الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
205

و رابع ما يفهم من النظر في هذه الآيات التي هي كل ما تحدّث به القرآن عن الأساطير أن القرآن نفسه لم يحرص على أن ينفي عن نفسه وجود الأساطير فيه و إنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام و ليس من عند اللّه.

و استعرض معي الآيات مرة أخرى لتتبيّن موقف القرآن نحو هذا الحرص على نفي وجود الأساطير فيه و سترى:

(1) أن القرآن اكتفى بوصف هذا الصنيع من المشركين في آيات سور الأنفال، المؤمنون، النمل، الأحقاف، دون تعقيب عليه.

(2) و أن القرآن اكتفى بتهديد القوم في آيات سور الأنعام و المطففين. و هو تهديد يقوم على إنكارهم ليوم البعث أو على صدّهم الناس عن إتباع النبي و ليس منه التهديد على قولهم بأن الأساطير قد وردت في القرآن الكريم.

(3) و مرة واحدة يعرض القرآن للرد عليهم في قيلهم بأنه أساطير و هي المرة التي ترد في سورة الفرقان، و هذه هي الآيات‏ وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً*`قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً (1) .

فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتتبها و تملى عليه و يثبت أنها من عند اللّه. قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ... إلخ.

لعل الثاني أوضح، و لعل هذا الوضوح هو الذي جعل الرازي في مناقشته لرد القرآن عليهم يقول البحث الأول في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة و تقريره ما قدّمناه من أنه عليه السلام تحدّاهم بالمعارضة و ظهر عجزهم عنها و لو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا

____________

(1) سورة الفرقان، الآيتان 5-6.

غ

206

القرآن فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي من عند اللّه و كلامه فلهذا قال‏ قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ (1) .

و الذي يحسن بنا أن نلتفت إليه هنا هو أن الرازي يسأل عن كيفية أن يكون قوله تعالى. قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ... إلخ إجابة عن قولهم‏ وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ... إلخ ذلك لأن المتبادر أن الرد الذي كان يتوقّعه الرازي إنما يكون بنفي وجود الأساطير في القرآن و من هنا حاول أن يجعل إجابة القرآن ملاقية للشبهة حين وجد أن الرد ليس نفيا لوجود الأساطير في القرآن بل نفي موجود آخر هو أنه ليس منزلا من‏ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ . و لعلنا لا نوافق الرازي فيما وجّه به الرد بل نرى أن إجابة القرآن هي الإجابة الطبيعية و هي الإجابة التي لا محيد عنها في هذا الميدان. ذلك لأن مدار الحوار بين القرآن و المشركين لم يكن عن ورود الأساطير في القرآن و إنما كان عن اتخاذهم ورود الأساطير دليلا على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي و لم ينزل عليه من السماء. و من هنا كانت الإجابة في محلها و كان إثبات أن القرآن من عند اللّه قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و لم تكن الإجابة نفي ورود أساطير في القرآن.

و هذا هو الذي يدل عليه أيضا ما ذكره القرآن من قبلهم‏ وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (2) ذلك لأنهم كانوا يتخيلون استبعاد أن يصدر مثل هذا القصص الأسطوري عن اللّه و لذا وقفوا موقفهم هذا من النبي عليه السلام و من القرآن و اشتطّوا في ذلك و غلوا و هم مخطئون.

و إذا كان إحساس القوم بورود الأساطير في القرآن قويا عنيفا و عقيدتهم في ذلك قوية ثابتة.

و إذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه و إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام و ليس من عند اللّه.

____________

(1) التفسير الكبير، جـ 6، ص 354.

(2) سورة النحل، الآية 24.

207

إذا كان كل هذا ثابتا فإنّا لا نتحرج من القول بأن في القرآن أساطير لأنّا في ذلك لا نقول قولا يعارض نصا من نصوص القرآن.

و يبقى من ذلك الشرح للظواهر و تفسيرها أمران: الأول لما ذا صدر هذا القول عن منكري البعث؟و الثاني لما ذا كان من المكيين؟

لنستعرض سويا بعض القصص القرآني الذي عالج القرآن فيه مشكلة البعث:

(1) قال تعالى‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْماً فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ قََالَ أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ*`وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) .

و واضح من القصتين أنهما تفسّران و تجسمان عملية الإحياء بعد الإماتة و هي العملية التي كان ينكرها المشركون إنكارا تاما و يزعمون أنها أحاديث خرافة.

و يقف بعض المفسّرين من هاتين القصتين موقفا يدل على أنهما عندهم من الأقاصيص التي تقع و لم تحدث.

جاء في تفسير المنار عقب حديثه عن القصة الأولى هذه الجملة «و يحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل» (2) .

و جاء في الرازي بعد تفسيره للقصة الثانية رأي لأبي مسلم ينكر فيه وقوع القصة و يذهب إلى أنها من قبيل التمثيل ليس غير. هذا الرأي الذي عرضناه عليك في الفقرة الخاصة بالقصة التمثيلية من هذا الفصل‏ (3) .

____________

(1) سورة البقرة، الآيتان 259-260.

(2) المنار، جـ 3، ص 52.

(3) الرازي، جـ 2، ص 333.

208

و إذا ما ضممنا إلى ذلك ما يذهب إليه بعض المستشرقين من أن قصة أصحاب الكهف قصة أسطورية (1) . تبيّن لنا السر في أن القائلين بالأسطورية هم الذين ينكرون البعث إذ أنهم لم يستطيعوا تصديق أمثال هذه القصص التي تجسّم عملية الإحياء بعد الإماتة و جروا على أنها أساطير الأولين.

و نستطيع أن نذكر هنا أيضا أن الشبهة التي دخلت على المشركين من أمثال هذه الأقاصيص قد دخلت أيضا على بعض المفسّرين من الباب نفسه و من هنا لم يستطيعوا تصديق وقوع هذه الأحداث و فسّروا هذا اللون من القصص على أنه قصص يراد به التمثيل.

و الآن إلى هذه الظاهرة.

لما ذا انقطع القول بالأساطير حينما انتقل النبي إلى المدينة؟

إن السبب فيما نعتقد واضح بين فالبيئة قد تثقّفت ثقافة كتابية بفضل اليهود. و في الكتب السابقة وردت الأساطير لتشرح فكرة أو تمثّل و تجسّم عقيدة من العقائد و هذه فكرة يعرفها أهل الكتاب و نعتقد أن قد كان يعرفها المدنيون من العرب من هؤلاء.

و البيئة المكية لم تكن مثقفة ثقافة كتابية في هذا الجانب فيما نعتقد و من هنا أنكرت على القرآن هذا الصنيع.

إن القصص الأسطوري يعتبر تجديدا في الحياة الأدبية المكية و تجديدا جاء به القرآن الكريم و تجديدا لم يألفه القوم و من هنا أنكروه.

إن هذه النظرة تفسّر لنا جانبا من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم فقد وضع تقليدا جديدا في الحياة الأدبية العربية و هو بناء القصص الديني على بعض الأساطير. و هو بذلك قد جعل الأدب العربي يسبق غيره من الآداب العالمية في فتح هذا الباب و جعل القصة الأسطورية لونا من ألوان الأدب الدقيق الرفيع.

يجب أن نحرص على فتح هذا الباب و لا نوصده في وجه الذين يقولون بوجود

____________

(1) مادة أصحاب الكهف في دائرة المعارف الإسلامية.

209

الأساطير في القرآن الكريم و إنما يجب أن نفسّره التفسير الذي اهتدى إليه الرازي و وقف عنده الأستاذ الإمام و لم ينكره على نفسه القرآن الكريم.

فإذا ما قال المشركون إن بالقرآن أساطير قلنا ليس عليه في ذلك بأس و إنما البأس عليكم لأنكم قد عجزتم عن فهم مقاصده و قصدتم عن المضي معه في هذا السبيل.

و إذا ما قال المستشرقون إن بعض القصص القرآني كقصة أصحاب الكهف أو قصة موسى في سورة الكهف قد بنيت على بعض الأساطير (1) . قلنا ليس في ذلك على القرآن من بأس فإنما هذه السبيل سبيل الآداب العالمية و الأديان الكبرى و يكفينا فخرا أن كتابنا الكريم قد سنّ السنن و قعّد القواعد و سبق غيره في هذه الميادين.

و نستطيع الآن أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن القرآن الكريم لا ينكر أن فيه أساطير و إنما ينكر أن تكون الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام لم يجئه به الوحي و لم ينزل عليه من السماء.

و من هنا يجب ألا يزعجنا أن يثبت عالم من العلماء أو أديب من الأدباء أن بالقرآن أساطير. ذلك لأن هذا الإثبات لن يعارض نصا من نصوص القرآن الكريم.

جاء في الرازي عند تفسيره لآية النحل ما يلي «لقائل أن يقول كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين. و جوابه من وجوه: الأول أنه مذكور على سبيل السخرية... الثاني أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين. الثالث يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزل اللّه لكنه أساطير الأولين ليس فيه شي‏ء من العلوم و الفصاحة و الدقائق و الحقائق» .

و واضح أن الرازي يجيز في رأييه الأخيرين القول بورود أساطير في القرآن الكريم و أنها من عند اللّه.

إن المسألة أوضح من أن نختلف عليها بعد الآن و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

القصة الأسطورية إذا من القصص الأدبي الذي نجد من المفسّرين من أجاز أن يكون موجودا في القرآن الكريم.

____________

(1) راجع مادة أصحاب الكهف و مادة إلياس من دائرة المعارف الإسلامية.

210

هذه هي الألوان الثلاثة من القصص الأدبي وضعتها بين يديك و دللت على وجودها أو على احتمال الوجود و إجازته و كلها يثبت أن القصة في القرآن الكريم عمل أدبي قصد إليه القرآن و جعله وسيلته إلى كل ما يريد من مقاصد و أغراض.

و ننتقل الآن إلى الحديث عن أمر آخر هو الوحدة القصصية و سنرى منها أيضا ما يزيد الأمر بيانا و إيضاحا و يطلعنا على أن القصد الأدبي في القصص القرآني هو سر ما فيه من إعجاز.

211

الوحدة القصصية

و النزعة التاريخية التي سيطرت على عقلية الدارسين للقصة القرآنية جعلتهم يضلّون السبيل إلى الوحدة القصصية للقصة القرآنية. ذلك لأنها جعلتهم لا يستطيعون التفرقة في سهولة و يسر و في دقة و إحكام بين صنيع المؤرّخين و صنيع الأدباء في رسم صور الشخصيات فهم لم يستطيعوا مثلا أن يتبيّنوا أنه إن كان من واجب المؤرّخ أن يرسم الصورة كما كانت عليه الشخصية في الحياة فإن من حق الأديب أن يختار من الملامح و أن يبرز من القسمات و أن يعرض من جوانب الشخصية ما يمكّنه من الوصول إلى تلك الأهداف التي قصد إليها من قص القصص. و إنّ من حقه أيضا أن يلوّن الصورة بالألوان التي تجعل الشخصية قادرة كل القدرة على القيام بذلك الدور الذي قدّر لها أن تلعبه في القصة. و من هنا لم يستطع هؤلاء الدارسون الإيمان بأن الشخصية الواحدة قد لا تتشابه صورها حين يصوّرها أدباء مختلفون أو حين يصوّرها أديب واحد في أقاصيص مختلفة.

و لعله السبب الذي من أجله عجز هؤلاء عن تفسير تلك الظاهرة في الأقاصيص القرآنية، فلقد عجز القوم عن تفسير هذه الصور التي رسمها القرآن لفرعون من مجيئه مرة في مسوح العابد و أخرى في عزة المعبود.

و عدم القدرة على التفرقة بين الصنيعين صنيع الأدباء و صنيع المؤرخين هو الذي دفع‏

212

هؤلاء الدارسين إلى اعتقاد أن الشخصية القصصية في القصص القرآني ليست إلا الشخصية التاريخية و أن هذه الأخيرة هي كل شي‏ء في القصص القرآني. فهي الأساس الذي تبنى عليه القصة و هي المحور الذي تدور حوله و تستند إليه بقية العناصر ثم هي العنصر المبين للوحدة القصصية و المميز لقصة قرآنية عن أخرى غير قرآنية.

