الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
255

(1) المصدر الذي صدرت عنه هذه العناصر القصصية التي استخدمها القرآن الكريم في بناء القصص فهل كانت العقلية العربية أو كانت بيئات أخرى هي بيئات الرسل و الأقوام؟إن هذا هو الذي سيبيّن لنا مذهب القرآن الكريم في بناء القصة من حيث صلة العناصر بالبيئة فهل كان يذهب إلى بناء القصة على ما هو المألوف من العناصر أو على ما هو الغريب النادر؟

(2) الصنيع البلاغي الذي قام به القرآن و الدور الفني الذي لعبه في تاريخ الحياة الأدبية للأمة العربية و ذلك بدوره سيمكّننا من الوقوف على أسرار الأعجاز في القصص القرآني و يجعلنا نفهم الحكمة التي من أجلها تحدّى القرآن العرب بالسور المفتريات.

(3) الوصول إلى قاعدة أو نظرية يمكننا تطبيقها من حل المشكلات ورد الاعتراضات و الخروج بالقصص القرآني من دائرة المتشابه.

و الصلة بين هذه الأقاصيص و بين البيئة العربية تتحدد بما يلي:

(1) نوع نستطيع أن نسلّم منذ اللحظة الأولى بأنه كان مجهولا في البيئة المكية جهلا يكاد يكون تاما و ذلك هو النوع الذي نزل ليثبت نبوة النبي عليه السلام و الذي جاء إجابة عن تلك الأسئلة التي يتوجه بها المشركون من أهل مكة إلى النبي ليعرفوا صدق رسالته و صحة نبوّته، و من أمثلته قصص أصحاب الكهف و ذي القرنين. و الظاهرة الجديرة بالتسجيل في هذا الموقف هي أن هذا القصص لم يرد إلا مرة واحدة فهو لم يتكرر تكرّر غيره و لم يجي‏ء لأغراض كثيرة و مختلفة. و التفسير الذي نرى أنه الصحيح بالنسبة إلى هذه الظاهرة هو أن القرآن الكريم ما كان يذهب مذهب أولئك الذين يبنون أقاصيصهم على ما هو الغريب النادر من العناصر إلا حين تدعو إلى ذلك ضرورة ملحة كأن تكون الغرابة نفسها هي المقصد و الغرض كما هو الحال بالنسبة إلى الأقاصيص السابقة. أما حين لا تدعو إلى ذلك ضرورة من الضرورات فإنه لم يكن ليبعد عن العقلية العربية.

(2) و نوع نستطيع أن نسلم أيضا منذ اللحظة الأولى بأنه كان معروفا في البيئة العربية و ذلك من أمثال هذه الأقاصيص التي وردت إشارات عنها في الشعر الجاهلي كقصص أحمر عاد و أحمر ثمود و قصص الجن مع سليمان أو تلك التي بدأت بالتعبير

256

القصصي‏ أَ لَمْ تَرَ فيما يذهب إليه المفسّرون‏ (1) .

و الظاهرة الجديرة بالتسجيل في هذا المقام هي أن أقاصيص هذا النوع قد كرّرت و جاءت في أكثر من موطن و لأكثر من غرض و تشهد بذلك أقاصيص عاد و ثمود أو هود و صالح. و التفسير الذي نعتقده صحيحا في هذا المقام هو أن القرآن الكريم كان يذهب مذهب من يبني الأقاصيص على ما هو المألوف أو ما هو المشهور المتداول من مسائل التاريخ و قضاياه.

(3) نوع ثالث و هو الكثرة قد يشتبه فيه القارئ فلا يدري أ هو من النوع الأول أم هو من النوع الثاني و أمثلته أقاصيص آدم مع إبليس و قصة الخلق و قصص لوط و نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و داود و أيوب و غيرهم. و هو نوع نستطيع أن نصل إلى حقيقة الأمر في الصلة بينه و بين البيئة العربية و بخاصة المكية بأمرين الأول طريقة القص و الثاني التكرار.

(أ) أما طريقة القص فتشعرنا بأنه كان معروفا ذلك لأن القرآن كان يجري في القصص أول الأمر على أسلوب موجز فكانت أقاصيصه أشبه بالإشارات إلى ما هو المعروف. أو كانت لفتات إلى أحداث تعرفها البيئة و لا تجهل من أمرها شيئا و ذلك هو الواضح تماما من مجموعة أقاصيص سورة القمر. و لعل مما يؤكد هذا الذي نذهب إليه أن القصص القرآني كان يقصد منه أول الأمر الإنذار و العظة و العبرة و كلها من المقاصد التي تطلب من الأحداث المعروفة حتى يكون للإنذار خطره و للعبرة أثرها.

(ب) و أما التكرار فإنه يؤدي إلى النتيجة نفسها حين يفيد أن القرآن الكريم كان يجري على مذهب أدبي معين هو بناء القصة القرآنية من مواد معروفة و مشهورة و متداولة في البيئة ذلك لأنه على فرض أن هذه المواد التاريخية ما كانت معروفة في البيئة العربية قبل البعثة المحمدية و نزول القرآن فإن ما نزل منها أولا كان يكفي بالتعريف بها و ما نزل ثانيا و ثالثا و رابعا... إلخ يعتبر من قبيل بناء القرآن للقصة على ما هو المعروف أو المشهور المتداول.

____________

(1) راجع تفسير سورة الفجر في كل من الرازي و الكشاف.

257

و مما يؤيّد ما نذهب إليه أن دوران هذه المواد في القرآن كان. يتبع الشهرة فالشخصية التي عرفت و اشتهرت و الأحداث التي شاعت في البيئة كانت أكثر المواد استخداما في بناء القصة القرآنية. و على العكس من ذلك الأحداث التي لم تعرف و الشخصيات التي لم تشتهر. و لعله من هنا كانت شخصية موسى أكثر دورانا من شخصية أيوب مثلا بل أكثر من أي شخصية أخرى. ذلك لأن موسى كان نبي اليهود و لقد كان اليهود في ذلك الزمن يسيطرون على البيئة العربية من حيث التفكير الديني حتى لقد كان العرب أنفسهم يستشيرونهم في أمر محمد عليه السلام. و هذه السيطرة تجعلهم يقصون كثيرا أخبار موسى و فرعون و قليلا أخبار غيره من الأنبياء.

إن مذهب القرآن فيما يتضح من الظواهر السابقة هو بناء القصة القرآنية على عناصر يستمدها من البيئة أو من العقلية العربية و ليس ذلك إلا ليكون القصص أشد تأثيرا و أقوى سلطانا و إلا ليمضي القص بين المألوف العادي من الأحداث و الأشخاص و الغريب النادر من الأفكار و الآراء.

مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية فالقرآن لم يبعد عنها إلا في القليل النادر و من هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة بأن القرآن ليس إلا أساطير الأولين ذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية و الأحداث القصصية مما يعرفون و من هنا أيضا كان كل من الرازي و النيسابوري في غاية اللباقة و الدقة في الفهم حين فرّقا بين جسم القصة و هيكل الحكاية و بين ما جاء فيها من توجيهات دينية و حين قالا بأن هذه التوجيهات هي المقصد الأول من القصص القرآني أما الجسم و الهيكل فليست له قيمة كبيرة لأنه ليس المقصد و الغرض و ليس هناك ما يمنع من أن يكون الجسم أو الهيكل من أساطير الأولين.

و لعلك لا زلت تذكر نص الرازي الذي وضعناه بين يديك في الفصل الأول من هذا الباب عند حديثنا عن القصة الأسطورية، فإنه النص الذي نشير إليه في هذا المقام.

يأخذ القرآن كما ترى عناصره القصصية من البيئة العربية و يبني من هذه العناصر أقاصيص هي التي نراها في القرآن الكريم و هي التي نريد أن نشرح ما فيها من صنيع بلاغي أو من عمل أدبي لعل هذا الشرح أن يبصرنا بما في هذا القصص من أسرار للإعجاز.

258

و العملية الفنية أو الصنيع البلاغي في القصص القرآني قد يكون في أسلوب القرآن و طريقته في رسم الأشخاص و في تصوير الأحداث و في إقامة الحوار كما قد يكون في توزيع العناصر القصصية و في تحريكها الحركات التي تجعل كل عنصر قادرا كل القدرة على القيام بالدور الذي قدر له أن يلعبه في القصة بحيث تنتهي كل هذه الأشياء إلى المقاصد المطلوبة و الأغراض المرجوة. و هذه الألوان من العمليات الفنية ستجدها مشروحة في الفصلين التاليين: فصل العناصر القصصية و فصل تطوّر الفن القصصي في القرآن الكريم.

و قد تكون العملية الفنية في أخذ عنصر واحد أو عناصر بأعيانها و رسمها من جوانب عديدة و تصويرها من مواقع مختلفة لتنتج من ذلك رسوم عديدة للشخصية الواحدة و صور كثيرة للحدث الواحد بحيث يكون لكل رسم طابعه الخاص و لكل صورة شخصيتها المميزة ثم في بناء الأقاصيص المختلفة على هذه الرسوم و هذه الصور. إن هذا الصنيع الأدبي هو الذي نراه فيما سماه المفسّرون بتكرار القصص و ما هو من التكرار في شي‏ء و أنه الصنيع الذي يدل على هذه القدرة القادرة و القوة الباهرة التي لا يستطيعها إلا خالق مبدع و الذي يعجز عن القيام به من لا يملك ناصية الفن و من لا تجري الأمور على يديه في سهولة و يسر. و لعله من هنا تحدى القرآن العرب و تحداهم بالسور المفتريات ذلك لأنه بنى أقاصيصه على ما يعرفون من عناصر و بنى أكثر من قصة على عنصر واحد هو شخصية النبي أو الرسول و جعل لكل قصة غرضها الخاص و مقصدها الذي تصل حتما بالقارئ إليه و كل ذلك من الأمور التي لا يستطيعها إلا من يقول للشي‏ء كن فيكون.

و قد تكون العملية الفنية في شي‏ء غير ما تقدم في تخليص العناصر التاريخية من أشخاص و أحداث من معانيها التاريخية، و في تحميل هذه العناصر بالعواطف الإنسانية أو البشرية و بالمعاني الدينية و الخلقية و الاجتماعية و شرح هذا العمل الفني أو الصنيع الأدبي يضطرنا إلى أن نمس المسألة مسا خفيفا عند الأصوليين و البلاغيين.

يذهب الأصوليون إلى القول بالحقيقة اللغوية و الحقيقة الشرعية و هم يقصدون بالأولى معاني الألفاظ كما هي في اللغة. و بالثانية معانيها التي وضعها لها الشارع.

259

و يضربون لهذا الصنيع المثل بألفاظ الصلاة و الزكاة فلكل منهما معناها في اللغة و معناها في الشرع. و يذهب الأصوليون في الحديث عن هذا الصنيع إلى أبعد من هذا فيذكرون لنا أن دلالة هذه الألفاظ على المعاني الشرعية لا تحتاج إلى القرائن‏ (1) .

و يذهب البلاغيون إلى أن أسرار الإعجاز الأدبي لا تكون في المعاني اللغوية أو النحوية و هي المعاني الأولى و إنما تكون في المعاني الثانية و هي التي يحمّلها الأديب اللفظ أو العواطف البشرية التي تمتلئ بها الألفاظ و التراكيب و من هنا يجعلون للنظم الفضل و المزية.

يقول ابن الأثير: ... موضوع علم البيان هو الفصاحة و البلاغة و صاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية و المعنوية و هو و النحوي يشتركان في أن النحو ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي و تلك دلالة عامة و صاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة و هي دلالة خاصة و المراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن و ذلك أمر وراء النحو و الإعراب. أ لا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم و المنثور و يعلم مواقع إعرابه و مع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة و البلاغة و من هنا غلط مفسّرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعاني و ما فيها من الكلمات اللغوية و تبيين مواقع الإعراب منها دون شرح ما تضمّنته من أسرار الفصاحة و البلاغة (2) .

و واضح أن ابن الأثير يرى الغلط كل الغلط في الوقوف على المعاني الأولى و شرح الكلمات اللغوية و تبيين مواضع الإعراب. و يرى أن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما فيها من أسرار للفصاحة و البلاغة أو بعبارة أخرى على ما فيها من فن أدبي جميل.

و يرى النقاد و الأدباء أن الفضل و المزية في الأدب إنما يكونان بإيحاءات أدبية و إثارات فنية يحملها اللفظ كما تكون في مقدار ما يعبّر عنه من انفعالات و ما يصوّر من أحاسيس و من هنا نراهم يقدرون آثار الاستعمال و هي شي‏ء بعد المعاني اللغوية كما نراهم يبحثون عن تلك الروح التي بثّها الأديب في اللفظ و منحه بها الحيوية.

____________

(1) فواتح الرحموت، جـ 1، ص 221-222.

(2) المثل السائر، ص 3.

