الفن القصي في القرآن الكريم

- محمد خلف الله المزيد...
507 /
405

و المثل الثالث من سورة الشعراء الآيات 160 إلى 175 و هي تتناول قصة عاد و هود و الآيات 123 إلى 140 و هي تتحدث عن قصة لوط، فرغم إختلاف مواد البناء في كل فإن وحدة التصميم و اتفاق البناء لا تخفى عن عين الناظر المتوسم. و قد لاحظ المؤلف أن المطالع في الأولى و الثانية متّفقة بل إن الاتفاق شمل الألفاظ و التراكيب و كذا الخواتيم اتّفقت أيضا فيها.

و الجو العاطفي الذي يسود القصتين واحد مثل حرص الرسل على هداية أقوامهم، و الذي يدفعهم إلى ما يرقّق العواطف و يذيب القلوب و كذا الاتفاق بين المناوئين و اتخاذهم موقفا موحّدا و هو التكذيب و عدم الاستجابة.

و أساس هذا الاتفاق في القصتين واحد سواء في البناء أو الروح مع إختلاف العناصر مثل الأحداث و الأشخاص و الحوارات و سر هذه الوحدة هو القصد الذي يرمي إليه القرآن و هو حرص محمد عليه السلام على هداية قومه ثم موقفهم منه. و ينتهي الباحث إلى أن المنطق العاطفي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن من حيث الذكر و الحذف و التقديم و التأخير و البناء و التصميم إذ هو قصص أدبي في المقام الأول و معجزة بلاغية قولية تفهم بأضواء الدرس الفني.

يذهب خلف اللّه إلى أنه في الفقرات السابقة ما يدل على أن القصة التاريخية ليست عرضا تاريخيا تطلب فيه المطابقة الواقعية المحققة للصدق العقلي إنما هي عرض أدبي يقصد منه ما لا يقصد من التاريخ و ذلك يلاحظ في اختيار المواد دون بعضها الآخر و ترتيب المواد و الصوغ و التركيب و كل هذه الأمور توجّه لتحقيق القصد و الغرض.

و ينتقل بعد ذلك إلى موقف القرآن من العنصر القصصي الواحد فمثلا توجيه الخطاب إلى بني إسرائيل بتذكيرهم بأنه نجّاهم من آل فرعون و ما كانوا يفعلون بهم (الآية 49 من سورة البقرة) و المخاطب هنا هم اليهود المعاصرون للنبي عليه السلام و مع ذلك لم يأت الخطاب بصيغة الماضي بل بصيغة الحضور و المشاهدة أي كأنه وقع لهم لا لأجدادهم و تفسيره أنه من العناية الأدبية التي هي من أسرار إعجازه و للتأثير على النفوس و هو ما

406

يسمى بمنطق العاطفة و الوجدان أي بهدف ترقيق قلوبهم و صرفهم إلى الإيمان بمحمد عليه السلام و هذا المذهب الفني و الأدبي يعرف في الأدب بالتصوير بالحركات و الإشارات و هي صورة قادرة على تحريك القلوب و استثارة العاطفة و الوجدان.

و الصورة الثانية و هي ما قاله الضعفاء للمستكبرين من أنهم كانوا لهم تبعا فهل يغنون عنهم شيئا من عذاب اللّه و ردّهم عليه بأنهم لو هداهم اللّه لدلوهم على الهدى و تدخّل الشيطان بأنه وعدهم وعدا باطلا ثم أخلفهم الوعد و تركوا وعد اللّه الحق و كل ما فعله أنه دعاهم فاستجابوا له دون أن يكون له عليهم سلطان (الآيتان 21، 22 من سورة إبراهيم) .

و يرى المؤلّف أن هذه الصورة-زمانيا لم تقع-و المنطق العقلي يوجب تصويرها بصيغة المستقبل لا الماضي كما فعل القرآن و الهدف من ذلك هو إصلاح نفوس الناس و هدايتهم بتبصيرهم بما ينتظرهم من مساءلة و مؤاخذة، و بث الخوف في نفوس معاصري النبي عليه السلام و تذكير المستضعفين منهم بأن اتباعهم للمستكبرين سوف يؤدي بهم إلى العذاب الأليم و تعريف المستكبرين بأن جريهم مع الهوى و إتباع الشيطان سيهوي بهم إلى قاع الجحيم و ليعلم منكري البعث من المعاصرين لمحمد عليه السلام أنه حق لا ريب فيه و صيغة الماضي هي الصيغة المثلى للتعبير عن ذلك كله فهي التي تدل عقليا على الوقوع و عاطفيا أو بلاغيا على أن الحدث حق لا ريب فيه.

و يستدل المؤلّف على مذهبه هذا بالآيتين التاسعة عشرة و العشرين من ذات السورة (إبراهيم) و فيهما يوجّه الخطاب إلى معاصري النبي عليه السلام بأن اللّه خلق السموات و الأرض بالحق و هو قادر على أن يذهبهم و يأتي بخلق جديد و ما ذلك عليه بعزيز، فهذا المنطق هو المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و يضيف خلف اللّه أن القدامى من علماء البلاغة تنبّهوا إلى العلاقة بين الصورة و الصيغة و بين أثرهما النفسي و العاطفي ثم ساق فقرة كاملة مما جاء في (المثل السائر) و أن ابن الأثير صاحبه ينتهي إلى أن المنطق الذي يسيّر هذه الصيغة هو المنطق النفسي أي البلاغي الأدبي الفني لا المنطق العقلي و مع ذلك كله فقد حيّر هذا الصنيع القرآني أولئك القدماء لتمسّكهم بالمنطق التاريخي مما أوقعهم في كثير من

407

المآزق و المشكلات و ضرب المؤلّف لذلك مثلا طالما ردّده و هو خطاب اللّه لعيسى ابن مريم و سؤاله إياه عما إذا كان قد قال للناس أن يؤلّهوه هو و أمه مريم فقد وقفوا عندها مليا و إذ نظروا إليها من المنطق التاريخي تساءلوا متى وقع ذلك الحوار؟

البعض ذهب إلى أنه وقع عند رفع عيسى عليه السلام إلى السماء و استدلّوا على ذلك أنها جاءت بصيغة الماضي. و البعض يرى أنها لم تقع و إنما سوف تقع يوم القيامة و حجّته في ذلك قوله تعالى بعدها هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم فهو وصف ليوم القيامة و ممّن قال به النيسابوري و يعلّل الباحث ذلك أنهم جعلوها من المنطق العقلي و لو أنهم انطلقوا من المنطق الأدبي الفني منطق العاطفة و الوجدان و بحثوا عن قصد القرآن و أنه توبيخ لنصارى عصر محمد عليه السلام لتمسّكهم بتأليه و عبادة عيسى عليه السلام لما وجدوا في ذلك مشكلة. و ينتهي إلى أن هذه المحاورة تشبه تلك التي دارت بين المستضعفين و المستكبرين و بين هؤلاء و الشيطان. و يضيف إلى أن ما ورد في القرآن من مشاهد القيامة بصيغ دلّت على الوقوع هدفه القضاء على ما في نفس العربي من شك و إنكار مثل:

اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ (1) و أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ (2) و يخلص إلى أن أسلوب القرآن في عرض المواد القصصية الجزئية كان أسلوبا أدبيا يخضع لمنطق العاطفة و الوجدان.

و إذا كان بعض الأقدمين ذهب إلى أن الاستعارة أو التخيّل كذب و الكذب لا يجوز وقوعه في القرآن فقد مضى ذلك الزمن و اعترف علماء البيان أن الاستعارة و التشبيه و الكتابة أبلغ من غيرها و أن المجاز أبلغ من الحقيقة و يعيب على الزمخشري حين أدخل قوله تعالى‏ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ (3) في الموضوع فهذا عنصر آخر لأن الآية تصوّر موقفا مغايرا للموقفين السابقين و هما: حوار المستضعفين و المستكبرين و الشيطان و قول اللّه تعالى لعيسى

____________

(1) سورة القمر، الآية 1.

(2) سورة النحل، الآية 1.

(3) سورة الأعراف، الآية 107 و سورة الشعراء، الآية 32.

408

أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ... (1) لأن انقلاب العصا إلى ثعبان مبين لا يقوم على اعتبار بلاغي عاطفي إنما أراد القرآن منه تقديم صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب ثم ينتقل إلى القصة التي وردت في سورة طه التي نزلت تسلية للنبي عليه السلام و من هنا جاء عرض القصة فيها عرضا هينا يدفع إلى النفس الثقة و الاطمئنان و يدفع عنها الهم و الحزن و من هنا كان اختيار الحية أليق بالمقام بخلاف ما جاء في سورة الشعراء من أنها ثعبان مبين لأن الموقف فيها موقف تحيّر و تحدّ و طلب بيّنة.

و النتيجة التي ينتهي إليها هي أن العنصر القصصي الواحد يعرض في صور مختلفة تناسب السياق و يلحظ فيها القصد و الغرض تحقيقا للمنطق العاطفي و أن القرآن يعمد إلى التصوير الأدبي الفني لا التعليمي التاريخي (و ليس بعد ذلك دلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية) .

ثم يورد المؤلّف الآيات 21 و ما بعدها من سورة الكهف و هي الأجزاء القصصية الخاصة بأصحاب الكهف للدلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية تصوّر الأحداث كما يعتقدها المخاطبون و هو ما أجازه بعض الأقدمين و رأى البعض الآخر أنه لازم ليسلم القرآن من المطاعن و يستقيم أسلوبه الأدبي في القص و كذلك الآيات من 83 إلى 98 من السورة ذاتها و هي التي تحكي قصة ذي القرنين ثم يعقبه بما أطلق عليه (صنيع الأقدمين) :

البعض فيما رواه الطبري يرى أن القرآن الكريم صوّر قصة أصحاب الكهف طبقا لآراء أهل الكتاب و هذا يتضح من جهة عددهم في قوله عزّ ذكره‏ وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (2) أي لا تستفت في عدّتهم من أهل الكتاب أحدا لأنهم لا يعلمونها و إنما قولهم فيهم رجما بالغيب لا يقينا من القول و عن المدة فإن ما ورد في السورة بشأنها (309 سنة) هو خبر من اللّه تعالى عن أهل الكتاب و من ذهب إلى ذلك كما جاء في الطبري استشهد

____________

(1) سورة المائدة، الآية 116.

(2) سورة الكهف، الآية 22.

409

على صحة قوله‏ قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا (1) و لو كان خبرا منه عن المدة لما كان لهذا القول وجه مفهوم.

و يخلص الباحث في هذه الجزئية إلى أن هناك من بين القدامى من أجاز كون الصورة التاريخية صورة لما يعرفه أهل الكتاب و دلالته أن القرآن الكريم صوّر في عدد من قصصه اعتقاد المعاصرين أو المخاطبين.

و عند ما ردّ فضيلة الشيخ عبد الوهاب النجّار على المستشرقين فيما كتبوه عن سورة الكهف في دائرة المعارف الإسلامية استند على هذا المذهب أو هذا الرأي. و يكرّر خلف اللّه ما كرّره من قبل من أن آراء اليهود كانت المقياس الذي به يقيسون صدق النبي عليه السلام فلو نزل القرآن بغيرها أي بما يخالف المقياس المذكور لكذبوا النبي و لما آمنوا به أو بالقرآن الذي جاء به أي أن إخبار القرآن بما أخبر سواء عن العدد أو المدة هو الدليل على أن الوحي ينزل على النبي محمد عليه السلام من السماء.

و الحق أن في النفس أشياء من هذا التفسير الذي يتبنّاه خلف اللّه في العديد من المواضع بل و يتحمّس له و الذي أخذ به فضيلة الشيخ عبد الوهاب النجّار و أوجه ما حاك في النفس بشأنه عديدة منها:

هل آمن اليهود برسولية محمد و صدّقوه و اتّبعوه بعد أن جاء القرآن (صورة لما يعرفه أهل الكتاب) ؟

من نوافل الكلام أن تقول إن الجواب معروف أ ليس القول بأن مجي‏ء القرآن مطابقا للصورة التي يعلمها أهل الكتاب في خصوصية العدة و المدة و ذلك للتدليل على صدق نبوّة محمد، أ ليس لهذا القول دلالته الصريحة أن معلومات أو معارف أهل الكتاب و حصرا و تحديدا اليهود حاكم على القرآن و بعبارة أوضح أن القرآن رضخ لمقياس اليهود حتى تثبت نبوّة محمد و رسوليته، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

هل ما قاله البعض من القدامى و وافقه عليه خلف اللّه و من قبله النجّار يتفق مع

____________

(1) سورة الكهف، الآية 26.

410

رأي القرآن في اليهود؟و كيف يلائم ما جاء في القرآن إن بشأن عدة الفتية أو مدة مكثهم بالكهف تصوير معارف اليهود و قد رماهم القرآن بكل خسيسة و دمغهم بكل نقيصة و أوعر من هذا جميعه أن تكون المطابقة لهذه المعارف هي مقياس صدق محمد و أنه رسول يوحى إليه من السماء؟

إن المنطق و العقل لا يقبلان ذلك و يرفضانه فالشخص العادي يشمئز من اتخاذ قالة الكذوب ميزانا لصحة كلامه فما بالك باللّه تعالى جل جلاله!إن الذي لا شك فيه أن رغبة خلف اللّه العارمة في إثبات أن المذهب الأدبي الفني هو المدخل الصحيح لتفسير ما أطلق عليه (القصص التاريخي) و الذي سوف نتناوله بالتعقيب في مغلاق هذه الفاصلة، هذه الرغبة هي التي دفعته لهذا القول.

بعد ذلك يورد خلف اللّه (صنيع) الرازي فيما يتعلق بغروب الشمس في عين حمئة (ماء و طين) فذكر أن بعض أصحاب القراءات السبع كانوا يقرءونها في عين حامية و أن جندب بن جنادة المشهور بأبي ذر الغفاري روى عن النبي حديثا جاء فيه أن الشمس تغرب في عين حامية و أن معاوية-و هو في نظرنا من الصحابة الذين امتازوا بقدر لا بأس به من العقلانية كان يقرأ حامية بألف-و أيّده في ذلك عبد اللّه بن عمر-و لكن عبد اللّه بن العباس-ترجمان القرآن-قال أنها حمئة و أن كعب الأخبار-و هو أحد المنسوب إليهم الولوغ في الإسرائيليات-عند ما سئل:

كيف تجد الشمس تغرب؟

أجاب: في ماء و طين كذلك نجده في التوراة.

بيد أنه لما ثبت بالدليل أن الأرض كرة و أن السماء محيطة بها و أن الشمس في الفلك فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟فإن تأويل غروبها في عين حمئة له عدة وجوه:

الأول: أن ذا القرنين بلغ أقصى (المعمور) فكأنما وجد الشمس تغرب في عين مظلمة-كما أن راكب البحر يراها كأنها تغيب فيه-و الذي نراه أن هذا التأويل نوع من التحمّل فلو كان ذلك لجاء: تغرب في ظلام.

411

الثاني: أن للجانب الغربي مساكن يحيط بها البحر ذي المياه الساخنة للغاية فهي حامية و حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء. و هذا التأويل في رأينا لا يقل عن سابقه تعسّفا فما الذي كان يمنع من القول: تغرب في بحر ساخن كما أن اشتمال البحور الغربية على حمأة سوداء مسألة فيها نظر.

الثالث: قول أهل الأخبار أن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء. و الرازي نفسه كشف عن فساده بقوله (و هذا في غاية البعد) و يرى أن الشمس طالعة و ظاهرة في كل الأوقات لأن الذين عندهم ليل في نصف الكرة يكون هناك نهار طالعة فيه الشمس عند من هم في النصف الآخر و من ثم يغدو القول بغيابها في عين حمئة على خلاف اليقين و لما كان كلام اللّه مبرأ من ذلك لزم التأويل (الذي ذكرناه) مع أننا رأينا أن هذا التأويل أو التأويلات (ليست بشي‏ء) !