و نحن في هذا الموقف لا نريد الحديث عن العناصر القصصية و كيفية توزيعها في القصة القرآنية و لا عن الشخصية و كيف أن القرآن كان يجعلها العنصر الأول حين يقصد إلى الإنذار و لا عن الحوار و كيف أن القرآن كان يجعله العنصر الأول حين يقصد إلى الرد على المعارضة و إلى شرح مبادئ الدعوة الإسلامية. لا نريد الحديث عن شي‏ء من هذا لأن لهذه المسائل جميعها محلها من البحث في فصل خاص بها هو فصل العناصر القصصية.

إننا نريد في هذا الموقف الحديث عن الوحدة القصصية عن الأساس الذي نميّز به في القرآن قصة عن قصة. عن الأساس الذي يفرد القصة و يجعلها محل بحث و درس لملاحظة الظواهر ثم تفسيرها و تعليلها ثم الوقوف على ما فيها من قيم فنية و أدبية.

كان الأساس عند الدارسين قبلنا الشخصية التاريخية و من هنا كانت تسميتهم للأقاصيص القرآنية بأسماء الأنبياء و المرسلين و أسماء غيرهم من رجال التاريخ فنرى في كتبهم قصص آدم و نوح و إبراهيم و موسى و ذي القرنين. كما نرى فيها أيضا تمييزهم للأقاصيص بالصفات التي كان يطلقها القرآن الكريم على الشخصيات و من ذلك قصص كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا (1) ، و اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا (2) ، و أَصْحََابَ اَلْكَهْفِ (3) و اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ (4) ، و أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ (5) و هكذا.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 259.

(2) سورة الأعراف، الآية 175.

(3) سورة الكهف، الآية 9.

(4) سورة البقرة، الآية 243.

(5) نفس السورة، الآية 82 و في عدة سور أخرى.

213

كانت النتيجة المنطقية لهذا الصنيع من القدماء أن تكون قصة موسى و إبراهيم و غيرهم من الأنبياء الذين تكرّرت أسماؤهم في القرآن و دارت حولها أخبار و آراء هي مجموع هذه الأقاصيص التي دارت حول هذه الأسماء. و هنا نعترف بأنهم لم يقفوا طويلا عند الأسرار التي من أجلها كرر القرآن هذه الأقاصيص و خالف فيما بينها بالذكر و الحذف أو الزيادة و النقصان أو صوّرها بصور مختلفة من حيث التقديم و التأخير و غير ذلك من طرق و أساليب عمد إليها القرآن.

إنه من هنا قامت في وجههم الصعوبات و تكاثرت أمامهم المشكلات و أحسّوا بعدم القدرة على الخروج مما وضعوا أنفسهم فيه من مآزق و لعلهم من هنا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عد القصص القرآني من المتشابهات.

إن الأساس الذي يحسن بنا أن نسير عليه في فهم الوحدة للقصة القرآنية إنما هو الأساس الذي جعله القرآن نفسه أساسا للمجموعات القصصية التي جمع بينها في السورة الواحدة و وحّد فيها بين البناء و التركيب. هو المقاصد و الأغراض و الموضوعات الدينية لا الأسماء و لا الأشخاص.

إن المشكلة التي تعالجها القصة هي الوحدة التي يقوم عليها فن التركيب و البناء.

إن ذلك الفهم للوحدة القصصية هو الذي يتفق و قواعد الأصوليين و يجري و صنيع القرآن ثم هو الذي لعله يفتح الطريق لإدراك معنى لهذا التشابه في قصص القرآن. و لعله يرد عن القرآن مطاعن الطاعنين من ملاحدة و مستشرقين.

(1) أما إنه يتفق و قواعد الأصوليين فلأنهم يجعلون مدار البحث في الآية القرآنية ما تصوّره من حكم شرعي أو عقيدة دينية و لا يجعلونه الأشخاص الذين تدور حولهم هذه الأحكام و من هنا توزّع الحديث على الأزواج في مواطن كثيرة فجاء بعضه في آيات النكاح و بعضه في آيات الطلاق و بعضه فيما يقوم بين الزوجين من خصومات، كما جاء بعضه في آيات الطلاق و بعضه في آيات الميراث و هكذا.

و لا يستطيع باحث أن يجمع بين آيات الطلاق و آيات الميراث إذ هذه توضع في باب الميراث و تلك في باب الطلاق و هكذا. غ

214

و هذا هو ما يحسن أن يجري عليه العمل في القصة القرآنية فيحسن أن تكون الوحدة هي الغرض القصصي فتكون هذه القصة للتخويف و تلك للإنذار و هذه للعظة و تلك لتثبيت قلب النبي عليه أفضل الصلاة و السلام.

و واضح أنّا لا نستطيع أن نجمع بين قصة للبعث كقصة إبراهيم و الطير في البقرة و قصة لتثبيت قلب النبي عليه السلام كقصة إبراهيم في هود و قصة المحاربة و الأوثان كقصة إبراهيم في الأنبياء لمجرد أن هذه القصص كلها تدور حول شخصية إبراهيم عليه السلام.

و كذلك لا نستطيع أن نصنع هذا الصنيع في القصص الدائرة حول غيره من الأنبياء.

(2) و أما إنه يجري و صنيع القرآن فلأنه الأساس الذي قام عليه الجمع في الأقاصيص المختلفة من حيث الأسماء الواردة في سورة واحدة من سور القرآن. و ذلك هو الأمر الواضح من مجموعات القصص الواردة في كل من سور القمر و الأعراف و هود و الشعراء و غيرها من السور التي وردت فيها أمثال هذه المجموعات.

ثم لأن هذا الأساس هو الذي قام عليه التشابه و الاتفاق في فن بناء قصة و تركيبها في كل من السور مهما تتغير الأسماء.

و لعل القصص التالية توضح لك صنيع القرآن و تبيّن لك السر الذي من أجله جمع بين هذه الأقاصيص في سورة واحدة و وحّد بينها في فن بناء القصة و تركيبها مع الاختلاف في الأسماء.

قال تعالى‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تُتْرَكُونَ فِي مََا هََاهُنََا آمِنِينَ*`فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ* `وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً فََارِهِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ*`اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ*`مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ هََذِهِ نََاقَةٌ لَهََا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*`وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`فَعَقَرُوهََا فَأَصْبَحُوا نََادِمِينَ*`فَأَخَذَهُمُ اَلْعَذََابُ إِنَّ

215

فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) . كَذَّبَ أَصْحََابُ اَلْأَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* `فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ لاََ تَكُونُوا مِنَ اَلْمُخْسِرِينَ*`وَ زِنُوا بِالْقِسْطََاسِ اَلْمُسْتَقِيمِ*`وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*`وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ*`قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ*`وَ مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`فَأَسْقِطْ عَلَيْنََا كِسَفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمََا تَعْمَلُونَ*`فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذََابُ يَوْمِ اَلظُّلَّةِ إِنَّهُ كََانَ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (2) .

فهاتان القصتان جمع بينهما الغرض الذي ذكر في أول هذه السورة سورة الشعراء و هو حرص النبي على هدايتهم مع موقفهم منه موقف اللدد و الخصومة حتى ليبخع نفسه و من أجل هذا مضت القصة في عرض الحوادث التي تبث الثقة و الطمأنينة في قلب النبي عليه السلام و التي ترد نفسه إلى الهدوء حينما يعلم من غيره من الرسل مثل هذا الحرص و بقاء أقوامهم على ما هم عليه من العناد.

و من أجل هذه المقاصد أيضا وحّد القرآن بين هاتين القصتين في فن البناء و التركيب حتى لقد جعل العبارات التي تجري بها الألسنة سواء من الأنبياء عليهم السلام أو من أقوامهم الثائرين الساخطين واحدة في كثير من الأحايين.

الوحدة القصصية كما ترى من صنيع القرآن تقوم على المقاصد و الأغراض و المشكلات التي تستثيرها القصص و تحاول أن تضع بين يدي القارئ أو النبي عليه السلام لها حلا و لا تقوم على الأسماء أو الأشخاص بحال من الأحوال.

على أنّا لو تتبّعنا الآيات المختلفة التي يلفت القرآن بها الذهن إلى فوائد القصص

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 141-159.

(2) نفس السورة، الآيات 176-191.

216

القرآني في السور التي وردت فيها مجموعات من هذه القصص لوجدنا القرآن نفسه ينطق بهذه الأسس للوحدة القصصية القرآنية، فقد قال تعالى في سورة هود وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ (1) . و قال في سورة الأعراف‏ فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (2) و قال في سورة يوسف‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ (3) إلخ و كلها تنطق كما ترى بأن القرآن يجعل القصد الحقيقي للقصص الأغراض الدينية. و إنه لتعطيل لمهمة القرآن الأدبية الإعجازية و الدينية الخلقية أن نعرض عن هذه المقاصد التي يرمي إليها القرآن و نشغل عنها بما لم يقصد إليه من بحث في قضايا الأزمنة و الأمكنة و الأسماء و الأشخاص.

(3) ثم هو الذي يفسّر التكرار في القصص و هو الأمر الذي دعا القدماء إلى القول بفكرة التشابه و إليك البيان.

يروي الطبري نصوصا في التشابه يلخّصها كما هي العادة بقوله «المتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار فقصة باتفاق الألفاظ و إختلاف المعاني و قصة بإختلاف الألفاظ و اتفاق المعاني» (4) .

و يقصد الطبري من هذا الحديث التشابه الذي يقع في صور التعبير عند ما تختلف المعاني التي تجي‏ء بها القصة أو الاختلاف في التعبيرات عند ما يكون المعنى واحدا. و هو يسمي النوع الأول قصة باتفاق الألفاظ و إختلاف المعاني و هو يدل على النوع الثاني بقوله و قصة بإختلاف الألفاظ و اتفاق المعاني.

و قد ورد هذا الرأي مجملا في كثير من كتب التفسير و أصول الفقه كتفسير أبي حبان و كإحكام الأحكام للآمدي و كمجمع البيان للطبرسي و غيرهم.

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) سورة الأعراف، الآية 176.

(3) سورة يوسف، الآية 3.

(4) الطبري، جـ 3، ص 107.

217

و لا يسعنا أن نعرض عليك في هذا المقام جميع الصور التي يتحقق بها ما رواه الطبري فهي كثيرة في القرآن و لذا سنكتفي بعرض بعضها ملخّصا في مسائل بعينها تدل على ألوان من التشابه كما جمعها صاحب كتاب «درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب اللّه العزيز» و نرجو أن ننتهي منها إلى حل موفّق.

(أ) قال تعالى في سورة الأعراف‏ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (1) و قال في سورة هود وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَنْ لاََ تَعْبُدُوا إِلاَّ اَللََّهَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (2) و قال في سورة المؤمنين‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ (3) .

و يعلّق الخطيب الإسكافي على هذه الآيات بعد إيراده لها بقوله: للسائل أن يسأل عن إختلاف المحكيات كقوله بعد مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ و إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ و في المؤمنين‏ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ و القصة قصة واحدة.

الجواب أن يقال للأنبياء مقامات مع أممهم يكون فيها الإعذار و الإنذار و يرجع فيها عودا على بدء الوعد و الوعيد و لا يكون دعاؤهم إلى الإيمان باللّه و رفض عبادة ما سوى اللّه في موقف واحد بلفظ واحد لا يتغيّر عن حاله بل الواعظ يفتن في مقاله و الجاحد المنكر تختلف أجوبته في مواقفه فإذا جاءت المحكيات على اختلافها لم يطالب و قد اختلف في الأصل باتفاقها لأنه قال لهم مرة باللفظ الذي حكى و مرة بلفظ آخر في معناه كما ذكر و كذلك الجواب يرد من أقوام يكثر عددهم و يختلف كلامهم و مقصدهم. و مصدق الخبر يتناول الشي‏ء على ما كان عليه فلا وجه إذا للاعتراض بهذا و نحوه‏ (4) .

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 59.

(2) سورة هود، الآية 26.

(3) سورة المؤمنون، الآية 23.

(4) درة التنزيل، ص 128.

218

هذا لون من التشابه يفكّر فيه الخطيب الإسكافي و يحله على أساس أدبي نستطيع أن نلخّصه في أنه رأى أن هذا موقف و ذاك آخر و من هنا اختلفت الصور المعبّرة فكانت هذه صورة و تلك أخرى.

و نعتقد أن هذا الحل الذي يذهب إليه الخطيب الإسكافي يسلم إلى رأي أدبي آخر لا نحجم عن ذكره لأنه الحق الأدبي.