260

يبحثون عن كل ذلك و من هنا لا يرون الأدب أدبا و لا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير و لعل هذا أو قريبا منه هو الذي أراده ابن الأثير حين قال:

و بعد هذا فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة و وقار و الألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة و لين و أخلاق و لطافة مزاج‏ (1) .

يبحثون إذا في الأدب و الفن عن سر الإعجاز و يرون هذا السر في غير المعاني الأولى يرونه في المعاني الثانية أو فيما تحمل هذه المعاني من عواطف و تستثير من انفعالات.

و المسألة الآن فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه.

أقصد القرآن من عرضه لهذه المواد، أحداثا و أشخاصا، الدلالة الأولى أي فائدة الخبر كما يقول البلاغيون و هي معرفة هذه الأحداث و الأشخاص كما يقصد اللغوي معرفة مدلولات الألفاظ الأولى؟أم قصد شيئا آخر وراء ذلك و بعده هو المعاني الثانية، هو تلك الآثار الأدبية في النفس عند عرض هذه الأحداث و الأشخاص عليها عرضا أدبيا فنيا لتثير الانفعال و توحي بالعبرة و العظة؟

إن دراستنا لما سبق من قيم تاريخية و من ألوان قصصية و من مقاصد و أغراض تدل على أن القرآن لا يقصد بقصصه إلى المعاني الأولى و لا يريد تعليم الناس التاريخ أو شيئا عن الأحداث و إنما يقصد إلى المعاني الثانية و هي المعاني الأدبية أو البلاغية و هي الاستثارات العاطفية و الصور الفنية الأدبية و غيرها مما يعده أصحاب الفنون و الآداب ملاك الأدب و غاية البلاغة.

و إذا كانت هذه العواطف و الانفعالات التي تستثيرها المواد الأدبية في القصص القرآني و هذه الأحاسيس التي تصوّرها هذه المواد تختلف في موطن عنها في آخر كان معنى ذلك أن القرآن يصنع في هذه المواد ما يصنعه الأدب و الفن دائما بالألفاظ و أنه يستخرج من هذه المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من

____________

(1) المثل السائر، ص 69.

261

المعاني الحقيقية و الصنيع هنا هو بعينه الصنيع هناك و أن هذه المواد و هذه الألفاظ في الصنيع الأدبي القرآني سواء.

كان هذا الصنيع الأدبي من القرآن محيرا للقدماء حين لم يتبيّنوا الأسرار الخفية للصور المختلفة التي يعرض فيها القرآن هذه المواد الجزئية حين يحدّث أو يقص عن هذا النبي أو ذاك في هذا الموطن أو ذاك و من هنا شكوا من التكرار و اجتهدوا في تعليله و أخذوا أنفسهم بقاعدة الترادف أو الاتفاق في المعاني و هذا هو الأمر الذي لا نرضاه... و إذا كنا قد ضربنا لك بعض المثل فيما مضى من قصص موسى و غيره فإنا نضع الآن بين يديك هذا المثال.

جاء في كتاب درة التنزيل و غرة التأويل ما يلي قوله تعالى: قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*`قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ اَلصََّاغِرِينَ (1) . و قال في سورة الحجر: قََالَ يََا إِبْلِيسُ مََا لَكَ أَلاََّ تَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ*`قََالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*`قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (2) .

للسائل أن يسأل فيقول إذا كان هذا في قصة واحدة و وقع في كلام اللّه حكاية عما قال إبليس و عما قيل له عند ما كان يظهر من عصيانه فلما ذا اختلفت الحكايتان و المحكى شي‏ء واحد؟

و الجواب ما قلته فيما قبله و أقوله فيما بعده من أن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها و إنما المقصود ذكر المعاني فإن الألفاظ إذا اختلفت و أفادت المعنى المقصود كان اختلافها و اتفاقها سواء (3) .

و نعتقد أن الإسكافي قد أحس بأصل المعنى بعد إذ وضع يده على الإشكال و لكنه

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان 12-13.

(2) سورة الحجر، الآيات 32-34.

(3) درة التنزيل، ص 119.

غ

262

لم يتهيأ له من وضوح التفسير الأدبي و سر العمل الفني في دلالة الألفاظ و المواد الأدبية ما يحل به الإشكال ففصل بين اللفظ و المعنى فصلا تحكميا.

إن الأساس الذي يفسّر به الخطيب هذه الظاهرة هو الأساس الذي سبق أن نقلناه عنه فيما مضى من أنه لا إختلاف هناك. و واضح أن الإمام الفاضل إنما ينظر حينما ينظر إلى المعاني الأولى في هذه السور و هذه التعبيرات و المعاني الأولى ليست فيما نعتقد من الأمور التي يقصد إليها من قصص القرآن.

إن ما يسميه البيانيون بالمعاني الثانية و ما يسميه المحدثون اليوم بإيحاءات الألفاظ و وقعها النفسي و الصور الأدبية هو المقصود من الدراسة الفنية لأمثال هذه النصوص و هذا هو المقصد بعينه الذي لا شك في أن القرآن المعجز قد جعله الأساس الأول في بناء القصة و تركيبها و في جمع الأقاصيص في السورة الواحدة. أي أن ذلك كله من صنيع القرآن ذو مغزى أدبي فني ثم هو سر الإعجاز النظمي.

لنقرأ سويا هذه الآيات من سورة النمل: قال تعالى‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*`وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنََا مَكْراً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ*`فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*`فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خََاوِيَةً بِمََا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*`وَ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ*`وَ لُوطاً إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ*`أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ اَلنِّسََاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*`فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنََاسٌ يَتَطَهَّرُونَ*`فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَهْلَهُ إِلاََّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنََاهََا مِنَ اَلْغََابِرِينَ* `وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسََاءَ مَطَرُ اَلْمُنْذَرِينَ*`قُلِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ وَ سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ آللََّهُ خَيْرٌ أَمََّا يُشْرِكُونَ (1) .

____________

(1) سورة النمل، الآيات 45-59.

263

و لعلك قد لحظت أن هذه القصص لا تقصد إلى تصوير ما حدث بين ثمود و رسولها و بين لوط و قومه فذلك ليس هو الذي يقصد إليه القرآن لأنه ليس إلا المعاني الأولى لهذه القصص.

إن مقصد القرآن ليس إلا جعل هذه الصور مصدرا للانفعال و التأثير و باعثا للأمن و الخوف و الرجاء.

إن الذي نقوله هو الأمر الذي يدل عليه القصد القرآني و هو الذي يتّضح من تلك التوجيهات الدينية التي تنطق بها الآيات، فقد قال تعالى‏ وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى اَلْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (1) و قال تعالى‏ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ (2) حين وجّه الخطاب لمحمد عليه السلام في الأولى و لموسى عليه السلام في الثانية.

و إني لأعتقد أن هاتين القصتين نزلتا في الوقت الذي كان يأتمر فيه المشركون بالنبي عليه السلام و هذا هو الواضح من مناسبة قصة صالح و من الحديث عن المدينة و ما فيها من تسعة رهط و عن التقاسم و التبييت لكل ما حدث في مكة إذ هذه تكاد تكون صورة لما حدث من قريش و يذكره المؤرّخون و أصحاب السيرة عند حديثهم عن أسباب الهجرة. ثم هذا هو الذي يتّضح من حديث قوم لوط و محاولتهم إخراجه من القرية.

إن المقصود من هذه القصص فيما نعتقد ليس إلا بث الثقة و الطمأنينة في نفس النبي عليه السلام و أن اللّه حافظه و ناصره و مهلك أعدائه.

هذه المعاني أو هذه العواطف و الانفعالات هي قصد القرآن من القصص و هي الرباط الذي يربط مجموعات القصص و هي الأمور التي يجب أن يقف عندها كل من أراد أن يتذوّق أسرار الإعجاز في قصص القرآن و هي الأمور التي يجب أن يبحث عنها فيما لمح الخطيب الإسكافي من معان أدبية و فيما وقف عنده من إشكال.

إن المسألة فيما بيننا و بينه لا تفهم على أساس الموازنة بين هاتين الجزئيتين في قصتي إبليس و آدم في كل من الأعراف و الحجر و إنما تفهم على أساس الموازنة بين القصتين. ذلك

____________

(1) سورة النمل، الآية 6.

(2) نفس السورة، الآية 10.

264

لأن القصة لا تفهم على أساس فهم المعاني الأولى التي تعبّر عنها الألفاظ و الأحداث و الأشخاص أو بعبارة أخرى على أساس الفهم الجزئي و إنما تفهم القصة كما يفهم كل عمل أدبي و كل أداة للتعبير أو التأثير و هذه الطريقة في الفهم هي التي أشرنا إليها في التمهيد حين فرّقنا بين نوعين من الفهم فهم حرفي يقوم على الوقوف على المعاني الأولى للألفاظ و الأحداث و الأشخاص. و فهم أدبي يقوم على الوقوف على ما في النص من قيم عاطفية و فنية أو باصطلاح القدماء الوقوف على المعاني الثانية بما تسمح له الدراسة الأدبية من تفسير و توضيح.

لنعد الآن إلى القصتين لنرى الفروق بين المقصدين في كل من سورتي الحجر و الأعراف و لنعلّل بذلك سر الاختلاف بين موقفي إبليس في القصتين.

إن القصة في سورة الأعراف إنما جاءت لتقص مبدأ العداوة بين إبليس و آدم و لتصل من ذلك إلى نتيجة أدبية هي ما قصد إليه القرآن من جميع قصص سورة الأعراف و هو أن يدفع المشركين إلى تعديل موقفهم من النبي عليه السلام و من هنا كان قوله تعالى في ختام هذه الأقاصيص‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ*`وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ*`سََاءَ مَثَلاً اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ أَنْفُسَهُمْ كََانُوا يَظْلِمُونَ (1) .

كما قال في ختام قصة إبليس و آدم‏ يََا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ*`يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ (2) .

أما القصة في سورة الحجر فقد قصت هذه العداوة و هي تقصد إلى شي‏ء آخر هو أن تذهب عن نفس النبي عليه السلام الهم و القلق الذي يساوره من أجل الدعوة و عدم

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 175-177.

(2) نفس السورة، الآيتان 26-27.

265

نجاحها و الذي يدفعه إلى نفسه موقف القوم منه و استهزاؤهم به. و هذا هو الذي تقصد إليه قصص هذه السورة و هو الذي يتضح من قوله تعالى في ختام السورة فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ*`إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ*`اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ*`وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ*`فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ*`وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ (1) .

كما يتضح من قوله تعالى في أول السورة وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ*`لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`مََا نُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ مََا كََانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ*`إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ*`وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (2) .

و إذا كان القصد من قصص الأعراف تعديل موقف المشركين فقد كان أسلوب القرآن في القصص و طريقته في العرض أن يريهم النتائج ممثّلة في أحداث و يريهم صنيع اللّه بالمستكبرين و صنيعه مع المؤمنين المستضعفين و أن يختار من المواد ما يمثل رحمته بقوم و عذابه بآخرين. و من هنا كان النصح و الإرشاد في ختام قصص السورة كلها. و من هنا أيضا كانت رحمته سبحانه تظلّل الأشخاص القصصية حتى الكفرة و المشركين و حتى إبليس نفسه فقد كانت المحاورة أقل عنفا و كان السؤال أقل قسوة و تهكّما.

و إذا كان القصد من قصص سورة الحجر هو الإفاضة عما بنفس محمد عليه السلام من قلق ليهدأ أو يستقر و كان هذا القلق مسبّبا عن موقف قومه منه و استهزائهم به فقد كانت الصور ناطقة بالقسوة و لعله من هنا لم يعرض القرآن لأحوال المؤمنين و لعله من هنا أيضا كانت المحاورة قاسية عنيفة مع إبليس فقال اللّه تعالى‏ فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* `وَ إِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلدِّينِ (3) . و كان هذا التهديد و الوعيد في ختام القصة وَ إِنَّ

____________

(1) سورة الحجر، الآيات 94-99.

(2) نفس السورة، الآيات 6-11.

(3) نفس السورة، الآيتان 34-35.

266

جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ*`لَهََا سَبْعَةُ أَبْوََابٍ لِكُلِّ بََابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (1) . و لم يكن النصح و الإرشاد كما هو في ختام قصة الأعراف.

المسألة إذا في طريقة الفهم و في محاولة الوقوف على القصد في الوقوف طويلا عند المعاني الثانية أو عند العواطف و الأحاسيس و الانفعالات التي هي مقصد القرآن الأول و الأخير من قصصه و التي لم تكن التعريف بالتاريخ أو إملاء الأخبار.

و لعل المسألة تزداد وضوحا و بيانا بهذا المثال من قصص لوط عليه السلام.

قال تعالى في سورة هود ما يلي‏ وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ*`قََالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مََا نُرِيدُ*`قََالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ*`قََالُوا يََا لُوطُ... (2) إلخ.