و يخلص خلف اللّه إلى أن كلا من النيسابوري و الرازي و أبي حيان ذهبوا إلى ضرورة التأويل في هذه المسألة (ليبرأ كلام اللّه من أن يكون على خلاف اليقين) و يضيف أنه إذ يتّفق معهم في أن هذا ليس تصويرا لحقيقة تاريخية و يحترم تأويلاتهم فإنه يختلف معهم لأن المسألة ليست في حاجة إليها إذ أن القرآن سواء في هذه القصة أم تلك التي سبقتها إنما كان يصوّر معرفة أهل الكتاب عن الإسكندر و لما أخبروا به وفد قريش الذين حضروا من مكة ليسألوهم عن محمد و هل هو نبي حقا.

ثم يقارن بين الطبري و الزمخشري صاحب الكشّاف من جانب و بين الرازي من جانب آخر و يرجع العلّة في ذلك إلى أن الأخير (الثالث) عرف ما لم يعرفه الأول و الثاني عن حقيقة الشمس و الأرض و سائر الكواكب و من ثم فلم يضطراهما إلى التأويل، إذن الكشوف العلمية هي التي دفعت الرازي إلى طرح تلك التأويلات.

و يوضح لنا خلف اللّه السبب في اضطراره إلى القول بأن هذه القصة تصوّر المعارف التاريخية و الكونية عند أهل الكتاب و المشركين المعاصرين للنبي عليه السلام.

السبب هو تاريخ المسألة في حياة النبي و موقف المشركين و اليهود منه و توجيههم الأسئلة إليه بشرط أن تكون الإجابة (عليها) كما يعرفون. و في رأينا أن تعليل خلف اللّه يشوبه‏

412

الاضطراب الذي يؤدي إلى عدم الإقناع فهل المقصود هو تأريخ المسألة في حياة محمد و موقف المشركين و اليهود منه أم هو تأريخها كما يعرفه اليهود فعلا أي التأريخين يؤم و هما مختلفان:

فالوفد الذي أرسله بنو قريش لليهود في يثرب لمعرفة حقيقة محمد و هل هو نبي أو متقوّل ثم رد أحبار اليهود على الوفد بسؤاله عن مسائل ثلاثة حدّدوها فإن عرف إجاباتها فهو نبي و إلا فهو مدّع للنبوّة، هذا تأريخ أو هذه واقعة تاريخية.

ثم معلومات علماء اليهود أو معارفهم عن قصة أهل الكهف و قصة ذي القرنين (السؤال الثالث كان عن الروح و لا يدخل في نطاق البحث) . و هذا تأريخ أو على الأقل هو كذلك من وجهة نظر أحبار اليهود.

فإن كان الثاني (الأخير) يصدق عليه ما قاله خلف اللّه (القصة تصوّر المعارف التاريخية و الكونية عند أهل الكتاب) فهل الأول يصوّرها كذلك؟

إذن الجمع بين الأمرين و إن شئت الدقة قلت بين التاريخين أحدث تشويشا نتج عنه نزع المنطقية أو المصداقية عن العلّة التي طرحها المؤلّف و لعل هذه الفقرة تؤكّد ما سوف نطرحه من رأي في مذهب المؤلّف عن تاريخية القصة، أو القصة التاريخية.

و ربما استشعر خلف اللّه ما في رأيه من وهن و من ثم فقد جاء في نهاية هذه الفقرة السادسة و قال إن القرآن يعرض الأمور التاريخية أحيانا مطابقة لاعتقاد المخاطب (بفتح الطاء) و هو الأمر الذي يخرجنا من الميدان التاريخي و يدخلنا ميدان البلاغة و الأدب لأن القصد هو استثارة العاطفة و الوجدان. فهنا بصريح العبارة: عرض القرآن للوقائع حسب عقيدة المخاطب عنها خارج عن ميدان التاريخ و داخل في ميدان الأدب و البلاغة و الفن و البيان... إلخ. إذن فما هو الداعي لإدراج هذه النوعية من القصص تحت عنوان (القصص أو القصة التاريخية) ؟

يأخذ المؤلّف بعد ذلك في الفقرة السابعة و الأخيرة من هذا الجزء الثاني من الفصل الأول (القصة التاريخية) في تقديم مزيد من الأمثلة أو الأدلة على الفكرة التي سيطرت عليه و ملكت عليه كل تفكيره و هي أن صنيع القرآن في قصصه التاريخي ليس إلا الصنيع‏

413

الأدبي و حسب. و يأتي على رأسها الجمع بين العناصر المتباعدة زمنيا في حياة الأمة بل في حياة البشر. و يمثل للأولى بما ورد في حق بني إسرائيل أنهم يجدون نعت محمد في التوراة و الإنجيل فإن كان المقصود هم الأسلاف فكيف يعتقدون نبوّته و هو لم يبعث بعد كما أنه في ذاك الزمان لم يكن الإنجيل قد أنزل؟

و إن كان المراد المعاصرين فلا يفوز بها (هذه الرحمة) إلا من اتّقى من بني إسرائيل و آتى الزكاة و آمن بالدلائل في زمن موسى و اتّبع آخر نبي الزمان في شرائعه غاية القول أن القرآن جمع بين عناصر متباعدة في حياة بني إسرائيل.

أما هذا (الصنيع) في حياة البشرية فقد جاء بصدد الحديث عن قصة هابيل و قابيل ابني آدم ففي البحر المحيط أنهما لم يكونا كذلك و إنما هما أخوان من بني إسرائيل لأن القربان شرّع في بني إسرائيل و في رأينا أنها ملاحظة غاية في الدقة و الذكاء لأن تاريخ الأديان يخبرنا أن تقديم القرابين جاء متأخرا كثيرا عن فجر البشرية و أنها تفاوتت ما بين قرابين بشرية و حيوانية مما يجعل أنه من أعسر العسر تقديم قابيل و هابيل ابني آدم قرابين لعدم معرفتهما بهذا الطقس العبادي. و الذين دفعوا ملاحظة صاحب البحر قالوا إنه من المستحيل عقلا أن يجهل بنو إسرائيل طريقة الدفن حتى يعلّمهم إياها غراب؟و يفهم من سياقة قول خلف اللّه أنه أخذ بهذا الاعتراض إنما في رأينا أنه اعتراض غير سديد لأن الجمع بين تقديم القربان و القتل غير لازم إذ قد يرجع القتل إلى فوز الأخ بالأخت أو الزوجة الجميلة ثم بعد ذلك جهل طريقة مواراة الجثة في الثرى أما تقديم القربان فهو طقس متأخر لم تعرفه البشرية و تضمنه عباداتها إلا بعد حين إما استرضاء للآلهة أو اتقاء لغضبها!

و ينتهي خلف اللّه إلى أن المخرج من هذه البلبلة كلها في القصتين أن القرآن ما قصد إلا التصوير و التمثيل على أساس أدبي عاطفي و لو باعد الزمان بين أحداث القصة الواحدة.

و الصنيع الثاني هو إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به مراعاة لأمور اعتبارية و هو ما أجازه كثير من المفسّرين و المثل على ذلك-و قد كرّره خلف اللّه كثيرا- وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ (1) و معلوم أن اليهود لم يعترفوا برسوليته و لكن الرد يأتي

____________

(1) سورة النساء، الآية 157.

غ

414

على أن ذلك إنما جاء للاستهزاء كما ورد على لسان فرعون عن موسى‏ إِنَّ رَسُولَكُمُ... (1) و قد أجاز هذا التأويل بالإضافة إلى الرازي كل من النيسابوري و أبي حيان. و يعقّب المؤلّف قائلا إن إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به لاعتبارات يراها الخالق جل و علا دليل على أن القصص القرآني عرض الأحداث و الأقوال عرضا أدبيا لا تاريخيا.

و ثالثها إسناد الأحداث لأشخاص بأعيانهم في موطن ثم إسنادها بذواتها لغيرهم في موطن آخر و ضرب لذلك مثلا سبق له أن ضربه و هو عبارة لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ (2) عن موسى، فهي مرة نطق بها فرعون و مرة جاءت على لسان الملأ من قومه و كذلك البشارة بالخلف بعد العقم المديد مرة وجّهت إلى الزوج إبراهيم و مرة أخرى خوطبت بها الزوجة سارة. و هذه كلها تراكم الأدلة على أن القرآن في سرده يعرض عن الأساليب التاريخية و يعتمد على الأساليب الأدبية و الوسائل الفنية أو البلاغية. و يطلب منا المؤلّف أن نتّفق جميعا و لا يشذ واحد منا على وجود القصة التاريخية الأدبية في القرآن و أن المنطق الأدبي هو الذي يسودها و إلى هنا يختم كلامه عن هذا النوع من القصص.

بيد أننا قبل أن ننتقل مع خلف اللّه إلى القصص التمثيلي نقف معه مليا عند القصص التاريخي إذ لم يحدّد لنا المؤلّف المعيار الذي انطلق منه لتحديد تاريخية القصة:

هل هو ثبوتها في مدوّنات التاريخ المعتمدة؟

أم هل هو احتفاظ الشعوب في ذاكراتها لوقائعها؟

و هل مجرد ورودها في التوراة يضفي عليها صفة التاريخية؟

لقد كان حريا به و هو بصدد كتابة بحث أكاديمي أن يفعل ذلك و لعل إغفاله ذكر هذا المعيار هو الذي دفع به إلى إضفاء الصفة التاريخية على قصص و وقائع و أحداث في حين أنها ليست كذلك. فنزاع ابني آدم و قتل أحدهما الآخر و جهل القاتل بكيفية دفن جثة أخيه المقتول هذا ليس تاريخا و إنما هو أدخل في باب الميثولوجيا و لهذه الأحدوثة (العامة في

____________

(1) سورة الشعراء، الآية 27.

(2) نفس السورة، الآية 34 و سورة الأعراف، الآية 109.

415

مصر تقول: الحدوتة أ. هـ. ) مثيلات في عقائد العديد من الشعوب القديمة و البدائية الحالية مثل أحدوثة الطوفان و السفينة المعجبة التي أنقذت البشرية من الانقراض!

و كذلك حكاية عاد و هود و هلاك القوم بالريح التي تحمل العذاب الأليم فهي من الفولكلور العربي القديم و حتى الآن يضرب مثل للرسول (الوافد أو المندوب) المشئوم بـ (وافد عاد) .

و تلحق بها قصة صالح و ثمود و الناقة المدهشة التي تشرب يوما و كل سكان القرية يوما و سدوم التي ضربها أحد الزلازل فنسب إلى لعنة أحاقت بهم من جراء شذوذهم الجنسي تنفيرا من دعاة الإصلاح لهذا العمل الخبيث و كذلك قصة أهل الكهف الذين لبثوا فيه أكثر من ثلاثة قرون و هم يغطّون في نوم عميق و ينعمون بأحلام وردية دون أن يصابوا بجوع أو ظمأ و لا تتغير أجسامهم بمضي القرون فلما استيقظوا ظنوا أنهم ناموا بضع ساعات.

و كذا قصة ذي القرنين الذي غزا البلاد و دوّخ السلاطين و الملوك و الأقيال و سار إلى الشرق حتى وصل إلى حدود بلاد يأجوج و مأجوج فبنى سدا منيعا بينه و بينهم. و من ضمن ما رآه في رحلاته تلك: الشمس و هي تغرب في عين حمئة.

و البعض بكل جرأة على الحق يؤكد أن ذي القرنين هذا هو الإسكندر الأكبر الذي تعلّم الفلسفة و سائر (علوم الأقدمين) على كبير الفلاسفة في كل العصور: أرسطو. ثم بعد ذلك يقال إنه رأى الشمس تغرب في عين حمئة أي ماء ساخن و طين من عيون الأرض التي تعلم من أستاذه أنها تدور حول الشمس.

و مع ذلك يذهب خلف اللّه إلى أن هاتين الحكايتين من صلب التاريخ فكل هذا من قصص الفولكلور الشعبي الذي كان يتناقله عرب الجزيرة أو اليهود و كان معروفا و محفوظا في عهد محمد و يردّده الجميع. فكيف يعتبره خلف اللّه تاريخا و كيف يعد حكايات اللطيفة حينا و المرعبة حينا آخر تاريخا.

أما الأوعر من ذلك فإنه يعتبر حكاية موسى و فرعون و خروج بني إسرائيل من مصر و ضرب ملإ فرعون بالجراد و الضفادع و القمل و الدم و تحدي موسى للسحرة و انقلاب‏

416

العصى إلى حية أو ثعبان أو جان... إلخ. نقول أنه يعتبر كل هذه الحكايا تاريخا مع أنه لا يوجد في العالم بلد حرص على تدوين تاريخه كتابة كمصر و ليس في التاريخ المصري شي‏ء منها و مع ذلك عدّها المؤلّف قصصا تاريخيا.

و الأشد إثارة للدهش أن يضفي صفة التاريخية على المحاورة التي دارت بين المستضعفين و المستكبرين ثم بين هؤلاء الآخرين و بين الشيطان أو على سؤال اللّه تقدّست أسماؤه عيسى عما إذا كان قد طلب من تبعه أن يعبدوه هو و أمه؟

و يلحق به ما جاء على لسان اليهود أنهم قتلوا المسيح رسول اللّه فبأي مقياس يعد هذا تاريخا؟

و هل يمكن للقصص التي أوردنا أمثلة منها أن تنضوي تحت صفة التاريخية. و بقدر ما أخفق المؤلّف في إضفاء صفة التاريخية على هذه القصص بقدر ما حالفه التوفيق في القول بأنها حقيقة بحسب اعتقاد المخاطبين بالقرآن المعاصرين لمحمد.

فعرب الجزيرة آنذاك كانوا يؤمنون بصحة وقائع قصص عاد و هود و ثمود و صالح و الناقة و آيات العذاب الأليم إلخ.

و اليهود يؤمنون بصدق قصة موسى و فرعون و ملئه و الضفادع و القمل و الدم و الآيات المفصّلات و موسى و شعيب و انقلاب العصي إلى حيّات و ثعابين... إلخ و خروج بني إسرائيل و انشقاق البحر... إلخ و قبلها بقصة ابني آدم و بالطوفان و بالسفينة الرائعة التي حفظت ذرية آدم من الغرق... إلخ.

إذن كان الأولى أن يصف هذه القصص بأنها (القصص الشعبية و القصص الدينية) و لا يغض هذا من قيمتها أو يقلّل من قدرها أو يهوّن من مصداقيتها أو ينال من حقيقتها خاصة و أنه جعل النوع الأخير (ما أسميناه القصص الدينية) هو المقياس لصدق نبوّة محمد و صحة رسوليته و لو أننا فنّدنا هذا الزعم في ما سبق.

خلاصة القول إن الكسوة التاريخية التي حاول المؤلّف أن يدثر بها تلك القصص ليست ملائمة لها.

417

النوع الثاني من القصص هو القصة التمثيلية و هي قصة فنية و هي التي تضرب مثلا أو تجي‏ء تمثيلا و هي موجودة في القرآن، و لدى المفسّرين هي تدخل في باب الفن و الأدب، و التمثيل ضرب من ضروب البلاغة و فن من فنون البيان و من ثم ليس بلازم وقوع الأشخاص و الأحداث و الحوارات و لا مانع أن يكون منشأها الخيال أو العرف إذن هي عندهم من القصص الفني و هي تحتاج فيما يرى الزمخشري إلى نوع من الدربة و المران و إلا زلّت الأقدام و ضلّت الأفهام و يرجع عدّ هذه التمثيليات لدى البعض من المتشابه إلى العجز عن فهم صحيح التمثيل. و يخلص خلف اللّه إلى أن القصة التمثيلية قصة فنية و هو ما ذهب إليه الأقدمون و ما يشهد به الواقع ثم يضرب أمثلة لهذا النوع من القص:

نبأ الخصم الذين تسوّروا المحراب و دخلوا على داود و كيف أن أحدهم له تسع و تسعون نعجة و الآخر له نعجة واحدة فأراد أن يغتصبها منه بذلاقة لسانه فظن داود إنما فتناه فركع و استغفر و أناب.