ليس من شك في أنه إذا تعدّدت المواقف و اختلفت الأشخاص و قال النبي أو الرسول من أجل هذا التعدّد في المواقف و من أجل هذا الاختلاف في الأشخاص عبارات مختلفة تلائم المقام كانت النتيجة المنطقية لكل هذا إختلاف الصور المعبّرة أو إختلاف الأقاصيص لاختلاف الصور البيانية و المواد القصصية و إختلاف المقامات.

هذا حل يحسن بنا أن نحرص عليه لنستفيد به فيما يجي‏ء من صور للمتشابه من آي القرآن.

(ب) قال تعالى من سورة طه‏ وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ ... وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ*`قََالَ هِيَ عَصََايَ (1) و قال في سورة النمل‏ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نََاراً سَآتِيكُمْ ... وَ أَلْقِ عَصََاكَ (2) .

للسائل أن يسأل فيقول قال اللّه تعالى‏ وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً (3) ، و هل الاختلاف إلا هذا الذي جاء في سوره في الإخبار عن قصة واحدة مرة أنه قال لأهله‏ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً (4) . و في الآية الأخرى‏ سَآتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (5) . و قال

____________

(1) سورة طه، الآيات 9-18.

(2) سورة النمل، الآيات 7-10.

(3) سورة النساء، الآية 82.

(4) سورة طه، الآية 10.

(5) سورة النمل، الآية 7.

219

في سورة القصص‏ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ (1) .

ثم قوله‏ فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ*`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً (2) إلى قوله‏ وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ (3) فأخبر عن أشياء قيلت لموسى عليه السلام ثم جاء إلى ذكر العصا فقال‏ وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ . و في السورة الثانية فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`يََا مُوسى‏ََ إِنَّهُ أَنَا اَللََّهُ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ*`وَ أَلْقِ عَصََاكَ (4) . و كذلك جاء في سورة القصص‏ فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يََا مُوسى‏ََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ*`وَ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ... (5) .

الجواب أن يقال إن اللّه تعالى لم يخبر أنه خوطب موسى عليه السلام باللغة العربية بألفاظ إذا عدل عنها إلى غيرها مما يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحا فيه بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة و أنه تعالى أخبر في بعض السور ببعض ما جرى و في أخرى بأكثر مما أخبر به في التي قبلها و ليس يدفع بعضها بعضا (6) .

و نشعر نحن بأن تلك الإجابة لا تحل المشكلة ما دام الموقف واحدا و ما دام القصد هو الإخبار عن هذا الموقف.

إن رأينا في حل هذه المشكلة نستمده مما لمحه الخطيب الإسكافي في بيانه السابق و نقول بأن هذا موقف و ذاك آخر و ليس من اللازم أن يقوم هذا الاختلاف على أساس الذي وقع فعلا و إنما يقوم على أساس القصد الذي يرمي إليه القرآن من الصور القصصية فما

____________

(1) سورة القصص، الآية 29.

(2) سورة طه، الآيتان 11-12.

(3) نفس السورة، الآية 17.

(4) سورة النمل، الآيات 8-10.

(5) سورة القصص، الآيتان 30-31.

(6) درة التنزيل، ص 232.

220

دامت هذه القصة قد وردت لغرض و مقصد كالتسلية أو التسرية عن النبي عليه السلام و تلك لغرض آخر فهذه قصة و تلك قصة إذ هذا العرض الأدبي لحادث واحد من جوانب مختلفة إنما يكشف عن موضع العبرة و موطن العظة دون قصد إلى تقرير خبر بعينه و من هنا تكون هذه قصة و تلك قصة و عند ذلك لا تكون هناك مشكلة لأنّا لن نربط بين القصتين حتى يقوم التعارض أو الاختلاف.

و ليس من شك في أنك ستذهب معي إلى أنه إذا اختلفت المقاصد القصصية اختلفت الصور المعبّرة و أنه إذا اختلفت الصور المعبّرة كانت هذه قصة و تلك قصة.

و ليس من شك في أنك لا تستطيع أن تغلب الاتفاق في الشخصية على بقية العناصر القصصية من إختلاف في المقاصد و الأغراض و إختلاف في الصور و الألفاظ و إختلاف في النسق و الترتيب و إختلاف في فن البناء و التركيب.

و هنا نحس أن الاختلاف القائم على أساس الأحداث أيضا يزول فكون البشارة بالغلام مرة لسارة و أخرى لإبراهيم عليه السلام لا يعتبر من الاختلاف لأن هذه قصة و تلك قصة. و كذلك غير هذا المثال من آيات القصص الذي يتغاير فيه التعبير.

إن هذا الوجه من الرأي يبطل ذلك القول الخاطئ الذي يقول به المستشرقون من تطوّر الشخصية القصصية في القرآن الكريم بتطوّر أغراض النبي عليه السلام و دوافعه و الظروف المحيطة به و المناسبات التي تدعوه إلى بعض المواقف. ذلك التطوّر الذي يمثّلون له بما حدث في شخصية إبراهيم عليه السلام‏ (1) لأن أساس هذا القول أن الوحدة القصصية تقوم على وحدة الشخصية و هو قول باطل يريحنا منه تقرير أن هذه الوحدة إنما هي وحدة الغرض و العبرة لا وحدة الشخص و من هنا تكون هذه قصة و تلك قصة و تكون أقاصيص صور العرض باختلاف المقصد و الغرض.

و قريب من هذا ذلك الاختلاف الذي يلاحظ في شخصية فرعون من أنه ظهر بمظهر المعبود في قوله تعالى‏ مََا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرِي (2) و بمظهر العابد في قوله تعالى

____________

(1) راجع مادة إبراهيم في دائرة المعارف الإسلامية.

(2) سورة القصص، الآية 38.

غ

221

وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ (1) إذ أن القول إنما يقوم على أساس أن الوحدة القصصية تكون بوحدة الشخص لا بوحدة المقصد و الغرض و هو ما لا نرتضيه بل نقول كما ترى باختلاف القصة لاختلاف المقصد و المغزى.

(ج) قوله تعالى في قصة نوح من سورة هود: قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتََانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ (2) و قال في قصة صالح عليه السلام في هذه السورة: قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتََانِي مِنْهُ رَحْمَةً (3) .

للسائل أن يسأل عن مخاطبة النبيين نوح و صالح عليهما السلام قوميهما باللفظين اللذين تساويا إلا فيما اختلفا فيه من تقديم المفعول الثاني في الآية الأولى على الجار و المجرور و تأخيره عنهما في الآية الثانية (4) .

(د) قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام من سورة الشعراء: قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ*`مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ (5) . و قال في قصة شعيب عليه السلام: وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ*`قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ* `وَ مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ اَلْكََاذِبِينَ (6) .

للسائل أن يسأل عن الواو في قصة شعيب في قوله‏ وَ مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا و حذف الواو من مثله في قصة صالح عليه السلام‏ (7) .

و هنا نصرّح بأنّا لم ننقل إجابة الخطيب الإسكافي عن اللونين الثالث و الرابع و ذلك لسبب بسيط هو أنه أقام الإجابة عن أسباب الاختلاف و هو الأمر الذي يسأل عنه في هذا

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 127.

(2) سورة هود، الآية 28.

(3) نفس السورة، الآية 63.

(4) درة التنزيل، ص 182.

(5) سورة الشعراء، الآيتان 153-154.

(6) نفس السورة، الآيات 184-186.

(7) درة التنزيل، ص 268.

222

الموطن لأن القصتين في كل لون مختلفتان فهذه قصة لنوح و تلك قصة لصالح، و هذه قصة لصالح و تلك قصة لشعيب.

إن الأمر الذي يجب أن يسأل عنه في هذا الموطن إنما هو سر التشابه فيما نطق به كل من النبيين في السورة الواحدة إذ هو الأمر الذي يدعو إلى التساؤل في هذا المقام.

إن الإجابة عن هذا التساؤل سهلة يسيرة على أساس ما نذهب إليه من فهم للقصص القرآني ذلك لأن كلا من اللونين قد اتّحد فيه القصد و الغرض و من هنا كان التشابه في بناء القصة و كان الاتفاق في العبارات.

نزلت قصص سورة هود لتثبيت قلب النبي عليه السلام و اختار المولى سبحانه و تعالى من أحداث الأنبياء مع أقوامهم ما يحقق هذا الغرض و من هنا كان التشابه فيما ينطق به الأنبياء عليهم السلام.

و نزلت قصص الشعراء لتصوير اللدد في الخصومة و تهوين وقع الأمر على نفس النبي عليه السلام و من هنا كان التوافق في بناء القصة و تركيبها و كان الاتفاق في العبارات التي تنطق بها الأقوام أو التي ينطق بها الأنبياء عليهم السلام.

و أعتقد أنك ستؤمن بهذا الرأي إيمانا جازما لو رجعت إلى قصة لنبي واحد في سورتين مختلفتين و قصتين لنبيين مختلفين في سورة واحدة.

سبق أن وضعنا بين يديك قصتين من سورة الشعراء هما قصة صالح و قصة شعيب لتلحظ ما بينهما من اتفاق في بناء القصة و تركيبها و ما بينهما من تشابه فيما ينطق به القوم من عبارات في الجدل و الحوار.

و الآن نستطيع أن نفعل العكس فنضع بين يديك إحدى القصتين و قصة للنبي نفسه الذي تدور حوله الأحداث من سورة أخرى لتدرك بنفسك لما ذا نذهب إلى أن هذه قصة و تلك قصة و لتقف بنفسك على أسباب الاختلاف.

قال تعالى في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ‏

223

أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تُتْرَكُونَ فِي مََا هََاهُنََا آمِنِينَ*`فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ*`وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً فََارِهِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ*`اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ* `مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ هََذِهِ نََاقَةٌ لَهََا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*`وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`فَعَقَرُوهََا فَأَصْبَحُوا نََادِمِينَ* `فَأَخَذَهُمُ اَلْعَذََابُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

و قال تعالى في سورة القمر: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ*`فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ*`أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا بَلْ هُوَ كَذََّابٌ أَشِرٌ*`سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ*`إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ*`وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمََاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ*`فَنََادَوْا صََاحِبَهُمْ فَتَعََاطى‏ََ فَعَقَرَ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَكََانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (2) .

إن الاختلاف بين القصتين هنا أقوى منه هناك و ليس لذلك من سبب إلا أن المقاصد بين قصتي ثمود في كل من سورتي القمر و الشعراء قد اختلفت و من أجل ذلك اختلف فن البناء و التركيب و أصبحت هذه قصة و تلك قصة على الرغم من تشابه المواد و اتفاق الأشخاص.

على أنّا لو نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر أخرى و هي أن هذه الأجزاء لا يمكن أن تعتبر أجزاء قصة واحدة إلا على أساس أن صاحب النص قد أراد هذا و أنه حين أنزله إنما أنزله على أنه جزء من قصة موسى أو إبراهيم أو غيرهما من الأنبياء و ذلك ما لم يقل أحد به بل ذلك ما يخالف أسباب النزول التي يذكرها المفسّرون أحيانا عند تفسيرهم هذه الأجزاء و ذكرهم أسبابا و مناسبات لنزولها.

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 141-159.

(2) سورة القمر، الآيات 23-32.

224

إن هذه الأجزاء نزلت عند ما نزلت لا على أنها تكميل لقصة سابقة بل نزلت لأغراض مختلفة باختلاف الظروف و المناسبات و من هنا بنيت بناية مستقلة لتحقيق القصد من إيرادها.

ثم إن هناك سببا آخر هو هذا التكرار الكثير لأقاصيص بعض الأنبياء عليهم السلام و نستطيع أن نأخذ قصة لوط مثلا أو قصة شعيب أو قصة صالح و أن تفكر فيها من حيث توزيع هذه الأجزاء فستجد أن الكلام لا يستقيم لأن الأحداث هي الأحداث و الأشخاص هم الأشخاص في كل قصة و في كل مكان و لن يسلمك هذا إلى القول بتوزيع الأجزاء في هذه المواطن بحال من الأحوال.

