الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
155

فدمّرناهم تدميرا فذكر حاشيتي القصة أولها و آخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل و استحقاق التدمير بتكذيبهم» (1) .

فابن الأثير كما ترى يعلّل الذكر و الحذف في القصة بعلل أدبية بيانية و يدلنا على أن القرآن اكتفى في الذكر بحاشيتي القصة لأنها المقصود و أعرض عما عداه الأمر الذي لا يستطيع المؤرخ أن يهمله و لا مجال له في العدول عنه لأن التاريخ لا يكون تاريخا إلا به و ذلك من مثل ذكر صفة موسى و نسبه و وقت الإرسال و القصد من إرساله و لمن أرسل و أين و كيف جعل هارون وزيرا و سببه و ما كان بينهما و بين القوم من جدل و حوار... إلخ.

عدل القرآن عن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يقص للموعظة و العبرة و لا يؤرخ للأفراد و الجماعات أو للأمم و الشعوب.

جاء في المنار بصدد حديثه عن قصة الطوفان من سورة هود ما يلي: «و بينّا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها من ذلك و لهذا لم يذكر فيها من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة و الموعظة المقصودة بالذات منها فذكرت في بعضها بآية و في بعضها بآيتين فما فوقها من جمع القلة و ما في هذه السورة هو أطولها و أجمعها» (2) .

و نستطيع الآن أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن المقاصد و الأغراض هي التي تدفع إلى ذكر بعض الأحداث و حذف بعضها الآخر. و إلى القول بأن ما يقال أساسا للذكر و الحذف عند الأقدمين من مفسّرين و أدباء، هو ما نقول به اليوم أساسا لاختيار الأحداث في القصص القرآني و إن هذا الاختيار إنما يقوم على الاعتبارات البلاغية الأدبية التي نردها إلى منطق العاطفة لا إلى منطق النظر العقلي لأن قضايا الأول وجدانية شعرية و هي التي تليق بهذا الميدان.

و من هنا نستطيع أن نقول إن هذا اللون من قصص القرآن قصص أدبي تاريخي

____________

(1) المثل السائر، ص 205.

(2) المنار، جـ 12، ص 101.

156

يأخذ القرآن مواد القصص فيه من أحداث التاريخ و وقائعه لكنه يعرضها عرضا أدبيا و يسوقها سوقا عاطفيا يبيّن المعاني و يؤيّد الأغراض و يؤثّر بها التأثير الذي يجعل وقعها على الأنفس وقعا استهوائيا خطابيا يستثير منها العاطفة و الوجدان.

(2) و انظر معي في هذه القصص:

قال تعالى‏ فَلَمََّا جََاءَ آلَ لُوطٍ اَلْمُرْسَلُونَ*`قََالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*`قََالُوا بَلْ جِئْنََاكَ بِمََا كََانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ*`وَ أَتَيْنََاكَ بِالْحَقِّ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ اِتَّبِعْ أَدْبََارَهُمْ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ اُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ*`وَ قَضَيْنََا إِلَيْهِ ذََلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ*`وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ*`قََالَ إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ* `وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ*`قََالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعََالَمِينَ*`قََالَ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ* `لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ*`فَجَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ*`إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (1) .

و قال تعالى‏ وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قََالَ هََذََا يَوْمٌ عَصِيبٌ*`وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ*`قََالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مََا نُرِيدُ*`قََالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ* `قََالُوا يََا لُوطُ إِنََّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهََا مََا أَصََابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ*`فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهََا حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ*`مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ مََا هِيَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (2) .

ثم أنظر فستجد القصة في سورة هود و هي القصة الثانية جرت على هذا الأساس أو على هذه الطريقة: مجي‏ء الملائكة ثم حال لوط و اضطرابه النفسي ثم مجي‏ء القوم ثم موقفه منهم و عرضه لبناته حتى لا يخزى في ضيفه ثم ردهم عليه و عزمهم على المضي فيما

____________

(1) سورة الحجر، الآيات 61-75.

(2) سورة هود، الآيات 77-83.

157

جاءوا من أجله ثم موقف الملائكة و إخبارهم لوطا بأنهم رسل ربه و نصحهم له بالسرى و إخبارهم له بأن العذاب نازل و أن موعدهم الصبح.

و هكذا تجري القصة و قد رتّبت وقائعها على أساس يشعر بأن الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة و تلك الأحداث المنتقاة من حياة لوط عليه السلام. كما تجري المحاورة بينه و بين قومه على أساس من المنطق النظري إذ تدور بينه و بين قومه قبل أن يعرف أن ضيفه هم رسل ربه.

و ستجد القصة في سورة الحجر تجري على نسق آخر إذ تعلمه الملائكة أنهم رسل ربه و تنصح له بالسرى و تنبئه بما سيحل بالقرية و أهلها من عذاب قبل أن يجيئه قومه و يكون بينهم و بينه ذلك الحوار.

إن المحاورة في قصة الحجر تدور بينه و بين قومه بعد أن عرف أن ضيفه هم رسل ربه و أنهم لن يصابوا بسوء. و يشعرنا هذا الصنيع بأن تسلسل هذه الأحداث لا يقوم على الترتيب الزمني و لا على أساس من التسلسل المنطقي الذي كان من الممكن أن يكون، ذلك لأن العقل يجيز أن لوطا و قد عرف أن ضيفه هم رسل ربه و أنهم من الملائكة لا يخشى شيئا و لا يخاف عليهم من قومه و من هنا لا يعرض بناته لأذى أو مكروه. لكن القرآن خالف بين القصتين و جرى على نهجين مختلفين في البناء و التركيب.

فكر في الأمر فستجد أن القصد من القصتين مختلف و سترى أن القرآن قد خالف بينهما في الترتيب ليشعرنا بأن هذه القصة مستقلة و تلك قصة مستقلة و أن ترتيبه للأحداث يختلف لاختلاف المقاصد حتى و لو أدى هذا الاختلاف إلى إهمال أهم مقومات التاريخ و هو الزمان.

إن القصد من قصة لوط في سورة هود هو تثبيت قلب النبي محمد عليه السلام و من أجل ذلك عني القرآن بما ينال لوطا من أذى و من هنا عني القرآن بحالته النفسية و قصد إلى أن يبرز عواطفه و يصوّر أفكاره و هذا هو صنيع القرآن في كل القصص الذي ورد في هذه السورة و هو الذي يتلاءم مع بدئها و الختام. فقد قال تعالى في مفتتح هذه السورة مصوّرا نفسية محمد عليه السلام‏ فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ‏

158

صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ... (1) إلخ. و قال في الختام‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ... (2) إلخ.

و حرص القرآن أيضا على أن يشعرنا بأن الضيق يجي‏ء للنبي من حرصه على هداية قومه و موقفهم منه. كما صرّح بأن السبب في قصص سورة هود إنما هو تثبيت فؤاده و من هنا كان يعني بما ينال الرسل من أذى و ما يشعرون به من ضيق.

أما القصد من قصة لوط في الحجر فقد كان بيان ما ينزل بالمكذّبين من أذى و من هنا حرص القرآن على أن يجعل الملائكة تعلن عن نفسها و تخبر لوطا بما سيحل بالقوم من مصائب و ما سينزل عليهم من عذاب. و هذا هو الذي يتلاءم و حالة النبي محمد عليه السلام و هو ما صرّح به القرآن في ختام سورة الحجر حين قال‏ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* `عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ*`فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ*`إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ* `اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ... (3) إلخ.

فالحرص على العذاب الذي ينزل بأقوام الرسل هو المقصود من القصة و هو الذي يتلاءم مع ذلك القسم الأخير و مع إعلان حماية اللّه للنبي و طلبه منه أن يعرض عن المشركين و أنه سيكفيه هؤلاء و أنهم سيعلمون عاقبة هذا الموقف و مغبّة هذا الأمر.

و هكذا تجد أن ترتيب هذه الأحداث يقوم على أساس غايته تحريك العاطفة و يؤدي نتيجة بغيتها هز العقول و الأفهام. و كل هذا هو ما نطلق عليه اليوم منطق العاطفة و الوجدان.

و لقد كان هذا الاختلاف في أسلوب القرآن و طريقة بناء القصة من حيث ترتيب الأحداث محيرا للقدماء حين أشكل الأمر عليهم فذهبوا إلى أن هذه الحادثة في هذا الموطن هي التي ذكرت في ذلك.

____________

(1) سورة هود، الآية 12.

(2) نفس السورة، الآية 120.

(3) سورة الحجر، الآيات 92-96.

159

جاء في النيسابوري ما يلي: «و للمفسّرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام و الرؤية أم غيره. الذاهبون إلى الأول قالوا إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية و قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً (1) فأخذتهم الصاعقة و هي المراد من الرجفة في هذه الآية. و الذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مرّ في البقرة في تفسير قوله‏ وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى‏ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ (2) . و قد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل و منهم من قال إنها كانت بعد القتل و احتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام و طلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة. فظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك و إلا انخرم التناسب» (3) .

فالنيسابوري هنا يصوّر لنا الخلاف في الترتيب بين قصتين و يرى أن ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه غير تلك و هو يقول بهذا القول خشية انخرام التناسب و لو فطن النيسابوري إلى أن القرآن هو الذي قصد إلى هذا لما قام عنده و لا عند غيره من المفسّرين أمثال هذه المشكلات القصصية في القرآن.

إن ترتيب الأحداث في قصة البقرة قام على أساس تذكير اليهود أنفسهم بالنعم التي أنعم اللّه بها عليهم ليحببهم في النبي عليه السلام و يدفعهم إلى الدخول في الإسلام و من هنا لم يعن القرآن بتفصيل الأحداث و لا بما وقع من المصائب كالقمل و الضفادع و الدم و غيرها أما ترتيبها في قصة الأعراف فيقوم على أساس آخر لم يعن القرآن فيه باليهود ليعظهم و يذكّرهم و إنما عني بالأحداث نفسها ليلقي الرعب في قلوب المشركين من أهل مكة و يدفعهم إلى البعد عن التكذيب و الاستكبار و من هنا سرد الأحداث سردا تفصيليا و دل على ما كان ينزل بهم من العذاب و المصائب دلالة قوية و أظهر عطفه على موسى و اختياره له كما أظهر عطف موسى عليه السلام على قومه.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 55.

(2) نفس السورة و الآية.

(3) النيسابوري، جـ 9، ص 53.

غ

160

إن المقاصد التي يرمي إليها القرآن هي التي تملي الأسلوب و الطريقة و هي التي من أجلها يسلسل القرآن الأحداث و يربط بينها برباط من العاطفة و الوجدان.

و لقد كان الأستاذ الإمام رحمه اللّه سباقا إلى تقرير هذه القاعدة القصصية في ترتيب الأحداث. و هذه بعض النصوص التي توضح ذلك:

جاء في المنار ما يلي: قال الأستاذ الإمام: إن كثيرين من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص و يقولون هنا إن الاستقساء و ضرب الحجر كان قبل التيه و قبل الأمر بدخول تلك القرية فذكرها هنا بعد تلك الوقائع. و الجواب عن هذه الشبهة يفهم ما قلناه مرارا في قصص الأنبياء و الأمم الواردة في القرآن و هو أنه لم يقصد بها التاريخ و سرد الوقائع مرتّبة بحسب أزمنة وقوعها و إنما المراد بها الاعتبار و العظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها و بيان النقم بعللها لتتّقى من وجهتها. و متى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر علة الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير و أدعى إلى التأثير (1) .

و جاء فيه أيضا: قال الأستاذ الإمام: جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه و لم يلحق فيه فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين و لا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام و ترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة. و إنما ينسّق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب و يحرّك الفكر إلى النظر تحريكا و يهز النفس للاعتبار هزا و قد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم اللّه تعالى إياها و ضروب الكفران و الفسوق التي قابلوها بها و ما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات و ابتلائهم بالحسنات و السيئات و كيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة و يحدث لهم في أثر كل توبة نعمة ثم يعودون إلى بطرهم و ينقلبون إلى كفرهم‏ (2) .

و واضح من نصوص المنار أن الأستاذ الإمام يرى أن ترتيب الأحداث في القصص القرآني يرجع إلى اعتبار بلاغي خاص من أجله يقوم العرض على أساس عاطفي و إنه في

____________

(1) المنار، جـ 1، ص 337.

(2) نفس المصدر، ص 346.

161

ذلك يخالف الأساس الذي يقوم عليه ترتيب الأحداث عند المؤرخين قطعا و هذا هو جوهر ما نقصد إليه حين نقول بأن عرض القرآن لأحداثه القصصية ليس إلا العرض الأدبي العاطفي، ليس إلا العرض الفني و أن القصص القرآني فني.

و هكذا نستطيع أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن أحداث التاريخ التي وردت في القصص القرآني قد رتبت ترتيبا عاطفيا و بنيت بناء يقصد به تحريك الهمم و النفوس و معنى ذلك أنها لون من ألوان القصص التاريخي الفني. و أن العمل فيها فني يقدّر بموازين الفن القولي لا بموازين المؤرخين.

