الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
55

كان المشركون فيما هو الواضح من النصوص السابقة يستبعدون أن يكون هذا الذي يأتي به محمد من عند اللّه و من هنا كانوا يسخرون. وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) . و كانوا يطلبون من العلي القدير أن ينزل عليهم العذاب إن كان الذي يأتي به محمد هو الوحي و هو الحق‏ وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (2) .

و كان المشركون يعتقدون أن هذه الأخبار التي يجيئهم بها محمد ليست إلا أساطير الأولين و من هنا لم يؤمنوا. و لم يكن لذلك المقياس الذي اعتمد عليه القرآن الكريم في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام و صدق رسالته و هو الإتيان بأخبار السابقين كبير قيمة عندهم.

مضى هؤلاء و جاء من بعدهم قوم لم يقفوا بالمسألة عند حد القدرة على الإتيان بمثل هذه الأخبار و إنما حاولوا مستعينين بمعلوماتهم و معارفهم الطعن في النبي عليه السلام و في القرآن الكريم و ذلك باتخاذ التاريخ مقياسا تقاس به هذه الأخبار و ببيان وجه المخالفة بين الأقاصيص القرآنية و بين ما يعرفون من تاريخ و نستطيع أن نعرض عليك في هذا الموقف بعض المسائل التي وقف عندها الملاحدة أو اليهود و النصارى أو المستشرقون و المبشّرون.

(1) يقول الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ... (3) ما يأتي «و اعلم أن اليهود و النصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلّم في زمان الطفولة و احتجّوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدعاوى على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر و لو كان ذلك لمعرفة النصارى لا سيما و هم من أشد الناس غلوا فيه حتى زعموا كونه إلها و لا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة و الفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب و كمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد. و لأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلّم في زمان الطفولية و ادّعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد و لكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل

____________

(1) سورة النحل، الآية 24.

(2) سورة الأنفال، الآية 32.

(3) سورة آل عمران، الآية 46.

56

شي‏ء من ذلك علمنا أنه ما تكلّم... » (1) .

(2) و يقول عند تفسيره لقوله تعالى‏ يََا هََامََانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً... (2) ما يلي «... المسألة الرابعة. قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل و فرعون أن هامان ما كان موجودا البتة في زمان موسى و فرعون و إنما جاء بعدهما بزمان مديد و دهر داهر فالقول بأن هامان كان موجودا في زمان فرعون خطأ في التاريخ. و ليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الإسم في زمانه. قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودا في زمان فرعون ما كان شخصا خسيسا في حضرة فرعون بل كان كالوزير له و مثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف و الحلية فلو كان موجودا لعرف حاله. و حيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون و موسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودا في زمان فرعون و إنما جاء بعده بأدوار علم أنه غلط وقع في التواريخ. قالوا و نظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فلو أن قائلا ادّعى أن أبا حنيفة كان موجودا في زمان محمد عليه الصلاة و السلام و زعم أنه شخص آخر سوى الأول و هو أيضا يسمى بأبي حنيفة فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا هاهنا» (3) .

(3) و يقول عند تفسيره لقصة بلقيس و سليمان من سورة النمل ما يلي: «البحث الأول: إن الملحدة طعنت في هذه القصة من وجوه... و ثالثها كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال أن الجن و الأنس كانوا في طاعة سليمان و أنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية و كان تحت راية بلقيس على ما يقال...

و مع أنه لم يكن بين سليمان و بين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام.

رابعها: من أين حصل للهدهد معرفة اللّه تعالى و وجوب السجود له و إنكار سجودهم

____________

(1) الرازي، جـ 5، ص 35.

(2) سورة غافر، الآية 36.

(3) الرازي، جـ 7، ص 277.

57

للشمس و إضافته إلى الشيطان و تزيينه» (1) .

(4) و يقول القاضي عبد الجبار في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن: «و ربما قيل في قوله تعالى‏ يََا أُخْتَ هََارُونَ (2) كيف يصح أن يقال لها ذلك و بينها و بين هارون أخي موسى الزمن الطويل؟و جوابنا أنه ليس في الظاهر أنه هارون الذي هو أخو موسى بل كان لها أخ يسمى بذلك و إثبات الإسم و اللقب لا يدل على أن المسمى واحد، و قد قيل كانت من ولد هارون كما يقال للرجل من قريش يا أخا قريش» (3) .

(5) و يشرح المبشّرون مسألة مريم السابقة فيقولون «قصة مريم: ورد في سورة مريم الآية فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهََا تَحْمِلُهُ قََالُوا يََا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا*`يََا أُخْتَ هََارُونَ مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ... (4) إلخ. فيتّضح من هذه الآية أن محمدا كان يرى أن مريم كانت أخت هارون أخي موسى. و مما يزيد هذا الأمر وضوحا و جلاء ما ورد في سورة التحريم و نصه وَ مَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرََانَ (5) و هذا مذكور أيضا في سورة آل عمران‏ إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مََا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً... (6) إلخ. و في سورة الفرقان و نصه‏ وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ جَعَلْنََا مَعَهُ أَخََاهُ هََارُونَ وَزِيراً (7) . فثبت من ذلك أن عمران و موسى و هارون و مريم هم الأشخاص أنفسهم الذين ورد ذكرهم بهذه الأسماء في خمسة أسفار موسى غاية الأمر أن ورد في التوراة عمرام عوضا عن عمران. و ورد في سفر العدد الإصحاح 26 الآية 59 ما نصه و اسم امرأت عمرام يوكابد بنت لاوي التي ولدت لاوى في مصر. فولدت لعمرام هارون و موسى و مريم اختهما . و ورد في سفر الخروج أيضا الإصحاح 15 الآية 20 أن مريم النبية كانت أخت هارون. كما رأينا في سورة مريم حيث قيل‏ يََا مَرْيَمُ ... يََا أُخْتَ

____________

(1) الرازي، جـ 7، ص 218.

(2) سورة مريم، الآية 28.

(3) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 260.

(4) سورة مريم، الآيتان 27-28.

(5) سورة التحريم، الآية 12.

(6) سورة آل عمران، الآية 35.

(7) سورة الفرقان، الآية 35.

غ

58

هََارُونَ (1) فلا شك أن محمدا توهّم أن مريم أخت هارون التي كانت أيضا ابنة عمرام «أي عمران» هي مريم نفسها التي صارت أم يسوع. المسيح عيسى. بعد ذلك بنحو ألف و خمسمائة و سبعين سنة. و هذا القول يشبه الرواية الواردة في الشاهنامه... إلخ. و ربما كان سبب هذا الغلط أنه ورد في إحدى خرافات اليهود كلام بخصوص مريم أخت هارون نصه أن ملاك الموت لم يتسلّط عليها، بل ماتت بقبلة إلهية و لم يتسلّط عليها الدود و لا الحشرات . و على كل حال فهذا خطأ جسيم لأنه لم يقل أحد من اليهود أن مريم هذه بقيت على قيد الحياة إلى أيام المسيح‏ (2) .

هذه الأقوال و كثير غيرها قصد إليها المبشّرون و الملاحدة ليثبتوا للناس أن القرآن من عند محمد لأنه لو كان من عند اللّه لما وجدت فيه هذه الأخطاء التاريخية.

و هذه الأقوال و كثير غيرها إنما كانت لأن المسلمين أنفسهم قد حرصوا الحرص كله على فهم القصص القرآني على أساس من التاريخ و لو أنهم أعرضوا عن هذا الأساس و حاولوا فهم القرآن على أساس من الفن الأدبي أو البياني البلاغي لأغلقوا هذا الباب الذي جاءت منه الريح و لسدوا على المشركين و المبشّرين السبل و حالوا بينهم و بين الطعن في النبي عليه السلام و في القرآن الكريم.

(ب) أما الرأي الثاني فهو رأي المسلمين و هم يؤمنون بهذا المقياس و يعتقدون بصحّته و يرون أن ورود هذه الأخبار في القصص القرآني إنما هو دليل النبوة و علامة الرسالة و أنه لو لا الوحي لما عرف النبي الأمي هذه الأخبار مع أنه لم يقرأ في كتاب و لم يتتلمذ على من قرأ في كتاب.

و إيمان المسلمين بهذا المقياس لم يكن وقفا على عصر النبوة و إنما امتد به الزمن حتى شمل الأعصر الإسلامية من لدن البعثة المحمدية إلى وقتنا هذا. و حتى أصبح عنصرا مهما من العناصر المكوّنة للعقلية الإسلامية يهتز باهتزازها و يتأثر بما تتأثر به من تيارات فكرية تتعاقب عليها بتعاقب السنين و الأعوام.

____________

(1) سورة مريم، الآيتان 27-28

(2) مصادر الإسلام، ص 102-104.

59

و إيمان المسلمين بهذا المقياس جعل المفسّرين منهم يصدرون في فهمهم للقصص القرآني و تفسيرهم له عن ثقافة تاريخية لا ثقافة فنية أدبية و من هنا لم تسلم لهم الخطى و قامت في وجوههم العقبات فوقفوا و أطالوا الوقوف لعل الطريق أن تسلم و لعل الفهم أن يستقيم و لكن شيئا من ذلك لم يكن اللهم إلا في بعض المواطن التي رجعوا فيها إلى الحق و التي أقاموا فيها فهمهم للقصص القرآني على أسس من البلاغة و الفن الأدبي تلك الأسس التي تجعل الأحداث القصصية مكانها الأول في الشرح و التفسير و لا تجعل للمواد التاريخية إلا مقاما ثانويا أو لا مقام على الإطلاق.

و المواقف التي وقف عندها المفسّرون لتسلم لهم الطريق و يستقيم الفهم كثيرة متنوعة و نستطيع أن نعرض عليك بعضا منها لتستبين إلى أي حد كان يتعثر هؤلاء المفسّرون.

أولا-الإشارات التاريخية: وقف المفسّرون وقفة طويلة عند هذه الإشارات التاريخية التي جعلها القرآن مادة أدبية في بناء القصة القرآنية و هي إشارات قد قصد القرآن إلى إبهامها أو إلى إبهام مقوّماتها التاريخية. و قصد القرآن إلى ذلك إنما يفسّر بحالة من حالتين: يفسّر بأن القرآن قد أبهم هذه المقوّمات لأن المعاصرين للنبي عليه السلام و لنزوله كانوا يعرفون ما وراء هذا الإبهام من ثقافة تاريخية. كما يفسّر بأن القرآن قد عمد إلى تنحية التاريخ عن ميدان القصة القرآنية ليتجه العقل البشري منذ اللحظة الأولى إلى ما هو المقصود من أقاصيص القرآن من عظة و عبرة و من إرشاد و هداية و من إنذار و بشارة.

أبهم القرآن مقوّمات التاريخ في قصصه فأبهم الزمان و المكان و أبهم في كثير من المواطن الصفات المميّزة للأشخاص. و اختار من الأحداث التاريخية بعضا دون بعض. صنع القرآن كل هذا أو أحسّ المفسّرون منه بهذا الصنيع و شعروا بأن الفهم التاريخي للقصص القرآني لن يستقيم حتى يذهب هذا الغموض التاريخي و حتى يذهب ما قصد إليه القرآن من إبهام و من هنا رأيناهم يعمدون إلى الثقافة التاريخية و إلى الإسرائيليات بل رأيناهم أحيانا يعمدون إلى الفروض النظرية الصرفة لعل واحدة منها أو كلها مجتمعة أن تزيل عن القصص القرآني ما به من غموض أو إبهام تاريخي.

60

و الظواهر التي يحسن بنا أن نلتفت إليها من وقفات المفسّرين عند هذه الإشارات التاريخية و ما يحيط بها من غموض أو يكتنفها من إبهام هي التالية:

(1) أن المفسّرين و قد ارتضوا الأساس التاريخي أساسا للفهم وقفوا كثيرا و طويلا عند مسائل التاريخ و قضاياه حتى لنرى بعضهم يقف عند كل قصة و يجعل لها عنوانا كذلك الذي نجده في كتب التاريخ ثم يتحدث عن شخصية النبي و عن الأحداث القصصية كما يتحدث المؤرّخون سواء بسواء (1) .