إن المنهج السديد فيما نعتقد هو أن ننظر إلى هذه الأقاصيص على أنها أقاصيص مستقلة و ليست من قبيل الأجزاء فهي عرض أدبي للحادث تختلف ألوانه باختلاف أغراضه. كما يكون الشخص التاريخي الواحد و أحداث حياته مادة قصص متعددة تصاغ صوغا مختلفا لكشف جوانب مختلفة و معان متعددة للشخصية و أحداثها و تلك ظاهرة رقي فني كبرى قدم القرآن مثلا منها صح معها التحدي لهذا التكرار الذي لم يفهم على وجهه حتى لقد كان مما يعاب على القرآن و يلتمس له الوجه و يطلب عنه الرد فيختلف في ذلك القدماء و المحدثون و لا يكادون يتّفقون على الوجه الفني له بل يلتمسون لذلك أشياء وراء الصوغ البلاغي و النظم الأدبي و النسج الفني. و لو جعلوا هذا وجه الرأي في تلك القصص و تنوّعها لكان وجها من الصواب في فهم القرآن الكريم و إعجازه و إنه لوجه نسأل اللّه له ذيوعا و به مثوبة.

و في ختام هذا الفصل نستطيع أن نقول إن هذا الموقف هو الذي يتّفق و القاعدة الأصولية و هو الذي يجري و صنيع القرآن المنسّق في المجمع بين الأقاصيص المختلفة في السورة الواحدة و في الجري على طريقة واحدة في بنائها و تركيبها وفاء بما اتّحد فيها من المقاصد و الأغراض.

و نعتقد أن المسألة بعد كل هذا أبين من أن تسبّب لبسا و أسمى من أن تكون مبعث اشتباه فلنتركها إلى الحديث عن شي‏ء آخر هو الموضوعات و الأغراض.

225

المقاصد و الأغراض‏

لا ننكر أن في القصص القرآني توجيهات دينية لكل ما جاء به الإسلام من مبادئ و عقائد و لكل ما أنكره الإسلام من خلق و عادات و آراء زائفة و عقائد و عبادات باطلة. لكنا مع كل هذا لا نستطيع أن نعد هذه الأمور أغراضا حين ندرس أغراض القصص القرآني ذلك لأن هذه الأمور كانت تأتي بين طيات هذا القصص و في ثناياه. و هي في هذا الوضع أو من هذا الجانب تشبهه تماما تلك الآراء المنثورة أو هذه الصور المبعثرة التي تجي‏ء أثناء العرض القصصي في كل قصة تكتب أو تلقى فنسمع دينية كانت أو غير دينية. و من هنا آثرنا جمع هذه الأشياء و درسها دراسة مستقلة و سجّلنا كل هذا على أنه القيم التي استطعنا الوقوف عليها فيما درسنا للقرآن من قصص و جعلناها في الباب الأول و لم نبقها إلى هنا لنعدّها من الأغراض الفنية أو الأدبية.

و لعل الذي دفعنا إلى ما تقدم هو أنّا استطعنا أن نميز بين أمرين: الأول مجموعات الآراء و الأفكار و الصور المعروضة في القصة. و الثاني النتيجة التي تنتهي إليها القصة الواحدة أو تنتهي إليها مجموعة من القصص وردت في سورة واحدة و كان لها مقصد واحد له أثره في طريقة البناء و التركيب و في أسلوب العرض و طريقة توزيع العناصر القصصية من أحداث و أشخاص و حوار و ذلك من أمثال مجموعات القصص في كل من السور الآتية:

الأعراف، هود، الشعراء، الصافات.

226

و إذا كنا قد جعلنا من النوع الأول دراسة القيم فإننا قد جعلنا من النوع الثاني دراسة المقاصد و الأغراض.

و نحدد الوضع فنقول إن الغرض هنا هو المقصد الذي من أجله نزلت القصة القرآنية و هو الذي من أجله بنيت على صورة خاصة و عرضت بأسلوب خاص.

و إلى جانب هذه الأغراض على هذا الوضع توجد الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها القصة في المجتمع و تخدم بها الحياة و الأحياء و هي وظيفة تؤديها جميع الفنون من موسيقى و نحت و تصوير... إلخ.

هذه الوظيفة نستطيع أن نعدها غرضا عاما للقصة أدته في المجتمع العربي على إختلاف نحله و ألوانه و على ما فيه من مؤيدين و معارضين.

هذه الوظيفة التي تؤديها الفنون جميعها و منها الأدب تنتهي عند عمليتي الإيحاء و الإفاضة فتلك وظيفتها الاجتماعية و ذلك هو دورها الذي تلعبه في الحياة. و يستوي في هذين-الإيحاء و الإفاضة-الخالق المبدع و المشاهد المستمع و إن وقف دور الأول في الغالب عند عملية الإفاضة ذلك لأن الحياة نفسها هي التي تقوم بدور الإيحاء.

و قد يكون من فضل الرازي علينا أن نذكر له هنا صنيعه الحسن في دلالته على وجود هذه الوظيفة الاجتماعية للفنون جميعها في القصة القرآنية. حتى لقد كرر الحديث عن هذه الوظيفة كما هي عادته في كثير من المواقف و نستطيع أن ننقل هنا بعض حديثه الذي ذكره عند تفسيره لقصة نوح من سورة يونس فقد قال رحمه اللّه «و ثانيها ليكون للرسول عليه الصلاة و السلام و لأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه كما يقال المصيبة إذا عمّت خفّت.

و ثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص و علموا أن الجهّال و إن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن اللّه تعالى أعانهم و نصرهم و أيّدهم و قهر أعداءهم كان سماع هؤلاء الكفّار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم و وقوع الوجل في صدورهم و حينئذ يقلّلون من أنواع الإيذاء و السفاهة» (1) .

____________

(1) التفسير الكبير، جـ 5، ص 15.

227

و تلك هي عمليات الإفاضة و الإيحاء التي يقول بها المحدثون من النفسيين و التي تحدثوا عنها حين تحدثوا عن عمل العقل في الفن و عن الوحي العاطفي و الوحي الذي يوحيه الفن. و نستطيع أن ننقل هنا تعريب عبارتين لواحد من هؤلاء لنفهم المسألة الفهم الواضح و لنستعين بها على فهم كل ما نصوّر في هذا الباب من قيم فنية.

يقول وردز وورث في كتابه «الحياة العقلية» بصدد حديثه عن الوحي الفني العاطفي ما يلي «إنك إذا مررت صدفة بالقطعة الفنية النفيسة أثناء اجتيازك متحف الفنون الجميلة قد تحرّك عواطفك بل ربما أثارت دموعك. و كذلك يقال عن القطعة الموسيقية الجيدة التي ليس من الضروري أن تكون محزنة» .

أما لما ذا تثار هذه العاطفة الخاصة فأمر لم يتقرّر بعد. و هو أمر لا نستطيع تحليله غير أن وحي الفن للعاطفة في غير هذه الأحوال قابل للتحليل. فإن الشي‏ء المحزن يوحي لباعث الحزن مباشرة و المضحك لباعث الضحك و المؤسف للخوف و الهرب. كما أن الدافع الجنسي يستثمر في الرسم و النحت في أحيان كثيرة كما يستثمر في الآداب‏ (1) .

كما يقول بصدد الوحي الفني الفكري ما يلي «إن الفن قد يرضينا لأنه يوحي إلينا وحيا فكريا كما يتضح عند ما نتذكّر أن كثيرا من الأعمال الفنية العظيمة تحتاج إلى جهود فكرية لكي نفهمها و نرتاح إليها فيجب أن تكون منتبها كل الانتباه لتتمكن من متابعة رواية من روايات شكسبير كما أنك تحتاج إلى إيجاد مغزى لصورة زيتية قبل أن تتمكن من التلذّذ بها جيدا.

و قد لا نفتكر عادة عند ما نرى صورة فنية جميلة أو نسمع قطعة موسيقية بديعة أنها مسألة طرحت أمامنا للحل و الحقيقة أنها كذلك. و يرجع تأثير القطعة الفنية الفكري إلى أنها مسألة تحتاج إلى حل و لا يخفى أن إدراكنا مغزى قطعة فنية يحتاج إلى جهود و انتباه و إذا كانت المسألة المطروحة أمامنا صعبة جدا كان العمل الفني جافا و إذ كانت سهلة كان تافها» (2) .

____________

(1) الحياة العقلية، ص 62.

(2) المصدر السابق، ص 623.

غ

228

على أن القرآن الكريم نفسه قد لفت الذهن إلى هذه الوظيفة الاجتماعية حين تحدّث عن أثر الأقوال في النفوس و كيف تستثير العاطفة و من هنا حرص القرآن على أن تكون الأقوال بليغة مؤثرة في النفوس ليقوى الإيحاء و يشتد و ذلك هو الواضح تماما من هذه الآيات.

قال تعالى‏ وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذََا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذََا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (1) .

و قال تعالى‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمُنْكَرَ يَكََادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكُمُ اَلنََّارُ وَعَدَهَا اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (2) .

و قال تعالى‏ وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ (3) .

و قال تعالى‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (4) .

و لعله من هنا فرض القرآن على المؤمنين نوعا من الرقابة ففرض عليهم ألا يسبوا آلهة المشركين حتى لا يسب هؤلاء آلهتهم. قال تعالى‏ وَ لاََ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَيَسُبُّوا اَللََّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذََلِكَ زَيَّنََّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (5) .

كما فرض على النبي عليه السلام و من اتّبعه أن يعرضوا عن الخائضين في آيات اللّه

____________

(1) سورة الزمر، الآية 45.

(2) سورة الحج، الآية 72.

(3) سورة التوبة، الآيتان 124-125.

(4) سورة النساء، الآية 63.

(5) سورة الأنعام، الآية 108.

229

بل جعل الذين يستمعون إلى هؤلاء الخائضين من المنافقين. قال تعالى‏ وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (1) . و قال تعالى‏ وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ أَنْ إِذََا سَمِعْتُمْ آيََاتِ اَللََّهِ يُكْفَرُ بِهََا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهََا فَلاََ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اَللََّهَ جََامِعُ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اَلْكََافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (2) .

و لا يفهم كل هذا إلا على أساس واحد هو أساس الوظيفة الاجتماعية للفنون جميعها و منها الأدب و إلا فلما ذا فرض القرآن على النبي و المؤمنين هذا النوع من الرقابة؟

المسألة كما ترى في غاية الوضوح. و نعتقد أن من السهل أن ننتهي من كل ما تقدم إلى القول بأن المقصد العام أو الوظيفة الاجتماعية من القصة الأدبية يكون عادة الإفاضة أو التنفيس و الإيحاء و هي الأمور التي توجد في القصة القرآنية أيضا.

و إذا كنا في حالة البحث و بخاصة الجامعي لا نكتفي بأمثال هذه العموميات كان من الواجب علينا أن نفصّل ما أجملنا و أن نتناول هذه الأشياء بالعرض كما لحظناها في قصص القرآن.

(1) و أول هذه الأغراض و أهمها من وجهة نظر القرآن نفسه تخفيف الضغط العاطفي عن النبي عليه السلام و عن المؤمنين و لقد كان هذا الضغط قويا عنيفا و كانت أسبابه واضحة جلية فلقد كانت أقوال المشركين و كانت أعمالهم التي يكيدون بها للنبي عليه السلام و القرآن الكريم و الدعوة الإسلامية هي السبب في كل هذا الذي دفع النبي عليه السلام إلى أن يضيق قال تعالى‏ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ (3) و قال تعالى قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ (4) .

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 68.

(2) سورة النساء، الآية 140.

(3) سورة الحجر، الآية 97.

(4) سورة الأنعام، الآية 33.

230

كان أثر هذه الأقوال في نفس النبي قويا و فعالا و كانت تلك الخواطر التي أخذت مكانها من قلب النبي عليه السلام أو من قلوب الأتباع. قال تعالى‏ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ (1) .

على أن هذا الضغط العاطفي لم يقف عند حد البلبلة النفسية بل تجاوزها إلى ما هو أبعد مدى و أنفذ أثرا حتى لنرى النبي عليه السلام يدعو ربه و هو محنق يكظم غيظه و يضغط عواطفه تلك التي أوشكت على الانفجار. قال تعالى‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نََادى‏ََ وَ هُوَ مَكْظُومٌ*`لَوْ لاََ أَنْ تَدََارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرََاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ (2) و قال تعالى‏ لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) و قال‏ فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (4) .

كان تخفيف هذا الضغط أو كانت الإفاضة عما بنفس النبي عليه السلام و نفوس الأنصار و الأتباع مقصدا من مقاصد القصص القرآني حتى لا تتزلزل النفوس و تترك الدعوة الإسلامية و لو حدث هذا لما قامت لها قائمة.

