الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
105

الجديد وَ مََا نَرََاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ (1) . بل يذهبون إلى أبعد من هذا و يرون أن دخول أمثال هؤلاء الفقراء في الدين هو الذي يحول بينهم و بينه و هو الذي يمنعهم من الإيمان و التصديق‏ قََالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ (2) . و من هنا نراهم يطلبون إلى الأنبياء طرد الفقراء من مجالسهم و تنحيتهم عن أن يكونوا عقبات في سبيل هؤلاء الأغنياء. و هنا يصوّر لنا القرآن رفض الأنبياء خوفا من عقاب اللّه أو حرصا على مصلحة الدعوة و نصرة الدين. وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (3) ، وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ (4) ، وَ يََا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللََّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ (5) .

و تعليل هذه الظاهرة الاجتماعية أو هذا الموقف من كل من الأغنياء و الفقراء ليس بالشاق و لا بالعسير. فالقرآن نفسه يشير إليه في أكثر من موطن و يرشد إليه كلما وجد إلى ذلك السبيل. و من هنا تعدّدت العلل و اختلفت باختلاف المواطن و لعل من أهمها ما يلي:

أن الغنى يجعل أمور الناس ميسرة و حاجاتهم مقضية و يجعل من السهل عليهم الاستمتاع بما في الحياة من لذائذ و طيبات و لذا يجنح الأغنياء إلى الراحة و يخلدون إلى السكينة و يطمئنون إلى ما هم عليه من حال فلا يحاولون تغيير أوضاعهم و من هنا لا تخفق قلوبهم بحب الإصلاح و لا تنجذب نفوسهم أو تطمئن قلوبهم إلى التجديد من الدعوات.

بَلْ مَتَّعْتُ هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ*`وَ لَمََّا جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ قََالُوا هََذََا سِحْرٌ وَ إِنََّا بِهِ كََافِرُونَ (6) .

____________

(1) سورة هود، الآية 27.

(2) سورة الشعراء، الآية 111.

(3) نفس السورة، الآيتان 114-115.

(4) سورة الأنعام، الآية 52.

(5) سورة هود، الآية 30.

(6) سورة الزخرف، الآيتان 29-30.

106

و كلما طال على الأغنياء الأمد و امتد بهم الزمن تولّدت في نفوسهم محبة الحياة و قويت في نفوسهم الأثرة و خيّل إليهم أن قد كتب لهم الخلود. قََالُوا سُبْحََانَكَ مََا كََانَ يَنْبَغِي لَنََا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيََاءَ وَ لََكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى نَسُوا اَلذِّكْرَ وَ كََانُوا قَوْماً بُوراً (1) . و من هنا نرى القرآن يعمد إلى تخويفهم و زعزعة هذه الأسس من قلوبهم و عقولهم فيلفت ذهنهم إلى أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها بَلْ مَتَّعْنََا هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى طََالَ عَلَيْهِمُ اَلْعُمُرُ أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا أَ فَهُمُ اَلْغََالِبُونَ (2) .

و إلى أن عذابهم في الآخرة سيكون قويا عنيفا حَتََّى إِذََا أَخَذْنََا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذََابِ إِذََا هُمْ يَجْأَرُونَ*`لاََ تَجْأَرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنََّا لاََ تُنْصَرُونَ*`قَدْ كََانَتْ آيََاتِي تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ تَنْكِصُونَ*`مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سََامِراً تَهْجُرُونَ (3) .

أما الفقراء فيسيرون على العكس من هؤلاء في هذه المواطن فهم قد سلّط عليهم الزمن و ألهبتهم ضرورات الحياة ففكّروا في أمورهم و تمنّوا حالة أسعد من حالتهم و راموا سهل العيش و لين الحياة فما إن دعاهم الداعي حتى لعب خيال المستقبل بعقولهم و قلوبهم و قاربت الآمال أن تصبح حقائق و من هنا يستجيبون لعل السعادة أن تقبل بعد إدبار و لعلها أن تلازمهم بعد أن ملّوا الفراق و طول الانتظار.

و الغنى يدفع إلى الكبر و الاستكبار و العناد: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ*`يَسْمَعُ آيََاتِ اَللََّهِ تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (4) ، كَلاََّ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ*`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ (5) ، كَلاََّ إِنَّهُ كََانَ لِآيََاتِنََا عَنِيداً (6) .

و المتكبّرون عادة يضيقون بالدعاة و ينالونهم بالأذى حتى و لو رأوا أن ما جاءوا به هو الحق

____________

(1) سورة الفرقان، الآية 18.

(2) سورة الأنبياء، الآية 44.

(3) سورة المؤمنون، الآيات 64-67.

(4) سورة الجاثية، الآيتان 7-8.

(5) سورة العلق، الآيتان 6-7.

(6) سورة المدثر، الآية 16.

غ

107

و ما دعوا إليه هو الصدق و العدل. وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ (1) .

و الفقر يذل النفس و يخضع هام الرجال و لذا يكون الفقراء أيسر إقناعا و أسهل انقيادا و أسرع إيمانا بالدعوات‏ وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنََّا مِنْ عَذََابِ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قََالُوا لَوْ هَدََانَا اَللََّهُ لَهَدَيْنََاكُمْ سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ جَزِعْنََا أَمْ صَبَرْنََا مََا لَنََا مِنْ مَحِيصٍ (2) ، وَ قََالُوا رَبَّنََا إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ (3) ، وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ اَلْقَوْلَ يَقُولُ اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْ لاََ أَنْتُمْ لَكُنََّا مُؤْمِنِينَ*`قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْنََاكُمْ عَنِ اَلْهُدى‏ََ بَعْدَ إِذْ جََاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ*`وَ قََالَ اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ إِذْ تَأْمُرُونَنََا أَنْ نَكْفُرَ بِاللََّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْدََاداً وَ أَسَرُّوا اَلنَّدََامَةَ لَمََّا رَأَوُا اَلْعَذََابَ وَ جَعَلْنَا اَلْأَغْلاََلَ فِي أَعْنََاقِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (4) .

و الغنى يجعل الناس أشد حرصا على الحياة و على الاحتفاظ بما خلف الآباء من أثر و ينمّي فيهم محبة المألوف و العادي‏ وَ كَذََلِكَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُقْتَدُونَ*`قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى‏ََ مِمََّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبََاءَكُمْ قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ (5) ثم إن الغنى يدفع إلى الاحتفاظ بالملك و الرئاسة و يحض على اكتساب السلطان و النفوذ قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِتَلْفِتَنََا عَمََّا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا وَ تَكُونَ لَكُمَا اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا نَحْنُ لَكُمََا بِمُؤْمِنِينَ (6) .

____________

(1) سورة النمل، الآية 14.

(2) سورة إبراهيم، الآية 21.

(3) سورة الأحزاب، الآية 67.

(4) سورة سبأ، الآيات 31-33.

(5) سورة الزخرف، الآيتان 23-24.

(6) سورة يونس، الآية 78.

108

و من هنا يتطيّرون بالدعاة و يتشاءمون منهم‏ قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (1) . و يعتقدون أن الرسل من الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون‏ وَ قََالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ (2) .

و الفقر لا يدفع إلى الحرص على شي‏ء فلا مال و لا جاه و لا نفوذ و لا سلطان و الفقر لا يؤدي إلى الاستقرار و إذا فلا خضوع إلى رأي بعينه و لا استقرار للتقاليد و العادات و بالجملة فالفقراء في حالة لا يحسدون عليها و لن تطلب منهم أكثر من حمد اللّه الذي لا يحمد على مكروه سواه.

(ب) الحالة الثقافية و الفكرية: إن تهيئة الأذهان لموضوع الدعوة أو المبادئ الجديدة له قيمته الفعّالة في قبول هذه الأشياء كما أن ترك النفوس غفلا و الأذهان خلاء هو الذي يدفع إلى إنكار هذه المبادئ و الآراء و هذا الأمر هو الذي أشار إليه القرآن حين قال تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ*`لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ*`لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* `وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ*`وَ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ (3) . إذ الواضح من هذا النص أن الذين سيتبعونه إنما هم الذين استعدّت نفوسهم و تهيّأت عقولهم أما أولئك الذين لم تأتهم النذر أو لم تنزل عليهم الكتب فهم أبعد الناس عن الإيمان و التصديق.

و ليس الأمر في هذه المسألة خاصا بمن خشي الرحمن بالغيب بل هو خاص بالاستعداد أيا كان هذا الاستعداد و لذا نرى المشركين تصغي أفئدتهم لما تهيّأت له عقولهم و ذلك واضح من قوله‏ وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ

____________

(1) سورة النمل، الآية 47.

(2) سورة غافر، الآية 26.

(3) سورة يس، الآيات 5-11.

109

إِلى‏ََ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ مََا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ مََا يَفْتَرُونَ*`وَ لِتَصْغى‏ََ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا مََا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (1) .

و الذين يهيّئون الأذهان لهذه المبادئ إنما هم الرسل و ما ينزل عليهم من كتب أو هم العظماء و ما ينشرون من أفكار و لذا نرى القرآن يتعجّب من موقف المشركين من محمد عليه السلام و يرى أنه قائم على غير أساس لأن الأساس السليم في مثل هذا الموقف إنما هو ذلك الذي يعتمد على الرسل و الكتب و لذا نراه يقول‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ قََالُوا مََا هََذََا إِلاََّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمََّا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُكُمْ وَ قََالُوا مََا هََذََا إِلاََّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ*`وَ مََا آتَيْنََاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهََا وَ مََا أَرْسَلْنََا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (2) .

كما يدل في غير هذه الآيات على أن مهمة الرسل إنما هي الهداية و الإنذار و قال تعالى‏ أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ بَلْ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) .

و الأمر في المسألة يرجع من الوجهة النفسية إلى أن الإنسان يفسّر ظواهر الوجود بما يعرف من أفكار و آراء إذ هو يربط ما يحس بما يعرف أو يربط غير المفهوم بالمفهوم و من هنا تتقارب التفسيرات و تتشابه عند الذين يدينون بآراء واحدة أو متشابهة و تختلف اختلافا كبيرا حين يتباين ما في أدمغة الناس من أفكار و آراء.

و الأمر لا يقف عند هذا الحد بل تتبعه حالة نفسية أخرى هي أن المؤمن برأي ما يعتقد بحيازته للحقيقة المطلقة فيرى نفسه المصيب و غيره المخطئ و ذلك واضح في القرآن وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ

____________

(1) سورة الأنعام، الآيتان 112-113.

(2) سورة سبأ، الآيتان 43-44.

(3) سورة السجدة، الآية 3.

110

يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (1) .

و من هذين نرى أمرا ثالثا هو لتكون الثقافة نافعة و مفيدة للدعوات الجديدة يجب أن تكون بينها صلة فيبنى الجديد على القديم. و كلما ازدادت هذه الصلة خلقت جوا عاطفيا يقوّي الآراء و يمكّن لها. و كلما ضعفت هذه الصلات أو تلاشت قابلت النفس الجديد بفتور أو بإعراض و نفور. و الواقع العملي و الآيات القرآنية يؤيّدان هذه الحقيقة النفسية فقد آمن المدنيون أو كانوا أسرع استجابة لأن الدعوة الإسلامية كانت متقاربة أو متشابهة لما يألفون و على العكس من ذلك كان المكيون الذين باعدت الوثنية بينهم و بين ما يراد منهم من توحيد. و الآيات القرآنية تقول بوجود الصلة بين الكتب المنزلة كما تصوّر ذلك الجو العاطفي الذي يظهر حين تتّفق الآراء و تتشابه أو تختلف و تتباين فيكون الاستبشار مثلا من القوم حين يسمعون ما يتفق و أهواءهم و تكون النفرة و الاشمئزاز حين يسمعون ما ينكرون‏ وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذََا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذََا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (2) ، وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ (3) .