و اقرأ معي أيضا هذه الأقاصيص:

قال تعالى‏ كَذَّبَتْ عََادٌ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ*`وَ تَتَّخِذُونَ مَصََانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*`وَ إِذََا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبََّارِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمََا تَعْلَمُونَ*`أَمَدَّكُمْ بِأَنْعََامٍ وَ بَنِينَ*`وَ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`قََالُوا سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ اَلْوََاعِظِينَ*`إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ مََا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* `فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنََاهُمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

و قال تعالى‏ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تَأْتُونَ اَلذُّكْرََانَ مِنَ اَلْعََالَمِينَ*`وَ تَذَرُونَ مََا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عََادُونَ*`قََالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُخْرَجِينَ*`قََالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ اَلْقََالِينَ*`رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمََّا يَعْمَلُونَ*`فَنَجَّيْنََاهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ*`إِلاََّ عَجُوزاً فِي اَلْغََابِرِينَ*`ثُمَّ دَمَّرْنَا اَلْآخَرِينَ*`وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسََاءَ مَطَرُ اَلْمُنْذَرِينَ*`إِنَّ فِي ذََلِكَ

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 123-140.

162

لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

ثم انظر فسترى وحدة في التصميم و اتفاقا في البناء و التركيب و إن اختلفت مواد البناء في بعض الأحيان.

هذا المطلع في الثانية و ذاك المطلع في الأولى متفقان حتى في الألفاظ و التراكيب و حتى في الخروج من الإفراد في الرسل إلى الجمع فنحن نعلم أن عادا لم يكن لها من الرسل غير هود و كذلك الحال مع قوم لوط.

و هذه الخواتم في القصتين متفقة في الألفاظ و التراكيب.

و هذا الجو العاطفي الذي يسود القصتين من حرص على الهداية من الرسل ذلك الحرص الذي يدفعهم إلى الاستعانة ببعض الصفات التي ترقّق العاطفة و تذيب القلب من أنه أخوهم و من أنه الرسول الأمين الذي يبذل النصح لوجه اللّه و لا يسألهم أجرا و الذي لا يطلب منهم إلا أن يتقوا اللّه و يطيعوه. أما هم فحريصون على المخالفة لا يقبلون النصح و الإرشاد و يصرّون على موقفهم على ما فيه من فساد و ضلال. فقوم هود لن يستجيبوا و سواء عليهم أوعظ أم لم يكن من الواعظين و قوم لوط يطلبون إليه أن يكف عن وعظه و إلا كان من المخرجين.

و هكذا ترى أن الأساس الذي قام عليه بناء القصتين واحد و أن الروح التي تسود القصتين واحدة و إن اختلفت العناصر من أحداث و أشخاص و حوار في بعض الأحيان.

إن السر في هذه الوحدة هو أن القصد الذي يرمي إليه القرآن من القصتين واحد و هو ذلك الذي أشار إليه في أول السورة من حرص محمد عليه السلام على هداية قومه ثم من موقفهم منه ذلك الموقف الذي لخّصته السورة في الختام.

قال تعالى‏ طسم*`تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ*`لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ*`إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ (2) .

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 160-175.

(2) نفس السورة، الآيات 1-4.

163

و لعل هذه الروح هي التي سادت ما ورد في السورة من قصص و من هنا بنيت بناء متشابها و اتّفقت في كثير من مواد هذا البناء.

و نستطيع أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن المنطق العاطفي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن الكريم من حيث الاختيار أو بتعبير الأقدمين من حيث الذكر و الحذف و ليس هذا فحسب بل هو الذي يسودها من حيث الترتيب أو باصطلاح القدماء من حيث التقديم و التأخير. و ليس هذا فحسب بل من حيث التصميم و البناء و معنى ذلك أن القصص التاريخي في القرآن قصص أدبي أولا و أخيرا و هكذا يكون معجزة بلاغية قولية تفهم بأضواء الدرس الفني.

عرضنا عليك في الفقرات السابقة أمورا تدل على أن القصة التاريخية ليست عرضا تاريخيا تطلب فيه المطابقة الواقعية المحققة للصدق العقلي و إنما هي عرض أدبي يطلب فيه التأثير و قوة الوقع ليتحقق به الصدق الفني أو الأدبي و يكون التوجيه نحو الغاية المبتغاة و انتهينا إلى أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية يقصد منها غير ما يقصد من التاريخ و تعرض غير ما يعرض التاريخ و تثبت غير ما يثبت التاريخ و شرحنا كل ذلك شرحا اعتمدنا فيه على العلاقات التي تقوم بين المواد القصصية المتعددة من حيث اختيار بعض المواد دون بعضها الآخر أو باصطلاح الأقدمين من حيث الذكر و الحذف و من حيث الإيجاز و الإطناب. ثم من حيث ترتيب المواد المختارة أو المنتقاة أو بعبارة الأقدمين من حيث التقديم و التأخير و كان كل ذلك في القصة الواحدة. ثم شرحنا بعض ذلك شرحا اعتمدنا فيه على العلاقات بين القصص المختلفة من حيث التصميم أو الصوغ و التركيب و ذلك في القصص التي تختلف عناصرها أو مواد بنائها و لاحظنا أن كل هذه الأمور توجّه على ما يحقق القصد و الغرض و أن الذي يسودها هو الجو العاطفي و أن الذي ينظّمها هو منطق العاطفة و الوجدان و أنها لكل هذا قصة أدبية و عمل فني رائع معجز.

و الآن نريد أن ننظر في أمر آخر هو موقف القرآن من العنصر القصصي الواحد.

لننظر سويا في هذه العناصر:

164

(أ) قال اللّه تعالى‏ وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (1) .

و هو قول يخاطب به القرآن المعاصرين للنبي عليه السلام من أهل الكتاب و يذكر نعمه عليهم و فضله الذي أسبغه فيما مضى لكنا نلحظ أنه لم يأت بالصيغ التي تدل على هذه الحقيقة من حيث الزمان فهو يعرض عن الماضي الذي يصوّر ما حدث لأجدادهم في زمن موسى و قبله و يصوّر هذا الحدث بالصيغة التي تدل على الحضور و المشاهدة و كأن الأمر يقع بهم لا بأجدادهم و كأنه يقع بهم الآن.

إنما يفسّر هذا الصنيع ما نعرفه من العناية الأدبية التي يرمي إليها القرآن و التي هي سر إعجازه و التي تعنى بالتأثير على النفوس فيخرج الكلام و قد ساده ذلك المنطق الذي نسميه بمنطق العاطفة و الوجدان.

إن الأسرار التي من أجلها ذكر القرآن هذه النعم التي تفضل اللّه بها فيما مضى على اليهود و أهل الكتاب هي أن يرقق قلوبهم و يصرفهم إلى الإيمان بمحمد عليه السلام و أنه من أجل هذا أعرض عن الصيغة الدالة على الحدث و الزمان إلى صيغة أخرى تضع المسألة بين أيديهم و تعرضها على أبصارهم بما فيها من حيوية فنية هي تلك الحيوية التي يعبر عنها في الأدب بالتصوير بالحركات و الإشارات.

إن هذه الصورة أقدر على تحريك القلوب و أكثر استثارة للعاطفة و الوجدان، إنها الصورة التي تبعث في أنفسهم الخشية و الخضوع المحبب للواحد الديان.

(ب) قال تعالى‏ وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنََّا مِنْ عَذََابِ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قََالُوا لَوْ هَدََانَا اَللََّهُ لَهَدَيْنََاكُمْ سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ جَزِعْنََا أَمْ صَبَرْنََا مََا لَنََا مِنْ مَحِيصٍ*`وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ مََا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (2) .

____________

(1) سورة البقرة، الآية 49.

(2) سورة إبراهيم، الآيتان 21-22.

165

هذه آيات تصوّر موقفا من مواقف الآخرة و تصوّر نزاعا بين المستضعفين و المستكبرين و بين الشيطان و متّبعيه و هي من حيث الزمان لم تقع بعد و لو كان المنطق العقلي يوجب الأمر للواقع و المطابقة وجب أن تصوّر هذه الصورة بالصيغ التي تدل على المستقبل لكن القرآن عدل عن هذه الصورة إلى الصورة التي تدل على أنها وقعت فعلا ذلك لأنه عبّر عن ذلك بالماضي. وَ بَرَزُوا وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ... إلخ. فما هو السر؟

إن الوقوف على السر ليس بالعسير و لا الشاق فالقرآن لا يقصد من هذه الصورة أن يعلم الناس شيئا تتعلق به عقيدة ما أو عمل ما سيحدث بين المستضعفين و المستكبرين في الآخرة أو بين هؤلاء و بين الشيطان فيعرفوا منه حقائق و يتعلموا منه معارف يعتقدونها أو يستعملونها إنما يريد أن يصلح نفوسهم بهدايتها إلى ما ينتظرها في العالم الآخر من مؤاخذة و مسئولية و محاكمة و ما إلى ذلك و هو يصل إلى هذا من الطريق الأدبي البليغ و ما يتبعه من اهتزازات عاطفية و انفعالات نفسية.

إنما يقصد القرآن من هذه الصورة أن يبث الخوف و القلق في نفوس المعاصرين للنبي عليه السلام و أن يصرف المستضعفين عن إتباع المستكبرين و الاستماع إليهم و أن يصرف المستكبرين عن الجري مع الهوى و خلف الشيطان و أنه من أجل ذلك صوّر هذه المحاورة بصورة الأمر الواقع و جاء لها بصيغة الماضي و أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعلم أن المعاصرين للنبي عليه السلام ينكرون البعث الذي هو حق لا بد من وقوعه و أنه يريد أن يسد عليهم المنافذ و أن يضع المسألة موضع الأمر الذي قد وقع و مضى فجاء بالصيغة الدالة على ذلك و هي صيغة الماضي الذي يؤكد وقوع الفعل أو بعبارة حديثة صور هذا المنظر بالصورة التي تدل على الإيهام بالواقع.

إن التعبير بالماضي هنا يدل عقليا على الوقوع قبل زمن الكلام و يدل عاطفيا أو بلاغيا أدبيا أو فنيا على حقيقة الحدث و أنه لا بد كائن و لا مفر فالدلالة الأولى حين تراد يكون ذلك منطق العقل و يحكم عليه بالصدق الخلقي و العقلي أو قسميه و هو ما ليس من مراد القرآن فلا محل للمؤاخذة به. غ

166

و أما المعاني الثانية و الدلالة البلاغية حين تراد فيكون ذلك منطق العاطفة الذي لا يحكم عليه أو معه بصدق أو كذب لأن المراد ليس إفادة الوقوع و التحقّق بل إفادة شي‏ء آخر هو التحقّق و التأكّد.

و لعل الذي يؤكد كل هذا هو ذكره سبحانه و تعالى في الآية السابقة لهذه الآيات المتقدمة فقد قال‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*`وَ مََا ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ بِعَزِيزٍ (1) .

إذ يوجّه الخطاب إلى قوم النبي عليه السلام و يصوّر موقفهم منه ذلك الموقف الذي يدل على أنهم قد بلغوا من العنت نهاية الشوط حتى ليذهبهم و يأتي بخلق جديد.

إن المنطق الذي يسود هذه الصورة هو المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و لقد لحظ القدماء من علماء البلاغة العلاقة بين الصور و الصيغ و بين أثرهما النفسي و العاطفي.

جاء في ابن الأثير بصدد حديثه عن اللونين من التعبير، عن المستقبل بالماضي و عن الماضي بالمستقبل ما يلي: و الفرق بينه و بين الاختبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذلك تبيّن هيئة الفعل و استحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها و الغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى...

و كذلك جاء قوله تعالى‏ وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبََالَ وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بََارِزَةً وَ حَشَرْنََاهُمْ فَلَمْ نُغََادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (2) و إنما قيل و حشرناهم ماضيا بعد نسير و ترى و هما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير و البروز ليشاهدوا تلك الأحوال كأنه قال و حشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو المهم لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة و غيرهم من أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي‏ (3) .

____________

(1) سورة إبراهيم، الآيتان 19-20.

(2) سورة الكهف، الآية 47.

(3) المثل السائر، ص 173.

167

و واضح أن ابن الأثير يرى أن المنطق الذي يسير هذه الصيغ هو المنطق النفسي لا العقلي، هو المنطق البلاغي أي المنطق الأدبي أو الفني.

و لقد كان هذا الصنيع من القرآن محيرا للقدماء ذلك لأنهم مع وجود هذا الإيضاح البلاغي لم يفسروا هذه الظاهرة على أساس من المنطق الأدبي و إنما فسروها على أساس المنطق العقلي أو المنطق التاريخي، و من هنا وقعوا في المآزق و عانوا كثيرا من المشكلات. و من ذلك موقفهم من قصة عيسى في آخر سورة المائدة و هي قوله تعالى‏ وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ قََالَ سُبْحََانَكَ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مََا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ*`مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مََا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمََّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ*`إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (1) .

