الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
355

على أننا نلحظ هنا عناصر أخرى غير السابقة هي عدم سؤالهم الأجر ثم إعلانه لهم بأنه أمر أن يكون من المسلمين. و ليس من شك عندي في أن هذه التفاتة من القرآن واضحة صريحة نحو الدعوة الإسلامية و أن إبراهيم قد جاء بعد نوح في الترتيب الزمني حتى في القرآن.

و لم يبق من هذه المجموعة غير قصة نوح في سورة الشعراء، و هي تمثّل عناصر مختلفة من الدعوة الإسلامية. يقول اللّه تعالى‏ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`قََالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ*`قََالَ وَ مََا عِلْمِي بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ*`إِنْ حِسََابُهُمْ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ*`وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`قََالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمَرْجُومِينَ* `قََالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ*`فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (1) .

فهنا نلحظ غير ما تقدّم في القصص السابقة التهديد و الوعيد و أنهم سيرجمونه إن لم ينته عما يقول أو عن دعوتهم للدين الجديد كما نلحظ عنصرا آخر هو الحديث عن الأراذل، و عن أنهم العقبة الوحيدة في سبيل دخولهم إلى الدين الجديد، و أنهم من أجل ذلك يطلبون إليه أن يطردهم و لكن أنى له أن يبعد عنه الأنصار و الأعوان، و ليس من عمله إلا الإنذار أما ما عدا ذلك من ثواب أو عقاب فأمر يملكه الواحد القهار.

و أظنك لست في حاجة إلى أن أدلّك على أن هذا الصنيع بعينه هو الذي كان من الأغنياء و من مشركي قريش، و أنه الذي من أجله نزلت بعض آيات القرآن‏ وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ (2) .

و ننتقل إلى قصص المجموعة الثانية، و هي القصص التي يراد بها إلى التنفيس فنجد

____________

(1) سورة الشعراء، الآيات 105-118.

(2) سورة الأنعام، الآية 52.

356

قصة هود، و هي القصة التي سبقها الحديث عن الحالة النفسية للنبي عليه السلام و كيف كان يضيق صدرا بالمعارضة حتى ليهم بترك الدعوة من جراء حديثهم عنه من أنه يفتري على اللّه كذبا و يجي‏ء بالقرآن يقول اللّه تعالى‏ فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ*`أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيََاتٍ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (1) .

و هذه الأمور هي التي نلحظها في قصة نوح من هذه السورة، كما نلحظ إلى جانبها عناصر قصصية من القديم و الجديد. يقول اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَنْ لاََ تَعْبُدُوا إِلاَّ اَللََّهَ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ*`فَقََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مََا نَرََاكَ إِلاََّ بَشَراً مِثْلَنََا وَ مََا نَرََاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ وَ مََا نَرى‏ََ لَكُمْ عَلَيْنََا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كََاذِبِينَ*`قََالَ يََا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتََانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهََا وَ أَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ*`وَ يََا قَوْمِ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مََالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ وَ لََكِنِّي أَرََاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ*`وَ يََا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللََّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ*`وَ لاََ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزََائِنُ اَللََّهِ وَ لاََ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ وَ لاََ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لاََ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اَللََّهُ خَيْراً اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ*`قََالُوا يََا نُوحُ قَدْ جََادَلْتَنََا فَأَكْثَرْتَ جِدََالَنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`قََالَ إِنَّمََا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللََّهُ إِنْ شََاءَ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ*`وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*`أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرََامِي وَ أَنَا بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُجْرِمُونَ*`وَ أُوحِيَ إِلى‏ََ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاََّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاََ تَبْتَئِسْ بِمََا كََانُوا يَفْعَلُونَ ... وَ يَصْنَعُ اَلْفُلْكَ وَ كُلَّمََا مَرَّ عَلَيْهِ. مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قََالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنََّا فَإِنََّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمََا تَسْخَرُونَ* `فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذََابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذََابٌ مُقِيمٌ ... وَ نََادى‏ََ نُوحٌ رَبَّهُ فَقََالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ اَلْحََاكِمِينَ*`قََالَ يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ

____________

(1) سورة هود، الآيتان 12-13.

357

إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ*`قََالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ* `قِيلَ يََا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاََمٍ مِنََّا وَ بَرَكََاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ََ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ (1) .

فهنا كما ترى بعد حذفنا للعنصر القصصي الخاص بأحداث الطوفان تجد العناصر القصصية الباقية تصوّر الحالة العربية في زمن النبي عليه السلام و موقفه منها. و نستطيع أن نهمل شرح كونه نذيرا و أنه بشر و أن الذين اتّبعوه هم الأراذل، و أنه لن يطردهم، و أن أجره على اللّه، و أنه لا يطلب منهم مالا فتلك عناصر قد تكررت. و تبقى بعد ذلك أمور دالة، منها البيّنة، تلك التي عميت عليهم و التي لا يريد أن يلزمهم بها و هم كارهون. أ ليست هذه هي الحال المشابهة تماما لحال النبي عليه السلام حين طلبوا منه الآيات البيّنة على صدق الرسالة و صحة الدعوة، و التي كان يجيب القرآن عليها بمختلف الإجابات. و لقد كان من أوضح إجاباته تلك التي وردت في سورة العنكبوت من قوله تعالى‏ وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ يُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ََ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (2) . و منها أنه لا يدّعي أنه يملك خزائن اللّه أو يدّعي علم الغيب أو يقول إنه ملك. و منها ذلك التحدي القائم على تكذيبه بأن يأتيهم بالعذاب إن كان صادقا فيما يذهب إليه. و منها مسألة الافتراء، و هي من غير شك التفاتة إلى الأمور المعاصرة فما تعلم أن نوحا قد نزل عليه كتاب. و لعل هذا هو الذي دفع بعض المفسّرين إلى القول بأن هذه الآية ليست من قصة نوح و أنها خاصة بمحمد عليه السلام. و منها تلك السخرية التي يقومون بها حين يمرون عليه و هو يصنع الفلك.

و نستطيع أن نضيف إلى الأمور السابقة موقف ابنه منه، و ما كان من فرقة دينية بينهما كما نستطيع أن نضم إلى ذلك موقف زوجته منه فهي الأمور التي تمثل الوضع العربي، و إن مثّلته على أنه القاعدة العامة أو الناموس النفسي الذي لا يتخلّف. و قد أشرنا

____________

(1) سورة هود، الآيات 25-48.

(2) سورة العنكبوت، الآيتان 50-51.

358

إلى هذه النصوص عند حديثنا عن الأسس النفسية و الاجتماعية في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا البحث.

و يبقى بعد ذلك قصص الصافات و الأنبياء، و هي جميعها تمثّل الحديث عن النصر الذي يمن اللّه به على الأنبياء. و تلك أيضا قاعدة عامة، أو ناموس نفسي يحدث لكل نبي و في كل زمان.

و نستطيع أن نفعل ذلك في قصص كل نبي نحذف منه الوقائع المعروفة و لن نجد بعد كل هذا إلا نفسية محمد عليه السلام.

على أن أمرا آخر يبيّن الصلة بين هذا القصص و نفسية النبي عليه السلام هو أن النبي هو الذي كان يلقيه. و ليس من شك في أنه كان يعبّر بصوته عما يصوّره النص من معان، و عما يحمله اللفظ من أحاسيس و عواطف. فالقصص القرآني يمثّل نفسية النبي و يمثّلها في أدق مراحلها و في أعنف صورها و ليس بنا من ناحية بعد ما تقدّم من شرح إلى إقامة أي دليل أو برهان.

359

الخاتمة

هذه هي رسالة الفن القصصي في القرآن الكريم، و هي رسالة تلقي بالقارئ إلى هدفين رئيسيين: الأول منهما درس أدبي أو بلاغي فني للقصة القرآنية، و هو درس يكشف عن بعض أسرار الإعجاز، لأنه يبيّن لنا مذهب القرآن الكريم في بناء القصة، فيبيّن الألوان القصصية من تاريخية و تمثيلية و أسطورية، و كيف كان القدماء يفهمون كل لون و يفسّرونه، و إلى أين انتهى بهم هذا الفهم و هذا التفسير. و يبيّن أيضا طريقة القرآن الكريم في توزيع العناصر القصصية أي في هندسة القصة، و كيف كان هذا التوزيع للعناصر يتبع الظروف و المناسبات، و يتأثر إلى حد كبير بالدعوة الإسلامية في تدرّجها و ترقّيها. ثم يبيّن مذهب القرآن الكريم في رسم الأشخاص و تصوير الأحداث و إقامة الحوار، و كيف كان يجعل العنصر الواحد من الأحداث و الأشخاص محورا تدور حوله أكثر من قصة. و أخيرا هو درس أدبي بلاغي يكشف عن مذهب القرآن القصصي، و عن العوامل النفسية التي كان يقيم عليها القرآن أسس الاستهواء، و عن النواميس الاجتماعية التي كان يرد إليها القرآن السبب في قوة الدعوة الإسلامية و في صحتها و سلامتها.

أما الهدف الثاني فقد كان الانتهاء من هذا الدرس إلى قاعدة أو نظرية تفسّر لنا مواقف الكفرة و المشركين من القصص القرآني، و تحل لنا هذه المشكلات الكثيرة التي وقف

360

عندها المفسّرون، ثم تعمد في النهاية إلى رد جميع الاعتراضات التي يتقدم بها المستشرقون و المبشّرون، و من لف لفهم أو نحا نحوهم من الزنادقة و الملاحدة، و كل طاعن على النبي، أو في القرآن الكريم.

و تفسير موقف المشركين يقوم على ذلك الأساس الذي قال به الرازي ثم النيسابوري عند تفسير كل منهم للآية الكريمة بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (1) من سورة يونس، و هو الأساس الذي يقول بأن هؤلاء الكفرة قد نظروا من القصة إلى هيكلها، و من الحكاية إلى جسمها، و لم ينظروا منها إلى الجوهر: إلى التوجيهات الدينية و الخلقية و إلى الأسس النفسية و النواميس الاجتماعية. و لو أنهم نظروا هذه النظرة الأخيرة، لما وقفوا عند الأحداث و الأخبار من حيث هي تاريخ، و لما دفعت بهم هذه الوقفة إلى القول بأن القرآن أساطير الأولين، و لما عارضوا القرآن حين عارضوه بالقصص التاريخي، قصص رستم و اسفنديار و ملوك الفرس، و لعرفوا في النهاية أن القصص القرآني لا يقصد إلا إلى التوجيهات الدينية و الخلقية، و إلى تقرير الدعوة الإسلامية، و إقامة هذا التقرير على الأسس النفسية و النواميس الاجتماعية، و عند ذلك كانوا يعترفون حتما بأنه وحي و أنه تنزيل الحكيم الحميد.

و حل مشكلات المفسّرين يقوم على ذلك المذهب الذي لفت الأستاذ الإمام إليه الذهن عند تفسيره لقصص آدم و هاروت و ماروت من سورة البقرة، و هو المذهب الذي يقرر بأن القصص القرآني يصح أن يفهم فهما أدبيا بلاغيا، و أنه لا يجوز أن يفهم فهما تاريخيا، و لقد كان المفسّرون يذهبون هذا المذهب في كثير من المواقف، و كانت المشكلات تحل عندهم في هذا الأساس، و من ذلك تفسيرهم لقصة داود و الملكين من سورة ص، و تفسيرهم لقول اليهود عن عيسى إنه رسول اللّه، و غير هذين مما سبق أن ذكرناه.

أما الرد على الملاحدة و الزنادقة، و على المستشرقين و المبشّرين فيقوم على أساس أن القرآن الكريم كان يقيم بناء القصة على ما يعتقده المخاطب، و على ما تتصوّره الجماعة من

____________

(1) سورة يونس، الآية 39.

361

مسائل التاريخ، و ليس ذلك إلا لأنه يريد الهداية و الإرشاد، و يقصد إلى العظة و العبرة، و لا يقصد إلى تعليم التاريخ أو نشر وثائقه بحال من الأحوال.

و المذهب الذي جرى عليه القرآن الكريم مذهب أدبي مقرّر، تعرفه جميع اللغات و يجري عليه العمل عند جميع الأدباء، ثم هو مذهب التفت إليه كثير من المفسّرين، فقال به بعض القدماء ممّن روى الطبري أقوالهم عند تفسيره لقصة أصحاب الكهف، و قال به الأستاذ الإمام عند حديثه عن قصة هاروت و ماروت، و قال به علماء البلاغة من المسلمين حين اكتفوا باللزوم العرفي أي بالعرف و العادة، و اعتقاد المخاطب في مسائل البيان، و لم يتطلّبوا اللزوم العقلي أي الحق و الواقع.

ذلك هو مذهب القرآن القصصي، و هو مذهب يرد على هؤلاء جميعا اعتراضاتهم، ذلك لأنهم يبنون هذه الاعتراضات على أساس المخالفات التاريخية، مخالفات القصص القرآني لما أثبته الكشف التاريخي و قال به المؤرخون من غير المسلمين، و هو بناء لا يستقيم مع هذا العرف الأدبي الذي قرّرناه، ذلك لأن الذي يعاب على القاصّين هو المخالفة التاريخية الصادرة عن جهل بمسائل التاريخ و قضاياه. أما تلك التي تصدر عن مذهب أدبي هو تصوير اعتقاد المخاطب ليتّخذ وسيلة إلى ما وراءه فأمر لا يعاب، و بخاصة إذا كان هذا الكشف التاريخي قد جاء بعد قرون و قرون. إن المخالفات مع فرض ثبوتها و إقامة الدليل عليها، إنما هي مخالفات لما كانت تعرفه البيئة من تاريخ، و أمثال هذه المخالفات لا تضير القرآن في شي‏ء، لأنه لم يدل على أنه قد قصد إلى التاريخ و إلى تعليمه للناس و نشر وثائقه بينهم. هذا هو رأينا، لك أن تخالف فيه و لك أن تقرّه، و ليس بيني و بينك إلا هذه الآية الكريمة: قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ... (1) .

____________

(1) سورة يوسف، الآية 108.

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

الجزء الثاني الفن القصصي في القرآن الكريم عرض و تحليل‏

خليل عبد الكريم‏

364

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

365

مقدمة تحليلية

عند ما طلبت مني دار سينا مقدمة لـ (الفن القصصي في القرآن الكريم) تردّدت كثيرا إذ شعرت بهيبة عميقة فالكتاب أولا يعتبر من علامات الطريق في الفكر الإسلامي الحديث فمن بعد (في الشعر الجاهلي) لطه حسين و (الإسلام و أصول الحكم) لعلي عبد الرزاق لم يحدث مصنف ثورة و لا أقول ضجة مثلما فعل (الفن القصصي) شارك فيها عدد من رموز الثقافة و السياسة.

هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى فإن الفكرة التي يتمحور عليها الكتاب فكرة اتّسمت بالجرأة و الأصالة معا.

أما عن الأولى فالذي لا شك فيه أنها صدمت المؤمنين خاصتهم و عامّتهم، الذين شبّوا و شابوا على أن قصص القرآن حقائق تاريخية أو أنها تموضعت على أرض الواقع فإذا بالمؤلف ينحو منحى مغايرا و يقول بوجهها الفني و أنه قصد بها تحقيق أغراض، و ترتيب نتائج، و أنها لا تعني بحال من الأحوال المعاني التاريخية و هو لم يطرح رأيه هذا طرحا سهلا مجانيا و لم يرسله إرسالا بل بناه على منهج علمي صارم و التزم الموضوعية الرصينة و هذا في رأينا من أخطر البواعث التي حرّكت المناوئين و المعارضين لخلف اللّه فلو أنه طلع‏

366

على الناس بفكرة هشة لم يدعمها بمنهج علمي محبوك أو حتى بمنهج فطير (غير ناضج) لما حرّك لهم ساكنا بل ربما دفعهم ذلك إلى السخرية و الاستهزاء و بضاعتهم في هذين الضربين و فيرة و زادهم منهما كبير، يشهد على ذلك تاريخهم الفكري هذا إن صحّ تسمية ما يدلقونه من آراء فكرا.

لو أن خلف اللّه قدّم ما قدّم في كتابه هذا الرائع المعجب بعبارات إنشائية و جمل خطابية لما شاهدنا خصومه في الرأي آنذاك، بل و حتى الآن يلفون حول أنفسهم و يكلّمونها شأن المتغبّط المفروس... و لكن لأنه قدّم الدليل إثر الدليل و الحجة بعد الحجة و البرهان عقب البرهان مما ألقمهم حجرا وراء حجر فقد فقدوا صوابهم و طاشت أحلامهم و خفّت عقولهم و سلكوا مسالك لا تليق.

أما عن الصفة الأخرى و هي الأصالة فلقد أثبت خلف اللّه أن فكرته ليست مبتدعة و أن عددا من علماء اللغة أشار إليها و ألمح إلى فحواها. و لكنهم توقّفوا في أول الطريق فجاء هو و أكمل المسيرة و أتمّ الشوط إنما بطريقة تقطع بالأستاذية و التمكّن و التعمّق و الثراء الفكري و الخصوبة الثقافية. و هذا جميعه يجعل تقويم هذا المؤلّف (بفتح اللام) للقارئ مهمة عسرة أشد ما يكون العسر ثقيلة أوعر ما يجي‏ء الثقل، فادحة أوفر ما تغدو الفداحة.

أما عن الجانب الثالث أو الأخير: فهو المؤلّف.

الذي أثبت منذ (الفن القصصي) و هو رسالته للدكتوراه أنه مفكّر عميق جمع من العلوم الإسلامية أشتاتا بمقدرة و مهارة و في مقدّمها علوم اللغة و تفسير القرآن و تتّضح إحاطته بهما إحاطة نادرة في كل صفحة من صفحاته.

و لم تكن أطروحة (الفن القصصي) بالنسبة له هي بيضة الديك شأن سواه بل ظلّ يواصل العطاء أكثر، و مثل هذا المصنّف (بكسر النون) من أصعب الأمور أن تتحدّث عنه-دعك من أن توفيه حقّه من التقدير-و مما يضاعف الصعوبة أنه لم ينل ما هو جدير به من مكانة حتى بعد وفاته إلى رحمة اللّه-فلم تشرع أقلام في تقييم فكره أو عرض مؤلفاته و رفع الحجاب عما فيها من أصالة و جدّة معا و مما يؤسف له أن من هم أقصر قامة من خلف‏

367

اللّه نالوا أضعاف ما يستحقون، و الذي لا شك فيه أن الغبار الذي أثير حول الرسالة كان له أثره الفعّال في الإحجام عن الكتابة عنه و من العجيب أن يستمر عقودا عديدة (حتى الآن نصف قرن) ...

و لعل هذا يعطينا دليلا على أن الدين-في منطقتنا-كان و لا زال من (المحرّمات) التي يحظر الاقتراب منها أو معالجتها إلا بالطريقة التقليدية أو على الأقل الإتباعية أما الخوض فيه بموضوعية و من منطلق منهج علمي فهذا ممنوع منعا تاما، و لا يعني سلوك الطريقة الموضوعية أو المنهج العلمي نقد الدين-فهذه مرحلة متقدّمة لم يأت أوانها بعد-أو المساس به إنما يعني الكتابة في علومه المتنوعة من مناظير مغايرة لما درج عليه السلف و عرضه من وجهات نظر مباينة لما ساروا عليه، حتى و لو كان في ذلك كشف عن جوانب مضيئة للدين أو إبراز قسمات وسيمة له أو تقديم أدلة تؤكده و براهين توثقه و حجج تدعمه كما فعل خلف اللّه في (الفن القصصي) إذ قدّم مرافعة علمية ممتازة تدحض ما يثيره بعض المستشرقين و أضرابهم من شبهات حول قصص القرآن و بعدها عن الحقيقة التاريخية. ثم نئوب إلى سياقة القول:

إن الهدف الذي نتغياه من هذه المقدّمة، ليس هو تقييم خلف اللّه أو إيضاح وزنه الفكري و ثقله الثقافي... فهذا ما لا طاقة لنا به و لا قدرة لباحث فرد على إنجازه، إنما القصد منها (المقدّمة) إلقاء حزمة من الضوء و إذا شئنا الدقة بصيصا منه على محتوى الرسالة... إذ ربما (و لقد تعمّدنا اختيار صيغة التعريض هذه) يعين القارئ على التعرّف إليها و التفرّس في جوانبها و التمعّن في خوافيها و الأهم من ذلك كله هو: التبصّر في ما بين سطورها و قراءة المسكوت عنه فيها ذلك أننا نرجّح-و العهدة علينا في ذلك-أن خلف اللّه كتب بين سطور كتابه سطورا عديدة ليطالعها القارئ لا بباصرته إنما ببصيرته و فطانته و لقانته...

و سكت عن الكثير الكثير لأن الوقت لم يحن أيامها و لا حتى الآن و ربما لنصف قرن قادم (و هذا منتهى التفاؤل) . نقول سكت عن البوح به و الإفصاح عنه و لكنه ترك للقارئ أن يدركه و يتفهّمه... بذكائه و لماحيّته.

368

يتكوّن (الفن القصصي في القرآن الكريم) من مقدّمة و تمهيد ثم أربعة ابواب ينتهي بخاتمة شديدة القصر.

و يبيّن من عرض محتوى الكتاب بمجرّد إلقاء نظرة عجلى على المكوّنات مدى الجهد الذي بذله خلف اللّه فيه و إصراره على الإحاطة بالموضوع من أقطاره كافة و مدى الظلم الذي وقع عليه عند ما قيل عنها إن أقل ما تستحقه هو الرفض التام، الأمر الذي ترك على نفسيته ندوبا واضحة بل جروحا عميقة غائرة ظلت تلازمه طوال عمره يحسّها كل من قابله و قد لمست ذلك شخصيا عند ما سعدت بلقائه بعد أكثر من ثلاثين عاما.

-التمهيد

في التمهيد كشف خلف اللّه النقاب عن:

أ-الأسباب التي دفعته لاختيار (القصص الفني) موضوعا لرسالة الدكتوراة.

ب-المنهج الذي سلكه في دراسته.

عن الأسباب فقد ذكر أن لدروس أستاذه الشيخ أمين الخولي عن المنهج الأدبي في فهم القرآن و تفسيره كان لها القدح المعلى بالإضافة إلى تربيته الدينية التي أنشئ عليها و عوامل أخرى كلها هي التي وجّهته إلى اختيار (جدل القرآن الكريم) مادة لرسالة الماجستير... و لما واصل بحثه و قراءته تبيّن له اعتماد القرآن على ذات ما اعتمد عليه أصحاب الدعوات من عوامل. و استقر في نفسه على أن ما ذهب إليه المفسّرون و أصحاب الفرق الدينية المختلفة على غير أساس و أنهم لم يفهموا قصد القرآن من استعمال الألفاظ و من ثم فهي قد أرادت أن تفرض آراءها و معتقداتها هي على القرآن و ضرب لذلك مثلا على ذلك بما جاء في سورة (يس) فقد استخدمه أصحاب الفرق و عدد من المفسّرين على خلاف ما رمى إليه القرآن و جادلوا فيه جدالا عقيما بينما القرآن كان يهدف شرح ظاهرة اجتماعية تواجه كل دعوة إما بالرفض أو بالقبول. و القصد هو تصوير استعدادات النفوس تسرية عن النبي-ص-و إزالة ما يعتوره منهم رغم الموقف المعاند أو التنفير من ذلك الموقف.

369

و لاحظ أن موقف الفرق و بعض المفسّرين يرجّح إلى الموقف الذي يصفه بالانحراف و هو دراسة القصص القرآني كما تدرس الوثائق التاريخية.

في حين أن القرآن-برأي خلف اللّه-لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له و بذلك يكونون قد عكسوا القضية و شغلوا أنفسهم عن المقاصد الحقة التي تغيّاها القرآن و الجوانب الاجتماعية و الدينية الهدف الرئيس من القص في القرآن.

و هكذا بدأ المنهج الأدبي يستقر في نفس الباحث و من ثم ازداد تعلّقا بالقرآن و بالتالي اتّجه ذهنه إلى القصص القرآني-حتى انتهى به الأمر إلى أن يصبح (الفن القصصي في القرآن الكريم) هو موضوع أطروحته التالية أي الدكتوراة.

و هناك أسباب أخرى أولها أن أئمة الدين و التفسير يعدّون القصص القرآني من المتشابه و أن الملاحدة و المبشّرين و المستشرقين وجدوا فيه ثغرة للطعن على النبي و القرآن الكريم.

و أرجع ذلك إلى أنهم درسوا القصص القرآني دراسة وثائق التاريخ الأمر الذي دفعه إلى دراسته على منهج الأصوليين و اللغويين و الأدباء.

و أكّد أن المستشرقين عجزوا عن فهم أسلوب القرآن الكريم و طريقته في بناء القصة و تركيبها و وحدتها و من ثم ذهبوا إلى أن القرآن أخطأ التاريخ و أرجعوا ذلك إلى أن بشرا هو الذي كان يعلّم محمدا و هو رأي سبقهم إليه مشركو مكة (و سجّله القرآن في إحدى الآيات) ...

تلك هي العوامل التي دفعت خلف اللّه إلى اختيار موضوعه.

و قبل أن نغادر الأسباب و نتطرّق إلى المنهج نلاحظ أن بعضها ذاتي مثل نشأته في أسرة و بيئة دينية و تأثّره بأستاذه الشيخ الخولي، بيد أن الذي يتعيّن علينا ألا نمر عليه مرور الكرام هو الأسباب الموضوعية منها و هو دراسة القصص القرآني دراسة أدبية تفاصل بينها

370

و بين الدراسة التاريخية بمعنى عدم النظر إليها بحسبان أنها حقائق تاريخية. و لا نكون مغالين إذا قلنا إن هذا هو لبّ الرسالة و هو (خلف اللّه) بذلك يدحض قالة عدد من المفسّرين إن القصص من المتشابه و معلوم أن هذا المتشابه استأثر اللّه بعلمه و أطلع عليه الراسخين في العلم... كما يدفع عن القرآن شبهة الملاحدة و المبشّرين و المستشرقين أن القرآن فيه تناقض و فيه مخالفة لما هو ثابت في وثائق التاريخ فيما يتعلق بما يرويه من قصص و انتهوا إلى أنه ليس منزلا من السماء من عند اللّه و لكن بشرا كان يعلّم محمدا إياه و عزا الباحث ذلك إلى عجز المستشرقين عن فهم أسلوب القرآن.

و لكن هذه القالة من قبل خلف اللّه تثير مشكلة و هي:

إذا كان المستشرقون (كان الأصح أن يقول؛ بعض المستشرقين) قد ذهبوا إلى ذلك لعجزهم عن فهم أسرار القرآن فإن مشركي مكة ذهبوا المذهب عينه و لم يدّع أحد و لا يجرؤ أحد أن يدّعي أنهم لم يفهموا أسرار القرآن.

أما عن المنهج فهو يذكر أن الخطوات التي سار عليها إبان دراسته موضوعه جديدة و قديمة و ليس في هذا تعارض أو تلاعب بالألفاظ. فهي جديدة من حيث أنها دراسة للقصص القرآني على أساس أدبي و قديمة لأنه استقاها من كتب المناهج أو من الواقع العملي لما يفعله النقّاد و كبار رجال الأدب. و أولى تلك الخطوات جمع النصوص و هو يعترف بأنه لم يجد أدنى صعوبة فيها لأنه اعتمد على المصحف.

و يشكّل الترتيب التاريخي للقصص الخطوة الثانية و هو يقر بأن عمدته في ذلك على المصحف الملكي (و كان أصوب لو أنه قال المصحف العثماني أ. هـ. ) رغم أنه يعلم-و هذا ما سجّله-بقلمه أنه ليس بالترتيب التاريخي القويم و يعلّل ذلك قائلا (و لكن ليس في الإمكان أبدع مما كان) و هذه ذريعة إنشائية و ليست موضوعية و في اعتقادنا أنها تنبو عن الرسالة العلمية و الذي نرجّحه أن خلف اللّه و قد بذل هذا الجهد المشكور في الرسالة لم يكن يفوته أن محاولات عديدة قام بها مستشرقون أكابر و أعلام لترتيب آيات القرآن و سوره و كان حريا بالباحث أن يلقي نظرة عليها.

371

و نرجّح أن خلف اللّه قد غضّ الطرف عنها لدافعين:

أ-سوء ظنّه بالمستشرقين (جميعهم إذ كان يذكرهم بألف لام الاستغراق أ. هـ. ) الذي بدا واضحا من الصفحات الأولى من الرسالة، و هذا أمر كنا نأمل أن يربأ بنفسه عنه.

ب-كان خلف اللّه-و كما صرّح في مواضع من أطروحته-يوقن تماما أنها سوف تثير عليه الثائرات و لو أنه اعتمد في الترتيب التاريخي على ما ذهب إليه ذلك البعض من المستشرقين لأضاف إلى وقود النار حطبا يؤجّجها و يزيدها اشتعالا.