و لعل هذا هو السر الذي من أجله عتب القرآن على أهل الكتاب و عاب منهم موقفهم من محمد مع وجود الصلة و قوة المشابهة قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ََ مََا تَعْمَلُونَ*`قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهََا عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ (4) .

كما اعتذر عن موقف المشركين من أنه لم ينزل عليهم كتابا و لم يرسل إليهم رسولا. و أنهم تركوا لأهوائهم فأعمتهم و أضلّتهم فهم كالأنعام أو أضل سبيلا و ليس من

____________

(1) سورة البقرة، الآية 113.

(2) سورة الزمر، الآية 45.

(3) سورة التوبة، الآيتان 124-125.

(4) سورة آل عمران، الآيتان 98-99.

111

شك في أن الثقافة تجعل العقلية مرنة و تهيّأ الإنسان لفهم الكثير مما يعرض عليه و قبوله في إسماح و يسر و أن وجود الأفكار المعارضة أو الجهل بموضوع الدعوات يجعل قبول الإنسان لها شاقا عسيرا.

(ج) سلطان الآباء و الأجداد: و سلطان التقاليد له قيمته في كل أمة من الوجهة الاجتماعية ذلك لأنه المساك الذي يثقل الأمة عن أن تكون ريشة في مهب الرياح و هو من هذه الناحية ذو فائدة كبيرة للأمة مهما يكن حظها من التقدّم و الرقي. إلا أنه قد يكون حجر عثرة في سبيل الأمة فيثقلها عن أن تنهض و يجرّها إلى الوراء و يجعلها تلتفت دائما إلى ما ورثته من تراث عن الآباء و الأجداد لتقف عنده راضية مطمئنة و هو من هذه الناحية يكون آية من آيات الرجعية و دليلا من أدلة الجمود. و لذا كانت خير الأمم تلك التي تقف بين هذين فيكون لها من التقاليد ما يحفظها من الذبذبة و عندها من القدرة على التخلّص من سلطان هذه التقاليد ما يجعلها مرنة طيّعة تسير حين يكتب لها النهوض أو تستحث عليه بخطى ثابتة.

و العوامل التي تهب للأمة هذه المقدرة كثيرة لعل أهمها وجود الأبطال و قد سبق لنا أن تحدّثنا عن آثارهم في هذه الناحية و يعنينا الآن أن نذكر الجانب المقابل الذي يقعد بالأمة عن النهوض و يكتب عليها الجمود و يجعلها غير قادرة على الحركة و السير في مضمار الحياة و هو سلطان التقاليد أو سلطان الآباء و الأجداد.

يتفاوت هذا السلطان في الأمم بتفاوت الأطوار التي مرّت بها من حيث السلّم الحضاري فهو في الأمم الصناعية و التجارية مثلا أخف وطأة منه في الأمم الزراعية و الراعية و هو في هذين و بخاصة الأخيرة ذو سلطان قوي مكين ذلك لأن النظام الذي يقوم في مثل هذه البيئة إنما هو النظام الرعوي و النظام الرعوي بحكم طبيعته يمكن لسلطان التقاليد و هذا هو الواضح من تصوير القرآن و هذا هو الذي أقعد الكثيرين من أبناء الأمة العربية عن الاستجابة فإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و اللّه أمرنا بها و إذا قال لهم تعالوا إلى أهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنّا بما أرسلتم به كافرون و يكرر القرآن الآيات التي تدل على سلطان هذه التقاليد

112

و يذكرها على ألسنة أقوام الرسل المختلفين فيذكرها على لسان قوم إبراهيم حين يقولون بَلْ وَجَدْنََا آبََاءَنََا كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ (1) و على لسان قوم هود إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ مََا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (2) و على لسان قوم موسى حين عجبوا من دعوته لهم و طلبه منهم نبذ عبادة الأوثان‏ قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِتَلْفِتَنََا عَمََّا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا (3) . و هكذا قوم محمد وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا إِلى‏ََ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ إِلَى اَلرَّسُولِ قََالُوا حَسْبُنََا مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا (4) ، وَ إِذََا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ قََالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا (5) و هكذا نستطيع أن نقول إن التفاوت في كل من الثروة و الثقافة و الطور الحضاري يساعد على الاختلاف و الانقسام في الرأي حين تنبت دعوة أو يظهر بطل جديد و أن هذا الاختلاف أو ذلك الانقسام يؤديان إلى نتيجة أخرى هي الصراع ذلك لأن النفس الإنسانية لا تطيق المخالف.

(3) نفس المؤمن لا تطيق المخالف‏

و هذا ناموس نفسي يصوّره القرآن حين يقول‏ تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنََا بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اَللََّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجََاتٍ وَ آتَيْنََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مَا اِقْتَتَلَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ وَ لََكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَفْعَلُ مََا يُرِيدُ (6) و يدل على قوّته و تأثيره حين يهدّد المستجيبين لوحيه و الخاضعين لسلطانه بقوله‏ إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ اَلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ اَلنََّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (7) .

____________

(1) سورة الشعراء، الآية 74.

(2) نفس السورة، الآيتان 137-138.

(3) سورة يونس، الآية 78.

(4) سورة المائدة، الآية 104.

(5) سورة لقمان، الآية 21.

(6) سورة البقرة، الآية 253.

(7) سورة آل عمران، الآية 21.

113

و يظهر لنا أن السر في هذا إنما يرجع إلى أن الإيمان يخلق في النفوس جوا عاطفيا نحو الآراء و الأشياء و من هنا عبّر القرآن عن الصلة بين الآلهة و الأتباع بالحب حين قال وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْدََاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ (1) .

هذا الجو له أثره في كل من الأفراد و الجماعات فهو الذي يدعوها إلى هذا الموقف من المخالف و هو الذي يضطرها إلى الفتك و الاضطهاد.

فأولا: يدفع هذا الجو المؤمن أيا كان دينه إلى كراهية من ينال معتقداته بأذى أو يمسّها بسوء فالمشركون مثلا يكادون يزلقون النبي بأبصارهم لما سمعوا الذكر و يقولون إنه لمجنون و الكفرة يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيات ربهم‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمُنْكَرَ يَكََادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا (2) .

و أهل الكتاب جاءتهم الرسل بغير ما تهوى أنفسهم ففريقا كذبوا و فريقا يقتلون‏ أَ فَكُلَّمََا جََاءَكُمْ رَسُولٌ بِمََا لاََ تَهْوى‏ََ أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (3) .

و ثانيا: يدفع هذا الجو المؤمن إلى الإحساس بأنه على الحق و غيره في ضلال و لذا لا يحس بما في رأيه من خطأ حتى و لو كان واضحا للعيان و من هنا رأت اليهود أن ليست النصارى على شي‏ء و رأت النصارى أن ليست اليهود على شي‏ء و هم يتلون الكتاب وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (4) . و من هنا أيضا رأى قوم نوح أنه في ضلال‏ قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاََلَةٌ وَ لََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (5) . و رأى قوم شعيب أن من اتّبعه هم الخاسرون‏ وَ قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ

____________

(1) سورة البقرة، الآية 165.

(2) سورة الحج، الآية 72.

(3) سورة البقرة، الآية 87.

(4) نفس السورة، الآية 113.

(5) سورة الأعراف، الآيتان 60-61.

غ

114

إِذاً لَخََاسِرُونَ (1) و يرى الذين أجرموا أن أتباع محمد ضالون‏ وَ إِذََا رَأَوْهُمْ قََالُوا إِنَّ هََؤُلاََءِ لَضََالُّونَ (2) .

و المؤمن و إن توجّع لعمى قلب من يخالفه‏ قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتََانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهََا وَ أَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ (3) لا يتأخر عن حمل الناس بالقوة على الإيمان بمعتقده، إن وجد إلى ذلك السبيل.

و ثالثا: يخلق الإيمان في الجماعة نوعا من المشاعر تجمع شملها و تلم شعثها و تربط بين عناصرها و تجعلها سلسلة متشابكة من الحلقات. كما يبث الإيمان في الجماعة روحا تصدر عنها في أفكارها و آرائها و تبنى عليه مختلف التقاليد و العادات. و لذا تحرص الجماعة على هذه الروح و على تلك المشاعر لأنها سر قوتها و آية عزها و منعتها، و من هنا لا ترضى الجماعة عن الشخص حتى يكون على دينها أو وفق هواها وَ لَنْ تَرْضى‏ََ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصََارى‏ََ حَتََّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (4) . و من هنا أيضا تكره الجماعة من يشذ عنها أو يخرج عليها حتى و لو كان نابغة أو عبقريا و ترى فيه نذير الشؤم و آية الضعف و الانحلال و لذا تطير قوم صالح به و بمن معه‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (5) . و رأى قوم هود هودا في سفاهة قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي سَفََاهَةٍ وَ إِنََّا لَنَظُنُّكَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفََاهَةٌ وَ لََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (6) . و أحس فرعون أن موسى يريد أن يبدّل دينه أو أن يظهر في الأرض الفساد وَ قََالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 90.

(2) سورة المطففين، الآية 32.

(3) سورة هود، الآية 28.

(4) سورة البقرة، الآية 120.

(5) سورة النمل، الآيات 45-47.

(6) سورة الأعراف، الآيتان 66-67.

115

مُوسى‏ََ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ (1) و ليس من شك في أن جزاء المفسدين و الشواذ إنما هو الأذى ينالهم و العقاب يحل بهم‏ إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاََفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ (2) . و ليس ما هو أهون من ذلك عند الجماعات.

هذه هي العلل التي نفسّر بها هذا الناموس و تبقى بعد ذلك ظواهره المختلفة تلك التي صوّرها القرآن في كثير من القصص و الآيات.

و قبل أن نسجّل هذه الظواهر نلفت الذهن إلى أن موقف المخالف يتبدّل في الجديد من الدعوات. ذلك لأن المخالف يكون في أول الأمر الرسول و من اتّبعه من المؤيدين و الأنصار. و يكون في آخر الأمر من تخلّف من الجماعات عن اللحاق بها و اتباع دينها الجديد. و نبدأ هنا بتصوير مظاهر الشق الأول و ما يؤيّده أو يعارضه من أسس و نواميس.

و يكون الرسول هو المخالف أولا و من هنا يناله الأذى و ينزل به العقاب و تبدأ هذه الأشياء هينة فتكون أولا بالسخرية و الاستهزاء و يسمع الرسول و من اتّبعه أمثال هذه الكلمات. أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً (3) . أَ هََذَا اَلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (4) . أَ هََؤُلاََءِ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنََا (5) و يخرج القرآن بهذه المسألة من أن تكون خاصة بالنبي العربي فيصوّرها على أنها من الأذى الذي ينال الرسل في كل زمان و مكان‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) .

و يمضي الرسول في دعوته فيمضي القوم في إيذائهم فترى التهديد بالكثير من ألوان العقاب فنرى التهديد بالرجم‏ قََالَ أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يََا إِبْرََاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ

____________

(1) سورة غافر، الآية 26.

(2) سورة المائدة، الآية 33.

(3) سورة الفرقان، الآية 41.

(4) سورة الأنبياء، الآية 36.

(5) سورة الأنعام، الآية 53.

(6) سورة الحجر، الآيتان 10-11.

116

وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا (1) ، قََالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمَرْجُومِينَ (2) ، قََالُوا إِنََّا تَطَيَّرْنََا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ (3) . و نرى التهديد بالسجن فيقول فرعون لموسى‏ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ (4) .

و نرى التهديد بالإخراج من الأرض فيقول قوم شعيب‏ لَنُخْرِجَنَّكَ يََا شُعَيْبُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا (5) و يقول قوم لوط لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُخْرَجِينَ (6) . و يقول الكافرون لرسلهم‏ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا (7) و يفعل مثل ذلك المشركون في مكة وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهََا (8) .