و جاء في سورة الحجر ما يلي‏ وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ*`قََالَ إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ*`وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ*`قََالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعََالَمِينَ*`قََالَ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ*`لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ... (3) إلخ.

لا أريد هنا أن أتحدث عن ترتيب الأحداث في القصتين فذلك أمر قد درسناه فيما مضى و جعلنا له علاقة باصطلاح القدماء «التقديم و التأخير» و إنما أريد أن أتحدث عن أمرين آخرين يوضحان ما نرمي إليه في هذا الفصل من عناية القرآن بالمعاني الثانية أو العواطف و الأحاسيس ذلك لأن قصد القرآن الذي يرمي إليه في كل واحدة من القصتين له دخل كبير في المواد القصصية لا من حيث إختلاف المعاني الثانية في المواد بل من حيث تركيب المواد ذاتها.

الحادثة هنا واحدة و هي موقف قوم لوط من لوط حين جاءته الملائكة لتجعل عالي

____________

(1) سورة الحجر، الآيتان 43-44.

(2) سورة هود، الآيات 78-81.

(3) سورة الحجر، الآيات 67-72.

267

القرية سافلها و لتنجّي لوطا و أهله إلا امرأته. لكن استعمال القرآن للحادثة و تصويره لها في القصتين يباعد بين الصورتين حتى ليخيّل للإنسان أن هذه الحادثة غير تلك لا أن هذه الصورة غير تلك و ذلك من جراء الزيادة و الحذف أولا ثم من جراء العواطف و الأحاسيس ثانيا.

انظر في هذه المواد الواردة في القصتين فتجد في الأولى‏ وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ و في الثانية وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ و نجد في الأولى‏ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ و قال في الثانية هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ فحذف الحديث عن الطهر و حذف المنادى و هو القوم. و قال في الأولى‏ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ، و قال في الثانية إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ `وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ من غير سؤالهم ذلك السؤال الذي يدل على الضيق بهم و الأسى و الأسف أن وقفوا منه هذا الموقف و هو قوله‏ أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .

إن الحادثة كما قلت واحدة فلما ذا اختلفت الصور و اختلفت التعبيرات الفنية و الأدبية؟

الإجابة سهلة يسيرة لو جرينا على القاعدة التي نجري عليها في الدرس و هي الإعراض عن المعاني الأولى و البحث عن المعاني الثانية. إن القرآن هنا لا يقص ليعلم التاريخ أو يملي أخبارا و إنما يقص لأمور أخرى هذه الأمور هي التي تلعب دورها في تصوير الحادثة أو المادة القصصية كما تلعب دورها في فن بناء القصة و أسلوب عرضها.

ما الغرض من قصص سورة هود؟

لقد ذكرنا هذا الغرض سابقا و لا بأس من أن نعيده هنا و هو تثبيت قلب النبي عليه السلام كما حدّث القرآن في ختام السورة وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ (1) و كان هذا التثبيت مخافة عدم المضي في الدعوة الإسلامية كما حدث القرآن في مبدأ السورة فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا... (2) إلخ.

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) نفس السورة، الآية 12.

268

كان هذا هو السبب في إنزال قصص سورة هود. و كان أسلوب القرآن في التثبيت هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء و الإفاضة و ليس ذلك إلا بعرض صور فنية تشبه هذا الموقف الذي يقفه نبي الإسلام عليه السلام. و كان أن اختار اللّه ما يحدث للرسل ليريه كيف مضت الأمور و كيف وقف هؤلاء الرسل مواقفهم التي تذكر لهم مع شدة حرصهم على هداية قومهم و شدة أسفهم على أن يقف منهم قومهم هذه المواقف.

و أظنك الآن قد فطنت إلى السبب الذي من أجله كانت العبارات هنا من العبارات التي تدل على قوة الصلة بين لوط و قومه فكانت العبارات‏ جََاءَهُ قَوْمُهُ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ... أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .

إن هذه العبارات هي التي تحمل من المعاني الثانية ما يتلاءم و حالة النبي عليه السلام و قصد القرآن.

إن هذا الصنيع مؤلم لا سيما من قومه. و إن‏ أَطْهَرُ لَكُمْ تدل على حرص لوط على إبعاد قومه عن الضلال بترغيبهم في بناته و ترغيبهم عن ضيفه و إن‏ أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ لتدل على متانة هذه الصلة و على الحسرة و الأسف أن يكون من قومه هذا الذي يحدث له و لضيفه. و لم يكن شي‏ء من ذلك في قصة الحجر لأن قصص هذه السورة نزلت لتشفي قلب النبي عليه السلام بقص القصص التي تطلعه على ألوان العذاب التي تنزل بالمكذبين من أقوام الرسل عليهم السلام. و من هنا قال‏ وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ فكأن الأمر لا يعنيه و كأنه لن يحزن أو يأسف على ما ينزل بهم من عذاب. و كان‏ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ فكأنه قد ضاق بهم إلى الحد الذي يجعله غير مهتم بهم من حيث الترغيب و التنفير و لم يكن في القصة يََا قَوْمِ من أجل هذا كما لم يكن ذلك الاستفهام المؤلم أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .

إن هذه الألفاظ التي تدل على العطف و الحنان و التي تدل على حرصه على هداية قومه لم ترد في القصة الثانية لأنها قصة العذاب.

و هكذا ترى أن المعاني الأدبية و الفنية هي مقصود القرآن من القصص و هي الأمور التي يبحث عنها و هي الأمور التي تجعل الحادثة الواحدة تصوّر بصور مختلفة و يعبّر عنها بعبارات متفاوتة حسب الظروف و المناسبات. غ

269

و إذا كان الأمر هو ما وصلنا إليه و كانت هذه العواطف و الانفعالات تختلف في موطن عنها في آخر مهما تتحد المواد الأدبية و تتشابه الأقاصيص القرآنية فإن النتيجة الحتمية لكل هذا هي الاعتراف بأن القرآن الكريم كان يخرج بهذه الأحداث عن أن تكون معبّرة عن معانيها الأولى و هي المعاني التاريخية أو الإخبارية إلى المعاني الثانية و هي المعاني العاطفية أو الأدبية البلاغية أو الفنية و ليس وراء ذلك إلا أن القرآن الكريم لم يقصد من أقاصيصه إلى التاريخ.

و يبقى من العملية الفنية أو من الصنيع البلاغي للقرآن في أقاصيصه أمر لا بد من الحديث عنه ذلك الأمر هو طبيعة هذه العناصر القصصية و مدى صلتها بالحقيقة و الواقع.

فهل كان القرآن الكريم يستخدم هذه العناصر من أحداث و أشخاص على الصورة التي كانت تعرفها عليها العقلية العربية في زمن النبي عليه السلام أو كان يرجع بها إلى الصورة التي وقعت بها الأحداث و كان عليها الأشخاص في الزمن الذي وجد فيه الرسل و وقعت فيه الأحداث.

هل كان القرآن في حديثه عن أحداث الفراعنة مع اليهود مثلا و استخلاصه العظة و العبرة منها يعتمد على صورة فرعون في الذهن العربي أو كان يعتمد على تلك الصورة التي كانت في أزمان فرعون و موسى في أذهان اليهود و المصريين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب منا بحث مسألة أخرى هي الأساس الذي كان يقيم عليه القرآن الكريم أسباب اختياره لهذه العناصر. فهل هو أساس المؤرخين الذي يقوم دائما على اختيار الحق و الواقع و ما يثبته العقل و المنطق و يقوم عليه الدليل و البرهان أو هو أساس البلاغيين الذي قد لا يعنيه الحق أو الواقع بقدر ما يعنيه أن تكون هذه العناصر مما يستهوي النفوس و يأخذ بمجامع القلوب و يسيطر على الأفئدة و الألباب؟

إن القدرة على التأثير هي الأساس الذي كان يلحظه القرآن دائما في نفوس المعاصرين للنبي عليه السلام حين يستمعون إلى القرآن أو ما يلقى عليهم من كلام. ثم إنهم الأساس الذي كان يعتمد عليه القرآن دائما حتى في غير القصص من آيات الموعظة و العبرة و آيات الهداية و الإرشاد.

270

اقرأ معي هذه الآية: قال تعالى‏ وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنََا عََامِلُونَ (1) . و قال تعالى‏ وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ (2) و قال تعالى‏ إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (3) فترى القرآن يصوّر نوعين من الناس: نوع تبلّد منه الحس فعجز عن أن يتأثر بالقرآن الكريم و من هنا صوّره القرآن على أنه قد فقد أدوات الحس التي تنتقل إليه المؤثرات. و نوع قد رهف منه الحس و دق الذوق فانفعل و تأثر حين استمع إلى ما يتلى عليه من كلام اللّه. و أعتقد أنك قد فطنت إلى أن القرآن الكريم يلفت منا الذهن إلى أن القدرة على التأثّر أساس قوي من أسس الاستجابة و أن القدرة على التأثير سر قوي من أسرار الإعجاز.

ثم اقرأ معي هذه الآيات. قال تعالى‏ وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ (4) .

و أظن أنك قد لمست أن النفوس التي تأثرت قد ذهبت مذهبين: فقوم زادتهم الآيات إيمانا و قوم زادتهم كفرا و قوم استبشرت نفوسهم و قوم ماتوا و هم كافرون. و معنى ذلك أن الاستعداد النفسي في الجماعات له دخل كبير لا على التأثّر فحسب بل على تحويل الانفعالات التي تستثار إلى انفعالات سارة أو انفعالات مؤلمة. و كل ذلك حسب الظروف و المناسبات أو حسب الأهواء و الشهوات.

ثم اقرأ قوله تعالى‏ وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

____________

(1) سورة فصلت، الآية 5.

(2) سورة الأعراف، الآية 179.

(3) سورة الأنفال، الآية 2.

(4) سورة التوبة، الآيتان 124-125.

271

وَ إِذََا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذََا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (1) فسترى المسألة في غاية الوضوح.

و هذه آية أخرى نحب أن نقف عندها: قال تعالى‏ وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمُنْكَرَ يَكََادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا (2) . و واضح أن القرآن هنا يصوّر قوة الانفعالات المستثارة و أن هذه القوة تشتد حتى تصل إلى حد الخطر أحيانا فهؤلاء يعرف في وجوههم المنكر و هم‏ يَكََادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا . و ليس من شك في أن القرآن يعطينا الصورة القوية الواضحة لتلك القوة الساحرة التي تكمن في الألفاظ و العبارات و في الصور الأدبية و أن هذه العناصر الأدبية لها قوتها الساحرة في تحريك الأفراد و الجماعات و أنها سلاح قوي في يد من يجيد استعماله من هنا ذهب القوم إلى أن القرآن سحر مبين.

و لعلك الآن تستطيع أن تفهم لما ذا نهى القرآن المسلمين عن سب آلهة المشركين حتى لا يسب هؤلاء اللّه عدوا بغير علم. و لعلك تستطيع أن تفهم أيضا لما ذا نهى القرآن النبي عليه السلام أو طلب إليه الإعراض عن الذين يخوضون في آيات اللّه. بل لعلك قد فهمت لما ذا جعل القرآن المسلمين الذين يستمعون إلى الخائضين في آيات اللّه مثلهم في التهديد بالعقاب.

أعتقد أن السبب واضح بيّن و هو أن القرآن يعرف للفن الأدبي قدرته القاهرة و قوته الساحرة و أنه من هنا يخشى على المسلمين خطر أحاديث المنافقين و الكافرين. قال تعالى وَ لاََ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَيَسُبُّوا اَللََّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذََلِكَ زَيَّنََّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (3) و قال تعالى‏ وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (4) و قال تعالى‏ وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ أَنْ إِذََا سَمِعْتُمْ آيََاتِ

____________

(1) سورة الزمر، الآية 45.

(2) سورة الحج، الآية 72.

(3) سورة الأنعام، الآية 108.

(4) نفس السورة، الآية 68.

272

اَللََّهِ يُكْفَرُ بِهََا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهََا فَلاََ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اَللََّهَ جََامِعُ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اَلْكََافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (1) .

أعتقد الآن أنك لن تختلف معي في كل ما تقدم و أنك تتفق معي على أن تأثير المواد الأدبية في النفوس يستمد قوته من علاقة هذه المواد بالبيئة و باستعداد النفوس و أن كل هذا من الأمور التي صوّرها لنا القرآن الكريم.

على أن المسألة لا تقف عند هذا الحد فالأمر في القرآن أبعد غورا و أكثر عمقا ذلك لأن القرآن الكريم كان يلحظ هذه العلاقة التي يفرضها المجتمع و يقيمها بين الألفاظ و النفوس أو بين الصور الأدبية و النفس البشرية عند ما يختار هذه المواد ليعبّر بها عما يريد.