و ردا على اعتماد المؤلّف على المصحف في الترتيب التاريخي نذكر ما ذهب إليه د. عبد الرحمن بدوي في أحدث كتبه الذي أنشأه باللغة الفرنسية ثم نقل إلى اللسان العربي و هو دفاع عن القرآن ضد منتقديه إلى أنه لم يصح حتى الآن أي رأي في الترتيب التاريخي لسور آيات القرآن.

أما الخطوة الثالثة فهي فهم النصوص حيث أكّد الباحث على ضرورة التفرقة بين الفهم الحرفي و الفهم الأدبي و عرف كلا من الفهمين. و لما كان هو ينحو منحى الفهم الأخير فهو يقرر أن هذا الصنيع في الفهم جديد بالنسبة لموضوعه و أن ما في القصص القرآني من ظواهر أدبية و فنية لم يدرس و لم يعرض بالصورة التي عرضها و هو محق في ذلك و محق أيضا فيما ذكره عن معاناته في ذلك.

و الخطوة الرابعة تحمل عنوان التقسيم و التبويب و فيها شرح الباحث الدوافع التي حثّته على القيام بالتبويب الذي حملته الأطروحة.

و يختم خلف اللّه خطواته بما أطلق عليه (الأصالة و التجديد) ... و يصفها بأنها مسألة من أهم المسائل لدى دارسي حياة العلوم و الفنون و كل من يبتغي فهما دقيقا عميقا للمسائل العلمية و الأدبية... و الذي أراه في هذه الخطوة أن الباحث عمد فيها إلى عبارات إنشائية أو أنه لم يوفها حقّها من التوضيح و أيا كان الأمر فلا شك أن المنهج و خطواته كانا من الرصانة بمكان وثيق إذ أنهما طرحا هذا الكتاب القيّم الذي لاقى فيه خلف اللّه عسرا و مشقّة قوبلا للأسف بالجحود و النكران...

372

الباب الأول: المعاني و القيم التاريخية و الاجتماعية و الخلقية و الدينية.

الفصل الأول‏

بدأه بالفصل الأول و خصّصه للمعاني التاريخية و فيه يفصح خلف اللّه عن أن الهدف هو البحث عن قيمة الأحداث القصصية في المجالات التاريخية و يطرح تساؤلا مهما: هل هي من الوقائع التاريخية أو من الأحداث القصصية التي لم يقصد منها إلى التاريخ؟

و يخبرنا أن لهذه المسألة جذرا تاريخيا يرجع إلى ما قبل البعثة المحمدية بقليل و هو المقياس اليهودي في التفرقة بين النبي و المتنبّي فالأول يعلم الغيب و منه أخبار السابقين من رسل و أنبياء... و ضرب مثلا لذلك و هو إرسال قريش اثنين من رجالها لأحبار يهود ليسألاهم عن محمد فطلبوا منهما أن يسألاه عن ثلاثة أشياء و هي التي وردت في سورة الكهف-أصحاب الكهف، ذي القرنين، و الروح-فإن أجاب عنها فهو نبي و إلا فهو متقول و يرى الباحث أن القرآن و السنّة اعتمدا هذا المقياس في الإيحاء بنبوّة محمد و صدق رسالته و استدلّ على ذلك بما جاء في سور آل عمران و يوسف و القصص.

و طلب الالتفات إلى أن القرآن حين فعل ذلك (أي العلم بهذه الأخبار من علامات النبوّة) أضاف إليها شرطا آخر هو أن تكون مطابقة إما لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب. و الانتباه إلى هذا الملحظ ذو قيمة كبيرة كما سيبيّن فيما يأتي.

بيد أن اعتماد القرآن على هذا المقياس خلّف في الجو الإسلامي سواء في عصر النبوة أو ما تلاه رأيين:

أولهما: هو أن الوقوف على هذه الأخبار لا يعسر على محمد فهو إما اكتتبها من كتب الأقدمين أو علّمه إياها بشر فهي إذن ليست و حيا و لا تدل على نبوّة.

هذا هو رأي المشركين و الكفّار من أهل مكة الذين تمادوا فذهبوا إلى أبعد من هذا: وصفها أنها أساطير و أنهم يستطيعون الإتيان بها و لقد سجّل القرآن كل هذا في بعض آياته.

373

ثم سار الملاحدة أو اليهود أو النصارى و المستشرقون أو المبشّرون في طريق الطعن في النبي-ص-و في القرآن الكريم. ساروا شوطا و ذلك باتخاذ التاريخ مقياسا تقاس به الأخبار و كشف الحجاب عن مخالفة قصص القرآن للتاريخ الذي يعرفونه. و هذه الفقرة أو الفاصلة أو المقطع من أخطر المقاطع التي أوردها خلف اللّه في مؤلّفه حتى الآن و هي التي تنضوي على الأمثال التي ضربت تأكيدا لوجهة النظر تلك-بداهة من منظور قائليها-و التي أفردها عدد من سادة المفسّرين و هي بإيجاز شديد:

-ما جاء في القرآن أن عيسى تكلّم في المهد و لم يثبت ذلك من قبل.

-لم يكن في زمن فرعون موسى وزير يسمّى هامان و لا دليل عليه لدى من سبق.

-لو كانت بلقيس موجودة وقت سليمان لما خفي عليه أمرها و لما انتظر هدهدا يخبره بشأنها.

-أن مريم ليست أخت هارون (يا أخت هارون) و أن بينهما قرونا عديدة (تزيد المدة على ألف و خمسمائة و سبعين عاما) فكيف تكون أخته.

هذه الأمثال و غيرها كثير ساقها المبشّرون و الملاحدة لإثبات أن محمدا هو مؤلّف القرآن و ليس وحيا من عند اللّه و يؤكّد خلف اللّه أن المسلمين أو بعبارة أدق العقل الإسلامي هو الذي أعطاهم الفرصة لهذه المطاعن كيف؟

لأن العقل الإسلامي فهم قصص القرآن على أساس من التاريخ و لو فهمه على أساس من الفهم الأدبي... أو البياني البلاغي لصكّ الملاحدة على وجوههم و قطع عليهم طريق القدح و الطعن في القرآن و محمد.

ثانيهما: أي ثاني الرأيين هو رأي المسلمين الذين يؤمنون بهذا المقياس و يعتقدون بصحّته و يذهبون إلى أن ورود هذه الأخبار في قصص القرآن حجة دامغة على صحة نبوّة محمد و رسالته لأنه أمّي لا يقرأ و لا يكتب و لم يتلمذ على من قرأ في كتاب و لم يقرأ هو كتابا.

374

و استتبع ذلك إقدام المفسّرين على تفسير القرآن و فهمه عن ثقافة تاريخية لا ثقافة فنية أدبية... و كان من البديهي أن تنتصب في وجوههم عقبات كئود وقفوا طويلا أمامها و لم ينقذهم منها إلا رجوعهم للحق و يقصد به خلف اللّه فهم قصص القرآن على أسس البلاغة العربية و الفن القصصي.

و قبل أن نتناول بإيجاز ما اتّخذوه سبيلا لذلك نشير إلى أن خلف اللّه بتبنّيه هذا الأساس (الأدبي و اللغوي و البلاغي) و دعوته إليه أسدى خدمة جليلة للقرآن و محمد و لكن مناوئيه لم يقدّروا له هذا الصنيع و ليس لغزا في حاجة إلى حل هو أن مبعث غضبهم-و هذا أمر ضروري لجأ إليه القرآن ذاته-هو ذكر حجج المعارضين و أدلّة المناوئين و براهين المخاصمين فهم يرون أنه ما كان يحق له أن يذكر في رسالته:

أن هامان لم يكن وزيرا لفرعون موسى-و أن مريم ليست أخت هارون لأن بينهما ما يقرب من ألفي عام-و أن عيسى لم يتكلّم في المهد و أن سليمان و له ملك لا ينبغي لأحد من بعده ما كان له أن يجهل وجود بلقيس و مملكتها في حين اكتشفها هدهد على مسافة قريبة.

و الرد على ذلك أن إيراد هذه المطاعن أمر لازم للرد عليها و إلا فكيف يتسنّى تنفيذها دونه. فضلا عن أن الأقدمين أو السلف الصالحين ألّفوا كتبا في تنزيه القرآن عن المطاعن فعلوه و أكثر منه-و لقد تأكّد لي من مقارنة كتب سيرة محمد التراثية بالحديثة أو المحدثة أن الأولى كانت تتّسم بالأمانة العلمية فذكرت وقائع السيرة بأكملها دون حذف أو تزويق بخلاف الأخيرة فإنها عمدت إلى الحذف و التزيين و البرقشة... و بداهة أن هذا منهج فسيد-و من ثم في رأينا أن مسلك الدكتور خلف اللّه في إبراز المطاعن سواء الخاصة بالأخطاء التاريخية أو التناقض و التعارض مما سوف يأتي بعد كان أحد أهم أسباب الثورة التي قوبلت بها الرسالة، و لا يهم أن يصرّح الغاضبون بذلك و سوف يأتي الكثير فيما يلي و يستجد.

نرجع بعد ذلك إلى عدد من المواقف التي، وقف عندها المفسّرون ليصح فهمهم و يستقيم تفسيرهم لقصص القرآن.

375

أولادها: الإشارات التاريخية

هي مادة بناء القصص القرآني و التي تعمّد القرآن إبهامها أو إبهام مقوّماتها التاريخية و قد فعل ذلك لأن أول من خوطب به (أهل مكة) كانوا يعرفون الثقافة التاريخية القابعة خلفه، أو لأنه هدف إلى أن يتّجه إلى بشر بعقولهم إلى ما فيها (القصص) من مواعظ و هداية و إنذار و بشير... إلخ. و من بين مقوّمات الإبهام و أبرزها: إبهام الزمان و المكان و ما يميّز الأشخاص من صفات و أخرى هي عملية انتقاء لبعض الأحداث دون بعض. و من ذلك أحسّ المفسّرون أن فهمهم التاريخي للقصص لا يستقيم مع هذا الإبهام فعمدوا إلى الاستعانة بالإسرائيليات أو الفروض النظرية.

و لوقفات المفسّرين عند هذه الإشارات ظواهر منها رضاهم و قناعاتهم بالأساس التاريخي دون سواه بل إنهم لشدة الفهم له أنكروا ما عداه و لو أن خلف اللّه يلحظ بوادر التفاتهم إلى المذهب الأدبي و يضرب أمثلة بالغة السرعة و الإيجاز مثل تفسير الزمخشري لنبأ الخصم الذين تسوّروا المحراب و تفسير الطبري لقصة آدم في كل من سورتي البقرة و ص.

إن كل ما ذكرناه-مع تمسّكهم بالأساس التاريخي-لم يوصلهم إلا إلى متاهات و لا يرسل خلف اللّه كلامه على عواهنه بل يقدّم البراهين فعلى سبيل المثال لا الحصر: الذي مرّ على قرية... تخبّطوا فمرة هو عزير و أخرى أرمياء أو الخضر و ثالثة رجل كافر أو إسرائيلي أو من قوم لوط... إلخ أما القرية فالتضارب بشأنها أشد فهي: بيت المقدس... أو قرية العنب أو المؤتفكة أو دير هرقل إلخ.

و كذلك في مسألة وسوسة إبليس لآدم هل دخل في جوف الحيّة أو في صورة دابة أو كان آدم يخرج إلى باب الجنة و إبليس يقترب منه فتتم الوسوسة.

و هكذا فإن الأساس التاريخي أفضى إلى هذا التيه.

و ثانيها: التكرار

و يعني تكرار القصة في عدة سور فقصص آدم و نوح و لوط و موسى و صالح و شعيب تكرّر ذكرها في مواطن من القرآن و ضرب المؤلف أبرز الأمثلة: قصة موسى فقد

376

وردت بصور مختلفة فحسب المنظور التاريخي لا يستقيم الوضع إذ كيف أن قصة واحدة تختلف روايتها و تتباين أشكالها...

إنما الذي ينجي من ذلك كله هو الفهم الأدبي البلاغي و اختلاف المقصد من كل صورة لأن إختلاف المقاصد يؤدي إلى إختلاف الصور. و ترتيبا على ذلك فإن المقصد في قصة موسى و في طه غيره في النمل و هكذا.

و ثالثها: المادة القصصية و الحقيقة.

يجي‏ء في بعض القصص مقطع أو صورة تنافي الحقيقة المعروفة مثل غروب الشمس في عين حمئة و هي حقيقة طبيعية أو يصادم حقيقة تاريخية مثل بقاء الأصنام الخمسة: ود و سواع و يغوث و يعوق و نسر بعد طوفان نوح إذ العقل يحيل نقل نوح لها معه في سفينته المعروفة.

و مثل قول اللّه لعيسى‏ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ (1) مع أن الثابت أن عيسى لم يقل ذلك و لم يحدث أن رسولا طلب من أتباعه تأليهه.

و مثل وصف عيسى بأنه رسول اللّه على لسان اليهود كما حكاه القرآن في حين أنهم لو كانوا يؤمنون برسوليته لما ناصبوه العداء و لأصبحوا مسيحيين، و مثل قتال الملائكة مع المسلمين في وقعة بدر الكبرى لأن ملكا واحدا يكفي في إهلاك أهل الأرض أجمعين و لو كانوا أجساما كثيفة لرآهم المسلمون و الكافرون و هذا ما لم يحدث و إن كانوا أجساما لطيفة فكيف ثبتوا على الخيول!

من هذا كله استبان للعقل الإسلامي أن هذه الأشياء-المنافية للحقائق الطبيعية أو التاريخية أو العقلية من المحال أن تفهم على أنها الحق التاريخي أو الواقع.

هنا أعاد العقل الإسلامي التفكير في عد هذه الأخبار من المعجزات ذلك أن بعضا منها كان معروفا لعرب الجزيرة مثل أخبار عاد و ثمود و البعض الآخر كانوا يسمعونه من

____________

(1) سورة المائدة، الآية 116.

غ

377

أهل الكتاب مثل أخبار موسى مع فرعون. إذن لا يجوز أن يكون العلم بها دليل ثبوت على نبوّة محمد و لا دليل إعجاز... و هنا ينتصب رد على هذا النفي أن محمدا لم يخالط من كانوا يعلمون تلك الأخبار مخالطة تمكّنه من معرفة التفصيلات الدقيقة التي وردت عنها في القرآن... أي أن ذكرها دليل على النبوّة و الإعجاز و لو أنه لا يصلح ردا على ما قال مشركو العرب بأن محمدا اكتتبها من كتب الأولين... التي لا بد أن تحوي التفصيلات الدقيقة و غير الدقيقة بيد أن اكتتاب محمد لها من تلك الكتب يهدمه أن محمدا كان أميا لا يقرأ و لا يكتب.