و اختلف أصحاب التفاسير القدامى-الزمخشري و الرازي و النيسابوري و أبو السعود-في شأن هذه القصة اختلافا واضحا و يرجع المؤلّف ذلك إلى نظريتهم في الصدق و الكذب و إلى إيمانهم بمنطق العقل وحده و إهمالهم لما عداه حتى المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و لا صلة لهذا الاختلاف بالتمثيل و أثره النفسي في العاطفة و الوجدان.

و نحن نرى قدرا ملحوظا من التناقض بين هذا التعليل الذي علّل به خلف اللّه هذا الاختلاف و بين ما ذكره في بدي القول من أن هؤلاء القدامى عرفوا أن القصة التمثيلية قصة فنية تتأسس على العرف و الخيال. و لعل مرد هذا التناقض الذي وقع فيه المؤلّف هو موقف الأقدمين أنفسهم حين عرّفوا الصدق في كتب البلاغة و اختلفوا حول التعريف و وقفوا عند الصدق المنطقي و هو مطابقة القول للواقع و أدى هذا التعريف إلى إنكار وجود القياس الشعري و الحقيقة الفنية في القرآن و كلام الأنبياء.

و يصرّح خلف اللّه بأنه لا يقول أن كل مواد القصص التمثيلي وليدة الخيال ذلك لأن بعضها قد يجي‏ء وليد الأحداث الواقعية و هذا واضح من قصة الملكين (الخصم الذين تسوّروا المحراب) و لا ندري كيف عدّها المؤلّف ذات أحداث واقعية و هو يدرجها في باب‏

418

القصص التمثيلي و من أين جزم بأن المتسوّرين ملكان مع أن هذا قول بعض المفسّرين و ليس إجماعا منهم إذ أن بعضهم ذهب إلى أنهم من البشر.

و لما كان الباحث قد ذهب إلى أن بعض قصص القرآن التمثيلي وليد خيال فإنه درءا لكل معارضة لجوجة يبادر إلى القول بأن اللّه منزّه عن الخيال و لا حاجة له به و إنما جاء لحاجة بني آدم إليه فهو أحد الأساليب التي يجرون عليها تعبيرا عن أحاسيسهم بل و عن أفكارهم.

2-حمل الإنسان الظلوم الجهول الأمانة بعد أن رفض حملها كل من السموات و الجبال و الأرض و معلوم أن عرض الأمانة على هذه الجمادات محال و لكن الزمخشري صاحب الكشّاف يرى أن هذا ما جرى عليه العرب في أسلوبهم فهم يقولون:

لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوّي العوج، و بداهة الشحم لا يعقل و لا ينطق و لكن الغرض هو تبيان أن السمن في الحيوان يحسّن قبيحه.

3-الأرض في قبضة اللّه يوم القيامة و السموات مطوية بيمينه سبحانه و تعالى، و من نافلة القول إن اللّه جلّ جلاله منزّه عن القبضة و اليمين إلا عند المجسّمة و المقصود هو تصوير عظمته و التوقيف على كنه جلاله مثل الحديث النبوي إن اللّه يمسك على كل إصبع من أصابعه عنصرا من عناصر الكون: السماء، الأرض، الجبال، الشجر... إلخ.

الزمخشري صاحب الكشّاف يدلّنا على أن المعاني قد تجي‏ء في صورة التمثيل فيفهم سامعها أنها لذات ألفاظها غير مقصودة (كما هي في الكلام المتعارف عليه) إنما هي من صنيع الخيال. و هذا موجود في كتاب اللّه و حتى تستخرج المعاني منه تحتاج إلى دربة و مقدرة في علوم البيان. و من جانبه يضيف المؤلّف أن للتمثيل مظهرين:

الأول: يجي‏ء في أعقاب المعاني ليزيدها قوة و جلاء.

الآخر (الثاني) : أن يأتي المعنى ابتداء في التمثيل.

و أتى بمثال لكل منهما بالنسبة للأول من سورة ياسين و الآخر (الثاني) بقصة الملكين مع داود.

419

و قرّر المؤلف أنه سوف يقصر حديثه على المظهر الثاني و لم يفصح عن العلّة في ذلك إنما يبدو أنه النوع الغالب من التمثيل في القصص القرآني.

1-طلب الحواريين من عيسى بن مريم أن ينزل ربه عليهم مائدة من السماء لكي يعلموا أنه قد صدّقهم و ليشهدوا هم بذلك عليها و دعاه عيسى ربه أن يستجيب لتكون المائدة لهم عيدا فاستجاب له ربه بشرط أن من يكفر منهم بعدها يعذّبه عذابا لا يناله أحد من العالمين (الآيات 112/115) من سورة المائدة) . و قال الطبري إن البعض ذهب إلى أن اللّه لم ينزل على بني إسرائيل مائدة إنما هو مثل ضربه اللّه تعالى لخلقه نهاهم عن مسألة نبي اللّه الآيات.

2-ما ورد في سورة البقرة الآية 243 عن الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثم أحياهم و اللّه ذو فضل على الناس و لكن أكثرهم لا يشكرون.

و في رأي بعض المفسّرين أن هذه ليست قصة واقعية إنما هي مثل و ممّن ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره.

3-قصة الرجل الذي مرّ على قرية خاوية على عروشها فتساءل أنّى يحييها اللّه فأماته مائة عام ثم بعثه ثم سئل عن مدة لبثه فأجاب: يوما أو بعض يوم فقيل له بل مائة عام و انظر إلى طعامك و شرابك لم يتغيّر و إلى حمارك و إلى العظام كيف ينشزها اللّه ثم يكسوها لحما فلما تبيّن له ذلك آمن و صدّق بقدرة اللّه التي لا حدود لها (الآية 259 من سورة البقرة) . و في تفسير المنار أن هناك احتمالا أن هذه القصة من قبيل التمثيل.

4-سؤال إبراهيم ربه كيف يحيي الموتى فسأله: أو لم تؤمن فأجاب‏ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فطلب منه ربه أخذ أربعة طيور و تقطيعها و خلطها ببعض و وضع كل جزء منها على جبل ثم يدعوها فتسعى إليه كل ذلك ليعلم أن اللّه عزيز حكيم (سورة البقرة الآية 260) . و ذهب الرازي إلى أن هذا مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد بغاية السهولة و وافقه عليه صاحب المنار. أما المتأخرون فقد رأوا أنها من خصائص الأنبياء في الخوارق الكونية و إن كان المقام مقام العلم و البيان و الإخراج من الظلمات إلى النور و هو أكبر الآيات.

420

5-قصة ابني آدم و تقديم القرابين و قتل أحدهما الآخر و عجزه جهلا أن يواري سوأة أخيه و تعليم الغراب له ذلك (الآيات 27-31 من سورة المائدة) . و يورد المؤلّف ما جاء في تفسير المنار بشأنها و أنها بيان لتنازع غرائز الفطرة لبني البشر فهنا حدث تعارض بين عاطفة وشيجة الرحم مع حب العلو و الحسد و أن غريزة الدين هي التي تتولى تهذيب الفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل و الخير على الشر.

و سبق للمؤلّف أن أورد هذه القصة ذاتها ضمن (القصص التاريخي) و قد اعترضنا على ذلك و لعل نظمها في سلك القصص التمثيلي يؤكد اعتراضنا ما قررناه و أن خلف اللّه لم يطرح لنا المقياس الذي قاس به القصة التاريخية و انطلق منه مما أوقعه في الاضطراب عند سرده إياها إذ من غير المنطقي أن تكون القصة تاريخية و تمثيلية لأن الأولى تطرح وقائع تحققت و تشيّأت فعلا أما الأخرى فعمادها كما ذكر المؤلّف الخيال و التمثيل و الفن و ضروب البلاغة و فنون البيان... إلخ.

و نحن نعرف أن القصة التاريخية من الجائز أن توحي بقصة تمثيلية فالقاص المتمكن من فنه من الميسور له إبداع قصة تمثيلية يستمد موضوعها أو فكرتها من قصة تاريخية حدثت في زمان غابر أو سابق و ذلك على سبيل المثال لنقد أوضاع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معاصرة لزمنه و لا يستطيع أن يجهر بهذا النقد و هذا ما يسمى بـ (الإسقاط) . بيد أن هذا لا يخرج هذه القصة التمثيلية من نطاق (القصص التمثيلي) و يدرجها في مجال (القصص التاريخي) لأن عمودها الفقري التخيّل و الفن و الإبداع... إلخ. و هذا غير (صنيع) خلف اللّه فهو قد اعتبر القصة الواحدة بقضها و قضيضها مرة (تاريخية) و أخرى (تمثيلية) و هذا ما نأخذه عليه.

5-الآيتان 189، 190 من سورة الأعراف و فيهما أن اللّه تعالى خلق الخلق جميعا من نفس واحدة و جعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها و ظهر لهما حملها دعوا اللّه ربهما إذا رزقهما ولدا صالحا سويا يشكرانه على ذلك فلما حقق لهما ذلك جعلا له شركاء فيه فتعالى اللّه عما يشركون. و ذهب الرازي إلى أن لهما أكثر من تأويل فالقفال من مذهبه إلى أنها تمثيل أي ضرب مثل لبيان جهالة المشركين ذلك أن اللّه بعد أن رزقهما

421

الولد الصالح السوي نسباه تارة إلى الطبيعة و أخرى إلى الكواكب و ثالثة إلى الأصنام و كل هذا شرك و اللّه منزّه عما يشركون.

6-يرى الطبري أن ما جاء في سورة البقرة في قصة آدم عن استكبار إبليس عن السجود لآدم لأنه مخلوق من طين و هو خلق من نار و هذه أشرف كما أنه حسد منه لآدم على هذا الفضل الذي تفضّل به ربه عليه حتى أنه أمر بالسجود له يرى الطبري أنه مثل مضروب لليهود المعاصرين لاستكبارهم و حسدهم لمحمد أن أتاه اللّه النبوّة. و في موضع آخر ذهب الطبري أنها قصة تمثيلية ضربها اللّه في سورة صاد لمشركي مكة الذين استكبروا أن يختص اللّه تعالى واحدا من دونهم بالنبوّة و الرسالة.

و ختم المؤلّف هذا العرض من أقوال المفسّرين برأي للأستاذ الإمام محمد عبده في القصة التمثيلية (أورده كاملا) ثم ينتهي إلى أن القصة التمثيلية أو الخيالية موجودة باعتراف أئمة التفسير قدامى و محدثين و هي قصة أدبية. و يأمل-خلف اللّه-بعد كل ما قدّمه من براهين على وجودها في قصص القرآن الكريم ألا يجد معارضا.

و ينتقل خلف اللّه إلى (القصة الأسطورية) التي يقول عنها أنها تختلف عن (التاريخية) و (التمثيلية) إن من حيث مادتها أو تناولها فمن الناحية الأولى فهي قصة بأكملها أما من الناحية الأخرى فهي مخالفة عن النوعين الأولين.

و هناك إجماع من المفسّرين و غيرهم من العلماء المسلمين القدامى على وجود القصة التاريخية و بعضهم أجاز القول بوجود القصة التمثيلية أو غير الواقعية أو الفرضية بتعبير عدد منهم كذا هناك إجماع يمكن أن نسميه مضادا على استبعاد القصة الأسطورية في القرآن.

و يضيف المؤلّف أن بعض المفسّرين من أصحاب اللمحات فتح الباب و أجاز وجودها و ذلك عن طريق تأصيل أصول على قدر من الأهمية للفكرة مثل التقرير بأن هناك جسما أو هيكلا للقصة بيد أنه غير مقصود بل المقصود ما فيها من توجيهات دينية أو خلقية و من أبرز هؤلاء من غير القدامى الإمام الشيخ محمد عبده حين تحدث عن التعبيرات البيانية و أنها تقوم على شي‏ء من الخرافات الوثنية و من القدامى الرازي فعند ما تناول بالتفسير

422

قوله تعالى‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمََّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (1) من سورة يونس فرّق بين أمرين:

الأول: هيكل القصة.

الآخر (الثاني) : ما انضوت عليه من توجيهات دينية.

و الأول: هو الذي أشكل على عقول المشركين فقالوا عن القرآن أنه أساطير الأولين، في حين أن الهيكل أو الجسم ليس هو الهدف المبتغى. و هو ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده في المنار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و موطن الهداية و مثّل بالذي يتخبّطه الشيطان من المس و الذي بلغ مطلع الشمس مثلما يفعل كتّاب عرب و فرنجة عند ما يذكرون آلهة الخير و الشر عن قدماء المصريين أو الإغريق في حين أن أحدا منهم لا اعتقاد لديه في تلك الخرافات الوثنية. بيد أن كلا من الرازي و عبده اكتفيا بفتح الباب في هذه الخصوصية ثم توقفا إذ كل ما صنعاه هو التأكيد على عدم استهداف الجسم أو الهيكل و لو كان أسطورة و هذا غير قادح في القرآن الكريم.

يأخذ خلف اللّه استقصاء الآيات التي عرضت لذكر الأساطير لكي يتسنى له بعد ذلك أن ينظر إليها النظرة العلمية التي تؤدي إلى الحق و هي تسع آيات: الأنعام 25، الأنفال 30/31، النحل 24/83، الفرقان 5/6، النمل 67/68، الأحقاف 17، القلم 10/15، المطففين 10/13.

و أول الحقائق عنها أنها جميعها من القرآن المكي حتى ما وضع منها في سورة مدنية مثل الآيات 30/36 من سورة الأنفال لأن الأحاديث عن أساطير القرآن جاءت من جمهرة مشركي مكة و لم يقل بذلك أحد من أهل يثرب لا من اليهود و لا من بني قيلة.

و هي ملاحظة مكية تحسب لخلف اللّه و تضاف لرصيده و تعوّض ما فاته من تعليل إجماع المفسّرين على نفي القصة الأسطورية في القرآن فهؤلاء فعلوا ذلك لأنهم لو قالوا بخلافه أي بوجود قصة أسطورية في القرآن لأيّدوا بذلك مذهب مشركي مكة و هي أن القرآن ما هو

____________

(1) سورة يونس، الآية 39.

423

إلا أساطير الأولين.

و الحقيقة العلمية الثانية أن القائلين بذلك هم المنكرون للبعث و لا يؤمنون بالحياة الأخرى.

و ثالث ما يفهم من النظر إلى هذه الآيات التسع اعتقاد المشركين الجازم بصدق ما يقولون لدرجة أنهم كما نقلت لنا إحدى آيات الأنفال يدعون اللّه أنه إن لم يكن هذا أساطير و حق من عنده فليرسل عذابا كما فعل بالأمم السوابق.

و يرى خلف اللّه رأيا في غاية من الأهمية و هي أن هذه العقيدة الراسخة بوجود أساطير في القرآن لدى كفار مكة لا بد أن لها سندا يبرّرها. و يضرب لذلك مثلا بولد أبي بكر الصدّيق الذي رفض دخول الإسلام لأن ما في القرآن ما هو إلا أساطير الأولين و يستدل على ذلك بأن القرون الأولى التي هلكت لم يعد منها أحد. و مما هو جدير بالذكر أن السيدة عائشة بنت أبي بكر حاولت نفي نسبة ما جاء بالآية المذكورة لواحد من إخوتها و لكن هذا النفي في نظرنا لا يعتد به لأنها عند ما نكحها محمد كانت بنت ست سنوات و عند ما بنى بها بالمدينة كانت قد بلغت الثامنة أي أن هذه الواقعة التي حملتها تلك الآية قد حدثت إما قبل ولادتها أو هي طفلة صغيرة لا تعي و لكن...

لما ذا نذكر ذلك؟

لكي لا يعترض أحدهم و يزعم أن الحادثة لم تقع في بيت ابن أبي قحافة و إنما هي غابرة و بذلك يوهن أو يهزل الدليل الذي ساقه المؤلّف.

و يطرح خلف اللّه سؤالا:

هل تلك العقيدة المتمكّنة من نفوس مشركي مكة من أخطائهم التي تحسب عليهم أو هو شي‏ء من حال القرآن ولّده في نفوسهم؟بيد أنه لا يسوق إجابة فورية و يطلب من قارئه الانتظار.