انظر إلى الأساس الذي أقام عليه اختيار هذه المواد الأدبية قال تعالى‏ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاََّ إِنََاثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاََّ شَيْطََاناً مَرِيداً (2) و قال تعالى‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنََاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ*`أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاََئِكَةَ إِنََاثاً وَ هُمْ شََاهِدُونَ*`أَلاََ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ*`وَلَدَ اَللََّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ (3) اصطفى في التنفير من عبادة الملائكة على ما كان معروفا في البيئة العربية مما هو من مسلماتها من كراهية للأنثى.

أعتقد أنك تسلم بهذا و أنك تسلم أيضا بأن هذا الاختيار لمثل هذه المواد الأدبية لا يكون له هذه الجدوى في بيئة ليست للأنثى فيها هذه المنزلة النازلة. تصور أن هذا القول قيل في بيئة تعرف للأنثى حقها و تقدّرها قدرها و تعتقد أنها أجمل ما خلق اللّه.

و مثل ذلك تماما ما صنعه القرآن في اختيار المواد الأدبية المنفرة من جهنم خاصة تلك التي تعتمد على الصفات البشعة لألوان الطعام و الشراب.

قال تعالى‏ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ*`ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ*`ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهََا سَبْعُونَ ذِرََاعاً فَاسْلُكُوهُ*`إِنَّهُ كََانَ لاََ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ اَلْعَظِيمِ*`وَ لاََ يَحُضُّ عَلى‏ََ طَعََامِ اَلْمِسْكِينِ*`فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ

____________

(1) سورة النساء، الآية 140.

(2) نفس السورة، الآية 117.

(3) سورة الصافات، الآيات 149-152.

273

هََاهُنََا حَمِيمٌ*`وَ لاََ طَعََامٌ إِلاََّ مِنْ غِسْلِينٍ*`لاََ يَأْكُلُهُ إِلاَّ اَلْخََاطِؤُنَ (1) و قال تعالى‏ إِنَّ جَهَنَّمَ كََانَتْ مِرْصََاداً*`لِلطََّاغِينَ مَآباً*`لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً*`لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً وَ لاََ شَرََاباً*`إِلاََّ حَمِيماً وَ غَسََّاقاً*`جَزََاءً وِفََاقاً (2) و قال تعالى‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضََّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ*`لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ*`فَمََالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ*`فَشََارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ*`فَشََارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ (3) و قال تعالى‏ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ*`إِنََّا جَعَلْنََاهََا فِتْنَةً لِلظََّالِمِينَ*`إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ*`طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ*`فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهََا فَمََالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ*`ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهََا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ*`ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى اَلْجَحِيمِ (4) .

و أعتقد أنك قد لمحت أن بعض هذه الأدوات الأدبية منفر لا في البيئة العربية فحسب و إنما في غيرها من البيئات. و معنى ذلك أن القرآن الكريم كان يختار من الصور الأدبية ما يمكن أن يكون من الصور العالمية التي تظل موحية و التي يظل لها فعلها القوي الساحر مهما تختلف البيئات و تتابع الأزمنة.

و لعلك أيضا قد لمحت أن هذا الأساس يقوم حتى و لو كانت هذه الصلة بين الأدوات الأدبية و النفس البشرية من الصلات التي تقيمها الجماعة على صور يخترعها الوهم و يخلقها الخيال و إلا فما بال القرآن ينفرهم من شجرة الزقوم و بتشبيهه طلعها برءوس الشياطين. إن هذه الصورة من الصور الخيالية الوهمية باعتراف القدماء من المفسّرين. جاء في الكشاف ما يلي: و شبّه برءوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهية و قبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان. و إذا صوّره المصوّرون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر و أهوله. كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه فشبّهوا به الصورة الحسنة قال اللّه تعالى‏ مََا هََذََا بَشَراً إِنْ هََذََا إِلاََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (5) و هذا تشبيه

____________

(1) سورة الحاقة، الآيات 30-37.

(2) سورة النبأ، الآيات 21-26.

(3) سورة الواقعة، الآيات 51-55.

(4) سورة الصافات، الآيات 62-68.

(5) سورة يوسف، الآية 31.

274

تخييلي‏ (1) .

و جاء فيه أيضا ما يلي: لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان. أي المصروع. و تخبّط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. و الخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء فورد على ما كانوا يعتقدون‏ (2) .

و هنا نستطيع أن نضع بين يديك مرة أخرى هذا القول من أقوال الأستاذ الإمام.

قال رحمه اللّه: و قد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم و إن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله: كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (3) و كقوله: بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ (4) و هذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية و كتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير و الشر في خطبهم و مقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان و المصريين القدماء و لا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية (5) .

و أعتقد الآن أن المسألة قد وضحت في ذهنك و أنها كادت أن تستقر في نفسك و أنك لن تستطيع أن تنكر أن القرآن يجعل الأساس في اختياره للمواد الأدبية من صور و ألفاظ القدرة على التأثير كما أنك لن تنكر أن هذه القدرة إنما تستمد قوتها و حيويتها من تلك الصلة التي يربط فيها المجتمع بين هذه الأدوات و بين النفوس و أن هذا هو الأمر الذي فطن إليه القدماء من علماء البلاغة عند حديثهم عن الدلالات. جاء في عروس الأفراج ما يلي: أي لا يشترط اللزوم العقلي الذي لا يتصوّر انفكاكه بلى لو اقتضى العرف العام أو الخاص ملازمة أمر لآخر و أطرد ذلك بحيث صار استحضار أحدهما مستلزما للآخر كفى ذلك في اللزوم الذهني... و أعلم أن اللزوم العرفي هو اصطلاح البيانيين لاحتياجهم إلى ذلك في

____________

(1) الكشاف، جـ 2، ص 264.

(2) المصدر السابق، جـ 1، ص 176.

(3) سورة البقرة، الآية 275.

(4) سورة الكهف، الآية 90.

(5) المنار، جـ 1، ص 399.

275

الاستعارة و الكناية و التشبيه أما المنطقيون فإنما يعتبرون اللزوم العقلي‏ (1) . و جاء في كتاب الإيضاح ما يلي: و لا يشترط مما يثبته اعتقاد المخاطب إما لعرف أو لغيره‏ (2) .

و ها هم القدماء كما ترى يجعلون لاعتقاد المخاطب أثره في بناء الجمل الأدبية و يقولون في غير تحرّج إن القرآن كان يجي‏ء على ما يعتقد الجاهليون و ما يزعمون. و هو قول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث و أخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك لأن القرآن الكريم قد يكتفي بما تزعمه العرب و ما تعتقده في صوره البيانية المعجزة و ليس يخفى أن القصة صورة من صور البيان العربي و أن القرآن الكريم قد اكتفى في قصص أصحاب الكهف و ذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون. و من هنا لا يصح لمعترض أن يعترض على أن في الأقاصيص القرآنية مخالفات للحق و الواقع أو مخالفات للتاريخ.

إن اختيار القرآن لبعض الرسل دون بعض، و إطالته الحديث عن بعض الرسل دون بعض، و تأخيره تصوير بعض الأحداث من حياة الرسول و تعجيله بتصوير بعض، و اختياره لغة المرسل إليهم لتكون لغة الوحي و الرسالة. إن هذا كله هو الدليل على أن القرآن لم يقصد قصصه إلى التاريخ.

و إن الصنيع البلاغي للقرآن الذي يقوم على تخليص العناصر القصصية من أحداث و أشخاص و أخبار من معانيها التاريخية و جعلها صالحة كل الصلاحية لاستثارة العواطف و الانفعالات حتى تكون العظة و العبرة، و تكون البشارة و الإنذار، و تكون الهداية و الإرشاد، و يكون الدفاع عن الدعوة الإسلامية و التمكين لها حتى في نفوس المعارضة. إن هذا كله لهو الدليل القوي على أن القرآن الكريم لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. و من هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث و يدقّق و ليس عليه من بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، و لن تكون مخالفة لما أراده اللّه أو لما قصد إليه القرآن لأن اللّه لم يرد تعليمنا

____________

(1) شروح التخليص، جـ 3، ص 173.

(2) المصدر السابق، جـ 3، ص 372.

غ

276

التاريخ و لأن القصص القرآني لم يقصد إلا إلى الموعظة و العبرة و ما شابههما من مقاصد و أغراض.

إن المخالفة هنا لن تكون إلا مخالفة لما تتصوره البيئة و لما تعرفه عن التاريخ و لم يقل قائل بأن ما تعرفه البيئة العربية عن التاريخ هو الحق و الصدق. و لم يقل قائل بأن المخالفة لما في أدمغة العرب من صور عن التاريخ هي الكفر و الإلحاد بل لعل هذه المخالفة واجبة حتى يكون تصحيح التاريخ و خلوه من الخيالات و الأوهام.

أعتقد أنك قد فطنت إلى ما نريد تقريره من نظرية تحل مشكلات المفسّرين و ترد اعتراضات المستشرقين و المبشّرين. و أعتقد أنك قد فطنت إلى أن هذه النظرية ليست إلا القول بأن ما في القصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهنية لما يعرفه المعاصرون للنبي عليه السلام عن التاريخ و ما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون هو الحق و الواقع.

كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق و الواقع لأن القرآن الكريم كان يجي‏ء في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب و تعتقد البيئة و يعتقد المخاطبون.

و هنا قد تقول ما يقوله الكثيرون من أن هذا التفسير يعارض بعض نصوص القرآن.

فهو يعارض وصف القصص القرآني بالحق و يعارض آيات الافتراء. و لذا يجب علينا أن نقف عند هذه الآيات لنريك أنه لا تعارض. و نستطيع أن نبدأ بآيات الافتراء فنقول: (1) إن آيات الافتراء لا تتعلق بالمواد الأدبية القصصية و لا بما في هذه القصص من صور للأحداث و الأشخاص من حيث هي صور و إنما تتعلق بالقرآن كله من حيث هو كتاب ديني وصلته بالخالق سبحانه و تعالى أو بمحمد عليه السلام، تتعلق بصاحب النص أ هو الخالق أنزله على النبي عليه السلام أم هو النبي و هو الذي يفتري حين ينسب هذا القرآن أو هذه القصص إلى اللّه.

ذلك هو الأمر الذي تدور حوله هذه الآيات و هو الأمر الذي لم يغب عن بال القدماء من المفسّرين ثم هو الأمر الواضح من نصوص القرآن الكريم.

جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيََاتِهِ... (1) إلخ، ما يأتي: و اعلن أن تعلّق هذه الآية بما قبلها ظاهر و ذلك لأنهم التمسوا

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 37 و سورة يونس، الآية 17.

277

منه قرآنا يذكره من عند نفسه و نسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل و أن هذا القرآن ليس إلا بوحي اللّه تعالى و تنزيله فعند هذا قال‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً . و المراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند اللّه لما كان في الدنيا أحد أظلم لنفسه مني حيث افتريته على اللّه و لما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك بل يوحى من عند اللّه تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل و لا أظلم على نفسه منكم لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند اللّه فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات اللّه فوجب أن تكونوا أظلم الناس‏ (1) .

ثم هو واضح من نصوص القرآن الكريم الظاهرة فهم مثلا حين يقولون‏ إِنْ هَذََا إِلاََّ إِفْكٌ اِفْتَرََاهُ وَ أَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ (2) يرد عليهم بقوله تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ (3) . و معنى ذلك أن القرآن قد نزل على النبي عليه السلام من عند اللّه فلم يكن إفكا افتراه و أعانه عليه آخرون.

و القرآن حين يطلب إلى النبي عليه السلام أن يجيب عن شبهات القوم في هذا الافتراء يقول له‏ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً (4) و يقول‏ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرََامِي (5) و معنى هذا أن القرآن من عند اللّه و لا يستطيع النبي عليه السلام أن يفتريه لأن العقاب جزاء المفترين و لا يملكون هم له من اللّه شيئا.

و القرآن حين يتهدد النبي عليه السلام و خصوم القرآن الكريم يقول‏ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ (6) .

و القرآن يصوّر قولهم في شأن النبي عليه السلام و الآيات على هذا الأساس: اِئْتِ

____________

(1) الرازي، جـ 4، ص 571.

(2) سورة الفرقان، الآية 4.

(3) نفس السورة، الآية 6.

(4) سورة الأحقاف، الآية 8.

(5) سورة هود، الآية 35.

(6) سورة الأنعام، الآية 93.

278

بِقُرْآنٍ غَيْرِ هََذََا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ (1) ، وَ إِذََا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قََالُوا لَوْ لاََ اِجْتَبَيْتَهََا (2) إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ (3) ... إلخ.

المسألة كما ترى تتعلق بهذا الجانب في مسألة القصص القرآني و هو جانب إضافة هذه القصص إلى اللّه مع أنها من عند محمد عليه السلام. ورد القرآن عليهم ينصب على هذا الجانب أيضا و هو أن هذه القصص من عند اللّه و ليست من عند محمد عليه السلام.

