الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
305

و عدول القرآن عن التسمية مقصود من غير شك. و عدوله عن أن تكون البطلة في الغواية و الإخراج مقصود كذلك من القرآن. فقد صوّرها تابعة لآدم في كل شي‏ء، تابعة له في النهي عن الأكل من الشجرة، و تابعة له في الأكل و في الخروج. و تلك التبعية هي التي كان يحرص عليها في البيئة العربية إذ ذاك.

و تتضح المسألة في الأمرين من استعراضنا لشخصيات النساء الواردة في قصص القرآن. فنلحظ أنه يعبّر عنها بالمرأة دائما، و سواء في ذلك المتزوجات و غير المتزوجات. فهي إن كانت متزوجة امرأة فلان، كامرأة نوح و امرأة لوط و امرأة إبراهيم و امرأة عمران و امرأة العزيز و امرأة فرعون و إن كانت غير متزوجة أطلقت من هذا القيد فملكة سبأ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (1) و ابنتا الشيخ‏ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ (2) . و مرة واحدة يعدل القرآن عن هذه الطريقة إلى التسمية المباشرة و ذلك عند حديثه عن مريم و لم يكن ذلك إلا لظروف خاصة قاهرة. فقد كان القوم يعتقدون أن عيسى ابن اللّه. و كان القرآن يحاول القضاء على تلك العقيدة الباطلة و يثبت مكانها أمرا آخر هو أنه ابن مريم و أنه ولد من غير أب، و أن مثله في ذلك كمثل آدم عليه السلام. و من هنا صرّح القرآن بالاسم عاريا و من هنا كرّره و كرّره على أنه ابن مريم و معنى ذلك أنه ليس ابن اللّه.

و في غير هذين تختلف المرأة عن الرجل في الدور الذي تلعبه و في الصورة التي يرسمها لها القرآن. تختلف أولا في أنها لم تأخذ دورا رئيسيا في أية قصة من قصص القرآن، فأدوار المرأة دائما أدوار ثانوية حتى مع مريم و حواء.

و تختلف ثانيا في أن المرأة و لو أنها تلعب دورا ثانويا في القصة، إلا أنها واضحة الصورة متميزة المعالم، و لكل منها طابعها الخاص.

فتذهب امرأة فرعون مثلا بما في المرأة من حرص على الأمومة و ما يصاحب هذه الأمومة من بر و حنان، و نلحظ ذلك من موقفها من موسى عليه السلام: وَ قََالَتِ اِمْرَأَتُ

____________

(1) سورة النمل، الآية 23.

(2) سورة القصص، الآية 23.

306

فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لاََ تَقْتُلُوهُ عَسى‏ََ أَنْ يَنْفَعَنََا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ (1) .

و تذهب امرأة العزيز بما في المرأة من أنوثة مكتملة، و ما يصاحب هذه الأنوثة من محبة للجمال و حرص على الفتنة و الإغراء، و نلحظ ذلك من موقفها من يوسف ذلك الموقف الذي صوّره القرآن‏ وَ رََاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهََا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوََابَ وَ قََالَتْ هَيْتَ لَكَ قََالَ مَعََاذَ اَللََّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوََايَ إِنَّهُ لاََ يُفْلِحُ اَلظََّالِمُونَ*`وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا لَوْ لاََ أَنْ رَأى‏ََ بُرْهََانَ رَبِّهِ كَذََلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشََاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ* `وَ اِسْتَبَقَا اَلْبََابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيََا سَيِّدَهََا لَدَى اَلْبََابِ قََالَتْ مََا جَزََاءُ مَنْ أَرََادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاََّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (2) إلخ. و إن يكن إلى جانب هذه الأنوثة المكتملة التي يحوطها المكر و الدهاء وسعة الحيلة حرص على أن يكون عندها شي‏ء من عزة النفس و الاعتراف بالأخطاء و بيان أن ما وقعت فيه كان من الأمور التي لم يكن لها إلى دفعها قدرة أو سلطان و نلحظ ذلك من سحر الجمال و فتنته حتى لقد خضع له عواذلها من النساء. وَ قََالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرََاوِدُ فَتََاهََا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهََا حُبًّا إِنََّا لَنَرََاهََا فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`فَلَمََّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وََاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قََالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمََّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حََاشَ لِلََّهِ مََا هََذََا بَشَراً إِنْ هََذََا إِلاََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ*`قََالَتْ فَذََلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مََا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصََّاغِرِينَ (3) .

كما نلحظه من حرصها على الفضل و اعترافها بما اقترفت من إثم و محاولتها تبرئة الفتى يوسف بين يدي المليك حين وجّه إليها السؤال‏ قََالَ مََا خَطْبُكُنَّ إِذْ رََاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حََاشَ لِلََّهِ مََا عَلِمْنََا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قََالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصََّادِقِينَ*`ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي كَيْدَ

____________

(1) سورة القصص، الآية 9.

(2) سورة يوسف: الآيات 23-25.

(3) نفس السورة، الآية 30.

307

اَلْخََائِنِينَ*`وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاََّ مََا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) .

و تذهب ابنتا الشيخ بما في الأنثى من محبة للفتوة و إعجاب بها و بما فيها من خفر و حياء و نلحظ أن هذا الحياء يدفعهن إلى الحيلة فيحتلن على أبيهن و على الفتى موسى حتى أقام بينهن و تزوج إحداهن ثم رحل بها إلى حيث أراد اللّه. و يصوّر القرآن في هذه الآيات وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ اَلنََّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ قََالَ مََا خَطْبُكُمََا قََالَتََا لاََ نَسْقِي حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ وَ أَبُونََا شَيْخٌ كَبِيرٌ*`فَسَقى‏ََ لَهُمََا ثُمَّ تَوَلََّى إِلَى اَلظِّلِّ فَقََالَ رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ*`فَجََاءَتْهُ إِحْدََاهُمََا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيََاءٍ قََالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مََا سَقَيْتَ لَنََا فَلَمََّا جََاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ قََالَ لاََ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ*`قََالَتْ إِحْدََاهُمََا يََا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ*`قََالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`قََالَ ذََلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ (2) .

و تذهب مريم بما في المرأة من حرص على الشرف و العفاف، فهي تخشى الفضيحة و العار و تخاف من رسول ربها حين يتمثل لها بشرا فتستعيذه باللّه إن كان تقيا و هي لا تفهم مطلقا أن يكون لها ولد و لم يمسسها بشر ثم هي ليست بالبغي التي قد يدور بخلدها شي‏ء من ذلك‏ وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهََا مَكََاناً شَرْقِيًّا*`فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجََاباً فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا*`قََالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمََنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا*`قََالَ إِنَّمََا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاََماً زَكِيًّا*`قََالَتْ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا*`قََالَ كَذََلِكِ قََالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنََّاسِ وَ رَحْمَةً مِنََّا وَ كََانَ أَمْراً مَقْضِيًّا*`فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكََاناً قَصِيًّا*`فَأَجََاءَهَا اَلْمَخََاضُ إِلى‏ََ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ قََالَتْ

____________

(1) سورة يوسف، الآيات 51-53.

(2) سورة القصص، الآيات 23-28.

308

يََا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هََذََا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (1) .

و تذهب ملكة سبأ بما في المرأة من ضعف مستحب، و ما فيها من سعة الحيلة و حسن السياسة، تلين إلى درجة تشبه الضعف، و تستسلم إلى حد يكاد يكون خضوعا، و هي المالكة لناصية الحال، ترسل الهدية إلى الملك لتكتسب بها يدا عنده، لكنه يرفض و يأبي عليها إلا أن تأتي إليه، فتذهب إلى الملك كالمستسلمة و تعلن أمامه أنها قد ظلمت نفسها ثم تعترف بأنها قد أسلمت معه للّه رب العالمين.

و لسنا بحاجة إلى الحديث عن امرأة عمران و عاطفتها الدينية و نذرها ما في بطنها محررا. و لا إلى الحديث عن امرأة إبراهيم و عجبها من أن يكون لها ولد و بعلها شيخ و هي عجوز عقيم. و لا إلى الحديث عن موقف كل من امرأة نوح و امرأة نوح و امرأة لوط، لأن كل هذه لفتات و صور واضحة لا تحتاج إلى وقوف طويل.

و ننتهي من الحديث عن الشخصيات في القصص القرآني بقولنا:

(1) إن مذهب القرآن في رسمها و تصويرها كان المذهب غير المباشر و هو الذي يذهب فيه القاص إلى عرض الشخوص في تفكيرهم و أعمالهم و حركاتهم، و يترك لنا نحن التعرّف إليها من طرق تفكيرها و نهج أعمالها و سبحات روحها حتى لكأنها الشخص الذي نعاشره منذ زمن، فعرفنا خلقه و مزاجه و طوايا عقله و خبايا فؤاده.

(2) إن شخصيات النساء كانت تسيّرها الغرائز و العواطف الأولية. أما شخصيات الرجال، من غير الأنبياء، فكانت تسيّرها المصالح الخاصة و العقائد الباطنية و النزعات النفسية و الإهواء. و من هنا كانوا خليطا تخضع كل مجموعة منها لمؤثر من هذه المؤثرات. أما شخصيات الرسل فكانت تسيّرها المثل العليا و المبادئ الدينية و من هنا تشابهت صفاتهم العقلية و حركاتهم الفكرية و جرى على ألسنة الكثيرين منهم عبارات بعينها متحدة الصورة أو متقاربتها، و إن كانوا، بين فترة و أخرى، يخضعون لما يخضع له غيرهم من الجنس البشري فيغضبون و يفرحون و يتناولون الأعداء بالذم و يتوجهون إلى اللّه بالدعاء عليهم،

____________

(1) سورة مريم، الآيات 16-23.

309

حتى لقد يصل الأمر أحيانا إلى درجة مخالفة المبادئ الدينية أو تعاليم العلي العظيم فآدم عصى ربه و نسي فلم نجد له عزما وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ََ (1) . وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (2) .

و يوسف يحتال على إخوته و يجعل السقاية في رحل واحد منهم‏ فَلَمََّا جَهَّزَهُمْ بِجَهََازِهِمْ جَعَلَ اَلسِّقََايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسََارِقُونَ (3) .

و سليمان يحتال لتكشف ملكة سبأ عن ساقيها فيقول‏ قََالَ نَكِّرُوا لَهََا عَرْشَهََا نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ اَلَّذِينَ لاََ يَهْتَدُونَ*`فَلَمََّا جََاءَتْ قِيلَ أَ هََكَذََا عَرْشُكِ قََالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَ أُوتِينَا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهََا وَ كُنََّا مُسْلِمِينَ*`وَ صَدَّهََا مََا كََانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنَّهََا كََانَتْ مِنْ قَوْمٍ كََافِرِينَ*`قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي اَلصَّرْحَ فَلَمََّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ سََاقَيْهََا قََالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوََارِيرَ (4) .

(3) إن تصوير الشخصيات في القصص القرآني، خاصة في عهده الأول، لم يكن بالأمر الذي يعنى به، و لعل القرآن في هذا اللون يمثل المذهب الفني في رسم الأشخاص عند قاصّي العربية فقد كان القوم يهتمون بالحادثة أكثر من اهتمامهم بالبطل، و يهتمون بالفكرة و الرأي أكثر من اهتمامهم بالأشخاص، و هذا هو الواضح تماما فيما روي عن العرب من قصص. فنجد في العقد الفريد بعض هذه النوادر التي و إن تكن إسلامية إلا أنها قد حافظت، إلى حد ما، على الشكل و الصورة في لون من ألوان القصص و النوادر.

(4) إن القرآن في حديثه عن الأشخاص كان يختار من مواقفهم ما يتفق و أحوال النبي العربي ليثبت نفسه و يسرّي عنها ما ألمّ بها من حزن و ألم، كما كان يختار من أحوالهم، أو يجري على ألسنتهم ما يشرح عقائد الدعوة الإسلامية و يؤيّد مبادئها. و من هنا

____________

(1) سورة طه، الآية 121.

(2) نفس السورة، الآية 115.

(3) سورة يوسف، الآية 70.

(4) سورة النمل، الآيات 41-44.

غ

310

كانت شخصية النبي عليه السلام هي الأساس أو العامل الأول في الاختيار، و من هنا أيضا تقاربت الصورة و اتّحدت في كثير من الأجزاء. و هذا يلقي في الروع أن شخصية النبي العربي قد وضحت في هذا القصص أكثر من صورة غيره من الرسل و الأنبياء، و ذلك هو الذي سنشرحه بتفصيل عند حديثنا عن القصص القرآني و نفسية الرسول عليه السلام.

ثانيا-الحوادث‏

و الصلة بين الحوادث و الشخصيات في القصة أقوى من أن يدلل عليها أو يلفت الذهن إليها، ذلك لأنهما العنصران الرئيسيان في كل قصة، ثم نحن لا نستطيع أن نتصور شخصا من غير أحداث تلم به أو تقع عليه. نعم نحن لا ننكر أن القصة في القرآن لقصرها قد تجعل العنصر البارز في تكوينها عنصر الحوادث، و قد تبهم عنصر الأشخاص و تجعله عاما غامضا لكن ذلك لا يدفع إلى التسليم بخلو القصة من هذا العنصر مهما يبرز العنصر الآخر و يقف وحده في الميدان.