كانت عملية القص في مثل هذه الظروف من العمليات التي يقصد من ورائها القرآن تثبيت قلب النبي عليه السلام و قلوب المؤمنين ورد الثقة إلى أنفسهم و بث الطمأنينة في قلوبهم و إزالة الهم و القلق. و كانت النتيجة التالية لكل هذا هي ذلك الصبر الطويل و الثبات الذي وصل بهم في النهاية إلى النصر على الأعداء و المعارضين.

على أن القرآن نفسه قد صرّح بهذا الغرض حين قال‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ

____________

(1) سورة يونس، الآية 94.

(2) سورة القلم، الآيتان 48-49.

(3) سورة الشعراء، الآية 3.

(4) سورة هود، الآية 12.

231

اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ (1) و حين قال نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ََ وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*`إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهََا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طََائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنََاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسََاءَهُمْ إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ* `وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ*`وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ جُنُودَهُمََا مِنْهُمْ مََا كََانُوا يَحْذَرُونَ (2) .

و هذا الأمر هو الذي فطن إليه الرازي فيما نقلنا عنه من حديث.

و القصص التي نزلت من أجل هذا كثيرة في القرآن الكريم و منها مجموعة القصص التي وردت في سورة هود. و لقد لفت القرآن كما هي عادته الذهن إلى المقصود من هذه المجموعة في مواطن كثيرة من السورة. فقد قال في أولها فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ... إلخ. و قال في آخرها وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ... إلخ.

و من هذه القصص أيضا قصة موسى في سورة طه و لعله من أجل ذلك بدأ المولى سبحانه و تعالى هذه السورة بقوله‏ طه*`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ*`إِلاََّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ََ*`تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ اَلْأَرْضَ وَ اَلسَّمََاوََاتِ اَلْعُلى‏ََ*`اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ*`لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمََا وَ مََا تَحْتَ اَلثَّرى‏ََ*`وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ*`اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ*`وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ... (3) إلخ. إذ يمضي القرآن في سرد القصة مبينا العقبات التي لاقاها موسى عليه السلام و الصعاب التي وضعها فرعون في طريقه ثم الصعاب و العقوبات التي تعاون في توجيهها إلى موسى كل من قومه و أخيه و السامري إلى أن ينتهي القص بقوله تعالى‏ كَذََلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ مََا قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْنََاكَ مِنْ لَدُنََّا ذِكْراً (4) .

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) سورة القصص، الآيات 3-6.

(3) سورة طه، الآيات 1-9.

(4) نفس السورة، الآية 99.

232

و من هذه القصص أيضا قصة موسى في سورة القصص و مجموعة من قصص سورة الأنبياء و أخرى من قصص سورة الصافات.

و إذا أردنا أن نختار قصة تمثّل نفسية النبي عليه السلام في موقفه من قومه و في فترة من فترات تاريخية أصدق تمثيل فلن نجد أقوى و أعنف من قصة نوح في سورة نوح. تلك القصة التي تعرض لمشكلات النبي عليه السلام أول عهده بالدعوة الإسلامية مشكلة مشكلة و التي تتمشى فيها حركة الأسلوب مع حركة العاطفة و التي تمثل الضيق الذي ألمّ به كما تمثل اتجاهه إلى الخالق سبحانه و تعالى ليخفّف عنه البلاء و ينقذ المؤمنين من هذه الجماعة الضالة المضلة و هي جماعة الكافرين.

قال تعالى‏ إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ* `قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ*`يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ إِذََا جََاءَ لاََ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*`قََالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهََاراً*`فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً*`وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً*`ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهََاراً*`ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرََاراً*`فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً* `يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً*`وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنََّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهََاراً*`مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً*`وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوََاراً*`أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اَللََّهُ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً*`وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً*`وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً*`ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهََا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرََاجاً*`وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً*`لِتَسْلُكُوا مِنْهََا سُبُلاً فِجََاجاً*`قََالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مََالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاََّ خَسََاراً* `وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبََّاراً*`وَ قََالُوا لاََ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً*`وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ ضَلاََلاً*`مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْصََاراً*`وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً* `إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً*`رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ تَبََاراً (1) .

____________

(1) سورة نوح،

233

فهنا قصة لها قيمتها الأدبية و لو حاول النبي عليه السلام تصوير حاله في قصة لما صوّرها بقصة أحسن مما اختار له الخالق سبحانه.

و التشابه هنا تام بين حالة نوح في القصة و حالة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، نلحظه في عناصر الدعوة من عبادة اللّه و طاعته كما نلحظه في طريقة الدعوة من حيث الجهر و الإسرار. و في مقابلة القوم لنبي اللّه و دعوته بالنفور و الفرار ثم بالاستكبار و جعل الأصابع في الآذان. ثم في الأشياء التي رغب بها في الإيمان من الإمداد بالمال و البنين و الأنهار و الجنات. ثم في الأشياء التي تلفتهم إلى عظمة الخالق سبحانه و تعالى من خلقهم أطوارا و من خلق السموات السبع الطباق و من جعل القمر نورا و الشمس سراجا و من إنباتهم من الأرض و جعلها بساطا ليسلكوا فيها سبلا فجاجا. ثم في مناجاته لربه تلك المناجاة التي يخبره فيها أنهم اتّبعوا الأغنياء و من لم يزدهم مالهم و ولدهم إلا خسارا. ثم في تصويره لمكر هؤلاء الأغنياء أو القادة حين طلبوا من قومهم البقاء على ما هم عليه من عبادة للأوثان.

و هنا لا بد من لفت الذهن إلى أن الأوثان هنا هي بعينها تلك التي كانت تعبد في الجزيرة العربية أول عهد الجزيرة بالبعثة و بمحمد عليه السلام هود، سواع، يغوث، يعوق، نسر.

و أخيرا يكون التشابه أيضا في اتجاهه نحو ربه و دعائه على الكفرة من قومه و طلبه من المولى سبحانه و تعالى أن يستأصل شأفتهم حتى ينجو العالم من شرورهم و آثامهم و حتى لا يبقى إلا من دخل بيته من أهل التقوى و الإيمان.

و نعتقد أن هذه القصد من القصص التي كان النبي عليه السلام يجد فيها صدى نفسه و أنها من هذا الجانب كفيلة بأن تزيح عن كاهله بعض الأثقال و أن تزيل عن نفسه بعض الألم و أن ترد إلى نفسه الثقة و الطمأنينة حين يرى أنه ليس الواحد الفرد في هذا الميدان.

(2) و يجري مع عملية تخفيف الضغط العاطفي عملية أخرى لا تقل عنها أثرا في حياة الدعوة الإسلامية تلك هي عملية توجيه العواطف القوية الصادقة نحو عقائد الدين‏

234

الإسلامي و مبادئه و نحو التضحية بالنفس و النفيس في سبيل كل ما هو حق و كل ما هو خير و كل ما هو جميل.

و لعل هذه العواطف هي التي تدفع إلى النشاط للدعوة كما تجعل الإنسان يستعذب الألم و يتحمّل الأذى في سبيلها. و من هنا يكون التوجيه نحو القيم الجديدة و الإيمان بها ثم الدفاع عنها و العمل على حث الناس على الإيمان بها إيمانا قد لا تزعزعه الحوادث و قد لا تذهب به النكبات.

و مثل ذلك و من صميم العمل الفني أيضا العمل على تكوين عواطف قوية و صادقة ضد كل ما هو قبيح و دميم من الأشياء و الناس. و عند ذلك تتذبذب المبادئ التي شاخت و هرمت و أصبحت لا تسير الحياة و الأحياء. و ذلك هو الذي قصده القرآن حين قص ما استثار الغرائز و ولد عواطف الكراهية و المقت للأوثان و عبادتها و ما أحيطت به تلك العبادة من ضروب للتقديس و من تقاليد و عادات.

و الأشياء التي حاول القرآن توجيه عواطف نحوها هي تلك التي سبق أن أشرنا إليها في حديثنا عن القيم الاجتماعية و القيم الخلقية و الدينية تلك التي كان يختلف حرص القرآن عليها باختلاف نوعها و ظروف البيئة و الزمان. و لعل أهم هذه الأشياء مشكلات البعث و الوحدانية و بشرية الرسل و تأييد بعضهم بالمعجزات... إلخ.

أما الأشياء التي حاول القرآن خلق عواطف ضدها فكثيرة متنوعة نذكر منها على سبيل المثال.

(أ) تلك الأشياء التي سبق أن أشرنا إليها في فصل القيم الخلقية من أمثال اللواط و بخس الناس أشياءهم و تطفيف المكيال و الميزان.

(ب) و منها إبليس و الشيطان. و قصة إبليس مع آدم قصة أدبية بليغة تعتبر إحدى النماذج الأدبية القصصية في القصص القرآني.

و قصة إبليس مع آدم من القصص الذي يبعث العاطفة و ينشّط الخيال و الذي يقف الفكر أمامه حائرا حتى ينتهي إلى الإحساس بالعجز عن فهم تلك الأسرار الخفية التي دارت في الملأ الأعلى في جو تحيط به الظلال و تكتنفه الغيبيات. غ

235

هذه الأمور بالذات هي التي دفعت بالرازي إلى الحيرة و جعلته عاجزا عن فهم الصنيع الأدبي و المقصد القرآني و الوقوف على أسرار ما دار هناك و كانت نتيجته إخراج آدم و حواء من الجنان.

يقول رحمه اللّه عند تفسيره للقصة من سورة الأعراف ما يلي: السؤال الثاني أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه و بين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله.

و الجواب لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة و رغّبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة و المداومة على هذا التمويه أثّر كلامه في آدم عليه السلام. إذ نلحظ في هذا الموقف من الرازي أنه لا يطمئن إلى قصة دخول إبليس الجنة بعد طرده منها. كما نلحظ أن عقله لم يقبل أيضا قصة الحية و لذا نراه رحمه اللّه يفترض أن إبليس قد لقي آدم مرارا و تحدّث إليه.

على أنّا نجد الرازي في موقف آخر يعجب كثيرا من موقف آدم و استجابته لدعوة إبليس و إهماله لتعاليم ربه و ذلك عند تفسيره للقصة من سورة طه إذ نراه يقول: و اعلم أن واقعة آدم عجيبة و ذلك لأن اللّه تعالى رغّبه في دوام الراحة و انتظام المعيشة بقوله‏ فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ*`إِنَّ لَكَ أَلاََّ تَجُوعَ فِيهََا وَ لاََ تَعْرى‏ََ*`وَ أَنَّكَ لاََ تَظْمَؤُا فِيهََا وَ لاََ تَضْحى‏ََ (1) . و رغّبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله‏ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ (2) و في انتظام المعيشة بقوله‏ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ (3) فكان الشي‏ء الذي رغّب اللّه آدم فيه هو الذي رغّبه إبليس فيه إلا أن اللّه تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة و إبليس وقفه على الإقدام عليها. ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله و علمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع عن السجود له و عرض نفسه للّعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة و المقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عنوانه له و أعرض عن قول اللّه تعالى مع علمه بأنه الناصر و المربي.

____________

(1) سورة طه، الآيات 117-119.

(2) نفس السورة، الآية 120.

(3) نفس السورة و الآية.

236

و من تأمّل في هذا الباب طال تعجّبه و عرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء اللّه و لا مانع منه و أن الدليل و إن كان في غاية الظهور و نهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى اللّه تعالى ذلك و قدّره.

و نحن لن يطول تعجّبنا من هذه القصة كما طال مع الرازي ذلك لأنّا نعلم أن هذه القصة قصة تصوّر الصراع بين قوى الخير و قوى الشر. و لعل هذه الحيرة التي لحظناها عند الرازي هي الدليل القوي على أن هذه قصة أدبية بكل ما يحمل معنى هذا اللفظ من صور و هي من هذا الجانب من القصص الأدبي الطليق.

و إذا أردنا أن نختار واحدة من هذه القصص الدائر حول قصة الخروج من الجنة فأمامنا قصة آدم من سورة الأعراف.

قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ*`قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*`قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ اَلصََّاغِرِينَ*`قََالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ*`قََالَ إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ*`قََالَ فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ*`ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ*`قََالَ اُخْرُجْ مِنْهََا مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ*`وَ يََا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ فَكُلاََ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمََا وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ*`فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ لِيُبْدِيَ لَهُمََا مََا وُورِيَ عَنْهُمََا مِنْ سَوْآتِهِمََا وَ قََالَ مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ *`وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ*`فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمََا سَوْآتُهُمََا وَ طَفِقََا يَخْصِفََانِ عَلَيْهِمََا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمََا إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمََا عَدُوٌّ مُبِينٌ*`قََالاََ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ*`قََالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ*`قََالَ فِيهََا تَحْيَوْنَ وَ فِيهََا تَمُوتُونَ وَ مِنْهََا تُخْرَجُونَ*`يََا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ*`يََا

237

بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ (1) .

فهذه القصة كما ترى تستعرض العداوة بين آدم و الشيطان و ترينا أن إبليس يرى نفسه أفضل من آدم لأنه خلق من نار و آدم خلق من طين و هذا هو الأمر الذي دفعه إلى الكبر و الاستكبار فأبى السجود و من هنا كان العقاب من الخالق سبحانه و كان العقاب إخراج إبليس من الجنة ذليلا صاغرا.

و هذه القصة ترينا أن إبليس طلب من الخالق قبل أن يخرج من الجنة أن يأذن له بالخلود ليستطيع أن يلعب دوره في الحياة و هو الإفساد و صد الناس عن إتباع السبيل القويم.

هنا نحس أن إحدى مراحل القصة قد انتهت و هي مرحلة الخلق و السجود و هي المرحلة التي تصوّر فيها نشأة العداوة. و تبدأ بعد ذلك مرحلة ثانية هي آدم و حواء في الجنة و هما شخصيتان تنعمان بالحياة أذن لهما الخالق سبحانه و تعالى أن يطعما كل ما في الجنة إلا شجرة واحدة. و هنا يأتي الدور الحقيقي لبطل القصة و هو إبليس فقد بدأ وسوسته لأول إنسان من البشر هو ذلك الذي من أجله خرج من الجنة.

استجاب آدم لوسوسة الشيطان و أكل من الشجرة و خالف أوامر ربه فكانت عاقبته الخروج من الجنة و خرج إلى حيث ينتظره إبليس.

بعد ذلك يكون العقاب بين الخالق و المخلوق و يكون التوجيه الديني و هو يشبه إلى حد كبير ذلك المغزى الذي يقصد إليه من القصص الخلقي.

تلك هي قصة آدم و إبليس أو قصة النزاع بين الخير و الشر أو قصة الغرائز الفاضلة مع الغرائز الشريرة و هي قصة قصد القرآن إليها و بناها بناء أدبيا بليغا و دفع بها إليها لتثير فينا الحقد و الكراهية لإبليس و تدفعنا إلى النفور منه حتى لا نستجيب له و لا نأتمر بأمره أو نستمع إلى نواهيه.

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 11-27.

238

(ج) و منها الكبر و الاستكبار و الإصرار و العناد. و يستوي في ذلك كثير من الأشخاص خاصة الأغنياء و القادة أولئك الذين أخذوا دور العتاة الظالمين الذين يستكبرون على الحق و لا يريدون اتباعه.

و لعل أبرع المواقف القصصية التي تصوّر هؤلاء القادة و تحرّك عواطفنا نحوهم موقف فرعون من موسى عليه السلام و موقف المستكبرين من قوم هود و قوم صالح.

و إذا كانت قصة الخروج قد استثارت العواطف و أرخت للخيال العنان فإنّا نجد موقف فرعون يصنع مثل ذلك الصنيع في القارئ لقصصه في القرآن.

و فرعون من الشخصيات القصصية التي تنبض بالحيوية و تتحرك قاسية عنيفة فتشيع الرهبة في النفوس و الخشية في القلوب و تخرج منها ألفاظ التهديد و الوعيد و هي تقطر دما.

و إذا أردنا أن نختار قصة تمثل مواقف المستكبرين من الرسل و الأنبياء و النتيجة التي انتهت إليها الأمور فلن نجد فيما يخص فرعون أحسن من موقفه من موسى في قصته الواردة في سورة يونس.

قال تعالى‏ ثُمَّ بَعَثْنََا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ بِآيََاتِنََا فَاسْتَكْبَرُوا وَ كََانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ*`فَلَمََّا جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ مِنْ عِنْدِنََا قََالُوا إِنَّ هََذََا لَسِحْرٌ مُبِينٌ*`قََالَ مُوسى‏ََ أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هََذََا وَ لاََ يُفْلِحُ اَلسََّاحِرُونَ*`قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِتَلْفِتَنََا عَمََّا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا وَ تَكُونَ لَكُمَا اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا نَحْنُ لَكُمََا بِمُؤْمِنِينَ*`وَ قََالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ سََاحِرٍ عَلِيمٍ*`فَلَمََّا جََاءَ اَلسَّحَرَةُ قََالَ لَهُمْ مُوسى‏ََ أَلْقُوا مََا أَنْتُمْ مُلْقُونَ*`فَلَمََّا أَلْقَوْا قََالَ مُوسى‏ََ مََا جِئْتُمْ بِهِ اَلسِّحْرُ إِنَّ اَللََّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ*`وَ يُحِقُّ اَللََّهُ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ*`فَمََا آمَنَ لِمُوسى‏ََ إِلاََّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى‏ََ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعََالٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلْمُسْرِفِينَ... (1) إلخ.

ففي هذه القصة التي لم نتم تسجيلها هنا عرض لمواقف فرعون من موسى و قومه

____________

(1) سورة يونس، الآيات 75-83.

239

و من السحرة انتهى بالنتيجة التي تنتهي بها القصة الشعبية في كثير من الآداب العالمية من انتصار البطل و القضاء على الظلم و الطاغية.

و نلمس الروح نفسها في موقف عاد من نبيها. قال تعالى‏ فَأَمََّا عََادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ قََالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كََانُوا بِآيََاتِنََا يَجْحَدُونَ*`فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذََابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَخْزى‏ََ وَ هُمْ لاََ يُنْصَرُونَ (1) .

و ليس من شك في أن نتيجة العرض القصصي لأمثال هذه المواقف يلقي في النفس الخشية و الرهبة و يبث فيها الخوف عند ما تحس أن النتيجة هي العقاب و ليس من نتيجة للخوف سوى الهرب و الابتعاد عن مصدر العقاب و عند ذلك تكون النفرة و تكون الكراهية.

(د) و منها عبادة غير اللّه فقد كثر استثارة الانفعالات ضدها و تنفير الناس عنها و كان إبراهيم هو البطل الذي دار حوله أكثر ما نزل من قصص يهدف إلى هذه الغاية و يستعين بالوسائل الفنية للتنفير و الاحتقار.

دار بعض هذا القصص حول عبادة النجوم و دار بعضه الآخر حول عبادة الأوثان و كانت وسيلة إبراهيم إلى غايته أن يشكّك القوم فيها يعبدون و يضع بين أيديهم صورا لهذه الآلهة و هي عاجزة العجز التام عن أن تنفع أو تضر كما أطلعهم على أنهم يعبدون ما ينحتون فهم الذين يصنعون هذه الآلهة ثم يقومون نحوها بضروب التقديس و الإجلال.

و إذا أردنا أن نختار إحدى القصص التي تصوّر هذه الناحية فلن نجد خيرا من قصة إبراهيم في الشعراء وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرََاهِيمَ*`إِذْ قََالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مََا تَعْبُدُونَ*`قََالُوا نَعْبُدُ أَصْنََاماً فَنَظَلُّ لَهََا عََاكِفِينَ*`قََالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*`أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ*`قََالُوا بَلْ وَجَدْنََا آبََاءَنََا كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ*`قََالَ أَ فَرَأَيْتُمْ مََا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ*`أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمُ اَلْأَقْدَمُونَ* `فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ*`اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ*`وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ* `وَ إِذََا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*`وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ*`وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ

____________

(1) سورة فصلت، الآيتان 15-16.

240

اَلدِّينِ*`رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ*`وَ اِجْعَلْ لِي لِسََانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ* `وَ اِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ اَلنَّعِيمِ*`وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلضََّالِّينَ*`وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* `يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ*`إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ*`وَ أُزْلِفَتِ اَلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*`وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِلْغََاوِينَ*`وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ*`مِنْ دُونِ اَللََّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ*`فَكُبْكِبُوا فِيهََا هُمْ وَ اَلْغََاوُونَ*`وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ*`قََالُوا وَ هُمْ فِيهََا يَخْتَصِمُونَ*`تَاللََّهِ إِنْ كُنََّا لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`وَ مََا أَضَلَّنََا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ*`فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ*`وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ*`فَلَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

إذ في هذه القصة نلحظ موقف إبراهيم من أبيه و قومه و هو يسألهم عما يعبدون و إنهم ليجيبونه بأن معبوداتهم هي الأصنام. لكنه يعود فيسأل عما تقدّمه لهم من خير و ما تيسّر لهم من منافع. و إنه ليتجه بالسؤال نحو حاستين ضروريتين للمخلوقات فضلا عن الخالق هما الوسيلة للاستجابة و هما السمع و البصر. و يعجز القوم عن الإجابة و يعرفون أنه التقليد و أنهم ما عبدوها إلا لأنهم وجدوا آباءهم الأقدمين على هذه الحال يعبدونها و يقومون نحوها بضروب التقديس و الإجلال. و هنا تثور نفس إبراهيم و يعلن العداوة إلا لخالقه الذي يطعمه و يسقيه و إذا مرض فهو يشفيه و الذي يميته ثم يحييه و الذي يطمع أن يغفر له خطيئته يوم الدين. و شتان بين الصورتين و بين النوعين من الآلهة: نوع يستجيب فينفع أو يضر و نوع لا يستجيب بل لا يسمع و لا يبصر. و ليس هناك من دافع يدفع إلى النفرة و الكراهية من الأوثان أفضل من هذا؟

بعد ذلك نلحظ تلك المناجاة التي يتوجه فيها إبراهيم نحو خالقه يدعوه فيها بتلك الدعوات الصالحات‏ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ*`وَ اِجْعَلْ لِي لِسََانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ*`وَ اِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ اَلنَّعِيمِ*`وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلضََّالِّينَ*`وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ*`يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ*`إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .

و تنتهي القصة بتصوير مشهد في الآخرة، مشهد يذيب القلوب و يبعث على النفرة من عبادة الأوثان، مشهد يصوّر ذلك الخصام العنيف الذي سيكون بين الأصنام و عابديها

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 69-104.

غ

241

و يصوّر الحسرة و الألم على ما أضاعوا من أعمار و ما تركوا من خير كما يصوّر الندم على أتباع المجرمين و الاستماع إلى القادة المضلين. قََالُوا وَ هُمْ فِيهََا يَخْتَصِمُونَ*`تَاللََّهِ إِنْ كُنََّا لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`وَ مََا أَضَلَّنََا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ*`فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ*`وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ*`فَلَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ .

ثم تكون تلك الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه في هذه السورة و هي إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ .

و كنا نستطيع أن نمضي في الحديث عن تلك الأشياء التي أثار القصص القرآني النفوس ضدها كصد الناس عن سبيل اللّه و كالحسد. و كنا نستطيع أن نمثل لذلك ببعض القصص كقصة شعيب و يوسف و ابني آدم و لكنا آثرنا أن نكتفي بما تقدّم لأن القصد كان التدليل على وجود هذا الغرض و ضرب الأمثلة التي تثبت و توضح و نعتقد أن قد بلغنا من ذلك ما نريد.

ثالثا-و القصة كما تقوم بعملية الإفاضة و عملية الإيحاء أو تكوين عواطف قوية و صادقة مع أو ضد القيم الخلقية و الدينية و الاجتماعية الموجودة في البيئة أو المراد فرضها عليها تقوم بعملية أخرى لا تقل عن هذه أثرا في حياة الإسلام و المسلمين تلك هي بث الثقة و الطمأنينة أو بذر بذور الخوف و القلق و الاضطراب النفسي.

و القصة القرآنية لها خطرها من هذه الناحية فهي التي تولّد هذه الأشياء بعرضها صورا من الحياة الدينية انتصر فيها الدعاة و من آمن بهم و حاق الدمار و الهلاك بالقادة المعارضين و من اتّبعهم. و هذه الأمور ملحوظة في مجموعات قصص سور الأعراف و الشعراء و القمر.