و هنا نستطيع أن نقول إن الواجب العلمي يفرض علينا ألا نعمم في الحكم كما يفرض علينا أن نقف في بحثنا من هذه المسألة في القصص القرآني عند الحد الذي أراده القرآن الكريم و قصد إليه. إن قصة يوسف عليه السلام تكاد تكون القصة الوحيدة التي ختمت بآية يجري فيها الحديث عن الافتراء. و هذه هي الآية. قال تعالى: لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ مََا كََانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ََ وَ لََكِنْ تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (4) . و من البيّن أن القرآن يدل بهذه القصة و ما فيها من أحاديث عن إخوة يوسف عليه السلام على أن القرآن قد نزل من السماء. و يحسن بنا أن نقف بالآيات عند هذا و لا نعدوه إلى القصص و هل ما تصوّره هو الواقع أو صور الأحداث. لا نعدوه إلى هذا لأنه أمر مسكوت عنه و أقل ما يجب هو التوقّف حتى يأذن اللّه.

(2) أما الآيات التي يصف القرآن فيها بعض القصص بهذه الصفة بـ «الحق» من مثل قوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (5) . وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ (6) . فليس فيها ما يدل دلالة قطعية على أن المقصود بهذه الصفة إنما هي الأحداث التاريخية. بل لعل

____________

(1) سورة يونس، الآية 15.

(2) سورة الأعراف، الآية 203.

(3) سورة النحل، الآية 103.

(4) سورة يوسف، الآية 111.

(5) سورة آل عمران، الآية 62.

(6) سورة هود، الآية 120.

279

رأيا آخر هو الراجح و هو أن الصفة إنما تطلق على المقصود من هذه القصص من أمثال التوجيهات الدينية و الأغراض القصصية.

و نعتقد أنه من المستحسن أن نضع بين يديك هذا النص الذي يشرح حال هذه الصفة حينما تجي‏ء مع الأمثال. جاء في المنار ما يلي: ثم ذكر تعالى أن الناس في ذلك فريقان فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (1) ، لأنه ليس نقصا في حد ذاته و قد جاء في كلامه تعالى فهو ليس نقصا في جانبه و إنما هو الحق لأنه مبين للحق و مقرّر له و سائق إلى الأخذ به بما له من التأثير في النفس‏ (2) .

و أظنك توافقني على أن وصف المثل بالحق لا يقصد منه بأية حال أن هذه الأمور التي يقصها المثل قد وقعت خارجا و حدثت فعلا و أن هذه الصور التي يقصها القرآن الكريم هي الصور التاريخية الكاملة لما يروى في الأمثال. و إنما يقصد بهذه الصفة كما شرحها صاحب المنار أن الأمثال تشرح الحقائق و تقررها في الأذهان.

و هذا هو الذي نريد منك أن تفهمه من الصفة حينما يوصف بها القصص القرآني.

جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (3) ما يلي: و القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين و يرشد إلى الحق و يأمر بطلب النجاة.

و جاء فيه أيضا عند تفسيره لقوله تعالى‏ تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ (4) ما يلي: و اعلم أن قوله‏ تِلْكَ إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف... إلخ أما قوله‏ بِالْحَقِّ ففيه وجوه أحدها أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمين.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 26.

(2) المنار، جـ 1، ص 237.

(3) سورة آل عمران، الآية 62.

(4) سورة البقرة، الآية 252.

280

و واضح من النصين أن الصفة تتعلق بالتوجيهات الدينية و لا تتعلق بالأحداث و جاء في الرازي أيضا عند تفسيره لقوله تعالى‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ (1) ما يلي «... ثم إنه تعالى بيّن أنه جاء في هذه السورة أمور ثلاثة الحق و الموعظة و الذكر. أما الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد و العدل و النبوة» .

و يذهب القاضي عبد الجبار عند حديثه عن قوله تعالى‏ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (2) إلى أنه يجوز هذا الوصف لا باعتباره وصفا لجسم القصة و هيكل الحكاية أو ما فيها من عناصر تاريخية و إنما باعتباره وصفا لما فيها من انفعالات عاطفية تدفع إلى الإيمان بما هو الحق من مسائل الدين و لذا نراه يعلق على الآية الكريمة بقوله «لأن ما ينذر و يخوّف يوصف بذلك» (3) .

و نعتقد أن هذا القول من الوضوح بحيث لا يصعب إدراكه أو التسليم به. فلا يقصد من هذا الوصف إذا ما في القصص من جزئيات للأحداث و إنما يقصد منه وصف التوجيهات الدينية الواردة في القصة أو وصف المقاصد التي من أجلها نزلت الأقاصيص و الأمثال.

و نستطيع الآن أن نلخّص لك ما نريد الاتفاق عليه من مسائل هذا الفصل:

(1) المقصود من القصة هو استخراج الحقيقة الدينية التي يرمي إليها القرآن الكريم من القصة الواحدة أو من مجموعة القصص الواردة في سورة واحدة.

(2) إن استخراج هذه الحقائق يحتاج إلى نوع معين من الفهم هو ذلك الذي يجري عليه العمل في تحليل القصص الآن تحليلا أدبيا. و هو الأمر الذي أشار إليه الزمخشري عند حديثه عن التمثيل و عن القصة التمثيلية و ذكرناه أول هذا الباب.

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) سورة آل عمران، الآية 62.

(3) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 62.

281

(3) إن الأحداث و الأشخاص في القصص القرآني من المواد التي يكون بها البناء و هي مواد قد تكون تاريخية و قد تكون خيالية و قد تكون صورا لما في الأذهان أي معتقدات و مسلمات.

(4) إن هذه المواد كانت موجودة في البيئة غالبا. و أن القرآن كان يعتمد على هذا الموجود كما هو و بحالته التي كان عليها لأن القصص القرآني لم يجي‏ء للتاريخ حتى يصحح الأوضاع و إنما جاء للعظة و العبرة و في هذه تكفي المعتقدات و المسلمات.

(5) إن باب التأويل مفتوح لمن يعوزه مثل هذا التأويل إلى الاطمئنان.

282

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

283

العناصر في القصة القرآنية

و توزيع العناصر في القصة القرآنية يجري على ما يجري عليه التوزيع في كل قصة أدبية قصيرة أو في كل أقصوصة. و هو يجري في أمثال هذه الأعمال الفنية على أساس إبراز عنصر واحد و إلقاء الضوء القوي عليه حتى يحل مكان الصدارة من القصة أو الأقصوصة و حتى يكاد ما عداه من عناصر أخرى أن يختفي أو يهمل. و من هنا لن نجد عناصر الأحداث و الأشخاص و الحوار مجتمعة في كل قصة قرآنية و موزّعة التوزيع الذي يجعل لكل عنصر منها قيمته و خطره في القصة بحيث لو اختفى لاختل التوازن الفني و انهد ركن من أركان البناء القصصي. لأن هذه الأشياء إنما تتطلب في الرواية و في القصة الطويلة.

نعم قد نجد هذه العناصر مجتمعة و موزّعة التوزيع الفني في قصة كقصة يوسف عليه السلام و لكن ذلك لم يكن الكثير الغالب لأن القرآن كان يجري في قصصه على أساس الأقصوصة لا القصة الطويلة.

و توزيع العناصر في القصة القرآنية كان يتطور بتطوّر الدعوة الإسلامية و يجري معها في مضمار و من هنا كنا نرى عنصر الأحداث هو العنصر البارز في الأقاصيص التي يقصد منها إلى التخويف و الإنذار. و عنصر الأشخاص هو العنصر البارز في الأقاصيص التي

284

يقصد منها إلى الإفاضة و الإيحاء أو إلى تثبيت قلب النبي عليه السلام و من اتّبعه من المؤمنين. و عنصر الحوار هو العنصر البارز في الأقاصيص التي يقصد منها إلى الدفاع عن الدعوة الإسلامية و الرد على المعارضة و هكذا.

و تطوّر الفن القصصي في القرآن له فصل خاص به هو الفصل التالي و هناك سنرى هذه المسائل مشروحة بتفصيل و لكنا في هذا الموقف نريد أن نختار أقاصيص قرآنية تدور حول شخص واحد لنرى منها كيف كانت عملية توزيع العناصر في القصة تتبع الدعوة الإسلامية في تقدّمها و ترقّيها.

و القصص التي وقع عليها الاختيار هي قصة صالح أو ثمود فلنقرأ منها سويا هذه الأقاصيص: قال تعالى‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوََاهََا*`إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقََاهََا*`فَقََالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللََّهِ نََاقَةَ اَللََّهِ وَ سُقْيََاهََا*`فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهََا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوََّاهََا*`وَ لاََ يَخََافُ عُقْبََاهََا (1) . و قال‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ*`فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ*`أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا بَلْ هُوَ كَذََّابٌ أَشِرٌ*`سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ *`إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ*`وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمََاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ*`فَنََادَوْا صََاحِبَهُمْ فَتَعََاطى‏ََ فَعَقَرَ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَكََانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (2) .

ففي هاتين القصتين الواردتين في سورتي الشمس و القمر، و هما من أوائل ما نزل من القصص حول ثمود و صالح، نرى أن العنصر القصصي البارز هنا هو تصوير الأحداث، ذلك لأن القصد من القصة تخويف المكذّبين. و ليس أبلغ من تصوير الأحداث التي تلم بالأمم و المصائب التي تنزل بالجماعات، من بث الرعب و إشاعة الخوف ليعدل الإنسان عن موقفه و يترك العناد و التكذيب، و من هنا برز عنصر الأحداث و اختفى ما عداه، و اختير لأنه الملائم لحال النبي أول عهده بالدعوة و إعلانه أنه رسول رب العالمين.

و إذا ما انتقلنا خطوة إلى الأمام و قرأنا قصص الأعراف و الشعراء.

____________

(1) سورة الشمس، الآيات 11-15.

(2) سورة القمر، الآيات 23-32.

285

الأولى- وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ قَدْ جََاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هََذِهِ نََاقَةُ اَللََّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهََا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللََّهِ وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ*`وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفََاءَ مِنْ بَعْدِ عََادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهََا قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ اَلْجِبََالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاََءَ اَللََّهِ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* `قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صََالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*`قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ*`فَعَقَرُوا اَلنََّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قََالُوا يََا صََالِحُ اِئْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دََارِهِمْ جََاثِمِينَ*`فَتَوَلََّى عَنْهُمْ وَ قََالَ يََا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسََالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لََكِنْ لاََ تُحِبُّونَ اَلنََّاصِحِينَ (1) .

و الثانية- كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تُتْرَكُونَ فِي مََا هََاهُنََا آمِنِينَ*`فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ* `وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً فََارِهِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ*`اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ*`مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ هََذِهِ نََاقَةٌ لَهََا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*`وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`فَعَقَرُوهََا فَأَصْبَحُوا نََادِمِينَ*`فَأَخَذَهُمُ اَلْعَذََابُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (2) . لحظنا تطوّرا في فن البناء فنلحظ تعدّد الشخصية. فهنا صالح و ثمود و هناك ثمود فقط، و نلحظ الحوار بين النبي و قومه حينا، و بين بعضهم و بعضهم الآخر أحيانا، و نلحظ اَلْمُسْرِفِينَ `اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ و هم الذين يصدّون الناس عن الإيمان: و نلحظ إلى جانبهم الأحداث و تحدّيهم للنبي بطلب البينات.

نلحظ إذا تعدّد العناصر و إن ظل بعضها مهملا كصور الأشخاص. و نلحظ أن

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 73-79.

(2) سورة الشعراء، الآيات 141-159.

286

العنصر الجديد القوي هو عنصر الحوار. و نلحظ أن موضوع هذا الحوار هو الأمور التي كانت تشغل الذهن العربي وقت إرسال محمد عليه السلام و نزول القرآن الكريم كما نلحظ أن الحالة الموصوفة من فرقة و انقسام و صد الناس عن سبيل اللّه أو إتباع النبي إنما هي بعينها التي كانت تعانيها الجزيرة العربية في ذلك الوقت بالذات.

و إذا ما انتقلنا إلى قصة النمل و هي: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*`وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنََا مَكْراً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ*`فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*`فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خََاوِيَةً بِمََا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*`وَ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ (1) تبيّن لنا إلى أي حد كان القصص يجاري الدعوة الإسلامية و يتغذى بلبانها، إذ نلحظ هنا عنصرا جديدا هو عنصر الغرائز و العواطف و عنصر القضاء و القدر فقد بلغ الضيق حدّه بعد إذ تجاوزت الخصومة منتهاها و تطيّر القوم برسولهم إذ أصبح نذير فرقة و انقسام و كذب القوم الرسول و تحدّوه، فلم تأتهم البيّنة و لم ينزل بهم العذاب و إذا فليس هناك سوى طريق واحدة هي طريق الاغتيال، و من هنا كانت المؤامرة التي يراد بها القضاء على الرسول و كان المتآمرون‏ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ . و هنا يتدخل القدر فينجو النبي عليه السلام و يحل بقومه العذاب.