فقد وقفوا عند هذه المحاورة ليفسّروها على أساس الدلالة اللغوية و المعاني الأولى فجعلوها من المنطق التاريخي و من هنا أخذوا يسألون أنفسهم متى وقعت هذه المحاورة فذهب قوم إلى أنها كانت عند رفع عيسى عليه السلام إلى السماء و ذلك تمشّيا مع التعبير بصيغة الماضي و ذهب آخرون إلى أنها لم تقع بعد و إلى أنها ستكون يوم القيامة بدليل قوله تعالى‏ هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (2) إذ هو وصف ليوم القيامة و ذلك واضح في النيسابوري. و السبب في هذا أنهم فهموا من الآية المعاني الأولى كما يقول البلاغيون فجعلوها من المنطق العقلي و من هنا حاولوا معرفة الوقت الذي حدثت أو ستحدث فيه هذه المحاورة بين عيسى عليه السلام و الخالق سبحانه و تعالى و لو أنهم ذكروا وجه المسألة و قدّروا أن المراد منها المعاني الثانية و هي المعاني الأدبية أو الفنية لوضعوها على أساس من المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و بحثوا عن القصد الذي يرمي إليه القرآن و أنه ليس الإخبار

____________

(1) سورة المائدة، الآيات 116-118.

(2) نفس السورة، الآية 119.

168

بما سيحدث يوم القيامة و إنما توبيخ النصارى الموجودين في زمن النبي و حضّهم على التخلي عما يتمسّكون به من عبادة عيسى عليه السلام.

إن المفسّرين لو مضوا في فهم المسألة على هذا الوجه لما وجدوا فيها شيئا يسبّب هذه المشكلة و يجعلهم يختلفون هذا الاختلاف. و لو فعلوا لما بقي عليهم إلا أن يعللوا لما ذا جاءت هذه المحاورة بالصيغة الدالة على الوقوع و هو الأمر اليسير ذلك لأن القرآن يريد أن يأخذ على هؤلاء الطرق و يسد عليهم المسالك و من هنا وضع المسألة موضع الأمر الواقع المفروغ منه حتى كأنه ليس محلا للشك فضلا عن الإنكار و ذلك مما يزعزع عقيدتهم و يخوّفهم من عذاب المنتقم الجبار. و إني لا أرى مانعا في أن تكون هذه المحاورة مشبهة للمحاورة السابقة التي دارت بين المستضعفين و المستكبرين و بين المستكبرين و الشيطان.

و إني لأعتقد أن مذهب القرآن في تصوير مشاهد القيامة أو ما يستبعد وقوعه من المصائب و العذاب يعتمد في الغالب على هذا الأسلوب أسلوب استعمال الصيغ الدالة على الوقوع ليقضي على ما في النفس العربية من شك أو إنكار و هذا هو الواضح من أمثال هذه الآيات‏ اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ (1) أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ (2) .

و الذي نريد أن ننتهي إليه هنا هو أن القرآن و هو يعاجز معاجزة أدبية بلاغية كان في قصصه و ما إليه من وسائل التعبير الأدبي إنما يريد المعاني الثانية و أنه من هنا كان الأمر للمنطق الأدبي في صيغ الأفعال المحددة للزمان و أنه من هنا أيضا كان يخرج بها عن تلك الدلالة الزمنية التي هي المعاني الأولى إلى الصور الأدبية التي تستثير العاطفة و تهز الوجدان لذا لا نستطيع أن نحكم عليها بصدق عادي و لا بكذب عقلي. و معنى كل هذا أن أسلوب القرآن في عرض المواد القصصية الجزئية كان أسلوبا أدبيا يخضع لمنطق العاطفة و الوجدان.

على أن هذا هو الأسلوب البياني في التعبير فالأديب المتفنن يريد وصف رجل

____________

(1) سورة القمر، الآية 1.

(2) سورة النحل، الآية 1.

169

بالشجاعة فيتجوّز لذلك و يستعير و يكني عن ذلك بما يشاء اللّه أن يكني و لكل من هذه الألوان صيغه و عباراته و هي كلها صادقة في تحقيق الغاية الأدبية في وصف هذا الإنسان بالشجاعة و ليست دالة على وقوع شي‏ء من تلك الصور البيانية و لا توصف بصدق و لا كذب.

و إذا كان هذا الأمر قد وقع حينما ذهب بعض الأقدمين إلى أن الاستعارة أو التخييل كذب و الكذب لا يجوز وقوعه في القرآن فقد مضى ذلك الزمن و أصبحنا نرى وقوع الاستعارة و المبالغة و اعترف بذلك علماء البيان و مضوا على أن هذه الأشياء البيانية من استعارة و تشبيه و كناية أبلغ من غيرها و من هنا نراهم يقولون المجاز أبلغ من الحقيقة.

إن المهم في هذه المسألة كما سنشرح ذلك في القصة التمثيلية أن يعرف الأسلوب الذي يبني عليه الأديب عباراته و متى عرف ذلك له فلا صدق و لا كذب و لا خلافه من وجهة النظر الأدبية و البلاغة:

لقد تقرر أن القرآن إنساني العبارة بشري الأسلوب جاء على سنن العرب في بلاغتها و بيانها فهل بعد ذلك كله يأتي من يقول إن القرآن لا يفهم على هذه القواعد أو تلك الأساليب؟

إن المسألة في القصة القرآنية هي بعينيها مسائل الصور البيانية من مجاز و تشبيه و استعارة و كناية... إلخ و أنها من هنا لا توصف لا بتصديق و لا بتكذيب و إنما هي العرض الأدبي الذي يهز العاطفة و يستثير الوجدان.

و هنا نعرض عليك صنيع القرآن في العنصر القصصي الواحد حين يختلف وصفه في الأقاصيص المختلفة التي تدور حول شخصية واحدة فيختلف منها البناء و التركيب و طريقة العرض باختلاف القصد و الغرض و ظروف البيئة و تقلّبات الزمن. اقرأ معي هذه الآيات:

قال تعالى‏ وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ*`قََالَ هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ*`قََالَ أَلْقِهََا يََا مُوسى‏ََ*`فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ*`قََالَ‏

170

خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ*`وَ اُضْمُمْ يَدَكَ إِلى‏ََ جَنََاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى‏ََ*`لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ (1) .

و يعلّق الزمخشري على هذه الآيات عند تفسيره لها بقوله: إن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية و الجان و الثعبان. قلت أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير و أما الثعبان و الجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات الدقيق و في ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية حلا بها تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورّم و يتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا فأريد بالجان أول حالها، و بالثعبان مآلها. و الثاني أنها كانت في شخص الثعبان و سرعة حركة الجان و الدليل عليه قوله فلما رآها تهتز كأنها جان و قيل كان لها عرف كعرف الفرس قيل كان بين لحييها أربعون ذراعا (2) .

و قبل أن نفسّر هذه المسألة و ندلّك على ما بيننا و بين صاحب الكشاف من خلاف نحب أن نعرض عليك هذا العنصر القصصي الذي ورد بألفاظ مختلفة في سور مختلفة لنصل إلى الوجه الحق في تفسير هذه الظاهرة.

قال تعالى‏ قََالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ*`قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ*`قََالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ*`وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذََا هِيَ بَيْضََاءُ لِلنََّاظِرِينَ*`قََالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ (3) .

و قال تعالى‏ فَلَمََّا قَضى‏ََ مُوسَى اَلْأَجَلَ وَ سََارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جََانِبِ اَلطُّورِ نََاراً قََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ*`فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يََا مُوسى‏ََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ*`وَ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسى‏ََ أَقْبِلْ وَ لاََ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ اَلْآمِنِينَ*`اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اُضْمُمْ إِلَيْكَ جَنََاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ فَذََانِكَ بُرْهََانََانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ*`قََالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخََافُ أَنْ يَقْتُلُونِ... (4) إلخ.

____________

(1) سورة طه، الآيات 17-23.

(2) الكشاف، جـ 2، ص 22.

(3) سورة الشعراء، الآيات 29-34.

(4) سورة القصص، الآيات 29-33.

171

لقد تقرّر أن القرآن إنساني العبارة بشري الأسلوب جاء على سنن العرب في بلاغتها و بيانها فهل بعد ذلك كله يأتي من يقول إن القرآن لا يفهم على هذه القواعد أو تلك الأساليب؟

و نحب هنا أن نلفت الذهن إلى أن الزمخشري قد أبعد حين أدخل قوله تعالى فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ (1) في الموضوع. ذلك لأن هذه عنصر آخر فهي تصوّر موقفا غير ذلك الذي يصوّر في الموقفين السابقين. فمسألة انقلاب العصا ثعبانا كانت بمحضر من فرعون حين طلب البينة من موسى. و مسألة انقلابها حية أو اهتزازها كالجان كانت بين يدي الخالق سبحانه و تعالى و حدثت حين رأى موسى النار بعد إذ سار بأهله و هذا يجعل المسألة قابلة للاختلاف في التصوير:

و قد أبعد صاحب الكشاف أيضا فيما ذهب إليه من رأى ذلك لأن اختيار الألفاظ لا يقوم إلا على اعتبار بلاغي عاطفي و من هنا لم يحل الرأي الذي ذهب إليه المشكلة إذ يبقى بعد ذلك-على فرض الترادف-سؤال ما السر البلاغي في اختيار هذا اللفظ هنا و ذلك اللفظ هناك؟

إن الرأي فيما أعتقد هو أن الصورة التي يرسمها القرآن من سورة القصص صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب و هو خوف قاتل و قد كان اللفظ الذي يلائم هذا الخوف و يجعل موسى يفر من الميدان هو أن يحضر اللفظ في الذهن صورة لشي‏ء مخيف مرعب و من هنا جاء لفظ الجان و فرق كبير بين الحية و بين الجان: إن الأولى لا تدفع الإنسان إلى أن يولي مدبرا حتما و إن الذي يدفع إلى ذلك حتما هو الجان.

أما قصة طه فقد نزلت تسلية للنبي عليه السلام و تسرية عنه و إزالة لما بنفسه من هم و قلق و من هنا قال تعالى في أول السورة طه*`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ (2) و لذا كان عرض المسائل في هذه القصة عرضا هينا لينا يدفع إلى النفس الثقة و الطمأنينة و يدفع عنها الهم و الحزن و من هنا كانت لفظة الحية أليق بالمقام.

____________

(1) سورة الشعراء، الآية 32.

(2) سورة طه، الآيتان 1-2.

172

و نستطيع هنا أن نعلل لما ذا كانت العصا في سورة الشعراء هي الثعبان المبين؟إن الأمر يسير فيما نعتقد فالموقف موقف تحيّر و طلب بينة و من هنا كان لا بد للعصا من أن تكون ثعبانا و لا بد للثعبان من أن يكون مبينا ليسهل الإقناع.

و هكذا ترى أن العنصر القصصي الواحد يعرض في صور مختلفة مناسبة للسياق و يلحظ فيها القصد و الغرض تحقيقا للمنطق العاطفي. و معنى ذلك أن القرآن يصوّر التصوير الأدبي لا التصوير التعليمي التاريخي و ليس بعد ذلك من دلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية.

(6) على أنّا نستطيع أن نمعن في الدلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية يعتمد فيها القرآن على تصوير الأحداث كما يعتقدها المخاطبون و هو الأمر الذي أجازه بعض القدماء بل رآه بعضهم أمرا لا بد من القول به ليسلم القرآن من المطاعن و يستقيم الأسلوب الأدبي في قصص القرآن الكريم.

اقرأ معي هذه الأجزاء القصصية من سورة الكهف:

(أ) قال تعالى من قصة أصحاب الكهف‏ وَ كَذََلِكَ أَعْثَرْنََا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ لاََ رَيْبَ فِيهََا إِذْ يَتَنََازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقََالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيََاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قََالَ اَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ََ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً*`سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ فَلاََ تُمََارِ فِيهِمْ إِلاََّ مِرََاءً ظََاهِراً وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً*`وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً*`إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذََا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى‏ََ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هََذََا رَشَداً*`وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً*`قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (1) .

(ب) و قال تعالى‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً*`إِنََّا مَكَّنََّا

____________

(1) سورة الكهف، الآيات 21-26.

غ

173

لَهُ فِي اَلْأَرْضِ وَ آتَيْنََاهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً*`فَأَتْبَعَ سَبَباً*`حَتََّى إِذََا بَلَغَ مَغْرِبَ اَلشَّمْسِ وَجَدَهََا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَهََا قَوْماً قُلْنََا يََا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ إِمََّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً*`قََالَ أَمََّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى‏ََ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذََاباً نُكْراً*`وَ أَمََّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً فَلَهُ جَزََاءً اَلْحُسْنى‏ََ وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنََا يُسْراً*`ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً*`حَتََّى إِذََا بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ وَجَدَهََا تَطْلُعُ عَلى‏ََ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهََا سِتْراً*`كَذََلِكَ وَ قَدْ أَحَطْنََا بِمََا لَدَيْهِ خُبْراً*`ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً... (1) إلخ.