(2) أن هذه الوقفات الطويلة عند الأساس التاريخي جعلت المفسّرين يألفون هذا المذهب في فهم القصص القرآني حتى لنراهم ينكرون غيره من مذاهب فنية و أدبية و حتى لنراهم حين تلجئهم الضرورات إلى المذاهب الأدبية يوجزون في القول و لا يقفون إلا لماما.

هذا ما فعله الزمخشري في تفسيره لقصة وَ هَلْ أَتََاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ... (2) إلخ من سورة ص و هذا ما فعله الطبري في أحد أقواله عند تفسيره لقصص آدم في كل من سورتي البقرة و ص‏ (3) . و إنّا لنشعر من صنيعهم أنهم يعتقدون أن المذهب الأدبي لا يتفق و ما أنزل اللّه من قصص و ما أراد به اللّه لهذا القصص من أن يكون وسيلة هداية و إرشاد و بشارة و إنذار و أنه لم يقصد فيه إلى التاريخ بحال من الأحوال.

(3) أن اعتماد المفسّرين على الثقافة التاريخية و الإسرائيليات و على الفروض النظرية لم يصل بهم في كل موطن إلى ما يريدون من كشف عن الغموض و إزالة للإبهام و أنه على العكس من ذلك وصل بهم إلى متاهات فلم يصلوا إلى وجه الحق في المسألة و هذا هو الذي نراه في تفسيرهم لقصة الذي مرّ على قرية و هي خاوية على عروشها و في شرحهم لمسألة كيفية دخول إبليس الجنة بعدئذ أخرجه اللّه منها ليوسوس إلى آدم و يدفعه إلى الأكل من الشجرة.

____________

(1) راجع قصص سورتي الأعراف و يونس في تفسير الخازن.

(2) سورة ص، الآية 21.

(3) الطبري، ج 1، ص 175-176، ج 23، ص 107.

61

جاء في البحر المحيط لأبي حيان ما يلي: «و الذي مرّ على قرية هو عزيز... و قيل أرمياء... و قيل هو أرمياء و هو الخضر... و قيل على كافر مرّ على قرية... و قيل رجل من بني إسرائيل غير مسمى... و قيل غلام لوط... و قيل أشعياء.

و القرية، بيت المقدس... أو قرية العنب... أو الأرض المقدّسة أو المؤتفكة... أو القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت... أو دير هرقل... أو شابورآباد... أو سلماياذ... » (1) .

و جاء في الرازي ما يلي «اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة و آدم كان في الجنة و ذكروا فيه وجوها. أحدها قول القصاص و هو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني و السدى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما و غيره. أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية و هي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية و هي كأحسن الدواب بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية و أدخلته الحية خفية من الخزنة فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها و اشتغل بالوسوسة فلا جرم لعنت الحية و سقطت قوائمها و صارت تمشي على بطنها و جعل رزقها في التراب و عدوا لبني آدم.

و اعلم أن هذا و أمثاله مما يجب ألا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة. و لأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة و لا مكلفة؟

و ثانيها أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة. و هذا القول أقل فسادا من الأول.

و ثالثها قال بعض أهل الأصول إن آدم و حواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة و إبليس كان يقرب من الباب و يوسوس إليهما.

و رابعها و هو قول الحسن أن إبليس كان في الأرض و أوصل الوسوسة إليهما في الجنة.

قال بعضهم هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي و الكلام الخفي لا يمكنه إيصاله من الأرض إلى السماء.

و اختلفوا من وجه آخر و هو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة

____________

(1) البحر المحيط، جـ 2، ص 290-291.

62

إليهما على لسان بعض أتباعه؟... » (1) .

(4) إن العقل الإسلامي و قد شغلته هذه الثقافة التاريخية لم يفرغ إلى غيرها و من هنا لم يقف إلا قليلا ليوضح ما في القصص القرآني من هداية و إرشاد و يؤكد ما فيه من بشارة و إنذار. و هو بهذا قد فوّت على نفسه كثيرا من المسائل التي كانت جديرة بأن توجّهه إلى الوقوف على الأسس النفسية و الدعامات الاجتماعية التي قامت عليها الدعوة الإسلامية و تقوم عليها كل دعوة اجتماعية.

ثانيا-التكرار: وقفة ثانية وقفها العقل الإسلامي عند الأقاصيص التي كررت.

ذلك لأنه و قد اعتمد المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني قد عجز عن أن يفهم الأسرار التي من أجلها كان التكرار.

لما ذا كرّر القرآن قصص آدم و نوح و هود و لوط و صالح و شعيب و غيرهم من الرسل و الأنبياء؟

إن الوقوف على تاريخ كل واحد من هؤلاء قد يكفي فيه إيراد القصة الواحدة في الموطن الواحد و ليس يلزم أن تكرّر القصة في أكثر من موطن من مواطن القرآن.

إن تكرار القصة و بخاصة حين تكون الأحداث القصصية واحدة و المواد التاريخية متشابهة و المواقف متّفقة أمر يحتاج إلى تعليل و إلى بيان و إيضاح‏ (2) .

سؤال آخر سأله العقل الإسلامي نفسه فيما يخص هذا التكرار و هو أنه على فرض قدرته على الوقوف على الأسرار التي من أجلها كان التكرار فلما ذا كان هذا الاختلاف؟

لما ذا اختلف إيراد القصة الواحدة في موطن عنه في آخر؟لما ذا اختلف وصف القرآن لموقف موسى من ربه في سورة طه عنه في غيره من السور مع أن الموقف واحد و الحادثة واحدة؟

لما ذا قال القرآن في سورة طه‏ وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ*`إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً*`فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ *

____________

(1) الرازي، جـ 1، ص 313.

(2) مشكل القرآن و غريبه، لابن قتيبة، جـ 1، ص 153.

63

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً*`وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ*`إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي*`إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ*`فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهََا وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَتَرْدى‏ََ*`وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ*`قََالَ هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ*`قََالَ أَلْقِهََا يََا مُوسى‏ََ*`فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ*`قََالَ خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ*`وَ اُضْمُمْ يَدَكَ إِلى‏ََ جَنََاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى‏ََ*`لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ*`اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ*`قََالَ رَبِّ... (1) إلخ. و لما ذا قال في سورة النمل عن نفس الحادثة و الموقف‏ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نََاراً سَآتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ*`فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`يََا مُوسى‏ََ إِنَّهُ أَنَا اَللََّهُ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ*`وَ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسى‏ََ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ*`إِلاََّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ*`وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيََاتٍ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ... إلخ‏ (2) . و لما ذا قال في سورة القصص غير هذين؟

إن الموقف واحد و إن الحادثة واحدة و لكن الوصف يختلف و الحوار غير الحوار و حديث الرب العلي مع موسى النبي في موطن غيره في آخر.

لقد حاول العقل الإسلامي أن يجيب عن أمثال هذه الأسئلة التي تخص تكرار القصص القرآني و اختلاف الوصف و التصوير و لكنه لم يهتد إلى رأي قاطع و من هنا آثر الكثيرون عد القصص القرآني من الآيات المتشابهات‏ (3) . يقول الطبري: «المتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار فقصة باتفاق الألفاظ و اختلاف المعاني و قصة

____________

(1) سورة طه، الآيات 9-25.

(2) سورة النمل، الآيات 7-12.

(3) راجع درة التنزيل و ثمرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب اللّه العزيز، للخطيب الإسكافي.

غ

64

باختلاف الألفاظ و اتفاق المعاني» (1) . و كذلك يقول غيره من شيوخ المفسّرين.

و لو أن العقل الإسلامي أقام فهمه للقصص القرآني على أساس بلاغي أو أساس فني أدبي لما وقف هذه الوقفة و لعرف منذ اللحظة الأولى أن الذي عده من التكرار ليس من التكرار في شي‏ء لأن هذه المواد التاريخية غير مقصودة من القصص و أن مقاصد القرآن من مواعظ و عبر و من إنذارات و بشارات تختلف في موطن عنها في آخر و من هنا كان الاختلاف لأن اختلاف المقاصد يدفع من غير شك إلى إختلاف الصور الأدبية.

مقصد القرآن من قصة موسى في سورة طه غيره من قصة موسى في سورة النمل و قصة موسى في سورة طه قصة مستقلة و قصته في سورة النمل قصة مستقلة و من الوجهة الأدبية البلاغية هذه قصة و تلك أخرى و على هذا فلا تكرار و لا اختلاف و لا تشابه. و كل هذه مسائل ستشرح بتفصيل في الباب الثاني إن شاء اللّه.

ثالثا-المادة القصصية و الحقيقية: وقفة ثالثة وقفها العقل الإسلامي حين بان له أن كثيرا من هذه المواد القصصية التي جاء بها القرآن الكريم لا تستقيم و ما يعرف من علم إلا على ضرب من التأويل و إلا بعد الرجوع إلى المذهب الأدبي يستمد منه العون و يطلب إليه المدد.

(1) بان للعقل الإسلامي أن مسألة غروب الشمس في عين حمئة لا تستقيم و ما يعرف عن حقائق هذا الكون من أن الشمس طالعة أبدا و أن الأرض تدور حولها و أن الشمس لا يمكن أن تغرب في هذه العين الحمئة بحال من الأحوال. و خيّل إلى العقل الإسلامي أن كلام اللّه لن يستقيم إلا على ضرب من التأويل فأوجب هذا التأويل على نفسه و انتهى به الأمر فيما نرى إلى التسليم بالمذهب الفني إذ قرر أن القرآن قد صوّر في هذه القصة الصور الذهنية لغروب الشمس لا حقيقة هذا الغروب. صوّر ما يراه القوم بأعينهم و لم يصوّر ما يحدث فعلا من غروب للشمس و شروق. يقول الرازي في تفسيره لقصة ذي القرنين من سورة الكهف ما يلي: «البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة

____________

(1) الطبري، جـ 3، 103.

65

و أن السماء محيطة بها و لا شك أن الشمس في الفلك و أيضا قال‏ وَ وَجَدَ عِنْدَهََا قَوْماً (1) .

و معلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود. و أيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض... إذا ثبت هذا فنقول تأويل قوله‏ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (2) من وجوه.

الأول أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب و لم يبق بعده شي‏ء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين و هذه مظلمة و إن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط و هي في الحقيقة تغيب وراء البحر... » (3) .

و يقول القاضي عبد الجبار: «كيف يصح أن يجدها تغرب في شي‏ء من الأرض و هي إنما تغرب في مجاري غروبها؟فجوابنا أنها تغرب على وجه يشاهد كذلك كما توجد الشمس تغرب في البحر إذا كان المرء على طرفه و كما يقول المرء إن الشمس تطلع من الأرض و تتحرك في السماء. و المراد بذلك ما ذكرناه من تقدير المشاهدة» (4) .

(2) و بان للعقل الإسلامي أن ودا و سواع و يغوث و يعوق و نسرا كانت الأوثان التي تعبد في الجزيرة العربية زمن البعثة المحمدية و قبلها بقليل أو كثير. و عجز العقل الإسلامي عن أن يفهم الصلة بين هذه الأوثان و بين نوح عليه السلام حتى تجي‏ء في قصته و لذا عد هذه المسألة من المشكلات. جاء في الرازي بصدد تفسيره لسورة نوح ما يلي:

«المسألة السادسة: هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم ثم إنها انتقلت عن قوم نوح إلى العرب فكان ود لكلب و سواع لهمدان و يغوث لمذحج و يعوق لمراد و نسر لحمير و لذلك سمت العرب بعبد ود و عبد يغوث. هكذا قيل في الكتب. و فيه إشكال لأن الدنيا قد خرجت في زمان الطوفان فكيف بقيت تلك الأصنام و كيف انتقلت إلى العرب؟و لا يمكن أن يقال إن

____________

(1) سورة الكهف، الآية 86.

(2) نفس السورة و الآية.

(3) الرازي، جـ 5، ص 305 و ما بعدها. و سنشرح هذه المسألة في الباب الثاني.

(4) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 217.

66

نوحا عليه السلام وضعها في السفينة و أمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها و كسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها» (1) .