و هكذا نستطيع المضي في التدليل على الصلة بين الأثر الفني و البيئة أو بين الدعوة الإسلامية و قصص القرآن، و أن توزيع العناصر كان يتبع هذه الظروف في كل قصة. و لكنا نكتفي بهذا القدر و نبدأ فنستعرض العناصر في القصص القرآني كله و نترك الحديث عن توزيعها في القصة الواحدة إلى تحليلنا لقصة يوسف في فصل تطوّر القصة في القرآن.

و نبدأ فنعترف بأنا سنهمل الحديث عن الموضوعات من أفكار و آراء. فقد سبق أن

____________

(1) سورة النمل، الآيات 45-53.

287

تحدّثنا عن كل هذا في حديثنا عن القيم في الباب الأول من هذا البحث، و لذا نبدأ بالحديث عن الأشخاص.

أولا-الأشخاص‏

و لن نقصد هنا بالشخصيات الأناسي من عباد اللّه فنقصر الحديث عليهم، ذلك لأنا إنما نقصد إلى كل شخصية وقعت منها أحداث و صدرت عنها عبارات و أفكار أدت دورا إيجابيا في القصة و على هذا فسيكون من الشخصيات في القصص القرآني الملائكة و الجن، و سيكون منها الطيور و الحشرات ثم الأناسي من رجال و نساء.

1-الطيور و الحشرات:
و نبدأ هنا بالحديث عنها، و نلحظها في قصة واحدة هي قصة سليمان من سورة النمل، فنرى الهدهد و نرى النملة و نلحظ أنهما يقومان بما يقوم به الشخص العادي في القصة.

أما النملة فتحذّر أخواتها و تخيفهم من أن ينالهم الشر أو يصيبهم الأذى و لذا تطلب إليهم‏ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ* `فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا وَ قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبََادِكَ اَلصََّالِحِينَ (1) .

و أما الهدهد فيقف من سليمان موقف المطلع الذي يعرف من أخبار الممالك الأخرى ما يجهل النبي و الذي يعرف من أمر الملكة و قومها ما عدّ بالأمر الغريب لدى سليمان، حتى ليعتذر عن تخلّفه أو غيابه بقوله‏ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ و إليك المنظر من القصة: قال اللّه تعالى: وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ* `لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ*`فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقََالَ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ*`إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ*`وَجَدْتُهََا وَ قَوْمَهََا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ

____________

(1) سورة النمل، الآيتان 18-19.

288

فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ فَهُمْ لاََ يَهْتَدُونَ*`أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مََا تُخْفُونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ*`اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ*`قََالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ*`قََالَتْ يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ... (1) إلخ.

فالهدهد هنا يقظ متنبّه لكل ما يدور من الملكة و قومها من الناحية الدينية و هو يعجب من عبادتها للشمس و سجودها لها من دون اللّه و يرى أن الشيطان هو الذي زيّن لها هذا العمل و صدّها و قومها عن السبيل، بل يمضي إلى أبعد من هذا فيلفت الذهن إلى الأسباب التي تدفع إلى عبادة اللّه من إخراجه الخب‏ء و من علمه بما يخفي الناس و ما يعلنون.

و هذا الموقف من الهدهد هو الذي أوقع الرازي و غيره من المفسّرين في حيرة فقد نالهم العجب من صنع الهدهد الذي يدل على رجاحة عقله و نفاذ بصيرته و فهمه الأمور و فطنته إلى ما لم يفطن إليه سليمان. يقول الرازي في تفسيره للقصة: البحث الأول إن الملحدة طعنت في هذا القصة من وجوه... و ثالثها كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن و الإنس كانوا في طاعة سليمان و أنه- عليه السلام-كان ملك الدنيا بالكلية... و من أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان و بين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام. رابعا من أين حصل للهدهد معرفة اللّه تعالى و وجوب السجود له و إنكارهم سجودهم للشمس و إضافته إلى الشيطان و تزيينه.

و لو أن هؤلاء درسوا المسألة على أساس من الخلق الفني للشخصيات، و أنها ما وجدت إلا لتؤدي أدوارها في القصة لما وقعوا في تلك الحيرة، و لما كان دفاع و إتهام.

على أن المسألة قد تحتاج، من الجانب الفني، إلى شي‏ء من الإيضاح فنقول نلحظ في القصص الحديث أن بعض الأدوار الرئيسية في القصة تسند إلى الحيوانات و يكون الحيوان في مثل هذا القصص هو الشخصية الرئيسية التي تتوجه نحوها الأنظار و تلتفت إليها القلوب و الأسماع. و لعلنا لم ننس بعد شخصية «لاسي» ذلك الكلب الذي يضطلع

____________

(1) سورة النمل، الآيات 20-29.

289

بالبطولة في قصة «لاسي يعود إلى منزله» و هي بطولة تتجلى فيما يرتسم على وجهه من انفعالات إنسانية، و فيما يحرّكه من عواطف بشرية، و يتحرك لاسي في القصة كما يتحرك الإنسان النابه الممتاز الذي يملك رقة عواطف البشر و دقة إحساساتهم و يمتاز بما يمتاز به النابهون من ذكاء.

على أن المسألة لا تقتصر على الأدب الحديث، ففي الآداب القديمة ألوان و ألوان.

و يكفينا من الأدب العربي كتاب «كليلة و دمنة» ففيه المثل الصالحة للدلالة على ما يقوم به الطير و الحيوان من عمل، و ما ينطقان به من حكم و أمثال.

أعتقد أن السبب فيما وقع فيه هؤلاء المفسّرون من حيرة هو اضطرابهم بين ما يشاهدون و يلمسون، و بين ما يذهب إليه بعضهم من حديث عن عقيدة الخوارق و المعجزات.

2-الأرواح الخفية
: و الملائكة ناس من الناس يجيئون في الصورة البشرية و لا يفطن إليهم غيرهم إلا بعد مرحلة من مراحل القصة، كذلك كانوا في قصة إبراهيم و لوط و كذلك كانوا في قصة زكريا و مريم. و نعتقد أن قد كان ذلك في قصة داود عليه السلام.

جاء الملائكة إبراهيم و لوطا في زي الأضياف و قام كل منهما بما يعتقد أنه الواجب نحو ضيفه. أما إبراهيم فقد قام بواجب الإكرام فقدّم الطعام. و أما لوط فقد خشي المعرة و خاف العاقبة لو لا أن هدّأته الملائكة. و في كلا الموقفين كان إبراهيم و لوط يجهلان القوم و أنكرهما الأول. و هذه قصة كل منهما مع الملائكة قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ*`فَلَمََّا رَأى‏ََ أَيْدِيَهُمْ لاََ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ*`وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ*`قََالَتْ يََا وَيْلَتى‏ََ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ*`قََالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ رَحْمَتُ اَللََّهِ وَ بَرَكََاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ*`فَلَمََّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرََاهِيمَ اَلرَّوْعُ وَ جََاءَتْهُ اَلْبُشْرى‏ََ يُجََادِلُنََا فِي قَوْمِ لُوطٍ*`إِنَّ إِبْرََاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوََّاهٌ مُنِيبٌ*`يََا إِبْرََاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا إِنَّهُ قَدْ جََاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذََابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ*`وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضََاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قََالَ هََذََا يَوْمٌ

290

عَصِيبٌ*`وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ*`قََالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مََا نُرِيدُ*`قََالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ*`قََالُوا يََا لُوطُ إِنََّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهََا مََا أَصََابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ*`فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهََا حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ*`مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ مََا هِيَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (1) .

و جاء الملك مريم في زي البشر فاضطربت و خافت و استعاذت بالرحمن‏ وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهََا مَكََاناً شَرْقِيًّا*`فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجََاباً فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا*`قََالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمََنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا*`قََالَ إِنَّمََا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاََماً زَكِيًّا*`قََالَتْ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا*`قََالَ كَذََلِكِ قََالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنََّاسِ وَ رَحْمَةً مِنََّا وَ كََانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (2) .

و هكذا يسمع زكريا النداء و هو في المحراب و يدخل الملائكة على داود فيفزع و يقوم الملكان هاروت و ماروت بما يقوم به البشر فيعلمان الناس السحر و يقولان لهم‏ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ (3) .

و هكذا أيضا نلحظ أن الملائكة في القصص القرآني لا تأتي بالخوارق و لا تخرج عن حد المعقول في أكثر القصص الذي اضطلعت فيه بدور البطولة، خاصة في مثل ذلك الوقت الذي نزل فيه القرآن و الذي كان يمتلئ فيه العالم و خاصة في الجزيرة العربية بجو من الأوهام التي تضفي على الأرواح الخفية من القدرة على الأمور بما يخرج بها عن حد الشخصيات في القصص الواقعي أو المألوف إلى حد آخر ينسجه الخيال فتكون الشخصية خرافية أو خيالية.

____________

(1) سورة هود، الآيات 69-83.

(2) سورة مريم، الآيات 16-21.

(3) سورة البقرة، الآية 102.

291

و إذا ما تركنا الملائكة إلى الجن وجدنا صورا مبهمة غامضة لا تتمثل في صورة البشر و لا تأتي في أثواب الرجال. و من هنا كانوا جديرين بهذا الإطلاق «الأرواح الخفية» :

فإنا نلمس حركاتها و نسمع أقوالها و نلاحظ انفعالاتها و اضطراباتها النفسية فيما نقرأ و ما نسمع، و لكنا لا نشاهد صورها الحسية كما هو الحال مع الملائكة.

و الجن في ذكرها لآرائها التي تعرضها علينا تتحدث بما يتحدث به العربي في الجزيرة وقت مجي‏ء النبي عليه السلام و نزول القرآن فهي تخاف مما يخاف منه و تطمئن إلى ما إليه يطمئن، و تنصرف عما يريد القرآن للعربي أن ينصرف عنه.

و في الجن مؤمنون و كافرون كما في العرب، و هم يتجادلون و يتحاورون فيما يتجادل فيه النبي عليه السلام مع قومه أو فيما يتجادل فيه العرب بعضهم مع بعض مما يخص أمور الدعوة الإسلامية.

و سورة الجن تعرض علينا كل هذه الأمور كما يتخيّلها العربي في حياته إذ ذاك حتى ثواب المؤمنين من النوع البشري نفسه الذي يهم ساكن الصحراء وَ أَنََّا مِنَّا اَلْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا اَلْقََاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولََئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً*`وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً*`وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقاً*`لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً (1) .

و للجن صور أخرى في قصة سليمان هي الصور التي نجد صداها في الشعر الجاهلي قبل النبي العربي و بخاصة شعر النابغة. و الجن هنا ما بين غواص و بناء و مقرن في الأصفاد و صورتهم مبهمة غامضة على كل حال. فَسَخَّرْنََا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخََاءً حَيْثُ أَصََابَ*`وَ اَلشَّيََاطِينَ كُلَّ بَنََّاءٍ وَ غَوََّاصٍ*`وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ (2) وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ وَ أَسَلْنََا لَهُ عَيْنَ اَلْقِطْرِ وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنََا نُذِقْهُ مِنْ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ*`يَعْمَلُونَ لَهُ مََا

____________

(1) سورة الجن، الآيات 14-17.

(2) سورة ص، الآيات 36-38.

292

يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ اِعْمَلُوا آلَ دََاوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ*`فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلى‏ََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ (1) .

و أظننا نلمس فرقا بين الصورتين: فالصورة الأولى في سورة الجن أقرب إلى الصورة البشرية فيما تأخذ و ما تدع و فيما تقبل و ما ترفض من أفكار و آراء و أفعال و أعمال. و الصورة الثانية أقرب إلى ما كان يتخيّله العربي، أو إلى ما كان يسمعه عن الجن و الشياطين من حديث.

و لا ننسى هنا إبليس و صوره المعنوية واضحة و متعددة و موقفه من ربه في قصة الخلق و من آدم في قصة الخروج من الجنة يطلعاننا على تلك الذهنية الجبارة في الإيقاع بالناس في الشر و حيلتهم في التخلّص من التبعات كما ترينا الكبر و الاستكبار في أعنف موقف و أبرز صورة.

يقول اللّه تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ*`قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*`قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ اَلصََّاغِرِينَ*`قََالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ*`قََالَ إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ*`قََالَ فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ*`ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ*`قََالَ اُخْرُجْ مِنْهََا مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ*`وَ يََا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ فَكُلاََ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمََا وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ*`فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ لِيُبْدِيَ لَهُمََا مََا وُورِيَ عَنْهُمََا مِنْ سَوْآتِهِمََا وَ قََالَ مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ*`وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ*`فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمََا

____________

(1) سورة سبأ، الآيات 12-14.

