أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
451

لحرارة الهواء المفرطة جاز البناء، و مع إفراط حرارته يغسل متوالياً بحيث لو اعتدل لم يحكم بجفاف السابق حينئذ، و لا يجوز استئناف ماء جديد للمسح‏ (1).

و هذه العبارة و إن لم تكن صريحة في المنع عن الماء الجديد في خصوص هذه الصورة، لاحتمال كونها بياناً لحكم مستقل، إلّا أنّ عبارته في المنتهى صريحة في ذلك، فإنّه قال: الرابع: لو جفّ ماء الوضوء لحرارة الهواء المفرطة، جاز البناء دون استئناف ماء جديد للمسح، لحصول الضرورة المبيحة للترخّص‏ (2) و ليس مراده بقوله: دون استئناف ماء جديد، مجرّد نفي الوجوب، بل المراد به نفي الجواز، لكونه في مقابل قوله: جاز البناء، بل هو قيد له، بمعنى أنّه يجوز له البناء مقيّداً بعدم استئناف ماء جديد. و لكن نقل في مفتاح الكرامة عن بعض النسخ لفظ «الواو» مكان لفظة «دون» (3).

قال السيّد (سلّمه اللَّه تعالى) في تحريره عن شيخنا (قدس سره): و من هنا يظهر دلالة الرواية الثالثة أيضاً، فإنّ الظاهر منها أنّ الميسور من الشي‏ء لا يسقط بما له من الحكم وجوبياً أو استحبابياً بتعسّر غيره، فيدلّ على وجوب الباقي، بل الظاهر منها الشمول للواجب البسيط أيضاً إذا كان له مراتب، و أنّ تعسّر المرتبة العالية منه لا يوجب سقوط غيرها من المراتب التي تعدّ ميسورة منه‏ (4).

إنّ اختلاف المراتب لا يتأتّى في الواجب البسيط، بل لا بدّ من أن يكون في‏

____________

(1) تحرير الأحكام 1: 82.

(2) منتهى المطلب 2: 117.

(3) مفتاح الكرامة 1: 440.

(4) أجود التقريرات 3: 536.

452

البين تركيب و لو من القيود و الشروط كي يكون الفاقد لبعض تلك القيود مرتبة ثانية لما هو الواجد لتمام القيود، و قد مثّل لمثل ذلك في تحرير الشيخ (رحمه اللَّه) بالقيام، فقال: فإنّ القيام مثلًا الذي أخذ جزءاً للصلاة له معنى عرفي، و هي الهيئة المقابلة لهيئة الجلوس و المشي و الاضطراب الفاحش، و له خصوصيات أُخر اعتبره الشارع فيه، من الاستقرار و الاعتماد على الأرض و الانتصاب و غير ذلك، فلو تعذّر الاعتماد على الأرض أو الاستقرار يصدق على الباقي المتمكّن منه أنّه ميسور المتعذّر الخ‏ (1) و لعلّ ذلك هو المراد لتحرير السيّد (سلّمه اللَّه تعالى) من الواجب البسيط إذا كان له مراتب، لكنّك قد عرفت أنّ هذا حينئذ ليس من الواجب البسيط.

قوله: و أمّا الموضوعات الشرعية فتشخيص الركن عن غيره و الميسور عن المباين في غاية الإشكال، فإنّ كون الركعتين أو الثلاث ميسور الأربع ... الخ‏ (2).

لم يتّضح الوجه في هذا التفصيل و ما هو المراد من الموضوعات الشرعية، فإن كان المراد عدم الاطّلاع على الملاك في مثل عدد الركعات و في مثل المسح في الوضوء، فذلك حاصل في مثل القيام، و أنّ الاعتماد و الاستقرار هل يكونان من قبيل الركن بحيث يكون الملاك متوقّفاً عليهما أو لا.

و الإنصاف: أنّ باب الملاك شي‏ء و باب المأمور به شي‏ء آخر، و نحن في مقام التعذّر و صدق الميسور تابعون لصورة المأمور به، و عن حكم العرف بأنّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 256- 257.

(2) فوائد الأُصول 4: 257.

453

هذا ميسور ذاك نستكشف الملاك، و على الشارع التقييد و الإخراج فيما لو عدّه العرف ميسوراً و كان في الواقع غير وافٍ بالملاك، كما أنّ عليه الحكم بالإدخال فيما تخيّله العرف أنّه ليس بميسور و كان في الواقع وافياً بالملاك، و لعلّ هذا هو المراد من التخطئة في عبارة الكفاية (1) فراجعها.

قوله: ثمّ إنّه لا فرق في القاعدة بين الأجزاء و الشرائط ... الخ‏ (2).

قد يقال بالفرق بناءً على أنّ المراد من الميسور و المعسور هي الأجزاء و الأفراد، بدعوى أنّ ذلك إنّما يكون في الأجزاء لكون كلّ جزء واجباً في ضمن الكل، بخلاف الشرائط فإنّها لا تجب ضمنياً، فتأمّل.

قوله: و أمّا التمسّك بالاستصحاب على وجوبه ... الخ‏ (3).

الأولى إيكال الكلام على الاستصحاب المذكور إلى محلّه من تنبيهات الاستصحاب‏ (4)، فإنّه سيأتي إن شاء اللَّه تعالى بيان أنّ المستصحب ليس هو الوجوب الوارد على المجموع حتّى يحتاج إلى تكلّف هذه المسامحات، من كون القيد من قبيل العنوان أو أنّه من قبيل العلّة المحدثة أو العلّة المبقية و نحو ذلك، بل إنّ المستصحب هو نفس الوجوب الذي كان وارداً على الباقي في ضمن تعلّقه بالكل. نعم يأتي أيضاً إن شاء اللَّه الكلام على أنّه هل يعتبر أن لا يكون الجزء المفقود ممّا له الدخل في قوام المركّب، أو أنّه لا يعتبر فيه ذلك. و على كلّ حال‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 372.

(2) فوائد الأُصول 4: 258.

(3) فوائد الأُصول 4: 258.

(4) راجع فوائد الأُصول 4: 556 و ما بعدها، و حواشي المصنّف (قدس سره) على ذلك تأتي في المجلّد العاشر من هذا الكتاب في الصفحة: 442 و ما بعدها.

454

فإنّ هذا الأمر على تقدير اعتباره لا ربط له في التسامح في القيد، و أنّه بحسب النظر العرفي ليس من قبيل العنوان.