و طبيعة الأحداث في القصص القرآني مختلفة فهناك:

أولا-ذلك النوع من الأحداث الذي يكون نتيجة تدخّل عنصر القضاء و القدر في القصة، فقد يجي‏ء الرسول فيكذبه القوم و يطلبون إليه أن يأتي بالآيات البيّنات التي تدل على صدق دعوته و صحة رسالته، و تأتيهم الآيات، لكنهم ينصرفون عنها و يظلون عند موقفهم الأول من الكفر و العناد. و قد يصل الأمر أحيانا إلى الحجاج في طلب الآيات و المعجزات، فتتعقد الأمور و يشق على الرسول ما وصل إليه الأمر خاصة إذا كان نصيبه منهم التهديد بالقتل و الاغتيال إذ عند ذلك يتقدم الإله الذي تفضل عليه بالاختيار و على قومه بإرساله إليهم هاديا و بشيرا، فينزل عليهم غضبه و يصب عليهم نقمته جزاء ما قدمت أيديهم من مكر و كيد. و ذلك من أمثال ما تصوّره هذه القصة كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَ تُتْرَكُونَ فِي مََا هََاهُنََا آمِنِينَ*`فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ*`وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً فََارِهِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ*`اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا إِنَّمََا

311

أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ*`مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ هََذِهِ نََاقَةٌ لَهََا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*`وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`فَعَقَرُوهََا فَأَصْبَحُوا نََادِمِينَ*`فَأَخَذَهُمُ اَلْعَذََابُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً وَ مََا كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ*`وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (1) .

و ثانيا-ذلك النوع من الأحداث الذي يعتبر من الخوارق أو المعجزات و هي الأمور التي يجريها اللّه على أيدي الرسل أو يحدثها في الكون استجابة لدعوة أحدهم حين التحدي و طلب البيّنة و ذلك من أمثال الأمور الواردة في هذه القصة إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ََ وََالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ تُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهََا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ اَلْمَوْتى‏ََ بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَقََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ* `وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى اَلْحَوََارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قََالُوا آمَنََّا وَ اِشْهَدْ بِأَنَّنََا مُسْلِمُونَ*`إِذْ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ قََالَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*`قََالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهََا وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنََا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنََا وَ نَكُونَ عَلَيْهََا مِنَ اَلشََّاهِدِينَ*`قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اَللََّهُمَّ رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ تَكُونُ لَنََا عِيداً لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا وَ آيَةً مِنْكَ وَ اُرْزُقْنََا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ*`قََالَ اَللََّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهََا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذََاباً لاََ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ (2) .

و إيراد هذين النوعين في غير القصص القرآني أو القصص الديني يخرج به عن واقعيته و مألوفه و يجعله قصصا خياليا، لكنه هنا يبقى على ما هو عليه من واقعي و مألوف، ذلك لأن القوم كانوا يعتقدون بكل هذا فيطلبون المعجزات للتصديق و يؤمنون بغضب الآلهة حين المخالفة. و من هنا كانوا يتحدون الأنبياء حين لا يطمئنون إليهم و حين يرونهم غير أهل للتصديق و ذلك هو الواضح من قول قوم شعيب له‏ قََالُوا إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 141-158.

(2) سورة المائدة، الآيات 110-115.

312

* وَ مََا أَنْتَ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`فَأَسْقِطْ عَلَيْنََا كِسَفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمََا تَعْمَلُونَ*`فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذََابُ يَوْمِ اَلظُّلَّةِ إِنَّهُ كََانَ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (1) و من قول قوم محمد عليه السلام‏ وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (2) .

و موقف القرآن من هذين النوعين موقف يدعو إلى الإعجاب، فقد وقف عند الأحداث المعروفة للرسل و الأقوام، و كان في هذا الصنيع منه كسب عظيم للحياة العقلية و الفكرية في ذلك الزمان و ما تلاه، فقد كان القوم يربطون بين تلك الأمور و بين كل دعوة يقصد منها إلى الرقي الفكري و التقدّم الاجتماعي حتى لكأن كل رسول في عرفهم من الأحداث من خارق أو إنزال عذاب، و كان هذا الربط قليل النفع، عديم الجدوى من حيث الإقناع و الإلزام، و إلى هذا قصد القرآن الكريم حين قال‏ وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (3) و لقد كان الأمر يحتاج إلى شي‏ء من المهارة في سوق الجماعة نحو هذا الرأي في ذلك الوقت الذي كان يمتلئ فيه العالم العربي بجو من الخرافات و الأوهام و لذا عمد القرآن إلى الوقوف من هذه الأحداث عند هذا الحد أو اكتفى بالاعتماد على الواقع النفسي، و لم يعمد إلى الخلق الفني أو إلى الاختراع و الابتكار، و فصل بين الأمرين فلم يجعل الرسالة متوقفة على المعجزات‏ وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هََادٍ (4) .

و صرّح بأنه قد منع هذه البيّنات حتى لا يكون تكذيب فعذاب‏ وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهََا وَ مََا نُرْسِلُ

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 185-189.

(2) سورة الأنفال، الآية 32.

(3) سورة الأنعام، الآية 111.

(4) سورة الرعد، الآية 7.

313

بِالْآيََاتِ إِلاََّ تَخْوِيفاً (1) .

غير أنّا مع إعجابنا منه بهذا الموقف من هذه الوجهة نلحظ أنه قد حدّد الحرية و جعل العمل الفني محصورا في رسم الحادثة و عرض الصورة و هذا بدوره مع اعتماد القرآن على التكرار كوسيلة من وسائل الإقناع دفع إلى شيئين:

(أ) إنطاق الأشخاص المختلفين بعبارات واحدة نحو قوله‏ إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (2) و قول صالح‏ إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صََالِحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (3) .

(ب) التفنّن في العرض و التنويع في الرسم، فيصوّر الحادثة الواحدة بصور مختلفة و يعبّر عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة. و كل تلك الظواهر لحظها القدماء و إن لم يوفّقوا في تعليلها، و قد سبق لنا أن ذكرنا أشياء عنها في حديثنا عن المعاني التاريخية.

ثالثا-أما النوع الثالث و الأخير، فهو تلك الأحداث العادية أو المألوفة التي وقعت للأبطال رسلا كانوا أم غير رسل باعتبارهم أفرادا من الناس يأكلون و يشربون و يمشون في الأسواق و القصص القرآني ملي‏ء بهذا النوع من الأحداث، و لعل خير ما يمثّله قصة يوسف عليه السلام.

و هذا النوع لم يقف فيه القرآن عند حد رسم الحادثة و عرض صورتها بل جاوز ذلك إلى عملية الخلق الفني الأدبي. و قد أشرنا إلى شي‏ء من ذلك عند حديثنا عن القصة التمثيلية و يكفي هنا أن نلفت الذهن إلى أمور أخرى من مثل حديث الهدهد و النملة و من الالتفات الواقع في ثنايا القصص القرآني نحو أمور لم تقع بعد كالحديث بين عيسى

____________

(1) سورة الإسراء، الآية 59.

(2) سورة الشعراء، الآيات 124-127.

(3) نفس السورة، الآيات 142-145.

314

و خالقه، و الحديث بين المستضعفين و المستكبرين مما صوّر على أنه سيحدث في الآخرة إن شاء اللّه.

و ننتقل الآن إلى أمر آخر غير طبيعة الأحداث هو الربط بينها أو تسلسلها و لن نعيد هنا مرة ثانية الحديث عن قيد و عدم اهتمام القرآن به بعد أن وضّحنا القصد القرآني عند حديثنا عن القيم التاريخية، و بعد إذ وضعنا قصة لوط بين يدي القارئ لتدل على أن الزمان لم يجعل محورا ترتبط به الأحداث، و إنما سنمضي إلى شي‏ء آخر هو أن القصة القصيرة قد يهتم فيها بالحادثة من حيث تصويرها لتحدث أثرها في النفس و تستثير من الناس الانفعال و ذلك هو الواضح من هذه القصة كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ*`فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ*`وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ*`سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ (1) .

و قد تتابع الأحداث على هذا النسق فتجري سراعا لتستثير الانفعال و تؤثر الأثر المطلوب من ألفة أو نفور و ذلك من مثل قوله تعالى‏ وَ قََارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مُوسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا كََانُوا سََابِقِينَ*`فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (2) و ليس معنى هذا أن الأحداث لا ترتبط أصلا برباط الزمن و إنما معناه أن تسلسل الأحداث في القصة يخضع للغرض أو القصد الذي من أجله نزلت القصة، فإن كان التخويف فإنه يقصد إلى الحادثة من حيث هي و يصوّرها لتلقي الرعب في القلوب و تبث الخشية في النفوس.

أما إذا كان تخفيف الضغط العاطفي أو تثبيت قلب النبي جعل المحور الذي تدور حوله الأحداث هو الشخص نفسه، و تصوّر الحادثة على أنها الحادثة التي وقعت له فلم تضعف نفسه و لم توهن عزمه، و إنما مضى حتى كان النصر من عند اللّه و قصة إبراهيم، إلى جانب قصة لوط السابقة، تمثل لنا هذا النوع من تسلسل الأحداث. قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ

____________

(1) سورة الحاقة، الآيات 4-7.

(2) سورة العنكبوت، الآيتان 39-40.

315

جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ*`فَلَمََّا رَأى‏ََ أَيْدِيَهُمْ لاََ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ* `وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ*`قََالَتْ يََا وَيْلَتى‏ََ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ*`قََالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ رَحْمَتُ اَللََّهِ وَ بَرَكََاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ*`فَلَمََّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرََاهِيمَ اَلرَّوْعُ وَ جََاءَتْهُ اَلْبُشْرى‏ََ يُجََادِلُنََا فِي قَوْمِ لُوطٍ*`إِنَّ إِبْرََاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوََّاهٌ مُنِيبٌ*`يََا إِبْرََاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا إِنَّهُ قَدْ جََاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذََابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (1) .

و قال تعالى‏ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ اَلْمُكْرَمِينَ*`إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*`فَرََاغَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ فَجََاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ*`فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ* `فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ*`فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ*`قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ*`قََالَ فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ*`قََالُوا إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*`لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ طِينٍ*`مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ*`فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ*`فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ*`وَ تَرَكْنََا فِيهََا آيَةً لِلَّذِينَ يَخََافُونَ اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ (2) .

و قد لاحظ الرازي الفروق بين القصتين من جوانب كثيرة و ذلك عند تفسيره لقصة الذاريات و كان مما قال: المسألة الرابعة قال في سورة هود فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم فدل على أن إنكارهم كان حاصلا بعد تقريبه العجل منهم و قال هاهنا قََالَ سَلاََمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ثم قال تعالى‏ فَرََاغَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ فَجََاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ*`فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بعد حصول الإنكار لهم... لكن الحال في سورة هود محكية على وجه أبسط مما ذكره هاهنا فإن هاهنا لم يبيّن المبشّر به و هناك ذكر باسمه و هو إسحاق و لم يقل هاهنا إن القوم قوم من و هناك قالوا قوم لوط و في الجملة من يتأمل السورتين يعلم أن الحكاية محكية هناك على وجه الإضافة أبسط فذكر فيها النكتة الزائدة و لم يذكرها هنا... فإن قيل لم قال هاهنا اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ و قال في

____________

(1) سورة هود، الآيات 69-76.

(2) سورة الذاريات، الآيات 26-37.

غ

316

هود حَمِيدٌ مَجِيدٌ نقول لما بينّا أن الحكاية هناك أبسط...

هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود و هناك قالوا إِنََّا أُرْسِلْنََا بعد ما زال عنه الروع و بشّروه و هنا قالوا إِنََّا أُرْسِلْنََا بعد ما سألهم عن الخطب و أيضا قالوا هناك‏ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ و قالوا هاهنا إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ و الحكاية عن قولهم فإن لو يقولوا ذلك ورد السؤال أيضا.

و الأمر هنا-كما ترى-واضح كل الوضوح من أن الأحداث لم ترتّب ترتيبا واحدا و لم يجعل الزمن هو المحور الذي تدور حوله و لم تصوّر الأحداث بصورة واحدة و أنطق الملائكة بألفاظ مختلفة و عبارات متفاوتة في الحادثة الواحدة و المنظر الواحد.

و المسألة عندي ترجع إلى القصد الذي من أجله بنيت القصة ففي هود كان القصد التسرية عن نفس محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تخفيف الضغط العاطفي و من هنا عني القرآن بالتفضّل على إبراهيم بأمور و ساق القصة هذا المساق فكان الحديث عن البشرى و ذكر اسمه، و كان الحديث عن قوم لوط لا المجرمين و كان الحديث عن الحميد المجيد.

و في الذاريات بنيت القصة للتخويف و هنا كان الإنكار سريعا، و من هنا وصف قوم لوط بالمجرمين، و من هنا أسرع إلى الحديث عن قوم لوط لينزل بهم العذاب.