293

سَوْآتُهُمََا وَ طَفِقََا يَخْصِفََانِ عَلَيْهِمََا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمََا إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمََا عَدُوٌّ مُبِينٌ*`قََالاََ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ*`قََالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ*`قََالَ فِيهََا تَحْيَوْنَ وَ فِيهََا تَمُوتُونَ وَ مِنْهََا تُخْرَجُونَ*`يََا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ*`يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ (1) . فإبليس هنا لا يسجد لآدم و هو يحاوره و يداوره و هو يتوعّد الجنس البشري بالإفساد و الضلال، و هو يتوجّه أول ما يتوجّه إلى آدم أبي البشر فما يزال به يغريه حتى أكل من الشجرة و خرج من الجنة و لن نجد أبلغ من وصف الرازي في الدلالة على قدرة إبليس و استعداد آدم في تعليقه على تلك القصة من سورة طه إذ يقول: «و اعلم أن واقعة آدم عجيبة و ذلك لأن اللّه تعالى رغّبه في دوام الراحة و انتظام المعيشة بقوله‏ فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ*`إِنَّ لَكَ أَلاََّ تَجُوعَ فِيهََا وَ لاََ تَعْرى‏ََ*`وَ أَنَّكَ لاََ تَظْمَؤُا فِيهََا وَ لاََ تَضْحى‏ََ (2) و رغّبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله‏ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ (3) ، و في انتظام المعيشة بقوله‏ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ (4) فكان الشي‏ء الذي رغّب اللّه آدم فيه هو الذي رغّبه إبليس فيه إلا أن اللّه تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، و إبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم-عليه السلام-مع كمال عقله و علمه بأن اللّه تعالى مولاه و ناصره و مربّيه و أعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له و عرّض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة و المقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عداوته له و أعرض عن قول اللّه تعالى مع علمه بأنه هو الناصر و المربي و من تأمّل في هذا الباب طال تعجّبه و عرف آخر الأمر

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 11-27.

(2) سورة طه، الآيات 117-119.

(3) نفس السورة، الآية 120.

(4) نفس السورة و الآية.

294

أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء اللّه و لا مانع منه و أن الدليل، و إن كان في غاية الظهور و نهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى اللّه تعالى ذلك و قدّره» .

و كلام الرازي مستقيم في تصوير موقف آدم من ربه و من إبليس، و في تصوير انتصار إبليس و اتباع آدم له، و إن كنا نختلف و إياه في الفقرة الأخيرة. فنحن نريد أن نفهم المسألة على أنها قصة رمزية تصوّر النزاع بين من آمن و من استكبر، و كيف يحاول الثاني أن يغلب الأول على أمره فيعده و يمنيه حتى يخرجه عن الطاعة و الإيمان و عند ذلك يتخلّف عنه و يقول له ما قاله الشيطان فيما صوّره القرآن الكريم في قوله تعالى: وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ مََا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (1) .

و نهاية القصة في القرآن الكريم تدل على ذلك، خاصة بعد أن وجّه القرآن الخطاب للمعاصرين للنبي عليه السلام.

و على كل فشخصية إبليس شخصية جبارة متكبّرة «يختلف عنفوانها و قسوتها باختلاف القصة التي تجي‏ء فيها و الدور الذي تلعبه. و هي-كغيرها من الشخصيات- تخضع لأثر البيئة و الظروف المحيطة و الأزمات القائمة بين النبي عليه السلام و معاصريه» .

3-الرجال‏
: و الرجال في القصص القرآني كثيرون منهم رسل و أنبياء كآدم و نوح و هود و صالح و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و شعيب و لوط و موسى و زكريا و يحيى و أيوب و غيرهم. و منهم أفراد عاديون أو ملوك و وزراء كفرعون و هامان و آزر و لقمان و العزيز و ابن نوح و إخوة يوسف و أصحابه في السجن. و يشترك هؤلاء جميعا في أن القرآن لم يقم وزنا لصفاتهم و مميزاتهم الحسية فلا طول و لا عرض و لا لون بشرة و لا ملامح و لا قسمات، من كل تلك الصفات التي تميّز شخصية عن أخرى و التي يلجأ إليها الباحث ليجعل منها معالم يهتدى بها بين الأجسام و العقول حين يؤثر أحدهما في صاحبه.

نعم نحن لا ننكر أن هناك بعض اللفتات إلى هذا الجانب من مثل قوله تعالى

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية 22.

295

وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي (1) و قوله‏ وَ نََادى‏ََ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قََالَ يََا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هََذِهِ اَلْأَنْهََارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ*`أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ (2) و من حيث دلالتها على لكنة موسى و من مثل قوله تعالى‏ وَ قََالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللََّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طََالُوتَ مَلِكاً قََالُوا أَنََّى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنََا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمََالِ قََالَ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاهُ عَلَيْكُمْ وَ زََادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ وَ اَللََّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ (3) . من حيث دلالتها على متانة الجسم. لكنها لفتات نادرة، و النادر لا حكم له فيما يقال.

و إذا ما عدونا الصفات الحسية إلى شي‏ء قريب منها و هو الأسماء لاحظنا ما يلي:

(1) يهمل القرآن الأسماء إهمالا تاما في القصص الذي يراد به التخويف و الذي يبرز فيه عنصر الحوادث و يختفي ما عداه، و ذلك كقصص الطور الأول و ذلك من أمثال قصص عاد و ثمود و قوم شعيب إذ نلحظ اسم الجماعة أو القوم و تختفي شخصية الرسول اختفاء يكاد يكون تاما، كما تختفي شخصية البطل لو كانت القصة دائرة حول فرد عادي غير نبي أو رسول و ذلك من أمثال قوله تعالى‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ*`فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ*`وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ*`سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ*`فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ (4) و قوله: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ*`وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (5) . و قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا

____________

(1) سورة طه، الآية 27.

(2) سورة الزخرف، الآيتان 51-52.

(3) سورة البقرة، الآية 247.

(4) سورة الحاقة، الآيات 4-8.

____________

(5) سورة الأعراف، الآيتان 175-176.

296

فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْماً فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ قََالَ أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) .

و نستطيع أن نذكر حكما عاما فنقول: إن القصص الذي يقصد فيه إلى التأثير بالأحداث تبرز فيه الحادثة و يختفي ما عداها و مما يختفي الأسماء و صور الأشخاص.

(2) في القصص الذي يبرز فيه عنصر الحوار، و الذي يقصد فيه القرآن إلى بث الآراء و الأفكار و تقرير الدعوة الإسلامية، ثم هدم العقائد الباطلة و محو أثرها من النفوس، يسلك القرآن طريقين: فهو حينا يهمل الأسماء إهمالا تاما و يكتفي ببعض الصفات المبهمة أو العامة، و ذلك من مثل قوله تعالى: وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جََاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ*`إِذْ أَرْسَلْنََا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمََا فَعَزَّزْنََا بِثََالِثٍ فَقََالُوا إِنََّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ*`قََالُوا مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ مََا أَنْزَلَ اَلرَّحْمََنُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَكْذِبُونَ*`قََالُوا رَبُّنََا يَعْلَمُ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ*`وَ مََا عَلَيْنََا إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ*`قََالُوا إِنََّا تَطَيَّرْنََا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ*`قََالُوا طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ*`وَ جََاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ََ قََالَ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ*`اِتَّبِعُوا مَنْ لاََ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ*`وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*`أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ لاََ تُغْنِ عَنِّي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاََ يُنْقِذُونِ*`إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ*`قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قََالَ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*`بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ*`وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ*`إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَإِذََا هُمْ خََامِدُونَ*`يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (2) و قوله: ثُمَّ أَنْشَأْنََا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ*`فَأَرْسَلْنََا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ*`وَ قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقََاءِ اَلْآخِرَةِ وَ أَتْرَفْنََاهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمََّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمََّا

____________

(1) سورة البقرة، الآية 259.

(2) سورة يس، الآيات 13-30.

غ

297

تَشْرَبُونَ*`وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخََاسِرُونَ*`أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُرََاباً وَ عِظََاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ*`هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ لِمََا تُوعَدُونَ*`إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ رَجُلٌ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً وَ مََا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ*`قََالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِمََا كَذَّبُونِ*`قََالَ عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنََاهُمْ غُثََاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (1) و قوله: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ وَ قََالُوا إِنََّا كَفَرْنََا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنََّا لَفِي شَكٍّ مِمََّا تَدْعُونَنََا إِلَيْهِ مُرِيبٍ*`قََالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى قََالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونََا عَمََّا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتُونََا بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ*`قََالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَمُنُّ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ وَ مََا كََانَ لَنََا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطََانٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ*`وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانََا سُبُلَنََا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ*`وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا فَأَوْحى‏ََ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ اَلظََّالِمِينَ*`وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي وَ خََافَ وَعِيدِ*`وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ*`مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ*`يَتَجَرَّعُهُ وَ لاََ يَكََادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكََانٍ وَ مََا هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرََائِهِ عَذََابٌ غَلِيظٌ (2) .

و هو حينا آخر يذكر الأسماء و لكنها في هذا الوضع تشبه الرموز التي جي‏ء بها ليتمكن القارئ أو السامع من متابعة الأفكار و الوقوف على مجرياتها. و لذا نلحظ في أمثال هذه القصص ذكر القوم أولا، ثم ذكر الألفاظ العامة المبهمة كلفظ المرسلين. ثم اسم البطل الرسول. و ذلك هو الواضح تماما في قصص سورة الشعراء، فتراه يقول‏ كَذَّبَتْ عََادٌ اَلْمُرْسَلِينَ (3) و هكذا. و نستطيع أن نكتفي هنا بمثل واحد لأنا نقلنا في الفصول السابقة

____________

(1) سورة المؤمنون، الآيات 31-41.

(2) سورة إبراهيم، الآيات 9-17.

(3) سورة الشعراء، الآية 123.

298

كثيرا من قصص هذه السورة. يقول اللّه تعالى‏ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`قََالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ*`قََالَ وَ مََا عِلْمِي بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ*`إِنْ حِسََابُهُمْ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ* `وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`قََالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمَرْجُومِينَ*`قََالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ*`فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ*`فَأَنْجَيْنََاهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ*`ثُمَّ أَغْرَقْنََا بَعْدُ اَلْبََاقِينَ*`إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

و على الجملة فالذي نستطيع قوله في مثل هذا القصص الذي يقصد فيه إلى الآراء و الأفكار، و الذي يتخذ فيه الحوار وسيلة إلى ذلك، إن عنصر الشخصية فيه يكاد أن يختفي لو لا بعض الأسماء و بعض الصفات، و إن العنصر القوي الذي يسير جنبا إلى جنب مع عنصر الحوار إنما هو عنصر الأحداث و إن يكن العنصر الثانوي.

أما في القصص الذي يقصد فيه إلى التنفيس و الإفاضة فإن الأمر يتغيّر تماما لا فيما يتعلق بالأسماء فقط، بل فيما يتعلق بتوزيع العناصر، إذ تبرز الشخصية بروزا قويا و إن تفاوت هذا بتفاوت الظروف و الأحداث. و نفصل هذا الأمر فنقول، قلنا في تدليلنا على أثر البيئة في اختيار الأشخاص، و ذلك عند حديثنا عن مصادر القصص القرآني، إن القرآن كان واقعيا في اختياره لعنصر الأشخاص، و إنه كان يكثر الحديث عن الأنبياء المعروفين و يدير حولهم القصص، و ذلك كموسى و إبراهيم، و إنه كان يهمل الآخرين حتى ليكون الحديث أو القصة بضع جمل، و ذلك كقصص أيوب و يونس. و قلنا إن القرآن كان يختار من الأحوال ما كان معروفا، و لكنه حين ينطق الأشخاص ينطقهم بما يتّفق و الدعوة الإسلامية.

و من هنا نستطيع أن نقول إن الأحداث التاريخية المعروفة هي التي تميّز إحدى الشخصيات عن الأخرى و إنه كلما كثرت الأحداث تميّزت الشخصية، و وضحت الصورة، و كلما قلت جرى الأمر على العكس، و جاءت الشخصية مبهمة غامضة حتى ليصح أن يقال إنها

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 105-122.

299

شخصية كل رسول، و إنها شخصية النبي العربي محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

و على هذا الأساس نستطيع أن نميّز صور موسى و إبراهيم و عيسى من أحداثهم، و موقفهم من أقوامهم، أو من أرسلوا إليهم في سهولة و يسر. و نستطيع أن نميّز شخصية نوح و صالح و لوط أحيانا، و لا نستطيع أن نميّزها أحيانا أخرى. و الواقع أنه لو لا بعض الأحداث المميّزة، كالطوفان و الناقة و العجوز، لأصبحت صور هؤلاء مبهمة غامضة.

أما صور هود و شعيب مثلا، و محاورتهم الأقوام فهي الصورة العامة التي تصلح لكل رسول كما قلنا، و هي التي تصلح للنبي العربي عليه السلام.