(3) و بان للعقل الإسلامي أن هذه المحاورة التي يصوّرها القرآن الكريم قائمة بين المولى سبحانه و تعالى و بين عيسى عليه السلام في آخر سورة المائدة لا تفهم على ظاهرها و لا تفسّر على أنها قد وقعت حقا و أنها لا يمكن أن تكون إلا التصوير الأدبي الذي يقصد منه إلى توبيخ النصارى المعاصرين لمحمد عليه السلام. جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن ما يلي: «مسألة. و ربما قيل في قوله تعالى‏ وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ (2) . كيف يصح ذلك و عيسى لم يقل ذلك للناس؟و كيف يصح أن يقول و إذ قال اللّه و ذلك يخبر به عن الماضي و لم يتقدم ذلك منه تعالى في الدنيا؟

و جوابنا أن ذلك من اللّه تعالى على وجه التوبيخ و التقريع لمن قال ذلك و قد يجوز من الحكيم أن يخاطب بذلك متهما بفعل ليكون ردعا و توبيخا لمن فعل و اللّه تعالى عالم بالأمور و لا يصح الاستفهام عليه فالمراد ما ذكرنا فقد كان فيهم من يزعم أن عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم أمرهم بأن يتخذوا إلهين فيعبدوهما و يطيعوهما كطاعة المرء للّه و لذلك قال بعده‏ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ (3) .

(4) و بان للعقل الإسلامي أن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول اللّه في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى‏ وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ (4) لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقا عن اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف و إنما القرآن هو الذي أنطقهم به ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول اللّه و هم لم يسلموا بهذا و لو سلموا بها لأصبحوا مسيحيين و لما كان بينهم و بينه أي لون من ألوان العداء و لما كان قتل و صلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب و ينكرون

____________

(1) الرازي، جـ 8، ص 232.

(2) سورة المائدة، الآية 116.

(3) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 115، نفس السورة و الآية.

(4) سورة النساء، الآية 157.

67

عليه أنه رسول اللّه و يذكرونه بالشر و يقولون إنه ابن زنا و أن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا و أكثر منه و من هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول اللّه قد صدر حقا عن اليهود و لجأ العقل الإسلامي في هذا الموقف إلى المذهب الفني فأفاده. جاء في الكشاف عند تفسيره لهذه الآية: «فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة و الفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه قلت قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. و يجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به و تعظيما لما أرادوا بمثله كقوله‏ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ*`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً (1) .

(5) و بان للعقل الإسلامي أنه لا يستطيع أن يتصوّر مساعدة الملائكة للمسلمين في غزوتي بدر و أحد اللهم إلا أن يكون حديث القرآن عن ذلك حديث من يأخذ الناس بعقائدهم تقوية للروح المعنوية و بثا للأمل القوي بالانتصار السريع في النفوس. جاء في المنار: «و أنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة و قال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبرائيل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس الكفار؟

و بتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟و أيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين و قاتل كل منهم من الصحابة معلوم.

و أيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا؟و على الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف و أكثر و لم يقل أحد بذلك و لأنه خلاف قوله‏ وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ (2) و لو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق و لم ينقل ذلك البتة.

و على الثاني كان يلزم جز الرءوس و تمزّق البطون و إسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل و مثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر و يشتهر بين المسلم و الكافر و الموافق

____________

(1) الكشاف، جـ 5، ص 281، سورة الزخرف، الآية 10.

(2) سورة الأنفال، الآية 44.

68

و المخالف. و أيضا أنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل و إن كانوا أجساما لطيفة فكيف ثبتوا على الخيول‏ (1) .

بانت للعقل الإسلامي هذه الأشياء و كثير غيرها و فطن العقل الإسلامي إلى أن هذه الأشياء لا تفهم على أنها الحق التاريخي و الواقع العملي إلا بضروب من التأويل و لو أن العقل الإسلامي أقام فهمه للقصص القرآني منذ اللحظة الأولى على المذهب الأدبي لما احتاج إلى هذه التأويلات و إلى أمثال هذه الوقفات التي ألجأته إلى المذهب الأدبي مضطرا لا مختارا.

رابعا-الأخبار و الإعجاز: وقفة أخيرة وقفها العقل الإسلامي يحاسب فيها نفسه و ينظر ما قدّمت يداه من خير فهل كان من الخير للنبي عليه السلام و للقرآن الكريم أن يكون المذهب التاريخي الأساس الأول في فهم القصص القرآني أو أن هذا المذهب كان الثغرة التي نفذ منها المبشّرون و الملاحدة للطعن في النبي و في القرآن؟

أحصى العقل الإسلامي كل شي‏ء عددا فأحصى أقوال المشركين و أقوال الملاحدة و المبشّرين و أحصى المشكلات التي تعرّض لها حينما وقف عند هذه الإشارات التاريخية و ما فيها من غموض و إبهام و عند هذه الأقاصيص المكرّرة و ما تدفع إليه من قول بعد القصص القرآني من المتشابه و عند هذه الأخبار و الصور التي لا تتفق و ما يعتقده الحق و الواقع إلا بضرب من التأويل أو قول بالمذهب الأدبي.

أحصى العقل الإسلامي كل هذه الأشياء فتبيّن له أن ما يقدّمه المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني من خير أقل بكثير مما يقدّمه من شر و نكر و بلاء. و عند ذلك أعاد العقل الإسلامي التفكير في هذا المذهب نفسه و في الأسباب التي تدعوه إلى التمسّك به و التشبّث بأهدابه. و وجد العقل الإسلامي الأسباب واضحة في هذه الأقاصيص التي يعتمد عليها القرآن في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام و صحة رسالته و في عد ما اشتملت عليه هذه الأقاصيص من أخبار من المعجزات.

____________

(1) المنار، جـ 4، ص 113.

69

أما إن هذه الأخبار من المعجزات فأمر أعاد العقل الإسلامي التفكير فيه و انتهى به هذا التفكير إلى أن هذه الأخبار لم تكن فيما هو الواضح من آيات القرآن مناط الرد على المشركين من أهل مكة و لا موطن التحدي حتى يصح القول بأنها إحدى المعجزات.

فكر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى أولا أن الكثير منها كان معروفا بالجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية و معروفا المعرفة التي جعلت المفسّرين يعلّلون بلاغيا بهذه المعرفة التركيب القصصي القرآني‏ أَ لَمْ تَرَ . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ... (1) إلخ. من سورة الفجر ما يلي: «أ لم تر أ لم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول و إنما أطلق لفظ الرؤية هاهنا على العلم و ذلك لأن أخبار عاد و ثمود و فرعون كانت منقولة بالتواتر. أما عاد و ثمود فقد كانا في بلاد العرب. و أما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب و بلاد فرعون أيضا متّصلة بأرض العرب و خبر التواتر يفيد العلم الضروري و العلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة و الجلاء و البعد عن الشبهة فلذلك قال أ لم تر بمعنى أ لم تعلم» (2) . و هذه المعرفة تجعل من غير شك أمثال هذه. الأخبار غير صالحة لأن تكون موطن التحدي أو دليل الإعجاز.

و فكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثانيا أن تلك الأقاصيص التي يعتمد عليها القرآن في الإيحاء بنبوة النبي و صدق رسالته لا تشتمل على أخبار يستحيل معرفتها و هي على العكس من ذلك أخبار معروفة لدى أهل الكتاب و إذا كان هناك من استحالة فإنها الاستحالة العادية التي تقوم على أمية النبي محمد عليه السلام أو تقوم على التفصيلات الدقيقة لهذه الأخبار جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن «مسألة: و ربما قيل في قوله‏ ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . كيف يصح ذلك و قد كان هذا الخبر موجودا عند النصارى و غيرهم؟

و جوابنا أنه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يخالطهم مخالطة يقف بها على تفصيل هذه الأمور و كان كسائر العرب فبيّن تعالى أنه قد خصّه بهذا الغيب ليعرف به صحة نبوته و لذلك قال:

____________

(1) سورة الفجر، الآية 6.

(2) الرازي، جـ 8، ص 423.

غ

70

وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاََمَهُمْ فحكى تفصيل ما كان يجري في أمر مريم و ذلك من أعظم معجزاته صلّى اللّه عليه و سلّم» (1) . و جاء في الرازي: «فإن قيل أ ليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم. قلنا تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة» (2) .

و فكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثالثا أن القول بأنها إحدى المعجزات لا يدحض أقوال المشركين أولئك الذين قالوا بأن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار و أنه يعلمه إياها بشر و أنهم لو شاءوا لقالوا مثلها و أنهم قد قصّوا بالفعل أخبار رستم و أحاديث اسفنديار و أن قريشا كانت تستملح هذه الأقاصيص و تنصرف عن محمد عليه السلام إلى المعارضين للنبي و للقرآن.

فكّر العقل الإسلامي في كل هذه الأشياء و انتهى به التفكير إلى أن القرآن نفسه لم يجعل هذه الأخبار موطن التحدي و مناط الإعجاز و إنما جعل الإعجاز كل الإعجاز في قوة التأثير و سحر البيان. جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ (3) ما يلي: «و الحاصل أن القوم اتّهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه و يزعم أنه عرفها بالوحي و هو كاذب فيه. ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال‏ لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ... و أما وجه تقرير الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا القرآن الكريم إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ و كأنه قيل هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة» (4) . و لعله من هنا كان القرآن يتحدى العرب بالسور المفتريات فقد جاء في المنار: «كأنه يقول أدع لكم ما في سور القصص من الأخبار عن الغيب و أتحدّاكم أنتم و سائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم على الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن في

____________

(1) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 59.

(2) الرازي، جـ 5، ص 65.

(3) سورة النحل، الآية 103.

(4) الرازي، جـ 5، ص 350.

71

قصصها مع السماح لكم بجعلها قصصا مفتراة من حيث موضوعها» (1) .

التحدي إنما يقوم كما رأيت على قوة التأثير و سحر البيان و من هنا لا نستطيع أن نعد هذه الأخبار التي جاءت في القصص القرآني إحدى المعجزات.

أما إن هذه الأخبار قد أفادت كثيرا في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام و صدق رسالته فهو الأمر الذي لا ننكره بل نقر به و نؤكّده لكن على أساس أن قوة هذا الإيحاء إنما تقوم على ذلك الرأي الديني اليهودي الذي كانت تدين به الجماعة و الذي لا يلزم حتما أن تكون هذه الأخبار من التاريخ فقد كان يكفيه منها أن تكون مما يعرفه اليهود أو تعرفه العرب كما سنرى بعد لحظات.

هذه الوقفات الطويلة و هذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرّر أخيرا في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن و أن التمسّك بالخطر أي خطر على النبي عليه السلام و على القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة.

جاء في الرازي: «و اعلم أن هذا الكلام-قوله تعالى‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (2) -يحتمل وجوها: الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين و لم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو الحكاية نفسها بل أمور أخرى مغايرة لها» (3) .

و جاء في غرائب القرآن للنيسابوري عند تفسيره للآية السابقة: «و ذلك إنما حملهم على التكذيب أولا و آخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين و لم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين و خفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم و نقل الأمم من العز إلى الذل و بالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون و غاية كل سكون ألا يكون كقوله عز من قائل لَقَدْ كََانَ

____________

(1) المنار، جـ 1، ص 194.

(2) سورة يونس، الآية 39.

(3) الرازي، جـ 4، ص 591.

72

فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ (1) .

و جاء في المنار: «و لكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين و إنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره لم يبيّن الزمان و المكان... » (2) .

و جاء «هذا و إن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع» (3) .

و جاء «بيّنا مرارا أن أحداث التاريخ و ضبط وقائعه و أزمنتها و أمكنتها ليس من مقاصد القرآن و أن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة اللّه فيهم و ما تتضمّنه من أصول الدين و الإصلاح» (4) .

و جاء «فإن قيل إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها و الاستغناء بها عن الوحي فلما ذا كثرت سور الأخبار التاريخية في القرآن و كانت في التوراة أكثر؟

و الجواب ليس في القرآن شي‏ء من التاريخ من حيث هو قصص و أخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها و إنما هي الآيات و العبر تجلّت في سياق الوقائع بين الرسل و أقوامهم لبيان سنن اللّه تعالى فيهم إنذارا للكافرين بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تثبيتا لقلبه و قلوب المؤمنين» (5) .