و هنا يجب ألا ننسى أن القرآن قد يعمد إلى التنويع أحيانا حتى لا يمل القارئ أو السامع من التكرار.

كان محور الربط إذا هو القصد الذي من أجله بنيت القصة و كانت الحبكة الفنية قائمة على أن هذا التسلسل يوصل إلى هذه النتيجة أو تلك و كان إختلاف التسلسل قائما على هذا الأساس.

و ننتقل الآن إلى أسلوب القرآن الكريم في رسم الصورة أو عرض الحادثة. و نلحظ أن القرآن لم يسلك طريقة واحدة و إنما نوّع في قصصه و نلحظ من تنويعه هذه الظاهرات.

(1) كان القرآن يعتمد أحيانا على الألفاظ الفخمة الضخمة ذات الرنين القوي التي تؤثر بمبناها و معناها، كما تؤثر بموسيقاها. و كان يعمد أحيانا إلى الجمل المسجوعة القصيرة الفقرات ليزيد من قوة الرنين فتملأ موسيقى الألفاظ الأذن نغما و القلب خشية

317

و رهبة أو غبطة و سرورا. و ذلك من أمثال هذه القصص‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا وَ قََالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ*`فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ*`فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ*`وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمََاءُ عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*`وَ حَمَلْنََاهُ عَلى‏ََ ذََاتِ أَلْوََاحٍ وَ دُسُرٍ*`تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ*`وَ لَقَدْ تَرَكْنََاهََا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`كَذَّبَتْ عََادٌ فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ*`تَنْزِعُ اَلنََّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (1) .

(2) و كان يعتمد أحيانا أخرى على تتابع الأحداث تتابعا سريعا لتؤثر في النفس و تهز الفؤاد و ذلك من أمثال قوله تعالى‏ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلطُّوفََانَ وَ اَلْجَرََادَ وَ اَلْقُمَّلَ وَ اَلضَّفََادِعَ وَ اَلدَّمَ آيََاتٍ مُفَصَّلاََتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كََانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (2) و لعل هذا هو الذي دعا أيضا إلى أن يجمع ألوانا من القصص في سورة واحدة و ذلك من أمثال قصص الأعراف و هود و الشعراء و القمر.

(3) و كان أحيانا أخرى و هو الغالب يعتمد على الألفاظ السهلة اللينة التي تصدر عنه كما تصدر الألفاظ في الأحاديث العادية. يقص و كأنه يخاطب القوم بلغتهم العادية و يتحدث إليهم أحاديثهم المألوفة و يلاحظ في مثل هذا اللون أن حركة الأسلوب كانت تتمشى مع حركة العاطفة و لعل خير ما يمثل هذه الخاصية هذا الجزء من قصص موسى وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ اَلنََّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ قََالَ مََا خَطْبُكُمََا قََالَتََا لاََ نَسْقِي حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ وَ أَبُونََا شَيْخٌ كَبِيرٌ*`فَسَقى‏ََ لَهُمََا ثُمَّ تَوَلََّى إِلَى اَلظِّلِّ فَقََالَ رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ*`فَجََاءَتْهُ إِحْدََاهُمََا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيََاءٍ قََالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مََا سَقَيْتَ لَنََا فَلَمََّا جََاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ قََالَ لاََ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ*`قََالَتْ إِحْدََاهُمََا يََا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ*`قََالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ

____________

(1) سورة القمر، الآيات 9-22.

(2) سورة الأعراف، الآية 133.

318

عِنْدِكَ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`قََالَ ذََلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ (1) .

فنحن نلحظ في الجزء الأول و هو الخاص بورود موسى ماء مدين استعمال الفعلين المضارعين‏ يَسْقُونَ و تَذُودََانِ للدلالة على الحركة و لتصوير الأحداث حتى لكأنها حاضرة مشاهدة، و ليس ذلك إلا لأنهما الفعلان الدالان في هذا الجزء من الآية على ما سيقع و كأنهما ينبّهاننا إلى أن هذه الأحداث هي التي تهم موسى و لقد كانت هي التي استثارته فعلا، فالناس يسقون و هاتان تذودان و لذا تقدّم إلى الفتاتين قائلا مََا خَطْبُكُمََا و أظنك تلحظ معي ما في هذا اللفظ من عنف و جزالة و ما فيه من دلالة على تلك الخواطر التي ألمّت بذهن موسى، و إني لأحسّ منه الغضب على أولئك الذين يسبقون الفتاتين إلى السقيا.

و تنطق الفتاتان بهذه الجملة التي تدل على ما في الأنثى من ضعف و حياء يدفعانها إلى التخلّف في مثل هذه المواقف التي يكثر فيها التزاحم و يختلط فيها النساء بالرجال‏ لاََ نَسْقِي حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ و بهذه الجملة التي تستثير الرحمة و تستمطر الحنان‏ وَ أَبُونََا شَيْخٌ كَبِيرٌ . إنها لألفاظ سهلة لينة تداعب رقّتها الآذان و القلوب و إنها الجمل التي تنطق بها الأنثى و الأنثى ليس غير ما في ذلك شك أو جدال.

و يأتي جزء آخر دال على الحركات الخاطفة السريعة التي يأتي بها الإنسان ليصل إلى ما وراءها فَسَقى‏ََ لَهُمََا ثُمَّ تَوَلََّى إِلَى اَلظِّلِّ و نلحظ موسى هنا و في هذا الظل متراخيا منهوك القوى مستسلما ضارعا رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . و تمشي الجملة مع هذه الضراعة و يطل الشعور الديني من وراء النداء و من التصريح بالفقر و الحاجة إلى الخير أمام الغني الكبير.

على أن المقام بموسى لن يطول‏ فَجََاءَتْهُ إِحْدََاهُمََا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيََاءٍ ألا ما أعذب هذه الجملة و ما أخف وقعها على الأسماع و القلوب، و ما أقدرها على تصوير

____________

(1) سورة القصص، الآيات 23-28.

319

الحركة و الانفعال، تمشي و تمشي على استحياء، ثم ما أجمله من تعبير دال على خير ما في الفتيات من جمال هو جمال الخفر و الحياء. جاءته‏ قََالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مََا سَقَيْتَ لَنََا ، و هل ينتظر موسى حتى يجيب إنه عجل لأنه في حاجة إلى هذا الأجر و هو الغريب الفقير و إذا فلتطو الإجابة و ليطو معها الطريق و ليلق موسى الشيخ و ليقص عليه القصص و هل يفعل غير هذا الغريب الطريد.

و يفطن الشيخ إلى ما بنفس الفتى المطلوب للثأر فيقف منه موقف الشهم الكريم و يلقي إليه تلك العبارة التي ترد عليه الهدوء و الطمأنينة و تشعره بأنه في كنف شجاع كريم.

لاََ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ . لا تخف هذه ينطق بها الرجل القوي الواثق حين يشمل الناس بعطفه و حنانه، و نجوت هذه التي توحي إلى السامع باطمئنان النفس و راحة القلب و هدوء الخاطر و من القوم الظالمين تلك التي تدفع عنه القلق النفسي و تأنيب الضمير.

و تبدأ مرحلة أخرى تصوّر الإعجاب بالفتى و الاحتيال على لقاء الحبيب إذ تتقدم إحداهما إلى أبيها و تطلب إليه أن يستأجره و من يستأجر؟إن خير من يستأجر القوي الأمين. و كأن الشيخ قد فطن إلى المراد فأسرع إلى تحقيق رغبة الفتاة و أقدم على الفتى بهذا القول المؤكّد الذي يقطع على المتردّد كل سبيل‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ... و يستجيب الفتى و هو الشريد المقتفى، و هو القاتل المستجير و يجيب بتلك الجملة التي تشعرنا باستسلامه و كأنه الطفل الصغير أمام الشيخ الكبير. سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ و يتم الاتفاق و يشهدان اللّه لأنه على ما يقولان وكيل.

و كان القرآن يعتمد في أحيان كثيرة على تصوير الحركات لتدل بدورها على الانفعالات قوة و ضعفا أو عنفا و لينا، و ذلك من أمثال قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ وَ قََالُوا إِنََّا كَفَرْنََا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنََّا لَفِي شَكٍّ مِمََّا تَدْعُونَنََا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (1) و قوله: فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (2) و قوله:

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية 9.

(2) سورة الذاريات، الآية 29.

320

وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً (1) و قوله: وَ قََالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرََاوِدُ فَتََاهََا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهََا حُبًّا إِنََّا لَنَرََاهََا فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`فَلَمََّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وََاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قََالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمََّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حََاشَ لِلََّهِ مََا هََذََا بَشَراً إِنْ هََذََا إِلاََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (2) و قوله: وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ فَضَحِكَتْ (3) .

كما كان يستعين أحيانا بالعبارات التصويرية و الصيغ الدالة على الانفعال نحو قوله تعالى: قََالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمََنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (4) و قوله: فَأَجََاءَهَا اَلْمَخََاضُ إِلى‏ََ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ قََالَتْ يََا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هََذََا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (5) و قوله: يََا أَبَتِ لاََ تَعْبُدِ اَلشَّيْطََانَ إِنَّ اَلشَّيْطََانَ كََانَ لِلرَّحْمََنِ عَصِيًّا*`يََا أَبَتِ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذََابٌ مِنَ اَلرَّحْمََنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطََانِ وَلِيًّا (6) و قوله: فَلَمََّا وَضَعَتْهََا قََالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ وَ لَيْسَ اَلذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ََ وَ إِنِّي سَمَّيْتُهََا مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُهََا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهََا مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ (7) و قوله: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (8) .

و على كل فيجب ألا ننسى أن أسلوب القرآن، في الغالب، هو أسلوب التخاطب فقد كان القرآن يلقى على القوم إلقاء، و من هنا وضحت في قصصه أساليب الحديث و المشافهة خاصة في مبدأ القصة نحو أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (9) . أَ لَمْ تَرَ إِلَى

____________

(1) سورة نوح، الآية 7.

(2) سورة يوسف، الآيتان 30-31.

(3) سورة هود، الآية 71.

(4) سورة مريم، الآية 18.

(5) نفس السورة، الآية 23.

(6) نفس السورة، الآيتان 44-45.

(7) سورة آل عمران، الآية 36.

(8) سورة إبراهيم، الآية 6.

(9) نفس السورة، الآية 9.

321

اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ (1) . وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا (2) إلخ.

ثالثا-الحوار

و ليس من الضروري أن يوجد الحوار في كل قصة فقد تخلو منه القصة و تمضي على أنها صورة لشخص أو رسم لحادثة و هذا هو الغالب في القصص القصيرة. ثم هذا هو الأمر الذي مضى عليه القرآن في كثير من قصصه الذي يقصد فيه إلى التخويف، بل مضى القرآن إلى شي‏ء آخر في دعايته للعقائد أو ضدها، فأدار الحوار على أنه الخواطر النفسية التي تلم بالشخص و التي تنقله من طور إلى طور ليتخلص من عقيدة و يدخل في أخرى، و هذا هو الأمر الواضح كل الوضوح في قصة إبراهيم من الأنعام: وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْنََاماً آلِهَةً إِنِّي أَرََاكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ*`فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأى‏ََ كَوْكَباً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ*`فَلَمََّا رَأَى اَلْقَمَرَ بََازِغاً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ*`فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي هََذََا أَكْبَرُ فَلَمََّا أَفَلَتْ قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ*`إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ (3) .

لكنا، مع كل هذا، نجد كثيرا من القصص القرآني كان الحوار فيه عنصرا مهما إن لم يكن العنصر البارز. و هو موجود على كل حال في كل قصة تعددت شخصياتها و ذلك من مثل قصة يوسف و قصة موسى في طه و قصة آدم في الأعراف ثم في مجموعات قصص سورتي هود و الشعراء و في قصة إبراهيم في سورة مريم و في غيرها من القصص الذي يراد به التثبيت أو شرح مبادئ الدعوة الإسلامية. و نستطيع أن نضرب مثلا لذلك

____________

(1) سورة البقرة، الآية 258.

(2) سورة الأعراف، الآية 175.

(3) سورة الأنعام، الآيات 74-79.

322

هذا الجزء من قصة موسى في سورة طه‏ اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي* `اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ*`فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ*`قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ*`قََالَ لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ*`فَأْتِيََاهُ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ لاََ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنََاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ*`إِنََّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنََا أَنَّ اَلْعَذََابَ عَلى‏ََ مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلََّى*`قََالَ فَمَنْ رَبُّكُمََا يََا مُوسى‏ََ* `قََالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ*`قََالَ فَمََا بََالُ اَلْقُرُونِ اَلْأُولى‏ََ*`قََالَ عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتََابٍ لاََ يَضِلُّ رَبِّي وَ لاََ يَنْسى‏ََ*`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهََا سُبُلاً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْ نَبََاتٍ شَتََّى*`كُلُوا وَ اِرْعَوْا أَنْعََامَكُمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِأُولِي اَلنُّهى‏ََ*`مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ وَ فِيهََا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهََا نُخْرِجُكُمْ تََارَةً أُخْرى‏ََ*`وَ لَقَدْ أَرَيْنََاهُ آيََاتِنََا كُلَّهََا فَكَذَّبَ وَ أَبى‏ََ*`قََالَ أَ جِئْتَنََا لِتُخْرِجَنََا مِنْ أَرْضِنََا بِسِحْرِكَ يََا مُوسى‏ََ*`فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لاََ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لاََ أَنْتَ مَكََاناً سُوىً*`قََالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ اَلنََّاسُ ضُحًى*`فَتَوَلََّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى‏ََ*`قََالَ لَهُمْ مُوسى‏ََ وَيْلَكُمْ لاََ تَفْتَرُوا عَلَى اَللََّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذََابٍ وَ قَدْ خََابَ مَنِ اِفْتَرى‏ََ*`فَتَنََازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوى‏ََ... (1) إلخ.