أما رابع ما يفهم من النظر في التسع آيات التي ضمّت كل ما جاء في القرآن عن الأساطير هو أن القرآن ذاته لم يكن حريصا على نفي وجود الأساطير فيه إنما حرص على‏

424

نفي أن تغدو هذه الأساطير هي الدليل على كونه من محمد و كعادته فإنه يقدّم بين يدي قارئه الحجج الدوامغ:

1-في آيات سور الأنفال/المؤمنون/النحل/الأحقاف وصف صنيع المشركين دون أي تعقيب.

2-في آيات سورتي الأنعام/المطففين هدّدهم القرآن لإنكارهم البعث و صدّهم الناس عن إتباع النبي إنما لم يهدّدهم لنعتهم القرآن بأنه أساطير الأولين.

3-المرة الوحيدة التي ردّ فيها القرآن على زعم المشركين بوجود أساطير فيه هي تلك التي وردت في سورة الفرقان.

و لكن هل الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟

أو ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد و ينسبها إلى اللّه؟

و يجيب المؤلّف لعل الثاني أوضح، و يستشهد على ذلك بما أورده الرازي في مناقشته لرد القرآن على المشركين، و لو أنه يخالف الرازي في نقطة مؤثرة و هي شرح أو تفسير قوله تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ (1) إجابة على قولهم: وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (2) ، لأن المتبادر أن الرد الذي كان يتوقعه الرازي هو نفي الأساطير و من هنا حاول أن يجعل إجابة القرآن ملاقية للشبهة و هنا يقول خلف اللّه إنه لا يوافق الرازي على ذلك و إن إجابة القرآن هي الإجابة الطبيعية و التي لا محيد عنها و في محلها و يعني إثبات أن القرآن من عند اللّه لا نفي الأساطير و يستدل (المؤلّف) على رأيه بما جاء في القرآن في آية وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (3) لأنهم كانوا يستبعدون صدور هذا القصص الأسطوري من عند اللّه و لذا وقفوا ذلك الموقف من النبي عليه السلام و من القرآن.

و ينتهي المؤلّف إلى أنه إذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير و إنما نفي ورودها من

____________

(1) سورة الفرقان، الآية 6.

(2) نفس السورة، الآية 5.

(3) سورة النحل، الآية 24.

425

عند محمد لا من عند اللّه و من جهة أخرى كان إحساس مشركي مكة إحساسا قويا عنيفا و عقيدتهم قوية راسخة بوجود أساطير في القرآن إذا كان ذلك كله فإنا-و هذا على لسان خلف اللّه-لا نتحرّج من القول بأن في القرآن أساطير و هذا القول لا يعارض أي نص في القرآن.

و الحق أن خلف اللّه في تقريره هذا بلغ قمة الجرأة الفكرية و أننا لم نقرأ لمفكر لا في القديم و لا في الحديث-ينطق من أرضية إيمانية إسلامية-هذا الرأي.

و كما ذكرنا فيما سبق أن المؤلف لا يرسل كلامه إرسالا بل يقدّم عليه البراهين العلمية الصحيحة. و لعل ما ذكره خلف اللّه في بداية تناوله لهذا النوع من القصص (القصة الأسطورية) هو من إجماع المفسّرين و سائر العلماء على نفي وجود القصة الأسطورية في القرآن يؤكد ما قلناه من أن الرأي بوجود أساطير في القرآن الذي طرحه المؤلف رأي غير مسبوق و غير ملحوق، و الذي نرجّحه أن هذا الرأي هو أحد أسباب الثورة التي واجهت الرسالة أو الكتاب، لأن المعاصرين مثل القدامى يهوّلهم هذا الرأي فمن ناحية هو يشكّل خروجا على إجماع علماء المسلمين و من ناحية أخرى-و هذا هو السبب أو العلة في هذا الإجماع الذي استمر قرونا طويلة-أنه يذكّر برأي مشركي مكة أن القرآن ما هو إلا أساطير الأولين اكتتبها محمد. أي أن القائل بوجود أساطير في القرآن يلحق بأولئك المشركين و هذا غير صحيح لأن خلف اللّه عند ما قال بذلك أي عند ما طرح هذا الرأي إنما طرحه في نقطة محصورة أو مجال محدود و هو القصة و أنه فرّق بين جسم أو هيكل الأسطورة أو القصة الأسطورية و أنه ليس هدفا أو قصدا أو غرضا أو غاية... و بين التوجيهات الدينية و الخلقية و المعاني الكامنة و هي القصد و الهدف و الغاية و لعل توصّل كل من الرازي و محمد عبده إلى لمحات من ذلك يؤكد أن رأي خلف اللّه لم يكن شططا و ليس بقادح في القرآن من أي وجه فضلا عن عدم اصطدامه بأية آية من آيات القرآن.

بعد ذلك يتبقى من شرح الظواهر السابقة أمران:

الأول: لما ذا صدر هذا القول من منكري البعث؟

الآخر (الثاني) : لما ذا صدر من المكيين دون غيرهم؟

426

قبل أن يجيب المؤلّف على هذين السؤالين يبدأ باستعراض بعض القصص القرآني الذي عالج القرآن فيه مشكلة البعث.

أولا: الرجل الذي مرّ على قرية خاوية على عروشها و تساءل متى و كيف يحييها اللّه.

و الأخرى: سؤال إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى-و قد سبق تناولها- و يقول خلف اللّه أنهما تفسّران و تجسّمان عملية الإحياء بعد الإماتة التي ينكرها مشركو مكة إنكارا تاما. و يضيف أن وقفة بعض المفسّرين إزاءهما تقطع بأنهما لم تحدثا و في تفسير المنار أن القصة الأولى من قبيل التمثيل و أورد الرازي رأي أبي مسلم الذي ينكر وقوع الأخرى بحزم و أنها من قبيل التمثيل لا غير.

فإذا إنضاف إليهما رأي بعض المستشرقين أن قصة أهل الكهف قصة أسطورية تبيّن السر في أن القائلين بالأسطورية هم منكرو البعث إذ لم يستطيعوا تصديقها لأنها تجسّم عملية الإحياء بعد الإماتة و جروا على أنها أساطير الأولين.

و ينهى خلف اللّه الإجابة على السؤال الأول بأن الشبهة التي دخلت على المشركين من أمثال هذه الأقاصيص دخلت على المفسّرين من نفس الباب و من هنا لم يستطيعوا القول بوقوع تلك الأحداث و فسّروا هذا اللون من القصص بأن المراد به التمثيل فحسب.

يتساءل خلف اللّه: لما ذا انقطع القول بالأساطير بعد انتقال النبي إلى المدينة؟

و يجيب: في المدينة كانت البيئة ذات ثقافة كتابية من أثر اليهود الذين في كتبهم وردت الأساطير لشرح فكرة أو تجسيم عقيدة و هم (اليهود) يعرفون ذلك فانتقل إلى اليثاربة العرب بعكس البيئة المكية التي كانت مليطة من الثقافة الكتابية و هذه علة وسم مشركي مكة للقرآن بالأسطورية.

و إذا إن القصص الأسطوري يعتبر تجديدا في الحياة الأدبية في مكة أتى به القرآن الكريم و من ثم فهو يعد من جوانب إعجازه و أنه جعل الأدب العربي يسبق غيره من الآداب العالمية في فتح هذا الباب و جعل القصة الأسطورية لونا من ألوان الأدب الرفيع.

و نحن نعتقد أن خلف اللّه في عبارته الأخيرة قد شطح شطحا ظاهرا و كان من‏

427

الأفضل ألا تضمّها رسالة جامعية أو كتاب علمي رصين فعدد من الشعوب عرفت الأساطير و ضمّنتها آدابها الرفيعة و لعل أبرز مثل يرد على الذهن سريعا هو الإلياذة و الأوديسة و لعل العاطفة الإيمانية لديه هي التي دفعته إلى تسطير هذا الرأي الفطير و قد ذكّرني صنيعه هذا بما يفعله البعض في هذه الأيام عند ما يسمع عن اكتشاف علمي أو نظرية في الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو التعليم أو الإعلام أو الإسكان أو في أي فرع من فروع العلم التجريبي أو الإنساني فيبادر و يدّعي أن القرآن قد سبق و لا مانع من أن يتمحّل آية يؤكد بها زعمه المفضوح و لطالما سألناهم:

إذا كان الأمر كذلك و أن القرآن يحتوي على كل النظريات العلمية التجريبية و الإنسانية و المعادلات التي تؤدي إلى الكشوف و الاختراعات و التكنولوجيات بأنواعها فلما ذا لم يتوصل إليها المسلمون و انتظروا حتى اهتدى إليها الفرنجة الملعونون ثم ينسبونها إلى القرآن!

و قلنا لهم أن القرآن كتاب دين و هداية و أخلاق و قيم و مثل و كفى بذلك فخرا و شرفا له و أنه ليس كتاب علوم (تجريبية) و هندسة و طب و اقتصاد و اجتماع... إلخ. و أن نسبة هذه النظريات إليه يسي‏ء إليه لأنها متطورة و متغيرة في حين أن القرآن ثابت و مطلق... إلخ. و كيف في ميزان العقل و المنطق أن يحتوي القرآن على نظريات علمية تجريبية في حين أن المجتمع الذي انبثق منه لم يكن لديه أي علوم من أي نوع بل كل ما كان لديه مجرد معارف ساذجة أشد ما تكون السذاجة بسيطة أبلغ ما تكون البساطة.

و لما لم يذكره خلف اللّه في خصوصية انطواء القرآن على أساطير، أن البيئة التي ظهر فيها كانت بيئة أساطير فهي تؤمن بالجن و العفاريت و وادي عبقر و أن لكل واد سيد من الجن يتعيّن أن يتعوّذ به من يريد أن يبيت فيه و بالغيلات و الرّقي و التعاويذ و العين و الحسد و السحر الأسود الذي يحمله الخصم لخصمه ليؤذيه و يضرّه (تسميه العامة في مصر العمل و في سيرة محمد أن يهوديا هو لبيد بن الأعصم سحره و دفن العمل في أحد الأبيار و أن السماء أرسلت ملاكا دلّ محمدا عليه فأخرجه منه و فكّ العمل و زال السحر و بطل كيد الساحر الملعون و عاد محمد إلى حالته الطبيعية أ. هـ. ) ، و ذلك وصف شديد الإيجاز لحالة

428

ذلك المجتمع الذي كان معجونا بالأساطير فكان من المحتّم و قد ظهر القرآن فيه بأن تكون فيه أساطير حسبما ذهب إليه خلف اللّه.

و من ثم فنحن لا نأخذ عليه القول بوجود أساطير في القرآن بل نؤيّده فيه و قدّمنا العلة لذلك تلك العلة التي غفل عنها أو أغفلها (خلف اللّه) . إنما الذي عارضناه فيه هو تقريره سبق القرآن في انضوائه على القصة الأسطورية و في سبقه الآداب العالمية في جعل هذا اللون من القص من ألوان الأدب الرفيع و بيننا و بين المؤلّف تاريخ الآداب العالمية أو الأدب المقارن بيد أن الذي يغفر له هذه الكبوة هو العاطفة الدينية المشبوبة في جوانحه و التي لم يلتفت إليها الذين أثاروا تلك العاصفة الهوجاء عليه و على كتابه أو رسالته (أطروحته) .

و يختم الفصل الأول بقوله إنه قام بالتدليل على وجود الألوان الثلاثة من القصص الأدبي ثم يتحفّظ-شأن العلماء الذين يصرّحون أن ما يطرحونه مجرد رأي و ليس هو الحقيقة المطلقة التي لا تقبل نقاشا أو جدلا-فيقول أو على احتمال الوجود و إجازته و كلها يثبت أن القصة في القرآن الكريم عمل أدبي وظّفه القرآن لتحقيق مقاصده و أغراضه.

الوحدة القصصية

وضع خلف اللّه عنوانا للفصل الثاني هو (الوحدة القصصية) و نظرا لسيطرة النزعة التاريخية على عقلية القدامى فإنهم عجزوا عن الاهتداء إليها إذ لم يفرّقوا بين عمل الأديب و عمل المؤرّخ ثم شرح الفرق أو الفروق الدقيقة بينهما و هذا ما أدى بهم إلى تفسير ظاهرة تلوين صورة الشخصية الواحدة طبقا لاختلاف المواقف و ضرب مثلا لذلك في رسم صورة فرعون مرة في مسوح العابد و أخرى في عزة المعبود، و عدم التفرقة بين الصنيعين جعلهم يعتقدون أنه لا شخصية قصصية في القرآن إلا الشخصية التاريخية.

في مضمار الحديث عن الوحدة القصصية يبدأ بتناول الأساس الذي يتعيّن أن نميّز به قصة عن أخرى و يضيف أن الأساس كان لدى من سبقه من الدارسين هو الشخصية التاريخية و إليه يعزى تسمية أقاصيص القرآن بأسماء المرسلين و غيرهم و كذا بالصفات التي أطلقها القرآن الكريم على الشخصيات مثل الذي مرّ على القرية الخاوية على عروشها

429

و أصحاب الكهف و أصحاب الجنة و الألوف الخارجين من ديارهم حذر الموت إلخ.

و لكن ما ذا كانت نتيجة هذا الصنيع؟

جمعت كل الأقاصيص التي ذكرت حول نبي أو شخصية أخرى و اعتبرت كلها هي قصة هذا النبي أو هذه الشخصية. و من هنا حجبوا أنفسهم عن إدراك أسرار القرآن البلاغية و الأدبية و الفنية المعجزة في: التكرار، الحذف، الذكر، الزيادة، النقص، التقديم، التأخير إلخ. و ترتيبا على ذلك وجدوا أنفسهم أنهم كانوا يسيرون في طريق مسدود و من هنا لم يجدوا مخرجا إلا عد القصص القرآني من المتشابهات.

هل يمكن شرح المقصود بـ (الوحدة القصصية) ؟

هي المشكلة التي تعالجها القصة و يقوم عليها فن التركيب و البناء.

و يتّفق هذا مع قواعد الأصوليين لأن مدار بحثهم في الآية القرآنية هو ما تصوّره من حكم شرعي أو عقيدة دينية دون الأشخاص الذين تدور حولهم هذه الأحكام و المثل عليه هو أنه عند الحديث على الأزواج توزّع الحديث عنهم في مواضع كثيرة مثل النكاح و الطلاق و الخلع و الإبراء و اللعان و الظهار و النفقات... إلخ. و لما كان من المحال الجمع بين آيات هذه المواقف إذ لكل منها باب فإنه يستحسن العمل بهذا المنهج في فضاء القصة القرآنية بأن تغدو هذه القصة للعظة و هذه لتثبيت قلب النبي عليه أفضل الصلاة و السلام و ثالثة للتخويف إلخ.

و عوّدنا خلف اللّه على ترسيخ رأيه بضرب الأمثلة التي هي بمثابة الحجج و البراهين فيقول إنا لا نستطيع الجمع بين قصة البعث أي الإحياء بعد الإماتة كقصة إبراهيم مع الطير التي وردت في سورة البقرة و قصة شن الغارة على الأصنام التي يعبدها الوثنيون كقصة إبراهيم في سورة الأنبياء لمجرد أن البطل في كليهما هو نبي اللّه إبراهيم عليه السلام.

هذا الصنيع يتّفق و صنيع القرآن لم؟

لأنه الأساس الذي قام عليه الجمع في الأقاصيص من حيث الأسماء الواردة في سورة واحدة من سور القرآن و من ناحية أخرى فلأنه الأساس الذي قام عليه التشابه‏

430

و الاتفاق في بناء القصة و تركيبها في كل من السور مهما تتغير الأسماء.