و نرى التهديد بالقتل وحده أو مع التمثيل بالجثث و الأجسام أو بالإحراق فيقول قوم إبراهيم بعضهم لبعض حين دعاهم‏ اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ (9) و يقول فرعون لقومه ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ (10) .

كما نرى المؤامرات و محاولة الاغتيال في قصة صالح‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ

____________

(1) سورة مريم، الآية 46.

(2) سورة الشعراء، الآية 116.

(3) سورة يس، الآية 18.

(4) سورة الشعراء، الآية 29.

(5) سورة الأعراف، الآية 88.

(6) سورة الشعراء، الآية 167.

(7) سورة إبراهيم، الآية 13.

(8) سورة الإسراء، الآية 76.

(9) سورة العنكبوت، الآية 24.

(10) سورة غافر، الآية 26.

117

اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*`وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ* `قََالُوا تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنََا مَكْراً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ*`فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*`فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خََاوِيَةً بِمََا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (1) .

و تأخذ هذه الأشياء في النهاية مكانها من الواقع فيكون الإخراج كما حدث مع النبي العربي‏ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ (2) . و كما حدث لإبراهيم فقد ترك قومه و هاجر حين استعصى عليه هدايتهم‏ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قََالَ إِنِّي مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (3) . و أتباع محمد حدث لهم أيضا مثل هذا كما صوّر القرآن الكريم‏ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللََّهُ (4) . لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ (5) . و كما حدث لموسى و قومه فقد خرج من مصر مهاجرا بدينه و أتباعه‏ وَ لَقَدْ فَتَنََّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جََاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ*`أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبََادَ اَللََّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* `وَ أَنْ لاََ تَعْلُوا عَلَى اَللََّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ*`وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ*`وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ*`فَدَعََا رَبَّهُ أَنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ*`فَأَسْرِ بِعِبََادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ *`وَ اُتْرُكِ اَلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (6) .

و يكون الإحراق كما حدث لإبراهيم‏ قََالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيََاناً فَأَلْقُوهُ فِي اَلْجَحِيمِ* `فَأَرََادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنََاهُمُ اَلْأَسْفَلِينَ (7) . قََالُوا حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ*

____________

(1) سورة النمل، الآيات 45-52.

(2) سورة البقرة، الآية 191.

(3) سورة العنكبوت، الآية 26.

(4) سورة الحج، الآية 40.

(5) سورة الحشر، الآية 8.

(6) سورة الدخان، الآيات 17-24.

(7) سورة الصافات، الآيتان 97-98.

118

قُلْنََا يََا نََارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاََماً عَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ (1) . و كما حدث بالمؤمنين في قصة الأخدود قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ*`اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ*`إِذْ هُمْ عَلَيْهََا قُعُودٌ*`وَ هُمْ عَلى‏ََ مََا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ*`وَ مََا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاََّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ (2) .

و يكون القتل كما حدث لزكريا و يحيى فيما يروي المفسّرون عند تفسيرهم لقوله تعالى‏ أَ فَكُلَّمََا جََاءَكُمْ رَسُولٌ بِمََا لاََ تَهْوى‏ََ أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (3) .

و يكون في النهاية الاقتتال بين المؤيدين و المعارضين حين يكثر المؤيدون و الأتباع.

و يلقي هذا الناموس في روع الإنسان أن الدعوات مقضي عليها بالفشل و أن التجديد ضرب من المحال ذلك لأن الجماعة قوية بنفسها ثم هي لا تصبر على المجددين و الدعاة و هو أمر يكاد أن يكون صادقا لو لا وجود عوامل أخرى تحد من قدرته و تعطّل من سيره و هي بهذا تفسح المجال أمام الدعاة و الأتباع و كأن إرادة اللّه هي التي اقتضت هذا ليكون التقدّم و التجديد و لئلا يتعطل الرقي في هذه الحياة.

هذه العوامل كثيرة و واضحة فيما صوّر القرآن و نستطيع أن نسجّل هنا:

أولا: ذلك الجو العاطفي الذي يسيطر على الجماعة حيال الآراء و المعتقدات إذ على قدر قوته و ضعفه يتوقف حرص الجماعة على المحافظة على ذلك التراث. كما يتوقف عليه غضبها على الخارج و نقمتها عليه و من هنا لا يقدر النجاح للدعوات إلا إذا كان ما ستحل محله قد وهن و ضعف بفعل الزمان و غيره من المؤثرات إذ عند ذلك يضعف غضبها و تقل نقمتها فلا يكون قتل أو اغتيال. و لعل ذلك هو الذي قصد إليه القرآن حين جعل إرسال النبي العربي على فترة من الرسل‏ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ََ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاََ نَذِيرٍ فَقَدْ جََاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ

____________

(1) سورة الأنبياء، الآيتان 68-69.

(2) سورة البروج، الآيات 4-8.

____________

(3) سورة البقرة، الآية 87.

119

قَدِيرٌ (1) و حين جعل إرسال عيسى ليبيّن لهم الذي يختلفون فيه‏ وَ لَمََّا جََاءَ عِيسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ قََالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (2) حيث لا يكون إختلاف إلا إذا ضعف سلطان العقائد و وهن أثر الأديان.

و هذا هو الواقع العملي في الدعوة الإسلامية فقد ضعف سلطان العقائد على بعض النفوس بفعل اليهودية و غيرها فتهوّدوا و تنصّروا و تحنّفوا و تركوا عبادة الآباء و الأجداد. بل هفت نفوسهم إلى الرسالة و الكتاب فقالوا رَبَّنََا لَوْ لاََ أَرْسَلْتَ إِلَيْنََا رَسُولاً (3) و قالوا لَوْ أَنَّ عِنْدَنََا ذِكْراً مِنَ اَلْأَوَّلِينَ `لَكُنََّا عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ (4) . وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَتْهُمْ آيَةٌ (5) لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ََ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ (6) . و هكذا سبيل كل دعوة و دعاة.

ثانيا: تلك الصلة التي تكون دائما بين الجديد و القديم من الأديان إذ تجعل الجديد غير غريب على البيئة و أهلها و هذا هو المعنى الذي أكّده القرآن حين شرع لمحمد ما وصى به نوحا شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (7) .

و حين جعل الكتب مصدقة بعضها لبعض من إنجيل و توراة و قرآن‏ وَ قَفَّيْنََا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ*`وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنْجِيلِ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ*`وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ عَمََّا جََاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ لِكُلٍّ

____________

(1) سورة المائدة، الآية 19.

(2) سورة الزخرف، الآية 63.

(3) سورة طه، الآية 134.

(4) سورة الصافات، الآية 168.

(5) سورة الأنعام، الآية 109.

(6) سورة فاطر، الآية 42.

(7) سورة الشورى، الآية 13.

120

جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ (1) .

و الواقع العملي من الدعوة الإسلامية يؤيّد هذا فقد كان موقف القوم من الجديد و الغريب عليهم قويا عنيفا و حسبنا أن نذكر موقفهم من البعث و وحدانية اللّه على حين لم يكن في موقفهم من الحج أي مكابرة أو عناد.

ثالثا: و نختم حديثنا عن هذه العوامل بالحديث عن تلك الصلة التي تكون بين الرسول و قومه أو البطل و أمته تلك الصلة التي سبق لنا أن تحدثنا عنها حين قلنا بأن الرسول أخو القوم المتحدّث بلسانهم... إلخ. إذ أن هذه الصلة تجعل البطل يستعذب الألم في سبيل هداية قومه و إصلاحهم فلا يفر من الميدان حين تلاقيه الصعاب أو تصادفه العقاب ذلك لأنه يحس في قرارة نفسه أن إسعادهم هو الغاية التي ليست وراءها غاية و المطمع الذي ليس بعده مطمع و من هنا نراه يحرص على هذه الهداية في الوقت الذي يقفون منه موقف العداء لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (2) . و من هنا أيضا يعتب عليهم في كثير من الألم و المرارة فيرى أنهم لم يفهموا أغراضه و لم يتبيّنوا مقاصده مع أنه لم يأتهم إلا ليخرجهم من الظلمات إلى النور و إلا ليهديهم إلى الطريق المستقيم و هو في سبيل كل ذلك يضحي بمنفعته و راحته و يكفيه أنه يسعد نفسه بهداية قومه إلى طريق ربه العلي العظيم. فشعيب لا يريد إلا الإصلاح‏ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاََحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مََا تَوْفِيقِي إِلاََّ بِاللََّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (3) و محمد يهدي إلى الصراط المستقيم‏ وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) . الر كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ (5) . و صالح

____________

(1) سورة المائدة، الآيات 46-48.

(2) سورة التوبة، الآية 128.

(3) سورة هود، الآية 88.

(4) سورة الشورى، الآية 52.

(5) سورة إبراهيم، الآية 1.

غ

121

لا يسأل قومه أجرا على الهداية وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (1) . و موسى و هارون يقفان موقفا يتصوّرانه القتل في سبيل إخراج قومهم من مصر و تخليصهم من فرعون و ما يلحقه بهم من ذل و هوان. اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي*`اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ*`فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ*`قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ*`قََالَ لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ*`فَأْتِيََاهُ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ لاََ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنََاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ (2) . و هكذا سبيل المرسلين.

و هذه الصلة نفسها تؤثر في نفس الجماعة فلا تعجل العقوبة لواحد منها و ابن من أبنائها و هي لا تصدق أولا شذوذه عنها أو خروجه عليها بل ترى به جنونا أو تعتقد أن الآلهة قد اعترته بسوء إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ (3) و لذا قد تلتمس له الطب و العلاج فإذا خاب ظنها أو فأل رأيها رمته بالسفه أو رأته في ضلال و لذا قد تلتمس العلاج عند أقاربه و تبقي عليه لمكانة رهطه و عشيرته‏ قََالُوا يََا شُعَيْبُ مََا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمََّا تَقُولُ وَ إِنََّا لَنَرََاكَ فِينََا ضَعِيفاً وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ (4) و هكذا تتدرّج من لين إلى شدة حتى يكون الاقتتال.

و هكذا تكون هذه الصلة بين البطل و البيئة وسيلة فعالة في سبيل إنجاح الدعوات و إن كنا نلحظ أنها تكون في النهاية عقبة في سبيل انتشار الأديان و لعل هذا هو السبب الذي من أجله حاربها القرآن فنحن نلحظ أنه في النهاية جعل العاطفة الدينية فوق عاطفة القرابات فنهاهم عن مودة أقربائهم إذا كان ذلك على حساب دين اللّه و طلب إليهم أن يتخذوا من إبراهيم الأسوة الحسنة في هذا الميدان‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيََّاكُمْ

____________

(1) سورة الشعراء، الآية 109 و عدة آيات أخرى بعدها.

(2) سورة طه، الآيات 42-47.

(3) سورة هود، الآية 54.

(4) نفس السورة، الآية 91.

122

أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهََاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمََا أَخْفَيْتُمْ وَ مََا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ*`إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدََاءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ*`لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحََامُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*`قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمََّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ كَفَرْنََا بِكُمْ وَ بَدََا بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةُ وَ اَلْبَغْضََاءُ أَبَداً حَتََّى تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَحْدَهُ إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ مََا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ رَبَّنََا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنََا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنََا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ*`رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اِغْفِرْ لَنََا رَبَّنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ*`لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ*`عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عََادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَ اَللََّهُ قَدِيرٌ وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ*`لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ*`إِنَّمََا يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ قََاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ وَ ظََاهَرُوا عَلى‏ََ إِخْرََاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ (1) .

و هكذا تكون القرابة عاملا مفيدا في إنجاح الدعوات في أول الأمر كما قد تكون عاملا معطلا حين يكون الاقتتال بعد كثرة الأعوان و الأنصار. و الآن و قد وضّحنا العوامل المؤثرة في سير هذا الناموس النفسي النفس لا تطيق المخالف و لا تصبر عليه نحب أن نصوّر موقف البطل أولا و حين يتعدّل الميزان.