فعاد العقل الإسلامي مرة أخرى و فكّر أن الإعجاز ليس في الأخبار و لا في تفاصيلها بل في قوة التأثير و سحر البيان و فصاحة الألفاظ و جزالة القول و بلاغة السرد و متانة التركيب و من هنا كان التحدي بالإتيان بعشر سور مثلها أو حتى بسورة واحدة.

و يرى خلف اللّه أن احتواء القصص على الأخبار مع ذلك أفاد كثيرا في الإيحاء بنبوّة النبي عليه السلام و على صدق رسالته، لكن على أساس أن قوة هذا الإيحاء تقوم على الرأي الديني اليهودي و الذي لا يلزم حتما أن تكون من التاريخ بل مما يعرفه اليهود أو العرب.

تلك الوقفات إذن دفعت العقل الإسلامي لأن يسلم أن التاريخ في ذاته كان هدفا و مقصدا و غاية و أن التمسّك بهذا الرأي يشكّل خطرا على القرآن و محمد معا بل إنه يمهّد الطريق أمام الناس للكفر بالقرآن كما كفروا بالتوراة.

لذا نرى مفسّرا مثل الرازي يقول (إن المقصود ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها) . و النيسابوري يذهب إلى أنهم (مشركو مكة) لم يعرفوا المقصود منها أي من قصص القرآن فقالوا: أساطير الأولين و خفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم و نقل الأمم من العز إلى الذل... إلخ.

و أخيرا وصل تفسير المنار إلى أن التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين و إنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة. و هكذا بعد

378

طول مكابدة بدأ العقل الإسلامي يلتفت إلى أن المذهب التاريخي ليس هو الأساس و لا من مقصود القرآن حين يقص أن يؤرخ أو يضبط وقائع لها أمكنة محددة و أزمنة معينة... و من ثم فإنه قد حقّ لخلف اللّه أن يقرّر أن العقل الإسلامي حينما انتهى إلى هذه المرحلة وصل إلى خير كثير و لكنه قطع في ذلك شوطا طويلا و أيا كان العناء الذي كابده أو الوقت الذي أهدره فإنه حقّق العديد من الفوائد:

1-التحرّر من الإسرائيليات و التخلّص من الكثير من الفروض النظرية... و نحن نختلف مع المؤلّف فيما ذهب إليه عن التحرّر من الإسرائيليات بل نراه غير صحيح فقد وقع في أسرها صحابة أكابر مثل عبد اللّه بن العباس و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و أبو هريرة و غيرهم... كما أن العديد من كتب التفسير محشوّة بها.

2-لفت الانتباه إلى أن المعاني الدينية و الاجتماعية من أهم مقاصد القصص الإسلامي.

3-لم يعد لازما الإيمان برأي معيّن بشأن الأخبار التاريخية الواردة في القصص القرآني إذ عمّ الاعتقاد أنها بهذه المثابة ليست دينا يتبع إنما الهدف منها ضرب الأمثال و استخراج العبر و استنباط المواعظ-و أصبح من حق العقل إهمالها أو حتى إنكارها (باعتبار أنها تاريخ) و ينهى خلف اللّه هذا الجزء (الأول) من الفصل الأول بأن القضية ما كانت لتحيل اللجاج و العناد و أن مبعث ذلك هو تجاهلهم لما بين التاريخ و الأدب من علاقات و لصنيع الأدب حين يستغل التاريخ و هو يؤدي رسالته في الحياة.

في الجزء الثاني من الفصل الأول (الأدب و التاريخ) تحدّث المؤلّف عن صلة كل منهما بالآخر و لكن الذي يعنيه اعتماد القصة على التاريخ و حرية القصاص (الأصح أن يقال القاص و القصاص هو من يتتبّع الأثر أ. هـ. ) و ميدانها و حدودها... و أفاض في علاقة التاريخ بالقصة و كيفية تصرّف المبدع في الأحداث التاريخية و الأشخاص و المواقف و مدى حريته في ذلك...

و لكننا لاحظنا أنه عند ضرب الأمثلة تأييدا لمذهبه يذكر شكسبير و برنارد شو

379

و شوقي و هؤلاء لم يكونوا قاصّين أو قصّاصين حسب تعبيره إنما هم مسرحيون كما أورد اسم والتر سكوت و أنه من (القصاص الذين استغلّوا التاريخ) و معلوم أن سكوت هذا روائي و إذ أن هذا طرح ضمن رسالة جامعية فقد كان حريا بالمؤلف عدم الخلط بين المؤلف المسرحي و الروائي و القاص... و أن يفرّق بين الرواية و القصة و المسرحية...

بعد ذلك العرض الجيد-رغم ما فيه من هنات-ينتقل خلف اللّه إلى القصص القرآني و مدى انطباق تلك القواعد عليه خاصة في حرية التصرّف في الواقعة التاريخية:

أحداثها، شخوصها، زمنها، مكانها. و انتهى إلى القول أنه لن يقرّر ما في القرآن من قيّم إلا مذهب أدبي التزمه القرآن نفسه. هذا قول وجيه و بالتالي يلزمنا أن نبحث طريقة القرآن من واقعه العملي... ثم يتساءل هل وجدت فيه تلك الحرية، حرية تصرّف القاص في الأحداث و الأشخاص و المواقف و الأزمنة و الأمكنة... أم التزم طريقة الصدق و تحرّي الحقيقة وحدها؟

و يجيب عن هذا السؤال بوجود ظاهرات كثيرة للحرية الفنية في قصص القرآن منها:

-إهمال الزمان و المكان من مقوّمات الحدث التاريخي و إهمال المكان هو الأغلب.

-اختيار بعض الأحداث دون البعض الآخر.

-إغفال الترتيب الزمني أو الطبيعي عند إيراد أو تصوير الأحداث و ضرب لذلك قصة لوط مع قومه بشأن الملائكة الذين زاروه فقد جاءت في سورة الحجر بصورة مغايرة عما تضمّنته سورة هود.

-إسناده بعض الأحداث لأناس بأعيانهم في بعض ثم إسنادها هي ذاتها لآخرين مثل قول ملأ قوم فرعون عن موسى إنه ساحر عظيم و في سورة الشعراء ورد هذا القول بنصّه و فصّه على لسان فرعون، و في سورة هود البشرى بالغلام بعد العقم الطويل وجّهت لسارة في حين أن إبراهيم نفسه الذي تلقّى البشارة كما جاء في سورتي الحجر و الذاريات.

380

-ورود عبارات مختلفة على لسان شخص واحد حين تكرار القصة مثل موقف الإله من موسى فقد جاء في سورة النمل بصورة و في سورة القصص بهيئة مغايرة...

و تصوير خوف موسى و انفجار الماء و انبجاسها و هكذا...

و هذه و أمثالها دفعت المفسّرين إلى القول بأن القصص القرآني من المتشابه.

-إضافة مواقف للقصة لم تحدث فيها حتى انتهت و تكاملت ففي سياقة تصوير موسى و اختياره إلى سبعين رجلا و ذهابه إلى اللّه جاء ذكر الذين يتّبعون الرسول النبي الأمّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل و قول اليهود المنكرون لرسولية عيسى إنكارا مطلقا أنهم قتلوا المسيح بن مريم رسول اللّه، و بداهة هم لم يقولوا ذلك لأنهم لو اعترفوا به رسولا لآمنوا به و اتّبعوه لا قتلوه، و مثل سؤال اللّه لعيسى عما إذا قال لأتباعه أن يؤلّهوه من دون اللّه، و ما كان ينبغي أن يفعل ذلك و ما فعلها رسول قبله و لو أقدم عليها لما استحقّ أن يكون رسولا.

هذه بعض لا كل الظواهر التي تقطع بأن الحرية التي منحها القاصّين لأنفسهم إزاء الوقائع التاريخية قد وجدت في القرآن، بل إنه قصد إليها قصدا.

و قبل أن نمضي في عرض وجهة نظر خلف اللّه في هذه المسألة (علاقة الأدب بالتاريخ) و حرية القاص في التصرّف في أحداث التاريخ و شخوصه و زمنه و أماكنه نضع تحت عيني القارئ الجرأة الفكرية التي اتّسم بها خلف اللّه من بين البحّاث المحدثين فلم يسبقه أحد منهم في القول بهذه الصراحة في القصص القرآني مثل إسناد بعض الأحداث لشخص بعينه في سورة و إسنادها هي ذاتها لآخر في سورة أخرى أو تصوير موقف محدد في سورة ثم تصويره في سورة أخرى بهيئة مغايرة أو إيراد عبارات على لسان شخص في موقف ثم وضع الشخص ذاته في الموقف نفسه دون تغيير أو تحوير ثم إنطاقه بعبارات مغايرة و جمل معاينة. أو جعل شخص معين أو أشخاص كثيرين يقولون ما يستحيل عقلا و دينا أن يقولوه مثل نسبة التأليه لعيسى بل و مطالبة تبعه اتّخاذه و معه أمه إلهين و قول اليهود عن المسيح أنه رسول اللّه و هم الذين كفروا به و رموه و أمه الصديقة بأبشع الصفات و أشنع النعوت.

381

لم يسبق أحد من المحدثين خلف اللّه في هذه الجرأة و لعله قد راعى أنها رسالة جامعية و أطروحة أكاديمية حرية البحث و التعبير فيها مكفولة. بيد أن مما يؤسف أن العاصفة التي و اكبتها و الزوابع التي قابلت كتابيّ طه حسين و علي عبد الرازق أرعبت من جاء بعد ذلك من الباحثين و بذلك افتقدت جامعاتنا حرية البحث العلمي العمود الفقري لأي جامعة و التي بدونها لا يصح أن تسمّى جامعة... كما خسرت مصر باحثا واعدا، كان ينتظر منه الكثير من العطاء الكثير العميق.

لأمر ما كان فإن لسورة الكهف مكانة خاصة عند المؤلف فهو بعد أن ذكر الظواهر التي أوجزناها بعالية فإنه يأخذ منها مثلين للتدليل على صحة هذه الظواهر التي كان له هو نفسه فضل اكتشافها أو التعرّف إليها:

المثل الأول: الفتية أصحاب الكهف فهو يرى أن القرآن أبهم عددهم و عدد السنين التي لبثوها و طلب من محمد أن يوكل ذلك كله إلى علم اللّه وحده. مع أن اللّه يعلم الأمرين: عدد الفتية و عدد السنين التي لبثوها و مكثوها. فلما ذا فعل ذلك؟أي لما ذا جاء العددان مبهمين، مع أن هذه الواقعة إحدى ثلاث وقائع تحدّى بها أحبار يهود محمدا بعد لجوء صناديد قريش إليهم لمعرفة هل هو نبي يأتيه الوحي من السماء أو متنبّئ متقوّل؟

في رأي المؤلّف أن الإبهام كان مقصودا لأن اليهود أنفسهم كانوا مختلفين في عدد الفتية و عدد سني اللبث فإذا جاء القرآن و قصّ هذا الاختلاف فإنه إنما جاء مطابقا لرأي اليهود و بحسب المقياس اليهودي السابق ذكره يكون محمد نبيا رسولا (و لو ذكر القرآن العدد الحقيقي و أعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية، و ليس هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء) .

و المثل الآخر (الثاني) : قصة ذي القرنين و ما جاء فيها عن غروب الشمس في عين حمئة لأن القرآن بذلك يكون قد صوّر مسموعات القوم لا مبصراتهم أي ما سمعوه عن هذا الأمر، لا ما يشاهدونه كل يوم في الغروب و يميل الباحث إلى أن القرآن كان يقيم تشبيهاته و استعاراته كما كانت تقيّمها العرب و يورد تدليلا على ذلك ما جاء في بعض‏

382

كتب المفسّرين مثل وصف طعام الجهنميين و شرابهم و تشبيه شجرة أصل الجحيم برءوس الشياطين لاعتقاد الناس المعاصرين لمحمد أن الشياطين ذوو خلقة مشوّهة بعكس الملائكة فهم أصحاب هيئات حسينة قسيمة. و لاعتقاد كفار قريش بمس الشيطان عند اختلاط عقل أحدهم فقد جاء القرآن و قال‏ لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (1) عند النشور من القبور.

و هنا يتطرّق خلف اللّه لمسألة على قدر وفير من الخطر و هي اعتقاد الكفار أن محمدا من الكهان و أن الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين و ليس وحي السماء.

عند ما تطالع كتب السيرة (حصرا و تحديدا التراثية) تجد أن محمدا كان ينفر أشد النفور من الكهّان و الكهانة و يصرّح في بدي أمره أنه لم يكره شيئا قدر كرهه لهما. و عند ما مرّ بـ (تجربة غار حراء) و ذهب إلى خديجة يرجف فؤاده و تهتز بوادره كان مما قاله إنه يخشى أن يكون ما حدث له ضرب من الكهانة فستنفي له ذلك الطاهرة أم هند (زوجته) و تؤكّد له أنه نبي هذه الأمة. فإذا جاء المشركون بعد ذلك و إثر إن صدع بدعوته و أدرجوه ضمن الكهّان الذين يتولى الشياطين إبلاغهم أنباء الغيب و أخبار السماء توافرت الدواعي لتبيين سخافة استراق الشياطين السمع و نقل ما يتيسّر من أخبار سماوية يتداولها الملائكة في ما بينهم أي نقلها إلى الكهّان الذين يتظاهرون بمعرفة الغيب ثم من البديهي أن تتضاعف الدوافع بعد أن أعلن محمد للملإ أنه نبي يوحى إليه من السماء بيد أن المفسّرين كانوا حتى ذاك الوقت يعتنقون مذهب فهم القرآن و تفسيره على الأساس التاريخي أو الواقع العملي توقّفوا مشدوهين أمام هذا الأمر. إذ كيف أن هؤلاء الجن الذين يفعلون ذلك ثم يتبعهم شهاب ثاقب يحرقهم لا يتّعظون بمن احترق منهم مرة أو عشر مرات فيكفّوا عن استراق السمع. و إذا كان الجن من نار فكيف تحرقهم الشهب و هي من نار إذ من المعلوم أن النار لا تحرق النار بل تزيدها اشتعالا و توهّجا؟

كما أن الفلاسفة فسّروا الشهب تفسيرا علميا و ثبت أنها ليست مرسلة من

____________

(1) سورة البقرة، الآية 275.