ثم يقوم المؤلّف بعرض بعض من الأقاصيص القرآنية التي جمعت في سورة واحدة بالإضافة إلى وحدة البناء و التركيب كل ذلك مع إختلاف الأسماء:

أولها الجمع بين قصة صالح و أخوهم هود و أصحاب الأيكة و شعيب. فلوحدة المقاصد في كل منهما وحّد القرآن بينهما إذن الوحدة تقوم على المقاصد و الأغراض و المشكلات لا على الأسماء و الأشخاص و لقد صرّح القرآن بما يؤكد هذه الوحدة في العديد من الآيات. و الذي يلتفت عن هذه الوحدة فهو بدوره التفت عن القصد الحقيقي للقصص و هو الأغراض الدينية و هو (الذي يفعل ذلك) سواء عن إدراك أو غفلة يعطّل المهمة الأدبية الإعجازية بل و الدينية الخلقية التي يتغياها القرآن. و الوحدة القصصية هي التي تفسّر لنا ظاهرة التكرار التي دعت القدامى إلى القول بالتشابه الذي هو بتعريف الطبري:

هو ما اشتبهت الألفاظ به عند التكرار فهناك قصة باتفاق الألفاظ و إختلاف المعاني و أخرى بإختلاف الألفاظ و اتفاق المعاني. و الصور التي تحقق فيها رأي الطبري كثيرة في القرآن و إيرادها عسر و من ثم فإنه (خلف اللّه) سوف يكتفي بالبعض الذي يؤكد رأيه و يوثّقه:

1-في سورة الأعراف قصة إرسال نوح لقومه يدعوهم لعبادة اللّه و أنه يخاف عليهم عذاب يوم عظيم و في سورة هود: نوح نذير مبين يخاف عليهم عذاب يوم أليم و في المؤمنين: ما لكم من إله غيره أ فلا تتّقون ثم يورد خلف اللّه رأي الخطيب الإسكافي صاحب «درة التنزيل و غرة التأويل» و يعقّب عليه أنه حلّه حلا أدبيا و أنه بدوره يسلم إلى رأي أدبي آخر إذ أنه من البديهي أنه عند ما تتعدد المواقف و تختلف الأشخاص فلا بد أن يكون هناك في العبارات ما يلائم المقام و من هنا تجي‏ء النتيجة المنطقية و هي إختلاف الصور أو إختلاف الأقاصيص لاختلاف الصور البيانية و المواد القصصية و إختلاف المقامات.

2-في سورة طه سؤال موسى عما بيمينه فأجاب أنها عصاه و في سورة النمل أخبر موسى أهله أنه آنس نارا أَلْقِ عَصََاكَ (1) .

____________

(1) سورة النمل، الآية 10.

431

و اللّه نفى الاختلاف عن القرآن و أنه لو كان من عند غيره لكان مليئا بالاختلاف.

و هنا قد يسأل سائل أ لا يوجد الاختلاف الذي جاء في سوره بشأن الإخبار عن قصة واحدة فمرة قال موسى لأهله‏ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً (1) و في أخرى‏ سَآتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (2) و في سورة القصص‏ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ (3) . و في موضع: أخبره أنه ربه و أمره بخلع نعليه و أنه بوادي طوى المقدس و سأله عما بيمينه و في آخر... فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا... (4) ثم أعلمه أنه اللّه العزيز الحكيم و أمره بإلقاء عصاه. و في القصص: نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ (5) و أخبره أنه اللّه رب العالمين و أمره بإلقاء العصا فلما رآها تهتز أجاب الخطيب الإسكافي في (درة التنزيل) هذا السائل بما يلي:

أن اللّه تعالى لم يخبر أن موسى خوطب باللغة العربية فإذا عدل عنها إلى غيرها مما يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحا فيه بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة و يعقّب خلف اللّه أنه جواب غير مقنع لا يحل المشكلة ما دام الموقف واحدا و القصد هو الإخبار عن هذا الموقف. و الحل في رأيه-و قد لمحه الخطيب الإسكافي-بأن هذا موقف و ذاك آخر و الاختلاف يرجع إلى القصد الذي تغياه القرآن من الصورة القصصية فقصة وردت للتسلية أو التسرية عن النبي عليه السلام و أخرى لغرض آخر و الغرض الأدبي لحادث واحد من جوانب مختلفة يكشف عن موضع العبرة و العظة دون قصد إلى تقرير خبر بعينه فإذا اختلفت المقاصد تباينت الصورة المعبّرة عنها. و الاتفاق في الشخصية لا يصح أن يطغى على بقية عناصرها من إختلاف في المقاصد و الأغراض و الصور و الألفاظ و النسق

____________

(1) سورة طه، الآية 10.

(2) سورة النمل، الآية 7.

(3) سورة القصص، الآية 29.

(4) سورة النمل، الآية 8.

(5) سورة القصص، الآية 30.

432

و التركيب و البناء و هذا الوجه يبطل قول المستشرقين الخاطئ من تطوّر الشخصية القصصية في القرآن بتطوّر أغراض النبي عليه السلام و دوافعه و الظروف التي أحاطت و المناسبات التي دعته إلى اتخاذ بعض المواقف. و المستشرقون يمثّلون لذلك بما حدث في شخصية إبراهيم عليه السلام لأن أساس قولهم إن الوحدة القصصية تقوم على وحدة الشخصية و هو قول باطل و الصحيح أن هذه الوحدة هي وحدة الغرض و من ثم فلا مانع مع وحدة الشخصية أن تكون هناك أقاصيص متعددة لها عن موقف واحد لتعدّد الأغراض و تباين صور العرض بإختلاف المقاصد و الأغراض.

و قريب من هذا الاختلاف في شخصية فرعون فمرة هو معبود و أخرى هو عابد لأن الوحدة القصصية تكون بوحدة الشخص لا الغرض أو المقصد و يرفض الباحث أيضا هذا الاعتراض و يكرّر رأيه: بإختلاف القصة لاختلاف المقصد و المغزى.

و نحن نرى أن خلف اللّه لم يعط الرأي القائل-من قبل المستشرقين (هكذا بألف لام الاستغراق و هذا تجاوز كما سبق أن ألمعنا. أ. هـ. ) -من أن تطوّر أغراض محمد و دوافعه و الظروف التي أحاطت به و المناسبات التي دعته إلى اتخاذ بعض المواقف و انعكاس ذلك على القرآن كله لا على قصصه فحسب نقول إنه لم يعطه حقه من البحث و الفحص و التمحيص بل تعامل معه بقدر من العجلة و السرعة لا يناسبان الأطروحة أو الكتاب...

علما بأن هذا ليس هو رأي المستشرقين فقط بل هو يمثّل وجهة نظر أو قناعة عدد لا بأس به من البحّاث المعاصرين.

و الصحيح أن هذا رأي و لكنه حقيقة ثابتة و ظاهرة لكل من يقرأ سيرة محمد و القرآن بإمعان و بعقل مفتوح و فكر يقظ متحرّر من إسار عاطفة القداسة التي لا شك أنها تمنع من النفاذ أو التوصل إلى الحقيقة، حقيقة أن تاريخ سور و آيات القرآن معضلة من أعقد المعضلات في تأريخ العلوم الإسلامية و لكن هناك سورا بأكملها و آيات تحدثت هي ذاتها عن وقائع تاريخية مثل غزوات بدر و أحد و الخندق و حنين و مثل حادث الإفك الأثيم...

إلخ فضلا عن أن كثيرا من البحّاث استطاع أن يؤرّخ لعديد من الآيات نخص منهم علماء (أسباب النزول) .

433

و بمقارنة هذه السور و الآيات بمسيرة محمد سوف يتكشّف للقارئ الواعي أن هناك علاقة حميمة بين الاثنين و سوف ينتهي إلى أن أغراض النبي و ما تعرض له من ظروف و مناسبات كان له تأثير و أي تأثير و لقد تناولنا بالدراسة هذه النقطة في خصوصية لهجة آيات القرآن في مخاطبة اليهود و المسيحيين (يسميهم النصارى) و المنافقين و عرب الجزيرة عموما قبل عام الوفود و فتح مكة (فتح الفتوح أو الفتح الأعظم) و بعدهما و كيف أن تلك اللهجة تطوّرت و ذلك في كتابنا (دولة يثرب، بصائر في عام الوفود و في أخباره) دار سينا، مصر و مؤسسة الانتشار العربي بيروت/لبنان.

في سورة الشعراء بصدد قصة صالح عليه السلام أخبره قومه أنه من المسحّرين و أنه بشر مثلهم و إن كان صادقا فليأتهم بآية و في قصة شعيب عليه السلام طلب من قومه أن يتّقوا اللّه الذي خلقهم و من سبقهم فردّوا عليه أنه من المسحّرين و مجرّد بشر مثلهم و أغلب الظن أنه كاذب. و إذ أن في الاثنين تشابه في الصياغة فما سر ذلك؟

يجيب خلف اللّه أن في كلتيهما أتى القصد و الغرض و من ثمة جاء التشابه في البناء و الاتفاق في العبارات.

و دائما يختار القرآن الأحداث و الشخصيات و المواقف التي تحقق الهدف الذي يتغيّاه، ففي قصص سورة هود الغرض منها هو تثبيت قلب النبي عليه السلام فاختار المولى سبحانه و تعالى من أحداث الأنبياء مع أقوامهم ما يحقّق هذا الغرض.

أما قصص سورة الشعراء فقد نزلت لتصوير اللدد في الخصومة و تهوين وقع الأمر على النبي-ص-و هذا هو أساس التوافق في البناء و التركيب بل و العبارات. و كان ذلك واضحا و ملحوظا في قصتي صالح و شعيب اللتين جاءتا في سورة الشعراء سواء من ناحية البناء و التركيب أو ما نطق به أبطالها من عبارات في الجدل و الحوارات.

و إذ أن خلف اللّه متمكّن من رأيه أو نظريته فإنه يعرض من الأدلة ما يؤيّدها طردا و عكسا، مثل قصة لنفس الشخص الذي تدور حوله الأحداث أي أن البطل واحد و لكن هناك إختلاف يترك لفطانة القارئ إدراكه على ضوء الرأي الذي طرحه... ففي سورة الشعراء قصة ثمود و صالح و الناقة التي لها شرب و لهم شرب يوم معلوم و تحذيره إياهم من مسها و إلا حاق بهم عذاب يوم عظيم و لكنهم عقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب، ـ

434

و في سورة القمر بدأ سرد القصة أن ثمود كذبت بالنذر و وصفوا النذير بالكذب و استبعدوا نزول الذكر عليه من دونهم و أن اللّه أرسل الناقة فتنة لهم و أن واحدا منهم تعاطى و عقرها فأرسل عليهم صيحة فغدوا كهشيم المحتظر.

و يعقّب الباحث أن الاختلاف في القصتين قوي و ليس ثمة سبب لذلك إلا إختلاف المقاصد و من ثم اختلاف البناء و التركيب. أي كما يؤدي التشابه في المقاصد إلى التشابه في البناء و التركيب... إلخ كذلك الاختلاف في البناء و التركيب... إلخ. إذن هي نظرية صحيحة أو رأي صحيح لا يتخلّف أثره في الحالين.

و يلفت المؤلّف إلى أن أجزاء أي قصة لا يمكن أن تعتبر كذلك إلا على أساس أن صاحب النص قد أراد هذا و أنه حين أنزله إنما أنزله على أنه جزء من قصة هذا النبي أو ذاك و هذا ما لم يقل به أحد فضلا عن أنه يخالف أسباب النزول.

و من ثم يذهب خلف اللّه إلى أن هذه الأجزاء نزلت لا لتكملة قصة سابقة بل لتحقيق أغراض مغايرة مختلفة بإختلاف الظروف و المناسبات. و سبب آخر هو التكرار الكثير الذي حظيت به بعض أقاصيص عدد من الأنبياء مثل لوط، شعيب، صالح و أن نمعن الفكر في مسألة توزيع أجزائها فسوف نتأكد على الفور أن الكلام لا يستقيم... لما ذا؟

لأن الأحداث و الأشخاص واحدة في ذات القصة فكيف يتأتّى توزيع الأجزاء؟إن ذلك لن يستقيم بحال من الأحوال. و يقرّر خلف اللّه اعتقاده بوجوب النظر إلى هذه الأقاصيص باعتبار أن كلا منها مستقلة و ليست أجزاء يكمّل بعضها البعض، فهي عرض أدبي للحادث تختلف ألوانه بإختلاف أغراضه و يضرب مثلا لشخصية تاريخية تصاغ من أحداث حياتها قصص متعددة لكشف جوانب مختلفة فيها، و يعدّها ظاهرة رقي فني قدّم القرآن مثلا منها صح معها التحدي لهذا التكرار الذي لم يفهم على وجهه.

و هكذا استطاع خلف اللّه أن يعلّل تعليلا علميا و فنيا هذه الظاهرة التي لم تفهم الفهم السديد، و أضاف نقطة هامة لرصيد القرآن في الإعجاز-و كان حريا بمن ناوأ خلف اللّه أن يدرك ذلك الصنيع و يقدّره له حق قدره و يحمده عليه-كما أنه كشف من ناحية أخرى عن غيرة المؤلّف على القرآن و تنزيهه عن المطاعن بمنهج علمي رصين لا يخلو من قدر وفير من الأدب و الفن.

435

و بذلك يصل المؤلّف إلى ختام الفصل الثاني (الوحدة القصصية) و لا مشاحة أن خلف اللّه أتى في ثناياه بمنهج جديد أو على الأقل قد طوّر الملامح الأولية أو اللمحات الخاطفة التي ألمع إليها بعض القدامى و واحد أو اثنان من المحدّثين حتى أنه يمكننا أن نقول أنه أبدع هذا المنهج إبداعا و أنشأه من جديد.

و لا ينال من الجهد الذي بذله بعض الملاحظات التي أوردناها في ثنايا العرض و التحليل و كلما تقدّمنا في قراءة الكتاب و دراسته و تحليله استبان أن المؤلّف يطوي بين جوانحه عاطفة متأججة نحو القرآن دفعته لأن يبذل كل ما لديه من ثقافة و فكر للدفاع عنه دفاعا حارا بل أنها حملته في أكثر من موضع للتجاوز و الشطط و هذا من بين ما أخذناه عليه.

المقاصد و الأغراض‏

في هذا الفصل يعالج المؤلّف (المقاصد و الأغراض) و يبدأه بضرورة التمييز بين أمرين:

1-الآراء و الأفكار و الصور المعروضة في القصة.

2-النتيجة التي تنتهي إليها القصة الواحدة أو مجموعة قصص وردت في سورة واحدة ذات مقصد واحد له في كافة العناصر: البناء، التركيب، أسلوب العرض، الأحداث، الحوار، الأشخاص... إلخ. و لكن ما هو الغرض؟

هو المقصد الذي من أجله نزلت القصة القرآنية و بنيت على صورة خاصة و بأسلوب خاص و لنا هنا وقفة:

يعرّف المؤلّف المقصد بأنه هو الغرض أي أنهما شي‏ء واحد و عنوان الفصل (المقاصد و الأغراض) و معروف أن الواو تعني المغايرة: أقبل زيد و عبيد فهما شخصان و في القرآن: فاكهة و أبّا فهما صنفان مختلفان إذن كان حريا به أن يجعل عنوان الفصل (المقاصد) أو (الأغراض) ، و لا يجمع بينهما-و يستطرد المؤلّف فيقول إنه بجانب الأغراض‏

436

تنتصب الوظيفة الاجتماعية التي تضطلع بها سائر الفنون الجميلة. و يخبرنا الباحث أن الرازي استدل على هذه الوظيفة الاجتماعية في القصة القرآنية، و يضيف أن عمليات الإفاضة و الإيحاء التي قال بها النفسيون المحدثون... وردت في القصص القرآني في ثنايا تلك الوظيفة و تأدية لها.

و القرآن الكريم لفت الذهن إلى الوظيفة الاجتماعية عند ما تحدث عن أثر الأقوال في النفوس و أنها تستثير العاطفة و هذا يفسّر لنا ضرورة بلاغة الأقوال لتؤثّر في النفوس و ليقوى الإيحاء و يشتد و أورد الباحث عددا من الآيات تأكيدا لرأيه. و يختم ما يمكن أن نسميه تمهيد هذا الفصل أنه من السهل أن ننتهي أن المقصد العام أو الوظيفة الاجتماعية من القصة الأدبية يكون عادة الإفاضة أو التنفيس و الإيحاء و هي الأمور المتحققة في قصص القرآن.