و موضوعات الحوار في القصص القرآني هي الموضوعات الدينية في الغالب و هي الموضوعات التي بسببها قام بين النبي عليه السلام و قومه جدل عنيف و تلك من أمثال الوحدانية و البعث و كون الرسل من البشر و ليسوا من الملائكة و إحداث الأمور الخارقة أو المعجزات للدلالة على النبوة و غيرها. و قد سبق أن صوّرنا كثيرا من هذه الموضوعات في الفصول الأولى عند حديثنا عن القيم الدينية و الاجتماعية فلا داعي لذكرها هنا.

و طريقة القرآن في تصوير الحوار تقوم على أساس الرواية، فيحكي القرآن أقوال الأشخاص و يصدرها بقوله قال أو قالا أو قالوا.

هذا التصدير يلفت ذهننا إلى أمر خاص بالحوار في القصص القرآني هو أنه ليس من اللازم أن يقوم الحوار بين اثنين، فقد يكون بين كثرة. و كل هذه الأمور ملحوظة في

____________

(1) سورة طه، الآيات 42-62.

غ

323

القصص القرآني، فيكون الحوار بين اثنين كالحوار بين إبليس و آدم و بين إبراهيم و أبيه و بين موسى و فرعون. و يكون بين واحد من طرف و اثنين من طرف آخر، كما هو الواضح في قصة موسى السابقة، فقد كان موسى و هارون الركن الثاني من أطراف المحاورة. و قد يكون بين واحد من طرف و جماعة من طرف آخر كالحوار الواقع في أكثر القصص القرآني بين الرسل و أقوامهم من مثل قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَنْ لاََ تَعْبُدُوا إِلاَّ اَللََّهَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ*`فَقََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مََا نَرََاكَ إِلاََّ بَشَراً مِثْلَنََا وَ مََا نَرََاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ وَ مََا نَرى‏ََ لَكُمْ عَلَيْنََا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كََاذِبِينَ*`قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتََانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهََا وَ أَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ*`وَ يََا قَوْمِ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مََالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ وَ لََكِنِّي أَرََاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ*`وَ يََا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللََّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ*`وَ لاََ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزََائِنُ اَللََّهِ وَ لاََ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ وَ لاََ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لاََ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اَللََّهُ خَيْراً اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ*`قََالُوا يََا نُوحُ قَدْ جََادَلْتَنََا فَأَكْثَرْتَ جِدََالَنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ إِنَّمََا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللََّهُ إِنْ شََاءَ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ*`وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1) .

و القضايا التي يعتمد عليها القرآن في حواره ترجع في الغالب إلى المسلمات الدينية أو المسلمات بحسب العرف و البيئة، و من هنا تقوم على أساس اللذة و الألم أو المنفعة و المضرة و أنهما بيد الإله المتفضّل يمن بهما على عباده كل و ما يستحق.

و الأسلوب الأدبي في الحوار يخضع خضوعا يكاد يكون تاما لسمات الأسلوب القرآني كله و لذا نلحظ فيه هذه السمات:

(1) إن لغة الأسلوب تختلف بإختلاف الموضوعات و الطور الذي نزلت فيه، و معنى ذلك أنه أسلوب فني يجري في كل قصة من القصص على وتيرة واحدة، و معنى

____________

(1) سورة هود، الآيات 25-34.

324

ذلك أيضا أن القرآن كان لا يساير نفسية المتحاورين بقدر ما يساير نفسية محمد عليه السلام و نفسية معاصريه، و من هنا خضع أسلوب القصص لتلك المميّزات العامة المعروفة عن أسلوب القرآن في عهديه المكي و المدني.

(2) يلاحظ أنه في القصص الذي نزل أولا، كان يعتمد على الرنين الصوتي للألفاظ، يعاونه في ذلك الفقرات القصيرة المسجوعة، و ذلك لأن عاطفة النبي عليه السلام كانت في ذلك الطور قوية جياشة مندفعة، و من هنا كانت الانتقالات الفجائية السريعة التي تظهر في القصة الواحدة، و التي تظهر في مجموعة القصص الواردة في سورة واحدة، و لذا كان القصص قصيرا جدا في هذه الفترة، و يمثل هذه السمات قصص سورة القمر.

(3) يلاحظ في القصص الذي يوضح العقائد الجديدة، و يحاول أن يهدم القديمة أن السخرية بالأفكار و العقائد تدخل فيه كعنصر فني، و هي سخرية مرة نافذة، إذ تحاول أن تضع الحقائق الواضحة المتميزة أمام كل ذي عينين ليستفيق من غشيته، و ليحس إحساسا قويا بما هو فيه من ضلال، و ذلك الأمر يمثله قصص إبراهيم عن عبادة الأوثان، خاصة في سورتي مريم و الشعراء.

كما يلاحظ في هذا الجزء شي‏ء من هدوء العاطفة عند الرسول، و نلمس ما تحمل الألفاظ من حنان حتى ليشعر القارئ أو السامع أنه في كنف شخص عظيم يظله برعايته و يحاول أن يصرف عنه القسوة و العذاب، و يمثل هذا اللون قصص هود و صالح و شعيب من سورة الأعراف كما يمثله قصة إبراهيم في سورة مريم.

(4) في القصص الذي يأتي للتنفيس و الإفاضة تكون العواطف جياشة قوية، و إن تكن أميل إلى الاستسلام، و ذلك هو الأمر الذي تدفع إليه العلاقة القائمة بين الرسل و الأقوام. و من هنا تأتي الألفاظ هيّنة مسترسلة لتجري مع طبيعة العاطفة و ما فيها من يأس و استسلام. و من هنا نلحظ من حين لآخر وجود العنصر الفني الديني الذي أسميناه فيما يأتي بالمناجاة، و هي عبارات أصبحت تقليدية في بعض الأدعية الدينية.

و هنا قد نلاحظ اختلافا في العاطفة بين المتحاورين، فيبقى المستكبرون على ما عرف عنهم من قسوة و جبروت، و يمضي الأنبياء بين بين و إن غلبت المسالمة، و ذلك لما يكمن في قلوبهم من محبة الأهل و العشيرة، و لما يبلغونه من انتصار الدين، و لما يرجونه من‏

325

إسعاد الأهل و العشيرة، أو إسعاد من تحمله الأرض أو تظله السماء.

و على الجملة فالأسلوب القرآني في القصص يساير نفسية النبي محمد عليه السلام، و ستظهر هذه المسايرة في حديثنا المقبل عن القصص القرآني و نفسية الرسول عليه السلام، و إن كنا نجمل الحكم الأدبي في هذه الجملة، و هو أن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء و المرسلين أو الأقوام لا يشاكل الواقع و إنما يمشي على وتيرة واحدة في القصة الواحدة، و هو الأمر الذي يحاول أن يمضي القصص على خلافه في هذه الأيام، إذ نرى الحوار يمثّل نفسية المتحاورين و أسلوبهما في الحديث و المخاطبة و عقليتهما في التفكير و في الحركات الذهنية، كما قد يمثّل الحرف و الصناعات.

و مرات قليلة تلك التي نجد الحوار فيها يمثل شخصية المتحاورين و ما فيها من قوة و جبروت و ما لها من عظمة و كبرياء، و تلك هي المحاورات التي يقصّها القرآن الكريم على لسان فرعون أو على لسان إبليس حين يحاور كل واحد منهما شخصية الرسول الذي قام إلى جانبه في القصة كشخصيات موسى و آدم عليهما السلام. و هي مرات لا تجعلنا نطمئن إليها أكثر من اطمئناننا إلى الأمر الآخر و هو أن الحوار إنما يمثّل أكثر من كل شي‏ء الدعوة الإسلامية و نفسية محمد عليه الصلاة و السلام.

رابعا-القضاء و القدر

و قريب منهما الحظ و كل تلك عناصر وجدت و أدت دورها في بعض القصص القرآني و قد ضربنا لبعض هذا مثلا فيما مضى عند حديثنا عن النوع الأول من الأحداث، و شرحنا كيف يدخل عنصر القضاء فينقذ الرسول عليه السلام من القتل و الاضطهاد.

و الآن نستطيع أن نضرب مثلا آخر يوضح لنا أهمية هذا العنصر في بعض القصص و كيف يغيّر مصائر الأشياء. في قصة إبراهيم من سورة الصافات يرى إبراهيم رؤيا تكاد تؤدي بحياة ابنه لو لا قضاء اللّه و قدره: وَ قََالَ إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي سَيَهْدِينِ*`رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`فَبَشَّرْنََاهُ بِغُلاََمٍ حَلِيمٍ*`فَلَمََّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قََالَ يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ قََالَ يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ*`فَلَمََّا

326

أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ*`وَ نََادَيْنََاهُ أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ*`قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ* `إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ*`وَ فَدَيْنََاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ*`وَ تَرَكْنََا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ (1) .

و هو واضح كل الوضوح في قصة يوسف و سنتناولها بالتحليل في القريب العاجل إن شاء اللّه.

خامسا-المناجاة

و من العناصر الفنية في القصص و التي وجدت قليلا في القصص القرآني عنصر المناجاة، و هو في القرآن يأتي على صورة مغايرة لتلك التي يأتي بها في أغلب القصص الأدبي، حيث يقوم على مناجاة الشخص لنفسه ليسمعه غيره، و لكنه يأتي في القرآن كما يأتي في بعض القصص المسرحي الغربي كقصة «قلوب سعيدة» مثلا، إذ ترى البطلة فيها تتوجه إلى صورة العذراء ضارعة داعية و نحس نحن، كما تحس البطلة، بأن هذا الدعاء قد قبل، و أن اللّه قد استجاب. كما نحس بأن هذه العبارات تكاد تكون تقليدية بما فيها من ألفاظ قد ألفت في مثل هذه المواطن. و قد حملت بالعواطف الدينية القوية، تلك التي تدفع بسريان الشعور الديني بين النظارة و المتفرّجين.

و المناجاة في القرآن تأتي على هذه الصورة، فيتوجّه النبي عليه السلام إلى خالقه و يتوسّل إليه أن يستجيب لدعائه. و هذا موجود في قصة نوح حين دعا على قومه فقال رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً*`إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً*`رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ تَبََاراً (2) . و في قصة إبراهيم: وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ*`رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*`رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ*

____________

(1) سورة الصافات، الآيات 99-108.

(2) سورة نوح، الآيات 26-28.

327

رَبَّنََا إِنَّكَ تَعْلَمُ مََا نُخْفِي وَ مََا نُعْلِنُ وَ مََا يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ* `اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ اَلدُّعََاءِ*`رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنََا وَ تَقَبَّلْ دُعََاءِ*`رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسََابُ (1) . و في قصة يوسف: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحََادِيثِ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ (2) .

هذه هي العناصر الفنية التي تقوم عليها القصة في القرآن قد صوّرناها كما لحظنا من القصص القرآني المتفرّق، و سنتناولها بالحديث في تحليلنا لقصة يوسف في نهاية الفصل المقبل إن شاء اللّه.

____________

(1) سورة إبراهيم، الآيات 35-41.

(2) سورة يوسف، الآية 101.

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

تطوّر الفن القصصي‏

قد يكون من اليسير على الباحث أن يمضي في مثل هذا الدرس في غير القصص القرآني، فيرتّب عند الأدباء الذين يقصد دراسة قصصهم آثارهم الفنية ترتيبا تاريخيا ليلاحظ الظواهر الفنية و تطوّراتها من حيث الكم و من حيث الكيف، و قد لا يجد الباحث حرجا في أن يصل إلى تلك النتائج التي تتوقّع من أمثال هذه الأبحاث، فيرى مثلا أن التطوّر الفني كان يتبع المران و التجربة، كما يتبع الموهبة الفنية و القدرة على الابتكار و الاختراع، ذلك لأنه من المسلّم به عند النقاد و رجال الأدب أن الفنانين يبدءون حياتهم الأولى بتنمية ما فيهم من مواهب و مدارك فيقرءون أو يشاهدون اللوحات أو يستمعون إلى الموسيقى و الغناء، هم على كل حال يلتمسون المتعة و اللذة في كل أثر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة فيتبعون الاستمتاع و اللذة بالمحاولات الأولى التي تقوم على التقليد و المحاكاة، ثم يكون التخلّص شيئا فشيئا و الدخول في ميدان التجارب الخاصة. و هنا قد يبرز ما في بعضهم من مواهب فيمثّلون روح العصر و يظهر في فنهم طابع البيئة، و قد تلمس عصا الفن السحرية ما فيهم من عبقرية فتتجلى قدرتهم على الخلق و الإبداع، فينسجون على غير منوال سابق، فينشئون المدارس و يصبحون أصحاب مذاهب.