و جاء «و بقي مما يتعلق بهذا التفسير مسألتان قد أكثر الناس الكلام فيهما و هما مسألة خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم و مسألة عصمة آدم. فأما الأولى فليس في القرآن نص فيها و لا يلزمنا حمل قوله و خلق منها زوجها على ذلك لأجل مطابقة سفر التكوين فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية. و إنما جاء القرآن بموضع العبرة في خلق آدم و استعداد الكون لأن يتكمّل به و كونه

____________

(1) غرائب القرآن، جـ 11، ص 85 ط هامش الطبري، سورة يوسف، الآية 111.

(2) المنار، جـ 1، ص 279.

(3) المصدر السابق، جـ 4، ص 7.

(4) المصدر السابق، جـ 2، ص 101.

(5) المصدر السابق، جـ 2، ص 20.

73

قد أعطى استعدادا في العلم و العمل لا نهاية لهما ليظهر حكم اللّه و يقيم سنته في الأرض فيكون خليفة له و كونه لا يسلم من داعية الشر و التأثّر بالوسوسة التي تحمل على المعصية.

و لكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين و إنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره لم يبيّن الزمان و المكان كما بيّنا في سفر التكوين و كان بيانها سببا لرفض الباحثين في الكون و تاريخ الخليقة لدين النصرانية لأن العلم المبني على الاختيار و المشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة و وجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل و فريق يكفر بالكتاب و التنزيل» (1) .

و واضح من هذه النصوص أن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع و ليست من مقاصد القرآن في شي‏ء و من هنا أهمل القرآن مقوّمات التاريخ من زمان و مكان و ترتيب للأحداث.

إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة و العبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. و معنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معان تاريخية لا تعتبر جزءا من الدين أو عنصرا من عناصره المكوّنة له. و معنى هذا أيضا أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده.

حين وصل العقل الإسلامي إلى هذه المرحلة من التفكير كان قد وصل إلى خير كثير ذلك لأنه كان قد قطع شوطا طويلا في سبيل تحرّر العقل الإسلامي من هذا المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني. و كان قد وصل إلى القضاء على القصد التاريخي و القضاء على هذا القصد قد جلب للعقلية الإسلامية الفوائد التالية.

(1) التحرّر من الإسرائيليات و التخلّص من كثير من هذه الفروض النظرية.

(2) توجيه الذهن البشري إلى ما هو المقصود من القصص القرآني من المواعظ

____________

(1) المنار، جـ 1، ص 279.

74

و العبر و مما هو من أبواب المعاني الدينية و المعاني الاجتماعية.

(3) القضاء على فكرة التكرار و على عد القصص القرآني من المتشابه.

(4) أصبح العقل الإسلامي غير ملزم بالإيمان برأي معين في هذه الأخبار التاريخية الواردة في القصص القرآني و ذلك لأنها لم تبلغ على أنها دين يتبع و إنما بلغت على أنها المواعظ و الحكم و الأمثال التي تضرب للناس و من هنا يصبح من حق العقل البشري أن يهمل هذه الأخبار أو يجهلها أو يخالف فيها أو ينكرها. جاء في المنار بصدد تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي: «و من البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون ما يحكى فيها عن الناس صحيحا فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التي علمت من النفي لا تستلزم أن تكون صحيحة لأنها ذكرت في القرآن و لو لم يكن ذكرها في سياق النفي.

قال الأستاذ الإمام: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكى من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز موطن الهداية» (1) .

هذه هي الفوائد التي جناها العقل الإسلامي بعد أن قطع هذه المرحلة الطويلة الشاقة من التفكير في العلاقة بين القصص القرآني و التاريخ و إنها فوائد لا يدفع خطرها و لا تنكر قيمتها و إن تكن بعد ذلك قاصرة عن أن تحل تلك المشكلة الخالدة التي من أجلها عقدنا هذا الفصل و هي المشكلة القائمة على أساس أن بالقصص القرآني أخطاء من أخطاء التاريخ.

إنها مشكلة خالدة بين المسلمين و المعارضين فالأولون ينكرون هذا القول و يقولون بأن الذي في القرآن هو الحق و أن ما عداه هو الخطأ و لن يحكم التاريخ على القرآن الكريم.

و الآخرون يؤيّدون القول بما وصلوا إليه من علم و معرفة و يذهبون إلى أن هذه الأخطاء هي الدليل كل الدليل على أن القرآن لم ينزل من السماء و أن محمدا ليس بالنبي و أنه الذي

____________

(1) المنار، جـ 1، ص 399.

75

يصنع القرآن و يدّعي أنه من عند اللّه و أنه يختلق من الحوادث ما لم يقع و يصوّره على أنه الواقع التاريخي.

و ليس من شك عندي في أن هذه القضية لا تحتمل من مبدئها هذا اللجاج و لا هذا العناد و أن كلا من الفريقين قد جانب الحق و باعد الصواب.

و ليس من شك عندي أيضا في أن مصدر الخطأ فيما ذهب إليه من آمن بهذه الأشياء و صدّق كل ما فيها من تاريخ أو من أنكرها و ادّعى أنها أخطاء تاريخية أو قصص ملفّقة هو جهل أولئك و هؤلاء أو تجاهلهم لما بين الأدب و التاريخ من علاقات و لما يصنعه الأول و خاصة ما فيه من قصص حين يستغل الثاني في أداء رسالته في هذه الحياة.

و أعتقد أن من حقّنا أن نقف وقفة قصيرة نشرح فيها هذه العلاقات لنقدّر ما في القرآن من قيم تاريخية تقديرا لا ينكره الدين.

76

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

77

الأدب و التاريخ‏

أما اعتماد التاريخ على الأدب فأمر لا ينكره أحد ذلك لأن المؤرّخين يؤمنون بأن الأدب أخصب ميدان لتصوير حضارة الشعوب و لذا نراهم يعتمدون عليه و يعدونه من أهم العناصر المكوّنة للتاريخ بل لعل منهم من يراه أصدق الأشياء في هذا الجانب ذلك لأنه يدل على البذور الكامنة في النفوس لكثير من الآراء التي قدّر لها أن تسود الجماعات و لأنه يصوّر الآمال و المثل العليا بل يصوّر الأحلام و ما فيها من رغبات مكبوتة لجأ الأدب نفسه في تصويرها إلى الرمز و الإشارة و غيرهما من أدوات التعبير.

و أما اعتماد الأدب و بخاصة القصة على التاريخ فهو الأمر الذي يحتاج إلى حديث. نعم إن الواقع العملي لكبار الكتّاب يؤيّد هذه القضية. و إن اعتماد القصاص على التاريخ يكسب حديثه سحرا و يجعل النفوس شديدة الميل و سريعة التصديق لكثير مما جاء فيه. و لكن المسألة فيما نعتقد ليست مسألة اعتماد فحسب و إنما هي إلى جانب ذلك أو قبل ذلك مسألة الخلق الفني. و إذا كان الخالق المبدع يعمل غير مقيّد يعمل و قد ملك حريته كان من الحتم علينا أن نتحدث عن هذه الحرية (1) ميدانها (2) و حدودها.

أما ميدان هذه الحرية فقد يكون اختيار بعض الأحداث التاريخية دون بعض و قد يكون إهمال مقوّمات التاريخ من زمان و مكان و ترتيب للأحداث كما قد يكون القرب أو

78

البعد من الواقع التاريخي و بعبارة أخرى قد يكون تحري الصدق و الصحة أو المجاوزة عن هذا التحري و ذلك لأن الأدب يكتفي في كثير من الحالات بالمشهور المتداول من المعارف التاريخية أو بالصور الذهنية للجماعة البشرية عن هذا الكون و أحداثه و بخاصة حينما يقصد إلى هذه المعارف ليتّخذ منها المواد التي تعينه على ضرب الأمثال و قص القصص.

و إذا كان من المحدّثين من يعبّر عن هذه الحالة بقوله إن الأدب يتناول الأشياء لا كما هي بل كما تبدو في ظاهرها و لا كما هي كائنة في ذاتها بل كما تدركها الحواس و تؤثّر في عواطفنا فإن من الأقدمين العرب من فطن إلى هذه الحقيقة الفنية و أولئك هم البلاغيون إذ ليس يخفى أنهم اكتفوا في اللزوم باللزوم الذهني الذي يقوم على العرف و العادة و لم يتطلبوا اللزوم العقلي المنطقي الذي يقوم على حقائق الأشياء في ذاتها لا كما تدركها الحواس.

و اكتفاؤهم باللزوم العرفي في مسائل البيان من تشبيه و استعارة و من كناية و تمثيل و من قص القصص لضرب الأمثال و للهداية و الإرشاد يجعلهم في حل من أن يعتمدوا من قضايا التاريخ ما هو المشهور المتداول حين يقصّون القصص و يضربون الأمثال و ليس يلزم أن يكون هذا المشهور و المتداول مطابقا للحق و الواقع لأن هذه المطابقة إنما يتطلّبها المؤرّخ و الفيلسوف لا الشاعر و لا الأديب القاصّ‏ (1) .

و أما حدود هذه الحرية فقد تتسع لدى القاصّ حتى لتشبه قصته أن تكون أسطورة أو ضربا من ضروب الخيال و قد تضيق حتى لتشبه القصة أن تكون كتابا من كتب التاريخ و الأمر بعد متوقّف على قصد الأديب فإن كان تعليم التاريخ بواسطة القصة ضاقت هذه الحدود لكن لا إلى الحد الذي تفسد فيه الحقائق التاريخية على القارئ استمتاعه بالفن.

أما إن كان القصد من القصة التاريخية الاعتماد على ذلك الميل النفسي ميل المحبة لكل ما هو قديم لأنه يكسب القصة روعة و جلالا و يضفي عليها شيئا من السحر و يكسبها تلك القوة التي تجعلها قريبة من الواقع و تجعل القارئ أو السامع يصدق بسهولة كل ما جاء فيها فإن هذه الحرية تتسع لكن لا إلى الحد الذي يتعارض فيه الواقع التاريخي مع قضايا

____________

(1) راجع شروح التلخيص، جـ 3، ص 373.

غ

79

الفن و مسائله و إلا أفسد هذا التباين على القاص غرضه. و لذا تعتبر القضايا التاريخية المغرقة في القدم و التي تجهل تفاصيلها جهلا يكاد يكون تاما أحسن ميدان لهذا النوع من القصص إذا أردنا للخلق الفني الانطلاق من القيود و الانفلات من الحدود و التمتّع بالحرية التامة الشاملة.

و الأمثلة التي نستطيع أن نضربها كثيرة متنوعة فلدينا من أحداث التاريخ أحداث كثيرة استغلها قاصّون كثيرون و قد كان لكل منهم حريته في تصوير الحادثة و خلق الشخوص و قد يكفي في هذا المقام أن نذكر كليوبترة و كيف استغل كل من شكسبير و برنارد شو و شوقي موقفها من أنطونيو في تصوير قصته. و قد يكفي كذلك أن نذكر من أسماء القاصّين الذين استغلوا التاريخ اسم والتر سكت لنعرف كيف كان يتصرف في التاريخ فلقد كان هذا الرجل يعمد إلى إحياء التاريخ الأوسط و كان يرى فيه مجالا خصبا لإرسال الخيال و خلق القصص و من هنا لم يلتزم الصدق و الدقة بل كثيرا ما كان يخلق شخوصا من العدم و ينطقها بما يشاء من أقوال كما كان يذكر أحداثا لم تقع و يصوّرها الصورة التي يرى أنها تحدث الأثر المطلوب.

لكن الوصول بنا إلى هذه المسألة يوقعنا في حيرة و يعقّد المسألة أمامنا و يجعل من الشاق العسير أن نستخلص ما في القصة من صور صادقة عن الأحداث الماضية و يجعل ما في القصة من قيم تاريخية مجال الشك إن لم يكن الرفض ذلك لأن الباحث لن يستطيع أن يعلم في يقين أين من الحقائق المذكورة ما أفرغ فيه الكاتب خلجات نفسه و أين منها ما خلقه خلقا لتتّسق له الصورة و أين منها ما اكتفى فيه برواية الصادق الأمين.

إن استخلاص الحقائق التاريخية من الأقاصيص يتوقف على معرفتنا لمدى تلك الحرية التي تمتع بها القاص أثناء تصويره الأحداث و تحريكه للأشخاص و تصويره للبيئة و إنطاقه كل هذا بما يوائم الفن و يلائم الحرية و يجري مع الخلق الأدبي في مضمار واحد حتى النهاية و إنه لأمر شاق عسير.