قوله: و إجماله أنّ الوصف العنواني الذي أُخذ موضوعاً في ظاهر الدليل‏- إلى قوله- و أُخرى يكون معرّفاً ... الخ‏ (1).

و ذلك كما لو قال: أكرم هؤلاء الذين في المسجد، فإنّ هذا العنوان معرّف على وجه لو خرجوا من المسجد لكان إكرامهم واجباً أيضاً، و لكن هذه المسامحة لا دخل لها بما نحن فيه، كما أنّ كون العنوان علّة أو كونه موضوعاً لا دخل له فيما نحن فيه، بل إنّ المسامحة فيما نحن فيه من طريق آخر نظير مسألة كرّية الماء، فالمستصحب هو الوجوب الوارد على الكل، و ذهاب بعض الأجزاء كذهاب بعض أجزاء الماء الذي كان مجموعه كرّاً في صحّة التسامح، و إطلاق القول بأنّ هذا المركّب كان واجباً كاطلاق القول بأنّ هذا الماء كان كرّاً، هذا أحد تقريبات إجراء الاستصحاب، و له تقريبات أُخر ذكرت في التنبيه الثالث عشر من تنبيهات الاستصحاب‏ (2)، منها: استصحاب وجوب الأجزاء المتيسّرة حينما كانت في ضمن الكل، بالتسامح بين الوجوب الضمني الذي كان لها في ضمن الجميع و الوجوب النفسي لها حينما تعذّر بعض ذلك الجميع، بدعوى كون النظر العرفي هو وحدة الوجوب، إلى غير ذلك من التوجيهات المبنية على تسامح عرفي خارج عن التسامح في كون العنوان معرّفاً، أو كونه علّة و واسطة و من الجهات التعليلية، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 259.

(2) راجع الهامش (4) المتقدّم في الصفحة السابقة.

455

قوله: إذ إطلاق دليل القيد لا يقتضي أزيد من ثبوت القيد حتّى عند العجز عنه، و هذا لا ينافي قيام دليل آخر على وجوب الخالي عن القيد عند تعذّره ... الخ‏ (1).

لا يبعد أن يكون هذا مبنيّاً على ما تقدّمت الاشارة إليه‏ (2) في ملحق حاشية ص 86 من أنّه عند إطلاق دليل التقييد بكلا صورتيه و إن كان الاطلاق نافياً لبقاء الوجوب عند تعذّر القيد، إلّا أنّه لا مانع من حدوث ملاك آخر عند تعذّر القيد يكون موجباً لايجاب الباقي، و أنّه عند الوصول إلى هذا الاحتمال يكون المرجع هو البراءة، لكن لو قام دليل على ذلك الوجوب الجديد لم يكن معارضاً و منافياً لما يقتضيه إطلاق التقييد من انتفاء أصل الحكم الوارد على الكل لانتفاء صلاحه، فإنّ وجود المصلحة الجديدة الباعثة على الوجوب الجديد لا ينافيها ذلك الاطلاق، إلّا أنّ الشأن كلّ الشأن في وجود ما يدلّ على الوجوب الجديد، و قاعدة الميسور لا تدلّ على وجوب جديد، بل أقصى ما فيها هو بقاء الوجوب السابق بنحو من التسامح، فهي إنّما تجري فيما إذا لم يكن في البين إطلاق التقييد، بل كان دليل التقييد مجملًا من هذه الجهة لتكون قاعدة الميسور كاشفة عن تقييد القيدية الملازم لعدم الركنية، أمّا مع إطلاق القيدية الكاشف عن كون القيد ركناً فلا مورد فيه لقاعدة الميسور، كما أنّها لا تجري فيما لو كان لأصل الوجوب إطلاق مع فرض عدم الاطلاق في دليل التقييد، لأنّ إطلاق أصل الوجوب دليل على بقائه عند تعذّر ما تعذّر من الأجزاء أو الشرائط.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 259.

(2) في هامش الصفحة: 423.

456

و الخلاصة: هي أنّه لو كان في البين إطلاق لدليل التقييد كان هو المرجع و كان مقتضاه سقوط الباقي عند تعذّر القيد كما في مثل «لا صلاة إلّا بطهور» (1) و معه لا وجه للرجوع إلى قاعدة [الميسور]، لثبوت أنّ الفاقد ليس بصلاة، فكيف يكون ميسوراً. نعم، يمكن أن يقوم دليل خاصّ على وجوب الباقي، و ذلك مطلب آخر غير قاعدة الميسور. و لو لم يكن في البين إطلاق لدليل التقييد و كان هناك إطلاق لدليل الأمر كان هو المرجع لا قاعدة الميسور و لا غيرها.

ثمّ بعد عدم تحقّق الاطلاق من الطرفين يكون المرجع هو القواعد مثل قاعدة الميسور بعد فرض تحقّق التسامح، و أنّه يصدق على الباقي أنّه الميسور من الواجب المركّب، و معها لا وجه للرجوع إلى الاستصحاب، بل تكون هي حاكمة عليه. نعم مع قطع النظر عنها يكون المرجع هو الاستصحاب بنفس التسامح الذي صحّحنا به قاعدة الميسور، بأن يقال: إنّ الصلاة كانت واجبة و الآن بعد تعذّر الجزء الفلاني تبقى على وجوبها، و التسامح في جعل الفاقد عين الواجد، فيقال إنّه كان واجباً و الآن كما كان، و بعد فرض عدم تمامية هذا التسامح يكون المستصحب هو الوجوب الوارد على الأربعة الذي كان في ضمن الخمسة، فإنّه إن كان الخامس ركناً كان ذلك الوجوب ممّا لا يبقى، و إن لم يكن ركناً كان ممّا يبقى، فيكون استصحابه من قبيل استصحاب الفرد المردّد بين مقطوع الارتفاع و مقطوع البقاء كالبقّة و الفيل. ثمّ بعد فرض كونه ممّا لا يبقى لكن احتملنا قيام وجوب آخر مقامه عند ارتفاعه، فيكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي، و بعد طي هذه المراحل يكون المرجع هو البراءة من وجوب الباقي أو

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

457

أصالة الاشتغال.

قوله: إذا دار الأمر بين سقوط الجزء أو الشرط، بأن تعذّر جمعهما في الامتثال ... الخ‏ (1).