قلنا إن البطل أولا يكون هو المخالف فيناله الأذى و ذكرنا بعض ألوان العقوبات و نقول الآن إن موقف البطل في هذا الدور هو موقف الضعيف الذي لا يملك من الحول و الطول إلا الالتجاء إلى ربه و الدعاء على الأعداء. هكذا نرى موقف نوح‏ وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً*`إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً (2) . و هكذا نرى موقف موسى‏ وَ قََالَ مُوسى‏ََ رَبَّنََا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً

____________

(1) سورة الممتحنة، الآيات 1-9.

(2) سورة نوح، الآية 26.

123

وَ أَمْوََالاً فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا رَبَّنََا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى‏ََ أَمْوََالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ (1) . و هكذا نرى موقف غيرهم من الأنبياء.

ثم يلجأ الرسول إلى التهديد و الوعيد و يكونان بالمصائب في الدنيا و العذاب في الآخرة و يستجيب اللّه للرسل فتكون الصواعق و غيرها من ألوان العقوبات. هكذا نرى فرعون و قومه‏ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلطُّوفََانَ وَ اَلْجَرََادَ وَ اَلْقُمَّلَ وَ اَلضَّفََادِعَ وَ اَلدَّمَ آيََاتٍ مُفَصَّلاََتٍ (2) . و نرى شعيبا و قومه‏ وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (3) وَ لَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا نَجَّيْنََا شُعَيْباً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنََّا وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ (4) . و إلى هذا أيضا أشار النبي العربي و القرآن الكريم‏ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ (5) . و هكذا غيرهم من المرسلين.

و حين تقوى الدعوة و يكثر الأعوان و الأنصار و حين يحس النبي في نفسه القدرة على الفتك و الاضطهاد يستجيب لهذا الناموس و يبدأ فيحاول القضاء على المتخلّفين من الجماعة و يجبرهم بالقوة على اتباع تعاليمه و الإيمان بما يدعو إليه من آراء و معتقدات و هذا هو الذي نلحظه من موقف النبي العربي من المشركين و أضرابهم و المنافقين و من لفّ لفّهم يقول اللّه تعالى‏ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلََّهِ (6) . و يقول‏ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْمُرْجِفُونَ فِي اَلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاََ يُجََاوِرُونَكَ فِيهََا إِلاََّ

____________

(1) سورة يونس، الآية 88.

(2) سورة الأعراف، الآية 133.

(3) سورة هود، الآية 89.

(4) نفس السورة، الآية 94.

(5) سورة آل عمران، الآية 137 و سورة النحل، الآية 36.

(6) سورة الأنفال، الآيتان 38-39.

124

قَلِيلاً*`مَلْعُونِينَ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً*`سُنَّةَ اَللََّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً (1) .

و عند ذلك يكون النصر قد كتب للمبادئ فتسيطر على نفوس الأفراد و الجماعات. و في الفقرة التالية نتحدث إن شاء اللّه على ناموس آخر هو:

(4) الرسول لا يشك في مستقبل دينه‏

و نتيجة الناموس السابق واحدة من اثنتين:

(1) فإما أن يذهب الرسول ضحية المبدأ و العقيدة، فيقتل أو يخرج مهاجرا. و تلك أحوال لم يقصّها القرآن إلا نادرا، و هو حين يقصّها يعتمد على الإجمال و الإبهام، فنراه مثلا يقول في حق الإسرائيليين و هو متعجّب من صنيعهم: أَ فَكُلَّمََا جََاءَكُمْ رَسُولٌ بِمََا لاََ تَهْوى‏ََ أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (2) .

و يتفق المفسّرون جميعا على أن من الذين قتلوا يحيى عليه السلام.

كما نلحظ خروج إبراهيم مهاجرا بعد إذ عاداه قومه، و وقفوا منه ذلك الموقف الذي تصوّره هذه القصة القرآنية: وَ إِبْرََاهِيمَ إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*`إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ وَ اُعْبُدُوهُ وَ اُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*`وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مََا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ*`أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ*`قُلْ سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ اَلْخَلْقَ ثُمَّ اَللََّهُ يُنْشِئُ اَلنَّشْأَةَ اَلْآخِرَةَ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ*`يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشََاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ*`وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ*`وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ لِقََائِهِ أُولََئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ* `فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجََاهُ اَللََّهُ مِنَ اَلنََّارِ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ

____________

(1) سورة الأحزاب، الآيات 60-62.

(2) سورة البقرة، الآية 87.

125

يُؤْمِنُونَ*`وَ قََالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ*`فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قََالَ إِنِّي مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ*`وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِ اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتََابَ وَ آتَيْنََاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ (1) .

و الذي يلاحظ في مثل هذه المواقف أن الهجرة تعتبر نصرا للدين الجديد و للرسول الداعي و ذلك هو الواضح كل الوضوح من قصص موسى و محمد عليهما السلام. و تكون عاقبة المتخلّفين في بعض الأحوال الهلاك و الدمار و ذلك هو الوضع الذي يقرّره قصص كثير من قصص القرآن من مثل أحوال قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو قوم لوط.

و ذلك الوضع هو الذي قصّه شعيب و صوره القرآن‏ وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (2) .

(2) و إما أن ينتصر الرسول فيسود الدين الجديد و تنشر المبادئ و تلك هي الأحوال التي صوّرت كثيرا في القصص القرآني و تلك هي الأحوال التي تشير إليها الآيات القرآنية الكريمة الخاصة بالنصر و التي نستطيع أن نختار منها قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ*`إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ*`وَ إِنَّ جُنْدَنََا لَهُمُ اَلْغََالِبُونَ*`فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتََّى حِينٍ* `وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (3) . و قوله‏ إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ*`يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ (4) و قوله‏ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذََلِكَ حَقًّا عَلَيْنََا نُنْجِ اَلْمُؤْمِنِينَ (5) .

على أن هذا النصر لا يتم في سهولة و يسر إذ دونه عقبات لا بد من تخطّيها و أزمات نفسية لا بد من القضاء عليها.

____________

(1) سورة العنكبوت، الآيات 16-27.

(2) سورة هود، الآية 89.

(3) سورة الصافات، الآيات 171-175.

(4) سورة غافر، الآيتان 51-52.

(5) سورة يونس، الآية 103.

126

و العقبات كثيرة متنوعة منها نوع نستطيع أن نسميه بالعقبات الداخلية و صوره في القرآن ليست بالعديدة. و الأسباب التي تدفع إلى هذا اللون قد تكون:

(أ) طبيعة الشخص و تكوينه إذ يكون ضعيف الإرادة لا يملك من أمر نفسه و قيادها الشي‏ء الكثير و ذلك هو الأمر الواضح في قصة آدم إذ نهاه ربه عن الأكل من الشجرة فلم يمتثل و نسي فلم تجد له عزما وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (1) .

وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ََ*`ثُمَّ اِجْتَبََاهُ رَبُّهُ فَتََابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ََ (2) .

(ب) و قد ترجع إلى لون من العقد النفسية التي تسيطر على أعمال المرء و التي تلعب دورها في قوة و مهارة. و ذلك هو الأمر الواضح من قصة موسى فقد اصطفاه ربه فاختاره رسولا إلى فرعون و لكنه طلب من العلي القدير أن يرسل معه أخاه هارون وزيرا.

و استجاب ربه و أرسل معه أخاه و هنا يظهر المخبوء و ينكشف الغطاء إذ تسيطر حادثة قتل المصري على عقل موسى و يتذكّر خروجه من أرض الفراعين هاربا و كيف أخبره الصديق الذي جاءه يسعى من أقصى المدينة بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه. لذا نراه يتوجّه إلى ربه مفصحا عن دخيلة نفسه‏ قََالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخََافُ أَنْ يَقْتُلُونِ*`وَ أَخِي هََارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسََاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ*`قََالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُمََا سُلْطََاناً فَلاََ يَصِلُونَ إِلَيْكُمََا بِآيََاتِنََا أَنْتُمََا وَ مَنِ اِتَّبَعَكُمَا اَلْغََالِبُونَ (3) .

اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي*`اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ*`فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ*`قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ (4) .

و لم يذهبا حتى تلاشى الخوف و استقر الهدوء و الاطمئنان و استجابت أنفسهما لقول العلي العظيم‏ لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ (5) .

____________

(1) سورة طه، الآية 115.

(2) نفس السورة، الآيتان 121-122.

(3) سورة القصص، الآيات 33-35.

(4) سورة طه، الآيات 42-45.

(5) نفس السورة، الآية 46.

127

(ج) كما قد ترجع إلى بعض الرغبات المكبوتة التي لا تزال في حالة قوية من الفاعلية و ذلك هو الأمر الواضح من حال محمد عليه السلام حين كان يحرص على تحسين ما بينه و بين قومه من علاقات حرصا شديدا و هذا ما يوضحه النص الآتي: «قال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ذات ليلة إلى الصبح يكلّمونه و يقتحمونه و يسودونه و يقاربونه فقالوا إنك تأتي بشي‏ء لا يأتي به أحد من الناس و أنت سيدنا يا سيدنا و ما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ثم عصمه اللّه تعالى فأنزل اللّه تعالى‏ وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنََا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً*`وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً `إِذاً*لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنََا نَصِيراً (1) .

و منها نوع نستطيع أن نسمّيه بالعقبات الخارجية و صور هذا النوع في القصص القرآني كثيرة منوّعة يجمعها كلها ما يقوم به المعارضون للأنبياء من أعمال و أقوال و ذلك من مثل تكذيبهم للرسل و رميهم لهم بأنهم في سفاهة أو ضلال و أن ما يقولونه شعر و أن الشياطين تنزل عليهم و أن الآلهة قد اعترتهم بسوء ثم من صدهم الناس عن اتباع الأنبياء و محاولتهم صرف النبي أو الرسول عن الدعوة بالأذى تارة و بالتهديد و الوعيد تارة أخرى ثم تحدّيهم لهم و طلبهم إنزال العذاب أو الإتيان بمعجزة إلى غير ذلك من الأمور التي تتضح في القصص و التي يكفي في الدلالة عليها أن نورد هذه القصة وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ*`قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي سَفََاهَةٍ وَ إِنََّا لَنَظُنُّكَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفََاهَةٌ وَ لََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أُبَلِّغُكُمْ رِسََالاََتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ نََاصِحٌ أَمِينٌ*`أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جََاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفََاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زََادَكُمْ فِي اَلْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاََءَ اَللََّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*`قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِنَعْبُدَ اَللََّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مََا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجََادِلُونَنِي فِي أَسْمََاءٍ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ مََا نَزَّلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ*

____________

(1) أسباب النزول، ص 219، سورة الإسراء الآيات 73-75.

غ

128

فَأَنْجَيْنََاهُ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنََّا وَ قَطَعْنََا دََابِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ مََا كََانُوا مُؤْمِنِينَ (1) .

و يترتب على هذه العقبات أنواع من الألم تختلف قوة و ضعفا فقد يخرج الألم الرسول عن حد الاعتدال و القصد فتثور انفعالاته و تضطرب نفسه و تجمح العواطف حتى ليعجز عن كبحها و ذلك هو الواضح من موقف ذي النون عليه السلام حين ذهب مغاضبا وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنََادى‏ََ فِي اَلظُّلُمََاتِ أَنْ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ*`فَاسْتَجَبْنََا لَهُ وَ نَجَّيْنََاهُ مِنَ اَلْغَمِّ وَ كَذََلِكَ نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ (2) .

و قد يؤثّر هذا الألم على الإتجاه العام في حياة الرسول و الدعوة حتى ليهم بتركها و ذلك هو الواضح من قوله تعالى‏ فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (3) .