هذه الأمور واضحة كل الوضوح و السبيل إليها لا عوج فيها و لا التواء و النهاية لا

330

حرج فيها و لا مشقة ما دمنا بصدد دراسة التطوّر الفني في القصص الأدبي غير القرآن.

لكن المسألة حين تنتقل إلى ميداننا هذا تعسر و تشق و تكاد تتغير طبيعة الأمور، ذلك لأن القرآن قد نزل من السماء على أنه معجزة العرب الكبرى و أوحاه خالق مبدع متنزّه عن كل ما يتصف به البشر من ضعف و قدرة يخضعان للتجربة و المران، و إذا فلا سبيل إلى الوصول إلى مثل هذه النتيجة، و نحن لا نكاد نلمسها بالخيال حتى نرد عن القصد و نقف مكتوفي الأيدي حتى لا حراك و لا كلام. لكن ما العمل و التطوّر موجود لا شك فيه؟

أعتقد أن الوصول إلى هذه النتيجة ميسر لو التمسنا الطريق إليها فيما خلف الأولون من رجال الفقه و الأصول من حلول لمثل هذه المشكلات.

قال القوم بالنسخ، و قالوا بالتدرّج في التشريع. و معنى ذلك أن أحكام القرآن و شرائعه و مبادئ الدين و عقائده لم تنزل دفعة واحدة و إنما نزلت على دفعات و أن الزمن قد طال بها حتى شمل مدة البعثة و زمن الإرسال، و هم يرون في هذين حكمة أرادها الخالق هي أن تستعد النفوس و تتهيّأ العقول و القلوب لتقبل الدين الجديد، فلم يكن معقولا أن العربي الذي تسلّطت عليه العقائد و استبدّت به التقاليد يتخلى عن كل تراثه الروحي على ما فيه من زيف و بهتان في يوم و ليلة، و لا أن يتسلّل الدين الجديد إلى نفسه فيستقر فيها و يتمكن منها في يوم و ليلة كذلك. هكذا رأوا و إلى تلك الحكمة ذهبوا، و هي الأمور التي تتّفق و طبيعة الدعوات.

و لن نذهب نحن إلى أبعد من قولهم حين ندل على ما في القصص القرآني من تطوّر داخلي هو بعينه ذلك التدرّج في التشريع. فنحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل لخدمة الدعوة الإسلامية، و شرح مبادئها، و توضيح عقائدها، و الدفاع عن النبي العربي و القرآن الكريم. على هذا جرى الواقع، و بهذا نطق القرآن الكريم. و إذا كانت الدعوة الإسلامية قد نزلت في فترة طويلة و جاء القرآن على قاعدة التدرّج في التشريع و إذا كان القصص القرآني قد جاء لخدمة هذه الدعوة، كان لا بد من أن تصبح القصة صورة لهذه الدعوة تعبّر عما يدور في البيئة من آراء و أفكار و تصوّر ما يجري في البيئة من حركات عدائية أو سلمية و تدافع عن النبي عليه السلام و الدعوة، تدعو لهما لتثبت أركانهما و تمكّن لهما من قلوب الكفرة و المشركين. غ

331

كان القصص القرآني إذن يتطوّر من حيث الموضوعات أو من حيث الأفكار و الآراء حسب قاعدة التدرّج هذه، و هذا هو التطوّر الداخلي لعنصر من عناصر القصة.

و كان فن البناء كما كان فن توزيع العناصر كما و كيفا يتأثر بهذا، و هذا هو الأمر الذي سندل عليه هنا بعد إذ نتناول ظواهره و علله بالشرح و التفصيل.

نلحظ القصص القرآني أول ما نلحظه خبرا عاديا يصوّر حالة أو موقفا أو حادثة فنرى صحف إبراهيم و موسى‏ إِنَّ هََذََا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ*`صُحُفِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ (1) و نلحظ حديث الجنود فرعون و ثمود و ما نزل بهم و بقوم عاد من المصائب أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ*`إِرَمَ ذََاتِ اَلْعِمََادِ*`اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهََا فِي اَلْبِلاََدِ*`وَ ثَمُودَ اَلَّذِينَ جََابُوا اَلصَّخْرَ بِالْوََادِ*`وَ فِرْعَوْنَ ذِي اَلْأَوْتََادِ*`اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي اَلْبِلاََدِ*`فَأَكْثَرُوا فِيهَا اَلْفَسََادَ*`فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذََابٍ*`إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ (2) .

و قد كان القصد الأول، أول عهد القرآن بالنزول، زلزلة المشركين و زعزعتهم من مواقف العناد. و من هنا نرى القرآن يعنى بالأقاصيص التي تبرز فيها الحوادث بروزا قويا و يهمل ما عداها من عناصر القصة. و من هنا أيضا نلحظ أن الرنين الصوتي كان له أثره القوي في تصوير هذه الأحداث و كان ما يذكر في القصة ليس أسماء الرسل الذين أرسلوا و إنما أسماء الأقوام الذين نزلت بهم الكوارث و ألّمت بهم المصائب‏ اَلْحَاقَّةُ*`مَا اَلْحَاقَّةُ* `وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحَاقَّةُ*`كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ*`فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ*`وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ*`سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ*`فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ (3) .

و في ذلك الوقت أيضا كان جدلهم عن نبوّة محمد عليه السلام و اتهامهم له بالسحر أو الجنون و أنه كذاب أشر و أنه لا يتلقى الوحي من اللّه و أنه بشر مثلهم و كيف يتبعون واحدا منهم مع أن الرسول لا يكون من البشر بحال من الأحوال. و يمضي القصص

____________

(1) سورة الأعلى، الآيتان 18-19.

(2) سورة الفجر، الآيات 6-14.

(3) سورة الحاقة، الآيات 1-8.

332

القرآني على طريقته من تصوير الأحداث و الاستعانة بالرنين الصوتي في أسلوب مسجوع و تظل أسماء الرسل في الغالب مخفية و إن ظهرت ففي الحين بعد الحين. و يمثّل هذا الطور قصص سورتي القمر و الذاريات‏ اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ*`وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ*`وَ كَذَّبُوا وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ*`وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبََاءِ مََا فِيهِ مُزْدَجَرٌ*`حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ*`فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ* `خُشَّعاً أَبْصََارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ*`مُهْطِعِينَ إِلَى اَلدََّاعِ يَقُولُ اَلْكََافِرُونَ هََذََا يَوْمٌ عَسِرٌ*`كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا وَ قََالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ* `فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ*`فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ*`وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمََاءُ عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*`وَ حَمَلْنََاهُ عَلى‏ََ ذََاتِ أَلْوََاحٍ وَ دُسُرٍ*`تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ*`وَ لَقَدْ تَرَكْنََاهََا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`كَذَّبَتْ عََادٌ فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ*`تَنْزِعُ اَلنََّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ*`فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ*`وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*`كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ*`فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ*`أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا بَلْ هُوَ كَذََّابٌ أَشِرٌ* `سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ (1) .

وَ فِي مُوسى‏ََ إِذْ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ*`فَتَوَلََّى بِرُكْنِهِ وَ قََالَ سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ*`فَأَخَذْنََاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ*`وَ فِي عََادٍ إِذْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ*`مََا تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاََّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ*`وَ فِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتََّى حِينٍ*`فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ*`فَمَا اِسْتَطََاعُوا مِنْ قِيََامٍ وَ مََا كََانُوا مُنْتَصِرِينَ*`وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ*`وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ*`وَ اَلْأَرْضَ فَرَشْنََاهََا فَنِعْمَ اَلْمََاهِدُونَ*`وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* `فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`وَ لاََ تَجْعَلُوا مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ* `كَذََلِكَ مََا أَتَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ قََالُوا سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ*`أَ تَوََاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ

____________

(1) سورة القمر، الآيات 1-26.

333

طََاغُونَ*`فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمََا أَنْتَ بِمَلُومٍ*`وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ (1) .

و بعد ذلك بقليل، حين تشتد الخصومة و بعد أن يقبل بعض الناس على الدخول في الدين الجديد، يدخل عنصر الحوار في القصة و يكون موضوعه موضوعات الدعوة الإسلامية من بعث و وحدانية، كما يكون الدفاع عن النبي عليه الصلاة و السلام و القرآن الكريم.

و إذا كان هناك حوار فلا بد من وجود أشخاص يقومون به و يوجّهون المسائل الوجهة التي يتطلّبها الدين الجديد. و هنا تظهر أسماء الرسل، و يقف القرآن من هذا العنصر عند هذه الأسماء حتى لكأنها-كما قلنا سابقا-الرموز التي توجّه سير الحوار و تعيّن أغراضه و مراميه.

و أطراف المحاورة هم الرسل و أقوامهم، كما هو الحال في قصص سورة الشعراء، كما قد يكون المستضعفين و المستكبرين، و يمثّل النوعين قصص سورة الأعراف‏ وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ*`قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي سَفََاهَةٍ وَ إِنََّا لَنَظُنُّكَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفََاهَةٌ وَ لََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أُبَلِّغُكُمْ رِسََالاََتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ نََاصِحٌ أَمِينٌ*`أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جََاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفََاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زََادَكُمْ فِي اَلْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاََءَ اَللََّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*`قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِنَعْبُدَ اَللََّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مََا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجََادِلُونَنِي فِي أَسْمََاءٍ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ مََا نَزَّلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ*`فَأَنْجَيْنََاهُ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنََّا وَ قَطَعْنََا دََابِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ مََا كََانُوا مُؤْمِنِينَ*`وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً قََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ قَدْ جََاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هََذِهِ نََاقَةُ اَللََّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهََا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللََّهِ وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ*`وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفََاءَ مِنْ بَعْدِ عََادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهََا قُصُوراً

____________

(1) سورة الذاريات، الآيات 38-55.

334

وَ تَنْحِتُونَ اَلْجِبََالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاََءَ اَللََّهِ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*`قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صََالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*`قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ*`فَعَقَرُوا اَلنََّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قََالُوا يََا صََالِحُ اِئْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دََارِهِمْ جََاثِمِينَ*`فَتَوَلََّى عَنْهُمْ وَ قََالَ يََا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسََالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لََكِنْ لاََ تُحِبُّونَ اَلنََّاصِحِينَ (1) .

و هنا نستطيع أن نسجّل هذه الظواهر:

أولا-تعدّدت العناصر، فأصبحنا نجد الموضوعات و الأحداث و الحوار و الأشخاص، و لا يزال عنصر الأشخاص أقلها بروزا، حتى لقد كان القرآن يتخلى عنه في بعض قصص هذه الفترة، كما هو الحال في بعض قصص سورتي إبراهيم و المؤمنين.

ثانيا-بدأت هذه العناصر تتميز و يصبح لكل منها طابعه الخاص، فالأحداث الآن تنزل بالمستكبرين أو المكذبين لا بقوم عاد أو قوم ثمود عامة، كما هو الحال في قصص الطور السابق. و الرسول هنا يحاور القوم ليقنعهم و ليست سبيله التهديد و الوعيد كما هو الحال في القصص السابق، بل الأسباب الموجبة للعبادة و الاستجابة لرسول الواحد القهار الذي ينعم عليهم. و موضوعات الدعوة التي يكفر بها القوم هنا معلومة، و زاد عليها جديد هو تكذيبهم بما يتهددهم به من مصائب الدنيا و ويلاتها. و البيئة التي يحيا فيها الأبطال واضحة كما هو الحال في قصة عاد، فهم يتخذون من السهول قصورا و ينحتون من الجبال بيوتا، ثم إن تقدّم الدعوة واضح، فقد استجاب لها قوم و إن يكونوا من الفقراء، و نفر منها آخرون و إن يكونوا من الأغنياء المستكبرين، و قام بينهما حوار.

ثالثا-أخذ الأسلوب يبتعد عن السجع قليلا قليلا، فهو في الشعراء يشبه أن يكون سجعا، و هو في غيرها، كالأعراف، بدأ يسترسل و يقترب من الأسلوب القصصي الذي يشبه أساليب الأحاديث و التخاطب.

____________

(1) سورة الأعراف، الآيات 65-79.

335

رابعا-يكاد قارئ القصة في هذا الطور يشعر بأن هناك شخصية مختفية وراء هذه الأسماء المبهمة العامة، و أن الموضوعات التي يدور حولها الحوار هي الموضوعات التي تعنى بها هذه الشخصية. و ذلك أمر سنشرحه في الفصل التالي عند حديثنا عن القصص و نفسية الرسول.

بعد ذلك أو في أثنائه يألم النبي عليه السلام، و يحس بضيق شديد من جراء تلك العداوة التي قد تؤدي إلى التهديد بالنفي و الإخراج من الأرض أو الاغتيال و التقتيل، و ينزل القرآن ليصوّر هذه الأحوال و يذهب عن نفس النبي ما ألمّ بها من ضيق، و يمثّل هذا اللون من القصص قصص سور هود و طه و القصص و الأنبياء و يوسف.