التفصيل في هذا المقام هو أن يقال: إنّهما إن كانا على نحو الركنية فلا شبهة في سقوط الواجب، و إن كان أحدهما ركناً و الآخر غير ركن تعيّن للسقوط ما هو غير الركن، و إن كان كلّ منهما غير ركن، فإن كان الشرط شرطاً لنفس الجزء المذكور فقط تعيّن سقوط الشرط، لدوران الأمر بين سقوطه وحده أو سقوطه مع مشروطه و هو الجزء، و لا ريب أنّ الأوّل أولى، لجريان قاعدة الميسور في نفس الجزء، و في الحقيقة ليس هذا من الدوران بين الجزء و الشرط، بل هو من قبيل تعذّر شرط الجزء. نعم لو أمكن إيجاد كلّ من الجزء و شرطه بدون الآخر و لم يمكن الجمع بينهما، كان من قبيل الدوران بين الجزء أو شرطه، لكنّه فرض محال، إذ لا يمكن الاتيان بشرط الجزء بدون الجزء.

و إن كان الشرط شرطاً لتمام المركّب، فإن كان الشرط مستمراً من أوّل العمل إلى آخره، و كان محلّ الجزء في أثناء العمل، تعيّن ترك الجزء إن كان الفرض على وجه لو أخذ بالشرط من أوّل العمل تعذّر عليه عند الوصول إلى محلّ الجزء العدول عن الشرط و الاتيان بالجزء مجرّداً، لأنّ وجوب الشرط في ظرفه على هذا الفرض يكون بلا مزاحم. و إن كان الفرض على وجه لو وصل إلى محلّ الجزء يتمكّن من العدول عن الشرط و الاتيان بذلك الجزء مجرّداً عن الشرط، فإن كان على وجه لو أتى بالجزء المجرّد يتمكّن من تحصيل الشرط في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 260.

458

باقي الأجزاء، كان في الحقيقة من قبيل الدوران بين الجزء و شرطه، و إن كان لو أتى بالجزء مجرّداً لا يتمكّن من تحصيل الشرط لباقي الأجزاء اللاحقة، كان الحكم فيه هو الحكم في الفرض الآتي، و هو ما لو كان الجزء في أوّل العمل و كان الشرط شرطاً لتمام العمل، و دار الأمر بين ترك الجزء و الاتيان ببقية الأجزاء واجدة لشرطها و بين الاتيان بذلك الجزء و ترك الشرط في تمام العمل حتّى ذلك الجزء، فبالنسبة إلى ذلك الجزء يدور الأمر بين تركه و شرطه أو ترك شرطه فقط، و قد تقدّم تعيّن الثاني، و حينئذٍ يتعيّن سقوط الشرط في باقي الأجزاء، لكنّه مشكل، لأنّه من الدوران بين المحافظة على الجزء و إسقاط شرطه و شرط الجميع، و المحافظة على شرط الجميع و إسقاط الجزء هو و شرطه، فلا وجه لتقدّم الجزء على شرط الجميع.

نعم، لو كان الشرط ركناً في ذلك الجزء و إن لم يكن ركناً في تمام ذلك العمل، ففي هذه الصورة يتعيّن ترك الجزء و الاتيان بباقي الأجزاء واجدة لشرطها، و كذا لو لم يكن ركناً في ذلك الجزء لكن كان ركناً في أحد الأجزاء اللاحقة، و كان ذلك الجزء ركناً في أصل العمل، فإنّه حينئذ يكون الشرط ركناً في أصل العمل و قد تقدّم حكمه.

و إن كان الشرط شرطاً لتمام العمل و لكن لم يكن مستمرّاً من أوّل العمل إلى آخره، بل كان محلّه مقارناً لبعض الأجزاء، فإن كان محلّه عند فعل ذلك الجزء تعيّن ترك الشرط، و إن كان محلّه متقدّماً على ذلك الجزء أو متأخّراً عنه، تعيّن ترك المتأخّر منهما، و كذا إن لم يكن الشرط شرطاً لنفس ذلك الجزء بل كان شرطاً لما قبله أو لما بعده، فإنّه إن كان محلّه متقدّماً على الجزء المذكور أو متأخّراً

459

عنه، تعيّن تقديم ما هو المتقدّم منهما، و إن كان محلّه مقارناً لمحلّ نفس ذلك الجزء، و كان ذلك الشرط ممّا يمكن بقاؤه عند ترك ذلك الجزء، كان من دوران الأمر بين ترك الجزء أو ترك الشرط، و لعلّ كلام الشيخ (قدس سره) في الرسائل‏ (1) منحصر في هذه الصورة، فراجع و تأمّل.

قوله: الفرع الثاني: إذا كان للمركّب بدل اضطراري كالوضوء ... الخ‏ (2).

الذي حرّرته عن شيخنا (قدس سره) في هذا المقام هذا نصّه: و الذي ينبغي أن يقال هو أنّ الفعل الاضطراري لو دلّ الدليل على بدليته و لو بقاعدة الميسور كان مقدّماً على التيمّم، إلّا أنّه لم يثبت ذلك في باب الوضوء إلّا في مورد الجبيرة لأخبار الجبيرة، و لا يمكن التعدّي عنها إلى غيرها، و إن كانت رواية عبد الأعلى متضمّنة لقوله (عليه السلام): «إنّ هذا و شبهه يعرف من كتاب اللَّه‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (3)» (4) إلّا أنّه لمّا كان لفظ «الشبه» مجملًا لم يمكن التعدّي عنه إلى غير مورد الجبيرة حتّى في الرمد و الجرح المكشوف، و حتّى في الحاجب الذي لا يمكن إزالته لضيق الوقت كالقير و نحوه، بل حتّى ما جاور الجبيرة ممّا لا يمكن وضع الماء عليه إن اتّفق ذلك، و المسألة في غاية الإشكال، و محلّ الكلام عليها في الفقه.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 398.

(2) فوائد الأُصول 4: 261.

(3) الحجّ 22: 78.

(4) وسائل الشيعة 1: 464/ أبواب الوضوء ب 39 ح 5 (مع اختلاف يسير).

