذلك فإنه لا يضير أطروحة أكاديمية أو رسالة جامعية أن تحرّر بأسلوب أدبي مشرق و عبارات فنية و تراكيب بلاغية ناضرة خاصة إذا كان موضوعها من ذات النسق بل نحن نرى أن الباحث إن نهج هذا النهج فإنه يضاعف من قيمة رسالته. و نرجّح أنه من ضحالة الرأي و ضيق الأفق و فسولة التفكير أن يدّعى أن جفاف العرض و تقريرية الأسلوب و خشونة السياق قرائن على العلمية أو الموضوعية بالأخص في الرسائل التي تتمترس على البلاغة و الفن و الأدب!

-و وقع في أخطاء علمية كنا نرجو أن تتنزّه عنها رسالته الجامعية: فهو قد خلط بين الكهّان و الكهنة فقال إن الجاهلين (!!!) كانوا يعتقدون أن الجن تسترق السمع من السماء و تنقل الأخبار إلى الكهنة و الصحيح إلى الكهّان الذين كانوا يمارسون العمالات الدينية قبل ظهور محمد أما الكهنة فهم صنف من رجال الدين المسيحي.

-و استعمل كلمة (البيئة) الاستعمال الدارج لا العلمي المنضبط و من ثم ما هي بينها و بين (المجتمع) و استخدم كلا منهما مكان الأخرى لأنه في الاستعمال الدارج أو العلمي:

(البيئة) تعني المجتمع.

-و ساوى بين (المعاني الاجتماعية) و (القيم الاجتماعية) و هذا غير صحيح فالمعاني الاجتماعية تعني مدلولات الأنساق الاجتماعية و من ثم فهي تتّسم بالشمول و تتّصف‏

501

بالعمومية و تتزمّل بالاتساع أما القيم الاجتماعية فهي المبادئ التي يتواضع مجتمع معيّن على التمسّك بها لكي تمنحه قدرا من الترابط و شطرا من التعاضد و كما من التشابك و من يخرج عليها أو يستهتر بها أو حتى يزدريها يلاقي جزاء اجتماعيا يتراوح بين الاستهجان و المقاطعة.

و بخلاف المعاني الاجتماعية تتصف القيم الاجتماعية بالخصوصية و المحدودية و المحلية و لو أن ذلك لا يمنع من اشتراك العديد من المجتمعات في بعض القيم.

-و خلط بين الظاهرة الاجتماعية و الموقف الاجتماعي مع أن الفارق بينهما شديد الوضوح لا يحتاج إلى فطانة و لا يستدعي زكانة و لا يتطلب لقانة فالموقف شيمته التفرّد و صفته التوحّد و شارته الخصوصية في حين أن الظاهرة دثارها التكرار و إزارها التعدّدية و شعارها كثافة الحدوث و سيماها كثرة الوقوع و هي لها من اسمها نصيب فهي قد تكرّرت فاستبانت و وضحت أي ظهرت و من ثم فهي ظاهرة.

-و استعمل ألفاظا يشوبها الغموض و تكتنفها العتمة و يحوطها الضباب و تخاصم الوضوح و تبتعد عن التحديد و تفارق الدقة مثل العقل الإسلامي و العقلية الإسلامية. فهل هناك عقل إسلامي و عقل يهودي و عقل مسيحي و عقل بوذي؟

إن كلمتي (عقل إسلامي) و (عقلية إسلامية) يجوز أن تكتبا في مقال لصحيفة سيارة أما أن تسطر في أطروحة جامعية فلا و لو أن خلف اللّه استخدم كلمة (الفكر الإسلامي) لأصاب كبد الحقيقة.

إنه بذلك-و ربما بدون أن يدري-يجاري بل يؤيد غلاة المتعصبين من المستشرقين الذين يتحدثون عن العقلية الآرية أو الأوروبية الغربية في مقابل العقلية الساميّة أو العربية أو الشرقية... أي أنه يدعو إلى العصبية و يبشر بالعرقية.

-و يساوي بين النبي و الرسول مع أن سلفه الصالح الذين طالما سار وراءهم و انضم إلى ركبهم و حمل رايتهم و تبع خطاهم و استظلّ ببيرقهم و مشى تحت لوائهم فرقوا بين الرسول و النبي و قالوا إن الأول صاحب رسالة أو كتاب أو دعوة إلخ. بينما الآخر مليط من ذلك.