و يلاحظ في هذا الطور أن الشخصية القصصية بدأت تتميز بعواطفها الخاصة و أحداثها التاريخية، و أن البناء القصصي قد بدأ يتكامل، و أن الحوار قد استقر و ظهرت آثاره الفنية لا في توضيح الفكرة فحسب، بل بما تستثيره الأفكار من عواطف و انفعالات تؤثر في مجرى الأحداث و حياة الأشخاص. و أعتقد أن خير قصة يجب أن نقف عندها لنحلّلها، و نبيّن ما فيها من عناصر قصصية و ظواهر فنية هي قصة يوسف.

و قصة يوسف قصة إنسانية، تلعب فيها العواطف البشرية الدور الأول فتؤثر في سير الأشخاص و توجّههم نحو الخير أو نحو الشر في حياتهم، ثم هي قصة رحبة واسعة تتعدّد فيها الشخصيات و تتلوّن الأحداث، و يجري فيها الحوار هينا لينا رقيقا، و تتوزّع فيها العناصر التوزيع الذي يتطلّبه الفن القصصي، فهي موزّعة بمقدار، تظهر و تختفي حسب الظروف الطبيعية و حسب ما يحيط بالأبطال من أحداث.

ثم هي، من حيث البناء القصصي، أجود قصة في القرآن. و لعله من أجل هذا عدّها القرآن من أحسن القصص حين قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغََافِلِينَ (1) .

تبدأ القصة بتمهيد هو رؤيا يوسف: إِذْ قََالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يََا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ

____________

(1) سورة يوسف، الآية 3.

336

عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ*`قََالَ يََا بُنَيَّ لاََ تَقْصُصْ رُؤْيََاكَ عَلى‏ََ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لِلْإِنْسََانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ*`وَ كَذََلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحََادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ََ آلِ يَعْقُوبَ كَمََا أَتَمَّهََا عَلى‏ََ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1) . و نفهم نحن من هذا التمهيد ما سيدور في القصة من أحداث تلم بيوسف فنعلم أنه سيكاد له، و نعلم أن هذا الكيد لن يقضي عليه فسينجّيه ربه و يعلمه من تأويل الأحاديث و يتم نعمته عليه و يجعله نبيا كما أتمها على أبويه من قبل.

و التمهيدات تظهر بكثرة في هذا الطور من القصص فنلحظها في قصة موسى في القصص: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ََ وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*`إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهََا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طََائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنََاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسََاءَهُمْ إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ*`وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ* `وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ جُنُودَهُمََا مِنْهُمْ مََا كََانُوا يَحْذَرُونَ (2) . كما نلحظها في قصص عيسى في سورتي مريم و آل عمران، و التمهيدات هنا قصص بأكملها، فقصة يحيى أو زكريا في سورة مريم تمهّد لقصة عيسى و تهيّئ لها الأذهان. و قصة مريم في سورة آل عمران توحي بقصة ولادة يحيى، و هي بدورها أيضا تمهّد لقصة عيسى عليه السلام.

تبدأ القصة بعد هذا التمهيد في شكل مؤامرة لاغتيال يوسف أو التنكيل به يدفع إليها الحسد و الغيرة، و نسمع حديث القوم حول الطريقة التي يريدون سلوكها، و نراهم و هم يردّدون الأمر بين جانبين: جانب القتل، و جانب الإلقاء في الجب، و نفهم أن قد رجّح الأمر الأخير. ثم نلحظ الجريمة و قد بدأت تأخذ شكلها العملي، فهم يحتالون على أبيهم و هو يخشى أن يأكله الذئب و هم يؤكّدون له أن هذا لن يكون، و كيف يقع و هم عصبة و ما ذا يكون موقفهم لو أكله الذئب و هم غافلون إنهم إذا لخاسرون. و أخيرا يمضون بأخيهم إلى حيث أرادوا و يجيئون أباهم عشاء و هم يبكون.

____________

(1) سورة يوسف، الآيات 4-6.

(2) سورة القصص، الآيات 3-6.

غ

337

و نلحظ هنا نوعا من السذاجة يلائم العقل العربي أو العقل البدوي، فقد كان خوف أبيهم من أن يأكله الذئب، و كانت حيلتهم للتعمية و التضليل إخبار أبيهم أن قد أكله الذئب، و التجاوب بين الخوف و الاعتذار سذاجة في البناء القصصي تلائم طبيعة البداوة فيما أعتقد.

و نلحظ بعد ذلك تلك السحابة الرقيقة من الحزن التي تغشى نفس يعقوب و تسمع حديثه إليهم و إيمانه القلبي بأن أنفسهم قد سوّلت لهم أمرا و نرى استسلامه للقدر فصبر جميل و اللّه المستعان على ما يصفون.

ثم نمضي مع يوسف حين يلتقط من الجب و حين يشرى بثمن بخس فنترك أرض فلسطين إلى أرض مصر و نترك البادية إلى المدينة، و نستقر في بيت من أعظم بيوتها هو بيت العزيز، و نستمع إليه يوصي به خيرا لعله أن ينفعه أو يتخذه ولدا. و هنا نحس أن يد العناية قد لمسته فمكّنت له في الأرض و علّمته من تأويل الأحاديث، ثم أخذت تدفع به إلى الأمام لينتصر على الكيد و الحسد و يفوز على من أرادوا التخلّص منه لتستقيم لهم الأمور و تستقر في نفوسهم أسباب المودة و السعادة و يكونوا من بعده قوما صالحين.

و في بيت العزيز تتعقّد الأمور، فيكون الصراع بين العقل و العاطفة و ينتصر العقل لدى يوسف الفاضل، و تحس المرأة بالهزيمة فيملأها ذلك حقدا و غيظا، و يبدأ، بالنسبة إلى يوسف، كيد جديد و تتّهمه امرأة العزيز بأنه قد أراد بها السوء و أن جزاءه يجب أن يكون السجن أو العذاب الأليم. و هنا يدخل القصة عنصر جديد هو عنصر الكشف عن حقيقة الجريمة، و يستدل العزيز على أن فتاه لم يخنه من أن قميصه قد من دبر.

و تتوالى الأحداث و هي طبيعية متساوقة إذ يسمع النسوة بالمدينة عن الحادث فيأخذنه، كما هي عادتهن، بإكثار الحديث عنه، و تسمع امرأة العزيز بما يدور حولها و تفكّر في مخرج من هذا المأزق، فتهديها فطرتها إلى ذلك الاجتماع الذي ينقلب فيه العاذلات عواذر، إذ يؤخذن بجمال الفتى و يرين أنه ليس من البشر و أنه ليس إلا الملك الكريم. و تحس امرأة العزيز أن قد ملكت ناصية الموقف فيعاودها حرصها على إشباع رغبتها الجنسية و تعلن أمامهن أنها قد راودته عن نفسه فاستعصم، و أنه إن لم يفعل ما تأمره به ليسجنن و ليكونا من الصاغرين. و يختار يوسف الفاضل السجن و يرى أنه أحب إليه مما يدعونه إليه و يخشى‏

338

أنه إن لم ينصرف عنهم أن تتغلب فيه النزعات البشرية و العواطف الجنسية فيصبو إليهن و يفعل ما يفعله الجاهلون. و هنا تلمس يوسف يد العناية فتستجيب لدعائه و تصرف عنه كيد النساء.

و ندخل مع يوسف السجن و نلحظ ما أفادته العناية الإلهية، كما نلحظ ما فيه من شعور ديني، فهو يعبّر الرؤيا لصاحبيه، و هو يدفعهم إلى التوحيد و عبادة الواحد القهار، و هو ينهاهم عن عبادة الأوثان، و هو يطلعهم على أن ذلك من فضل اللّه عليه.

ثم يحمّل الناجي من صاحبيه أمانة و يطلب إليه أن يذكره عند ربه و إن يكن الشيطان قد أنساه. و يعاود الحظ يوسف و تلمسه يد العناية حين يرى الملك رؤياه و حين يعجز الملأ عن تعبير تلك الرؤيا، إذ عند ذلك يذكر الناجي من صاحبي يوسف يوسف و يذهب إليه مستفتيا و يجيبه يوسف إلى ما طلب و يعبّر له الرؤيا و يدل على القصد من البقرات السمان و العجاف و السنبلات الخضر و اليابسات.

و يطلب الملك يوسف و يأبي هذا حتى يحقّق الملك مبتغاه و حتى يرسل إلى النسوة و يقف منهن على الحقيقة فيما كان من أمره مع امرأة العزيز، و تأتي هذه و تعلن أنها هي التي راودته، و أنه صادق في كل ما قال، و يأتي يوسف و يطلب إلى الملك أن يجعله على خزائن الأرض و يستجيب الملك و ينال يوسف مبتغاه.

و في مدة السجن هذه نلحظ أثر العنصر النبوئي أو الغيبي و الدور الذي لعبه في القصة. نلحظه كما لحظنا من قبل أثر العنصر الجنسي في توجيه حياة يوسف من الكيد له في أثناء مقامه في بيت العزيز إلى أن انتهى به ذلك الكيد إلى إلقائه في السجن حتى أنقذته يد العناية و خرج من السجن بسبب رؤية الملك.

و تعود بنا القصة إلى بعض الذكريات السابقة فتجمع بين يوسف و إخوته مرة ثانية فيعرفهم و هم له منكرون، و يحتال عليهم حتى يأتوه بأخ لهم من أبيهم و يحتالون هم بدورهم على أبيهم ليرسل معهم ذلك الأخ، و يحتاط و الدهم كما احتاط أولا، و لكن القدر الذي يوجّه القصة يدفعه إلى القبول و يذهب الأخ إلى أرض مصر حيث يقيم يوسف. فآواه إليه و قال إني أنا أخوك فلا تبتئس.

339

و احتال يوسف عليهم مرة ثانية حين جعل السقاية في رحل أخيه و حين أذّن المؤذّن بأنهم سارقون، و حين سألهم عن جزاء السارق، فقد كان هذا الجزاء هو كل ما يطلب يوسف و ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء اللّه. و يحاول هؤلاء الإخوة دفع أحدهم مكان السارق و يأبى يوسف و يستعيذ باللّه أن يكون من الظالمين و يرحل الإخوة و يبقى كبيرهم فلن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه أو يحكم اللّه. و يطلب إليهم أن يخبروا أباهم بكل ما حدث، و أن يدفعوه إلى السؤال عن صحة الحادثة بسؤاله أهل القرية التي كانوا فيها، أو العير التي أقبلوا فيها، و هنا تعاود الرجل أفكاره السابقة و يخبرهم بأن قد سوّلت لهم أنفسهم أمرا؛ و يستسلم للقدر كما استسلم له أولا و يصبر ذلك الصبر الجميل الذي يحوطه الأمل بأن اللّه سيأتيه بهم جميعا.

و تغشى الرجل سحابة حزن قاتمة حتى ليكاد أن يكون من الهالكين. و تطوف بنفسه خواطر ملهمة فيدفع أبناءه إلى الذهاب للتحسّس من يوسف و أخيه و يطلب إليهم ألا ييأسوا من روح اللّه فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون. و يذهب هؤلاء و يلتقون بيوسف للمرة الثالثة و هنا يعيد إلى أذهانهم ما ألمّ به من حيل المكر و الكيد، و يسألهم عن فعلتهم التي فعلوها و هم جاهلون. و يعرف القوم الحقيقة و يسألونه عن نفسه فيقدّم لهم نفسه و أخاه و ينبئهم بأن ذلك جزاء الصبر و التقوى و أن اللّه لا يضيع أجر المحسنين و يعترفون بالخطيئة و يعترفون له بالفضل و إيثار اللّه له عليهم. و يحس يوسف بما في أنفسهم من إحساس باللوم و التعنيف فيخفّف وقع ذلك عليهم فلا تثريب عليهم. اليوم يغفر اللّه لهم و هو أرحم الراحمين.

و يعود الإخوة بقميص يوسف و يلقونه على وجه أبيهم فيرتد إليه البصر و يقبل الأب و الأبناء و يستقبلهم يوسف استقبال الابن البار و الأخ العطوف و يفيض الحنان من قلبه، و تجري عبارات الشكر على لسانه و يذكّر أباه بما كان بينه و بينه من حديث‏ فَلَمََّا دَخَلُوا عَلى‏ََ يُوسُفَ آوى‏ََ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قََالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ*`وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قََالَ يََا أَبَتِ هََذََا تَأْوِيلُ رُءْيََايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهََا رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ وَ جََاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطََانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي‏

340

لَطِيفٌ لِمََا يَشََاءُ إِنَّهُ هُوَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ (1) .

فأنت ترى هذه القصة بنيت بناء محكما من حيث فن البناء القصصي. ففيها وحدة الموضوع، و إحكام التصميم و فيها جودة الحبكة، و فيها الانفتاح بالحوادث الاستطرادية.