و فكّر معي في صنيع الأقدمين.

أما صنيعهم في القصة الأولى قصة أصحاب الكهف فأمر هين يسير ذلك لأن بعضهم قد رأى فيما يروي الطبري أن القرآن الكريم يصوّر في هذه المسائل التي سئل عنها النبي عليه السلام آراء أهل الكتاب فيها و من هنا كان القرآن يذكر هذه العبارات التي تدل على ذلك من أمثال قوله تعالى‏ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ (2) و قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا (3) . و من هنا أيضا طلب القرآن إلى النبي عليه السلام ألا يماري فيهم و ألا يستفتي فيهم أحدا.

جاء الطبري بصدد حديثه عن عدد الفتية ما يلي‏ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ يقول عز ذكره لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم قل يا محمد لقائلي هذه الأقوال في عدد الفتية من أصحاب الكهف رجما منهم بالغيب‏ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ يقول ما يعلم عددهم إلا قليل من خلقه كما حدثنا... قوله‏ وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً يقول تعالى ذكره و لا تستفت في عدة الفتية من أصحاب الكهف منهم يعني من أهل الكتاب أحدا لأنهم لا يعلمون عدتهم و إنما يقولون فيهم رجما بالغيب لا يقينا من القول‏ (4) .

و جاء في الطبري بصدد حديثه عن المدة و لبثوا... إلخ اختلف أهل التأويل في معنى

____________

(1) سورة الكهف، الآيات 83-92.

(2) نفس السورة، الآية 22.

(3) نفس السورة، الآية 26.

(4) الطبري، جـ 15، ص 152.

174

قوله‏ وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً فقال بعضهم ذلك خبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك و استشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله‏ قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قالوا لو كان خبرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله‏ قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا وجه مفهوم و قد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه و قدره. ذكر من قال ذلك...

و هكذا ترى أن من الأقدمين من أجاز أن تكون هذه الصور التاريخية صورا لما يعرفه أهل الكتاب عن قصة أصحاب الكهف و معنى ذلك أن القرآن الكريم يصوّر في بعض قصصه اعتقاد المعاصرين أو المخاطبين.

و هذا الرأي هو الذي اعتمد عليه الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الوهاب النجّار في رده على المستشرقين الذين كتبوا مادة أصحاب الكهف من دائرة المعارف الإسلامية فقد قال رحمه اللّه: الذي ألاحظه أن عبارة دائرة المعارف الإسلامية كعبارة أكثر المفسّرين تعتبر أن قوله تعالى‏ وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً خبر عن مدة مكث أهل الكهف في كهفهم منذ دخلوه إلى أن استيقظوا. و لكني أفهم غير ذلك و أقول إن قوله و لبثوا إلخ معمول لقوله سيقولون ثلاثمائة إلخ فهو من مقول السائلين و ليس خبرا من اللّه تعالى و لذا أتبع ذلك القول بقوله‏ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ . و على ذلك فالقرآن لم ينص على عدد أهل الكهف و لا على المدة التي مكثوها فيه قبل أن يعثر عليهم بل أمر اللّه رسوله أن يقول عن عددهم‏ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ و أن يرد عليهم حين يقولون‏ وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ... إلخ بقوله‏ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قد ورد هذا القول عن ابن عباس‏ (1) .

و أعتقد أن السر في هذه المسألة واضح بيّن فالقوم يسألون النبي عن العدد و عن المدة و قد جعلوا آراء اليهود مقياسا يقيسون به صدق النبي عليه السلام و لو نزل القرآن بغير هذه الآراء و بخلاف هذا المقياس لكذبوا النبي و لما آمنوا به أو بالقرآن.

إن إخبار القرآن بهذه الآراء هو الدليل على أن الوحي ينزل على النبي عليه السلام من السماء و من هنا كانت أمثال العبارات السابقة: رَجْماً بِالْغَيْبِ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ

____________

(1) مادة أصحاب الكهف، دائرة المعارف الإسلامية التربية العربية.

175

بِعِدَّتِهِمْ قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا . أمرا واجبا إذ لو لاها لآمن الناس بأن هذا هو رأي القرآن في المسألة و عندئذ تقوم هذه المشكلات التي أوردها المستشرقون اعتراضا على القرآن و دافع عن القرآن الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الوهاب النجّار.

ليس من شك في أن اللّه سبحانه و تعالى قد أراد بالعدول عن الأخبار الصحيحة أمرا و ليس هذا الأمر فيما نرى إلا صدق النبي عليه السلام و الدلالة على أن الوحي ينزل عليه من السماء و أنه هو الذي أخبر النبي عليه السلام عما قاله اليهود للمشركين من قريش.

على أن هذا الأمر الذي أجازه المفسّرون فيما يخص قصة أصحاب الكهف يصبح ضرورة من الضرورات الواجبة التصديق في قصة ذي القرنين.

إن صنيع القرآن و موقف بعض المفسّرين يكشف عن هذه الظاهرة كشفا واضحا و يدفعنا إلى تفسيرها تفسيرا معقولا و يجعلنا نجزم بأن صنيع القرآن لم يكن إلا الصنيع الأدبي الذي يقوم على الدلالات التي يعتقدها المخاطب.

جاء في الرازي بصدد حديثه عن قصة ذي القرنين ما يلي: أعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فاتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه. أما قوله‏ وَجَدَهََا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ففيه مباحث:

البحث الأول-قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم في عين حامية بالألف من غير همزة أي حارة. و عن أبي ذر قال كنت رديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال أ تدري يا أبا ذر أين تغرب هذه قلت اللّه و رسوله أعلم قال فإنها تغرب في عين حامية. و هي قراءة ابن مسعود و طلحة و ابن عامر و الباقون حمئة و هي قراءة ابن عباس.

و اتّفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد اللّه بن عمر كيف تقرأ قال كما يقرأ أمير المؤمنين. ثم وجّه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء و طين كذلك نجده في التوراة.

و الحمئة ما فيه ماء و حمأة سوداء. و أعلم أنه لا تنافي بين الحمئة و الحامية لجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا.

البحث الثاني-أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة و أن السماء محيطة بها و لا شك أن‏

176

الشمس في الفلك و أيضا قال‏ وَ وَجَدَ عِنْدَهََا قَوْماً و معلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود و أيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض.

إذا ثبت هذا فنقول تأويل قوله‏ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ من وجوه.

الأول-أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب و لم يبق بعده شي‏ء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين و هذه مظلمة و إن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط و هي في الحقيقة تغيب وراء البحر.

هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

الثاني-أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيّل كأنها تغيب في تلك البحار و لا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية و هي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء و الماء فقوله‏ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر و هو موضع شديد السخونة.

الثالث-قال أهل الأخبار إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء و الحمأة و هذا في غاية البعد و ذلك لأنّا إذا أرصدنا كسوفا قمريا فإذا اعتبرناه و رأينا أن المغربيين قالوا حصل هذا الكسوف في أول الليل و رأينا المشرقيين قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد و وقت الظهر في بلد آخر و وقت الضحوة في بلد ثالث و وقت طلوع الشمس في بلد رابع و نصف الليل في بلد خامس و إذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقرار و الاعتبار ليس هناك تضارب فهي تغيب في الطين و الحمأة و تختفي عن الطين و الحمأة كما ثبت من العلوم الفلكية و الجغرافية و علمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال أنها تغيب في الطين و الحمأة كلاما على خلاف اليقين و كلام اللّه تعالى مبرأ عن هذه التهمة فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه‏ (1) .

و واضح من هذا النص أن الرازي يرى أن التأويل في هذه المسألة من الأمور

____________

(1) التفسير الكبير، جـ 5، ص 505 و ما بعدها.

177

الضرورية ليبرأ كلام اللّه من أن يكون على خلاف اليقين. كما يرى ذلك أيضا كل من النيسابوري و أبي حيان في تفسيرهما لهذه القصة.

و نحن مع اتفاقنا معهم في أن هذا الحديث لا يصوّر حقائق تاريخية و مع احترامنا لكل ما ذكروه من تأويل لهذه القصة نختلف و إياهم و نرى أن المسألة لا تحتاج إلى هذا اللون أو ذلك من التأويل.

إن القرآن لم يصنع هنا إلا ما صنعه في القصة السابقة قصة أصحاب الكهف من تصويره لما يعرفه أهل الكتاب عن الإسكندر أو ذي القرنين و لما قالوه لوفد قريش و لعل تاريخ المسألة في كتب التفسير يكشف لنا عن الحل.

ينتهي الطبري كما ينتهي صاحب الكشاف من بعده إلى أن الشمس تغرب في عين و يوفّق الطبري كما يوفّق الزمخشري من بعد بين القراءتين و ينتهي المفسّران من كل هذا إلى أنه لا مانع من أن تجمع العين بين الصفتين فتكون حمئة و حامية ثم يقفان عند هذا الحد و لا يصيران إلى التأويل كما صار إليه الرازي. بل هما يرويان الحديث السابق حديث أبي ذر و الخبر السابق خبر كعب الأحبار.

و على الجملة فهما يقفان عند الحد الذي وقف عنده الرازي في المبحث الأول.

و معنى كل هذا أن هؤلاء لم يأخذوا المسألة على أنها التعبير الأدبي البلاغي و إنما أخذوها على أنها الحقائق الكونية التاريخية.

إن الرأي الواضح في هذه المسألة هو أن هؤلاء الأعلام لم يعرفوا ما عرفه الرازي عن حقيقة الشمس و الأرض و بقية الكواكب و أنهم ما كانوا يعرفون إلا تلك الحقائق المروية عن غروب الشمس و أنهم من أجل ذلك لم يجدوا ضرورة ملجئة تصرفهم عن هذا الفهم و تضطرهم إلى التأويل.

إن الذي دفع المتأخرين من أمثال الرازي إلى هذا التأويل إنما هو الكشف العلمي عن الكون و حقائقه و التاريخ و وقائعه. و إن تاريخ المسألة في حياة النبي عليه السلام و موقف المشركين و اليهود منه و توجيههم إليه الأسئلة على أن تكون الإجابة كما يعرفون هو الذي يضطرنا إلى أن نذهب إلى ما ذهبنا إليه من أن هذه القصة تصوّر المعارف التاريخية و الكونية عند أهل الكتاب و عند المشركين من الذين يعاصرون النبي. و إن تاريخ المسألة في‏

178

كتب التفسير القديمة كالطبري و الكشاف و وقوفهم عند أمثال هذه الحقائق التي تروى عن النبي عليه السلام و عن كعب الأحبار تدل على أن هذا الرأي هو الرأي السائد في هذا المجال:

ثم إن موقف بعض أعلام التفسير من القصة السابقة قصة أصحاب الكهف و دلالتهم على أنها تصوّر معلومات أهل الكتاب عنهم تؤيّد هذا الذي ذهبنا إليه في قصة ذي القرنين.

إن التأويل كان أمرا ضروريا و واجبا دينيا عند الرازي و من جاء بعده لأن الكشف العلمي هو الذي اضطرّهم إلى هذا.

و إن تاريخ المسألة يدل على أنّا لا نحتاج إلى مثل هذا التأويل إذا فهمنا القصة على حقيقتها و عرفنا القصد الذي يرمي إليه القرآن و هو أن محمدا عليه السلام نبي و ينزل عليه الوحي و أنه الذي أخبره بالإجابة عن تلك الأسئلة التي وجّهت إليه من مشركي مكة و أن هذه الإجابة قد وردت كما أخبر اليهود أهل مكة.

و إذا كان القرآن يعرض الأمور التاريخية في بعض الأحيان على هذا الوجه الذي وصفنا من مجيئها مطابقة لاعتقاد المخاطب و أنه الأمر الذي يخرجنا من الميدان التاريخي عند ما لا يكون القصد البحث عن الحقيقة التاريخية و يدخلنا في ميدان الأدب و البلاغة لأن القصد ليس إلا الإيحاء و التأثير و استثارة العاطفة و الوجدان.

إن القصة التاريخية في هذا اللون قصة أدبية ما في ذلك شك أو جدال.

و هناك أمور أخرى تدل على أن صنيع القرآن في قصصه التاريخي ليس إلا الصنيع الأدبي و ذلك من أمثال:

(أ) الجمع بين العناصر التي باعد بينها الزمن لا في حياة الرسول الواحد كما سبق أن بيّنا في أول هذا الفصل عند حديثنا عن الأخبار أو الذكر و الحذف بل في حياة الأمة الواحدة كأمة بني إسرائيل أو في حياة البشرية كما هو الحال في قصة بني آدم. غ

179

جاء في النيسابوري ما يلي: الصفة الرابعة اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ (1) . الضمير في يجدونه للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوّته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق و يكون المراد من قوله و الإنجيل أنهم يجدون نعته مكتوبا عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل. و إن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى و آتى الزكاة و آمن بالدلائل في زمن موسى و اتّبع نبي آخر الزمان في شرائعه‏ (2) .