غ

383

السماء. و الملائكة و قد علموا أن الشياطين تسترق السمع مرة و مرات فلما ذا لم يكفّوا عن تداول الأخبار بينهم بالحديث ليفوّتوا على الشياطين غرضهم؟و ما دام قذف الشياطين بالشهب كان لحماية النبوّة فلما ذا استمرّت الشهب بعد انتقال محمد للرفيق الأعلى راضيا مرضيا؟

و أخيرا: أ لم يكن من الأسهل منع الشياطين من الصعود إلى السماء أصلا بدلا من الانتظار حتى اقترابهم منها ثم رميهم بالشهب بعد ذلك. و يرى خلف اللّه أن القرآن قد اختار أن يحارب هذه العقيدة (استراق السمع و الرمي بالشهب) بأسلوبه الخاص القائم على فكرة التدرّج كما حدث في محاربة الخمر كما أن القرآن يأخذ الناس بتصوّراتهم و أنه سلّم بهذه العقيدة ليهدمها بالتدريج.

و نحن لا نوافق المؤلّف في هذه الخصوصية و لا نسلّم بمسألة التدرّج و ذلك لعدة أسباب منها أن منهج القرآن لم يكن الأصل فيه التدرّج و هناك عقائد كثيرة نهى عنها مرة واحدة و بحسم و مسألة الخمر تكاد تكون استثناء لا يقاس عليه. و منها أن هذه العقيدة مرتبطة بعقيدة وجود الجن أو الاعتراف بوجوده فإذا كان الجن موجودا أصلا فإن صعوده لاستراق السمع فرع منه إذن ليس الأمر الأخذ بالتصوّرات و الإيجاز و القول إن الإقرار بالجن أو بمعنى أدق الإيمان بوجوده أخذ بتصوّرات الناس و هذا ما لا يسلّم به أحد، و من ناحية أخرى لو كانت مسألة التدرّج صحيحة لانسحب التدرّج إلى فكرة الجن نفسها.

و لأن عقيدة الجن معترف بها في الديانتين الإبراهيميتين الساميتين (اليهودية و المسيحية) و نرجّح أنهما ورثتاه من الديانات السامية القديمة التي كانت مهيمنة على المنطقة قبل ظهورهما ثم جاء الإسلام و أقرّ عقيدة وجود الجن مع الوضع في الحسبان تمكّنها من عقيدة عرب الجزيرة وقت ظهور محمد. و لا ندري لما ذا ترك خلف اللّه في هذه الخصوصية فكرة التفسير الأدبي و تبنى فكرة الأخذ بتصوّرات أهل مكة و القول بها.

فالأقرب إلى المنطق أن يقول إن قصة استراق الشياطين للسمع و إحراقهم بالشهب الثواقب يمكن تفسيرها بأنها صورة أدبية معجبة لتصوير مناعة السماء و ما فيها من غيوب و أن من يدفعه غروره من البشر لمحاولة اختراقها أو الاقتراب منها يحترق...

384

يختم خلف اللّه هذا الجزء من الفصل الأول بأن القارئ إذ وضح لديه أن القصة القرآنية قد قصد منها إلى التاريخ فعليه أن يؤمن بما جاء فيها على أنه التاريخ مثل أن إبراهيم لم يكن نصرانيا أو يهوديا، أما المقصود منها إلى العبرة و العظة و الهداية و الإرشاد فلا يلزم أن يكون تاريخا بل معارف تاريخية شاعت لدى اليهود و العرب و لا يشترط مطابقتها للحق و الواقع، و القرآن إذ فعل ذلك فهو أمر أجازه النقد الأدبي و البلاغة العربية و جرى عليه كبار الكتّاب و يخلص إلى أنه لا يصح بذلك توجيه اعتراض على النبي عليه السلام و لا على القرآن الكريم. و واضح أن هذا دفاع مجيد عن القرآن و محمد و لا غرو في ذلك فإن الكتاب في مجمله هو دفاع عنهما يستحق المؤلّف عليه الثناء و الحمد.

الفصل الثاني:

في الفصل الثاني تناول خلف اللّه القيم الاجتماعية و النفسية التي تغيّاها قصص القرآن فذهب إلى أنه يحق لكل مسلم أن يفخر بها و أن يطمئن كل باحث وهب ذوقا رفيعا أنها من أكبر مواطن الإعجاز (في القرآن) .

و ذكر أنه سيقتصر على دراسة القيم الاجتماعية العامة كالنواميس الاجتماعية و النفسية التي تثبت و تستقر و لا تتغير بتغيّر الظروف و الأحوال و يعني بها النظريات التي أشار إليها القرآن أو لفت الذهن إليها و هو يصوّر العوامل المؤثرة في رقي الأمم و حياة الشعوب التي لا تتخلّف في زمان أو مكان.

و ضرب على ذلك أمثلة شارحة منها ما جاء في سورة البيّنة عن حاجة الأمم و الجماعات إلى قادة و أبطال ينيرون أمامها الطريق و ينقذونها من إسار التقاليد البالية. و إلى إختلاف الناس بشأنهم ما بين مؤيد و معارض. و بما جاء في سورة الإسراء من أن الأمة التي تستعصي على التجديد تهلك. و يشرح النواميس النفسية و ما يقصده بشأنها فهي العواطف و الانفعالات أو الأسس النفسية التي تصاحب سلطان مبدأ أو سيطرة زعيم و التي تمكّن للمبادئ أو تزعزع سلطانها أو تحد من قدرتها أو التي تظهر في الأفراد أو في الجماعات حين تلم بها الأحداث أو تزعجها صروف الزمان و مثل التضحية في سبيل المعتقد بالنفس و النفيس و يوضح لنا المؤلّف أنه جمع بين القيم الاجتماعية و النفسية تأسيا بالقصص القرآني‏

385

الذي وحّد بينهما في كثير من الأحيان فضلا عن أن النواميس الاجتماعية لا تفهم إلا على أسس نفسية.

و قبل أن نمضي مع خلف اللّه في تسجيله لتلك الظواهر يهمّنا أن نبدي ملاحظة و هي أنه لم يبيّن لقارئه ما هو الإعجاز الذي يستشعره الباحث و الذي يفخر به المسلم و هو يطّلع على هذه القيم الاجتماعية و النفسية التي امتلأ بها قصص القرآن فإن كان الإعجاز في إيراد هذه القيم بنوعيها ففي رأينا أن ذلك ليس إعجازا لأن فلسفات و مذاهب قديمة عرفتها و نادت بها و قال بها و دونها حكماء و فلاسفة منذ قرون طويلة سابقة على ظهور الإسلام.

أما إذا كان الإعجاز في طريقة السرد... إلخ فهذا ما لا يجادل فيه أحد... و كان حريا بالمؤلّف أن يحدّد مبعث اطمئنان الباحث صاحب الذوق الرفيع و الحس المترف عند اطلاعه على موطن الإعجاز و أن يعيّن لنا أسباب فخر المسلمين جميعهم و على بكرة أبيهم بهذه القيم هل لذاتها أم لطريقة عرضها.

بداية تلك الظواهر هي:

أ-الأنبياء و البيئة:

من نافلة القول أن نسطر أن الأنبياء لهم دور متميّز في أي ديانة حتى يمكن أن يقال إنه الدور الأول و من هنا اهتم القرآن بتسليط الأضواء الكواشف عليهم و صوّر نفسياتهم حيال مبادئ الإصلاح و سلطانهم عليها و حيال كل من مؤيّديهم و معارضيهم؛ و هم رغم أنهم كانوا أثرا من آثار بيئاتهم و من نتاجها إلا أنهم أثّروا فيها فهم الذين يجدّدون بناء المجتمعات بما يبثّونه فيها من أفكار و آراء و في بدي الشأن آمن بعضهم بما كانت مجتمعاتهم تدين به من عقائد فلما استبان لهم فسادها باينوها و فاصلوها و دعوا إلى العقائد الصحيحة التي أوحى اللّه لهم بها و في كثير من الأحيان كانت البيئات أو المجتمعات تصل إلى حال من الفساد و التفسّخ حتى إن حكماءها و عقلاءها كانوا يعلّقون آمالهم على ظهور مخلّص لها و مصلح لأحوالها و يستجيب اللّه لهم فيرسل النبي. و الواضح أن المؤلّف يتبنّى نظرية إمكانية الفرد، أي فرد، في تغيير مجتمعه إما بتأثيره الذاتي بما يتمتّع من شخصية كارزمية أو

386

بما يدعو إليه من أفكار و مبادئ و مثل و هي نظرية تجد معارضة شديدة فالفرد أي فرد-من المستحيل أو من العسير أن يتيسّر له ذلك إلا إذا كانت أبعاد عصره التاريخية و أحوال مجتمعه المادية و المعنوية و ظروف بيئته التحتية و الفوقية تعينه على ذلك و لا يتوفّق له ذلك و لا يكتب له النجاح إلا بتبديل الظروف المادية على وجه التخصيص و لنضرب لذلك مثلا من المسيحية فرغم سمو المبادئ التي نادى بها عيسى بن مريم فقد ظل المؤمنون بدعوته على هيئتهم رغم ثمانة الرأسمال الرمزي الذي كان بين أيديهم و لم تتبدّل أحوال المسيحيين و المسيحية إلا بعد اعتناق الأباطرة الرومان لها و انتقالها إلى مجتمعات و بيئات ذات أحوال مادية مختلفة تمام الاختلاف عن أحوال البيئة و المجتمع اللذين بشّر بها فيها ابن مريم.

ب-انقسام الجماعات:

ما إن يدعو رسول إلى عقيدته أو مصلح إلى دعوته حتى ينقسم الناس حياله إلى فرقتين: الذين هداهم اللّه فاتّبعوه و الذين لم يهتدوا فعارضوه. و يقرّر القرآن أن هذا ناموس عام من النواميس الاجتماعية و أنه انطبق على أمم جميع الأنبياء و يطلق القرآن على المناوئين وصف‏ عَدُوًّا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ (1) و أن ذلك حدث‏ لِكُلِّ نَبِيٍّ (2) بل إن ناموس الفرقة و الاختلاف ينطبق على الأسرة الواحدة و في البيت الواحد و أمثلته: فرعون و زوجته و نوح و ابنه و إبراهيم و أبوه.

و لتلك الفرقة أسباب منها الأحوال المعيشية فالأغنياء يشكّلون على الدوام حزب المعارضة و ينفقون الأموال الجسمية في صد الناس عن الاستماع لداعي الإصلاح في حين أن الفقراء هم الذين يسارعون إلى الاستجابة للأنبياء و يقفون معهم و يشدّون أزرهم.

و يسمّي القرآن الفرقة الأولى: المستكبرين أو الملأ و يفسّره الراغب الأصفهاني في المفردات بأنهم الذين يملئون العين مهابة. و يطلق على الفرقة الأخرى: المستضعفين أو الأراذل و بداهة تتعارض توجّهات الفرقتين حتى تستعر بينهما الخصومة و يبلغ الصلف بالمستكبرين مداه حين يدّعون أن من أسباب رفضهم الانضواء تحت راية النبي هو انضمام

____________

(1) سورة الفرقان، الآية 31.

(2) نفس السورة و الآية.

387

الأراذل أو المستضعفين إليه و يسألون النبي نبذهم و إبعادهم و يذهب المؤلّف إلى أن علة معارضة الأغنياء أو الملأ هو حرصهم على عدم إحداث أي تبديل في أحوالهم الميسرة التي ألفوها... و هذا سر تخويف القرآن لهم و قصده إلى زعزعة تلك الأسس في نفوسهم.

أما الفقراء فقد ألهتهم ضرورات الحياة و طالما تمنّوا تغيير أحوالهم فما إن سمعوا الداعي حتى سارعوا إلى تلبيته. و الغنى و الكبر و الاستكبار و العناد قرناء و من هنا ينبع الطغيان. و الفقر و الذل توأمان و من هنا يغدو الفقير أسهل انقيادا. و الغني يندفع إلى حب الحياة و الحرص عليها و التمسّك بما خلّف الآباء و النفور بل المقت الشديد لترك ما ألفه إرثا من السلف. و الفقير ليس بيده ما يحرص عليه فلا مال و لا جاه و لا ميراث من الآباء و الجدود. و من هنا نجد الغني شديد المناوأة و الفقير سريع الاستجابة لدعوات الأنبياء.

لقبول دعوة النبي شرط على درجة من الأهمية و الخطر و هو تهيئة الأذهان لقبولها و الاقتناع بها و هو (هذا الشرط) من أول مهام النبي و يتوقّف نجاح دعوته على توفيقه في القيام به و هو يفعل ذلك مرة بالتبشير و أخرى بالإنذار أي بالترغيب و الترهيب و لما كان الإنسان يفسّر ظواهر الوجود بما يعتنقه من أفكار و آراء فهذا الملحظ النفسي يجعل الذين تتقارب تفسيراتهم متحدين في الأفكار و الآراء و العكس أيضا صحيح. و الهداية التي يقوم بها الأنبياء هي توحيد الآراء و الأفكار بين تبعهم مما يستتبع توحيد تفاسير ظواهر الوجود-و لكي تغدو الثقافة-التي يذيعها النبي في أتباعه مفيدة لدعوته يتعيّن ألا تكون الصلة بينها و بين الثقافة القديمة منبتّة-و كلما كانت العلاقة بينهما حميمة خلقت جوا عاطفيا يمكّن لدعوة النبي و يوثّقها و العكس صحيح إذ كلما ضعفت الصلة قوبل الجديد بفتور و إعراض و كره.

و ضرب خلف اللّه لذلك-مثلا من السيرة النبوية و هو سرعة استجابة اليثاربة (أهل يثرب/المدينة) للدعوة الإسلامية في حين نفر منها المكّيون. لما ذا؟

لأن اليثاربة و قد جاوروا و اختلطوا بل و تناكحوا باليهود كانت ثقافة (الكتاب) لديهم معروفة أما أهل مكة فقد كانت ثقافتهم وثنية. و لذا فعند ما رفض أهل الكتاب دعوة محمد عاب عليهم هذا الموقف.

388

و ينهى خلف اللّه حديثه عن الانقسام و الفرقة بتناول سلطة التقاليد و ما لها من قيمة اجتماعية إنما هي عملة ذات وجهين فمن ناحية تفيد المجتمع بالتماسك و الترابط و من ناحية أخرى تثقله و تكبّله و تجعله يخلد إلى الأرض و لا يقبل أي دعوة إلى التقدّم و يرى الباحث أن خير الأمم الواقفة في الوسط فلها من التقاليد ما يحفظ عليها تماسكها و في الوقت نفسه لا يمنعها من النهوض.