و شخصية يوسف هي الشخصية الرئيسية التي تدور حولها الحوادث. أما غيره من الشخصيات فتظهر و تختفي كلما دعت الحوادث. فيظهر الإخوة في أرض فلسطين حيث كان يقيم معهم و يختفون حيث رحل. و تظهر السيارة كوسيلة لانتقال يوسف من البدو إلى الحضر. و يمضون إلى غير رجعة حين باعوه للعزيز. و يظهر العزيز و امرأته و واحد من أهلها و نسوة المدينة، كل يؤدي دوره المنوط به حين يكون مسرح الحوادث بيت العزيز. ثم يختفون حين ينقل يوسف إلى السجن. و هنا يظهر صاحباه و يتركه أحدهما إلى غير رجعة حين يصلب، و يعود إليه الثاني مرة ثانية حين يرى الملك رؤياه. و يظهر الملك على مسرح الحوادث حين نسمع رؤياه و يبقى حتى يسلّم خزائن الأرض ليوسف بعد إذ يبرئه من دعواه، و يحضر النسوة ليعترفن بما قدّمت أيديهن من شر لهذا الفتى. و يختفي الملك و النسوة و يظهر إخوة يوسف مرة ثانية و يبقون على المسرح حتى ينقلوا إلى مصر و معهم أبوهم و من شاء.

فأنت ترى أن الشخصية الرئيسية هي شخصية يوسف و أن الشخصيات الأخرى شخصيات ثانوية تظهر و تختفي حسب الخطوط أو حسب ما يؤدون من أدوار. و قد حلّلنا فيما مضى شخصيتين من هذه الشخصيات هما يوسف و شخصية امرأة العزيز.

و الأحداث في هذه الشخصية أحداث عادية تقع لكل شخص و في كل زمان و مكان فليس يبعد أن يرحل إسرائيلي من بلد إلى آخر و هو فقير معدم فتصير إليه مقاليد بيت المال، و ليس يبعد أن تقع كل هذه الأحداث لشخص فيكون موقفه منها موقف يوسف حتى حادث المراودة، و لا تستغرب إلا حالة إلقاء القميص على وجه أبيه و ارتداده بصيرا فتلك قد تكون من خصائص الأنبياء.

____________

(1) سورة يوسف، الآيتان 99-100.

341

و أمكنة الأحداث هنا متميزة بعض التميّز، فهي حينا أرض فلسطين التي كان يسكنها يعقوب، و هي حينا أرض مصر، بيت العزيز أو السجن أو بيت المال.

و الآراء و الأفكار عادية، و كذا ما كان يمضي بين الشخصيات من حوار.

و الانفعالات القوية و الغرائز المؤثّرة في مجرى الحوادث من الأمور التي تترك أثرها في كل لحظة من لحظاتنا في الحياة، فالحقد و الحسد و الحب أقوى العواطف و الغرائز في القصة، و هي الأمور التي تلمس في كل مجتمع منذ خلق اللّه الأرض و السماء.

و عنصر الرؤى هو الذي يجري قليلا مع الإتجاهات الدينية حيث تفسّر على أنها الأمور القريبة من أمور الوحي، و إذا فلا بد من أن تصدّق و تقع في الحياة. و تفاوت الحظوظ موجود و اختلافها على يوسف واضح حتى لا يحتاج إلى تفسير أو إيضاح.

و على كل فقصة يوسف من القصص الفني المحكم البناء. و قد اجتمعت فيها كل العناصر القصصية التي توزّعتها القصص المختلفة في القرآن.

و أخيرا نصل إلى الطور المدني و نحس أن القصة فيه قد بدأت تكون في الغالب معرض صور أو آراء، فلا مقدمات و لا نتائج، و إنما الأحداث تصوّر لتهز النفوس و تستثير العواطف، و الآراء تذكر لتأخذ مكانها من القلب و تستقر في طوايا الفؤاد.

و القصة في هذا الطور تمثّل أيضا الصراع القائم بين النبي عليه السلام و أهل الكتاب، و من هنا كانت موضوعاتها دائرة في الغالب حول ما نزل باليهود من مكر و كيد و كيف سامهم فرعون سوء العذاب.

كذلك كانت تدور حول عيسى و ما دار حوله من جدل بين أهل الكتاب و النبي عليه السلام في قتله و صلبه، و أنه ابن أو ليس ابنا للّه. و خير ما يمثّل هذه الألوان من القصص قصة موسى عليه السلام في سورة البقرة و عيسى في سورة آل عمران.

و قبل أن نختم هذا الفصل نذكر أننا نلاحظ وجود قصص في هذا الطور تصوّر أحداثا لكنها لا تصوّرها بقصد استثارة الانفعالات و العواطف، خاصة تلك التي تخيف‏

342

و ترعب. و إنما التي تصوّر الإحداث و كأنها التجارب البشرية التي أخذت مكانها في الحياة و كان القصد هو استقرار الفكرة في النفوس، و إزالة تلك الغرابة التي تحسها العقول. و أكثر ما كان يدور القصص في هذا الطور من تلك الناحية حول مسألة البعث و خير ما يمثّله قصة إبراهيم و الطير و قصة الذي مرّ على قرية و هي خاوية على عروشها و هما من قصص سورة البقرة، و سبق أن نقلناها في غير هذا المكان.

343

الباب الرابع نفسية الرسول و قصص القرآن‏

344

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

345

نفسية الرسول و قصص القرآن‏

و مما تقدّم، و من نصوص القرآن الصريحة نستطيع أن نسجّل بعض الحقائق لتكون العون و السند في الحديث عن نفسية الرسول عليه السلام.

(1) و أول تلك الحقائق تلك الوحدة، أو ذلك التشابه التام القائم بين الأديان كلها في الكثير من عناصر الدعوات، لا سيما ذلك الجزء الخاص بالوحدانية و محاربة الأوثان، أو بعبارة أعم في الجزء الخاص بالمعتقدات و ذلك هو الأمر الواضح من قوله تعالى‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (1) .

(2) و ثاني تلك الحقائق ذلك التشابه التام القوي بين حالة النبي عليه السلام و أحوال غيره من الرسل من حيث الاختيار و الاصطفاء و نزول الوحي، و من حيث عمومية الإرسال في كل أمة سبقت الإسلام، وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ (2) .

(3) و ثالثها ذلك التشابه التام الواضح من عمومية النص في الآيات الكثيرة المصوّرة لمواقف الأمم المختلفة من رسلها العديدين. و ذلك من مثل قوله تعالى‏ يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (3) . و من مثل قوله‏ كَذََلِكَ مََا أَتَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ قََالُوا سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ*`أَ تَوََاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ (4) .

____________

(1) سورة الشورى، الآية 13.

(2) سورة فاطر، الآية 24.

(3) سورة يس، الآية 30.

(4) سورة الذاريات، الآيتان 52-53.

غ

346

إلى غيرها من الأشياء التي سجّلناها في حديثنا عن المعاني الاجتماعية في القصص القرآني.

و معنى ما تقدّم أن الجو القصصي الذي يمثّل هذه الحقائق يمثل إلى جانبها نفسية كل رسول في كل عصر من حيث الجانب الفكري الواضح مما يدعو إليه من آراء و معتقدات، كما يمثّلها من حيث الجانب الاجتماعي من وجود القادة و النذر أو الرسل و العظماء.

و محمد عليه السلام لم يكن إلا واحدا من هؤلاء، و إذا فهذا الجو الفكري و الاجتماعي في القصص القرآني يمثّله كما يمثّل غيره من الرسل عليهم الصلاة و السلام.

و إذا تركنا هذا الجانب الذي توجد فيه الوحدة، و يقوم فيه التشابه بين الدعوات و الرسل إلى غيره من الجوانب التي لا تقوم فيها أو عليها هذه الأشياء التفت ذهننا إلى أمر آخر هو السبب الذي من أجله اختيرت أحداث بعينها من حياة بعض الرسل في القصص القرآني دون أحداث. و القرآن نفسه يدلّنا على هذه الأسباب حين يقول‏ وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ وَ جََاءَكَ فِي هََذِهِ اَلْحَقُّ... (1) و حين يقول‏ فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (2) و حين يقول‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ... (3) .

و معنى كل هذا أن اختيار أحداث بعينها من تاريخ هؤلاء الرسل أو قصصهم كان مقصودا، و أن هذا القصد لم يكن إلا التنفيس و الإفاضة عن النبي عليه السلام و المسلمين و إلا خدمة الدعوة الإسلامية. و إذا فالقصص القرآني من هذا الجانب الذي تتفاوت فيه حيوات الرسل و يمضي فيه كل منهم إلى نوع من الأحداث تلائم ظروفه و تتفق و طبيعة الدعوة و أحوال البيئة يمثّل نفسية النبي عليه السلام من حيث أنها العامل الأول في الاختيار.

____________

(1) سورة هود، الآية 120.

(2) سورة الأعراف، الآية 176.

(3) سورة يوسف، الآية 3.

347

غير أننا يجب أن نأخذ حذرنا و نحتاط و أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن الفروق المميزة لشخصيات الرسل في القرآن تقوم أول ما تقوم على هذه الأحداث المعروضة لكل واحد من هؤلاء. فتقوم مثلا على حادثة إلقاء إبراهيم في النار أو التقام الحوت ليونس، أو إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى بالنسبة لعيسى عليه السلام كما تقوم على فرق البحر بالنسبة لموسى و حادث الطوفان بالنسبة لنوح و الناقة بالنسبة لصالح و معنى ذلك أيضا أنه يجب علينا أن نعرّي هذا القصص القرآني من تلك الوقائع الخاصة إذا أردنا أن تبقى لنا الوقائع العامة التي قد تتكرّر في أكثر من قصة و لأكثر من مناسبة لأنها التي اختيرت أكثر من مرة، و من هذا الباقي نستطيع أن نلمس صورة تلك النفسية التي عقدنا من أجلها لهذا الفصل و هي نفسية محمد عليه السلام، و لكن ليس معنى هذا أن تلك الوقائع الخاصة لا قيمة لها فذلك أمر لا أستطيع القول به، ذلك لأني لا أستطيع أن أنكر قيمة هذه الأحداث من حيث عملية الإفاضة أو الإيحاء، ثم هي تدل على ما كان يعانيه الواحد من الرسل من ألم أو شقاء. لكن هذه القيمة تقف عند هذه الدلالة و عند عرض الصورة التي قد تسري عن نفس النبي عليه السلام و لا تعدوها إلى ما يجري خلفها من آراء و أفكار أو عواطف و انفعالات تستفيد منها في هذا الميدان بالذات.

و الذي نستطيع أن نلحظه بعد عمليات التعرية هذه، و بعد استبعاد الأجزاء العامة التي تمثّل نفسية كل رسول لما فيها من وحدة أو تشابه تام هو ما يأتي:

أولا-نلحظ أن بعض عناصر الدعوة الإسلامية قد توزّعته القصص المختلفة فثبت بعضه عند رسل بأعيانهم، و مضى غيره إلى أكثر من رسول و إن تميز هذا الرسول دون ذلك. فنلحظ مثلا أن قصص شعيب تلتزم الحديث عن بخس الناس أشياءهم، و تطفيف الكيل في كل موطن وردت فيه من القرآن. و نلحظ أن قصة لوط قد التزمت الحديث عن إتيان الذكران من العالمين. و سبق أن سجّلنا بعضا من قصص لوط و شعيب فلا داعي لذكرها في هذا المكان. و نلحظ أن قصة صالح في النمل تصوّر فكرة اغتيال النبي محمد عليه السلام. قال اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*`وَ كََانَ فِي‏

348

اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ*`قََالُوا تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنََا مَكْراً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ*`فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*`فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خََاوِيَةً بِمََا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*`وَ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ (1) ثم هي التي تتمشى مع هذه الآيات المصوّرة لنفسية النبي عليه السلام و أحواله مع قومه. قال تعالى وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهََا وَ إِذاً لاََ يَلْبَثُونَ خِلاََفَكَ إِلاََّ قَلِيلاً*`سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنََا وَ لاََ تَجِدُ لِسُنَّتِنََا تَحْوِيلاً (2) و قال‏ وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ (3) .

و لعل من متمّمات هذه الصورة التي تؤذن بما كان في مكة من حرص على الانتقام و الاغتيال و التي نعتقد أن قصة صالح تمثّله أن نذكر هنا أطرافا من قصص موسى تلقي ضوءا على ما نحس أنه قد وقع في البيئة المكية في ذلك الزمان.

و أول هذه الأطراف محاولة بعض الناس الدفاع عنه و صرف الناس عن قتله و اغتياله، و تلك يمثّلها جزء من قصة موسى في سورة غافر. قال تعالى‏ وَ قََالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ*`وَ قََالَ مُوسى‏ََ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاََ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ اَلْحِسََابِ*`وَ قََالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمََانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللََّهُ وَ قَدْ جََاءَكُمْ بِالْبَيِّنََاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كََاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صََادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذََّابٌ (4) وَ قََالَ اَلَّذِي آمَنَ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشََادِ*`يََا قَوْمِ إِنَّمََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا مَتََاعٌ وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ هِيَ دََارُ اَلْقَرََارِ*`مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا وَ مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهََا بِغَيْرِ حِسََابٍ

____________

(1) سورة النمل، الآيات 45-53.