و الوحيدون من بين السلف الذين ساووا بينهما هم المعتزلة أهل العدل و التوحيد

502

و فرسان العقل الحر الطليق. و الذي أدركته من قراءتي لـ (الفن القصصي) أن صاحبه بينه و بينهم بون واسع و فرق شاسع و مسافة بعيدة فهو ينطلق من أرضية سلفية رغم ما طلع به علينا من أفكار جريئة و أطروحات شجاعة... و يخب في مضمار نصوصي و يضع في مجال نقلي-حقيقة أنه في العديد من المواضع أوشك على اقتحام البوابة الملكية للعقل الحر الطليق و لكنه أحجم عن الولوج و جاء في هذه المواضع و جمجم و لم يصرّح و ألمح و لم يصرّح و ألغز و لم يكشف و سبق أن ذكرنا أن خلف اللّه أضاع فرصة عمره في أن يكون مقدّم كتيبة المفكّرين الأحرار الذين ينقدون الجذور و يبحثون الأصول بحرية و يتناولون (النصوص) بعقل طليق لا سلطان عليه إلا سلطانه هو.

فإذا افترضنا أنه تبنّى فكرة المساواة بين الرسول و النبي جريا وراء المعتزلة فلما ذا اقتصر على هذه الخصوصية و لم يسر على نهجهم العقلاني و يسلك طريقهم الحر في الباقي؟

-و ردّد كثيرا عبارة (الجو العاطفي) و هي غير منضبطة علميا و جملة شائعة تتردّد على ألسنة العوام و كان حريا بالباحث أن يعبّر عن مدلولها بعبارة علمية.

-و قال إن القتل كان من نصيب زكريا و ابنه يحيى. أما قتل يحيى فصحيح إذ تم على يد هيرودوس حاكم فلسطين عند ما تمكّن من قلبه حب ابنة أخيه هيروديا فعزم على نكاحها فتصدّى له المعمدان بكل جرأة و قال إنه زواج باطل ترفضه الشريعة فطلبت هيروديا رأس يحيى أو يوحنا مهرا لنكاحها فانصاع لها الحاكم الولهان و أمر بقطع رأس النبي و نفذ زبانيته ذلك و أتوا بالرأس على صينية فقدّم إلى هيروديا المهر الذي اشترطته.

أما قتل زكريا الأب فليس له أصل في صحيح النصوص-و حتى وروده لدى عدد من المفسّرين لا يعطي الباحث الحق في أن يذكره بصيغة التأكيد و التوثيق بل بصيغة التمريض و التشكيك خاصة. و أن ذكر واقعة المعمدان كان يكفي كشاهد قوي فيما كان يذهب إليه في ذلك الموضع.

-عند ضربه الأمثال من قصص الأنبياء أو مواقفهم أو حواراتهم كان لا يلتزم بالترتيب التاريخي لأزمانهم فيذكر-و هذا على سبيل المثال-موسى قبل نوح و داود قبل إبراهيم و عيسى قبل سليمان إلخ. و كان الأجدر به أن يلتزم تواريخ ظهورهم. و يقال دفعا

503

لذلك أو ردا إنه كان يستشهد أو يتمثل بآيات قرآنية انضوت على قصص أولئك الأنبياء أو الرسل و هذا دفع فسيد ورد مدحوض. ذلك أنه مع ذكر أسماء أولئك الأنبياء أو المرسلين في القصص المستشهد بها أو المضروب بها المثل فإن المنهج العلمي كان يلزم الباحث أن يراعي الترتيب التاريخي لا أن يذكر قصة المصلى (التالي) قبل السابق و حكاية الأول عقب الآخر إلخ. و قال إن الآلهة تعبد اتقاء غضبها أو رجاء خيرها و هذا تحجير لنطاق العبادة و تحجيم لمجالها و تقزيم لمضمارها و تضييق لميدانها فالآلهة تعبد لهذين الهدفين و لغيرهما من المقاصد منها تحقيق الشوق النفسي إلى المطلق و محاولة الاتحاد به و التماهي فيه و منها الاعتراف بوجود قوة عليا خلقت هذا الكون و أرسته على أسس قوية و نواميس دقيقة لا بغية الاسترضاء أو الرغبة فحسب إلخ.