و قد يكون هذا الألم من القوة و العنف بحيث يبعث الشك في النفوس و يبذر اليأس في القلوب و الحالة الأولى هي التي يصوّرها قوله تعالى‏ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ (4) .

كما يصوّرها قوله‏ حَتََّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جََاءَهُمْ نَصْرُنََا فَنُجِّيَ مَنْ نَشََاءُ وَ لاََ يُرَدُّ بَأْسُنََا عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ (5) .

إلا أنه على الرغم من كل هذه العقبات فإن الرسل يظفرون بالانتصار فنراهم و قد تخطّوا العقبات و انتصروا على الأعداء حتى لكأن الألم الذي عانوه لم يكن إلا المطهر الذي نفث فيهم الصلابة و القوة و أحالهم خلقا آخرين أقدر من غيرهم على تحمّل العقبات

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 65-72.

(2) سورة الأنبياء، الآيتان 87-88.

(3) سورة هود، الآية 12.

(4) سورة يونس، الآية 94.

(5) سورة يوسف، الآية 110.

129

و على استعذاب الألم في سبيل الدعوات. و كأن تلك الوقفات القصيرة لم تكن إلا الاستعداد للوثبة تتبعها و ثبات.

يعمل على هذا الانتصار فيما نعتقد أمران:

الأول: تلك العقيدة الدينية التي يحس بأثرها النفسي جميع المؤمنين بالعقائد و الأديان من أن اللّه يرعاهم و يحفظهم و يثبت خطاهم و يهيّئ لهم من أمورهم رشدا و الأثر النفسي لهذه العقيدة هو أنها تشحذ الهمم و تقوّي العزائم و تزيل الضعف عن النفوس و تبعد اليأس عن القلوب‏ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللََّهِ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلََّهِ يُورِثُهََا مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1) .

الثاني: ذلك الأثر النفسي الذي يقوم به الفن من عمليات الإيحاء و الإفاضة حين يقص على المعاصرين أخبار من سبقوهم و كيف كانوا أبطالا و كيف كان النصر في النهاية حليفهم. و القصص القرآني يعمل من غير شك على تخفيف الضغط العاطفي و على انقشاع الأزمات النفسية من عند النبي و المؤمنين و هذا هو الأمر الذي سنتحدّث عنه بتفصيل عند حديثنا عن أغراض القصص القرآني إن شاء اللّه و لذلك نكتفي هنا في الدلالة على تلك الحقيقة بذلك النص القصير المنقول عن صاحب الكشاف بصدد حديثه عن الصلة بين قوله تعالى‏ طه*`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ... (2) و بين قصة موسى عليهما السلام قال رحمه اللّه: «قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمّل أعباء النبوة و تكاليف الرسالة و الصبر على مقاساة الشدائد حتى ينال عند اللّه الفوز و المقام المحمود» (3) .

و صدق اللّه العظيم حين يقول‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ (4) .

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 128.

(2) سورة طه، الآيتان 1-2.

(3) الكشاف، جـ 2، ص 25.

(4) سورة هود، الآية 120.

130

و حين يقول‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ*`وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ... (1) .

____________

(1) سورة القصص، الآيتان 5-6.

131

القيم الدينية و الخلقية

و أعترف منذ اللحظة الأولى بأن لا فضل لي في هذا الفصل إلا فضل التنظيم و العرض ذلك لأنه قد سبق أن عالجت موضوعات هذا الفصل في بحثي الأول الذي قدّمته لنيل درجة الماجستير فإن زدت شيئا فهو الخروج من الأمور الخاصة بمحمد عليه السلام إلى الأمور العامة و الخاصة به و بغيره من الرسل و الأنبياء و الشي‏ء الذي أعتبره جديدا نوعا ما في هذا الفصل هو الحديث عن المعاني الخلقية و ما يستتبعها من تلك اللمحات الخاطفة التي صوّر بها القرآن بعض العادات.

و لعل أوضح الأمور فيما يتعلق بالمعاني الدينية التي وردت صور عنها في القصص القرآني هي الأمور المتعلقة بالآلهة ثم بالرسل و المعجزات و هذا هو الأمر الذي يمشي مع طبيعة الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت و يجري مع طبائع الأشياء.

ذلك لأن أكثر القصص القرآني مكي و في مكة لم تتجه الدعوة إلى غير المسائل الكبرى من قضايا الأديان و من هنا كانت الوحدة التي عبّر عنها القرآن حين قال‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (1) و من هنا أيضا كان التشابه بين اليهودية و المسيحية و الإسلام.

____________

(1) سورة الشورى، الآية 13.

132

على أن للمسألة وجها آخر هو أن القصص القرآني كان يعنى العناية كلها بأمور المخالفين في أمر الدعوة و المعارضين للنبي عليه السلام و لذا كان القصص يوجّه الحديث التوجيهات التي تشرح هذه الأمور و تقرّها في الأذهان. و إذا كانت هذه الأمور المتنازع عليها خاصة بالوحدانية و البعث و الرسالة كانت هي الواضحة كل الوضوح في قصص القرآن.

ثم إن أمور الدين الإسلامي نفسه كانت أشبه بالتنظيمات الداخلية التي يقوم بها الفرد بعد أن يعتنق الدين الجديد و يدخل في حظيرة الإسلام و أمثال هؤلاء لا يثيرون جدلا و لا يقيمون الصعاب.

على أني أستغفر اللّه و أستثني شيئا هو تلك العادات الخلقية التي كانت قد استقرت و عظم شأنها بحيث لم يقدر الفرد على التخلي عنها بمجرد دخوله في حظيرة الدين و الإيمان. و تلك كبخس الناس أشياءهم و تطفيف الكيل و الميزان. و من هنا تعرّض لها القرآن أيضا و إن نالها على أنها من الأخلاق العامة إذ تعرّض لها في قصة شعيب عليه السلام.

و نبدأ من قضايا الدين في قصة شعيب بالحديث عن التديّن.

و التديّن في حس القرآن غريزة إنسانية فهي‏ فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ (1) . و هي من هنا عامة و خالدة يستوي فيها الناس جميعا و سواء في ذلك المتحضّر منهم و الباد.

و تتّصف هذه الغريزة أو تلك الفطرة بإسنادها قدرة عظيمة و قوى قاهرة إلى موجودات و كائنات و الغريب أن هذه القدرة قد تسند لغير اللّه فتسند للأصنام و تسند لغيرها من الآلهة التي يعبدها الوثني في مختلف الأديان و من هنا قدّروها فعبدوها و أخافوا الأنبياء من غضبها و انتقامها.

عبد قوم عاد أسماء سمّوها و عبد قوم إبراهيم آلهة صنعوها بأيديهم. و قال اللّه في حق الأولين من سورة الأعراف‏ قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِنَعْبُدَ اَللََّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مََا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجََادِلُونَنِي فِي

____________

(1) سورة الروم، الآية 30.

133

أَسْمََاءٍ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ مََا نَزَّلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ (1) . و قال في حق الآخرين من سورة العنكبوت‏ إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً (2) . كما قال متعجبا في الصافات‏ أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ (3) .

و إذا كانت الآلهة تعبد اتقاء غضبها أو رجاء خيرها فذلك هو الذي كان بين الآلهة و هؤلاء فقد أخافوا الأنبياء من شرّها و قد أحبوها حبهم للّه.

أخاف قوم إبراهيم فيما ذكر القرآن: وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانِ وَ لاََ أَخََافُ مََا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ* `وَ كَيْفَ أَخََافُ مََا أَشْرَكْتُمْ وَ لاََ تَخََافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) .

و اعتقد قوم عاد أن آلهتهم قد مسّت هودا بسوء. قال تعالى‏ قََالُوا يََا هُودُ مََا جِئْتَنََا بِبَيِّنَةٍ وَ مََا نَحْنُ بِتََارِكِي آلِهَتِنََا عَنْ قَوْلِكَ وَ مََا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ*`إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ قََالَ إِنِّي أُشْهِدُ اَللََّهَ وَ اِشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ (5) .

و قامت مودّة بين قوم إبراهيم و الأوثان، و اتّخذ غيرهم أوثانا يحبونهم كحب اللّه و إن يكن الذين آمنوا أشد حبا للّه. قال تعالى: وَ قََالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (6) . و قال تعالى: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْدََاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ (7) .

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان 70-71.

(2) سورة العنكبوت، الآية 17.

(3) سورة الصافات، الآية 95.

(4) سورة الأنعام، الآيتان 80-81.

(5) سورة هود، الآيتان 53-54.

(6) سورة العنكبوت، الآية 25.

(7) سورة البقرة، الآية 165.

134

و من هنا اتّجه القرآن إلى ما في عقلية هؤلاء من تناقض ظاهر بين الصورة النفسية للآلهة و الواقع العملي الذي يحس و يشاهد. اتّجه إلى أن الأسباب التي تعبد من أجلها الآلهة و تحب غير متوفرة في هؤلاء. اتّجه إلى كل هذه الأشياء و صوّرها، و وضع صورها بين أيدي هؤلاء الأقوام ليلمسوا بأيديهم و يحسوا بأبصارهم و بصائرهم أنهم في غفلة و ضلال، و أنه كيف يصح في شرعة العقل أن يعبد إنسان ما خلقه الوهم و صنعه الخيال، فيعبد أسماء أو أن يعبد ما يصنع بيديه فيعبد ما ينحت.

و لعل أوضح المثل في كل هذا، هو ما ورد في قصص إبراهيم عليه السلام. قال تعالى في سورة الشعراء: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرََاهِيمَ*`إِذْ قََالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مََا تَعْبُدُونَ* `قََالُوا نَعْبُدُ أَصْنََاماً فَنَظَلُّ لَهََا عََاكِفِينَ*`قََالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*`أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ*`قََالُوا بَلْ وَجَدْنََا آبََاءَنََا كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ*`قََالَ أَ فَرَأَيْتُمْ مََا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ*`أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمُ اَلْأَقْدَمُونَ*`فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ*`اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ*`وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ*`وَ إِذََا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*`وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ*`وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ اَلدِّينِ (2) . و قال في سورة الأنبياء: وَ لَقَدْ آتَيْنََا إِبْرََاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنََّا بِهِ عََالِمِينَ*`إِذْ قََالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مََا هََذِهِ اَلتَّمََاثِيلُ اَلَّتِي أَنْتُمْ لَهََا عََاكِفُونَ* `قََالُوا وَجَدْنََا آبََاءَنََا لَهََا عََابِدِينَ*`قََالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`قََالُوا أَ جِئْتَنََا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اَللاََّعِبِينَ*`قََالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَ أَنَا عَلى‏ََ ذََلِكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ*`وَ تَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنََامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ*`فَجَعَلَهُمْ جُذََاذاً إِلاََّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ*`قََالُوا مَنْ فَعَلَ هََذََا بِآلِهَتِنََا إِنَّهُ لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ*`قََالُوا سَمِعْنََا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقََالُ لَهُ إِبْرََاهِيمُ*`قََالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ََ أَعْيُنِ اَلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ* `قََالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هََذََا بِآلِهَتِنََا يََا إِبْرََاهِيمُ*`قََالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ*`فَرَجَعُوا إِلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ فَقََالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ اَلظََّالِمُونَ*`ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ََ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مََا هََؤُلاََءِ يَنْطِقُونَ*`قََالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لاََ يَضُرُّكُمْ*

____________

(2) سورة الشعراء، الآيات 69-82.

135

أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ (1) .