460

[الكلام في اشتباه الواجب بالحرام‏]

قوله: بقي من أقسام الشكّ في المكلّف به ما إذا اشتبه الواجب بالحرام، كما إذا علم بوجوب أحد الشيئين و حرمة الآخر و اشتبه الواجب بالحرام ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ دوران الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر مع اشتباههما تارةً يكون لأجل العلم بتوجّه الخطابين و اشتبه المطلوب تركه بالمطلوب فعله، إمّا من جهة الشبهة الموضوعية كما لو اشتبه المرتدّ الفطري بالمؤمن، و كما لو اشتبهت الزوجة المحلوف على وطئها بالأجنبية، أو بالزوجة المحلوف على ترك وطئها، و إمّا من جهة الاشتباه في الحكم، كما لو ورد أمر و نهي و تردّد الأمر في أنّ متعلّق الأوّل هو الفعل الفلاني و متعلّق الثاني هو الفعل الآخر، أو أنّ الأمر بالعكس.

و أُخرى يكون دوران الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، لأجل العلم بخطاب واحد مردّد بين الأمر و النهي مع التردّد في متعلّق ذلك الخطاب بين المتباينين، يعني أنّ ذلك التكليف الذي هو المردّد بين الأمر و النهي هل هو متعلّق بهذا الفعل، أو أنّه متعلّق بذلك الفعل الآخر، إمّا على نحو الشبهة الحكمية أو على نحو الشبهة الموضوعية. و على أي حال، فيكون الأمر في كلّ واحد من المشتبهين من قبيل الدوران بين المحذورين، و مقتضاه التخيير العقلي في كلّ واحد من ذينك المشتبهين، و في إدراجه فيما ذكرناه من دوران الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر مع اشتباههما تسامح، فإنّه من دوران الأمر بين الايجاب و التحريم في كلّ منهما.

و على كلّ حال، ففي النحو الأوّل أعني ما لو كان هناك تكليفان أمر و نهي،

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 263.

461

و حصل التردّد في المتعلّق لتردّده بين المتباينين شبهة حكمية أو موضوعية، لا يمكن التخيير إلّا بين فعل أحدهما و ترك الآخر، دون التخيير بين تركهما معاً أو فعلهما معاً، لأنّ ذلك مستلزم للمخالفة القطعية، بخلاف النحو الثاني و هو ما لم يكن في البين إلّا تكليف واحد مردّد في نفسه بين الايجاب و التحريم، و اتّفق الاشتباه في متعلّقه بأن تردّد بين المتباينين، إمّا على نحو الشبهة الحكمية أو على نحو الشبهة الموضوعية، فإنّه كما يجوز التخيير فيه بين فعل أحدهما و ترك الآخر يجوز التخيير فيه بين فعلهما معاً و تركهما معاً، فيكون فيه المكلّف مخيّراً بين الجهات الأربع: فعلهما معاً، و تركهما معاً، و فعل الأوّل و ترك الثاني، و بالعكس.

قوله: هذا، و لكن الحكم بالتخيير بقول مطلق لا يخلو من إشكال، بل ينبغي ملاحظة مرجّحات باب التزاحم، فيقدّم الموافقة القطعية للأهمّ منهما و إن استلزم ذلك المخالفة القطعية للآخر ... الخ‏ (1).

هذا ما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في الدورات السابقة، و لكنّه (قدس سره) في الدورة الأخيرة يظهر منه المنع من تقديم الأهمّ، بدعوى كون ذلك خارجاً عن باب التزاحم، لأنّ ذلك إنّما هو في التكليف الواصل، ليكون شاغليته للمكلّف تعجيزاً مولوياً عن الآخر، دون مثل هذه المسائل، من دون فرق في ذلك بين هذه المسألة و مسألة دوران الأمر بين المحذورين في الفعل الواحد، فإنّ التدافع بين الحكمين في أمثال هذه المسائل كما أنّه لم يكن من باب التعارض، فكذلك ليس هو من باب التزاحم، لأنّ ملاك التزاحم هو كون أحد التكليفين شاغلًا مولوياً عن الآخر، و بواسطة شاغليته للمكلّف يكون سالباً لقدرته على الآخر، بخلاف ما نحن فيه فإنّه قسم ثالث و هو ما يكون التدافع ناشئاً عن تناقض الحكمين مع اشتباه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 263.

462

متعلّقهما الموجب لعدم التمكّن من تحصيل الموافقة القطعية لكلّ منهما، لأنّ الموافقة القطعية لأحدهما ملازمة للمخالفة القطعية للآخر، و حينئذٍ فيدور الأمر فيه بين الموافقة القطعية لأحدهما المقرونة بالمخالفة القطعية للآخر، و بين الموافقة الاحتمالية لكلّ منهما، و العقل حاكم بلزوم الثاني و طرح الأوّل، و تكون النتيجة كما أفاده الشيخ (قدس سره)(1) من التخيير بين ترك أحد الفعلين و فعل الآخر.

و من ذلك يتّضح لك أنّه لا ينحصر التدافع بين الحكمين بباب التعارض و باب التزاحم، بل إنّ في البين قسماً ثالثاً و هو ما نحن فيه. و الحاصل أنّ نسبة العلم الاجمالي إلى كلّ من الحكمين على حدّ سواء، و أهميّة أحدهما لا توجب انحصار التنجّز به، هذا حاصل ما فهمته من إفاداته (قدّس اللَّه سرّه و عطّر رمسه).

و لكنّه إنّما يتمّ في أصل مسألة دوران الأمر بين المحذورين و ما يلحق بها، و هو النحو الثاني ممّا ذكرناه، لإمكان القول بأنّ أهميّة الايجاب مثلًا لا توجب تنجّزه، و هذا سهل، لأنّه لو التزم بجانب الايجاب لم يلزم منه المخالفة القطعية لتكليف آخر منجّز، بخلاف النحو الأوّل، فإنّ كلّ واحد من الايجاب و التحريم منجّز بالعلم الاجمالي في متعلّقه المردّد بين المتباينين، غايته أنّ إطاعة كلّ واحد من هذين التكليفين مزاحمة بعصيان الآخر، فهو لا يقدر على الجمع بين الاطاعتين، و تكون إطاعة كلّ منهما مقرونة بمخالفة الآخر، فينبغي الترجيح بما هو أهمّ.

ثمّ إنّه (قدس سره) كان قبل هذا يستدلّ على لزوم الترجيح بالأهمية بما هو المعلوم من مذاق الفقهاء أنّهم لا يسوّغون الإقدام على قتل الشخصين اللذين يعلم كون أحدهما مؤمناً و الآخر مرتدّاً فطرياً، و لا الاقدام على وطء كلا المرأتين اللّتين‏

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 403.