و نبادر إلى القول بأن خلف اللّه إذن يسوّي بين الغرض و القصد و الوظيفة الاجتماعية و سبق أن تحدّثنا عن الغرض و القصد و كيف أنه كان عليه أن يختار أحدهما لأن الجمع بينهما إنما يعني المغايرة و الاختلاف و المفاصلة.

أما عن الوظيفة الاجتماعية فسيتحدّد كنهها فيما نستقبله من المؤلّف من أفكار و من جميعه نبدي ما يعن لنا من ملاحظات.

يشير المؤلّف أنه بصدد بحث جامعي و لذا فهو لا يكتفي بالعموميات و يتعين عليه أن يفصّل ما أجمل و أن يورد المقاصد و الأغراض بشي‏ء من التفصيل:

أولها من وجهة نظر القرآن نفسه تخفيف الضغط العاطفي عن النبي عليه السلام و عن المؤمنين و الذي يرى أنه كان عنيفا و أسبابه جلية واضحة و منشؤها أقوال و أفعال المشركين الذين كانوا يكيدون بها له و للقرآن و للدعوة الإسلامية و كانت تدفع به إلى الضيق و قد سجّلها القرآن في أكثر من آية و أحدثت تلك الممارسات أو ولّدت ضغوطا تموضعت في قلب النبي عليه السلام و قلوب تبعه و أيضا ورد ذلك في القرآن. و لم تقم تلك الضغوط العاطفية عند حد البلبلة النفسية بل تجاوزتها إلى ما هو أبعد حتى لنرى النبي عليه السلام يدعو ربه و هو في حال من الغيظ يوشك على الانفجار... و يسوق الباحث بعدها الآيات التي تؤكّد ذلك. فكان تخفيف ذلك الضغط أو الإفاضة عما بنفس النبي و أتباعه‏

437

من مقاصد القصص القرآني حتى لا تزلزل النفوس و تترك الدعوة الإسلامية فلا تقوم لها قائمة و قام القص بدور تثبيت قلب النبي عليه السلام و قلوب المؤمنين ورد الثقة إليهم و بث الطمأنينة و إزالة القلق و إزاحة الهم و نتج عن ذلك الصبر و الثبات اللذين أفرخا النصر على الأعداء.

و القرآن صرّح بهذا الغرض في الكثير من آياته و قد فطن الرازي إلى ذلك و من تلك القصص قصة موسى في سورتي طه و القصص بيد أن قصة نوح في السورة التي تحمل اسمه-هي في رأي خلف اللّه-التي تمثّل نفسية النبي عليه السلام في موقفه من قومه و في فترة من فترات سيرته أصدق تمثيل خاصة في أول عهده بالدعوة و الضيق الذي ألمّ به و توجّهه إلى اللّه سبحانه و تعالى ليخفّف عنه و ينقذ المؤمنين من كيد فئة الكافرين الضالة المضلة.

و من الأشياء التي حاول القرآن توجيه العواطف نحوها تلك التي سبق أن أشار إليها الباحث في حديثه عن القيم الخلقية الدينية و الاجتماعية و التي يحرص القرآن عليها مع إختلاف هذا الحرص بإختلاف ظروف البيئة و الزمان. و يجي‏ء في مقدّمها مشكلات البعث و الوجدانية و بشرية الرسل.

و هناك أشياء حاول القرآن خلق العواطف ضدها منها ما أشار إليه في فصل القيم الخلقية مثل اللواط و بخس الناس أشياءهم و تطفيف المكيال و الميزان و منها إبليس و الشيطان و قصة إبليس و آدم و يرى الباحث أنها قصة أدبية بليغة تعتبر نموذجا أدبيا لقص القرآن و هي تبعث العاطفة و تنشّط الخيال و يقف الفكر حيالها حائرا بل يعجز عن فهم أسرارها الخفية خاصة تلك التي دارت في الملأ الأعلى محاطة بالظلال و الغيبيات حتى أنها دفعت الرازي إلى العجز عن فهم الصنيع الأدبي و الوقوف على أسرار ما دار هناك و هو الذي أدّى إلى إخراج آدم و حواء من الجنة و أورد خلف اللّه مقاطع من تفسير الرازي تؤكد حيرته و عجزه عن الوقوف على تلك الأسرار ثم يعقب على ذلك أن تعجّبنا من هذه القصة لن يطول كما طال مع الرازي... لما ذا؟لأننا نعلم أنها قصة بليغة تصوّر الصراع بين قوى الخير و قوى الشر و تؤكّد حيرة الرازي-و هو من أكبر المفسّرين-أنها قصة أدبية بكل ما تحمل من معنى هذا اللفظ من صور و هي من هذا الجانب من القصص الأدبي الطليق. ثم سطّر آيات‏

438

تحكي قصة خروج آدم من الجنة وردت في سورة الأعراف و فيها استعراض للعداوة بين آدم و الشيطان و رؤية الأخير أنه أفضل من الأول لخلقه من نار و خلق ذا من طين مما دفعه إلى الاستكبار و رفض السجود و استحقاق العقاب و هو إخراجه من الجنة ذليلا صاغرا.

و القصة ترينا أن إبليس طلب من الخالق قبل خروجه من الجنة الإذن له بالخلود لكي يلعب دوره في الحياة و الذي يتمثل في الإفساد و صد الناس عن إتباع الطريق المستقيم.

عند هذا الحد تنتهي مرحلة من مراحل القصة و هي: نشأة العداوة لتبدأ أخرى هي قصة آدم و حواء في الجنة و فيها يبرز الدور الحقيقي لبطل القصة إبليس ليوسوس من أجل الإخراج من الجنة فقد استجاب آدم لها (للوسوسة) و خالف نهي ربه فعوقب بالخروج حيث ينتظره إبليس ثم العتاب من الخالق للمخلوق و التوجيه الديني الذي هو أشبه بمغزى القصص الديني.

قصة آدم و إبليس هي قصة النزاع بين الخير و الشر أو بين الغرائز الفاضلة و الغرائز الشريرة قصد القرآن منها أن يثير فينا الحقد و الكراهية لإبليس و النفور منه و عدم الاستجابة إليه.

و من تلك الأشياء التي قصد القرآن توجيه العواطف نحوها الكبر و الاستكبار و الإصرار و العناد التي تصدر عادة من الأغنياء و القادة الذين يأخذون دور العتاة الظالمين الذين يستكبرون على الحق و يأنفون من اتباعه و أبرع المواقف القصصية في هذا المجال موقف فرعون من موسى و ملأ قوم هود و ملأ قوم صالح. و يرى المؤلّف أن فرعون من الشخصيات القصصية النابضة بالحيوية ذات الحركة القاسية العنيفة التي تشيع الرهبة في النفوس و الخشية في القلوب بألفاظ الوعيد و التهديد التي تقطر دما. و هي مثل فريد لتمثيل مواقف المستكبرين من رسل اللّه و يبرز ذلك جليا في سورة يونس إذ تعرض لمواقف فرعون من موسى و قومه و من السحرة و موسى و تنتهي بانتصار البطل و القضاء على الظالم مثلما يحدث في القصة الشعبية. و شبيها بها موقف عاد من نبيها و يؤكد الباحث أن نتيجة العرض القصصي لهذه المواقف و أضرابها يلقي في النفس الخشية و الرهبة و يبعث فيها الخوف عند ما تدرك أن نتيجة ذلك هي العقاب.

439

و منها عبادة غير اللّه فقد كثر استثارة الانفعالات ضدها و التنفير منها و كان إبراهيم بطل القصص في هذا المضمار و بعضها بشأن عبادة النجوم و الآخر حول عبادة الأوثان و لجأ إبراهيم للوصول إلى مبتغاه بتشكيك القوم في آلهتهم بأن يصوّرها عاجزة عن النفع أو الضرر و أنهم يعبدون ما ينحتون فكيف يقدّسون ما صنعت أيديهم و أبلغ مثل على تصوير ذلك القصة التي حملتها سورة الشعراء. فهي صوّرت موقف إبراهيم من أبيه و قومه و الحوار البليغ الذي دار بين الطرفين و يلاحظ المؤلّف أن إبراهيم اتّجه إلى حاستين ضروريتين لدى المخلوقات للاستجابة هما السمع و البصر حتى يعجز المخاطبين (بفتح الطاء) عن المجادلة و لا يجدوا مفرا من الاعتراف بأنهم عبدوها تقليدا لآبائهم و هنا تثور نفس النبي و يعلن العداوة إلا للذي خلقه فهو الذي يطعمه و يسقيه و عند مرضه يشفيه و يميته و يحييه و الذي يطمع أن يغفر خطيئته يوم الدين. بعدها يناجي ربه بدعوات صالحات ثم ينتهي بتصوير مشهد في الآخرة يذيب القلوب و يبعث النفور من عبادة الأوثان، مشهد يصوّر خصام الأصنام و عبدتها ثم تأتي الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه و هي أن في ذلك لآية و إن ربك لهو العزيز الرحيم.

أما الغرض الثالث الذي تقوم به القصة فهو عمليتا الإفاضة و الإيحاء و يفسّرهما خلف اللّه بتكوين عواطف قوية مع أو ضد القيم الخلقية و الدينية و الاجتماعية الموجودة في البيئة أو المراد فرضها عليها و تقوم أيضا بعملية أخرى لا تقل عنها أثرا في حياة الإسلام و المسلمين هي: بث الثقة و الطمأنينة أو بذر الخوف و القلق و الاضطراب النفسي.

هي (القصة القرآنية) تفعل ذلك بعرض صور من الحياة الدينية التي انتصر فيها الدعاة و تبعهم و في المقابل نزل الهلاك بالقادة المعارضين و جنودهم و لعل أبرزها قصص سور: الأعراف و الشعراء و القمر.

أما الأسلوب الذي اتّبعه القرآن في ذلك فهو اختيار عناصر معروفة و متداولة من أخبار الأمم السوابق و مزجها و إخراجها في الثوب الذي يؤدي الأثر المطلوب من إشاعة القلق و الاضطراب في قلوب الكفرة و المشركين ورد الثقة و الطمأنينة لنفوس المؤمنين. ثم أورد الباحث بعضا من قصص سورتي القمر و الحاقّة لتأكيد رأيه. فعباراتها تحفل بالعذاب

440

و النذر و جعلها مسجوعة ذات رنين قوي للتأثير على الحواس فيتضاعف و يقوى أثرها النفسي و قد اتّسم عرضها بالسرعة و التلاحق حتى تؤتي ثمرتها من إشاعة الاضطراب و القلق النفسي فيخشى من يقرأها أو يسمعها نزول الضرر عليه ثم يأتي بمقابل لهذه القصص و هي قصة شعيب مع مدين و يرى أنها هيّنة و ليّنة و بطلها هادئ رزين و أنه يستحق اللقب الذي أطلقه عليه بعض المفسّرين (خطيب الأنبياء) فهو يحاور قومه دون انفعال و لا يستعمل العبارات العنيفة القاسية التي يقطر منها الدم أو يشيع منها التهديد و الوعيد و تنتهي بالنهاية التقليدية السعيدة بالنسبة لشعيب و المؤمنين و المؤلمة بالنسبة للكفرة و المشركين. و قد حدث هذا-أي بالنسبة للنهاية التي يلقاها كل طرف-في قصة موسى و قصة يوسف.

و الغرض أو القصد الرابع هو الإيحاء برسولية محمد عليه السلام و أن الوحي ينزل عليه و يبلغه أخبار السماء و تتأسس العملية في بعض القصص على المشابهة بين حالة محمد عليه السلام و حالة غيره من الأنبياء مثل موسى و غيره و على أن ما طلب إليه أو أوصاه اللّه به هو ما أوصى به الأنبياء من قبل إنما كان العرض فيهما يدخل تحت الأخبار العادية التي لم يقصد بها إلا لفت الذهن إلى قضية من القضايا. أما ما يمكن أن نعدّه قصة و قد عالجت الناحية الثالثة من هذا الغرض هي التي تناولت معرفة أخبار السماء و أن الوحي ينزل عليه بها و ما كان يعرضها قبل ذلك.

و من هذا النوع قصة موسى في سورة القصص و قصة نوح في سورة هود إنما ما يمكن أن نسميه نموذجا في هذا المجال هو قصة مريم في سورة آل عمران و يرى أنه يمكن أن تكون معرض صور و مريم تدخل في كل صورة منها و مع كل شخصية فيها. و يأخذ من ذلك العرض لقطات أو لمحات تفي بالغرض و ينتهي إلى أنه يكفي منها التوجيهات التي تتصل بالمراد أي المطلوب منها قوله تعالى‏ ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (1) و مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (2) و إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ (3) .

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 44.

(2) نفس السورة و الآية.

(3) نفس السورة، الآية 62.

441

و يختم المؤلّف هذا الفصل الثالث بتكرير القول شرح عقائد الإسلام و توضيح مبادئه التي كانت ترد في ثنايا القصة و بين طياتها و في كل القصص و أنها كانت غرضا إنما ليس الذي تنتهي به أو عنده القصة و من هنا-حسب عبارة الباحث-جعلنا هذه التوجيهات من الموضوعات لا من الأغراض.

إن التفرقة بين التوجيهات الدينية لمبادئ الدعوة الإسلامية و لما أنكره الإسلام من خلق و عادات و آراء زيوف و عقائد فاسدة و عبادات باطلة و بين أغراض القصة القرآنية لفتة ذكية من خلف اللّه تؤكد أصالة رسالته (أطروحته) أو كتابه بيد أننا نجده بعد قليل يجعل من أغراض القص القرآني خلق عواطف ضد الأشياء التي سبق له (خلف اللّه) أن عالجها في فصل القيم الخلقية من أمثال: اللواط، بخس الناس أشياءهم، تطفيف المكيال و الميزان.

ألا تندرج هذه الأفعال تحت بند الأخلاق السيّئة و العادات الذميمة التي أنكرها الإسلام و التي وصفها المؤلّف في افتتاحية الفصل: توجيهات دينية و فرّق بينها و بين أغراض القصة القرآنية تفرقة حاسمة لا تدع مجالا لأي التباس.

هذه واحدة.

أما الأخرى: فقد أدرج من ضمن أغراض القصة: الكبر و الاستكبار و الإصرار و العناد أي محاربة هذه (الأشياء) وفق عبارته و عدّها من أغراض أو مقاصد القصة.

و من حقنا و حق أي قارئ أن يسأل أ ليست هذه (الأشياء) أخلاقا دنيئة و من ثم ففضحها و تعرية أصحابها و الكشف عنها أدخل في باب التوجيهات.

أما الثالثة: فقد حشر ضمن مقاصد القص القرآني التنفير من عبادة غير اللّه:

الأصنام... الكواكب. فإذا رجعنا إلى التوجيهات الدينية للإسلام أو للدعوة الإسلامية نجد ضمنها إنكار:

أ-العقائد الفاسدة.

ب-العبادات الباطلة مع أمور أخرى.

أ لا تشكّل عبادة غير اللّه مثل الأصنام و الكواكب الأمرين معا: العقائد الفاسدة و العبادات الباطلة.

442

نخلص من ذلك إلى أن خلف اللّه-و هذا ما سبق أن شدّدنا الانتباه إليه-كانت تعوزه الدقة في صياغة التعريفات و أن ملكة وضع الحدود للأفكار و الآراء التي يطرحها كانت ضعيفة و نحن نرجع ذلك إلى حداثة سنه نسبيا عند كتابة هذه الأطروحة أو تأليف هذا الكتاب، لأننا لاحظنا أنه قد تلافى ذلك في المؤلفات التي كتبها عند ما تقدّم به العمر و غزر فكره و تعمّقت ثقافته و تراكمت تجاربه.