و نلحظ أن عملية الخلق الفني في هذه المجموعات تقوم على أساس اختيار بعض العناصر المعروفة و المتداولة من أخبار الأمم السابقة و مزجها و إخراجها في الثوب الذي يؤثّر الأثر المطلوب من إشاعة القلق و الاضطراب في قلوب الكفرة و المشركين أو رد الثقة و الطمأنينة لنفوس المؤمنين و من هنا قال شعيب لقومه‏ وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (1) .

____________

(1) سورة هود، الآية 89.

242

و نستطيع أن نأخذ بعضا من قصص سورة القمر و لتكن‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا وَ قََالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ*`فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ*`فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ*`وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمََاءُ عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*`وَ حَمَلْنََاهُ عَلى‏ََ ذََاتِ أَلْوََاحٍ وَ دُسُرٍ*`تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ*`وَ لَقَدْ تَرَكْنََاهََا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *`كَذَّبَتْ عََادٌ فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ*`تَنْزِعُ اَلنََّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* `وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ*`فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ*`أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا بَلْ هُوَ كَذََّابٌ أَشِرٌ *`سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ*`إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ* `وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمََاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ*`فَنََادَوْا صََاحِبَهُمْ فَتَعََاطى‏ََ فَعَقَرَ* `فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَكََانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ* `وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (1) .

إنا نلحظ التشابه التام في بناية القصة في هذه المجموعة كما نلحظ أنها تبتدئ و تنتهي بعبارات تقليدية كَذَّبَتْ ... بِالنُّذُرِ ، فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ و توجيها تقليديا وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . ثم نلحظ قصر الفقرات و تعاقب الجمل بعبارات مسجوعة ذات رنين قوي و قد كان القصد فيما نعتقد أن تؤثّر هذه الموسيقى على الحس فيتضاعف الأثر النفسي و يقوى. و إذا ما ضممنا إلى ذلك ما تقوم به عملية التكرار القصصي من عرض صور سريعة و متلاحقة بحيث لا يكاد الإنسان ينتهي من مشاهدة واحدة منها حتى تهجم عليه الأخرى قدرنا مقدار ما تشيعه هذه الصور من اضطراب و فوضى و قلق نفسي خشية أن ينزل بهم الضرر أو ينالهم الأذى.

و كذلك نلحظ العملية نفسها في قوله تعالى‏ اَلْحَاقَّةُ*`مَا اَلْحَاقَّةُ*`وَ مََا أَدْرََاكَ مَا

____________

(1) سورة القمر، الآيات 9-32.

243

اَلْحَاقَّةُ*`كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ*`فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ*`وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ*`سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ*`فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ (1) .

أما قصة شعيب‏ وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ وَ لاََ تَنْقُصُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ إِنِّي أَرََاكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ*`وَ يََا قَوْمِ أَوْفُوا اَلْمِكْيََالَ وَ اَلْمِيزََانَ بِالْقِسْطِ وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* `بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ*`قََالُوا يََا شُعَيْبُ أَ صَلاََتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مََا يَعْبُدُ آبََاؤُنََا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوََالِنََا مََا نَشََؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ اَلْحَلِيمُ اَلرَّشِيدُ*`قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أُخََالِفَكُمْ إِلى‏ََ مََا أَنْهََاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاََحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مََا تَوْفِيقِي إِلاََّ بِاللََّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ*`وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ*`وَ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ*`قََالُوا يََا شُعَيْبُ مََا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمََّا تَقُولُ وَ إِنََّا لَنَرََاكَ فِينََا ضَعِيفاً وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ وَ مََا أَنْتَ عَلَيْنََا بِعَزِيزٍ*`قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اَللََّهِ وَ اِتَّخَذْتُمُوهُ وَرََاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمََا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ*`وَ يََا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‏ََ مَكََانَتِكُمْ إِنِّي عََامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذََابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كََاذِبٌ وَ اِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ*`وَ لَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا نَجَّيْنََا شُعَيْباً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنََّا وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ*`كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهََا أَلاََ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمََا بَعِدَتْ ثَمُودُ (2) .

فهذه قصة تجري هينة لينة و يبقى البطل هادئا رزينا و استحق بحق ما أطلقه عليه بعض المفسّرين من لقب خطيب الأنبياء فهو يحاور القوم و يداورهم لكن لا نأمة و لا حركة و لا انفعالا قويا عنيفا يدفعه إلى العبارات القاسية التي يقطر الدم من ألفاظ التهديد و الوعيد فيها. و تمضي القصة حتى تنتهي إلى تلك النهاية السعيدة بالنسبة لشعيب و المؤمنين و تلك النهاية المؤلمة بالنسبة للكفرة و المشركين.

____________

(1) سورة الحاقة، الآيات 1-8.

(2) سورة هود، الآيات 84-95.

244

و هكذا أكثر القصص كقصة موسى في القصص و قصة يوسف أيضا فيها شي‏ء من هذا و قصص الصافات إذ كل هذه القصص تصوّر النتيجة الأخيرة لكل صراع في سبيل المبدأ و العقيدة و هي انتصار المؤمنين و خذلان المنكرين المخالفين‏ إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ*`يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ (1) .

رابعا: و نستطيع أن ننتهي من هذه الأغراض بغرض أخير هو الإيحاء بأن محمدا عليه السلام رسول حقا و أن الوحي ينزل عليه و يبلغه أخبار السماء.

و تقوم العملية الفنية في بعض هذه القصص على أن حالة محمد عليه السلام تشبه حال غيره من الأنبياء كموسى و إبراهيم‏ إِنََّا أَرْسَلْنََا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شََاهِداً عَلَيْكُمْ كَمََا أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ رَسُولاً*`فَعَصى‏ََ فِرْعَوْنُ اَلرَّسُولَ (2) إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبََاطِ وَ عِيسى‏ََ وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هََارُونَ وَ سُلَيْمََانَ وَ آتَيْنََا دََاوُدَ زَبُوراً*`وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنََاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً*`رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَى اَللََّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ وَ كََانَ اَللََّهُ عَزِيزاً حَكِيماً*`لََكِنِ اَللََّهُ يَشْهَدُ بِمََا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً (3) .

و على أن ما طلب إليه و ما أوصاه اللّه به هو ما أوصى به الأنبياء من قبل‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (4) .

____________

(1) سورة غافر، الآيتان 51-52.

(2) سورة المزمل، الآيتان 15-16.

(3) سورة النساء، الآيات 163-166.

(4) سورة الشورى، الآية 13.

245

و في هذين نستطيع أن نقول إن العرض كان من قبيل عرض الأخبار العادية التي لم يقصد بها إلا لفت الذهن إلى قضية من القضايا.

و القصة التي نستطيع أن نسمّيها قصة فيما يخص نواحي هذا الغرض هي تلك التي عالجت الأمر الثالث أو الأخير و هو معرفة أخبار السماء و أن الوحي ينزل عليه بها و أنه ما كان يعرفها من قبل.

و القصص التي تمثّل هذا النوع كثيرة منها قصة موسى في القصص و قصة نوح في هود و إذا حاولنا انتقاء قصة تفي بالغرض و تدل على المراد فلن نجد أفضل من قصة مريم في آل عمران و هي‏ إِذْ قََالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرََانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مََا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ*`فَلَمََّا وَضَعَتْهََا قََالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ وَ لَيْسَ اَلذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ََ وَ إِنِّي سَمَّيْتُهََا مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ* `فَتَقَبَّلَهََا رَبُّهََا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهََا نَبََاتاً حَسَناً وَ كَفَّلَهََا زَكَرِيََّا كُلَّمََا دَخَلَ عَلَيْهََا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرََابَ وَجَدَ عِنْدَهََا رِزْقاً قََالَ يََا مَرْيَمُ أَنََّى لَكِ هََذََا قََالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ *`هُنََالِكَ دَعََا زَكَرِيََّا رَبَّهُ قََالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ اَلدُّعََاءِ*`فَنََادَتْهُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ هُوَ قََائِمٌ يُصَلِّي فِي اَلْمِحْرََابِ أَنَّ اَللََّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ََ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ قََالَ كَذََلِكَ اَللََّهُ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ*`قََالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قََالَ آيَتُكَ أَلاََّ تُكَلِّمَ اَلنََّاسَ ثَلاََثَةَ أَيََّامٍ إِلاََّ رَمْزاً وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِبْكََارِ*`وَ إِذْ قََالَتِ اَلْمَلاََئِكَةُ يََا مَرْيَمُ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفََاكِ عَلى‏ََ نِسََاءِ اَلْعََالَمِينَ*`يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اُسْجُدِي وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ (1) .

ففي هذه القصة نلحظ معرض صور فهناك صورة امرأة عمران و نذرها و صورة زكريا و دعائه و صورة عيسى و رسالته و تدخل مريم في كل صورة من هذه الصور و مع كل شخصية من هذه الشخصيات حسب ما يتطلّبه الموقف من ظهور تام جلي أو ظهور ناقص خفي.

____________

(1) سورة آل عمران، الآيات 35-43.

246

نلحظ صورة امرأة عمران تلك المرأة المتدينة التي تنذر ما في بطنها للّه و في سبيل اللّه. ثم نلحظ تلك المسحة الخفيفة من الألم و الحسرة التي تطوف بنفسها على أن كانت المولودة أنثى و تلك العاطفة النبيلة أو تلك الرقة و ذلك الحنان اللذان يتجليان في توجّهها إلى اللّه من أجل مريم و قولها له‏ وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ . و استجاب ربها فأنبتها نباتا حسنا و تقبّلها بقبول حسن و جعلها في كفالة رجل من رجال المحاريب هو زكريا. و هنا نلمح أثر غير العادي في القصة من حوادث خارقة و معجزات فمريم يأتيها رزقها من السماء و زكريا ينجب فيولد له يحيى و امرأته عاقر و تلك إرادة اللّه و اللّه يفعل ما يشاء.

و لقد كان هذا الموقف من زكريا بعد توجّهه إلى ربه و طلبه منه ذرية طيبة و استجابة ربه له ثم تعجّبه من تلك الاستجابة محيرا للرازي فيما شرح من تفسير للقصة.

و تمضي القصة بعد ذلك و يكفينا منها هذه التوجيهات الدينية التي تتصل بمرادنا و هي قوله تعالى‏ ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاََمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1) . و قوله‏ ذََلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ اَلْآيََاتِ وَ اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ (2) . و قوله‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (3) .

و هكذا نستطيع أن نختم هذا الفصل دون أن يفوتنا لفت الذهن أو تكرير القول بأن أمور الدعوة الإسلامية و شرح عقائدها و توضيح مبادئها كانت ترد في ثنايا القصة و بين طياتها في كل ما جاء في القرآن من قصص و أنها كانت غرضا لكنه ليس بالغرض الذي تنتهي عنده القصة و يكوّن منها النهاية أو الختام و إنه من أجل ذلك جعلنا هذه التوجيهات من الموضوعات لا من الأغراض.

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 44.

(2) نفس السورة، الآية 58.

(3) نفس السورة، الآية 62.

247

الباب الثالث مصادر القصص القرآني‏

248

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

249

البيئة العربية

و البحث عن مصادر القصص القرآني تتمثل فيه خطورتان: الأولى تتمثل في رجال قد تعرفهم بسيماهم هم أصحاب الثقافة الضحلة و العقل الضيق و النظر القصير. هم أولئك الذين ألقت المقادير بمقاليد الثقافة العربية في أيديهم فظنوا أنهم كل شي‏ء و ما هم بشي‏ء.

و أنهم أحق الناس لأن يبيّنوا للناس ما يصح و ما لا يصح و ما يجوز و ما لا يجوز. و لعله من هنا أخذتهم العزة فتحكّموا في البحوث علمية و أدبية. و راعوا في هذا التحكّم مصلحتهم و أهواءهم و لم يراعوا مصلحة العلم و المعرفة و لم يراعوا جانب الحق و الصواب.

و من طبع أصحاب العقول الضيقة و النظر القصير إذا خولفوا في أمر من أمورهم أن يستثيروا العامة و يستعينوا بالغوغاء، و هم في ذلك إنما يسيرون على هدى سلف لهم غير صالح هم أولئك الجاهليون الذين كانوا يقولون لقومهم: لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (1) .

و أصحاب العقول الضيقة حين تأخذهم العزة في هذا الموقف قد يقفون و يقولون لك: إن البحث عن مصادر القصص القرآني أمر يجب ألا يكون و تسألهم عن السر

____________

(1) سورة فصلت، الآية 26.