نعم نستطيع أن نفترض أن دراسة الأحداث التاريخية و الوقوف عليها من كتب التاريخ ييسر الأمر و يسهّل السبيل و يصل بنا إلى ما نريد من تحديد و تقدير لما في القصص‏

80

من قيم تاريخية. و لكن ذلك الفرض لن يشفي الغليل لأن الأمر قد يكون أمر أحداث أغرقت في القدم ثم نقلت إلينا في روايات شفهية زادت عليها أو نقصت منها حتى أحالتها إلى شي‏ء يشبه القصص أو يشبه الأساطير و وقفت الأمور عند هذا الحد حتى لم يجد أي دليل غير تلك الروايات و من أمثال ذلك ما رواه الجاهليون عن ناقة صالح و جن سليمان و ساقه القوم فيما بعد على أنه الحقيقة و التاريخ. كما قد يكون الأمر أمر اعتماد القاص على الواقع النفسي لا الواقع التاريخي أي الاعتماد على المشهور المتداول لا على الصور الحقيقة لأحداث التاريخ.

هذه أمور يجب مراعاتها حين البحث عما في القصص من مسائل التاريخ و قضاياه و هي أمور تجي‏ء دائما بعد البحث عن أغراض القصص لأن الأغراض و المقاصد تلعب الدور الأول في كيفية بناء القصة من حيث توزيع المناظر و إقامة الحوار و رسم الشخوص و الأحداث و ليس يخفى أن تلك من عوامل الاستهواء التي توحي بما يريد القاص من فكر أو آراء و معتقدات.

و الآن نستطيع أن ننتقل مرة ثانية إلى الجو القرآني لنرى رأينا في تلك المشكلة المتعلقة بالقصص القرآني و ما يقال من أن به أخطاء من أخطاء التاريخ.

و قبل البدء ننظر في اعتراض قد يستثار ذلك لأن ما قرّرناه من صلة بين التاريخ و القصة يعتمد على ظاهرات في القصص لوحظت حديثا و قرّرت على أنها بعض التقاليد الأدبية التي تصوّر ما للقاص من حرية. و القرآن أقدم من هذه الملاحظات للظواهر و هذه المقررات للتقاليد. على أنها لو كانت قديمة لا تلزم القرآن في شي‏ء إذ لكل قاص مذهبه و طريقته و لكل خالق حريته في الخلق و الابتكار و لن يقرّر ما في القرآن من قيم إلا مذهب أدبي التزمه القرآن نفسه أو على أقل تقدير حرص عليه و هو قول له وجاهته فيما نعتقد ثم هو يلزمنا إلى أن نبحث طريقة القرآن من واقعه العملي فهل توجد فيه يا ترى تلك الحرية أو التزم طريقة واحدة هي طريقة الصدق و التحري عن الحقيقة حين يصوّر أحداث التاريخ؟

يدلّنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم و نستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:

81

(1) إهمال القرآن حين يقص لمقوّمات التاريخ من زمان و مكان فليس في القرآن الكريم قصة واحدة عني فيها بالزمان. أما المكان فقد أهمل إهمالا يكاد يكون تاما لو لا تلك الأمكنة القليلة المبعثرة هنا و هناك و التي لم يلفت القرآن الذهن إليها عرضا.

على أن القرآن عمد إلى إهمال الأشخاص في بعض أقاصيصه إهمالا تاما. و هذه من المسائل التي سنعرض لها في الباب الثاني إن شاء اللّه.

(2) اختياره لبعض الأحداث دون بعض فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرا تاما كاملا و إنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة و موطن الهداية و لعله من أجل ذلك كان القرآن يجمع في الموطن الواحد كثيرا من الأقاصيص التي تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة. و تلك أيضا من المسائل التي ستشرح في الباب الثاني.

(3) كان لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث و تصويرها و إنما كان يخالف في هذا الترتيب و يتجاوزه الأمر الذي أكثر من الإشارة إليه صاحب المنار» (1) و الذي نستطيع أن نجعل منه أيضا قصة لوط فقد قال تعالى في سورة الحجر فَلَمََّا جََاءَ آلَ لُوطٍ اَلْمُرْسَلُونَ*`قََالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*`قََالُوا بَلْ جِئْنََاكَ بِمََا كََانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ*`وَ أَتَيْنََاكَ بِالْحَقِّ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ اِتَّبِعْ أَدْبََارَهُمْ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ اُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ*`وَ قَضَيْنََا إِلَيْهِ ذََلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ*`وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ*`قََالَ إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ*`وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ* `قََالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعََالَمِينَ*`قََالَ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ*`لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (2) ، فإن هذه القصة لو لوحظت مع إحدى قصص لوط في القرآن كقصته في سورة هود مثلا لوجدنا القصة في سورة هود تجري على هذه الطريقة. مجي‏ء الملائكة ثم حاله و اضطرابه النفسي، ثم مجي‏ء القوم ثم موقفه و عرض بناته حتى لا يخزى، ثم ردّهم عليه و عزمهم على إتمام قصدهم، ثم موقف الملائكة

____________

(1) المنار، جـ 1، ص 346 و جـ 8، ص 502.

(2) سورة الحجر، الآيات 61-73.

82

و إخبارهم إياه أنهم رسل ربّه، و إخباره بمجي‏ء العذاب و موعده، ثم نوع العذاب. فهنا نلحظ أن المحاورة بينه و بين قومه تتم قبل أن تخبره الملائكة بأنهم رسل ربّه و القصة تجري بعد ذلك و قد رتّبت وقائعها الترتيب الذي يشعر بأن الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة أو هذه الأحداث المصوّرة. أما في سورة الحجر فتعلّمه الملائكة كل شي‏ء قبل مجي‏ء قومه و مع ذلك تمضي المحاورة مع قومه و كأنه لم يعلم بأن أضيافه من الملائكة. و ليس يخفى أن هذا بعيد عن الوقائع و مشاكلته قريب من القصص و ما فيه من حرية تؤذن للقاص بأن يرتّب أحداثه الترتيب الذي يصل إلى الغرض و يؤدي إلى الأهداف.

(4) إسناده بعض الأحداث لأناس بأعيانهم في موطن ثم إسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر و من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف‏ قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ (1) إذ نراه في سورة الشعراء مقولا على لسان فرعون نفسه قََالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ (2) . و كذلك تجد في قصة إبراهيم من سورة هود أن البشرى بالغلام كانت لامرأته بينما نجد البشرى لابراهيم نفسه في سورة الحجر و في سورة الذاريات.

(5) إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد بعبارات مختلفة حين يكرّر القصة و من ذلك تصويره لموقف الإله من موسى حين رؤيته النار فقد نودي في سورة النمل بقوله فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا (3) و في سورة القصص‏ فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يََا مُوسى‏ََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ (4) و في سورة طه‏ فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ*`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً (5) . و ذلك يشبه تصويره للموقف الواحد بعبارات مختلفة حين صوّر

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 109.

(2) سورة الشعراء، الآية 34.

(3) سورة النمل، الآية 8.

(4) سورة القصص، الآية 30.

(5) سورة طه، الآيتان 11-12.

83

خوف موسى فمرة اكتفى بقوله‏ خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ (1) و مرة أخرى قال‏ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسى‏ََ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ (2) . و هكذا في غيرهما من المواقف كتعبيره بالرجفة مرة و بالصيحة أخرى و الطاغية في غيرهما و كتعبيره في انشقاق الحجر عن الماء في قصة موسى فانفجرت مرة و انبجست أخرى و هكذا من المسائل التي جعلتهم يعدون القصص القرآني من المتشابه و ليس من شك عندي في أن الاختلاف كان نتيجة تغيّر في القصد أو الموقف و أن هذا التغيّر جعل هذه قصة و تلك قصة و ما نرى من إختلاف ليس إلا الصور الأدبية التي تلائم المقاصد و الأغراض.

(6) وجود مواقف جديدة لم تحدث بعد في سياق القصة التي تصوّر أحداثا وقعت و انتهت و من ذلك قوله في سورة الأعراف‏ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ (3) و ذلك في سياق القصة التي تصوّر موسى و اختياره للسبعين رجلا و توجّهه إلى اللّه و من ذلك ما سبق أن ذكرناه من قوله تعالى وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ (4) فليس من شك أن اليهود ينكرون رسالة عيسى و من أجل ذلك قتلوه. فهم لم يقولوا هذا القول و إنما أنطقهم به القرآن. و من قوله تعالى في آخر سورة المائدة وصفا لموقف في الآخرة وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ... (5) إلخ. فإن هذا القول و هذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد بل لعله لن يحدث إذ القصد منه كما سبق أن ذكرنا التأثير على المعاصرين لمحمد عليه السلام و العمل على تنفيرهم من عبادته و عبادة أمه عليهما السلام.

و مثل ذلك الموقف أو قريب منه ما عرض له القرآن من حديث عن الجن في أثناء

____________

(1) سورة طه، الآية 21.

(2) سورة النمل، الآية 10.

(3) سورة الأعراف، الآية 157.

(4) سورة النساء، الآية 157.

(5) سورة المائدة، الآية 116.

84

تصويره لوفاة سليمان عليه السلام فقد قال تعالى‏ فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلى‏ََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ (1) فقد قصد القرآن و قد عرض للجن بالحديث في أثناء قصّه أشياء عن سليمان عليه السلام أن يحارب الفكرة الجاهلية الشائعة في الجزيرة العربية وقت البعثة المحمدية من أن الجن تعرف أخبار السماء و تطّلع على الغيب و تلقي ما تعرف من ذلك على العرّافين و الكهّان فقد كانت هذه الفكرة من العقبات القوية إن لم تكن أولى هذه العقبات في سبيل النبي عليه السلام و إثبات نبوّته فلقد كان القوم يذهبون إلى أن الشياطين تملي عليه ما يقول و أنها تسمع هذا الذي تمليه من السماء وَ مََا تَنَزَّلَتْ بِهِ اَلشَّيََاطِينُ*`وَ مََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَ مََا يَسْتَطِيعُونَ*`إِنَّهُمْ عَنِ اَلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (2) .

و هكذا نستطيع أن نمضي في حصر الظواهر التي تثبت لنا مذهب القرآن القصصي و التي تدل دلالة قوية على أن بعض ظواهر الحرية الأدبية التي يمنحها الأدباء لأنفسهم توجد في القرآن الكريم و أن القرآن قد قصد إليها و لكننا نريد أن نقف من كل ذلك عند قصتين اثنتين كانتا موطن اختبار النبي عليه السلام لمعرفة صدقه من كذبه أو معرفة هل هو نبي أو متنبّي و هما قصة أصحاب الكهف و قصة ذي القرنين فإن هاتين القصتين تقدّمان لنا الدليل القوي على المذهب القرآني في العلاقة بين القصة و التاريخ.

أما قصة أصحاب الكهف فنقف منها في هذا الموطن عند مسألتين الأولى مسألة عدد الفتية و الثانية مدة لبثهم في الكهف.

أما من حيث العدد فليس يخفى أن القرآن لم يذكر عددهم في دقة و إنما ردّد الأمر بين‏ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ و خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ و سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (3) . غو ليس يخفى أيضا أن القرآن الكريم قد ختم هذه الآية بتلك النصيحة التي يتوجّه بها إلى النبي عليه السلام و هي قوله تعالى‏ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ فَلاََ تُمََارِ

____________

(1) سورة سبأ، الآية 14.

(2) سورة الشعراء، الآيات 210-212.

(3) سورة الكهف، الآية 22.

غ

85

فِيهِمْ إِلاََّ مِرََاءً ظََاهِراً وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً*`وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً*`إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذََا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى‏ََ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هََذََا رَشَداً (1) .