بقيت كلمة سريعة عن ما أسماه الباحث (الوظيفة الاجتماعية) التي أضافها إلى مقاصد القصة و وضعها إلى جانبها أو بجوارها مما يعني أنها شي‏ء مستقل عنها و ذكر أن الفنون جميعها تؤديها و في مقدّمها الأدب و ذكر عمليتي الإيحاء و الإفاضة و أن الرازي له فضل عليه إذ دلّه عليها و أن القرآن لفت الذهن إليها حين تحدّث عن أثر الأقوال في النفوس... إلخ. إذ معنى ذلك أن الوظيفة الاجتماعية عند الباحث مرتبطة بالأقوال البليغة و العبارات الفصيحة و الجمل الطليقة التي تحرّك الوجدان و تستثير العاطفة و تؤثّر على المشاعر و تستفز الأحاسيس... إلخ. و بمعنى آخر أن الوظيفة الاجتماعية في نظره انحصرت في بلاغة القول و ذلاقة اللسان و طلاقة الخطاب إلخ. و هذا في رأينا تضييق شديد لدائرة الوظيفة و تحجير لواسعها و تحديد لمجالها و تضمير لكنهها و تهزيل لمهمتها و تقصير لمأموريتها فضلا عن أنه يخالف المبادئ الأولى لعلم الاجتماع و الذي لا شك فيه أنه تأثر في ذلك بدراساته اللغوية. ذلك أن الوظيفة الاجتماعية لا تنبني على الأقوال و التعبيرات و التراكيب... إلخ. إنما هي تدور و تتمحور على تغيير الظروف المادية لأي مجتمع و خاصة للبنى التحتية... بيد أن العذر الذي قد يشفع لخلف اللّه هذه الكبوة صغر سنّه النسبي عند وضع هذه الرسالة أو تأليف هذا الكتاب.

هذا من جانب، و من جانب آخر طبيعة الأطروحة ذاتها و القسم الذي قدّمت إليه قسم اللغة العربية-لا قسم الاجتماع و الموضوع أو المادة التي تناولها و الذي أو التي-إلى حد كبير لكن ليس شاملا-فرض بصماته على الباحث.

443

مصادر القصص القرآني‏

في الفصل الرابع (مصادر القصص القرآني) يدخل خلف الله في حقل ملغوم أو هو يبدأ السير في منطقة شائكة فقراءة العنوان تستنفر الغرائز الفجة و العواطف الفطيرة (غير الناضجة) و تثير حفيظة أصحاب الأفق الضيق و الفهم المحدود و الذين تنقصهم الفطانة و تعوزهم الزكانة و ذوي الحظ الوشل من اللفانة فيحوقلون و يبسملون و يتعوّذون من إبليس اللعين و الشيطان الرجيم و الوسواس الخنّاس... فإذا سألتهم لما ذا كل هذا؟

أجابوك أو بمعنى أصح أداروا عليك السؤال:

لما ذا الحفر و التنقيب عن مصادر القصص القرآني و هي منزلة من اللّه و كفى به مصدرا.

فإذا ردّدت عليهم أننا بصدد دراسة جامعية و بحث أكاديمي عن القص القرآني و من ثم فإن القيام بحفرية علمية عن المصادر أمر لازم. عقبوا عليك قائلين (إنها شنسنة أعرفها من أخزم) أي أنها أقوال المستشرقين. و نحن من جانبنا لا نرى أن جميع ما طرحه المستشرقون باطل و قبض الريح و يتعيّن تسفيهه و الحط منه أو تجاهله و ازدراؤه و الإقدام على ذلك شبيه بصنيع النعام، و المنهج السديد هو دراسته و التنقير فيه ثم تفنيد ما يستحق التفنيد و الرد على ما يستوجب الرد و استجادة الجيد و استحسان ما هو حسن هذا هو السلوك العلمي الرصين.

استشعر خلف اللّه و عورة ولوج هذا الموضوع فذكر أن فيه خطورتين:

الأولى: أصحاب الثقافة الضحلة و العقل الضيّق و النظر القصير و إذ أن المقادير سلّمتهم مقاليد الثقافة العربية فقد ظنّوا أنفسهم أنه أحق الناس بتبيين الصحيح من الخطأ و أخذتهم العزة فتحكّموا في البحوث سواء كانت علمية أم أدبية و باعثهم في هذا التحكّم هواهم و مصلحتهم و من دأب ضيقي الأفق، قصيري النظر استثارة العوام و استعداء الغوغاء إذا خولفوا و يتوقّع الباحث اتخاذ هذا الموقف منه إذ طرح للبحث (مصادر القصص القرآني) لأنه يتجاوز طاقة البشر العلمية المعرفية لأنها من عند اللّه.

الثانية أو الأخرى: تتمثّل في أقوال المستشرقين و المبشّرين فهم يحتفون بهذا البحث و يهلّلون له لما ذا؟

444

لأنه المنفد أو الطريق لإجراء موازنة الأحداث و الأخبار التي رواها القرآن و ما جاء بشأنها هي ذاتها في التوراة و الإنجيل و غيرهما. و هؤلاء عادة ما ينتهون إلى الادّعاء بوجود مخالفات تاريخية تنتصب دليلا على أنه من تأليف محمد إذ أنه لو كان من عند اللّه لما انضوى على مخالفة و لو ضئيلة و يزعمون أن مصدرها (المخالفات) أن محمدا كان يتعلّم الأخبار على أيدي العبيد و الأرقاء الأعاجم أولئك الذين كانوا يخدمون صناديد قريش و قد أشار القرآن نفسه إلى واحد منهم في إحدى آياته و كانت معلومات أولئك العبدان مهزولة لا تعدو أن تكون شائعات لعدم اطلاعهم على التوراة و الإنجيل لعدم تيسر نسخهما لديهم فضلا عن أن طريقة التعلّم كانت المشافهة و هي قرينة التحريف و التبديل و التحوير و الزيادة و النقصان و الحذف و الإضافة... إلخ.

ذاك كان تلخيص موجز و سريع للخطورتين اللتين استشعر الباحث وجودهما و هو يرى أن أولاهما سرعان ما تزول عند ما يبيّن لأصحابها أنه سوف يتبع نهج سلفه الصالح من رجال الفقه و الدين و يستطرد متسائلا:

أ لم يبحث الأصوليون عن مصادر التشريع الإسلامي و أنهم انتهوا من صلة الإسلام بما سبقه من الأديان إلى القول بقاعدة (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه) و أن سر الاتفاق بين الأديان السماوية أشارت إليه الآية الكريمة شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً... (1) و سر الاختلاف جاء في الآية الكريمة لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً... (2) و أن ذلك لعلل اجتماعية هي من النواميس المستقرة. بل إن رجال السلف الصالح قد خطوا خطوة أخطر عند ما ذكروا أن من عناصر الدين الإسلامي ما يرجع إلى العهد الجاهلي‏ (3) . و أن رجالا من ذلك العهد سنّوا لهم سننا أبقى عليها القرآن الكريم و ذكر خلف اللّه أمثلة لها نقلا عن كتاب (المحبر) .

____________

(1) سورة الشورى، الآية 13.

(2) سورة المائدة، الآية 48.

(3) أنظر في هذه الخصوصية كتابنا: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية-الطبعة الأولى 1990 م دار سينا مصر-الطبعة الثانية 1997 م-دار سينا مصر و مؤسسة الانتشار العربي-بيروت/لبنان-أ. هـ. ) .

445

و يرى الباحث أن البحث عن المصادر هنا أولى بالرعاية من بحث الأصوليين عن مصادر التشريع التي هي عناصر دينية لا تتأتى معرفتها إلا عن طريق الرسل لما فيها من غيبية-في حين أن مصادر العناصر القصصية بشرية يمكن لنا معرفتها دون الاستعانة بالرسل و يضيف أن الآية التي وصفت محمدا و الذين معه تعد سندا... لما ذا؟

لأنها تشير في صراحة إلى أن القرآن الكريم كان يرد بعض تشبيهاته و أمثاله إلى مصادره الأولى إلى التوراة و الإنجيل‏ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ... (1) و علينا و نحن بصدد نشدان الحقيقة وضع نظرية سليمة تقوم أولا على ملاحظة الظواهر المختلفة الموجودة في القرآن (تحديدا في القصص القرآني) و نفسّر ذلك أنه بوضع النظرية سوف تحل جميع المشكلات التي توقّف عندها المفسّرون و بذلك نحقق هدفين: إخراج القصص القرآني من دائرة التشابه ورد اعتراضات المستشرقين. و يوجّه النصح لمناوئيه أن يفهموا رأيه و مذهبه و أن يعلموا أن الدين الإسلامي فتح الطريق أمام العقل و أنار له السبيل مما يجعله قادرا على أن يضرب بسهم وافر من التقدّم الفكري فإن أبوا إلا المعاندة لم يكن أمامه سوى الصبر و المضي في الدفاع عن الحقيقة الدينية ثم يتضرّع إلى اللّه بالدعاء أن يرعاه بفضله لأنه وعد رسله و الذين آمنوا في الحياة الدنيا بالنصر.

و لسنا في حاجة إلى القول بأن هذه الفقرة إنشائية مبعثها العاطفة و يمكن أن تنضوي عليها خطبة منبرية لا أطروحة جامعية و لا رسالة أكاديمية و يبدو أن خلف اللّه قد أحس ببوادر الثورة و مقدمات الهجوم عليه و بلغ به التأزّم أن لجأ إلى الدعاء إلى اللّه أن ينصره على مناوئيه.

و يذهب الباحث أن الخطورة الأخرى أو الثانية سرعان ما تتلاشى حينما يبيّن حقيقة ما أنزل اللّه و يؤكّد للمستشرقين و المبشّرين أن أسّ موازناتهم لم يقصده القرآن الكريم و لم يتغيّاه و لم يؤمّه و أنهم تحكّموا في الوسائل و النتائج العلمية معا لأنه مع افتراض وجود مخالفات تاريخية فلا تشكّل دليلا على تأليف محمد للقرآن و أنه لم يكن وحيا ينزل عليه من السماء.

____________

(1) سورة الفتح، الآية 29.

446

موازناتهم يجب ألا تتم حتى يثبت أن القرآن الكريم قد قصد معاني الأخبار التاريخية حين يعرضها و أنه اختار من الأشخاص و الأحداث و الحوار باعتبار أنها الحق الذي يتمشى مع المنطق التاريخي أما و أن القرآن لم يقصد من قصصه نشر وثائق تاريخية أو إعطاء درس في التاريخ فلا قيمة إذن لموازناتهم.

أولى المسائل أن مسلك القرآن الكريم و مسلك التوراة متباينان فلم يقص أخبار الأنبياء كما فعلت هي إنما اختار بعضها و أعرض عن بعض و عند الاختيار راعى حال دعوة الإسلام و موقف نبيه من قومه. و هناك عامل فارق بين الكتابين المقدّسين و هو عامل الزمن فقد كان أساسيا في التوراة و ليس كذلك في القرآن و هي تغيت التأريخ و هو هدف إلى العظة، العبرة، الهداية، الإرشاد، الترهيب، الترغيب، النذارة، البشارة، شرح مبادئ الدعوة، الرد على المناوئين، تثبيت قلب النبي عليه السلام و تبعه... إلخ.

أما ثانيهما فهي أن أولئك الذين اختارهم القرآن ليكونوا مواد قصصه هم من خارج البيئة العربية مثل المصريين و العبريين و السبئيين و الإغريق و الرومان... إما منها أو أرسلوا إلى أهلها و وقعت الأحداث في تلك البلاد و تحاوروا فيما بينهم و مع من أرسلوا إليهم بلغات هذه الأقاليم بل جرى الحوار أحيانا بلغات قد لا نعرفها و لا يستطيع عقلنا القاصر (هكذا!) أن يتصوّرها مثل لغة حديث الخالق جلّ و علا إلى الملائكة و إبليس في قصة خلق آدم و لغة حديث إبليس إلى آدم في قصة خروجه من الجنة. إنها الأمور التي لا نعرف منها إلا الفروض الخيالية و خلف اللّه هنا يتقمص شخصية أبي حامد الغزالي و يردّد ما سطره في كتابه (المستصفى) .

كل واحد من الأنبياء كان معروفا في بيئته و تقص أخباره على بنيها و تنقلها لجيرتها و هذه أمور طبيعية و ليست من الغيب الذي لا يعرفه إلا من أطلعه اللّه عليه. بيد أن الذي يود الباحث معرفته هو صلة هذه الأقاصيص بالبيئة العربية عامة و المكية خاصة قبل البعثة المحمدية و قبل نزول القرآن أي هل كانت تلك البيئة تعرف أمر أولئك الرسل أم تجهله؟ثم ينتهي خلف اللّه إلى أن إجابة هذا السؤال خطيرة لأنها ستحدّد المسائل الآتية:

1-يتساءل عن المصدر الذي صدرت عنه العناصر القصصية في القرآن الكريم

447

و استخدامها في بنائها فهل كانت العقلية العربية أو هي بيئات الرسل و الأقوام؟

الإجابة سوف تحدّد مذهب القرآن الكريم في بناء القصة من حيث صلة العناصر بالبيئة؟هل كان بيني القصة على المألوف أم على الغريب النادر؟

2-بلاغة القرآن و دوره الفني سيوقفانا على أسرار الإعجاز في قصصه و سيفهمانا الحكمة من تحدّيه العرب بالسور المفتريات.

3-الوصول إلى قاعدة أو نظرية نطبّقها لحل المشكلات ورد الاعتراضات و إخراج القصص من دائرة المتشابه.

و لكن ما هو كنه الصلة بين الأقاصيص و بين البيئة العربية؟

يجيب الباحث على هذا السؤال بأنها أنواع ثلاثة:

أ-هو ما نسلم منذ الوهلة الأولى بجهل البيئة المكية به جهلا يوشك أن يكون تاما و كانت غاية إنزاله تثبيت نبوّة النبي عليه السلام كالذي ورد إجابة على أسئلة مشركي مكة التي طرحوها عليه لمعرفة هل هو نبي صادق أو متقوّل يدّعي النبوّة و أشهرها قصتي أهل الكهف و ذي القرنين، و يورد خلف اللّه ملحوظة جديرة بالتدبّر فيها و هي عدم تكرارها و ورودها مرة واحدة و القرآن يفاصل أولئك الذين يبنون أقاصيصهم على الغريب النادر لغرابة من مقاصده... و إذ لا تنتصب ضرورة فلا يبعد القرآن الكريم عن عقلية العرب.

ب-معروف لدى عرب ما قبل البعثة و عدد منه وردت عنه إشارات في شعرهم مثل قصص عاد و ثمود و الجن مع سليمان-و هذه القصص تكررت-و يرجّح الباحث أن العلة وراء ذلك هي أن القرآن الكريم يتمحور مذهبه في بناء القصة على المألوف و المتداول و المشهور...

ج-النوع الثالث و الأخير هو بين بين بتعبير العميد الدكتور طه حسين و ما قد يشتبه على القارئ فلا يدري أ هو من الأول أو من الثاني و من أمثلته: آدم مع إبليس و قصة الخلق، و لوط و نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و داود و أيوب إلخ.

هذا النوع المشكل كيف نتمكن من الوصول إلى حقيقة صلته بالبيئة العربية عامة و المكية خاصة؟يجيب المؤلف: بأمرين:

448

أ-طريقة القص التي تشعرنا بأنه كان معروفا ذلك أن القرآن في بدي الشأن كان يأتي بأسلوب موجز يمكن عده إشارات لأمر معروف، أو هي لفتات لأحداث تعرفها البيئة و الذي يؤكد ذلك أن القرآن في قصصه كان يهدف إلى الإنذار، العظة، العبرة، مقاصد تطلب من الأحداث التي يعرفها المخاطبون (بفتح الطاء) لكي ينتج الإنذار أو العظة أو العبرة أثره.

ب-كذلك تكرار القصة في أكثر من موضع أو عدة مواضع فهو يؤدي إلى النتيجة ذاتها إذ يفيد أن القرآن الكريم درج على مذهب معيّن هو بناء قصصه على مواد معروفة في البيئة العربية و متداولة و حتى إذ فرضنا عدم معرفتها من قبل فإن تكرار نزولها يعد بناء لها على ما قد عرف. و يرسّخ-خلف اللّه على عادته-قالته هذه إن مثل هذا النوع من مواد قصص القرآن كان يتبع الشهرة... كيف؟

الشخصية التي عرفت و ذاعت شهرتها في البيئة، و الأحداث التي استفاض ذكرها كانت أكثر استخداما و العكس صحيح و المثل عليه شخصية موسى فهي أكثر دورانا من داود ذلك أن موسى نبي اليهود الذين كانت لهم السيطرة على الفضاء الديني في تلك البيئة في ذاك الوقت مما يعطيهم الفرصة للإكثار من أخبار موسى و قصته مع فرعون و ملئه و السحرة إلخ.