250

فيتمشدقون و يقولون: أ ليس القصص القرآني بعض القرآن؟و أ ليس القرآن قد نزل من عند اللّه؟و إذن فكيف نبيح لإنسان مهما يكن حظه من العلم و المعرفة، و مهما يكن قدره من العلو و الرفعة أن يبحث عن مصادر ما أنزل اللّه؟إنها الفتنة فدعوها نائمة و لعن اللّه من أيقظها.

أما الخطورة الثانية فتتمثل في أقوال المستشرقين و المبشّرين و تدور حول مصادر القصص القرآني. و هؤلاء المبشّرون يحتفلون للحديث عن هذه المصادر أكثر من احتفالهم لأية مسألة أخرى من مسائل القرآن و سر هذا الاحتفال أن هذه المسألة هي الباب الذي ينفذون منه إلى الموازنة بين ما جاء في القرآن الكريم من أحداث و أخبار و ما جاء منها في التوراة و الإنجيل و غيرهما من كتب التاريخ و الأخبار.

و المستشرقون و المبشّرون في موازناتهم ينتهون حتما إلى القول بأن في القرآن مخالفات تاريخية و أن هذه المخالفات هي الدليل على أنه من عند محمد، لأنه لو كان من عند اللّه لتنزّه عن هذه المخالفات و لما كان فيه منها كثيرا أو قليل. و هم يعللون هذه المخالفات بقولهم لأقوامهم: إن محمدا كان يتعلم هذه الأخبار من العبيد و الأرقاء، أولئك الأعاجم الذين كانوا يخدمون السادة من قريش و الذين أشار القرآن إلى واحد منهم حين قال وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسََانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هََذََا لِسََانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (1) . و هؤلاء ما كانوا يعرفون من التاريخ الديني للرسل و الأنبياء إلا شائعات.

ذلك لأنهم بحكم رقهم أو بحكم فقرهم ما كانوا يستطيعون الحصول على نسخ من الإنجيل و التوراة و كتب الأخبار، فلم تكن المطبعة قد وجدت بعد، و لم تكن النسخ المخطوطة من الكثرة بحيث تقع في أيدي هؤلاء. لقد كانت نادرة، و كان الحصول عليها يتوقف على مقدار ما يدفع في سبيلها من نقد و من هنا كانت وقفا على الأغنياء (2) . و من هنا أيضا كانت معارف الفقراء و معارف العبيد و الأرقاء وقفا على الشائعات و ليس يخفى

____________

(1) سورة النحل، الآية 103.

(2) راجع هنري سمث، الكتاب المقدّس و الإسلام، ص 60-97. و راجع ريتشارد بل، مصادر الإسلام، ص 104-105.

251

أن ما كانت وسيلته المشافهة يكون دائما عرضة للتحريف و عرضة للتغيير و التبديل و عرضة للزيادة و النقصان.

إن أخطاء هؤلاء فيما يقول المستشرقون و المبشّرون هي التي ظهرت بوضوح في المخالفات التاريخية التي جاءت في قصص القرآن.

و الخطورة الأولى لا تلبث أن تزول حين نبيّن للرجميين و الجامدين و من على شاكلتهم أننا في هذا الصنيع إنما نجري على سنن سلف لنا صالح هم العلماء الأجلاء من رجال الفقه و الدين.

ما الذي فعله المسلمون حين أرّخوا للتشريع الإسلامي؟أ لم يبحث الأصوليون عن مصادر هذا التشريع؟أ لم يذكر هؤلاء الأصول الأولى لكثير من الأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم؟أ لم ينته الأصوليون من بحث صلة الإسلام بغيره من الأديان السماوية إلى القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه؟أ لم يعلل المسلمون سر الاتفاق بين الأديان السماوية الذي تشير إليه الآية الكريمة: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (1) .

و سر الاختلاف الذي تشير إليه الآية الكريمة لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (2) بعلل اجتماعية هي من النواميس الثابتة المستقرة؟أ لم يكن من بين هذه العلل ما يربط الأحكام الشرعية بالبيئة و يجعل تغييرها و تبديلها أو نسخها يتبع العقل البشري في تقدّمه و البيئة الاجتماعية في ترقّيها؟ (3) .

فعل المسلمون كل هذا و فعلوا ما هو أخطر من هذا حين ذكروا أن من عناصر الدين الإسلامي ما يرجع إلى العهد الجاهلي و أن رجالا ذكروهم قد سنوا ما أبقى عليه

____________

(1) سورة الشورى، الآية 13.

(2) سورة المائدة، الآية 48.

(3) راجع إخوان الصفا، جـ 4، ص 22.

252

القرآن الكريم و جعله عنصرا من عناصر الدين الإسلامي و من ذلك توريث البنات و جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين و تحريم الخمر و السكر و الأزلام و غيرها من أمور ذكرها صاحب كتاب المحبّر في فصل عنوانه «من حكم في الجاهلية حكما فوافق حكم الإسلام.

و من صنع صنيعا في الجاهلية فجعله اللّه سنّة في الإسلام» (1) .

إن علينا أن نبحث مصادر القصص القرآني كما بحث الأصوليون مصادر التشريع.

بل نحن هنا أولى بالرعاية ذلك لأنهم يبحثون عن مصادر العناصر الدينية و هي عناصر لا تتأتى معرفتها لما فيها من غيبية إلا من طريق الرسل و الأنبياء. و نحن إنما نبحث عن مصادر العناصر القصصية و هي عناصر من الوقائع البشرية التي يمكن معرفتها و الوقوف عليها من غير طريق الرسل و الأنبياء. و إن علينا أن نضع بين يدي الرجعيين و الجامدين و من على شاكلتهم هذه الآية الكريمة التي تشير في صراحة إلى أن القرآن الكريم كان يرد بعض تشبيهاته و أمثاله إلى مصادرها الأولى أو إلى التوراة و الإنجيل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ تَرََاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً سِيمََاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ ذََلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ََ عَلى‏ََ سُوقِهِ يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفََّارَ (2) . و إن علينا أن ننشد الحقيقة الدينية و أن نضع بين أيدي الناس نظرية سليمة تقوم أول ما تقوم على ملاحظة الظواهر المختلفة الموجودة في القصص القرآني و تفسيرها تفسيرا صحيحا و هي نظرية تحل جميع المشكلات التي وقف عندها المفسّرون و تخرج بالقصص القرآني من دائرة التشابه و ترد جميع اعتراضات المستشرقين و المبشّرين، أما ما على قومنا فهو أن يفهموا رأينا و مذهبنا، و أن يعرفوا الحق للحق، و أن يعلموا أن الدين الإسلامي يفتح أمام العقل الطريق و ينير له السبيل و يمكّنه من أن يضرب في التقدّم الفكري بسهم وافر، إن علينا ما تقدّم و إن على قومنا ما تأخر فإن أبوا إلا المضي في العناد و إلا دعاء الأمة الإسلامية إلى ذلك القول الذي كان يقوله الجاهليون من قبل‏ لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ

____________

(1) المحبر، لأبي محمد بن المتوفى سنة 245، ص 236-243، ط حيدرآباد سنة 1261.

(2) سورة الفتح، الآية 29.

253

تَغْلِبُونَ (1) عمدنا إلى الصبر و الدفاع عن الحقيقة الدينية و اللّه يرعانا بفضله لأنه القائل:

إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ*`يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ (2) .

و الخطورة الثانية لا تلبث أن تزول حين نبيّن للناس حقيقة ما أنزل اللّه و حين نؤكد للمبشّرين و المستشرقين أنهم أقاموا موازناتهم على أساس لم يقصد إليه القرآن الكريم و لم يجعله غرضا من أغراضه و أنه حين ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه قد تحكّموا في الوسائل و في النتائج العلمية لأن المخالفات التاريخية على فرض وجودها لا يمكن أن تكون الدليل على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي و لم ينزل عليه من السماء.

إن موازنات المستشرقين و المبشّرين بين ما جاء في القصص القرآني من أخبار و ما جاء منها في التوراة و الإنجيل و غيرهما من كتب الأخبار و التاريخ يجب ألا تتم و يجب ألا تكون حتى يثبت قطعا أن القرآن الكريم قد قصد من عرض هذه الأخبار معانيها التاريخية و أنه اختار ما اختار من الأشخاص و الأحداث و الحوار على أساس أن هذا هو الحق و أنه الذي يتمشى مع المنطق التاريخي. أما إذا كان قصد القرآن من قصصه ليس نشر الوثائق التاريخية و ليس تعليم التاريخ فإن صنيع المستشرقين و المبشّرين يصبح لا قيمة له و لا خطر منه.

و المسألة الأولى من مسائل هذا الفصل هي أن القرآن الكريم في قصصه لم يسلك مسلك التوراة فلم يقص أخبار الأنبياء و المرسلين كما قصّت هي و إنما اختار بعضهم ليقص قصصهم و أعرض عن الباقي‏ وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنََاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ (3) و هو حين اختار لم يعمد إلى أخبار هؤلاء جميعها و إنما اختار من هذه الأخبار ما يتفق و حالة الدعوة الإسلامية و موقف النبي من قومه و من هنا لم يكن ذلك التفصيل الموجود في التوراة. ثم إن القرآن الكريم لم يعمد إلى الزمن فيجعله العامل الأساسي في ترتيب هذه القصص كما عمدت التوراة. إن كل ذلك إنما يدل على الفارق الأكبر بين قصص القرآن الكريم و بين قصص التوراة و هو أنها قد قصدت إلى التاريخ أما هو فلم يقصد

____________

(1) سورة فصلت، الآية 26.

(2) سورة غافر، الآيتان 51-52.

(3) سورة النساء، الآية 164.

254

إلا إلى العظة و العبرة و إلى البشارة و الإنذار و إلى الهداية و الإرشاد و إلى شرح مبادئ الدعوة الإسلامية و الرد على المعارضة و إلى تثبيت قلب النبي عليه السلام و من اتّبعه و زلزلة نفوس المشركين و الكفرة و إلى غير ذلك من مقاصد و أغراض ليس منها التاريخ على كل حال.

و المسألة الثانية هي أن هؤلاء الذين اختارهم القرآن الكريم ليقص قصصهم لم يكونوا جميعا من البيئة العربية و إنما كانت الكثرة الكاثرة منهم من غيرها، من بلاد المصريين و العبريين و السبئيين و من بلاد اليونان و الرومان و أقاموا فيها و أرسلوا إلى أهلها و وقعت أحداثهم في هذه البلاد و جرى الحوار فيما بينهم و بين من أرسلوا إليهم بلغات هذه الأقاليم بل جرى الحوار أحيانا بلغات قد لا نعرفها و قد لا يستطيع عقلنا القاصر أن يتصوّرها و إلا فبأي لغة تحدّث الخالق جلّ و علا إلى كل من الملائكة و إبليس في قصة خلق آدم و بأي لغة تحدّث إبليس إلى آدم في قصة الخروج من الجنة. إنها الأمور التي لا نعرف منها إلا الفروض الخياليّة (1) .

هذه الكثرة الكاثرة من الرسل و الأنبياء عليهم السلام من أمثال آدم و نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و سليمان و داود و يوسف و موسى و أيوب و يونس و الياس و غيرهم لم يكونوا مجهولين في بيئاتهم الأولى و إنما كانوا معروفين تعرف كلا منهم بيئته و تقص أخباره على بنيها و تنقل هذه الأخبار إلى الأمم المجاورة و نعتقد أن ليس هناك من يدّعي أن الذي قد حدث غير هذا و أن هذه الأمور من المسائل التي استأثر اللّه بعلمها و أنها من الغيب الذي لا يعرفه إلا من يطلعه اللّه عليه لأن هذا القول مما يخالف طبائع الأشياء.

كانت هذه الأشياء من الأمور المعروفة في بيئات الرسل عليهم السلام و في البيئات التي انتقلت إليها هذه الأخبار. و الذي نريده الآن هو الوقوف على الصلة التي كانت قائمة بين هذه الأقاصيص و بين البيئة العربية عامة و المكية بصفة خاصة قبل البعثة المحمدية و قبل نزول القرآن فهل كانت البيئة تعرف من أمر هؤلاء الرسل شيئا أو كانت تجهل من أمرهم كل شي‏ء؟إن الإجابة عن هذا السؤال من الخطورة بمكان ذلك لأنها التي ستحدد لنا المسائل التالية:

____________

(1) راجع المستصفى، للغزالي، جـ 1، ص 328-329.