ما معنى هذا الترديد في العدد؟و ما معنى هذه النصائح؟

لا نستطيع أن نقول إن المولى سبحانه و تعالى كان يجهل عدد الفتية من أهل الكهف و أنه من أجل هذا لم يقطع في عددهم برأي فالمولى سبحانه و تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء و إنه ليعلم السر و أخفى. و إنما نستطيع أن نقول إن هذا لم يكن إلا لحكمة و الحكمة فيما نعتقد هي أن المطلوب من النبي عليه السلام أن يثبت أن الوحي ينزل عليه من السماء و أن يثبت ذلك لا بالعدد الحقيقي للفتية من أصحاب الكهف فذلك لم يكن موطن الإجابة و إنما بالعدد الذي ذكره اليهود من أهل المدينة للمشركين من أهل مكة حين ذهب وفدهم ليسأل عن أمر محمد أ نبي هو أم متنبّي. و إذا كان أحبار اليهود قد اختلفوا في أمر العدد و ذكر كل منهم عددا معينا كان على القرآن أن ينزل بهذه الأقوال حتى يكون التصديق من المشركين بأن محمدا عليه السلام نبي و لو ذكر القرآن العدد الحقيقي و أعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية و ليس وراء هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء.

و مثل هذا تماما موقف القرآن من عدد السنين فلم يذكر القرآن العدد الحقيقي و إنما اكتفى المولى سبحانه و تعالى بما يعرفه اليهود و من هنا نصح النبي عليه السلام بأن يقول قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ (2) و لسنا بحاجة إلى أن نقول هنا أيضا بأن العلي القدير لم يعرض عن عدد السنين الحقيقي إلا لحكمة و أن هذه الحكمة هي أن يكون ما يذكر في القرآن الكريم مطابقا لما قاله اليهود للمشركين. و هذا هو الذي أشار إليه بعض الأقدمين من المفسّرين. جاء في الطبري «... فقال بعضهم ذلك حبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك و استشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله

____________

(1) سورة الكهف، الآيات 22-24.

(2) نفس السورة، الآية 26.

86

قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قالوا لو كان ذلك خيرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله قل اللّه أعلم بما لبثوا وجه مفهوم و قد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه و قدره» (1) .

موقف القرآن من قصة أصحاب الكهف موقف من لا يحكي الحقيقة التاريخية و إنما يحكي أقوال اليهود التي قد تطابق الحقيقة و قد لا تطابقها و من هنا لا يصح أن يتوجّه أي اعتراض على هذه القصة من حيث اختلافها مع الواقع لأن تحقيق هذا الواقع ليس المقصود من القصة في القرآن الكريم و سنزيد هذه القصة بيانا و إيضاحا في الباب الثاني إن شاء اللّه.

و أما قصة ذي القرنين فقد سبق أن شرحنا أن القرآن إنما يصوّر في هذه القصة و بخاصة عند حديثه عن غروب الشمس ما يراه القوم بأعينهم و بعبارة أخرى يعبر القرآن عن مبصرات القوم كما يستطيعون رؤيتها لا حقيقة ما يقع و إذا كنا سنقف عند هذه القصة في الباب الثاني لنثبت أن القرآن إنما صوّر في هذه القصة ما كانت تعرفه الجماعة العربية عن ذي القرنين و عن غروب الشمس من طريق السمع و أنه صوّر. مسموعاتهم لا مبصراتهم فأنّا سنقف هنا لنرى رأينا في مذهب القرآن البلاغي. فهل كان يقيم تشبيهاته و استعاراته كما كانت تقيمها العرب على العرف و العادة أو كان يتطلب الحقيقة العقلية ليقيم عليها بيانه العربي من تشبيه و استعارة و من كناية و تمثيل؟

كان القرآن يجري على الصور الذهنية أو على الواقع النفسي في تشبيهاته و استعاراته حين يتحدث عن جهنّم و يصف طعامها و الشراب و حين يتحدّث عن الذي يتخبّطه الشيطان من المس. جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ*`طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ (2) ما يلي: «و أما تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين ففيه سؤال لأنه قيل إنّا ما رأينا رءوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شي‏ء بها؟

و أجابوا عنه من وجوه الأول: و هو الصحيح أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة و السير و اعتقدوا في الشياطين نهاية القبح و التشويه في الصورة و السيرة فكما حسن

____________

(1) الطبري، جـ 10، ص 102

(2) سورة الصافات، الآيتان 64-65.

87

التشبيه بالملك عند تقرير الكمال و الفضيلة في قوله أن هذا إلا ملك كريم فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برءوس الشياطين في القبح و تشويه الخلقة» (1) .

و جاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى‏ لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (2) ما يأتي: «لا يقومون إذ بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان أي المصروع و تخبّط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع و الخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء فورد على ما كانوا يعتقدون.

و المس الجنون و رجل ممسوس و هذا أيضا من زعماتهم و أن الجني يمسّه فيختلط عقله و كذلك جن الرجل ضربته الجن و رأيتهم لهم في الجن قصص و أخبار و عجائب و إنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات» (3) .

القرآن يجري كما ترى في فنّه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب و نتخيّل لا على ما هو الحقيقة العقلية و لا على ما هو الواقع العملي و لعله أن يكون من ذلك حديث القرآن عن المنافقين في قوله تعالى‏ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ (4) فإنّا نراه يقيم تكذيب المنافقين على أساس ما يعتقدون لا على أساس ما هو الحق و الواقع فلقد كان المنافقون يعتقدون أن محمدا غير مرسل من ربه و كان الحق و الواقع أنه لرسول و قيل المنافقين له إنك رسول اللّه يتّفق مع الحق و يختلف و ما يعتقدون و من هنا رماهم القرآن بالكذب و حذّر النبي عليه السلام منهم.

و القرآن يجري على هذا المذهب أيضا حين يتحدّث عن الجن و عن عقيدة المشركين فيهم و أنهم كانوا يستمعون إلى السماء ليعرفوا أخبارها ثم يقومون بعد ذلك

____________

(1) الرازي، جـ 7، ص 99.

(2) سورة البقرة، الآية 275.

(3) الكشاف، جـ 1، ص 176.

(4) سورة المنافقون، الآية 1.

88

بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة و كان الكهنة يدّعون الاطّلاع على الغيب و معرفة الأسرار.

يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة و قد كانت تعتبر العقبة الأولى في سبيل الدعوة الإسلامية لما فيها من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدعو أن محمدا من الكهّان و أن الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين و ليس وحي السماء.

حارب القرآن هذه الفكرة و حاربها تدريجيا و بأساليب مختلفة. فالجن كانت تقعد مقاعد للسمع و لكن الكواكب أصبحت رجوما و الشهب أصبحت رواصد وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً (1) . و الجن تخطف الخطفة حتى بعد رسالة محمد عليه السلام و حتى بعد أن حدثت المعجزة و منعت الجن من الاستراق.

إِنََّا زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ*`وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ*`لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‏ََ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ*`دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذََابٌ وََاصِبٌ*`إِلاََّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ (2) .

ذلك أسلوب محاربة الفكرة يوم أن كان سلطانها قويا و إيمانهم بها عنيفا و يوم أن كان القرآن في أول عهده بهم و لكن حينما تقدّم الزمن و حينما استقر الأمر في البيئة و اشتهر أمر المعجزة و أخذ القوم يصدقون بالرجم انتقل القرآن إلى أسلوب آخر في محاربة الفكرة فادّعى أن الجن ما كانت تعلم الغيب و أنها لو كانت تعلمه ما لبثت في العذاب بعد أن فارق سليمان عليه السلام الحياة فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ (3) .

و أسلوب المحاورة أولا و آخرا يوقع بعض المفسّرين في إشكالات خاصة حينما يأخذون المسائل مأخذ الجد و يحاولون البحث عن الأجرام السماوية و هل كانت موجودة قبل محمد أو لم تكن؟و إذا كانت فكيف جعلت رجوما؟و هكذا إلى أن يضيقوا هم

____________

(1) سورة الجن، الآية 9.

(2) سورة الصافات، الآيات 6-10.

(3) سورة سبأ، الآية 14.

89

أنفسهم بأمثال هذه المسائل. جاء في الرازي ما يلي: يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمّع لخبر السماء فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه و سلّم حرست السماء و رصدت الشياطين فمن جاء منهم مسترقا السمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره و يرتاب الناس بخبره. فهذا هو السبب في انقضاض الشهب و هو المراد من قوله‏ وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ (1) و من الناس من طعن في هذا من وجوه:

أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة قالوا إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس و إذا أبلغ النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب.

و ثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا و ألفا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شي‏ء مرة و مرارا و ألفا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة.

و ثالثها: أنه يقال في ثخن السماء أنه مسيرة خمسمائة عام فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء و خرقوا اتصاله فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال‏ فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ (2) . و إن كانوا لا ينفذون في جرم السماء فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم؟ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم فلم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

و رابعها: أن الملائكة إنما اطّلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقّفوها من وحي اللّه تعالى إليهم و على التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها؟

و خامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار و النار لا تحرق النار بل تقوّيها فكيف يعقل أن يقال إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب.

____________

(1) سورة الملك، الآية 5.

(2) نفس السورة، الآية 3.

90

و سادسها: أنه إن كان القذف لأجل النبوّة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام؟

و سابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنّا نشاهد حركتها بالعين و لو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب و إذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟

و ثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفّار حتى يتوصل الكفّار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟

و تاسعها: لم لم يمنعهم اللّه ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟ (1) .

و لو أن الرازي فطن من أول الأمر إلى أن القرآن إنما يحارب هذه العقيدة و يحاربها بأسلوبه الخاص القائم على فكرة التدرّج و أن هذا التدرّج يشبه تماما التدرّج في التشريع في مسألة محاربة الخمر و غيرها و أن النسخ في التشريع إنما يعلّل بهذه الفكرة. لو فطن الرازي إلى كل هذا لما أتعب نفسه و أتعب غيره في هذه الوقفات الطويلة و لقال بأن القرآن إنما يأخذ الناس بتصوّراتهم و أنه في هذا الموقف قد سلم بهذه العقيدة لا لأنها حق و صدق و إنما لأنه يريد أن يهدمها تدريجيا فيسلم بها أولا ثم يأخذ في هدمها مستعينا بالزمن.

أعتقد أن قد اتضح الآن أن القرآن كان يأخذ الناس بتصوّراتهم و يأخذهم بالعرف و العادة و أنه كان يفعل هنا ما كان يفعله في أمور التشريع من أخذ الناس بعاداتهم و من تغيير هذه العادات تدريجيا الأمر الذي من أجله كان النسخ في التشريع.

و أعتقد أن قد وضح أيضا أن القرآن قد قصّ في القصص التي كانت موطن الاختبار لمعرفة نبوّة النبي عليه السلام و صدق رسالته ما يعرفه أهل الكتاب عن التاريخ لا ما

____________

(1) الرازي، جـ 8، ص 183.

91

هو الحق و الواقع من التاريخ و أنه من هنا لا يجوز الاعتراض على النبي عليه السلام و على القرآن الكريم بأن بهذه الأقاصيص أخطاء من أخطاء التاريخ.

أعتقد أن قد وضحت هذه الأمور و سنزيد هذه المسائل بيانا و وضوحا في الباب الثاني إن شاء اللّه.

و قبل أن نختم هذا الفصل نلفت ذهن القارئ إلى أنه إذا وضح لديه الوضوح الكافي بأن القصة القرآنية قد قصد منها إلى التاريخ فإنه يتعيّن عليه أن يؤمن بما جاء فيها على أنه التاريخ و ذلك كتقرير القرآن لمسألة مولد عيسى عليه السلام و تقريره لمسألة إبراهيم عليه السلام و أنه لم يكن يهوديا و لا نصرانيا. أما تلك التي يقصد منها إلى العظة و العبرة و إلى الهداية و الإرشاد فإنه لا يلزم أن يكون ما فيها هو التاريخ فقد يكون المعارف التاريخية عند العرب أو عند اليهود و هذه المعارف لا تكون دائما مطابقة للحق و الواقع. و اكتفاء القرآن بما هو المشهور المتداول أمر أجازه النقد الأدبي و أجازته البلاغة العربية و جرى عليه كبار الكتّاب و من هنا لا يصح أن يتوجّه اعتراض على النبي عليه السلام أو على القرآن الكريم. غ

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

القيم الاجتماعية و النفسية

و تختلف المسألة هنا عنها في القيم التاريخية اختلافا يكاد يكون تاما و ذلك لأسباب كثيرة و لعل أهمها ما يخص:

(1) المقاصد و الأغراض.

(2) و ما يخص النتائج المترتّبة على كل.