(2) سورة الإسراء، الآيتان 76-77.

(3) سورة الأنفال، الآية 30.

(4) سورة غافر، الآيات 26-28.

349

* وَ يََا قَوْمِ مََا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلنَّجََاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى اَلنََّارِ*`تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللََّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفََّارِ*`لاََ جَرَمَ أَنَّمََا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لاََ فِي اَلْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنََا إِلَى اَللََّهِ وَ أَنَّ اَلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحََابُ اَلنََّارِ*`فَسَتَذْكُرُونَ مََا أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبََادِ*`فَوَقََاهُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِ مََا مَكَرُوا وَ حََاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذََابِ*`اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذََابِ (1) إذ ليس من شك عندي في أن الجزء الأخير يحمل في طياته خصائص من الدعوة الإسلامية في مكة، خاصة الحديث عن عبادة الأوثان و عبادة ما ليس لهم به علم و عبادة من‏ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لاََ فِي اَلْآخِرَةِ .

و ثاني هذه الأطراف ذلك الذي جاءه يسعى ليخبره عن تلك المؤامرة التي تدبّر لقتله و اغتياله إذ هي في هذا الوضع تشبه حال النبي عليه السلام و ليس من شك في أن النبي قد علم بمؤامرة قتله و اغتياله، و أنه من أجل هذا هاجر إلى ديار أخواله بني النجار، هاجر إلى المدينة. و هذا الجزء من قصة موسى هو المذكور في سورة القصص. قال تعالى وَ جََاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ يَسْعى‏ََ قََالَ يََا مُوسى‏ََ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ اَلنََّاصِحِينَ*`فَخَرَجَ مِنْهََا خََائِفاً يَتَرَقَّبُ قََالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (2) .

و نص القرآن صريح في أن النبي عليه السلام قد علم بما يضمرون له من مكر و كيد. و ذلك هو الواضح من الآيات التي ذكرناها هنا بعد قصة صالح فهي آيات مكية حتى الأخيرة الواردة في سورة الأنفال و هي من السورة المدنية إذ نص على أنها من الآيات المكية.

و إذا فهذه القصص لصالح و موسى تفسّر هذه المؤامرة التي حيكت لاغتيال النبي عليه السلام و تكشف عما كان يدور في مكة بين الأعداء و الأصدقاء و كيف عاونه منهم الآخرون بالعمل على إحباط هذه المؤامرة.

____________

(1) سورة غافر، الآيات 38-46.

(2) سورة القصص، الآيتان 20-21.

350

أما الأمور التي تمضي في أكثر من قصة و إن تميّز بها رسول بالذات فهي من أمثال:

(1) عبادة غير اللّه و سواء في ذلك الكواكب و الأوثان و عبادة الأرواح الخفية و أفراد من بني الإنسان، فهذه تمضي في أكثر من قصة و تكرّر في غير آية و لكن إبراهيم وحده يتميّز من بين سائر الرسل بنفيه عبادة الكواكب و تحطيم الآلهة من الأصنام، و تتميز شخصيته كل التميّز في موقفه من عبادة الكواكب و القمر و الشمس في سورة الأنعام، و تحطيم الآلهة في سورة الأنبياء. و هو في هذه المواقف يكاد يخفي شخصية غيره من الأنبياء.

(2) يتكرّر عرض مواقف المستكبرين من الرسل و الأنبياء أو من المستضعفين و الفقراء و نجد آثارهم في قصص كل من شعيب و صالح مثلا. و لكن بطلين يكادان ينفردان بالموقف في هذا الميدان، أولهما إبليس في بعض قصص آدم، و ثانيهما فرعون المتعالي الجبار.

و ما ظنك بشخص يدعي الألوهية و يخاف من طغيانه و جبروته الرسل و الأنبياء إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعََالٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلْمُسْرِفِينَ (1) .

ثانيا-و هذا الأمر هو الذي يعنينا أكثر من غيره في هذا الفصل من الكتاب و هو أن الشخصيات تتساوى فيما عدا ما تقدّم في تمثيل نفسية النبي عليه السلام.

نلحظ الصورة المعروضة للواحد من الرسل فنحس لساعتنا كأنها صورة محمد عليه السلام و كأن الحوار القائم و كأن الأحداث البارزة هي التي تلم به أو تقع بينه و بين من يدعوهم إلى الدين الجديد من مشركين و أهل كتاب.

و لن أعمد هنا إلى عرض شخصيات الرسل واحدا واحدا لأبيّن لك القصد و أوضح لك المراد فذلك أمر قد يكفي فيه المثال أو الشاهد، يستغني بهما عن كل شاهد و مثال.

و لذا سأختار إحدى الشخصيات أتتبّعها في جميع مراحلها و سنلحظ سويا أن هذه المراحل هي التي مرّت بالدعوة الجديدة و بنبي الإسلام.

و لن أختار موسى و إبراهيم فقد تحدّث الناس كثيرا عما بينهما و بين النبي عليه السلام

____________

(1) سورة يونس، الآية 83.

351

من صلات، و إنما سأعمد إلى شخصية أخرى أعتقد أنها شخصية فذة فريدة في هذا المقام.

سأختار شخصية نوح و أعتقد أنك ستطالبني بتعليل هذا الاختيار.

و لقد كان من الممكن أن أصبر عليك أو أطلب منك الصبر حتى أعرض عليك الصورة النفسية لنوح، ثم أدلّك على وجه الموافقة أو التشابه التام بينها و بين نفسية نبيّنا عليهما السلام. و لكني لا أريد أن أفوّت عليك قصدا رمى إليه القرآن.

لنقرأ سويا هذه الآيات من القرآن: يقول اللّه تعالى: إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبََاطِ وَ عِيسى‏ََ وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هََارُونَ وَ سُلَيْمََانَ وَ آتَيْنََا دََاوُدَ زَبُوراً (1) . و يقول تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (2) .

أو لست ترى أن هذه هي الشخصية التي أراد القرآن أن يعقد بينها و بين النبي محمد صلات؟و أ فلا تعتقد أن ذلك هو الأمر المتوقّع ما دمنا نعتقد أن نوحا هو الأب الثاني للبشرية، و ما دام القرآن يرمي إلى أنه لا فضل لقوم على قوم و لا رعاية لجماعة دون أخرى من حيث النبوة و الرسالة و إيتاء الحكمة و إنزال الكتاب ف اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .

و نبدأ فنقرأ قصص نوح على أساس هذه المجموعات:

المجموعة الأولى: قصص القمر و نوح و الشعراء و الأعراف و يونس و المؤمنون و هي القصص التي تمثّل بدء الدعوة، كما تصوّر موقف المكذبين، و هي القصص التي غلب عليها التخويف أو شرح مبادئ الدعوة، و ما يتبع كل ذلك من حوار و تصوير أحداث.

المجموعة الثانية: قصص هود و الصافات و الأنبياء، و هي القصص التي تمثّل القلق النفسي و الإتجاه إلى المولى القدير، و القصص الذي يقصد به إلى التنفيس و التطهير.

____________

(1) سورة النساء، الآية 163.

(2) سورة الشورى، الآية 13.

352

أما المجموعة الثانية فنستطيع الإعراض عنها لأنها من الأمور العامة التي يجمع القرآن في الحديث عنها بين نوح و بين غيره من الأنبياء.

و نعود إلى المجموعة الأولى فنقول قال اللّه تعالى في سورة القمر كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا وَ قََالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ*`فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ*`فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ... (1) . و ذلك بعينه هو الذي حدث من قوم محمد عليه السلام. و لعل هذه القصة لا توضح الوضوح الكافي صورة محمد عليه السلام من الجانب النفسي، و لذلك ننتقل إلى غيرها، و هي قصة نوح في سورة نوح. و لن أنقل إليك هذه القصة، فقد سبق أن وضعتها بين يديك فيما مضى و لذا سأكتفي بلفت الذهن إلى هذه الأشياء:

(أ) الدعوة في السر و العلن و في الليل و النهار و تصوير موقف المعارضة من الدعوة إذ هو بعينه موقف النبي عليه السلام‏ قََالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهََاراً*`فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً*`وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً*`ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهََاراً*`ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرََاراً (2) .

(ب) إن عوامل الترغيب في الدخول في الدعوة هي بعينها تلك العوامل التي صوّرها القرآن من حيث ترغيب النبي عليه السلام لقومه ثم هي هي التي تلائم البيئة العربية في الجزيرة. قال تعالى‏ فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً*`يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً*`وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنََّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهََاراً*`مََا لَكُمْ لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً*`وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوََاراً*`أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اَللََّهُ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً*`وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً*`وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً*`ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهََا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرََاجاً*`وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً*`لِتَسْلُكُوا مِنْهََا سُبُلاً فِجََاجاً (3) .

(ج) موقف المعارضة هو هو بعينه إذ يطلبون إليه البقاء على دين الآباء و الأجداد،

____________

(1) سورة القمر، الآيات 9-11.

(2) سورة نوح، الآيات 5-9.

(3) نفس السورة، الآيات 10-20.

غ

353

دين الوثنية، و يذكرون الأصنام العربية بأسمائها. و المعارضون هم الأغنياء الذين ينفقون أموالهم لصد الناس عن سبيل اللّه و إتباع الدين الجديد. قال تعالى: قََالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مََالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاََّ خَسََاراً*`وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبََّاراً*`وَ قََالُوا لاََ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً*`وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ ضَلاََلاً (1) .

(د) الأمر من حيث النفسية يجري بين الضيق بالقوم و الاستسلام للّه و هو بعينه الذي يلحظ عند النبي عليه السلام، و نتبيّن هذا الضيق من الدعاء عليهم بقوله: وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً*`إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً (2) . كما نتبيّن الاستسلام من قوله: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي... (3) رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي... (4) رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ تَبََاراً (5) .

و نمضي بعد هذه القصة إلى قصص نوح في سورتي المؤمنين و الأعراف فنلحظ نفسية النبي عليه السلام هي الواضحة، كما نلحظ أنا لا نزال في الطور الأول من أطوار الدعوة الإسلامية. يقول اللّه تعالى في سورة الأعراف: لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*`قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ*`قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاََلَةٌ وَ لََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ* `أُبَلِّغُكُمْ رِسََالاََتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ*`أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جََاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنََاهُ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ فِي اَلْفُلْكِ وَ أَغْرَقْنَا اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً عَمِينَ (6) . و يقول في سورة المؤمنين

____________

(1) سورة نوح، الآيات 21-24.

(2) نفس السورة، الآيتان 26-27.

(3) نفس السورة، الآية 5.

(4) نفس السورة، الآية 21.

(5) نفس السورة، الآية 28.

(6) سورة الأعراف، الآيات 59-64.

354

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ*`فَقََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً مََا سَمِعْنََا بِهََذََا فِي آبََائِنَا اَلْأَوَّلِينَ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتََّى حِينٍ*`قََالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِمََا كَذَّبُونِ (1) .

فنحن نلحظ من هاتين القصتين أن عناصرهما تصوّر الحياة العربية المعاصرة للنبي عليه السلام و نزول القرآن. فهم يرونه في ضلال و يرون به جنة و يعتقدون أن لو شاء اللّه لأنزل ملكا فما سمعوا من قبل بأن الرسول يكون من البشر و ليست المسألة إلا أنه واحد منهم يريد أن يتفضل عليهم. و كل هذه الأشياء هي التي حدثت في البيئة العربية بين العرب و بين النبي عليه السلام.

و الذي يصح أن نلفت إليه الذهن في هذا المقام هو أن الضيق بالرسول قد بدأ يستقر في نفس الجماعة، و أن الرغبة في التخلّص منه قد أفصحت عن نفسها و لكنها رغبة لينة لم تستكمل عناصر القوة بعد، و لذا فهي تكتفي بالتربّص. و ليس ذلك إلا ما ذكره القرآن عن نبيّنا عليه السلام. قال اللّه تعالى‏ فَذَكِّرْ فَمََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكََاهِنٍ وَ لاََ مَجْنُونٍ*`أَمْ يَقُولُونَ شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ*`قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُتَرَبِّصِينَ (2) .

و ننتقل بعد ذلك إلى القصة في سورة يونس فنرى الضيق قد بدأ يشتد؛ و الرغبة في التخلّص منه قد أخذت تقوى، و هو لا يزال قوي العاطفة رابط الجأش يعتمد على ربه في الصغيرة و الكبيرة من أمره. ثم هو في الوقت نفسه حريص عليهم شديد الرغبة في هدايتهم يظهر شيئا من الحنان نحوهم. يقول اللّه تعالى‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ إِنْ كََانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقََامِي وَ تَذْكِيرِي بِآيََاتِ اَللََّهِ فَعَلَى اَللََّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَ لاََ تُنْظِرُونِ*`فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمََا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ (3) .

____________

(1) سورة المؤمنون، الآيات 23-26.

(2) سورة الطور، الآيات 29-31.

(3) سورة يونس، الآيتان 71-72.