كما قال في حق المعاصرين للنبي عليه السلام قال تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ*`فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ*`أَ يُشْرِكُونَ مََا لاََ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ* `وَ لاََ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لاََ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ*`وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى اَلْهُدى‏ََ لاََ يَتَّبِعُوكُمْ سَوََاءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صََامِتُونَ*`إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ عِبََادٌ أَمْثََالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ*`أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهََا أَمْ لَهُمْ آذََانٌ يَسْمَعُونَ بِهََا قُلِ اُدْعُوا شُرَكََاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاََ تُنْظِرُونِ*`إِنَّ وَلِيِّيَ اَللََّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتََابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى اَلصََّالِحِينَ*`وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاََ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لاََ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ*`وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى اَلْهُدى‏ََ لاََ يَسْمَعُوا وَ تَرََاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاََ يُبْصِرُونَ (2) .

و كل الذي أراده القرآن من وضع هذه الصور هو أن يفهموا حقيقة هذه الآلهة و أنها لا تنفع و لا تضر إذ عند ذلك ينصرف الإنسان عن عبادتها و يبحث له عن معبود سواها.

هذه الصورة النفسية للآلهة أو تلك الظواهر التي يسندها خلق التديّن للقوى القوية القاهرة يردها القرآن إلى إله واحد هو اللّه. بذلك تحدّث الرسل إلى أقوامهم و بهذا جاءت الأديان فيقول كل واحد من الرسل لقومه في قصص سورة الأعراف‏ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ (3) و يقول كثير من الأقوام لرسلهم‏ أَ جِئْتَنََا لِنَعْبُدَ اَللََّهَ وَحْدَهُ (4) .

____________

(1) سورة الأنبياء، الآيات 51-67.

(2) سورة الأعراف، الآيات 189-198.

(3) نفس السورة، الآية 85.

(4) نفس السورة، الآية 70.

غ

136

و ينزه القصص القرآني الإله الواحد عن كل نقص كما ينزهه عن أن يتخذ الشريكة و الولد سبحان اللّه عما يصفون رب العرش العظيم‏ مََا كََانَ لِلََّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحََانَهُ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) ، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ فَقََالُوا إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً*`يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ فَآمَنََّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنََا أَحَداً*`وَ أَنَّهُ تَعََالى‏ََ جَدُّ رَبِّنََا مَا اِتَّخَذَ صََاحِبَةً وَ لاََ وَلَداً*`وَ أَنَّهُ كََانَ يَقُولُ سَفِيهُنََا عَلَى اَللََّهِ شَطَطاً (2) .

و تلك الصورة التي يريد القرآن أن يقرّها من هذا الجانب هي الصورة الواردة في قوله تعالى‏ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ*`اَللََّهُ اَلصَّمَدُ*`لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ*`وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (3) .

و إذا كان الإنسان يعبد الآلهة للضرر و النفع كان لا بد له من تنظيم الصلات بينه و بينها كما كان لا بد له من نوع من فروض الطاعة و المحبة يتجلى في الفرائض الدينية و ما يقدمه أحيانا من ضحايا و قرابين.

على أن القصص القرآني قد أهمل هذا الجزء الأخير إلا في النادر القليل كما هو الحال في قصة إبراهيم و إسماعيل حين رأى في المنام أمر ربه بذبح ابنه و حين هم بفعلته استجابة لنداء ربه لو لا تلك الفدية التي أرسلها ربه و هي الذبح العظيم. و هذه القصة واردة في سورة الصافات قال تعالى‏ وَ قََالَ إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي سَيَهْدِينِ*`رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`فَبَشَّرْنََاهُ بِغُلاََمٍ حَلِيمٍ*`فَلَمََّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قََالَ يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ قََالَ يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ*`فَلَمََّا أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ*`وَ نََادَيْنََاهُ أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ*`قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ* `إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ `وَ فَدَيْنََاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (4) و من هنا سنقصر حديثنا عن تلك الصلات التي يستطيع الإنسان بمقتضاها أن يعرف أوامر ربه و نواهيه يقوم بها ابتغاء مرضاته يرجو جلب النفع و دفع الضر و تيسير كل شاق عسير.

____________

(1) سورة مريم، الآية 35.

(2) سورة الجن، الآيات 1-4.

(3) سورة الإخلاص.

(4) سورة الصافات، الآيات 99-107.

137

و القرآن يصوّر لنا من هذا الجانب اتجاهات بعضها يقوم على الأمور الحسية كإجالة الأقداح و الاستقسام بالأزلام و تلك لم ترد في القصص القرآني و إن وردت في بعض المواطن الخاصة بالمعاصرين للنبي عليه السلام.

و بعض آخر يقوم على صلة بين بين. إذ يتصل فيها الكهان و العرافون بالأرواح الخفية و هذه بدورها تطلعهم على أخبار السماء. و ذلك اتجاه حاربه القرآن في مواطن كثيرة و ورد منه في القصص القرآني آيات في سورة الجن قال تعالى‏ وَ أَنََّا لَمَسْنَا اَلسَّمََاءَ فَوَجَدْنََاهََا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً*`وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً (1) .

و يظهر أن هذه العقيدة وردت في القصة ليكون حديث الجن عن نفسها أبعد نفاذا و أقوى أثرا.

و يبقى بعد ذلك اتجاه واحد هو اختيار واحد من البشر ليكون الرسول.

و يظهر أن العقيدة الأولى و هي عقيدة الأرواح الخفية كانت أقوى من تلك و أشد إذ الذي يلاحظ في القصص القرآني أن أكثر الأقوام كانوا يقولون لرسلهم‏ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً مََا سَمِعْنََا بِهََذََا فِي آبََائِنَا اَلْأَوَّلِينَ (2) .

و إذا كان قد سبق لنا الحديث عن بشرية الرسل من الوجهة الاجتماعية فإنّا نقصر الحديث عنهم هنا من حيث تلقّي الأديان لتوصيلها إلى الخلق و دعوتهم إلى الإيمان بها.

و الإله الواحد هو الذي يستأثر بعلم الغيب و لا يطلع على هذا الغيب أحدا إلا من ارتضى من رسول. و هو يصطفي هذا الرسول ليطلع البشرية على الغيب و يرسم لها طريق الوصول إلى المستقبل السعيد قال تعالى‏ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشََاءُ فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (3) .

____________

(1) سورة الجن، الآيتان 8-9.

(2) سورة المؤمنون، الآية 24.

(3) سورة آل عمران، الآية 179.

138

و إلقاء هذه المعرفة في نفس الرسول أو اطلاعه على ما في الغيب يختلف باختلاف الظروف و المناسبات فترى منه نوعا يأخذ صورة الرؤيا الصادقة و ذلك يمثله ما حدث لإبراهيم و يوسف عليهما السلام. يقول اللّه تعالى في حق الأول‏ فَلَمََّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قََالَ يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ... (1) و هي القصة التي سبقت في هذا الفصل.

و يقول في حق الثاني: إِذْ قََالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يََا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ*`قََالَ يََا بُنَيَّ لاََ تَقْصُصْ رُؤْيََاكَ عَلى‏ََ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لِلْإِنْسََانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ*`وَ كَذََلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحََادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ََ آلِ يَعْقُوبَ كَمََا أَتَمَّهََا عَلى‏ََ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (2) .

و نرى منه نوعا آخر يعتمد على التكليم. يقول اللّه تعالى بصدد الحديث عن الرسل في حق موسى‏ وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنََاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً (3) . و قال‏ قََالَ يََا مُوسى‏ََ إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي وَ بِكَلاََمِي فَخُذْ مََا آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ (4) .

ثم هنالك غير هذين، هناك ذلك اللون الذي يرسل فيه الإله ملكا فيتمثل للمرسل إليه بشرا و يلقي إليه ما أمره به اللّه. يقول اللّه تعالى‏ وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهََا مَكََاناً شَرْقِيًّا*`فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجََاباً فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا* `قََالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمََنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا*`قََالَ إِنَّمََا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاََماً زَكِيًّا (5) . كما قال في قصة إبراهيم عليه السلام‏ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ اَلْمُكْرَمِينَ*`إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*`فَرََاغَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ فَجََاءَ بِعِجْلٍ

____________

(1) سورة الصافات، الآية 102.

(2) سورة يوسف، الآيات 4-6.

(3) سورة النساء، الآية 164.

(4) سورة الأعراف، الآية 144.

(5) سورة مريم، الآيات 16-19.

139

سَمِينٍ*`فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ*`فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ*`فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ*`قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ (1) .

و هنا شي‏ء لا بد من التنبيه عليه، هو أن هذه الأرواح الخفية كانت تختلط في ذهن العربي فلا يعرفها إلا بآثارها، و كان يعتقد أن الملائكة تأتي بالخير و أن الشياطين تأتي بما يسوء، و من هنا كانوا يعتقدون أن الشياطين هي التي تنزل على محمد، و إلا لما كان منه خروج على الجماعة و لما كان منه سبب للآلهة.

و الواضح من القرآن أن الشياطين كانت تسمع أخبار السماء، و أنها منعت من أجل النبي عليه الصلاة و السلام. و سبق أن شرحنا هذه العقيدة في فصل (المعاني التاريخية) ، و هو الفصل الأول من هذا الباب.

و يبقى بعد ذلك لون أخير، هو إلقاء المعاني المرادة في ذهن الرسول، و ذلك هو الأمر الذي حدث مع كل الرسل و الأنبياء، حدث لنوح و إبراهيم و حدث لهود و صالح و شعيب، و حدث لغيرهم من الرسل عليهم الصلاة و السلام.

و يحمل القرآن معظم هذه الحالات في قوله تعالى‏ وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (2) .

و هنا نعود مرة ثانية إلى الحديث عن الأرواح الخفية، التي تنقل إلى الناس أخبار السماء. إذ ما العمل ما دام هؤلاء القوم يسلمون بوقوف الشياطين على تلك الأخبار.

هنا يبرز أمران:

الأول: أن الشياطين منعت بعد النبي، و من الجائز أن تكون قد منعت في حياة كل واحد من الرسل و الأنبياء، و هذا ما يقول به بعض المفسّرين، و على رأسهم الرازي.

الثاني: أن الرسول الذي يأتيه الوحي و تنزل عليه الملائكة لا بد له من معجزة تدل

____________

(1) سورة الذاريات، الآيات 24-30.

(2) سورة الشورى، الآية 51.

140

على صدق رسالته و صحة نبوّته، و ذلك هو الأمر الذي سنتحدث عنه في الفقرة التالية عند حديثنا عن المعجزات، غير أني قبل أن أبدأ الحديث عنها أريد أن أذكر شيئا هو الحديث عن تلك العقيدة التي كانت شائعة معروفة في الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول عليه السلام.

قلنا إن التديّن يرمي إلى جلب النفع و دفع الضرر من الآلهة، حتى و لو كانت أوثانا، و نقول إن الأمر الذي ينبني على هذا هو أن الشعب الذي يمن اللّه عليه بالفضل، فيختار واحدا من أبنائه ليكون الرسول، هو الشعب الذي يعتقد بنفسه الفضل، و أنه محل الرعاية و العناية.

و لقد كان الشعب الإسرائيلي يؤمن بهذا، و يذيع ذلك في الجزيرة العربية، و لقد كان لكل ذلك أثره في حياة اليهود في الجزيرة في حياة النبي و الإسلام، و صوّر القرآن عقيدتهم تلك حين ذهبوا إلى أنهم أبناء اللّه و أحباؤه، و حين قال موسى لهم‏ يََا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيََاءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتََاكُمْ مََا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ (1) .

و لكن القرآن حارب هذه العقيدة، و مضى إلى العكس منها، و ذهب إلى أن الرسالة لا تخص شعبا دون شعب، و لا أمة دون أمة، و أن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء اللّه ذو الفضل العظيم. قال تعالى‏ إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ (2) و قال تعالى‏ وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذََا جََاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ (3) .

فالقرآن كما ترى يجعل الرسالة ظاهرة دينية و اجتماعية لا تخص أمة دون أمة و لا يستأثر بها شعب دون آخر و هذا هو الأمر الذي شرحناه بتفصيل عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية.