463

يعلم كون إحداهما زوجة محلوفة الوطء و الأُخرى أجنبية، و ما ذلك إلّا من جهة الترجيح بالأهمية المستفادة من حكم الشارع بالاحتياط في مثل ذلك في الشبهات البدوية.

ثمّ بعد أن اختار حسبما نقلنا موافقة الشيخ (قدس سره) من عدم جريان الترجيح بالأهمية لعدم كون المقام من قبيل التزاحم، أجاب عن أمثال هذين الفرعين بأنّ لزوم الترك في كلّ من الطرفين لم يكن للأهمية، بل لأجل أنّ الأصل في الدماء و الفروج الحرمة في مقام الشبهة، و لو كانت مقرونة بالعلم الاجمالي بالايجاب أو التحريم.

و إن شئت فقل: إنّ العلم الاجمالي المردّد بين ذينك الشخصين أو الامرأتين يكون منحلا، لأنّ أحد الطرفين ممّا يجري فيه الأصل المثبت للتكليف، و هو أصالة الحرمة في الدماء و كذا في الفروج، و الآخر في حدّ نفسه مجرى للأصل النافي.

و بالجملة: أنّ احتمال التحريم في باب الدماء و الفروج منجّز، سواء كان في قباله احتمال الاباحة أم كان في قباله احتمال الوجوب فقط، و يستوي في ذلك باب دوران الأمر بين المحذورين الصرف و ما ألحقناه به، و هو المثال الثاني، بل و كذلك المثال الأوّل الذي هو محلّ الكلام.

أمّا بقية المرجّحات في باب التزاحم فمنها ما يكون أحد التكليفين مشروطاً بالقدرة العقلية و الآخر مشروطاً بالقدرة الشرعية، فلا يبعد جريانها في باب دوران الأمر بين المحذورين و فيما نحن فيه، مثاله في المحذورين ما لو دار الأمر في زوجته الواحدة المعيّنة بين كونها متروكة الوطء لمدّة أربعة أشهر أو كونها منذورة الترك في هذه الليلة، فهو مردّد بين وجوب وطئها الآن و حرمة

464

وطئها، و الأوّل مشروط بالقدرة العقلية و الثاني مشروط بالقدرة الشرعية (1)، فهل يحكم فيه بالتخيير أم يتعيّن الوطء (2).

و مثاله فيما نحن فيه ما لو علم أنّه قد نذر ترك وطء إحدى زوجتيه في هذه الليلة، و أنّ إحداهما أيضاً واجبة الوطء هذه الليلة، لأنّها قد مضى عليها أربعة أشهر، فهل يلزمه وطء إحداهما و ترك الأُخرى، أم يتعيّن عليه وطؤهما و إن لزم مخالفة النذر، لأنّه مشروط بالقدرة الشرعية، و وجوب الوطء بعد أربعة أشهر مشروط بالقدرة العقلية.

و من أمثلة ذلك في المحذورين ما لو كانت جاريته الواحدة مردّدة بين كونها قد نذر التصدّق بها و كونها مرهونة أو كونها أُمّ ولد، بناءً على ما أفاده (قدس سره)(3) في بيع أُمّ الولد من كون حقّ أُمّ الولد، و كذلك الرهانة مقدّماً على نذر التصدّق، لكونه مشروطاً بالرجحان أو بالقدرة الشرعية، بخلافهما.

و مثاله فيما نحن فيه ما لو كانت إحدى جاريتيه منذور التصدّق بها و الأُخرى أُمّ ولد أو مرهونة.

و كذلك لو كانت جاريته الواحدة مردّدة بين كونها مرهونة و قد حلّ الأجل فوجب البيع و بين كونها أُمّ ولد، و لو كانت إحداهما مرهونة و قد حلّ الأجل و الأُخرى أُمّ ولد و اشتبها.

و من المرجّحات في باب التزاحم ما لو كان أحد التكليفين موسّعاً و الآخر مضيّقاً، فإنّ الثاني يقدّم على الأوّل في باب التزاحم. مثاله في المحذورين لو دار

____________

(1) [في الأصل: بالقدرة العقلية، و الصحيح ما أثبتناه‏].

(2) [في الأصل: أم يتعيّن الترك، و الصحيح ما أثبتناه‏].

(3) منية الطالب 2: 322 و ما بعدها.

465

الأمر في جاريته المعيّنة بين كونها منذورة الوطء في هذا الاسبوع مرّة واحدة، أو أنّها منذورة الترك في هذه الليلة، فالأوّل من قبيل الموسّع و الثاني من قبيل المضيّق.

و مثاله فيما نحن فيه لو نذر وطء إحدى زوجتيه في هذا الاسبوع و نذر ترك الأُخرى في هذه الليلة و اشتبها.

و من المرجّحات في باب التزاحم كون أحد التكليفين أهمّ من الآخر، فيقدّم الأهمّ على المهمّ في باب التزاحم. مثاله في المحذورين لو كان الغريق الواحد مردّداً بين كونه فلاناً المسلم فيجب إنقاذه، أو فلاناً الكافر فيحرم إنقاذه، و قلنا إنّ وجوب إنقاذ المسلم أهمّ من حرمة إنقاذ الكافر فيما لو كان إنقاذ المسلم ملازماً لإنقاذ الكافر.

و مثاله فيما نحن فيه فيما لو كان أحدهما مسلماً و الآخر كافراً و اشتبها، فهل يخيّر بين إنقاذ أحدهما و ترك الآخر، أو يتعيّن عليه إنقاذهما معاً؟ الظاهر الثاني.

و لو استشكلت في المثال بكون حفظ المسلم من باب الدماء، فأبدل المثال بقرآن و قابله بكتاب ضلال. أمّا الاستشكال في كون وجوب إنقاذ المسلم أهمّ من حرمة إنقاذ الكافر بمسألة التترّس، فإنّ جوابه واضح، فإنّ مسألة التترس مختصّة بباب الجهاد فيما لو توقّف الفتح على ذلك، أو توقّف حفظ جيش المسلمين على إعدام من تترّس به الكفّار من أسرى المسلمين، دون ما نحن فيه ممّا لو توقّف إنقاذ المسلم الغريق على إنقاذ الكافر الحربي معه، الذي يكون إنقاذه في حدّ نفسه محرّماً.