-و قال إن المعاصرين لمحمد أسندوا القدرة العظيمة و القوى الفائقة التي هي للّه في الأصل و له وحده دون سواه أسندوها للأصنام التي عبدوها من دونه. و نحن نخالفه فيما ذهب إليه فأولئك المعاصرون لم يجعلوا الأصنام بديلا عن اللّه و لم يضفوا عليها صفاته و لم تكن عبادتهم لها لتحل محل اللّه بل كانت نظرتهم إليها على أنها وسيلة تقرّبهم إلى اللّه و واسطة و زلفى إلخ. ففي معتقداتهم توجد مساحة للّه إنما أبدا لم ينفوه أو يستبعدوه أو يجعلوا غيره ملائكة أو أصناما أو أوثانا (قائم مقام) له. فهذا وهم يقع فيه الكثيرون و يروّج له من يحاولون تسويد صفحة الفترة التي يطلقون عليها (الجاهلية!!!) و تسوي‏ء صورتها و تبشيع هيأتها و تحقير قدرها إلخ. و من الغريب أن القرآن نفسه انضوى على كم من الآيات تؤكد اعتراف المعاصرين لمحمد باللّه ربا بيد أن ما أخذه عليهم هو (الإشراك) الذي يتمثل في اتخاذ الملائكة أو الأوثان أو الأصنام سلما للوصول إليه. و كنا نأمل أن يفطن المؤلف إلى هذا الفرق الدقيق فلا يدّعي أن أولئك المعاصرين لمحمد نقلوا صفتي القدرة و القوة من اللّه إلى الأوثان و الأصنام.

-و قال (إن القصص القرآني قد أهمل هذا الجزء الأخير... ) و هي عبارة فيها إساءة أدب مع القرآن و قصصه و كان في مقدوره أن يقول: التفت عن هذا الجزء الأخير أو أعرض عنه أو أسقطه من حسابه أو تجاوز عنه أو تخطاه إلخ. و هذا يؤيد ما قلناه إن حصيلة الباحث المعجمية نحيفة و خزينه اللغوي أعجف و ذخيرته اللسانية ضامرة. غ

504

-و قال إن لقصص القرآن طرق خاصة في تصوير (الأشياء الخلقية) و هي عبارة عامية تذكر بما يقوله العامة في أحاديثهم (حاجة زي كدة... أو الحاجات دي... إلخ) . أما أن تسطّر في أطروحة جامعية فهذا ما لا يجوز.

و ما هي هذه (الأشياء الخلقية) فهل هي (المعاني الخلقية) أو هي (القيم الخلقية) بمعنى آخر: هل هي ذات مدلول واحد أو تنفح مدلولات مختلفة. و إذا كانت تعطي معاني متباينة فلم يوضح لنا المؤلف أوجه التباين و إن كانت وحيدة المدلول فما الداعي لاستعمال كلمة حوشية أو على الأقل لفظة عامة؟

-و قال ثم تكون الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه في هذه السورة و القرآن فيه سور و آيات و فواصل و أجزاء و أرباع و أثمان و لم يقل أحد قبل خلف اللّه أن به فقرات-هذه واحدة-أما الأخرى فهي أوعر: و نعني بها وصف فقرة القرآن بأنها تقليدية فمن الذي أو ما الذي يقلّده القرآن؟

إن عدم علم الباحث بأصل كلمة التقليد هو السبب في تردّيه في هذه السقطة:

فالذي يقلّد شخصا في دينه أو ملته أو نحلته أو مذهبه فكأنما وضع دينه أو ملّته أو نحلته أو مذهبه في عنق من اتّبعه أي من قلّده فكيف يتصوّر ذلك في القرآن؟

لو أن المؤلف يملك ثروة لغوية و لو بقدر معقول لقال: ثم تكون تلك الفقرة المعهودة أو المنتظرة أو المتوقّعة مسك الختام الذي ينهى بها القرآن قصصه.

-خلط بين القاعدة و النظرية إذ جعلهما تمنحان مدلولا واحدا و هذا خطأ فالقاعدة و لها من اسمها نصيب مستقرة و ثابتة و تطبّق في جميع الأحوال أما النظرية و كما هو واضح فمشتقة من النظر فهي مجرد رأي و لا يمكن الأخذ بها في كل الحالات و تتميز بالذاتية و تحمل القسمات الشخصية بعكس القاعدة التي تتلبّس بالموضوعية. و من الجائز أن تتحول النظرية إلى قاعدة بعد أن تضطرد و تستمر أي أن النظرية قاعدة في المدى الطويل أو قاعدة في طور النشوء و الارتقاء بيد أن هذا لا يجيز الخريقة بينهما و وضع إحداهما على قدم المساواة مع الأخرى.