و نبدأ الآن بالحديث عن المعجزات فنقول:

____________

(1) سورة المائدة، الآية 20.

(2) سورة فاطر، الآية 24.

(3) سورة يونس، الآية 47.

141

جاء القرآن و القوم يذهبون في الغالب مذهبين: الأول أن الرسول لا بد و أن يكون من الملائكة و ذلك هو الرأي الذي صوّرنا أن القرآن يجري على خلافه عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية من أن الرسول يكون من الجماعة و يكون من الذين عرفوا آمالها و أحسوا آلامها فهو أخو القوم المتحدّث بلسانهم.

الثاني أن الرسول من البشر لكنه يؤيد دائما بمعجزة و من هنا كانوا يقفون دائما في وجه الأنبياء يطالبونهم بالآيات أو البينة.

و موقف القرآن هنا موقف من لا ينكر أمر المعجزة لكنه ينكر أن يتوقف الإيمان عليها أو يتعلق بها و لذا نراه يذكر المعجزات التي عرفت لمن سبق النبي عليه السلام من الرسل فيذكر معجزات موسى و عيسى كما يذكر ناقة صالح و إلقاء إبراهيم في النار.

لكنه في الوقت نفسه يرى ألا تعلق لهذه بتلك فالآيات لم تأت دائما لتكون الدليل و إنما جاءت تخويفا و إنذارا و من هنا أصبحت قليلة النفع عديمة الفائدة. يقول اللّه تعالى‏ وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهََا وَ مََا نُرْسِلُ بِالْآيََاتِ إِلاََّ تَخْوِيفاً (1) .

و الآيات قد تأتي الواحدة بعد الأخرى و مع ذلك لا يكون إيمان و لا ينفع مع المعارضة أي دليل. قال تعالى‏ وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (2) .

و قد فطن الطبري إلى ذلك فقال عند تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان و الأصنام القائلين لك لئن جئتنا بآية لنؤمن لك فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا و كلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك و دلالة على نبوّتك و أخبروهم أنك محق فيما تقول و أن ما جئتم به حق من عند اللّه و حشرنا عليهم كل شي‏ء قبلا فجعلناهم لك قبلا ما آمنوا و لا صدّقوك و لا اتّبعوك إلا أن يشاء اللّه لمن شاء منهم و لكن أكثرهم

____________

(1) سورة الإسراء، الآية 59.

(2) سورة الأنعام، الآية 111.

142

يجهلون يقول و لكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك يحسبون أن الإيمان إليهم و الكفر بأيديهم متى شاءوا آمنوا و متى شاءوا كفروا و ليس ذلك كذلك ذلك بيدي لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته و لا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللت‏ (1) » .

و نستطيع أن نكتفي بهذا القدر عن المعاني الدينية و قد كانت هذه الأمور الوحدانية و الرسالة و المعجزات أهم المشاكل التي عني بها القصص و أكثر من الحديث عنها. كما أن التوجيهات الدينية عن كثير من هذه المسائل قد تقدّمت في فصل الحديث عن الأسس النفسية و الاجتماعية و سيأتي عنها حديث آخر في الفصول المقبلة خاصة عند حديثنا عن عنصر الحوار في القصص.

ثم هناك سبب آخر أعتقده وجيها هو أن أكثر هذه الموضوعات قد قتلت بحثا في الثقافة الإسلامية كما أني قد عرضت لها في رسالة الماجستير و من هنا أعتقد أن الابتكار في هذه الأشياء ليس بالأمر المنتظر و يكفي في التوجيهات ما ذكرت.

و ننتقل الآن إلى الحديث عن المعاني الأخلاقية.

و للقصص القرآني طرق خاصة في تصوير الأشياء الخلقية. فهو مرة يعمد إلى النهي الصريح و ذلك في حالات منها أن يكون المنهي عنه من الأمور العادية التي تركّزت في البيئة فأصبحت من العادات الاجتماعية المرذولة و ذلك كتطفيف الكيل فقد نهى القرآن عن هذه العادة القبيحة المرذولة في قصة من قصص شعيب.

و منها تلك الأمور التي يقوم بها الناس ترضيه لعاطفة أو استجابة لرغبة و ذلك كقعودهم بكل صراط يصدون عن سبيل اللّه من آمن و تلك تكرّرت في كثير من القصص و وردت أيضا في قصة شعيب.

و يمثل النوعين من النهي قصة شعيب في الأعراف. قال تعالى‏ وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ قَدْ جََاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا اَلْكَيْلَ

____________

(1) الطبري، جـ 8، ص 2.

غ

143

وَ اَلْمِيزََانَ وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ وَ لاََ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاََحِهََا ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ لاََ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرََاطٍ تُوعِدُونَ وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَهََا عِوَجاً وَ اُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَ اُنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ (1) .

و هو مرة يعمد إلى التعجّب أو إلى الاستفهام الإنكاري و ذلك أيضا قد يكون في العادات القبيحة المرذولة التي استقرّت في البيئة و أصبحت خلقا عاما و ذلك كإتيان الذكران من العالمين في كل قصة ورد فيها اسم لوط. قال اللّه تعالى‏ وَ لُوطاً إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ مََا سَبَقَكُمْ بِهََا مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعََالَمِينَ*`أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ وَ تَقْطَعُونَ اَلسَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اِئْتِنََا بِعَذََابِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ (2) .

ثم هناك الطريقة العرضية التي يعرض فيها القرآن أخلاق بعض الجماعات أو أخلاق بيئة من البيئات و ذلك يكثر في القصص الذي سنقول عنه في المستقبل أنه لا يقصد شيئا معينا و أكثر ما يكون هذا اللون في قصص موسى عليه السلام إذ في ذلك القصص نجد تصويرا لأخلاق اليهود كما نجد بعض لفتات لأخلاق المصريين.

و لا نستطيع أن نقول هنا بأن هذا كان تصويرا للواقع في جملته و تفصيله فقد يكون التعبير الأدبي عن حالات بعينها هو الذي أدى إلى مثل هذه المعاني الخلقية. و من هنا نريد أن نلتزم في هذا اللون ما التزمناه سابقا في الحديث عن المعاني التاريخية حيث انتهينا إلى القول بتلك الحرية الفنية التي تدفع بالأديب إلى أن يلاحظ الواقع النفسي أكثر من ملاحظته لصدق القضايا و صحتها لأن المسألة قد تكون مسألة حرب أعصاب لا أكثر و لا أقل و لعل هذا هو الذي يلاحظ فيما يخص اليهود. فقد كان القرآن ينزل على النبي و فيه هجوم عنيف على اليهود خاصة في العهد المدني.

و أول الأشياء التي تؤخذ على اليهود عدم الوفاء بالعهود فقد كانوا ينقضون الإيمان

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان 85-86.

(2) سورة العنكبوت، الآيتان 28-29.

144

بعد توكيدها. و قد كانوا ينكثون في كثير من الأمور التي اتفقوا عليها مع موسى عليه السلام. قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ وَ مََا يَكْفُرُ بِهََا إِلاَّ اَلْفََاسِقُونَ*`أَ وَ كُلَّمََا عََاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`وَ لَمََّا جََاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ كِتََابَ اَللََّهِ وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ (1) .

و قال تعالى بصدد الحديث عن خلقهم أيضا وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينََارٍ لاََ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قََالُوا لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ*`بَلى‏ََ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ وَ اِتَّقى‏ََ فَإِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ*`إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ أَيْمََانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ*`وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتََابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (2) .

و كذلك صنع القرآن مع المصريين فقد صوّرهم على أنهم قوم ينكثون ما عاهدوا اللّه عليه. قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ أَخَذْنََا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ*`فَإِذََا جََاءَتْهُمُ اَلْحَسَنَةُ قََالُوا لَنََا هََذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ََ وَ مَنْ مَعَهُ أَلاََ إِنَّمََا طََائِرُهُمْ عِنْدَ اَللََّهِ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ*`وَ قََالُوا مَهْمََا تَأْتِنََا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنََا بِهََا فَمََا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ*`فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلطُّوفََانَ وَ اَلْجَرََادَ وَ اَلْقُمَّلَ وَ اَلضَّفََادِعَ وَ اَلدَّمَ آيََاتٍ مُفَصَّلاََتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كََانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ*`وَ لَمََّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ اَلرِّجْزُ قََالُوا يََا مُوسَى اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا اَلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرََائِيلَ*`فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلى‏ََ أَجَلٍ هُمْ بََالِغُوهُ إِذََا هُمْ يَنْكُثُونَ*`فَانْتَقَمْنََا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ (3) .

كما رماهم بالخفة و الطيش في اتباع فرعون و عبادته. قال تعالى في سورة الزخرف

____________

(1) سورة البقرة، الآيات 99-101.

(2) سورة آل عمران، الآيات 75-78.

(3) سورة الأعراف، الآيات 130-136.

145

وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلسََّاحِرُ اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنََا لَمُهْتَدُونَ*`فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلْعَذََابَ إِذََا هُمْ يَنْكُثُونَ*`وَ نََادى‏ََ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قََالَ يََا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هََذِهِ اَلْأَنْهََارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ*`أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ*`فَلَوْ لاََ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جََاءَ مَعَهُ اَلْمَلاََئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ*`فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطََاعُوهُ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ (1) .

و قبل أن ننتهي من الحديث عن المعاني الخلقية نلفت الذهن إلى ما قلناه في الفصل السابق عن أثر الاقتصاد في المعارضة إذ نجد هناك بعض الأشياء التي نستطيع أن نسميها أخلاقا دفعت إليها الحالة الاقتصادية و ذلك كالكبر و العناد بالنسبة للأغنياء و الخضوع بالنسبة للفقراء حتى لقد كان الأغنياء يزدرونهم.

و على الجملة فالجوانب الخلقية في القصص القرآني ليست بالكثيرة و لعل أهمها هو الذي صوّرناه هنا بحيث لا نستطيع القول بأنّا قد تركنا منها أمرا له قيمة.

و لا يسعني في ختام هذا الفصل إلا أن أعتذر عن التقصير الذي دفع إليه كتابتي لهذا الفصل سابقا في رسالة أخرى. و لأن مواد هذا الفصل بالذات قد أشبعها القدماء بحثا و درسا.

____________

(1) سورة الزخرف، الآيات 49-54.

146

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

147

الباب الثاني الفن في القصة القرآنية

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

ما هي القصة؟و هل في القرآن قصة فنية؟

و نحاول أن نقف على تلك الصورة التي كان يتصوّر بها الأقدمون من علماء البلاغة و النقد الأدبي القصة الفنية فنعجز. و يرجع هذا العجز إلى أن هؤلاء العلماء لم يلتفتوا إلى هذه القصة على أنها لون من ألوان الفنون و الآداب فضلا عن الوقوف عندها لبحثها و درسها و تقعيد قواعدها و من هنا جاءت كتبهم خالية من أي حديث عن القصة حتى ذلك الحديث الذي يحدّدها و يعرف بها.

نعم نحن لا نستطيع أن ننكر أن من مسائل البيان ما يمكن الاعتماد عليه في شرح و تفسير العناصر القصصية و الظاهرات الأدبية في القصة الفنية و ذلك من أمثال مسائل التوسّع و اللزوم و التمثيل فإن المسألة الأولى يمكن الاعتماد عليها في شرح عنصر الحوار الفني و تفسيره و الثانية يمكن الاعتماد عليها في الحديث عن الأحداث القصصية و بيان مدى صلتها بالحق و الواقع أو بالعرف و الخيال و الثالثة يمكن الاعتماد عليها في بيان كيفية استخراج القيم العقلية و التيارات الفكرية من القصة كما يمكن الاعتماد عليها في بيان أن المثل به لا يلزم أن يكون من الحقائق فقد يكتفى فيه بالمشهورات المتداولة و بالفرضيات المتخيلة كما سنرى بوضوح عند حديثنا عن القصة التمثيلية في هذا الفصل إن شاء اللّه. لا نستطيع أن ننكر شيئا من ذلك بل نستطيع القول بأنّا قد اعتمدنا على‏

150

شي‏ء من ذلك في بحثنا هذا و لكن ذلك كله لا يثبت أن هذا قد كان من الثقافة للقصة الفنية و أنه إنما كان منا لنرضي هذه العقلية الأزهرية التي تجهل الثقافة القصصية و التي لا يرضيها من مسائل البيان العربي و النقد الأدبي إلا ما كان قديما أو ما كان متصلا من هذا القديم بسبب.