أما من حيث المقاصد فقد سبق أن علمنا في الفصل السابق أن المعاني التاريخية غير مقصودة من القصص القرآني. فطن إلى ذلك المفسّرون و نصّ عليه القرآن و من هنا لم تكن صالحة لأن تكون محلا لاستنباط القضايا التاريخية كما لم تعتبر جزءا من الدين و عنصرا من عناصره نزلت لنتعبّد بها أو نؤمن بما فيها من رأي. أما هذه المعاني اجتماعية و نفسية فقد قصد إليها القرآن و حاول تقريرها في القصص و في غيره ثم هو قد أخذ يستند إليها كلما حاول الدفاع عن النبي عليه السلام و عن الدعوة الإسلامية و صوّرها على أنها من القواعد العامة الثابتة في كل قصة تصوّر نزاعا بين الرسل و أقوامهم حتى لقد أصبحت في عرفه من النواميس العامة التي تصلح لكل زمان و لكل مكان و ذلك من أمثال مجي‏ء الرسل بألسنة أقوامهم و أن لكل أمة رسولها و لكل أمة أجلها إلى غير ذلك من الأمور التي سنبسّطها في هذا الفصل إن شاء اللّه.

94

و أما من حيث النتائج فنحن نعلم أن المعاني التاريخية كانت الباب الذي يلج منه الملاحدة و المستشرقون و المبشّرون و كل من أراد الكيد للنبي و للإسلام أما هذه النواميس فهي فخر كل مسلم يؤمن بالقرآن و يدين بالقرآن و يدين للإسلام ذلك لأنها تقرّر من النواميس النفسية و الاجتماعية ما يجعل الدعوة الإسلامية أكثر ارتباطا بالفطرة و أقدر الدعوات على مسايرة الرقي العقلي و التطوّر الاجتماعي في هذه الحياة.

و لعل من أقوى المثل التي تصوّر لك هذا الرأي موقف القرآن من المعجزات فلقد كان الأقدمون من أهل الكتابين و من مضى من الأمم السابقة لا يؤمنون بالنبوّة و لا يدينون بالرسالة إلا على بيّنة من المعجزات و جاء القرآن فارتفع بالعقل البشري درجات و درجات.

ارتفع به حين فصل بين المعجزات و بين الإيمان بالرأي و ذلك حين قال‏ وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (1) .

و ارتفع به حين أزال عنه شبح الخوف حين دلّه على أن المعجزات لم تكن إلا للإكراه و الإلزام و ذلك حين قال‏ وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهََا وَ مََا نُرْسِلُ بِالْآيََاتِ إِلاََّ تَخْوِيفاً (2) .

و ارتفع به حين ردّ مسألة الإيمان و الكفر إلى أسباب عامة و نواميس ثابتة مستقرة و ذلك حين قال‏ يس*`وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ*`إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ*`عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ* `تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ*`لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ*`لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ*`وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ*`وَ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ (3) .

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 111.

(2) سورة الإسراء، الآية 59.

(3) سورة يس، الآيات 1-11.

95

إذ يرى الناظر في هذه الآيات و أمثالها أنها وصف أدبي دال يعبّر أقوى تعبير عن حال أولئك القوم الذين أثقلتهم التقاليد و طال عليهم الأمد فقست قلوبهم و أولئك الذين تمكّنت منهم العقائد الباطلة حتى لينظرون إلى الوجود من خلالها و ختام هذه الآيات يشرح هذه الظواهر أجمل شرح و يوضح تلك الظاهرة الاجتماعية التي تحدث مع كل دعوة و توجد في كل زمان و مكان و هي أن نفوس الناس مختلفة و استعداداتهم متفاوتة و قدرتهم على التخلّص من القديم و الاستجابة للجديد تتوقف إلى حد كبير على ما يحيط بهم من ظروف و ما يلم بهم من أحداث و ما يعدّه الزمن للمستقبل من رجال أحرار يحاولون النهوض بأمّتهم و الأخذ بيدها و السير بها في طريق التقدّم و الرقي. و من هنا نرى القرآن في هذه الآيات يقابل بين صنفين: صنف عدم القادة فأثقلتهم التقاليد و تمكّنت من نفوسهم العقائد الموروثة و هؤلاء هم الذين خصّهم بقوله‏ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ (1) و صنف آخر استعدّت نفوسهم و تهيّأت عقولهم و قلوبهم لأمثال هذه الدعوة و هم الذين خصّهم اللّه بقوله‏ إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ (2) .

و هكذا نستطيع أن نمضي مع هذه الآيات و أمثالها فنرى أنها من الأمور التي يفخر بها كل مسلم و يطمئن إليها كل باحث و يحرص عليها كل من وهبه اللّه ذوقا مترفا و إحساسا مرهفا ليتبيّن أن هذه النواميس من أكبر مواطن الإعجاز.

هذه أهم الفروق فيما نرى بين هذا المقام و ذاك.

و هنا أمر لا بد من الوقوف عنده هو أنّا لن ندرس في هذا الفصل من القيم الاجتماعية إلا ما كان عاما كالنواميس الاجتماعية و النفسية التي تثبت و تستقر و لا تتغيّر بتغيّر الظروف و الأحوال. أما تلك الحالات الخاصة التي كان يصوّرها القرآن في حديثه عن الأقوام كصورته لقوم عاد و صورته لأهل مدين أو قوم شعيب من أنهم ينحتون من الجبال بيوتا أو يطففون المكيال و الميزان فأمور لن نعرض لها هنا لأنها بباب القيم الخلقية أليق و لأنها من قبيل الأجواء التي يحرص عليها القصاص.

____________

(1) سورة يس، الآية 6.

(2) نفس السورة، الآية 11.

96

و كذلك الحالات النفسية الخاصة كحلم إبراهيم و سرعة انفعال موسى إذ أقرب المواطن إلى درسها هو الحديث عن عنصر الشخصيات.

سنقصر الحديث هنا على النواميس النفسية و الاجتماعية و أعتقد أن قد آن الأوان للتمييز بين اللونين ليتّضح في ذهن القارئ المراد.

نقصد بالنواميس الاجتماعية تلك النظريات التي أشار إليها القرآن أو لفت إليها الذهن حين صوّر العوامل المؤثّرة في رقي الأمم و حياة الشعوب و التي جعلها من الأحكام العامة حتى لنحس من صنيعه بأنها من النواميس التي لا تتخلّف في زمان أو مكان و ذلك من أمثال ما تشير إليه الآية الكريمة لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلْبَيِّنَةُ*`رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً*`فِيهََا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ*`وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ (1) من نواميس إذ هي تشير أولا إلى أن الأمم و الجماعات في حاجة إلى الرجال، في حاجة إلى الأبطال النابغين الذين يأخذون بيدها و ينيرون لها السبيل، في حاجة إلى الذين يتفهّمون رغباتها و آمالها أو أحلامها و أمانيها، في حاجة إلى الذين يعبّرون عن احتياجاتها و يصوّرون لها مثلها العليا، في حاجة إلى الذين يأخذون بيدها دائما حتى لا تثقلها التقاليد أو تنوّمها العادات و حتى لا تقف جامدة حيث يتقدّم غيرها في مضمار السباق في هذه الحياة.

ثم هي تشير ثانيا إلى أن هؤلاء الأبطال أو القادة يكونون مثار فرقة و مصدر انقسام ذلك لأن الأفراد يختلفون فيما بينهم فطرة و استعدادا و من هنا يختلفون على الرأي بين مؤيّدين و معارضين و على المبادئ بين مؤمنين و كافرين حسب ما يحيط بهم من أحداث و ما يستثار في أنفسهم من عواطف و انفعالات.

و من أمثال ما تشير إليه هذه الآية أيضا وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهََا وَ إِذاً لاََ يَلْبَثُونَ خِلاََفَكَ إِلاََّ قَلِيلاً*`سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنََا وَ لاََ تَجِدُ لِسُنَّتِنََا تَحْوِيلاً (2) . إذ تشير الآية الكريمة إلى ناموس آخر هو أن الأمة التي تستعصي على التجديد تهلك و لا تعمر في الحياة طويلا.

____________

(1) سورة البيّنة، الآيات 1-4.

(2) سورة الإسراء، الآيتان 76-77.

97

و نقصد بالنواميس النفسية تلك العواطف أو الانفعالات أو الأسس النفسية التي تصاحب سلطان مبدأ أو سيطرة زعيم و التي تمكّن للمبادئ أو تزعزع سلطانها و تحد من قدرتها و التي تظهر في الأفراد أو في الجماعات حين تلم بها الأحداث أو تزعجها صروف الزمان و ذلك من أمثال العجب الشديد و الحرص على المعتقد القديم الباديين في قوله تعالى وَ عَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا سََاحِرٌ كَذََّابٌ*`أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عُجََابٌ*`وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‏ََ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ يُرََادُ (1) .

و من أمثال الخوف الشديد على المعتقد و حياته و محبة التخلّص من المعارضين الواضحين في قوله تعالى‏ وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً*`إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً (2) .

و من أمثال التضحية في سبيل المعتقد بالنفس و النفيس حتى ليصل الحال إلى التهديد بالقتل و التعذيب بالصلب مما سنعرضه عليك مفصّلا في هذا الفصل إن شاء اللّه.

و قبل أن أبدأ بتسجيل ما وقفت عليه من ظواهر نفسية و اجتماعية أخبرك بأني قد جمعت بين اللونين من النواميس في فصل واحد لأن القصص القرآني قد وحّد بينهما في كثير من الأحيان و لأني أريد أن أرتّب هذه النواميس أو تلك الأسس حسب مقتضيات الزمان من حيث ظهورها في ميدان الدعوات.

على أن هناك أمرا آخر هو أن النواميس الاجتماعية نفسها لا تفهم و لا يمكن تتبّع ظواهرها إلا على أساس نفسي و من هنا أيضا أحسست بأن هذا الجمع مرغوب فيه و أن الاعتراض عليه ليس بذي بال.

و نبدأ الآن بتسجيل هذه الظواهر و نبدأ منها بالحديث عن الأشخاص.

____________

(1) سورة ص، الآيات 4-6.

(2) سورة نوح، الآيتان 26-27.

98

(1) الأنبياء و البيئة

و لن نتناول هنا أشخاصهم و كيف صوّرها القرآن فذلك له موطنه من البحث في باب القيم الفنية و إنما سنحاول أن نتحدث عنهم كأشخاص لهم في أممهم أثر كما أن لهم بها صلة لنعرف أين يضعهم القرآن من البيئة أ كانوا أثرا من آثارها و نتاجا من معدنها و تربتها أم كانوا فريدين تقدّموا العصر و البيئة حتى لنحسبهم من عنصر خارج لم يرث عن الآباء و الأجداد و لم يتأثر بالبيئة فيأخذ عنها أي أثر.

و لنعرف أيضا كيف مضى معهم القرآن مصوّرا نفسيتهم حيال مبادئ الإصلاح و سلطانها عليهم و حيال شخصيات المؤيدين و المعارضين من أقوامهم و حيال العقبات التي صادفتهم و هل وقفوا عندها أو تخطّوها.

للأنبياء في القصص القرآني أقدارهم فهم الذين يجدّدون بناء المجتمع بما يبثّون من أفكار و يبذّرون من آراء و يوجدون من مبادئ و هم الذين يلائمون بين حاجات الأمم و مقتضيات الزمان فيطيلون أعمارها و يباعدون بينها و بين الضعف و الانحلال‏ فَلَوْ لاََ كََانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسََادِ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنََا مِنْهُمْ وَ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مََا أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كََانُوا مُجْرِمِينَ*`وَ مََا كََانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى‏ََ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهََا مُصْلِحُونَ (1) . قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ*`يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ إِذََا جََاءَ لاََ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (2) .

و الأنبياء في القرآن هم الذين يهيّئون الأمم للتقدّم و يجعلونها قادرة على التخلّص من آثار الماضي و هم حين يندرون تفقد الأمة هذه القدرة فتنوء بها العادات و تثقلها التقاليد حتى لا تستطيع منهما تخلّصا أو لهما فكاكا فتقف حينئذ مكتوفة الأيدي و تعجز عن التقدّم في مضمار الحياة لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ (3) .

____________

(1) سورة هود، الآيتان 116-117.