و خلاصة البحث: هو أنّه لا إشكال في التخيير في دوران الأمر بين المحذورين و فيما نحن فيه في الجملة، فهل هذا التخيير بعد فقد المرجّحات‏

466

المذكورة، أو أنّه جارٍ مطلقاً و أنّ باب الترجيح منسدّ في المحذورين و فيما نحن فيه. و على أيّ حال، لو قلنا بالترجيح فالتخيير في المقامين يكون منحصراً بصورة عدم المرجّح، و لو قلنا بعدم الترجيح كان التخيير جارياً على كلّ حال في كلّ من المقامين، و إذا انتهت المسألة إلى التخيير ففي مقام الدوران بين المحذورين صرفاً ينحصر التخيير بين فعل الشي‏ء و تركه، لكن في مقامنا (كما لو علم المكلّف بأنّه قد توجّه إليه الأمر و النهي و لكنّه تردّد في أنّ متعلّق الأوّل هو شرب التتن و الثاني هو شرب النبيذ، أو أنّ الواقع بالعكس) هل يكون التخيير بين الجهات الأربع، فيتخيّر المكلّف بين فعلهما، و تركهما، و فعل الأوّل و ترك الثاني، و ترك الأوّل و فعل الثاني.

و الظاهر أنّه لا سبيل إلى الأوّلين، فلا يجوز له فعلهما معاً، كما أنّه لا يجوز له تركهما معاً، بل يتعيّن عليه شرب الأوّل و ترك الثاني، أو ترك الأوّل و شرب الثاني، فإنّ العلم بالوجوب المذكور علّة في المنع عن مخالفته القطعية، و لنقل إنّه علّة في وجوب موافقته القطعية، لكن ذلك- أعني كونه علّة لوجوب الموافقة القطعية- إنّما هو إذا لم يمنع منها مانع عقلي، و على ذلك أسّسنا تبعيض الاحتياط في مورد سقوط الموافقة القطعية. و هكذا الحال في ناحية العلم بالتحريم.

و حينئذٍ نقول: إنّ العلم بكلّ من التكليفين يؤثّر فعلًا في حرمة المخالفة القطعية لكلّ منهما، ويحكم العقل بالمنع من المخالفة القطعية لكلّ من التكليفين، و لا يحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية لكلّ منهما، لأنّها بنظره ممنوعة بواسطة كونها موجبة للمخالفة القطعية للآخر، و بذلك يتعيّن التخيير في الوجهين الأخيرين دون الوجهين الأوّلين، و ذلك لا يبتني على كون العلم الاجمالي علّة في حرمة المخالفة القطعية و مقتضياً في وجوب الموافقة القطعية،

467

بل إنّه جار حتّى لو قلنا بأنّه علّة بالنسبة إليهما على حدّ سواء، إذ لا إشكال على القولين في سقوط الموافقة القطعية عند حكم العقل بتعذّرها، لعدم القدرة عليها أو لقبحها عقلًا لكونها موجبة لاختلال النظام، كما قرّر في محلّه في مبحث الانسداد في إقامة البرهان على سدّ باب الاحتياط التامّ في جميع محتملات التكاليف، و ليس للموافقة القطعية خصوصية في ذلك، بل إنّ المخالفة القطعية إذا لم تكن مقدورة لم يحكم العقل بقبحها من باب أنّه لا موضوع لحكمه حينئذ، كما في دوران الأمر في الفعل الواحد بين المحذورين، و لو فرض لنا مورد تكون المخالفة القطعية ممكنة، لكن كان العقل حاكماً بحسنها و قبح تركها، كانت ساقطة في مورد العلم التفصيلي فضلًا عن العلم الاجمالي، فلو توقّف إنقاذ الغريق على سلوك قطعتين يعلم إجمالًا بغصبية إحداهما وجب سلوكهما كما يجب في مورد العلم التفصيلي.

فصار الحاصل: هو أنّا لو قلنا بأنّ ما نحن فيه ملحق بالتزاحم، لكون الاحتياط و لزوم الموافقة القطعية في أحد التكليفين مزاحماً بالاحتياط في التكليف الآخر، لأنّ الموافقة القطعية لأحدهما مقرونة بالمخالفة القطعية للآخر، و لم يكن في البين أهميّة، فهل عند التساوي و عدم الأهمية يكون المكلّف مخيّراً بين الموافقتين القطعيتين فيتخيّر بين فعلهما معاً و تركهما، أو أنّه لا يكون له ذلك، بل يتعيّن عليه فعل أحدهما و ترك الآخر؟ الظاهر بل المتعيّن هو الثاني، لأنّ العلم الاجمالي المردّد بين وجوب أحدهما و حرمة الآخر يوجب حكم العقل بالمنع من المخالفة القطعية، لأنّ العلم الاجمالي علّة تامّة في حرمة المخالفة القطعية، فالعقل كما يمنع من المخالفة القطعية للوجوب الموجود في البين، فكذلك يمنع من المخالفة القطعية للتحريم الموجود في البين، و لا تدافع و لا

468

تزاحم بين هذين الحكمين العقليين. أمّا وجوب الموافقة القطعية للوجوب فلا يحكم بها العقل في المقام لوجود المانع، و هو ابتلاؤها بما منع منه العقل و هو المخالفة القطعية للآخر، و هكذا الحال في الموافقة القطعية لجانب التحريم، و قد حقّق في محلّه أنّ العلم إنّما يوجب الموافقة إذا لم يكن في البين ما يمنع منها، فهو نظير ما لو كان في البين مانع من وجوب الموافقة القطعية للعلم الاجمالي لعدم القدرة على ذلك، فإنّ ذلك لا يوجب جواز المخالفة القطعية، كما في من وظيفته تكرار الصلاة إلى الجهات الأربع و اتّفق أن لم يكن قادراً عليها جميعاً، فإنّ ذلك لا يوجب سقوط العلم الاجمالي بالمرّة، فليس المانع من تجويز فعلهما معاً أو تركهما معاً هو مجرّد كون الموافقة الاحتمالية لأحدهما أولى من الموافقة القطعية المقرونة بالمخالفة القطعية للآخر، كما ربما يظهر من الشيخ (قدس سره)(1)، فإنّه و إن كان موافقاً في النتيجة لما ذكرناه، إلّا أنّه أشبه شي‏ء بالخطابة، فالعمدة في المنع من ذلك هو ما ذكرناه من أنّ سقوط الموافقة القطعية لعدم القدرة عليها بسبب مقارنتها للمخالفة القطعية للآخر لا يوجب سقوط حرمة المخالفة القطعية، فلا يجوز له فعلهما معاً أو تركهما معاً، بل لا يكون التخيير إلّا في فعل أحدهما و ترك الآخر.