و عدم وقوف البيانيين و علماء النقد من الأقدمين عند القصة الفنية هو الذي سبّب ذلك الإهمال الشنيع لأمر القصة في بيئاتنا الرسمية بيئات أساتذة اللغة العربية في المعاهد المختلفة و لعله أن يكون من العجب أو من أعجب العجب أن تمضي جامعاتنا المصرية على هذه السنة فتهمل شأن القصة و شأن الثقافة الفنية القصصية حتى وقتنا هذا مع اعتراف جميع الدارسين للآداب و الفنون بأن القصة الفنية أقوى ألوان الفنون تأثيرا و أكثرها ذيوعا و انتشارا. و من يدري فلعل هذا الإهمال هو الذي سبّب هذه الثورة الأزهرية و تلك المعارضة الجامعية لرسالة الفن القصصي لأن الإهمال يدفع إلى الجهل و الجهل يدفع إلى العداء. و من جهل شيئا عاداه.

و عدم وقوف البيانيين عند القصة لا يعني أن غيرهم لم يقف عندها فنحن نعلم أن هناك وقفات من المفسّرين و علماء اللغة.

أما علماء اللغة فقد اكتفوا من الحديث عن القصة بتحديدات مبهمة و تعريفات ناقصة بل هم اكتفوا بما يستثيره لفظ قصة في الذهن من معنى و ذلك ليس بالغريب عليهم فيما نرى فشأن علماء اللغة و بخاصة من هم من أبناء العربية أن يذكروا لنا معاني الألفاظ أو ما تستثيره الألفاظ في الأذهان من صور و ليس من شأنهم أن يذكروا الحدود الفنية و التعريفات العلمية و ما يتبع ذلك من حديث تام شامل عند ما تكون الألفاظ من المصطلحات العلمية أو الفنية.

و المعاني التي وقف عندها علماء اللغة عند حديثهم عن مادة «ق ص ص» كثيرة و لعل أقربها إلى ما نحن بصدده من حديث أدبي ما رواه اللغويون عن الأزهري و عن الليث.

يقول الأول: القص فعل القاص إذ قصّ القصص و القصة معروفة.

151

و يقول الثاني: القص اتباع الأثر و يقال خرج فلان قصصا في أثر فلان و قصا و ذلك إذا اقتص أثره و قيل القاص يقص القصص لأتباعه خبرا بعد خبر و سوقه الكلام سوقا (1) .

أما في كتب التفسير فتخطو المسألة خطوة إلى الأمام ذلك لأنهم ينظرون إلى المسألة باعتبارين: اعتبار لغوي يعتمدون فيه على ذلك الحصيل اللغوي الذي صوّرنا لك طرفا منه. و اعتبار ديني ينظرون فيه من وجهة نظر خاصة هي قصد القرآن الكريم من قصصه أو أهدافه التي يرمي إليها. و إذا حاولنا اختيار واحد من المفسّرين يمثل الاعتبارين و يقترب إلى حد ما من الميدان الأدبي فسنختار الرازي.

يقول رحمه اللّه عند تفسيره للآية نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغََافِلِينَ (2) ما يأتي: «المسألة الثانية: القصص إتباع بعضه و أصله في اللغة المتابعة قال تعالى‏ وَ قََالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (3) أي اتبعي أثره. و قال تعالى‏ فَارْتَدََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمََا قَصَصاً (4) أي اتباعا و إنما سميت الحكاية قصة لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا» (5) .

و هو قول يدل على أن الرازي يحاول التقريب بين المعنى اللغوي و الاصطلاح الأدبي و ذلك حين يربط بين الاثنين باستعماله لفظ الحكاية و إطلاقه لفظ القصة عليها.

و يقول أيضا عند تفسيره لقوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ... (6) إلخ ما يلي و القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين و يرشد إلى الحق و يأمر بطلب النجاة (7) .

____________

(1) مادة قصص في كل من اللسان و القاموس و مفردات الراغب و النهاية.

(2) سورة يوسف، الآية 3.

(3) سورة القصص، الآية 11.

(4) سورة الكهف، الآية 64.

(5) التفسير الكبير، جـ 2، ص 181.

(6) سورة آل عمران، الآية 62.

(7) التفسير الكبير، جـ 2، ص 703.

152

و هو قول يشرح معنى القصص شرحا دينيا و الرازي بهذا القول يدخل الميدان الأدبي أو يقترب منه و ذلك لأن القصة الدينية ليست إلا لونا من ألوان القصص الأدبي.

و نحن مع احترامنا لكل من اللغويين و المفسّرين لا نستطيع و نحن ندرس القصص الفني أن نقف عند هذه الحدود ذلك لأنّا حين نذكر قصة إنما نقصد شيئا آخر أهم من متابعة الخبر أو الحديث. نقصد ذلك العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيّل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود و لكن الأحداث التي دارت حوله في القصة لم تقع أو وقعت للبطل و لكنها نظمت في القصة على أساس فني بلاغي فقدم بعضها و أخّر آخر و ذكر بعضها و حذف آخر أو أضيف إلى الواقع بعض لم يقع أو بولغ في التصوير إلى الحد الذي يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون من الحقائق العادية و المألوفة و يجعلها من الأشخاص الخياليين.

ذلك هو الذي نقصده عند ما نذكر لفظة قصة في الميدان الأدبي و هو الذي نقصد إليه من درسنا للقصص الفني في القرآن الكريم و من هنا يجب علينا أن نقف لنبحث عن ذلك القصد الأدبي أو الفني من قصص القرآن الكريم فهل وجد ذلك القصد أو لم يوجد؟

و بعبارة أخرى هل قصد القرآن من قصصه إلى ما يقصد إليه الأدباء من التأثير الوجداني و استثارة العاطفة و الخيال أو قصد إلى التأثير العقلي و إقامة الدليل و البرهان؟

لا أريد في هذا الموقف أن أملي عليك رأيا بعينه و إنما أريد أن نستعرض سويا بعض الأقاصيص القرآنية لنرى رأينا فيها من حيث ذلك القصد الفني و سأحرص في هذا العرض أن تكون هذه الأقاصيص في مجموعات كل واحدة منها تمثل لونا من ألوان القصص الفني و سنكتفي في هذا العرض بالألوان التالية:

(1) اللون التاريخي: و نقصد منه في هذا الموقف ذلك اللون الذي يدور حول الشخصيات التاريخية من أمثال الأنبياء و المرسلين و الذي يعتقد الأقدمون أن الأحداث القصصية فيه هي الأحداث التاريخية.

(2) اللون التمثيلي: و نقصد منه في هذا الموقف ذلك اللون الذي يرى بعض الأقدمين أن الأحداث فيه ليست إلا الأحداث التي يقصد منها إلى البيان و الإيضاح أو إلى

153

الشرح و التفسير و الذي لا يلزم فيه أن تكون أحداثه من الحقائق فقد يكتفى فيه بالفرضيات و المتخيلات على حد تعبير الأقدمين.

(3) اللون الأسطوري: و هو الذي تبنى فيه القصة على أسطورة من الأساطير و الذي يقصد منه في الغالب إلى تحقيق غاية علمية أو تفسير ظاهرة وجودية أو شرح مسألة قد استعصت على العقل. و العنصر الأسطوري في هذه الأقاصيص لا يقصد لذاته و إنما يتخذ كما سنرى بعد لحظات على أنه الوسيلة و الأداة.

و نستطيع أن نبدأ الآن بذلك اللون الذي يسلم الجميع بوجوده في القرآن الكريم و هو اللون التاريخي.

(1) القصة التاريخية

و لن نقف هنا عند طبيعة الأحداث الواردة في هذا اللون من القصص من حيث وقوعها أو عدم الوقوع فلذلك محله في فصل خاص بالمواد القصصية و طبيعتها و موقف القرآن الكريم منها. و إنما سنمضي في هذا الموقف و قد فرضنا أو سلّمنا بأن هذه الأحداث قد وقعت حقا لنرى رأينا في كيفية صياغة القرآن الكريم لهذه الأحداث و تصويره للأشخاص و هل قصد من وراء كل ذلك إلى العظة و العبرة أو إلى الحقيقة و التاريخ؟

(1) لنقرأ سويا هذه القصة: قال تعالى‏ كَذَّبَتْ عََادٌ فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ*`تَنْزِعُ اَلنََّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ* `فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ (1) .

و لنفكر فسنرى أن القرآن قد تخلى عن كثير من التفصيلات فلم يذكر عن عاد شيئا قبل التكذيب و حتى عملية الإرسال نفسها قد تجاوز عنها فلم يذكر عن هود شيئا و هو الرسول الذي كذّبه القوم. كما لم يذكر هنا صفة عاد و لم يتحدث عن بيوتها و مساكنها و لم يذكر لنا شيئا مما دار بين هود و قومه من جدل أو حوار. ترك كل هذا و أسرع إلى وصف العذاب. و هنا صوّره صورة أدبية رائعة بألفاظ جزلة تهز العاطفة و تستثير الانفعال و تأخذ مكانها من الأفئدة و الألباب فهناك الريح الصرصر و هناك النحس المستمر و هناك قوة

____________

(1) سورة القمر، الآيات 18-21.

154

الريح التي تنزع الناس و كأنهم أعجاز نخل منقعر.

فعل القرآن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يريد في ذلك العهد أن يبث في نفوس المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم الخوف من العذاب و يريد أن يريهم من الصور ما يجعل الخوف قويا عنيفا و من هنا اختار هذه الصورة و اكتفى بها حتى لا يشغل الذهن عنها بغيرها. و حرص القرآن على أن يكون العذاب و الخوف منه هو النتيجة التي يجب أن تقر في النفس و في الفؤاد و من هنا بدأ القصة بذلك الاستفهام الذي يصوّب إلى القلب السهام فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ ؟و ختمها أيضا بالاستفهام نفسه و كأنه يريد أن يصيب من الناس المقاتل.

و حرص القرآن في هذه السورة و بعد عرضه لكل قصة من قصصها أن يلفت أهل مكة إلى موقفهم من النبي و القرآن و إلى أن هذا الموقف فيه ما فيه‏ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (1) .

فعل القرآن كل هذا لأن قصص هذه السورة لم تنزل إلا للإنذار و للتخويف من العذاب.

و على هذا فأنت ترى أن القرآن يختار من المواد الأدبية القصصية ما يحقق الغرض و يوفي بالقصد و أنه يعرض عما عداه من أحداث و أشخاص و تفصيلات. و من هنا لا نستطيع أن نقول بأن هذه القصة تقصد إلى تعليم الوقائع و التعريف بالتاريخ و إن كنا نستطيع أن نقول إنها قصة أدبية نزلت لقصد عاطفي هو التخويف و الإنذار.

و لقد فطن ابن الأثير إلى هذا الصنيع القصصي من القرآن و علله تعليلا أدبيا أو بلاغيا أو فنيا حين قال‏ وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ جَعَلْنََا مَعَهُ أَخََاهُ هََارُونَ وَزِيراً*`فَقُلْنَا اِذْهَبََا إِلَى اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَدَمَّرْنََاهُمْ تَدْمِيراً (2) : «أ لا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما

____________

(1) سورة القمر، الآية 17.

(2) سورة الفرقان، الآيتان 35-36.