إذ نلحظ هنا أن القرآن قد جمع بين عناصر متباعدة من حياة أمة بني إسرائيل في قصة واحدة فهم يجدونه مكتوبا في التوراة و يجدونه مكتوبا في الإنجيل و مطلوب منهم الإيمان به و هو سيأتي بعد مدة طويلة من الزمن. و كل هذا يقال على فرض أن هذا الخطاب لمن يعاصر موسى عليه السلام.

و على فرض أن الخطاب لمعاصري محمد عليه السلام فإن المسألة لا تزال قائمة لأن المعنى كما يقول النيسابوري أنه لا يفوز بهذه الرحمة من بني إسرائيل إلا من اتقى و آتى الزكاة و آمن بالدلائل في زمن موسى ثم اتّبع نبي آخر الزمان في شرائعه و هو بهذا يجمع بين أمور خاطب بها المولى موسى عليه السلام و امتدت إلى زمن محمد عليه السلام.

و جاء في البحر المحيط حديثه عن قصة بني آدم ما يلي: و قال الحسن لم يكونا و لديه و إنما هما أخوان من بني إسرائيل قال لأن القربان إنما كان مشروعا في بني إسرائيل و لم يكن قبل و وهم الحسن في ذلك و قيل عليه كيف يجهل الدفن في بني إسرائيل حتى يقتدي فيه بالغراب‏ (3) .

و أحب أن نلفت سويا إلى التعليل و إلى الاعتراض ذلك لأن التعليل يقوم على

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 157.

(2) النيسابوري، جـ 9، ص 56.

(3) البحر المحيط، جـ 3، ص 460.

180

أساس من تاريخ التشريع و هو أن القربان إنما شرّع في بني إسرائيل. أما الاعتراض فيقوم على أساس آخر من تاريخ العادات أو العقل البشري و هو كيف يظل دفن الميت مجهولا حتى يصل الزمن من آدم إلى بني إسرائيل و حتى يقتدي أبناء إسرائيل في ذلك بالغراب.

لقد تعارضت النظريات و حاول المفسّر أن يرجّح واحدة. و لو فكّر تفكيرا بلاغيا أدبيا لوضع المسألة وضعا آخر و فكّر فيها على أساس من القريب أن يكون سليما و هو أن القرآن قد جمع بين مواد قصصية متباعدة في الزمن لأنه يقصد التصوير و التمثيل و أنه من أجل ذلك جمع بين تقديم القربان و بين ما ترتّب عليه من حسد و ما أدى إليه هذا الحسد من قبل ثم من بعث الغراب ليريه كيف يدفن أخاه.

إن المسألة ترجع فيما أعتقد إلى طريقة القرآن في اختيار مواده القصصية و في عملية الربط بينها تلك العملية التي تقوم على أساس أدبي عاطفي حتى و لو باعد الزمن فيما بينها.

(ب) إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به مراعاة لأمور اعتبارية و ذلك هو الأمر الذي أجازه كثير من أئمة التفسير.

جاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى: وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ (1) فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له عامدين لقتله يسمّونه الساحر ابن الساحرة و الفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ . قلت قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون‏ إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (2) . و يجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به و تعظيما لما أرادوا بمثله كقوله لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ*`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً (3) .

فصاحب الكشاف يجيز هنا أن يضع اللّه الذكر الحسن على ألسنة القوم بدلا من

____________

(1) سورة النساء، الآية 157.

(2) سورة الشعراء، الآية 27.

(3) الكشاف، جـ 1، ص 281، سورة الزخرف، الآية 10.

181

الذكر القبيح و يضرب لنا الزمخشري المثل بما قاله القرآن على ألسنة اليهود خاصا بعيسى عليه السلام و بما قاله القرآن على ألسنة المشركين خاصا بالخالق سبحانه و تعالى.

و هذا الذي يجيزه الزمخشري في هذه الآية يجيزه أيضا كل من الرازي و النيسابوري و أبي حيان. بل وقف عنده ابن عطية فيما روى أبو حيان. جاء في البحر المحيط لأبي حيان ما يلي «ذكر الوجهين الزمخشري و لم يذكر ابن عطية سوى الثاني» (1) .

و ليس من شك في أن هذه العملية عملية إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به لاعتبارات يراها الخالق جل و علا تدل على أن القصص القرآني عرض أدبي للأحداث و الأقوال و ليس عرضا تاريخيا لها. و معنى ذلك أن القصة في القرآن عمل أدبي فني.

(ج) إسناده الأحداث لأشخاص بأعيانهم في موطن ثم إسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر و ذلك هو الأمر الذي فطن إلى بعض صوره القدماء.

جاء في كتاب درة التنزيل ما يلي: «للسائل أن يسأل في هذه القصة عن مسائل أولها قوله في سورة الأعراف، قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ `يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ (2) ثم قال في سورة الشعراء قََالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ (3) فأخبر في الأول أن قائل ذلك الملأ من قومه و في الثانية أن فرعون هو القائل ذلك لملئه و هذا إختلاف ظاهر في الخبرين» (4) .

و هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح في قصة إبراهيم عليه السلام إذ نلحظ فيها أن البشرى بالغلام و الحوار مع الملائكة و العجب من الولادة و إبراهيم شيخ و امرأته عجوز كانت في سورة هود مع امرأة إبراهيم و في سورة الحجر مع إبراهيم نفسه.

بل نلحظ في سورة الذاريات أمرا آخر هو أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم و أن الحوار مع الملائكة كان مع زوجته.

____________

(1) البحر المحيط، جـ 3، ص 389.

(2) سورة الأعراف، الآية 110.

(3) سورة الشعراء، الآية 34.

(4) درة التنزيل، ص 145.

182

و كل هذه الظواهر تدل دلالة قاطعة على أن القرآن يعرض عن الأساليب التاريخية و أنه يعتمد كل الاعتماد على الأساليب الأدبية و الوسائل الفنية أو البلاغية.

و أعتقد أن ما عرضناه عليك من ظواهر أدبية في القصص القرآني و ما فسّرناه به من تفسيرات بيانية عاطفية قد جعلاك تطمئن إلى ما وصلنا إليه من نتائج.

و الآن نستطيع أن نترك ذلك اللون القصصي «القصة التاريخية» من ألوان القصص القرآني على أنها الصنيع الأدبي الذي يحقق صورة من صور تعريف القصة عند الأدباء.

هذه الصورة هي «القصة هي ذلك العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تصوير القاص لأحداث وقعت من بطل له وجود لكنها نظّمت على أساس أدبي أو عاطفي فقدّم بعضها و أخّر آخر و حذف بعضها و ذكر بعض آخر أو بولغ في تصويرها إلى الحد الذي يستأثر بعواطف القارئ أو السامع.

و هكذا نستطيع أن نتّفق جميعا و ألا يشذ واحد فينكر وجود القصة التاريخية الأدبية في القرآن أو ينكر أن المنطق الأدبي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن و إلا عزّ عليه أن يجد بيانا مقبولا لصنيع القرآن.

إن القرآن يجعل القصد من قصصه العظة و العبرة و يصل إليها بالأسلوب الذي يختاره و هو الأسلوب الأدبي الذي صوّرنا لك بعض ظواهره فيما مضى و الذي سنصوّر لك ما بقي من ظواهره في الفصول أو الفقرات المقبلة من هذا البحث إن شاء اللّه.

و ننتقل الآن إلى لون آخر من ألوان القصص الأدبي في القرآن الكريم و هو: غ

2-القصة التمثيلية

و القصة التمثيلية و هي القصة التي تضرب مثلا أو تجي‏ء تمثيلا موجودة في القرآن الكريم و هي قصة فنية. بل هي عند المفسّرين أدخل في باب الفن و الأدب من القصة التاريخية ذلك لأن المفسّرين لم يعرفوا عن القصة التاريخية إلا أنها القصة التي تصوّر الحق و الواقع من مسائل التاريخ و قضاياه فالأحداث التي تصوّرها القصة قد وقعت حقا و الحوار قد صدر و الأشخاص الذين ترسمهم القصة قد وجدوا حقا و صدر عنهم كل ما ينسب‏

183

إليهم من أقوال و أفعال. كل ذلك قد كان لا زيادة فيه و لا نقصان و من هنا كانت القصة التاريخية مصدرا من مصادر التاريخ عند هؤلاء. و من هنا أيضا كانت هذه المشكلات الكثيرة التي وقفوا عندها طويلا و التي لم يستطيعوا لها حلا إلا على ضروب من التأويل و إلا بالرجوع إلى المذهب الأدبي في فهم قصص القرآن الكريم.

هذا ما يعرفه المفسّرون عن القصة التاريخية أما ما يعرفونه عن القصة التمثيلية فأكثر و أدخل في باب الفن الأدبي.

يعرفون عن القصة التمثيلية أنها من التمثيل و التمثيل ضرب من ضروب البلاغة و فن من فنون البيان. و البيان العربي يقوم على الحق و الواقع كما يقوم على العرف و الخيال فليس يلزم في الأحداث أن تكون قد وقعت و ليس يلزم في الأشخاص أن يكونوا قد وجدوا و ليس يلزم في الحوار أن يكون قد صدر و إنما قد يكتفى في كل ذلك أو في بعض ذلك بالفرض و الخيال و من هنا كانت القصة التمثيلية عند المفسّرين قصة بيانية أي قصة فنية.

و تفسير المفسّرين للقصة التمثيلية في القرآن يشعرنا أيضا بأنهم يعرفون عنها أنها من القصص الفني ذلك لأنهم ربطوا بينها و بين الفن القصصي بأكثر من رباط فالمعاني و التيارات الفكرية و الخلقية لا تستقر في التمثيل إلا على ذلك النحو الذي تستقر فيه القصة الفنية و لا تلتمس منه إلا كما تلتمس منها. و التماس هذه المعاني و هذه التيارات من التمثيل يحتاج فيما يرى الزمخشري إلى نوع من الدربة و المران و إلا زلّت الأقدام و ضلّت الأفهام.

و يرى الزمخشري أيضا أن كثيرين ممّن ذهبوا إلى عد التمثيليات من كلام اللّه و كلام الأنبياء من المتشابه إنما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه بسبب عجزهم عن فهم التمثيل و كيفية استخراج المعاني منه. و لعل أقوال الزمخشري تفسّر لنا بعض الشي‏ء لما ذا ذهب المفسّرون إلى عد القصص القرآني من المتشابه:

القصة التمثيلية قصة فنية هذا ما يقرّره الأقدمون و يشهد به الواقع و هذا هو الذي نريد أن نستعرضه سويا من النصوص التالية.

لنقرأ سويا هذه القصة:

184

قال تعالى‏ وَ هَلْ أَتََاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ*`إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ََ دََاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قََالُوا لاََ تَخَفْ خَصْمََانِ بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنََا بِالْحَقِّ وَ لاََ تُشْطِطْ وَ اِهْدِنََا إِلى‏ََ سَوََاءِ اَلصِّرََاطِ*`إِنَّ هََذََا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وََاحِدَةٌ فَقََالَ أَكْفِلْنِيهََا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطََابِ*`قََالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطََاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ قَلِيلٌ مََا هُمْ وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ*`فَغَفَرْنََا لَهُ ذََلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنََا لَزُلْفى‏ََ وَ حُسْنَ مَآبٍ (1) .

ثم اقرأ معي هذه النصوص:

جاء في الكشاف ما يلي: فإن قلت ما معنى ذكر النعاج قلت كان تحاكمهم في نفسه تمثيلا و كلامهم تمثيلا لأن التمثيل أبلغ في التوبيخ لما ذكرنا و التنبيه على أمر يستحيا من كشفه فيكنّى عنه كما يكنّى عما يستسمج الإفصاح به... فإن قلت الملائكة عليهم السلام كيف صحّ منهم أن يخبروا عن أنفسهم بما لم يلتبسوا منه بقليل و لا كثير و لا هو من شأنهم قلت هو تصوير للمسألة و فرض لها فصوّروها في أنفسهم و كانوا في صورة الأناسى كما تقول في تصوير المسألة زيد له أربعون شاه و عمرو له أربعون و أنت تشير إليهما فخلطاها و حال عليها الحول كم يجب فيها و ما لزيد و عمرو سبد و لا لبد. و تقول أيضا في تصويرها لي أربعون شاه و لك أربعون فخلطناها و ما لكما من الأربعين أربعة و لا ربعها (2) .

و جاء في الرازي ما يلي: المسألة الثانية هاهنا قولان: الأول أنهما كانا ملكين نزلا من السماء و أرادا تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه. و الثاني أنهما كانا إنسانين و دخلا عليه للشر و القتل فظنّا أنهما يجدانه خاليا فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر.

أما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين و الكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى‏ لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ (3) و لقوله‏ وَ يَفْعَلُونَ مََا

____________

(1) سورة ص، الآيات 21-25.

(2) الكشاف، جـ 2، ص 281.

(3) سورة الأنبياء، الآية 27.

185

يُؤْمَرُونَ (1) .

أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب‏ (2) .

و قال أبو السعود: بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ هو على الفرض و قصد التعريض فلا كذب فيه‏ (3) .