و الظاهر أنّ هذه الطريقة جارية حتّى لو قلنا بأنّ العلم الاجمالي علّة تامّة بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، إذ لا إشكال في سقوطها حتّى على هذا القول فيما لو وجد المانع العقلي منها، كما في صورة عدم التمكّن عقلًا من الموافقة القطعية، و على هذا الأساس يبتني تبعيض الاحتياط في موارد تعذّره فتأمّل.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 403.

469

و لا يخفى أنّا و إن تصوّرنا الترجيح بالأهميّة و غيرها إلّا أنّه لا يبعد تمامية هذه الطريقة، و هي توجب انسداد باب الترجيح بالأهميّة، لأنّ الترجيح بالأهمية إنّما يكون في مورد ينحصر الأمر فيه بين إطاعة أحد التكليفين قطعاً و عصيان الآخر قطعاً، كما في سائر موارد التزاحم، أمّا ما نحن فيه فلم ينحصر الأمر فيه بين الموافقة القطعية لأحد التكليفين و المخالفة القطعية للآخر، لإمكان التخلّص بفعل أحدهما و ترك الآخر، إلّا أن يكون التحريم من قبيل الدماء و الفروج، فإنّ الاحتياط فيها يسدّ باب احتمال المخالفة، فلا يجوز له قتل أحدهما، بل يتعيّن عليه ترك قتلهما و إن أوجب ذلك الوقوع في مخالفة الواجب، و حاصله: أنّ الاحتياط في الدماء مقدّم على مخالفة ما هو معلوم الوجوب إجمالًا، بل حتّى لو كان الاحتياط موجباً لمخالفة الواجب التفصيلي، فتأمّل.

و ربما يقرّب جواز فعلهما معاً أو تركهما معاً، بأنّ التزاحم بين الوجوب و الحرمة تارةً يكون من قبيل حرمة الغصب و وجوب إنقاذ الغريق فيما لو توقّف إنقاذه على سلوك الأرض المغصوبة، و الجامع هو توقّف الواجب على فعل الحرام بأن يكون الحرام مقدّمة للواجب، و أُخرى يكون من جهة اتّفاق ملازمة فعل الواجب لفعل الحرام، من دون أن يكون في البين توقّف و مقدّمية، و ذلك مثل حرمة الاستدبار للجدي مثلًا و وجوب استقبال القبلة.

ففي النحو الأوّل لو كان الأهمّ هو الواجب سقط التحريم بالمرّة، و لو كان الأهمّ هو الحرام سقط الوجوب بالمرّة أيضاً، و كذا لو كانا متساويين فإنّه أيضاً يكون اللازم هو الترك لعدم المسوّغ للفعل‏ (1)

____________

(1) و يمكن أن يقال: إنّه لا مانع من الاستطراق، لأنّ حرمته سقطت بمزاحمة الواجب، كما أنّه لا مانع من ترك الانقاذ بترك الاستطراق، لأنّ وجوبه سقط بمزاحمة حرمة الاستطراق، و حينئذٍ يجوز له أن يتركهما معاً، كما يجوز له أن يفعلهما معاً. نعم لا يجوز له فعل الأوّل و ترك الثاني بأن يستطرق و لا ينقذ [منه (قدس سره)‏].

470

أمّا النحو الثاني فهو و إن شاركه في أنّه عند أهمية الواجب يسقط التحريم و عند أهمية التحريم يسقط الواجب، إلّا أنّه عند التساوي يتخيّر بين الفعل و إن كان مقروناً بعصيان الحرام، أو الترك و إن كان مقروناً بعصيان الواجب، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ الموافقة لكلّ منهما مقرونة بالمخالفة للآخر.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ التخيير بين الفعل في ذلك النحو مع كونه مقروناً بالمخالفة للتحريم، و الترك مع كونه مقروناً بالمخالفة للواجب، إنّما هو لعدم المندوحة، لأنّه إن ترك فقد أطاع النهي لكنّه يكون مخالفاً للأمر، و إن فعل كان الأمر بالعكس، و ليس في البين ما يتخلّص به عن هذا المحذور الذي هو الوقوع في مخالفة أحد التكليفين، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّه يمكنه التخلّص من المخالفة القطعية لأحد التكليفين بعدم الاقدام على الموافقة القطعية للآخر، فتأمّل جيّداً (1)

____________

(1) و ربما يتوهّم أنّ حسن الموافقة القطعية للايجاب مثلًا مزاحم بقبح المخالفة القطعية للتحريم، و حينئذٍ لو كان الأقوى هو قبح المخالفة القطعية سقطت الموافقة القطعية، و بقي حرمة المخالفة القطعية، و هي قاضية بالمنع من فعلهما و المنع من تركهما، و لزوم الاتيان بأحدهما و ترك الآخر كما ذكرتم.

أمّا لو كان حسن الموافقة القطعية أقوى من قبح المخالفة القطعية وجبت الأُولى و سقطت الثانية، و حينئذٍ يكون العقل حاكماً بوجوب الموافقة القطعية لكلّ من الوجوب و الحرمة، و حيث إنّ ذلك لا يمكن كان المكلّف مخيّراً بين الموافقة القطعية

471

____________

للوجوب بفعلهما و الموافقة القطعية للتحريم بتركهما.

و هكذا الحال لو كان حسن الموافقة القطعية لأحد التكليفين مساوياً لقبح المخالفة القطعية للتكليف الآخر، فإنّه حينئذ يتخيّر بين الموافقة القطعية للوجوب و إن حصلت المخالفة القطعية للتحريم، و الموافقة القطعية للتحريم و إن حصلت المخالفة القطعية للوجوب، و في كلّ من هاتين الصورتين لا يسوّغ العقل له الموافقة الاحتمالية المقرونة بالمخالفة الاحتمالية للآخر، بأن يفعل أحدهما و يترك الآخر.