إذن يمكن الوصول إلى نتيجة هي أن القرآن بنى قصصه على عناصر استمدّها من البيئة أو حتى من العقلية العربية لتغدو أشد أثرا و أقوى سلطانا.

العقلية العربية في الغالب هي مصادر القصص القرآني، لم يبعد عنها إلا قليلا و لعل هذا يفسّر لنا فكرتهم عن القرآن أنه ليس إلا أساطير الأولين فقد وجدوا ذات الشخصيات و الأحداث التي ألفوها و عرفوها و يحيّي المؤلّف فطانة الرازي و النيسابوري و لباقتهما لتفرقتهما بين جسم أو هيكل القصة و بين ما انضوت عليه من توجيهات دينية و أنها الهدف الرئيس للقصص القرآني.

إذا أخذ القرآن عناصر قصصه من البيئة العربية فيجب أن نذكر صنيعه الفني و البلاغي في رسم الشخصيات و تصوّر الأحداث و إجراء الحوار و توزيع كافة العناصر

449

الأخرى و تريك كل واحد منها الحركة التي تنفحه القدرة على القيام بدوره باقتدار حتى النهاية و قد تتمثّل الصياغة الفنية في رسم عنصر أو عناصر من جوانب مختلفة و من زوايا متباينة و مواطن مختلفة حتى يستقل كل رسم بطابعه الخاص و شخصيته المتميّزة. و إذ لم يدرك المفسّرون هذا الصنيع الفني قالوا بالتكرار و هذا غير صحيح لأنه ليس من التكرار في شي‏ء بل هو دليل على أن مبدعه ذو قدرة باهرة و قوة فائقة لأنه اللّه جلّ جلاله.

و من هنا جاء تحديده لهم بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة.

و قد تتمثل العملية الفنية في تخليص العناصر التاريخية من أشخاص و أحداث من معانيها التاريخية و في تحميلها بالعواطف الإنسانية أو بالمعاني الدينية و الخلقية و الاجتماعية.

و شرحها يضطر المؤلّف إلى مسّها مسا خفيفا عند الأصوليين ثم ينتهي منه إلى أن الغلط كله في الوقوف على المعاني الأولى و شرح الكلمات اللغوية و تبني مواضع الإعراب و أن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما انطوت عليه من أسرار الفصاحة و البلاغة أي من فن أدبي جميل.

أما النقّاد و الأدباء فيرون أن الفضل و المزية في الأدب إنما يكون بإيحاءات أدبية و إثارات فنية يحملها اللفظ و لا يعد الأدب أدبا و لا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير. هم إذن كشفوا في الأدب و الفن عن سر الإعجاز و لا يرونه في المعاني الأولى بل في المعاني الثانية أي فيما تحمل من عواطف و تستثير من انفعالات و يرى المؤلّف أنه فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه:

هل قصد القرآن من عرضه لهذه المواد-أحداثا و أشخاصا-الدلالة الأولى أي فائدة الخبر بتعبير البلاغيين أم هو قصد شيئا آخر وراءه أي قصد المعاني الثانية؟

الإجابة عند خلف اللّه أنه قصد إلى المعاني الثانية: الأدبية، البلاغية، استثارة العواطف و لم يقصد أبدا إلى المعاني الأولى فهو لم يرد تعليم الناس التاريخ أو شيئا من أحداثه. و إذ أن العواطف و الانفعالات تختلف من موطن لآخر فإن القرآن يصنع من هذه المواد ما يصنعه الأدب و الفن دائما بالألفاظ و يستخرج من المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من المعاني الحقيقية.

450

حيّر هذا الصنيع القدماء إذ لم يتبيّنوا الأسرار الخفية للصور المختلفة التي يعرض فيها المواد الجزئية حين يقص عن هذا النبي أو ذاك عن موطن و آخر و اعتبروه تكرارا و شكوه منه و اجتهدوا في تعليله ثم ضرب لذلك مثلا بما جاء في كتاب (درة التنزيل و غرة التأويل) قوله تعالى‏ قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (1) و قال في سورة أخرى‏ قََالَ يََا إِبْلِيسُ مََا لَكَ أَلاََّ تَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ*`قََالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (2) .

للسائل أن يسأل: لما ذا اختلفت الحكايتان و المحكي شي‏ء واحد؟

و يجيب الإسكافي صاحب الدرة أنه لم يقصد أداء الألفاظ بأعيانها إنما قصد ذكر المعاني ذلك أن الألفاظ إذ اختلفت و أفادت المعنى المقصود كان اتفاقها و اختلافها سواء.

و يعقّب خلف اللّه على جواب الإسكافي بأنه و إن أحس بأصل المعنى إنما لم يتهيأ له من وضوح التفسير الأدبي و سر العمل الفني في دلالة الألفاظ و المواد الأدبية ما يحل به الإشكال.

ما يطلق عليه البيانيون المعاني الثانية و ما يسميه المحدثون اليوم إيحاءات الألفاظ و وقعها النفسي هو المقصود من الدراسة الفنية لأمثال هذه القصص و هو المقصد ذاته الذي جعله القرآن المعجز الأساس الأول في بناء القصة و تركيبها و أيضا في جمع الأقاصيص في سوره، و ضرب لذلك مثلا بآيات من سورة النمل تناولت قصة صالح مع ثمود و قصة لوط مع قومه. و عقّب عليها بقوله إن المقصود ليس هو تصوير ما حدث بين الرسولين و قومهما إنما قصد القرآن أن تصبح هذه الصور مصدر انفعال و تأثير و باعث أمن و خوف و رجاء.

و يقدّم البرهان على رأيه أنه يتّضح من التوجيهات الدينية التي جاءت في الآيات: وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى اَلْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (3) و لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ (4) إذ

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 12.

(2) سورة الحجر، الآيتان 32-33.

(3) سورة النمل، الآية 6.

(4) نفس السورة، الآية 10.

451

وجّه الخطاب في الأولى لمحمد عليه السلام و في الأخرى لموسى عليه السلام.

و يرجّح أن هاتين القصتين نزلتا في وقت ائتمار المشركين بالنبي عليه السلام خاصة ما جاء في قصة صالح عن التسعة رهط و التقاسم و التبييت فهو صورة لما حدث من قريش مع النبي عليه السلام فالمقصود منهما طمأنته و أن اللّه حافظه و مهلك عدوه.

قصد القرآن من هذه القصص هذه العواطف أو الانفعالات و هي الرباط الذي ينتظم مجموعاتها و هي ما يتعيّن الوقوف عندها لدى من يريد تذوّق أسرار الإعجاز و التي يتعين البحث عنها فيما لمحه الإسكافي صاحب الدرة من:

1-المعاني الأدبية.

2-الإشكال الذي وقف عنده.

ليست المسألة هي الموازنة بين جزءتي قصتي آدم و إبليس في سورتي الأعراف و الحجر إنما تفهم على أساس الموازنة بين القصتين لأن القصة لا تفهم على أساس جزئي و إنما كما يفهم كل عمل أدبي و كل أداء للتعبير أو للتأثير. ثم يئوب خلف اللّه إلى القصتين (اللتين سجلتهما سورتا الحجر و الأعراف) لإبراز الفروق بين المقصدين لكي يعلل علة إختلاف موقفي إبليس في القصتين.

في سورة الأعراف جاءت القصة لتحكي مبدأ العداوة بين إبليس و آدم للوصول إلى نتيجة أدبية هي قصد القرآن في سائر قصص ذات السورة و هو حث المشركين لتعديل موقفهم من النبي عليه السلام ثم أورد آيات توثّق المعنى الذي استخرجه أو القصد الذي حدده.

أما القصة في سورة الحجر فهي و إن حكت أيضا العداوة إلا أن قصدها شي‏ء آخر هو محو الهم و القلق من نفس النبي عليه السلام اللذين يساورانه من أجل إخفاق الدعوة بسبب استهزاء المشركين ثم يورد مقاطع من السورة لتأكيد وجهة نظره. و إذا كان قصد قصص الأعراف تعديل موقف المشركين فقد عمد إلى أن يري المشركين صنيع اللّه بالمستكبرين و المستضعفين و ما يمثل رحمته بقوم و عذابه بآخرين و من ثم يختم بالنصح و الإرشاد.

452

أما في سورة الحجر فلما كان القصد إفاضة ما بنفس محمد من قلق ليهدأ و يستقر، و قلقه هذا سببه استهزاء صناديد مكة به، جاءت الصورة تنطق بالقسوة و المحاورة مملوءة بالعنف.

إذن المسألة تنحصر في طريقة الوقف أو الوقوف على القصد أي على المعاني الثواني أو الأحاسيس و الانفعالات. و مرة أخرى لم يؤم القرآن في قصصه قصد التعريف بالتأريخ أو إملاء أخبار.

و المسألة تزداد وضوحا في قصص لوط عليه السلام كما وردت في سورة هود ثم سورة الحجر. و يخبرنا الباحث أنه لا شأن له بترتيب الأحداث في كليهما السابق دراسته إنما يبغي توضيح أمرين يكشفان ما يرمي إليه من عناية القرآن بالمعاني الثواني أو الأحاسيس أو العواطف، ذلك أن قصد القرآن الذي يرمي إليه في كل واحدة منهما له دخل في اختيار المواد الأدبية القصصية لا من جهة إختلاف المعاني الثواني بل من تركيب المواد ذاتها.

الحادثة واحدة و هي موقف قوم لوط منه حين جاءته الملائكة لتدمّر قريتهم و لتنجّي النبي لوط و أهله خلا امرأته، بيد أن استعمال القرآن للحادثة ذاتها و تصويره لها في كليهما يباعد بين صورتيهما حتى يخيّل للقارئ أو السامع إختلاف الحادث في كل لا إختلاف الصورة فحسب كل هذه بسبب الحذف و الزيادة ثم من جراء العواطف و الأحاسيس.

و هنا يثور سؤال: لم اختلفت الصورتان و تباينت التعبيرات الفنية و الأدبية؟

الإجابة تكمن في قاعدة: ابحث عن المعاني الثواني و أعرض عن المعاني الأوائل.

و التذكير بأن القرآن لا يؤرّخ إنما يحكي أمورا أخرى هي التي تملي طريقة بناء القصة و أسلوب عرضها و بالتالي و من جميعها يتأتى التصوير للحادث.

ثم يكرر خلف اللّه الغرض من قصص سورة هود و هو تثبيت قلب النبي عليه السلام و أسلوب القرآن في ذلك هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء و الإفاضة و عبارات القصة تحمل من المعاني الثانية ما يلائم حال النبي عليه السلام و قصد القرآن.

453

بيد أن ذلك مغاير لما في قصة أو قصص سورة الحجر لأنها إنما أنزلت لتشفي قلب النبي عليه السلام بأن تطلعه على ألوان العذاب الذي يصبّه صبا على المكذبين من أقوام الرسل السابقين عليهم السلام و يخلص الباحث بعد كل هذا إلى أن القرآن لم يهدف إلى المعاني الأولى و لا ليعطي دروسا في التاريخ بل إلى المعاني الثواني و هي العاطفية أو الأدبية البلاغية أو الفنية.

يتناول بعد ذلك طبيعة العناصر القصصية و مدى صلتها بالحقيقة و الواقع. فيبدأ بالتساؤل عما إذا كان القرآن الكريم يستخدم هذه العناصر على الصورة التي كانت تعرفها العقلية العربية في زمن النبي عليه السلام أم صورتها التي كانت عليها زمن وقوع أحداثها.

و يضرب مثلا توضيحيا: هل حديث القرآن عن أحداث الفراعنة مع اليهود على صورة فرعون كما هي منطبقة في ذهن العربي أم على الصورة التي كانت في أزمان فرعون و موسى في أذهان اليهود و المصريين؟

يقول إن الإجابة تستدعي بحث الأساس الذي كان يقيم عليه القرآن الكريم أس اختياره لهذه العناصر. هل أس المؤرّخين الذي يقوم على اختيار الحق و الواقع و ما يثبته العقل و المنطق و يقوم عليه الدليل و البرهان أم هو أس البلاغيين الذي يتأسس على استهواء النفوس و الأخذ بمجامع القلوب و السيطرة على الأفئدة و الألباب؟و يذهب الباحث أن القدرة على التأثير هي الأساس الذي كان يلحظه القرآن في نفوس معاصري النبي عليه السلام حين يستمعون إلى القرآن بل هو الأساس في غير القصص من الآيات التي يكون موضوعها العظة و العبرة و الهداية و الإرشاد ثم يضرب أمثلة أي يورد آيات يدلل بها على رأيه.

و يخلص إلى أنه مما لا شك فيه أن القرآن يعطينا الصورة القوية الواضحة لقوة الألفاظ و العبارات و في الصور الأدبية و يصفها بأنها قوة ساحرة و لها فعلها الأكيد في تحريك الأفراد و الجماعات و لعل هذا يفسّر لنا مذهب القوم بأن القرآن سحر مبين. كما يفسّر لما ذا نهى القرآن المسلمين عن سب آلهة المشركين و لما ذا طلب من الرسول الإعراض عن الخائضين في آيات اللّه و هدّد المسلمين الخائضين فيها بالعقاب. ذلك أن القرآن يعرف قدرة الفن الأدبي القاهرة و قوته الساحرة و كان يخشى على المسلمين خطر أحاديث المنافقين و الكافرين. غ

454

و لا تقف المسألة عند هذا الحد بل تذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان القرآن يلحظ العلاقة التي يفرضها المجتمع و يقيمها بين الصورة الأدبية و النفس البشرية. و يمثل لذلك بالآية التي تنفّر من عبادة الملائكة بتشبيهها بالإناث و البيئة العربية مستقرة على كراهية الإناث فلو أن تلك البيئة تعرف للأنثى حقها و تقدّرها و تعتقد أنها أجمل خلق اللّه لما أقدم القرآن على ذلك.

و كذلك اختار النعوت البشعة لجهنم باختيار أفظع ألوان الطعام و الشراب لها مثل الغسلين و الزقوم و طلعها كأنه رءوس الشياطين... إلخ. حتى و لو كانت بعض هذه الصور من اختراع الخيال و هذا ما جاء في الكشاف: و شبّه برءوس الشياطين لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير.

ثم يخاطب القارئ بأنه لن يستطيع-بعد ذلك كله-أن ينكر أن القرآن جعل أس اختياره للمواد الأدبية من صور و ألفاظ القدرة على التأثير و هذه القدرة تستمد قوتها و حيويتها من الصلة التي يربط فيها المجتمع بين هذه الأدوات و بين النفوس و هو ما فطن إليه القدامى من علماء البلاغة عند حديثهم عن الدلالات. ثم يعرّج بعد ذلك الطواف الطويل أو يصل إلى الإجابة عن السؤال فيرد:

أن القدماء لا يتحرّجون من القول بأن القرآن كان يجي‏ء على ما يعتقده الجاهليون و يزعمون و يستطرد بأن هذا القول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث و أخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك أن القرآن يكتفي بما تزعمه العرب و ما تعتقده في صوره البيانية المعجزة، و لا يخفى أن القصة إحدى صور البيان العربي و أنه (القرآن) اكتفى في قصص أصحاب الكهف و ذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون و من هنا لا يصح الاعتراض على أن في أقاصيص القرآن مخالفات للحق و الواقع بل للتاريخ ذاته.

دليل آخر يقدّمه الباحث على أن القرآن لم يهدف في قصصه إلى التأريخ. هو اختياره لبعض الرسل دون بعض و إطالته الحديث عن واحد أو نفر دون غيرهم و تأخيره تصوير حدث في حياة رسول و تقديم آخر كذا اختياره لغة المرسل إليهم لتغدو لغة الرسالة و الوحي.