و يذهب إلى أن الأمم الصناعية و التجارية أقل انقيادا للتقاليد من الأمم الراعية و الزارعة... و إلى أن النظام الرعوي أشد انصياعا للتقاليد و قد اتّضح ذلك في القرآن في عدة مواضع و هذا ما أفقد العرب عن الاستجابة لدعوة محمد و منع المجتمعات الرعوية عن الاستجابة لسابقيه من الرسل: إبراهيم، هود، موسى.

و قبل أن نختم هذه الفقرة نتساءل لما ذا لم يوضّح لنا خلف اللّه العلة في وراء ظهور الأنبياء و النبوات في المجتمعات الرعوية و عدم ظهورها في المجتمعات الصناعية و التجارية و كذلك ظهورها في المجتمعات المتبدّية أو التي حظّها قليل من الحضارة و المدنية؟

أ لم يكن هذا لازما و هو يتناول الأنبياء و البيئة و التقاليد و سلطانها و كيف أنها في مجتمعات الرعاة لها القدح المعلّى و نصيب الأسد من التمكّن... و كيف انعكس ذلك أثره في (القصص القرآني) .

ج-نفس المؤمن لا تطيق المخالف:

يخلق الإيمان في نفوس المؤمنين جوا عاطفيا نحو الآراء و الأشياء معا و هو ذاته الذي يحدّد مواقفهم من المخالفين فهم بداية ينفرون بل يكرهون من يقترب من عقائدهم (بنقد) أو يمسّها مسا و لو خفيفا بسوء و بداهة أن هذا ينطبق على المؤمنين بأي عقيدة أو ملة و من هذا المنطق تكره الجماعة من يشذ عن عقيدتها و يخرج عن دينها و تعدّ ذلك من علاقات تفسّخ و انحلال الجماعة و ساق خلف اللّه أمثلة من القرآن مثل موقف الثموديين من صالح و قوم هود منه و قوم فرعون من موسى. و هذا ناموس اجتماعي عام ينطبق على الناس جميعهم بلا تفرقة.

و في المقابل يعتقد المؤمن بأنه على حق و الطرف الآخر على ضلال و أنه يملك

389

الحقيقة المطلقة و مخالفه على الباطل فاليهود تعتقد أن النصارى ليست على شي‏ء و قالت النصارى عنهم القالة نفسها و قوم نوح اعتقدوا فيه الضلالة و أكّد قوم شعيب على أن من يتبعه فهم الخاسرون و هكذا.

و الإيمان بعقيدة يوحد مشاعر المؤمنين بها و يخلق بينهم نوعا من الترابط و يؤسّس عليها تقاليد و عادات تحرص عليها الجماعة الحرص كله و تعدّ الخروج على العقيدة و الأعراف و التقاليد المنبثقة منها مروقا و فتنة. إنما المخالف للعقيدة قد يأتي بعقيدة جديدة و هذه هي حال الأنبياء فيصيبه الأذى الذي يبدأ بالسخرية و الاستهزاء و التحقير و التهوين ثم الوعيد و التهديد مرة بالرجم و أخرى بالنفي و التغريب و ثالثة بالتصفية الجسدية و في عدد من الأحوال يتحول التهديد إلى دائرة التنفيذ مثل محاولة اغتيال صالح و رمي إبراهيم في النار و التآمر ضد محمد حتى اضطر إلى الهجرة إلى أثرب و كذلك أتباعه من المهاجرين و قتل زكريا و يحيى.

و يوحي هذا الناموس بأن الدعوات بهذه المثابة محكوم عليها بالإخفاق لأن المناوئين و المعارضين أقوى من الداعية الجديد و تبعه الذين وضح من ناموس سابق أنهم من الضعفاء و الأراذل و الفقراء بيد أن هناك عوامل تبطل مفعول هذا الناموس منها أن التمسّك بالقديم و التعصّب له عند مخالفيه بمضي الزمن يخفت أوارهما و تبرد نارهما و يضرب خلف اللّه مثلا من مسيرة الدعوة الإسلامية فالعقيدة أو الثقافة الوثنية تراخت مفاصلها و وهنت قبضتها و هزل سلطانها على النفوس (بفعل اليهودية و غيرها فتهوّدوا و تنصّروا و تحنّفوا و تركوا عبادة الآباء و الأجداد بل هفّت نفوسهم إلى الرسالة و الكتاب) . و ثاني تلك العوامل أن هناك صلة ما تربط على الدوام بين الجديد و القديم من الأديان و من ثم فلا يكون الأمل (أعني الجديد) غريبا على البيئة و أهلها و هو ما أكّده القرآن حينما ذكر أنه شرّع لمحمد ما وصّى به نوحا و من جاء بعده من الأنبياء و أن الكتب يصدق بعضها البعض و أن القرآن (الكتاب) نزل بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه...

و آخر تلك العوامل صلة الرسول و قومه و البطل و أمته التي تجعل كلا منهما يستعذب الألم و يستمرئ العذاب و يستملح الأذى في سبيل هداية قومه الذين يقفون منه‏

390

موقف العداء فيعتب عليهم ذلك لأنهم لم يدركوا أن مقصده سام و هو إخراجهم من الظلمات إلى النور و أن هدفه الإصلاح ما استطاع... و يأتي خلف اللّه بالأمثلة على ذلك من سير الرسل كما نصّ عليها القرآن. هذا الموقف المتسامح الصادر من النبي حيال قومه بالضرورة يترك أثره على الجماعة نفسها فلا تعجّل بعقوبته و هي تعزو خروجه عما ألفته من عقيدة إلى أنه قد ألمّ به مس من الجنون أو أن آلهتهم التي جاء هو لإلغائها قد اعترته بسوء انتقاما و قد تعمد إلى سبيل آخر و هو الرجوع إلى رهطه و عشيرته تقديرا منها لهم. و ألمع المؤلّف إلى ما جاء بالقرآن عند ذكره لقصة شعيب‏ وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ (1) . و نضيف مثلا آخر من سيرة محمد و هو ذهاب بعض صناديد قريش إلى عمه و كافله و راعيه أبي طالب و كبير قريش آنذاك أن يكفّه عن التعرّض إلى آلهتهم.

إذن الصلة بين البطل و البيئة قد تكون سببا في نجاح الدعوة و قد تكون عقبة في سبيلها و من هنا ينبع سر محاربة القرآن لها و إعلاء شأن العاطفة الدينية عليها و حث المسلمين على نبذ المودة القرابية إذا كانت على حساب الدين و ضرب لهم إبراهيم مثلا في الأسوة الحسنة إذ تبرأ من أبيه و أقربائه الأدنين عند ما خالفوه في العقيدة.

و يختم خلف اللّه هذه الفاصلة أو الفقرة (نفس المؤمن لا تطيق المخالف) ... بقوله إن البطل (المخالف) لما يناله من أذى هو الطرف الضعيف فاقد الحول و القوة الذي لا يملك إلا الالتجاء لربه بالدعاء بالتمكين له و لأتباعه و بهلكة مناوئيه و أنه يلجأ إلى طريق أو وسيلة أخرى هي تهديدهم بالمصائب تنهال عليهم في الدنيا و العذاب الأليم في الآخرة و يضرب أمثلة مما جاء في القرآن تأييدا لوجهة نظره مثل إرسال الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم على آل فرعون... و ما أصاب أقوام نوح و هود و صالح و لوط و شعيب...

و لكن البطل لا يظل ضعيفا بل يتكاثر حوله الأعوان و الأنصار و يستشعر القوة فيبدأ في مواجهة المناوئين و إجبارهم قهرا على إتباع تعاليمه و هذا هو الذي نلحظه من موقف النبي العربي من المشركين. و في تلك اللحظة يتحقق النصر للدعوة.

____________

(1) سورة هود، الآية 91.

391

و هنا نعيد القول في جرأة خلف اللّه فيما يسطره في أطروحته غير عابئ بما قد تسببه كتاباته من غضب التقليديين فهو هنا يؤكد أن النبي العربي قد أجبر المشركين من العرب بالقوة على الدخول في الدين الذي كان يفشوه و رغم وجود نصوص صريحة من القرآن و السنّة (أقوال و أفعال و تقريرات محمد) تؤكد ذلك فإن التقليديين يحاولون قدر المستطاع التضبيب على هذه المسألة و إلقائها في مربع الظلام مع أن وقائع السيرة المحمدية تثبت انتشار الإسلام بالسيف و أن شعار السرايا و البعوث التي كانت ترسل إلى القبائل و البطون و الأفخاذ، أسلم تسلم، أي اعتنق الديانة الإسلامية تحقن دمك و تحفظ أولادك و نساءك من السبي و أموالك من اغتنامها... فعند ما يجي‏ء المؤلف و يؤكد هذه الحقيقة التي يشيح بوجهه عنها المحدثون من البحّاث و الكتّاب الإسلاميين فإنه يستحق منا أن نسجّل له هذا الموقف بالامتنان خاصة و أن ذلك كان منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان، و لسنا في حاجة إلى تكرير القول بأن هذه النقطة كانت من أسباب العاصفة التي ثارت حول الرسالة سواء صرّح بذلك أصحابها أم جمجموا. إذ كيف يفتقرون لخلف اللّه أن يبعث من بطون الكتب و تلافيف المؤلفات حقيقة قشر عرب الجزيرة على دخول الإسلام بحد السيف مع أن ذلك ثابت من آيات القرآن الصريحة و أقوال و أفعال محمد الواضحة التي لا لبس فيها المدوّنة في كل الكتب التراثية.

و يكفي أن نشير إلى ما جاء في صحيح مسلم: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه و أورد حديث محمد أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، فمن قال: لا إله إلا اللّه فقد عصم في ماله و نفسه إلا بحقه و حسابه على اللّه. أورد الحديث بعدة روايات مما يؤكد ثبوته... و مما هو معلوم أن صحيح مسلم هو من كتب الصحاح الستة و أنه التالي في المرتبة لصحيح البخاري الذي يقال عنه أنه أصح كتاب بعد القرآن و لو أن هناك من الباحثين من يفضّله على البخاري.

و أيا كان الأمر فإن نشر الإسلام بالسيف حقيقة نصوصية و تاريخية ثابتة و أن خلف اللّه عند ما أكّدها إنما أكّد حقيقة علمية و ليغضب المناوئون ما شاء لهم الغضب و ليسخط المخالفون ما استطاعوا من السخط فإن الحقائق الثابتة لا يزيلها الغضب و لا يرفعها من أماكن ثبوتها السخط.

392

و لقد أحسن خلف اللّه أيما إحسان عند ما ضرب مثلا على أن النبي-أي نبي-عند ما يكثر أنصاره و يغزر معاضدوه و يتضاعف أتباعه يقضي على مخالفيه بالقوة و يقهرهم على إتباع تعاليمه و الإيمان بدعوته نقول عند ما ضرب مثلا «بموقف النبي العربي من المشركين و أضرابهم» و رغم ضآلة هذه الفكرة في سياق الرسالة و هامشيتها بالقياس إلى متنها فإنها و لا جدال تعدّ نقطة ضئيلة و لا يمنع صغر حجمها من أنها أضافت إلى الأطروحة قدرا مهما كان حجمه من الأصالة و الصدق و الإصرار على تحرّي إيراد الحقائق العلمية مهما كانت شائكة.

د-الرسول لا يشك في مستقبله:

و في رأي خلف اللّه أن الناموس السابق يفرز نتيجتين:

الأولى: ذهاب الرسول ضحية المبدأ و العقيدة بالقتل أو بالهجرة و القرآن لم يقص ذلك إلا نادرا أو لجأ إلى الإبهام و ممّن قتل يحيى و ممّن هاجر إبراهيم بعد أن أجمع قومه على قتله أو حرقه فأنجاه اللّه من النار. بيد أن الهجرة في حقيقتها نصر للنبي و للدين الداعي إليه و تأييدا لوجهة نظره ضرب مثلا بموسى و محمد عليهما السلام.

و الأخرى: انتصار الرسول و سيادة الدين الجديد و ذيوع مبادئه و لقد أكثر القرآن من ذكر هذه النتيجة. و لم يبيّن لنا خلف اللّه لما ذا أبهم القرآن و أجمل الأولى و العكس بالنسبة للأخرى.

و لعل من الأسباب التي تطرح شرحا لذلك هو أن منهج القرآن في ذلك كان حكيما ففي الإبهام و الإيجاز حيال الأولى و الإكثار بالنسبة للأخرى حفز لهمة النبي و تشجيع له و لأتباعه على مواصلة المسيرة و بالمقابل تثبيط عزائم المناوئين له من المشركين و المنافقين و من على شاكلتهم، و العكس صحيح.

إنما هناك عقبات متعددة تقف في سبيل انتصار النبي عليه تجاوزها و أطلق عليها الباحث (العقبات الداخلية) :

يأتي في مقدّمها طبيعة الشخص ذاته مثل كونه ضعيف الإرادة لا طاقة له بالسيطرة عليها و مثّل الباحث لذلك بآدم عند ما عصى ربه إذ نهاه عن الأكل من الشجرة فلم يمتثل‏

393

و وصفه القرآن ب لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (1) . و قد تكون عقيدة نفسية تقبع في لا شعوره و لكنها تتخايل له و تسيطر عليه و ضرب على ذلك بمثل من قصة موسى و هو قتله للمصري فلما اصطفاه ربه و اختاره لأداء رسالته طلب منه أن يرسل معه أخاه هارون ليغدو له ردءا فاستجاب له.

و الرغبات المكبوتة إحدى صورها (العقبات الداخلية) مثل حرص محمد عليه السلام على تحسين علاقاته حرصا شديدا بينه و بين قومه و أشار القرآن إلى ذلك‏ وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (2) .

ثم يتناول ما يسميه (العقبات الخارجية) و يذهب إلى أن صورها في القصص القرآني متنوعة و كثيرة منها تكذيب الرسول أو النبي و وصفه بنعوت بشعة و نزول الشيطان عليه أو أن آلهتهم اعترته بسوء أو تحدّيه أن يأتي بمعجزة و ضرب لها مثلا بمجابهات ملإ عاد للنبي هود.

هذه العقبات الخارجية قد تكون لها آثار أو عواقب تختلف من رسول لآخر فقد تؤثّر على أحدهم فتخرجه عن حد الاعتدال و القصد و أبرز مثل لها هو ذو النون عليه السلام‏ إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (3) و قد تؤثّر على اتجاهه العام حتى ليهمّ بترك دعواه مثل ما جاء في القرآن‏ فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ (4) .

و قد يتألم النبي ألما عنيفا لحد أنه يبعث الشك في نفسه و يبذر اليأس في قلبه و الأولى صوّرها القرآن ب فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ (5) و الأخرى في قوله‏ حَتََّى

____________

(1) سورة طه، الآية 115.