و جاء في معالم التنزيل للبغوي ما يلي: فإن قيل كيف قال‏ بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ و هما ملكان لا يبغيان قيل معناه أ رأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر. و هذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما... قال الحسين بن الفضل هذا تعريض للتنبيه و التفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج و لا بغي فهو كقولهم ضرب زيد عمرا و اشترى بكر دارا و لا ضرب هناك و لا شراء (4) .

و جاء في البحر المحيط لأبي حيان: و الظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن و لا يكنّى بها عن المرأة و لا ضرورة تدعو إلى ذلك لأن ذلك الإخبار كان صادرا من الملائكة على سبيل التصوير للمسألة و الفرض لها مرة غير تلبس بشي‏ء منها فمثلوا بقصة رجل له نعجة و لخليطه تسع و تسعون فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطه و أراد انتزاعها منه و حاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده و يدل على ذلك قوله‏ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطََاءِ و هذا التصوير و التمثيل أبلغ في المقصود و أدل على المراد (5) .

أعتقد أنك بعد هذا العرض الطويل للنصوص قد لاحظت الفرق بين المذهبين اللذين يشير إليهما الرازي و عرفت على أي أساس يقومان.

إن سر الاختلاف لا يقوم على التمثيل من حيث هو تمثيل و لا على أثره القوي في

____________

(1) سورة النحل، الآية 50 و سورة التحريم، الآية 6.

(2) التفسير الكبير، جـ 7، ص 128.

(3) أبو السعود، جـ 7، ص 486.

(4) معالم التنزيل، جـ 7، ص 190.

(5) البحر المحيط، جـ 7، ص 392.

غ

186

النفس فكلهم يعترف بذلك حتى من يخشى منهم أن يكون التمثيل في قصة الملكين كذبا.

جاء في النيسابوري ما يلي: و نحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتّضح و انكشف و ذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل و لكن مع منازعة الخيال و إذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال و لا شك أن الثاني يكون أكمل. و إذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان و الوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبيانا لكل شي‏ء (1) .

لا يرجع سر الاختلاف إذا إلى التمثيل من حيث هو تمثيل و لا إلى قوته و أثره النفسي في العاطفة و الوجدان و إنما يرجع إلى نظرية الأقدمين في الصدق و الكذب و إلى إيمانهم بمنطق العقل وحده و إهمالهم لما عداه حتى المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان.

إن سر الاختلاف يرجع إلى أن بعضهم لا يعرف إلا الصدق العقلي و هو مطابقة القول للواقع و ينكر أو ينسى ما عداه. و من هنا رأى في المعاني التي تجي‏ء في صورة التمثيل نوعا من الكذب لا يليق بالملائكة. أما البعض الآخر فقد وفّق إلى الحقيقة الأدبية و اقترب من رأي المحدثين في الصدق الفني و من هنا لم ينظروا إلى المسألة هذه النظرة القاصرة و لم يذهبوا إلى أن التمثيل كذب و مضوا على أنه تصوير للمسائل و فرض لها و التصوير للمسائل و الفرض لها لا يعتبر من الكذب و من هنا لم ير هؤلاء في صنيع الملائكة شيئا من الكذب في قليل أو كثير و من هنا أصابوا التوفيق.

إن الأقدمين قد لمسوا الحقيقة الفنية أو الأدبية حين عرفوا الصدق في كتب البلاغة و حين اختلفوا في هذا التعريف و لقد أضرّوا بالدراسة الأدبية حين وقفوا عند الصدق المنطقي و رجّحوا التعريف القائل بأن الصدق مطابقة القول للواقع ذلك لأنهم بهذا التعريف قد دفعوا غيرهم من المفسّرين و رجال الدين إلى إنكار وجود القياس الشعري و الحقيقة الفنية في كل من القرآن الكريم و في كلام الأنبياء.

____________

(1) غرائب القرآن، جـ 1، ص 195.

187

إنّا نؤمن بالحقيقة الأدبية كما نؤمن بالحقيقة العقلية و نعرف الصدق الفني كما نعرف الصدق العقلي و إذا كان الثاني هو مطابقة القول للواقع فإن الأول هو الصدق في تصوير ما يخلقه الوجدان أو يخترعه الخيال، هو الصدق في الترجمة عما بالنفس من رأي أو فكرة أو عاطفة أو إحساس. و إذا كان لا بد من قول قديم نستند إليه فهو مطابقة القول للاعتقاد.

إن هذه المسألة مسألة الصدق الفني لا تمس التمثيل وحده و إنما تمس غيره من أمور بلاغية أو بيانية كالمبالغة و الغلو و الإغراق و يعجبني في هذا الموقف رأي لابن قتيبة ذكره في كتاب الأشربة و أعتقد أنه يحل إلى حد ما هذا الإشكال. قال رحمه اللّه «و قال لنا إسحاق عيب وكيع بقوله هو أحل من الماء لأنه إن كان حلالا و هو بمنزلة الماء فكيف جعله أحل منه و نحن نقول إنه ليس يلحق و كيعا في هذا الموضع عيب و لا يرجع عليه منه عتب لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم في الوصف و استقصائهم بالمدح و الذم. يقولون هو أشهر من الصبح و أسرع من البرق و أبعد من النجم و ليس ذلك بكذب لأن السامع له يعرف مذهب القائل فيه و كلهم متواطئون عليه كذلك قوله هو أحل من الماء يريد المبالغة في وصفه بالتحليل» (1) .

و واضح أنه يريد أن يقول إذا كان هناك مذهب أدبي أو بلاغي تجري عليه اللغة في التعبير عن العواطف و الأفكار و كان هذا المذهب لا يعنى بمطابقة لحق فإن للأديب الحق في أن يجري على هذا المذهب و ليس للقارئ أو السامع عليه اعتراض ما دام قد عرف مذهبه في هذا و لا يستطيع أن يجعل صنيعه هذا من باب الكذب بحال من الأحوال.

و نعتقد أن هذا يوضح أمورا كثيرة و يجعلنا نقول بوجود القياس الشعري و التعبير عن الصور التي يخلقها الذهن أو الخيال في القرآن و في كلام الأنبياء.

لنعد الآن إلى التمثيل و إلى القصة التمثيلية في القرآن.

و هنا أحب أن أصرّح بأني لا أقصد إلى القول بأن كل المواد القصصية في القصص التمثيلي القرآني وليدة الخيال ذلك لأن بعضها قد يكون وليد الأحداث الواقعية و ذلك هو الواضح من قصة الملكين السابقة و ما فيها من أحداث من تاريخ داود عليه السلام.

____________

(1) كتاب الأشربة، ص 54.

188

و هنا أمر آخر لا بد من توضيحه هو أن الحاجة إلى الخيال في القصص القرآني أو في التمثيل القرآني لم تأت لحاجة المولى سبحانه و تعالى إلى الخيال في التعبير عن المراد. و حاشا للّه أن يحتاج إلى الخيال. و إنما جاءت لحاجة البشرية لهذا الخيال و لأن ذلك هو الأسلوب الذي تجري عليه في التعبير عن الأحاسيس و الأفكار.

يقول صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى‏ إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً (1) ما يلي: «و ما جاء القرآن إلا على طرقهم و أساليبهم من ذلك قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوى العوج و كم لهم من أمثال على ألسنة البهائم و الجمادات و تصوّر مقاولة الشحم محال و لكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه كما أن العجف مما يقبح حسنه فصوّر أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع و هي به آنس و له أقبل و على حقيقته أوقف و كذلك تصوير عظم الأمانة و صعوبة أمرها و ثقل محملها و الوفاء بها» .

فإن قلت قد علم وجه التمثيل في قولهم الذي لا يثبت على رأي واحد أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى لأنه مثلت حاله في تميله و ترجّحه بين الرأيين و تركه المضي على أحدهما بحال من يتردّد في ذهابه فلا يجمع رجليه و ليس كذلك ما في هذه الآية فإن عرض الأمانة على الجماد و إبائه و إشفاقه بحال في نفسه غير مستقيم فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال و ما مثال هذا إلا أن تشبهه شيئا و المشبّه به غير معقول.

قلت الممثّل به في الآية و في قولهم لو قيل للشحم أين تذهب و في نظائره مفروض و المفروضات تتخيّل في الذهن كما المحققات. مثلث حال التكليف في صعوبته و ثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات و الأرض و الجبال لأبين أن يحملنها و أشفقن منها (2) .

إذ يلفت الزمخشري ذهننا إلى أن التمثيل هنا قد جاء لأنه الأسلوب العربي و لأن

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 72.

(2) الكشاف، جـ 2، ص.

189

القرآن ما جاء إلا على طرقهم و أساليبهم. كما يلفت ذهننا إلى أن التمثيل يكون بالصور المفروضة التي تتخيل في الذهن أي بالصور التي يخترعها الخيال و أن لهذه الصور قوتها التي قد تكون أوقع في الذهن و آكد في النفس من الصور التي تمثل الحقيقة.

و جاء في الكشاف أيضا عند تفسيره لقوله تعالى‏ وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ (1) ما يلي: و الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته و مجموعه تصوير عظمته و التوقيف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة و لا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز و كذلك حكم ما يروى أن جبريل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال يا أبا القاسم إن اللّه يمسك السموات يوم القيامة على إصبع و الأرضين على إصبع و الجبال على إصبع و الشجر على إصبع و الثرى على إصبع و سائر الخلق على إصبع ثم يهزّهن فيقول أنّا الملك فضحك رسول اللّه صلعم تعجّبا مما قال ثم قرأ تصديقا له‏ وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (2) الآية. و إنما ضحك أفصح العرب و تعجّب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوير إمساك و لا إصبع و لا هز و لا شي‏ء من ذلك و لكن فهمه وقع أول شي‏ء و آخره على الزبدة و الخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة و أن الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأفهام و الأذهان و لا تكتنهها الأوهام هينة عليه هو أنّا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخيّل و لا ترى بابا في علم البيان أدق و لا أرق و لا ألطف من هذا الباب و لا أنفع و أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن و سائر الكتب السماوية و كلام الأنبياء فإن أكثره و غلبته تخييلات قد زلّت فيها الأقدام قديما و ما أتى الزلوان إلا من قلة عنايتهم بالبحث و التنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه و عيال عليه إذ لا يحل عقدها الموربة و لا يفك قيودها المكربة إلا هو و كم آية من آيات التنزيل و حديث من أحاديث الرسول قد ضيم

____________

(1) سورة الزمر، الآية 67.

(2) سورة الأنعام، الآية 91 و سورة الحج، الآية 74 و سورة الزمر، الآية 67.

190

و سيم الخسف بالتأويلات الغثة و الوجوه الرثة لأن من تأوّل ليس من هذا العلم في عير و لا نفير و لا يعرف قبيلا من دبير (1) .

فصاحب الكشاف يدلّنا على أن المعاني قد تجي‏ء في صورة التمثيل مباشرة و هنا لا يأخذ القارئ أو السامع المعاني من الألفاظ المفردة و من جزئيات التراكيب و إنما يأخذ المعاني من الكلام بجملته و يفهم أن معاني الألفاظ غير مقصودة في أمثال هذه التراكيب.

ثم هو يدلّنا على أن هذه الصور تكون عادة من صنيع الخيال و أن الوقوف على ما فيها من عواطف و آراء عسير شاق و أنه الأمر الذي تزل فيه الأقدام.

و تنتهي من كل حديث الزمخشري على أن التمثيل من صنع الخيال و أنه موجود في كتاب اللّه. و أن من المعاني ما يجي‏ء مباشرة في صورة التمثيل و أن استخراج هذه المعاني يحتاج إلى دربة و مقدرة في علوم البيان.

و هكذا نرى أن الاعتماد على عنصر الخيال أسلوب من أساليب القرآن و أنه الأسلوب الذي دفع إليه حاجة العقل البشري إلى هذا اللون من الكلام.

و يحسن بنا الآن أن نعرض عليك ألوانا من القصص التمثيلي الذي قال القدماء و المحدثون من أئمة التفسير بوجوده في القرآن.

و قبل أن نعرض هذه الأشياء نلفت الذهن إلى أن للتمثيل مظهرين: الأول أن يجي‏ء في أعقاب المعاني ليزيدها قوة و جلاء. و الثاني أن يجي‏ء المعنى ابتداء في صورة التمثيل.

و هذا ما يشير إليه الجرجاني حين يقول: «و اعلم أن مما اتّفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه و نقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة و أكسبها منقبة و رفع من أقدارها و شبّ من نارها و ضاعف قواها في تحريك النفوس لها و دعا القلوب إليها و استثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة و كلفا و فسر الطباع على أن تعطيها محبة و شغفا» (2) .

____________

(1) الكشاف، جـ 2، ص 270.

(2) أسرار البلاغة، ص 86 و ما بعدها.

191

و لعل من أحسن المثل في الدلالة على أن المعاني تبرز أحيانا في معرض التمثيل الآية السابقة كما شرحها الزمخشري و هي آية وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ... إلخ.