(2) سورة نوح، الآيات 2-4.

(3) سورة يس، الآية 6.

99

و الأنبياء في القرآن هم الذين يهبون للأمة الوحدة فيجمعون ما تفرّق من شملها بتوحيدهم للعقائد و إحالتهم لها إلى قوة دافعة يصدر عنها الأفراد و الجماعات حين يفكّرون و يعملون فتفسّر المسائل حينئذ تفسيرا يوحّد بين وجهات النظر في الأفراد فلا تفرّق بينهم الأهواء أو تتوزّعهم العواطف و تكون المبادئ إذ ذاك كالنور الذي يضي‏ء الطريق و يهدي إلى السبيل القويم‏ وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاََ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (1) ، يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ قَدْ جََاءَكُمْ بُرْهََانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (2) . إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ (3) ، يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمََّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جََاءَكُمْ مِنَ اَللََّهِ نُورٌ وَ كِتََابٌ مُبِينٌ*`يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) .

و الأنبياء ينبتون نباتا طبيعيا فهم من البيئة و ليسوا بالغرباء عنها. هم من جنس القوم فلو كان سكان البيئة من الملائكة لكان أنبياؤهم كذلك‏ قُلْ لَوْ كََانَ فِي اَلْأَرْضِ مَلاََئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنََا عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مَلَكاً رَسُولاً (5) . بل هم إخوانهم المتحدّثون بلسانهم فنبي قوم عاد أخوهم هود و نبي قوم ثمود أخوهم صالح و نبي مدين أخوهم شعيب. كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ (6) ، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ (7) ، كَذَّبَتْ عََادٌ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ (8) ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 153.

(2) سورة النساء، الآية 174.

(3) سورة المائدة، الآية 44.

(4) نفس السورة، الآيتان 15-16.

(5) سورة الإسراء، الآية 95.

(6) سورة الشعراء، الآيتان 105-106.

(7) نفس السورة، الآيتان 160-161.

(8) نفس السورة، الآيتان 123-124.

غ

100

تَتَّقُونَ (1) ، وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (2) .

و الأنبياء ولدوا في البيئة و خالطوا الأهل و العشيرة و قلّدوهم في كل ما يقال و ما يفعل و هم أطفال حتى لقد آمن بعضهم بما تؤمن به البيئة من عقيدة و دانوا لما تدين له من رأي و عبدوا ما تعبد من إله و لعلهم قد أتوا من ضروب التقديس و الإجلال بما تأتّى و لعلهم قد تركوا منها ما تذر و ما تدع فموسى مثلا قد تربّى في حجر فرعون فتأثر به و بدينه‏ قََالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينََا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينََا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ*`وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ*`قََالَ فَعَلْتُهََا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضََّالِّينَ (3) . و شعيب عبد ما يعبد قومه‏ قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يََا شُعَيْبُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا قََالَ أَ وَ لَوْ كُنََّا كََارِهِينَ*`قَدِ اِفْتَرَيْنََا عَلَى اَللََّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنََا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجََّانَا اَللََّهُ مِنْهََا وَ مََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ رَبُّنََا وَسِعَ رَبُّنََا كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً عَلَى اَللََّهِ تَوَكَّلْنََا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَ قَوْمِنََا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْفََاتِحِينَ (4) . و الرسل جميعا يجرون على هذه القاعدة و يسيرون على هذا المنوال‏ وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا (5) .

كان سلطان هذه الأشياء على الأنبياء عظيما يوم لم يكن لهم من أمرهم شأن غير التلقين و التقليد فلما أن بلغوا أشدّهم و استووا أتتهم البينة من ربهم و عند ذلك رأوا غير ما ترى البيئة و قدّروا غير ما تقدّر فيوسف ترك دين قومه‏ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ (6) . و محمد صلّى اللّه عليه و سلّم نهى عن عبادة غير اللّه لما جاءته البيّنة قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَمََّا جََاءَنِي اَلْبَيِّنََاتُ مِنْ رَبِّي

____________

(1) سورة الشعراء، الآيتان 141-142.

(2) سورة إبراهيم، الآية 4.

(3) سورة الشعراء، الآيات 18-20.

(4) سورة الأعراف، الآيتان 88-89.

(5) سورة إبراهيم، الآية 13.

(6) سورة يوسف، الآية 37.

101

وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ (1) .

كانت البيئة في حالة تشبه الفساد إن لم تكنه فهفت نفوس أفرادها إلى الأنبياء و منّت نفسها بالاستجابة لهم و الإيمان بما يدعون إليه من رأي أو عقيدة وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ََ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ (2) . وَ إِنْ كََانُوا لَيَقُولُونَ*`لَوْ أَنَّ عِنْدَنََا ذِكْراً مِنَ اَلْأَوَّلِينَ*`لَكُنََّا عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ (3) . يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ََ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاََ نَذِيرٍ فَقَدْ جََاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (4) .

بل لعلها كانت تتطلّع إلى فرد بعينه و شخص بذاته تعقد عليه الآمال و ترجو أن يكون مخلّصها من الشر و منقذها من الضلال‏ قََالُوا يََا صََالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينََا مَرْجُوًّا قَبْلَ هََذََا (5) .

رجت فاستجاب لها ربها و اصطفى واحدا من أبنائها و أرسله ليكون لها هاديا و بشيرا. أرسله فاستجاب له قوم و نفر منه آخرون و حدث ما يحدث في كل دعوة من وجود مؤيّدين و معارضين أو مؤمنين و كافرين فكانت الفرقة و كان الانقسام.

(2) الانقسام‏

و الانقسام في الجماعة نتيجة حتمية للاختلاف في الآراء و التعصّب لها. و إختلاف الآراء و التعصّب لها أمران يحدثان كلما دعا داع أو همّ بالإصلاح رسول‏ كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اَللََّهُ

____________

(1) سورة غافر، الآية 66.

(2) سورة فاطر، الآية 42.

(3) سورة الصافات، الآيات 167-169.

(4) سورة المائدة، الآية 19.

(5) سورة هود، الآية 62.

102

اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1) .

و يصوّر القرآن هذا الاختلاف على أنه الناموس العام الذي أراده اللّه للناس‏ وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنََّاسَ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ*`إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ (2) .

و من هنا لا نعجب حين نلمس أثر ذلك الناموس الاجتماعي في قوم موسى‏ وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (3) . و في قوم عيسى‏ وَ لَمََّا جََاءَ عِيسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ قََالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`إِنَّ اَللََّهَ هُوَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ*`فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزََابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذََابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (4) . و في قوم صالح‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ (5) .

بل في قوم كل نبي من الأنبياء وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ وَ كَفى‏ََ بِرَبِّكَ هََادِياً وَ نَصِيراً (6) .

بل قد لا نعجب إذا امتد أثر هذا الناموس إلى ما هو أبعد غورا و أكثر عمقا فلا نعجب مثلا حين نلمس أثره في الأسرة الواحدة و في البيت الواحد حين نرى فرعون في واد و زوجته في آخر وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قََالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (7) . و حين نرى نوحا ينادي

____________

(1) سورة البقرة، الآية 213.

(2) سورة هود، الآيتان 118-119.

(3) نفس السورة، الآية 110.

(4) سورة الزخرف، الآيات 63-65.

(5) سورة النمل، الآية 45.

(6) سورة الفرقان، الآية 31.

(7) سورة التحريم، الآية 11.

103

ابنه بقلب مفطور وَ نََادى‏ََ نُوحٌ اِبْنَهُ وَ كََانَ فِي مَعْزِلٍ يََا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنََا وَ لاََ تَكُنْ مَعَ اَلْكََافِرِينَ *`قََالَ سَآوِي إِلى‏ََ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ اَلْمََاءِ قََالَ لاََ عََاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ إِلاََّ مَنْ رَحِمَ وَ حََالَ بَيْنَهُمَا اَلْمَوْجُ فَكََانَ مِنَ اَلْمُغْرَقِينَ (1) .

و حين نرى إبراهيم عليه السلام يحاول أن يهدي أباه فيعجز و يعتزله و قومه و ما يدعون من دون اللّه‏ يََا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً*`يََا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جََاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مََا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرََاطاً سَوِيًّا*`يََا أَبَتِ لاََ تَعْبُدِ اَلشَّيْطََانَ إِنَّ اَلشَّيْطََانَ كََانَ لِلرَّحْمََنِ عَصِيًّا*`يََا أَبَتِ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذََابٌ مِنَ اَلرَّحْمََنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطََانِ وَلِيًّا*`قََالَ أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يََا إِبْرََاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا* `قََالَ سَلاََمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كََانَ بِي حَفِيًّا*`وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‏ََ أَلاََّ أَكُونَ بِدُعََاءِ رَبِّي شَقِيًّا (2) . بل قد لا نعجب إذا لمسنا أثر ذلك الناموس في ذلك الموقف الفرد الذي يقف فيه ولد من والديه موقف الخصومة يدعوانه فلا يستجيب و يصم أذنيه عن الدعاء: ذلك الموقف الذي يقطر فيه البر و الحنان من جانب و القسوة و العنف من آخر و الذي يصوّره القرآن أبلغ تصوير فيملأه بالحركة و القوة و العواطف الهائجة و الانفعالات الثائرة و يعبّر عنه بصيغ لم تخلق إلا لهذا الموقف و أمثاله وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) .

و هكذا يسجل القرآن صور هذا الناموس و يتعقّبها لا في حياة الجماعة فحسب بل في حياة الأسرة الواحدة و في المنزل الواحد بل قد يجاوز كل هذا إلى أثر ذلك الناموس في الحياة الفكرية للفرد حين تتنازعه العوامل بين قديمه و الجديد و حين تتسلّط عليه الخواطر فيصيبه القلق‏ وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ... (4) .

____________

(1) سورة هود، الآيتان 42-43.

(2) سورة مريم، الآيات 42-48.

(3) سورة الأحقاف، الآية 17.

(4) سورة البقرة، الآية 260.

104

و القرآن لا يقف من هذا الناموس الاجتماعي عند أثره في نفس الفرد أو في نفس الجماعة و إنما يعدوه إلى شرح علله و أسبابه و يرينا من كل هذه الأمور ما هو من عوامل التقدّم و التجديد و ما هو من عوامل الجمود و التقليد و هو يربط كل ذلك بظواهر اجتماعية هي من النواميس التي لا تتخلّف. و لعل أحسن ما وقفنا عليه منها هو ما يأتي:

(أ) الحالة المعيشية: و النظرة الأولى فيما صوّر القرآن من عوامل تدلّنا دلالة قوية على أن الأغنياء يقفون دائما في وجه الدعوات‏ وَ مََا أَرْسَلْنََا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا إِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ (1) . و أنهم يكونون كتلة المعارضة التي تحارب الأفكار الجديدة و التي تنفق الأموال الضخمة في سبيل القضاء عليها بصد الناس عنها و محاربة الداعين إليها و وضع العقبات في سبيلها إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فَسَيُنْفِقُونَهََا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ََ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (2) .

و النظرة الأولى أيضا تبيّن لنا أن الفقراء على العكس من ذلك فهم الذين يستجيبون للأنبياء و هم الذين يؤمنون بالدعوات و هم الذين يقفون إلى جانب الرسل ينصرونهم و يشدّون أزرهم حين يكونون في حاجة إلى الأنصار و الأعوان ثم هم الذين يدافعون عنهم و يعصون أمر مخالفيهم حين يكون الجدل و الحوار. فالمستضعفون من قوم صالح هم الذين لبّوا دعوته و صدّقوا رسالته و آمنوا بما جاء به من دين جديد قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صََالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*`قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ*`فَعَقَرُوا اَلنََّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قََالُوا يََا صََالِحُ اِئْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ (3) .

و تتعقّد الأمور دائما بين الفقراء و الأغنياء كلما دعا داع أو جاء رسول بدين جديد.

و من هنا نرى تلك الخصومة التي تقوم بين الأغنياء و الفقراء أو المستضعفين و المستكبرين.

كما نرى الأغنياء يعيرون الرسل بانضمام الفقراء إليهم و أنهم أول من استجاب للدين

____________

(1) سورة سبأ، الآية 34.

(2) سورة الأنفال، الآية 36.

(3) سورة الأعراف، الآيات 75-77.