(2) سورة الإسراء، الآية 74.

(3) سورة الأنبياء، الآية 87.

(4) سورة هود، الآية 12.

(5) سورة يونس، الآية 94.

394

إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (1) .

و قبل أن نغادر هذه النقطة من البحث نبادر بالتعقيب عليها:

فقد كنا نفضل أن يسمي الأولى (العقبات الذاتية) بدلا من (العقبات الداخلية) لأنها تنبع من الذات كما أن توصيف داخلية و خارجية أدخل في ميدان السياسة. كذلك فإن الفصل بين الداخلية و الخارجية في بعض الحالات فصل تعسّفي إذ ما هو الحد الفاصل بين ضعف الإرادة و العقدة النفسية و الرغبات المكبوتة و بين الاستجابة لدواعي الألم (النفسي) و انبعاث الشك في النفس و اليأس في القلب، فهي إما غرائز مثل غريزة الخوف أو عواطف مثل انبعاث اليأس في القلب أو محاولة التحبّب أو التقرّب من القوم أو الرهط أو العشيرة و جميعها عقبات ذاتية أو داخلية حسب تعبير المؤلّف. و الحالة الوحيدة التي صحّ وصفها بـ (الخارجية) هي موقف المعارضين و المناوئين للنبي أو الرسول إما بالأقوال أو الأفعال.

و في النهاية و رغم جميع المعوقات و العقبات ينتصر الرسل لأن اللّه كتب لنفسه و لرسله الغلبة و الفلح و تلك العقبات تزيدهم صلابة و قوة و يرجع نصرهم إلى أمرين:

1-العقيدة الدينية التي تملأ صدور المؤمنين و يحسبون أن اللّه معهم يكلؤهم برعايته و المثل على ذلك ما وصّى به موسى قومه من الاستعانة باللّه مع الصبر و عاقبة ذلك وراثة الأرض.

2-فن القص الذي يفيض أثرا نفسيا عميقا على المعاصرين و هم يطالعون أخبار السابقين الذين كان النصر حليفهم في نهاية الأمر.

و لما كان خلف اللّه يتكلم عن نواميس عامة تنطبق على كافة النبوات و سائر المرسلين فإن العامل الأخير و هو فن القصص و أثره على النفوس لا ينطبق على جلّ الأنبياء فأتباع نوح و هود و صالح و شعيب و ذي النون إلخ. لم يكن بين يديهم قصص يترك أثرا نفسيا عميقا أو غير عميق عليهم.

في الفصل الثالث الذي يحمل عنوان (القيم الدينية و الخلقية) يعترف خلف اللّه بأنه

____________

(1) سورة يوسف، الآية 110.

غ

395

لم يقم فيه بأي إبداع و إنما تنظيم و عرض و يرجع ذلك إلى سبق معالجته لموضوعاته في أطروحة (الماجستير) و لا ينسحب ذلك على أمرين:

الأول: الخروج من الأمور الخاصة إلى الأمور العامة الخاصة بمحمد عليه السلام و بغيره من المرسلين.

الآخر: أي الثاني هو تناول المعاني الخلقية و اللمحات الخاطفة التي صوّر بها القرآن بعض العادات.

بعد هذا التمهيد السريع يذهب إلى أنه فيما يتعلق بالمعاني الدينية الواردة في قصص القرآن هي الخاصة بالآلهة ثم الرسل و المعجزات، و هو ما يمشي مع طبيعة الدعوة الإسلامية و مع طبائع الأشياء... و يقرّر الباحث أن أكثر القصص القرآني مكي و في تلك المرحلة اتّجهت الدعوة إلى المسائل الكبرى التي تشغل كل دين و هي الوحدة التي تنظّم كافة الأديان و عرضها القرآن‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ... (1) .

بيد أن القصص القرآني كان يعتني بأمور مخالفي الدعوة و معارضي النبي-ص-كيف؟إذ أن في هذه العبارة قدر من عدم الالتئام!

القصص عند ما يشرح تلك (المسائل الكبرى) و يكون الخطاب للمخالف و المناوئ فإن في هذا اعتناء به فعند ما يجادلهم في الوحدانية و الرسالة و البعث... إلخ. فكأنما أو هو بالفعل أعطاهم قدرا من الالتفات. في الوقت الذي يرى فيه خلف اللّه أن معتنق الديانة الإسلامية و الداخل في حظيرتها لا يقيم صعوبة و لا يثير جدلا، إنما يستثني بعض العادات الأخلاقية التي استقرّت في نفسه من أثر النشأة الأولى مثل بخس الناس أشياءهم و تطفيف المكيال و الميزان... إلخ.

في عنوان هذا الفصل قدّم المؤلّف القيم الدينية على الخلقية و ربما مرجع ذلك قدسية الدين و أول ما بدأ به في هذا المجال هو التديّن الذي هو في حسّ القرآن غريزة

____________

(1) سورة الشورى، الآية 13.

396

إنسانية و بتعبيره الراقي‏ فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا (1) . و يشرحها بأنها تلك التي تسند قدرة عظيمة و قوى قاهرة إلى موجودات و كائنات مثل الأصنام التي يصنعها القوم بأيديهم تعبد اتقاء لغضبها و رجاء لخيرها و من هنا فالمجرمون أعداء كل نبي كانوا يخوّفونه بها أن تلحق به أذى أو تمسّه بسوء.

و تنشأ عاطفة تزداد و تضعف بين العابد و الوثن فيحبه ربما أشد مما يحب اللّه و لكن في نهاية الأمر يقرر القرآن أن حب المؤمنين للّه يفوق كل حب.

و لفت القرآن النظر لتناقض عقلية عبدة الأوثان بين الصورة النفسية للآلهة في وجدانهم و بين واقعها العملي. و جسّم ذلك ليدرك عبدة الأوثان غفلتهم و ضلالهم و هم يؤلّهون ما صنعت أيديهم و ساق على ذلك مثلا بما جاء في سورة الشعراء عن نبأ إبراهيم و جدال أبيه و قومه دفاعا عن أصنامهم. و أيضا ما ورد في سورة الأنبياء في هذا الأمر و إصرار عبّاد التماثيل على عبادتهم إياهما و تعليلهم ذلك بإلف الآباء و محاولة إبراهيم إقناعهم بالحسنى بخطئهم و فساد عقيدتهم... إلخ.

ثم سطّر الباحث ما قاله القرآن في حق المعاصرين للنبي-عليه السلام-و الذي تغياه القرآن من هذه الصور هو إفهامهم ضلال الإنسان و هو يتّخذ معبودا سوى اللّه.

و ردّ القرآن غريزة التديّن أو الفطرة التي فطر الناس عليها إلى إله واحد هو اللّه الذي دعا جميع الرسل بلا استثناء إلى عبادته وحده. فهو المستحق للعبادة الحقة لأنه منزّه عن كل نقص و عن الشريك أو الشريكة أو الولد و يسوق الباحث سورة الإخلاص-و التي قال محمد إنها تعدل ثلث القرآن-على أنها الصورة المثلى للّه الواحد الأحد.

و إذ أن الإنسان كان يعبد الآلهة لدفع الضر و جلب المنفعة و من ثم غدا أمر تنظيم علاقة العابد بمعبوده أمرا محتوما بتقديم فروض الطاعة و المحبة الذي يتّخذ هيئة الفرائض الدينية و تقديم القرابين و الضحايا.

و يلاحظ خلف اللّه أن القرآن (أهمل هذا الجزء الأخير إلا في النادر القليل) و لذا

____________

(1) سورة الروم، الآية 30.

397

قصر حديثه عن الصلات التي بموجبها يعرف العابد الأوامر و النواهي التي تؤدي بطريق الحتم و اللزوم إلى مرضاته ليدفع النقم و يجلب النعم و ييسّر العسير، و قد تتّخذ صورا حسية بالغة الجلافة مثل إجالة الأقداح و الاستقسام بالأزلام و هذا ما كان يفعله معاصرو محمد-و وسيلة أخرى تتّخذ صورة وسائطية أي غير مباشرة مثل اتصال الكهّان و العرّافين بالأرواح الخفية لكي تطلعهم على أخبار السماء و قد حارب القرآن هذا المسلك.

بيد أن أسمى طرائق الذي ينظّم علاقة العبد بالرب أو العابد بالمعبود هو اختيار واحد من البشر ليكون هو الرسول، و الباحث هنا لا يتناول بشرية الرسول من الوجهة الاجتماعية بل تلقّيه الدين ليوصله إلى الخلق و دعوتهم إلى الإيمان، فاللّه يستأثر بعلم الغيب و لا يطلعه على أحد إلا من ارتضى من رسول و هو يصطفي الرسول ليطلع البشر على ما بلّغه اللّه إياه من غيب و يرسم لهم طريق المستقبل السعيد، و إلقاء ذلك في نفس الرسول له طرق متنوعة مثل الرؤيا الصادقة و هذا ما حدث مع كل من إبراهيم و يوسف عليهما السلام فبالنسبة إلى الأول رؤيا إبراهيم ذبح ابنه أما يوسف فقد رأى أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر يسجدون له و نضيف أنه في سيرة محمد في بدي رسالته كان يرى الرؤيا الصادقة فتأتي كفلق الفجر.

و قد يأتي إلقاء المعرفة عن طريق التكلّم و قد حدث ذلك مع موسى‏ وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً (1) أو يرسل إليه ملكا تمثّل في صورة البشر مثلما حدث مع مريم و مع إبراهيم... و نضيف أن هذه الهيئة كانت الغالبة مع محمد و كان جبريل يأتيه في العديد من المرات في صورة دحية الكلبي و هو صحابي كان يتمتع بقسامة و وسامة غير عادية حتى أنه كان يضع على وجهه قناعا خشية أن تفتتن به الأثربيات و يرى خلف اللّه أن طريقة إلقاء المعاني المرادة في ذهن الرسول و هي الطريقة الأخيرة حدثت مع كل الرسل (هكذا بلا استثناء) و أن القرآن قد جمع كل هذه الطرائق في قوله تعالى‏ وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (2) و إذ

____________

(1) سورة النساء، الآية 164.

(2) سورة الشورى، الآية 51.

398

أن الغالبية العظمى من الباحثين تطلق على (إلقاء المعرفة من الإله في نفس الرسول) وحيا فإن خلف اللّه لم يفعل ذلك و اختار التوصيف أو العبارة المذكورة و الذي نراه أن التوفيق حالفه في ذلك من وراء الوحي بحسب الآية التي سطّرناها آنفا ضرب من ضروب الإلقاء في نفس الرسول‏ ... إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً... لأن (أو) تفيد المغايرة و الاختلاف هذا من ناحية. و من ناحية أخرى فإن الوحي-بحسب نص القرآن-قد يأتي إلى بشر عادي مثل أم موسى أو حتى إلى غير البشر مثل النحل.

و يعود الباحث إلى الحديث عن الأرواح الخفية فيذهب إلى أنها كانت تختلط في ذهن العربي و آثارها تدل عليها فإن أتت بالخير فهي ملائكة و إن جاءت بالسوء و الشر فهي شياطين و الأخيرة هي التي كانت تنزل على محمد في زعم أهل مكة و هذه علة خروجه على الجماعة و سبه لآلهتهم. و سبق أن ذكر الباحث أن الشياطين كانت تسمع أخبار السماء و منعت من أجل النبي عليه الصلاة و السلام. بيد أن هناك أمرين يلزم ذكرهما:

الأول: أن الشياطين منعت بعد بعث النبي و يرى مفسّرون أنها تمنع في حياة كل نبي و ليس المنع من خصوصيات محمد.

الآخر (الثاني) : أن الرسول الذي يأتيه الوحي و تتنزل عليه الملائكة لا بد له من معجزة تدل على صدق رسالته و صحة نبوّته. و هنا نذكر ملحظا سريعا و هو أن خلف اللّه قرن بين الوحي و تنزل الملائكة مما يدل على أنه اعتبرهما شيئا واحدا فهل هذا يدل على رجوعه إلى رأي غالبية البحّاث من أن الإلقاء في نفس النبي هو الوحي الذي يشمل كافة الصور السابق ذكرها.

الشعب الذي يمن اللّه بفضل اختيار أحد أبنائه رسولا يعتقد بنفسه الفضل و أنه محل الرعاية و العناية و قد آمن الإسرائيليون بذلك و أشاعوه في جزيرة العرب و ترك ذلك أثره في حياتهم في الجزيرة و في حياة الإسلام و نبيه و القرآن حكى عنهم قولتهم أنهم أبناء اللّه و أحبّاؤه في معرض حربه عليها (تلك العقيدة) و قرّر في حسم أن الرسالة لا تخص شعبا بعينه و لا أمة مخصوصة و اللّه صاحب الفضل العظيم يؤتيه من يشاء. و يخلص خلف اللّه إلى أن القرآن يجعل الرسالة ظاهرة دينية و اجتماعية لا تختص بها أمة و لا شعب إلخ. ثم‏

399

يبدأ في دراسة المعجزات و نرجّح أن ذلك مردّه أنها ترتبط في الأذهان بأنبياء اللّه و رسله.

و القرآن عند ما جاء كان هناك مذهبان:

الأول: استقر إلى أن الرسول بطريق الحتم و اللزوم يكون من الملائكة و قد رفضه القرآن و انتهى إلى أنه لا بد أن يكون من الجماعة التي عاش فيها و عرف آمالها و أحسّ بآلامها.

الآخر (الثاني) : يكون الرسول من البشر لكنه يؤيّد بالمعجزات و من هنا تنبع المطالبة الدائمة بإتيان المعجزة أو المعجزات على يديه... و لكن القرآن لا ينكر المعجزات إنما ينكر توقّف الإيمان عليها أو حتى تعلّقه بها و رغم أنه ذكر معجزات من سبق محمدا من المرسلين و في المقدمة: موسى و عيسى فإنه يرى أنها جاءت للإنذار و التخويف و سمّاها آيات.

و القرآن يصرّح أن الآيات قد تتوالي و مع ذلك فلا تثمر الإيمان لأن أكثرهم يجهلون. و يفسّرها شيخ المفسّرين-الطبري-أي أنهم يحسبون أن الإيمان موكول إليهم و الكفر بأيديهم فإن شاءوا آمنوا و إن أرادوا كفروا. و عند هذا الحد يرى خلف اللّه أنه استوفى معالجة المعاني الدينية.