هذا التمثيل بمظهريه كما يكون بالصور الأدبية و التشبيهات يكون أيضا بالقصص فقد تجي‏ء القصة في أعقاب المعاني لتزيدها وضوحا و بيانا و ذلك هو الواضح من سورة يس فقد ذكر المولى سبحانه و تعالى كثيرا من المعاني التي تصوّر حال النبي عليه السلام مع قومه ثم أتبعها بقوله تعالى‏ وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جََاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ*`إِذْ أَرْسَلْنََا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمََا فَعَزَّزْنََا بِثََالِثٍ فَقََالُوا إِنََّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ*`قََالُوا مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ مََا أَنْزَلَ اَلرَّحْمََنُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَكْذِبُونَ*`قََالُوا رَبُّنََا يَعْلَمُ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ*`وَ مََا عَلَيْنََا إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ*`قََالُوا إِنََّا تَطَيَّرْنََا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ* `قََالُوا طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ*`وَ جََاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ََ قََالَ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ*`اِتَّبِعُوا مَنْ لاََ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ*`وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*`أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ لاََ تُغْنِ عَنِّي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاََ يُنْقِذُونِ*`إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ*`قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قََالَ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*`بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ (1) .

و قد يجي‏ء المعنى ابتداء في صورة القصة كما هو الحال في قصة الملكين مع داود.

و سنقصر الحديث هنا على القصص التي تصوّر المظهر الثاني من مظهري التمثيل و هي التي تبرز المعاني فيها في صورة القصة ابتداء.

و إليك شيئا من هذه القصص:

(أ) قال تعالى‏ إِذْ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ قََالَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*`قََالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهََا وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنََا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنََا وَ نَكُونَ عَلَيْهََا مِنَ اَلشََّاهِدِينَ*`قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اَللََّهُمَّ رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ تَكُونُ لَنََا عِيداً لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا وَ آيَةً مِنْكَ وَ اُرْزُقْنََا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ*`قََالَ اَللََّهُ

____________

(1) سورة يس، الآيات 13-27.

غ

192

إِنِّي مُنَزِّلُهََا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذََاباً لاََ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ (1) .

و جاء في الطبري: و قال آخرون لم ينزل اللّه على بني إسرائيل مائدة. ثم اختلف قائلو هذه المقالة فقال بعضهم إنما هذا مثل ضربه اللّه تعالى لخلقه نهاهم به عن مساءلة نبي اللّه الآيات. ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن مجاهد: أنزل علينا مائدة من السماء قال مثل ضرب لم ينزل عليهم شي‏ء (2) .

(ب) و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقََالَ لَهُمُ اَللََّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيََاهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنََّاسِ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَشْكُرُونَ (3) .

و ذهب بعض القدماء من المفسّرين فيما روى عنهم ابن كثير إلى أن هذه ليست قصة واقعية و إنما هي مثل «عن ابن جريح عن عطاء أن هذا مثل» (4) .

و يلاحظ أن الناشر قد كتب على الهامش هذه العبارة يعني أنها ضرب مثل لا قصة واقعية.

(ج) قال تعالى‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْماً فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ قََالَ أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (5) .

و جاء في المنار بعد تفسيره للقصة ما يلي «و يحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل و اللّه أعلم‏ (6) » .

____________

(1) سورة المائدة، الآيات 112-115.

(2) الطبري، جـ 7، ص 81.

(3) سورة البقرة، الآية 243.

(4) ابن كثير، جـ 1، ص 590.

(5) سورة البقرة، الآية 259.

(6) المنار جـ 3، ص 52.

193

(د) قال تعالى‏ وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) .

و جاء في الرازي ما يلي «المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية قطعهن و أن إبراهيم قطع أعضاءها و لحومها و ريشها و دماءها و خلط بعضها على بعض غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك و قال إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من اللّه تعالى أراه اللّه تعالى مثالا قرب به الأمر عليه و المراد بصرهن إليك الإمالة و التمرين على الإجابة أي فعود الطير الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك و أتتك فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته ثم ادعهن يأتينك سعيا و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة» (2) .

و أورد صاحب المنار هذا الرأي و علّق عليه بقوله: و جملة القول أن تفسير أبي مسلم للآية هو المتبادر الذي يدل عليه النظم و هو الذي يجلي الحقيقة في المسألة... و ما صرف جمهور المتقدمين عن هذا المعنى على وضوحه إلا الرواية بأنه جاء بأربعة طيور من جنس كذا و كذا و قطعها و فرّقها على جبال الدنيا ثم دعاها فطار كل جزء إلى مناسبه حتى كانت طيورا تسرع إليه فأرادوا تطبيق الكلام على هذا و لو بالتكلّف.

و أما المتأخرون فهمهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونية و إن كان المقام مقام العلم و البيان و الإخراج من الظلمات إلى النور و هو أكبر الآيات. و لكل أهل زمان غرام في شي‏ء من الأشياء يتحكم في عقولهم و أفهامهم و الواجب على من يريد فهم كتاب اللّه أن يتجرّد من التأثّر بكل ما هو خارج عنه فإنه الحاكم على كل شي‏ء و لا يحكم عليه شي‏ء و للّه در أبي مسلم ما أدق فهمه و أشد استقلاله فيه‏ (3) .

(هـ) و قال تعالى‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبََا قُرْبََاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا وَ لَمْ

____________

(1) سورة البقرة، الآية 260.

(2) التفسير الكبير، جـ 2، ص 332.

(3) المنار، جـ 3، ص 58.

194

يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ قََالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قََالَ إِنَّمََا يَتَقَبَّلُ اَللََّهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ*`لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخََافُ اَللََّهَ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ*`إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ*`فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ*`فَبَعَثَ اَللََّهُ غُرََاباً يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قََالَ يََا وَيْلَتى‏ََ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هََذَا اَلْغُرََابِ فَأُوََارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ اَلنََّادِمِينَ... (1) .

و جاء في المنار بصدد حديثه عن حب الأخوة ما يلي «و الحق فيما قصّه علينا الوحي من قتل قابيل أنه بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم و حب العلو و الرجحان و الامتياز على الأقران في رغائب النفس و منافعها و ما قد يلد من الحسد و ما قد يتبع الحسد من البغي و العدوان فضرب اللّه مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ليرتّب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل و الخير على الشر فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية و هابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين و ذلك قوله حكاية عنه‏ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخََافُ اَللََّهَ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ*`إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ . و الدليل على محبة الأخوة و وشيجة الرحم في نفس قابيل و تنازعها مع حب العلو و الرجحان على أخيه أو مساواته و حسده لتقبل قربانه دونه قوله تعالى‏ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ فإن التعبير عن ترجيح داعية الشر المتولدة من الحسد العارض على عاطفة حب الأخوة و رحمة الرحم بالتطويع من أبلغ تحديد القرآن لدقائق الحقائق باللفظ المفرد» (2) .

(و) و قال تعالى‏ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ*`فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ (3) .

____________

(1) سورة المائدة، الآيات 27-31.

(2) المنار، جـ 10، ص 228.

(3) سورة الأعراف، الآيتان 189-190.

195

و جاء في الرازي ما يلي «قصة هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا . التأويل الأول ما ذكره القفال فقال إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل و بيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين عن جهلهم و قولهم بالشرك. و تقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة و جعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية فلما تغشّى الزوج زوجته و ظهر الحمل دعا الزوج و الزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك و نعمائك فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا جعل الزوج و الزوجة للّه شركاء فيما آتاهما لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما في قول الطبائعيين و تارة إلى الكواكب كما هو قول المنجّمين و تارة إلى الأصنام و الأوثان كما هو قول عبدة الأصنام ثم قال تعالى‏ فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ أي تنزّه اللّه عن ذلك الشرك. و هذا جواب في غاية الصحة و السداد (1) » .

(ز) و جاء في الطبري بصدد حديثه عن قصة آدم من سورة البقرة ما يلي «و هذا و إن كان من اللّه جل ثناؤه خبرا عن إبليس فإنه تقريع لضربائه من خلق اللّه الذين يتكبّرون عن الخضوع لأمر اللّه و الانقياد لطاعته فيما نهاهم عنه و التسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق.

و كان ممّن تكبّر عن الخضوع لأمر اللّه و التذلّل لطاعته و التسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أحبارهم الذين كانوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و صفته عارفين بأنه للّه رسول عالمين ثم استكبروا مع علمهم بذلك عن الإقرار بنبوته و الإذعان لطاعته بغيا منهم له و حسدا فقرعهم اللّه بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدا له و بغيا نظير فعلهم في التكبّر عن الإذعان لمحمد نبي اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و نبوّته إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدا و بغيا.

ثم وصف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضربه لهم مثلا في الاستكبار و الحسد و الاستنكاف عن الخضوع لمن أمره اللّه بالخضوع له فقال جل ثناؤه و كان يعني إبليس من الكافرين نعم اللّه عليه و أياديه عنده بخلافه عليه فيما أمر به من السجود لآدم كما قال كفرت اليهود نعم ربها التي آتاها و آباءها من قبل إطعام اللّه أسلافهم المن و السلوى و إظلال الغمام

____________

(1) التفسير الكبير، جـ 4، ص 342.

196

عليهم و ما لا يحصى من نعمه... إلخ» (1) .

و واضح من حديث الطبري أن إبليس في هذه القصة إنما يمثل يهود المدينة و من أجل هذا التمثيل وصف المولى سبحانه و تعالى إبليس بمثل الذي وصف به اليهود و جعله من الكافرين.

و لعله مما يزيد رأي الطبري وضوحا و بيانا و يجعل قصة آدم تمثيلية أنه جعلها كذلك في سورة ص أيضا حيث نراه يجعل إبليس هناك مثلا للكفرة من المشركين من أهل مكة حيث استكبروا أن يكونوا تبعا لرجل منهم و قالوا أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنََا (2) فأنا نراه يقول بصدد حديثه عن القصة «و هذا تقريع من اللّه للمشركين الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم و أبوا الانقياد له و إتباع ما جاء به من عند اللّه استكبارا عن أن يكونوا تبعا لرجل منهم... إلخ» (3) .

(ح) و نستطيع أن نختم هذا العرض لأقوال المفسّرين بذلك النص الواضح البيّن الذي يصوّر رأي الأستاذ الإمام في القصة التمثيلية. جاء في المنار ما يلي «و أما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فقال فيه إن القرآن كثيرا ما يصوّر المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال و الجواب أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان و التأثير فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني كقوله تعالى‏ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (4) فليس المراد أن اللّه تعالى يستفهم منها و هي تجاوبه و إنما هو تمثيل لسعتها و كونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا و نحو قوله عزّ و جل بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء» فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ (5) «و المعنى في التمثيل ظاهر» .

____________

(1) الطبري، جـ 1، ص 175.

(2) سورة ص، الآية 8.

(3) الطبري، جـ 23، ص 107.

(4) سورة ق، الآية 30.

(5) سورة فصلت، الآية 11.

197

أقول هذا الأمر يسمى أمر التكوين و يقابله أمر التشريع و إنما سمّي بأمر التكوين للتعبير عنه في التنزيل بقوله تعالى‏ إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) فهو تصوير لتعلّق إرادة الربوبية بالإيجاد. و لا أذكر عن أحد من المفسّرين المتبعين للأثر تصريحا بأن الأوامر في قصة آدم من أمر التكوين إلا للحافظ بن كثير فإنه ذهب في تفسير قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا (2) من سورة الأعراف إلى أن الأمر فيه أمر قدري كوني. و مثله ما في معناه من قصة آدم و من الآيات الأخرى من مخاطبة إبليس للرب و جوابها في شأن إغوائه للبشر و إنظاره إلى يوم القيامة.

قال الأستاذ الإمام: «و تقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا. إن إخبار اللّه الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض و قوى هذا العالم و أرواحه لوجود نوع من المخلوقات يتصرّف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض. و سؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره و يعطي استعدادا في العلم و العمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك و تمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض. و تعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شي‏ء في هذه الأرض و انتفاعه به في استعمارها. و عرض الأسماء على الملائكة و سؤالهم عنها و تنصّلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته. و سجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح و القوى له ينتفع بها في تربية الكون بمعرفة سنن اللّه تعالى في ذلك. و إباء إبليس و استكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر و إبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع و التخاصم و التعدي و الإفساد في الأرض. و لو لا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري... إلخ» .

و هكذا نستطيع أن ننتهي من الحديث عن هذا اللون القصصي إلى القول بأن القصة التمثيلية أو الخيالية موجودة في القرآن الكريم باعتراف أئمة التفسير من القدماء

____________

(1) سورة يس، الآية 82.

(2) سورة الأعراف، الآية 13.

198

و المحدثين. و بأن القصة التمثيلية قصة أدبية و أنها تدخل تحت صورة من صور التعريف الأدبي للقصة و هي القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيّل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو من بطل له وجود و لكن الأحداث التي ألّمت به لم تقع له أصلا.