و يجب ألا ننسى في هذا المقام ما سبق أن ذكرناه عن حرية الفنان في حديثنا عن الصلة بين الأدب و التاريخ، إذ قلنا هناك إن هذه الحرية تتسع كلما أوغلنا في القدم، أو اخترنا من الشخصيات ما كان مجهولا، إذ عند ذلك لا تتعارض الصور الذهنية مع الصور الفنية، فيكون الإيحاء أقوى، و التأثير أشد، و هذا هو الذي نلاحظه بالضبط في تصوير القرآن لشخصيات الرسل و الأنبياء فقد كان يعطي لنفسه الحرية التامة حين تكون المعلومات العامة عن الشخصية معدومة أو في حكمها، فيتحدّث عن الأمور التي يقصد إليها في الدعوة الإسلامية. و من هنا كان يتجاوز الأسماء و الصفات الحسية و يجنح إلى الإجمال و الإبهام ليؤثّر الأثر المطلوب.

فإذا كانت تصرّفات الأشخاص حيال الأحداث التي تلم بهم تدلّنا على عقليتهم و مزاجهم، كان من المتوقّع أن نرى فروقا بين هذه الشخصيات على هذا الأساس و هذا هو الذي حدث عند القدماء، فنلحظ أنهم يقولون عن شعيب و موقفه من قومه في تفسيرهم لسورة هود إنه خطيب الأنبياء، و نلحظ شيئا مثل هذا من حديثهم في أسباب النزول لآية مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ (1) عن نوح و إبراهيم و موسى و عيسى حين يقولون: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري قال أخبرنا حاجب بن أحمد قال حدّثنا أبو معاوية عن الأعشى عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد اللّه قال: لما كان يوم بدر و جي‏ء بالأسرى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟فقال

____________

(1) سورة الأنفال، الآية 67.

300

أبو بكر: يا رسول اللّه قومك و أصلك استبقهم و استأن بهم لعل اللّه عزّ و جل يتوب عليهم، و قال عمر: كذّبوك و أخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم، و قال عبد اللّه بن رواحة: يا رسول اللّه انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم اضرب عليهم نارا، فقال العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يجبهم ثم دخل، فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر و قال ناس يأخذ بقول عمر و قال ناس يأخذ بقول عبد اللّه، ثم خرج عليهم فقال: إن اللّه عزّ و جل ليليّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن و إن اللّه عزّ و جل ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، و إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) . و إن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال‏ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (2) ، و إن مثلك يا عمر كمثل موسى قال‏ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى‏ََ أَمْوََالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ (3) ، و مثلك يا عمر كمثل نوح وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً (4) .

إذ نلحظ وصفهم لإبراهيم و عيسى بالرقة و الرحمة، و وصفهم لموسى و نوح بالشدة و القسوة، و لكنا لا نريد أن نسلم بكل هذا إذ هي اللمحات التي تلمح سراعا ثم يتركها الإنسان دون فحص و تدقيق، إذ الواقع أن المشابهة بين تصرّفاتهم و أقوالهم وقعت كثيرا و في مواطن مختلفة، حتى لقد لحظ الرازي هذه المشابهة بين شخصيتين قويتين و في أكثر من موطن قال عند تفسيره لقوله تعالى: أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَ لاََ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً (5) ما يأتي: أما قوله‏ أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَ لاََ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً فهذا استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم و لا تنفع و لا تضر، و هذا يدل على أن الإله لا بد و أن يكون موصوفا بهذه الصفات و هو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام‏ لِمَ تَعْبُدُ

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية 36.

(2) سورة المائدة، الآية 118.

(3) سورة يونس، الآية 88.

(4) سورة نوح، الآية 26.

(5) سورة طه، الآية 89.

301

مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (1) و إن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعوّل إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام. و قال عند تفسيره لقوله تعالى: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قََالَ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ (2) ما يأتي: أما قوله‏ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام‏ إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي سَيَهْدِينِ (3) ، و موسى عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال و الجواب و الدعاء و التضرّع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، و هكذا الخلف الصادق للسلف الصالح صلوات اللّه عليهم.

و لا نريد أن نعلّل المشابهة بما علّلها به الرازي من أن موسى يعوّل على دلائل جده، و أن تلك سنة السلف الصالح، و إنما نذهب إلى شي‏ء آخر هو أن تلك المشابهة قامت لأن تلك الدلائل التي يرمي إليها القرآن لتقرير الدعوة و هدم الأوثان، و إن الظروف المحيطة بالنبي العربي هي التي كانت السبب في أن ينزل القرآن بمثل هذه الآيات. و سنشرح المسألة بتفصيل عند حديثنا عن القصص القرآني و نفسية النبي العربي إن شاء اللّه.

و نستطيع أن نقول إن شخصيات الرجال في القصص القرآني تتميز بالأحداث التاريخية المعروفة و لا تتميز بالصفات المعنوية من خلق و مزاج، و إنا لو حاولنا فهم ما يعرض لكل منهم من انفعالات نفسية و تأثّرات عاطفية فلا بد لنا من فهم الظروف المحيطة بالنبي العربي، و العوامل المؤثّرة في الدعوة الإسلامية إذ هي التي تفصح لنا عن المواقف التي توضح لنا شخصية البطل و تجلّي صورته. و هذا هو الذي يتمشى مع القصد العام لهذا اللون من القصص و هو التنفيس و تخفيف الضغط العاطفي و إنه ليتحقق كل هذا و لا بد و أن تتشابه المواقف و تتماثل الظروف.

و إذا أردنا أن نختار إحدى الشخصيات لندرسها و نوضح صورتها فلن نجد خيرا من شخصية يوسف. ذلك لأنها شخصية فنية واضحة الصورة، بارزة المعالم

____________

(1) سورة مريم، الآية 42.

(2) سورة القصص، الآية 22.

(3) سورة الصافات، الآية 99.

302

و السمات تصلح أن تكون نموذجا لرسم الشخصيات و تصويرها على أحسن ما جاءت في القرآن.

و نلقى يوسف أول ما نلقاه فتى صغير السن يجلس إلى أبيه ليقص عليه رؤياه‏ إِذْ قََالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يََا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ (1) ؛ و يسمع الوالد ثم يعلّق بما يشاء؛ و نفهم من التعليق أن يوسف محل حسد إخوته و أنه من أجل هذا سيلقى عنتا و بلاء.

و نرى يوسف و هو في غياهب الجب، و قد التقطه القوم و نراه و قد بيع، و هو في كل هذا يقف موقفا سلبيا لا يفصح عن عقليته أو عن خلقه و مزاجه. و إن كنا نحس أن الحظ قد التفت إلى ذلك البدوي و أنه في منزل سيد يريد أن يتخذه ولدا و أن عين الإله قد رعته فمكّنت له في الأرض و علّمته من تأويل الأحاديث.

ثم نلحظ يوسف و قد بلغ أشده و أوتي العلم و الحكمة و بدأ يتصرف التصرّف الذي يدلنا على الخلق و المزاج.

و يوسف-قبل كل شي‏ء-فتى تغيرت بيئته الاجتماعية فنزل الحضر بعد إذ كان باديا، و نزل في بيت تظهر فيه النعمة و الثراء، نزل في بيت العزيز، و هو من البيوت المرموقة من القوم في ذلك الزمان. و حمل يوسف معه من البادية أخلاق البداة و صفات الرعاة.

و لاحظ يوسف-من غير شك-الفروق القائمة بين بيئته الأولى تلك و أحدث له هذا- من غير شك-شيئا من الاضطراب.

و نلحظ من مقام يوسف في بيت العزيز شيئا من الصلة بين السادة و الأتباع فالعزيز يوصي به خيرا، و يتوقع أن تكون منزلته بينهم منزلة الأبناء من الآباء.

و يوسف فتى مليح الوجه، حلو القسمات، جميل الصورة إلى حد الفتنة و الإغراء.

تقع في حبه أولا امرأة العزيز ثم بعدها جمع من كريمات النساء.

و يوسف فتى فاضل، يعرف للبيت حرمته و يحرص على الوفاء لسيده. تراوده التي

____________

(1) سورة يوسف، الآية 4.

303

هو في بيتها عن نفسه فتتنازعه العواطف، و لكنه يكبت غرائزه و يميت شهواته لينتصر ما في قلبه من حب للخير و صدق في العهد و إيمان بحق البيت و حرمته. و يتكرر الموقف و يحس الفتى بما في نفسه من نزعات بشرية و يخيّر فيختار. يخيّر بين السجن أو التورّط في الإثم فيقول‏ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمََّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (1) و إلا كانت الصبوة و كان الجهل و الهلاك.

و يوسف رجل متدين، قد أوتي العلم و الحكمة و تفسير الأحلام، ثم هو رجل محظوظ يدخل السجن فيدخل معه من القصر فتيان، و يطلبان إليه تفسير الرؤى و يحاول أن يفيدهم فيعقد بينه و بينهم عواطف الإلف و المحبة و يدعوهم إلى عبادة الواحد الديان، و يطلب إلى واحد منهم، بعد تفسيره الرؤيا، أن يذكره عند ربه و لكن الزمن قد مضى دون ذكر أو انتباه. و يرى الملك رؤياه، و يسعف الحظ يوسف فتتحول نحوه الأبصار و الأسماع، و يحرص يوسف على إزالة ما علق بسمعته من أدران و أقذار، و تعاد المسألة مرة ثانية بين يدي الحاكم، و هو في هذه المرة رب البلاد و ينتصر يوسف و يعرفه الملك فيختاره لنفسه، و يطلب منه يوسف أن يجعله على خزائن البلاد، و يستجيب الملك و يتصرف في خزائن الأرض فينقذ البلاد و ما جاورها من بلاء و أي بلاء.

و يوسف رجل حريص نهاز للفرص يحضر إليه إخوته فيعرفهم و يذكر ما كان بينهم و بينه من كيد و مكر، و يحاول أن يحتال عليهم و يسعفه من طبعه الفطنة فيطلب إليهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم، و بعدئذ يتحقق القصد حيث يكيد لهم بأن يجعل السقاية في رحل أخيه، و يبدأ بأوعيتهم قبل وعائه، و يرى القوم الواقعة، و لا يفطنون إلى الحيلة فيذكرون ما كان بينهم و بين أبيهم من عهد و حرص على الوفاء، و ينتهي الأمر إلى المصارحة و إلى استحضار أبويه و أهله من بادية الشام.

و يستقبل يوسف أباه بما في نفسه من عواطف البر و الحنان و عواطف التقى و الإيمان و يرفع يوسف أبويه على العرش و يتوجه إلى ربه بالدعاء و الابتهال.

____________

(1) سورة يوسف، الآية 33.

غ

304

و أخيرا فإن شخصية يوسف تمثل شخصية كثيرين من الإسرائيليين الذين يتركون أوطانهم و ينتقلون إلى غيرها فينبه شأنهم و يعلو صيتهم، و ينهضون نهضات اقتصادية تمكّن لهم و تجعلهم أهلا لما تطلق عليهم من أنهم ملوك المال.

4-شخصيات النساء
: و شخصيات النساء في القصص القرآني يجمعها و الرجال صفات، و يفرّقها عنهم صفات، و إن كنا نلحظ أن شخصيات النساء أكثر وضوحا و تعبيرا من شخصيات الرجال.

(1) و الأمر الأول الذي يستوي فيه أولئك و هؤلاء و هو العدول عن الصفات الحسية و الجثمانية، تلك التي تميز فردا عن فرد، و التي توضح العلاقة بين المنظر الخارجي و الصفات القلبية كالقصر و المكر و الطول و عرض الأكتاف مع الغفلة و البله و غير ذلك من علاقات.

(2) و ثاني الأمور هو العدول عن التسمية و إن اختلفت العلة هنا عنها هناك. فقد كنا نرى الأمر بالنسبة للرجال عدم الاهتمام بالشخصية كعنصر رئيسي في القصة و نرى العدول عنها إلى غيرها من العناصر كالأحداث و الحوار. و لكنا هنا نجد للمسألة تعليلا آخر هو سلطان البيئة و الحرص على مراعاة التقاليد المعروفة في البيئة العربية إذ ذاك. و الذي يدفعنا إلى هذا التعليل هو ما نلاحظه من أن هذه الشخصيات النسائية قد قصد إليها قصدا لتؤدي أدوارا بعينها في القصة، و لم يجي‏ء بها لتكون رموزا أو كالرمز لتجري على لسانها الأفكار و الآراء.

قصد القرآن إلى هذه الشخصيات كما هو الواضح من قصصه لكن البيئة كانت تحرص على تقليدين: الأول أن تكون المرأة تابعة للرجل. و الثاني ألا يذكر اسمها عاريا حين تتناول بالحديث في أي موقف و بين قوم كلهم من الرجال.

و يتضح الأمر الأول من موقف القرآن من حواء، فهو لم يذكر اسمها و لا مرة واحدة و هو الأمر الذي قد يدعو إلى العجب، خاصة و هي أم البشرية، و أول امرأة في هذه الحياة. ثم هي التي ساعدت على إخراج آدم من الجنة حين أغوته بالأكل من الشجرة كما تقول التوراة.