ثم ينتقل إلى المعاني الأخلاقية و منهج القرآن في تصويرها فيقول إن له طرقا خاصة في تصوير الأشياء الخلقية أولها النهي خاصة عن العادات الاجتماعية المرذولة و أمثلتها:

تطفيف الكيل و الميزان و الصد عن سبيل اللّه و القعود لذلك بكل صراط و أورد الآيات التي تؤكّده (النهي) . و بعده يأتي التعجّب أو الاستفهام الاستنكاري و كلاهما عن العادات القبيحة المرذولة التي بلغ من استقرارها أن تحوّلت إلى خلق عام و أبرز مثل عليها اللواط الذي ابتدعه آل لوط إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ مََا سَبَقَكُمْ بِهََا مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعََالَمِينَ (1) .

و ثالثها هو عرض أخلاق جماعات معينة أو بيئة ما من خلال السرد و في حنايا السياق العام و كثر ذلك في قصة موسى عليه السلام التي صوّر فيها مقاطع من أخلاق اليهود و قوم فرعون. و تطرّق الباحث إلى نقطة على غاية الأهمية في هذا المجال الخلقي أو

____________

(1) سورة العنكبوت، الآية 28.

400

الأخلاقي و هو الدور الذي يلعبه التعبير الأدبي في تصوير المعاني و ذكّرنا بالحرية الفنية التي يملكها الأديب أو القاص و التي تناولها و هو يتحدّث عن المعاني التاريخية. و يلمع إلى أن المسألة قد تكون حرب أعصاب لا أكثر و لا أقل و ضرب على ذلك مثلا: هو الهجوم العنيف الذي شنّه القرآن على اليهود في العهد المدني.

و هنا نرى أن الدقة قد أعوزت الباحث و كان حريّا به أن يسطر (في أواخر العهد المدني) لأن محمدا حاول في بادئ الأمر استمالة اليهود و إدخالهم في دينه فلما استعصوا عليه انتهت بهم العلاقة إلى الإجلاء ثم القتل و في هذه المرحلة المتأخرة كان الهجوم العنيف الذي حمله القرآن و أشار إليه خلف اللّه.

أول ما أخذ على اليهود هو عدم الوفاء بالعهود و خلف الوعود و نقض الإيمان المؤكدة و عدم الأمانة (المالية) و الكذب الصريح. ثم يضيف خلف اللّه أن هذا ما صنعه القرآن عن المصريين مع إضافة الاستكبار و الخفة و الطيش. و هنا يحق لنا أن نسلّط الضوء على خطأ وقع فيه خلف اللّه كنا نتمنى أن يربأ بنفسه عن التردّي فيه و هو الخلط بين فرعون و ملئه من جانب و المصريين من جانب آخر فالقرآن عند ما تحدّث أو صوّر إنما تحدّث أو صوّر أخلاق الأولين فقط و لو أن الباحث كلّف نفسه عناء (إن كان في ذلك عناء) قراءة تاريخ مصر القديمة و عادات و أخلاق المصريين القدماء لما انزلق إلى هذه السقطة و لبرأ المصريين-و هو أحد أبناء مصر-من تلك المثالب و العيوب و لعلم أن المصريين القدامى هم الذين علموا الدنيا الضمير و الأخلاق كما يقول برستيد في كتابه الرائع (فجر الضمير) و غيره من علماء المصرلوجي أو الإيجيبتولوجي خاصة و أن ما هو ثابت في القرآن لا يعين خلف اللّه على إثبات صدق ما انزلق إليه.

و يختم المؤلّف حديثه في المعاني الخلقية بقوله إن الاقتصاد له أثره في بعضها مثل الاستكبار و العناد بالنسبة للأغنياء و الذل و الخنوع بالنسبة للفقراء و هو يرى أن الجوانب الخلقية في قصص القرآن قليلة، و هو رأي يخالفه فيه العديدون.

الفن في القصة القرآنية

و أول فصوله القصة القرآنية و ألوانها و من البديهي أن يبدأ بتعريف القصة ثم بعده يتساءل هل في القرآن قصة فنية؟غ

401

يؤكد خلف اللّه أن الأقدمين من علماء البلاغة لم يلتفتوا إلى أن القصة لون من ألوان الفنون و الآداب بيد أنه يعترف أن هناك من مسائل البيان ما يعتمد عليه في شرح عناصر القصة الفنية و كذلك في تفسير الحوار و الأحداث وصلة كل هذا بالحق و الواقع أو بالعرف و الخيال و كذا في بيان استخراج القيم العقلية و التيارات الفكرية منها (القصة) و أن الممثّل به لا يلزم أن يكون من الحقائق بل من المشهورات المتداولة و الفرضيات المتخيّلة.

و المؤلّف يعترف أنه من الممكن استقاؤه مما خلّفه علماء اللغة الأقدمين من بحوث بل إنه اعتمد عليه، إنما لا يعني ذلك أنه يندرج تحت الثقافة الأدبية للقصة الفنية و لكن نحا ذلك المنحى بالالتفات إلى مسائل البيان العربي القديم-لترضى عنه العقلية الأزهرية التي تجهل الثقافة القصصية و لا يعجبها إلا ما اتصل بالقديم بسبب-و الحق أنها عبارة بالغة الغرابة من قبل خلف اللّه-و كان الأجدر به أن يحرص على إرضاء روح العلم سواء رضيت العقلية الأزهرية أم سخطت، و مع ذلك فلم ترض عنه تلك العقلية فهي التي قادت الثورة عليه و نخرج من ذلك أنه بذلك خاصم روح العلم أو المنهج العلمي و أغضب العقلية الأزهرية.

و يرجع المؤلّف الإهمال الشنيع الذي لقيته القصة الفنية في بيئاتنا الرسمية و لدى أساتذة اللغة العربية في معاهدنا و جامعاتنا إلى عدم وقوف القدامى من البيانيين و علماء اللغة عليه.

و يذهب إلى أن بعض المفسّرين و علماء اللغة لهم وقفات على أعتاب القصة أما الأخيرون (علماء اللغة) فقد اكتفوا بتحديدات مبهمة و تعريفات ناقصة و ما يثيره لفظ القصة نفسه من معنى في الذهن و هذا جريا على منهجهم في الكشف عن معاني الألفاظ و ما قد تضمّه من مصطلحات علمية و فنية.

أما المفسّرون فقد خطوا إلى الأمام خطوة لأنهم نظروا إلى المسألة باعتبارين: الأول لغوي و فيه شاركوا اللغويين و الآخر ديني و هو القصد الذي تغيّاه القرآن الكريم من قصصه أو ما هدف إليه و في نظر خلف اللّه أن الرازي هو أبرز ممثّل لهذا الإتجاه و أتى بمقاطع من تفسيره تؤيّد وجهة نظره.

402

و يصرّح المؤلّف أنه يحترم الفريقين إنما لن يقف عند الحدود التي وقفوا عندها. و أن لفظة قصة عنده تعني شيئا أعمق مما كانوا يذهبون إليه و هو متابعة الخبر أو الحديث، إنما هو ذلك العمل الأدبي الذي هو نتيجة لتخيّل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود و لكن الأحداث وقعت أم لم تقع للبطل إنما نظّمت على أساس فني بلاغي و لا مانع من المبالغة التي تخرج الشخصية التاريخية من مستوى الحقائق العادية و المألوفة إلى الشخصية الخيالية... هذا ما قصد إليه خلف اللّه و هو يدرس القصص الفني في القرآن الكريم-و هنا يطرح سؤالا وجيها: هل قصد القرآن من قصصه مقصد الأدباء في التأثير في الوجدان و استثارة العاطفة و الخيال أو أنه قصد إلى التأثير العقلي و إقامة الدليل و البرهان؟

و قبل أن يجيب المؤلّف على هذا السؤال يطرح تنويها يقطع أو يشي بما يتسم به من روح علمية و هي أنه لا يريد أن يفرض رأيه و إنما يدعه يكتشف الإجابة عليه (على السؤال) و أنه سوف يصحب القرّاء أو القارئ في رحلة عرض لهذه القصص علّ ذلك يعينه على معرفة الجواب الصحيح.

و لهذا العرض يكتفي بألوان ثلاثة:

أ-التاريخي: و هو الذي يدور حول الشخصيات التاريخية مثل الأنبياء و المرسلين و هو الذي اعتقد الأقدمون أن الأحداث القصصية فيه هي الأحداث التاريخية.

ب-التمثيلي: و هو الذي يهدف إلى البيان و الإيضاح و الشرح و التفسير و إلى ذلك ذهب بعض الأقدمين و لا يلزم أن تكون أحداثه من الحقائق فتكفي فيه الفرضيات و المتخيّلات.

ج-الأسطوري: تبنى فيه القصة على إحدى الأساطير يكون القصد من إيرادها تحقيق غاية علمية أو تفسير ظاهرة وجودية أو شرح مسألة مستعصية على العقل.

و بعد هذا التعريف السريع للألوان الثلاثة يأخذ في شرح تفصيلي لكل منها.

القصة التاريخية، ما زال خلف اللّه يتساءل: هل صياغة القرآن للأحداث‏

403

و الأشخاص في هذا اللون من القصة قصد به إلى العظة و العبرة أم إلى الحقيقة و التاريخ؟

ثم يضرب أمثلة حتى يمكن استخلاص هدف القص القرآني. أولها العذاب أو العقاب الذي أرسله اللّه إلى عاد جزاء تكذيبهم للرسول الذي أرسل إليهم و بعد تفكير يسير يمكن أن يصل إلى أن القرآن تخلى عن كثير من التفصيلات مثل عدم ذكر أي شي‏ء عن حال عاد قبل التكذيب و لا عن الحوار الذي دار بينهم و بين نبيّهم هود إنما صور العذاب تصويرا فنيا رائعا لأن القصد هو تخويف مناوئي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يكن ذلك في هذه السورة فحسب بل فعل ذلك في العديد من السور المماثلة لأنها (لم تنزل إلا للإنذار و التخويف من العذاب) و بذلك يمكن أن يقال أن القرآن يختار من المواد القصصية ما يحقق غرضه و يوفي بقصده. و يئوب إلى قصة عاد فينتهي إلى أن قصده (القصص القرآني) لم يكن التعريف بالتاريخ و لا تعليم الوقائع إنما هي قصة أدبية نزلت للتخويف و الإنذار.

و أورد مقتطفات من ابن الأثير تومئ إلى أنه فطن إلى هذا الصنيع القصصي من القرآن و علّله تعليلا فنيا بلاغيا و انتهى إلى أن المقصود من القصة إلزام الحجة ببعثة الرسل و استحقاق التدمير لمكذّبيهم ثم عرّج إلى ما جاء في القرآن عن قصة الطوفان من سورة هود أيضا و أنها لم تأت به إلا لما فيه من العبرة و الموعظة و هي المقصودة بالذات-و يقرّر في مختتم هذه الفقرة إلى أن قصص القرآن قصص أدبي تاريخي يأخذ مادته من أحداث التاريخ و وقائعه و لكنه يعرضها عرضا أدبيا و يسوقها سوقا عاطفيا يبيّن المعاني و يؤيّد الأغراض للتأثير على النفوس و يجعل وقعها عليها وقعا استهوائيا خطابيا يستثير منها العاطفة و الوجدان.

هنا نذكّر بما قلناه في مفتتح هذه المقدمة من أن خلف اللّه لم يطرح فكرته طرحا مرسلا بل كان يقدّم بين يديها الأسانيد العقلية و النقلية.

و المثل الثاني من قصة آل لوط فقد وردت في سورة الحجر بصورة و في سورة هود بصورة أخرى مغايرة فمجي‏ء الملائكة إلى لوط و اضطرابه النفسي و قدوم قومه إليه و موقفه منهم و عرضه بناته عليهم و موقف الملائكة و إخبارهم إياه أنهم رسل ربه ثم نصحهم له‏

404

بالسرى و أن العذاب نازل بالقوم صبحا في سورة هود يشعر بأن الزمن هو المحور الذي ربط الوقائع و كذا المحاورة مع القوم تدل على عدم معرفته بالذين قدموا و أنهم رسل ربه و كذلك الضيق الذي انتابه خوفا على ضيوفه. و لذا ينتهي المؤلّف إلى أن السبب في قصص سورة هود إنما هو لتثبيت فؤاده أما القصد من القصة ذاتها في الحجر فهو بيان ما ينزل بالمكذّبين و هذا يتّضح من حرص القرآن على إعلان الملائكة عن نفسها و إخبار لوط بالعذاب الذي سينزل على قومه و يذهب خلف اللّه إلى أن ذلك كان ملائما لحال النبي محمد عليه السلام و قد استقى ذلك مما ورد في ختام السورة و أن ترتيب أحداثها ينبني على أساس غايته تحريك العاطفة و هز العقول و الأفهام و بالتعبير المعاصر: منطق العاطفة و الوجدان.

و يؤكّد المؤلّف أن إختلاف أسلوب القرآن في بناء القصص و الذي اتضح في المثلين اللذين ضربهما من سورتي الحجر و هود أشكل على القدماء و من ثم قالوا أن هذه الحادثة في موطن غير التي وردت في موطن آخر و دلّل على مذهب القدماء بما أورده النيسابوري.

و يعقب على ذلك بقوله أن مقاصد القرآن هي التي تملي عليه الأسلوب و الطريقة و تسلسل الأحداث و الربط بينها و بين العاطفة و الوجدان.

و هنا يتعيّن علينا أن نسجّل هذا الكشف الفني الذي توصّل إليه خلف اللّه...

و الذي يضاف إلى رصيده في الدفاع عن القرآن و تجلية ما فيه و رفع ما تبادر إلى أذهان المفسّرين القدامى من وجود إشكاليات فيه. و قد دفعت الأمانة العلمية المؤلّف إلى أن يقرر أن الأستاذ الإمام محمد عبده قد سبق إلى كشف قاعدة القرآن في ترتيب الأحداث و ضرب مثلا بما جاء في تفسير المنار و ينتهي إلى أن الأستاذ الإمام يرى أن ترتيب الأحداث يرجع إلى اعتبار بلاغي خاص من أجله يقوم العرض على أساس عاطفي يخالف الأساس الذي يقوم عليه ترتيب الأحداث عند المؤرّخين.

و واضح أن الأستاذ الإمام قد اهتدى إلى جزئية خاصة مما اكتشفه خلف اللّه و لا يفهم من هذا غض من قيمته أو تهوين من شأنه أو تقصير من قامته لحساب خلف اللّه فهذا ما لا يقول به عاقل. و ينهى المؤلّف هذه الفقرة أو هذا المثل بأن أحداث التاريخ التي وردت في القصص القرآني رتّبت ترتيبا عاطفيا قصد تحريك الهمم و النفوس و بعبارة أوضح هي لون من القصص التاريخي الفني و ترتيبا على ذلك فإنها توزن بميزان الفن القولي لا بموازين المؤرّخين.