كما نستطيع أن نقول بأنّا بعد كل ما تقدّم لن نجد من يعارض في وجود القصة التمثيلية في القرآن الكريم و أنها وليدة الخيال و أن الخيال إنما يسود هذا النوع من القصص لحاجة البشر إليه و جريهم في بلاغتهم عليه و اللّه سبحانه و تعالى إنما يحدّثهم من هذا بما يعتادون. و لعل من القصص التمثيلي كل قصة أعرض القرآن فيها عن ذكر البطل فأهمله أو أخفاه.

و الآن نستطيع أن ننتقل إلى لون آخر من ألوان القصص الأدبي في القرآن و هو اللون الخاص بالأساطير.

(3) القصة الأسطورية

و يختلف الوضع هنا عنه في اللونين السابقين من حيث المواد الأدبية و من حيث تناولها.

أما من حيث المواد فيرجع الاختلاف إلى أن المواد الأدبية في القصة التاريخية كانت أحداثا واقعية تناولها القرآن و رتّبها ترتيبا يحقق الغرض المراد في القصة القرآنية و إلى أن المواد في القصة التمثيلية كانت أحداثا لا نعرف لها هذه الصفة من التاريخية و الواقعية و من هنا استطعنا أن نسميها في عرفنا البشري أحداثا مفروضية أو متخيلة و قد تناول القرآن هذا اللون من الأحداث و عرضه العرض الذي تتحقق به الأغراض المرادة من القص.

أما في القصة الأسطورية فالمواد الأدبية قصة بأكملها و من هنا يكون الصنيع البياني مخالفا بعض الشي‏ء له في اللونين الأولين من ألوان القصص القرآني.

و أما من حيث معالجة القصة الأسطورية فلن نستطيع أن نسلك السبيل التي سلكناها هناك فنبدأ بعرض بعض القصص لنلحظ الظواهر الأدبية ثم نسجّلها و نفسّرها

199

كما فعلنا هناك. و الأمر في ذلك واضح فالقدماء من المسلمين يجمعون على وجود القصة التاريخية في القرآن مهما يكن الرأي في طريقة تناولها و نحن متّفقون معهم كل الاتفاق على هذا القدر و غاية الأمر أنّا نقول إن عرض القصة التاريخية للأحداث و الأشخاص إنما هو العرض الأدبي البلاغي أي الفني. و بعض القدماء من المفسّرين يقول بوجود القصة التمثيلية أو غير الواقعية و على حد قول بعضهم الفرضية. و من كل ما تقدم صلح في اللونين السابقين أن نبدأ بعرض قصص انتهينا منه إلى المراد.

أما هنا فلم يقل واحد من المفسّرين بوجود القصة الأسطورية في القرآن بل على العكس نرى منهم كما نرى من بعض المحدثين نفورا من لفظ الأسطورة و من القول بأنها في القرآن و لو إلى حد ما.

نعم نحن لا ننكر أن بعض المفسّرين من أصحاب اللمحات قد فتح الباب و أجاز القول بوجود القصة الأسطورية و أصّل لذلك أصولا مهمة لهذه الفكرة مثل تقريره أن هناك جسما للقصة أو هيكلا للحكاية و أن هناك أمورا أخرى. و الجسم أو الهيكل غير مقصود أما المقصود حقا فهو ما في القصة من توجيهات دينية أو خلقية و هو ما ذهب إليه الأقدمون كالإمام الرازي و هو ما قرّره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في صراحة و وضوح حين تحدّث عن التعبيرات البيانية و أنها قد تقوم على شي‏ء من الخرافات الوثنية. و هذه هي أقوال هذين العالمين.

جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (1) من سورة يونس ما يلي «الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين و لم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها» (2) .

فنحن نلحظ أن الرازي هنا يفرّق بين شيئين: الأول هيكل القصة أو جسم الحكاية.

____________

(1) سورة يونس، الآية 39.

(2) التفسير الكبير، جـ 4، ص 591.

200

الثاني ما في القصة من توجيهات دينية نحو قواعد الدعوة الإسلامية و مبادئ الدين الحنيف.

و الرازي يلحظ أن الأمر الأول و هو هيكل القصة أو جسم الحكاية هو الذي أدخل الشبهة على عقول المشركين حين ظنّوا أنه المقصود من القصص و من أجل هذا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من أن القرآن أساطير الأولين.

و الرازي يقرّر أن المقصود أمور أخرى مغايرة لهذا الجسم من القصة.

و جاء في المنار من حديث عند تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي «قال الأستاذ الإمام ما مثاله: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكي من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز مواطن الهداية و لا بد أن يأتي في العبارة أو السياق و أسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن و استهجان القبيح.

و قد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم و إن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله‏ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (1) و كقوله‏ بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ (2) و هذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية و كتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير و الشر في خطبهم و مقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان و المصريين القدماء و لا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية» (3) .

إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا و غير قصص أثر للأساطير إجراء للعبارات على تلك الظواهر الخرافية لأنه يحكي من عقائدهم الحق و الباطل كما يجيز أن يكون القرآن قد أجرى أساليبه كما هو المعروف عند الأدباء فجعل الخرافات الوثنية أداة للتعبيرات البلاغية.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 275.

(2) سورة الكهف، الآية 90.

(3) المنار، جـ 1، ص 399.

201

لا ننكر أن المفسّرين الكبيرين قد قالا هذا و قد فتحا الباب أمامنا لكنهما وقفا عند هذا الحد و لم يضعا بين أيدينا قصة واحدة ليشرحاها الشرح الأدبي الذي يسمح لنا بأن نجعلها فاتحة الحديث عن القصة الأسطورية و نمضي على هدى منه.

إن كل ما صنعاه أنهما جعلا جسم القصة أو هيكل الحكاية غير مقصود من القرآن و أنه لو كان أسطورة من الأساطير فإن ذلك لا يقدح في حق القرآن الكريم لأنه ليس من مقاصده و ليس من الأمور التي عني بشرحها و تفصيلها.

لا بد إذن من الحديث المفصّل عن هذا اللون من القصص و نظر القرآن إليه و تناوله له.

و نقدم بين يدي ذلك ما نشير به إلى أن السبيل إلى درس مثل هذه الموضوعات مرسومة من قبل. رسمها الأصوليون في بحث آيات التشريع و هي جمع الآيات المتعلقة بموضوع ما ثم فهمها و تسجيل ظواهرها ثم تفسير هذه الظواهر و الانتهاء من كل ذلك إلى حكم القرآن في المسألة. و لن تكون سبيلنا هنا إلا هذه السبيل.

و تلك هي آيات القرآن الكريم التي عرضت لذكر الأساطير نجمعها مستقصين لننظر فيها النظرة العلمية التي تسلم إلى الحق المبين.

(1) قال تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنََا عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) .

(2) و قال تعالى‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا قََالُوا قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (2) .

(3) و قال تعالى‏ وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) .

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 25.

(2) سورة الأنفال، الآيتان 31-32.

(3) سورة النحل، الآية 24.

202

(4) و قال تعالى‏ بَلْ قََالُوا مِثْلَ مََا قََالَ اَلْأَوَّلُونَ*`قََالُوا أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ*`لَقَدْ وُعِدْنََا نَحْنُ وَ آبََاؤُنََا هََذََا مِنْ قَبْلُ إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) .

(5) و قال تعالى‏ وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً*`قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً (2) .

(6) و قال تعالى‏ وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً وَ آبََاؤُنََا أَ إِنََّا لَمُخْرَجُونَ*`لَقَدْ وُعِدْنََا هََذََا نَحْنُ وَ آبََاؤُنََا مِنْ قَبْلُ إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) .

(7) و قال تعالى‏ وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (4) .

(8) و قال تعالى‏ وَ لاََ تُطِعْ كُلَّ حَلاََّفٍ مَهِينٍ*`هَمََّازٍ مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ*`مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*`عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ*`أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ وَ بَنِينَ*`إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (5) .

(9) و قال تعالى‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ `اَلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ `وَ مََا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاََّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ `إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (6) .

هذه هي الآيات التي عرض فيها القرآن لهذه المسألة فلننظر لنرى ما فيها من دلالات على نظرية لهذه الأساطير.

و أول ذلك أن هذه الآيات جميعها من القرآن المكي حتى ما وضع منها في سورة مدنية كالأنفال مثلا فقد نص القدماء، و اعتمد ذلك المصحف الملكي، على أن الآيات من

____________

(1) سورة المؤمنون، الآيتان 83-84.

(2) سورة الفرقان، الآيتان 5-6.

(3) سورة النمل، الآيتان 67-68.

(4) سورة الأحقاف، الآية 17.

(5) سورة القلم، الآيات 10-15.

(6) سورة المطففين، الآيات 10-13.

203

30-36 من سورة الأنفال مكية. و أقرب ما يفهم من ذلك أن الحديث عن الأساطير إنما كان من أهل مكة و جمهرتهم المطلقة من المشركين و أنه قول لم يقل في المدينة بعد انتقال النبي عليه السلام إليها. و هذه ظاهرة تحتاج إلى تفسير و تعليل.

و ثاني ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن القائلين لهذا القول هم في الغالب الذين ينكرون البعث و لا يؤمنون بالحياة الآخرة. و ذلك واضح كل الوضوح من آيات سور:

المؤمنون، النمل، الأحقاف، المطففين. ذلك لأن الحديث معهم في هذه المسألة بالذات، و هو متصل بسبب قوي بالحديث عن الحياة الآخرة في آيات سور الأنعام و النحل.

و تلك ظاهرة تستحق التفسير أيضا و التعليل.

و ثالث ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن المشركين كانوا يعتقدون بما يقولون اعتقادا صادقا و أن الشبهة عندهم كانت قوية جارفة و ذلك هو الواضح تماما من هذه الآيات التي يحسن بنا أن نستعرضها سويا.

في سورة الأنعام يذهب المشركون إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيستمعون القرآن لكنهم بعد الاستماع يجادلونه و يقولون له‏ إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) . و نعتقد أنهم لم يقولوا هذا القول في مواجهة النبي و أمام سمعه و بصره إلا و هم يعتقدون أن ما يقولونه و ما يرونه الصواب. و معنى ذلك أن الشبهة عندهم في احتواء القرآن على الأساطير شبهة قوية جارفة.

و في سورة الأنفال يذهبون و يستمعون و بعد هذا و ذاك يقولون‏ قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (2) . و لا يكتفون في هذا الموطن بهذا القول و إنما يذهبون إلى أبعد من هذا في التحدي و يقولون‏ اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (3) .

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 25.

(2) سورة الأنفال، الآية 31.

(3) نفس السورة، الآية 32.

204

و نحن إذ نعتقد بصدق القرآن و دقّته في تصوير إحساساتهم لا بد لنا من التسليم بأن هذه العقيدة كانت قوية عندهم و تقوم على أساس يطمئنون إليه من حيث وسعهم معه أن يقرروا بهذه القوة وجود الأساطير في القرآن ذلك لأنهم لا يستطيعون هذا القول إلا إذا كان هناك ما يبرّر فعلا هذا القول في تقديرهم و يجعلهم يؤكّدونه هذا التأكيد.

و في الأحقاف يقف ولد هو فيما يروي المفسّرون ابن أبي بكر الصديق من والديه هذا الموقف القاسي العنيف‏ وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) .

و ما من شك في صدق القرآن و دقّته في تصويره لخلجات الأنفس و لذا نقدّر بأن هذا الشخص الذي يضجر من والديه و يتأفف من قولهما و يشك في عودته إلى الحياة مرة ثانية و يقيم هذا الشك على ملاحظته لظاهرة من الظواهر هي أن القرون قد خلت من قبله و لم يعد إلى الحياة أحد كان قوي العقيدة شديد اليقين في أن ما وعد به من الإخراج إنما هو من الأساطير.

و هكذا نلحظ أن الشبهة عنده قوية عنيفة و أن القرآن يصوّرها تصويرا دقيقا صادقا و نحس نحن من هذا التصوير القرآني أن القوم كانوا إنما يعبّرون عما يحسّون و يشعرون به نحو ما يتلى عليهم من آي الذكر الحكيم فهم لم يقولوا هذا القول كذبا و ادعاء و إنما قالوه عن شبهة قوية و عقيدة ثابتة.

و نستطيع أن نسأل أنفسنا قائلين هل معنى ذلك الذي يقرّره القرآن أن في القرآن شيئا دعاهم إلى هذا القول الذي يدل على التقرير القوي و الاعتقاد المتمكّن و هل هذا الشي‏ء من الأخطاء التي ملكت عليهم نفوسهم أو هو شي‏ء من حال القرآن جعلهم يقولون ذلك؟لنلتمس الجواب عن هذا من دلالة تعرّض القرآن للأساطير من نفيها عن نفسه و شدة حرصه على ذلك أو من دلالته على وقوفه منها موقفا يخالفه ذلك؟

لننتظر و سنرى.

____________

(1) سورة الأحقاف، الآية 17.