و بتقريب آخر: أنّ العقل يحكم بوجوب الموافقة القطعية للوجوب، كما أنّه يحكم بوجوب الموافقة القطعية للتحريم، و هذان الحكمان من العقل كحكم الشارع بانقاذ هذا الغريق و إنقاذ ذلك الغريق الآخر، و ليس تعذّر الجمع بين الموافقتين القطعيتين إلّا كتعذّر إنقاذ كلا الغريقين، فاللازم هو النظر إلى ما هو الأقوى، فإن كانت الموافقة القطعية للوجوب هي الأقوى تعيّن عليه فعلهما، و إن كانت الموافقة القطعية للتحريم هي الأقوى تعيّن عليه تركهما، و عند التساوي يتخيّر بين الموافقتين القطعيتين كما يتخيّر بين الغريقين لو تساويا، و لا يجوز له ترك الموافقتين القطعيتين كليهما بأن يفعل أحدهما و يترك الآخر، كما لا يجوز له عند تساوي الغريقين تركهما معاً و عدم إنقاذ أحدهما.

هذا ما يمكن أن يتوهّم في المقام لتقريب القول بأنّه يتخيّر بين فعلهما و تركهما، و أنّه لا يجوز له فعل أحدهما و ترك الآخر، و مرجع التقريب الأوّل إلى إيقاع التزاحم بين وجوب الموافقة القطعية لأحد التكليفين و حرمة المخالفة القطعية للآخر، و مرجع التقريب الثاني إلى إيقاع التزاحم بين وجوب الموافقة القطعية في كلّ منهما لها في الآخر.

و هذه التوهّمات كلّها ناشئة عن تخيّل أنّ حكم العقل نظير حكم الشرع في كونه عن ملاك و حسن في المتعلّق، و نحن و إن قلنا إنّ للعقل أحكاماً، لكنّها لو قلنا بها فإنّما هي‏

472

____________

التحسين و التقبيح، مع إمكان القول بأنّه لا حكم في البين و إنّما هو من مجرّد الميل و التنفّر، و هكذا الحال في حكمه بلزوم إطاعة المأمور به المعلوم الأمر تفصيلًا و عصيانه، بناءً على أنّ ذلك من مقولة شكر المنعم و هو حسن و ظلمه و هو قبيح.

أمّا حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال، فليس هو من تلك المقولة قطعاً، بل هو من مقولة الفرار عن العقاب المحتمل عند الاتيان بأحد طرفي العلم الاجمالي و ترك الآخر، و هذا الفرار من العقاب المحتمل لا يمكن صدوره في صورة كون ذلك الفرار الحاصل بفعلهما معاً موقعاً للمكلّف في العقاب المقطوع الحاصل من المخالفة القطعية، لأنّ محصّل ذلك هو الالزام بالوقوع في عقاب أحد التكليفين فراراً من احتمال العقاب على التكليف الآخر لو كان المتروك هو الواجب الواقعي، و حاصله أنّك لا تكتف بفعل أحدهما، مخافة أن يكون الآخر المتروك هو الواجب الذي يتبعه العقاب، فلا بدّ لك أن تفعلهما فتعاقب قطعاً، و حاصل ذلك: فرّ من العقاب المحتمل إلى العقاب المقطوع.

و للّه درّ الشيخ (قدس سره) حيث أشار إلى هذا التفصيل بهذه الكلمة، و هي قوله: و الحكم فيما نحن فيه وجوب الاتيان بأحدهما و ترك الآخر مخيّراً في ذلك، لأنّ الموافقة الاحتمالية في كلا التكليفين أولى من الموافقة القطعية في أحدهما مع المخالفة القطعية في الآخر، و منشأ ذلك أنّ الاحتياط (يعني وجوب الموافقة القطعية) لدفع الضرر المحتمل لا يحسن بارتكاب الضرر المقطوع، و اللَّه أعلم [فرائد الأُصول 2: 403].

و من ذلك كلّه يظهر أنّ وجوب الموافقة القطعية ساقط في المسألة، و ليس في البين إلّا حرمة المخالفة القطعية، و مقتضى ذلك هو التخيير بين فعل أحدهما و ترك الآخر، و أنّه لا يجوّز العقل تركهما معاً أو فعلهما.

هذا كلّه لو كان التزاحم في الأحكام العقلية في المقام الناشئة عن العلم الاجمالي، أعني وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية لكلّ من الوجوب و التحريم‏

473

____________

المعلومين في البين، و أمّا نفس الوجوب و التحريم فلا تزاحم بينهما في حدّ أنفسهما، و لو جعلناه بينهما كان المقدّم هو الأقوى، و سقط العلم الاجمالي بالآخر، و لو تساويا فهل يسقط التكليفان و يسقط العلم بكلّ منهما، أو يتخيّر بين التكليفين و يجعل العلم به هو المؤثّر؟ [منه (قدس سره)‏].

474

[خاتمة: في بيان ما يعتبر في الاحتياط و البراءة]

[المقام الأوّل: فيما يعتبر في العمل بالاحتياط]

قوله: المقام الأوّل: فيما يعتبر في العمل بالاحتياط، و الأقوى أنّه لا يعتبر في حسن الاحتياط عقلًا ... الخ‏ (1).

هذه المباحث تقدّم الكلام عليها تفصيلًا في مباحث القطع، فراجع ما حرّرناه هناك من منع عدم صحّة الاطاعة الاحتمالية في مورد التمكّن من تحصيل الاطاعة التفصيلية (2).

ثمّ إنّا لو سلّمنا المنع من ذلك فإنّما هو عبارة عن المنع عن ترك الاطاعة التفصيلية مع فرض التمكّن منها و الركون إلى الطاعة الاحتمالية. أمّا مع فرض كونه بانياً على الاطاعة التفصيلية، غايته أنّه يقدّم ما هو مورد الاطاعة الاحتمالية على ما هو مورد الاطاعة التفصيلية، بأن يأتي أوّلًا بالمحتمل الوجداني ثمّ بعده يأتي بما قامت الأمارة على وجوبه، فلا مانع منه.

اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ المانع من الاطاعة الاحتمالية في مورد التمكّن من تحصيل الاطاعة التفصيلية و هو أنّ العقل لا يرى تلك الاطاعة إطاعة، موجود فيما نحن فيه و لو كان بناء المكلّف على الاتيان بما قامت عليه الأمارة بعد ذلك، لكنّه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 264.

(2) راجع حاشيته المفصّلة في المجلّد السادس من هذا الكتاب الصفحة: 172 و ما بعدها، و كذا غيرها من حواشيه (قدس سره) في ذلك المبحث.

475

محلّ تأمّل. و دعوى أنّ مقتضى حجّية الأمارة هو المنع من الأخذ بالاحتمال المذكور، ممنوعة جدّاً.

أمّا أوّلًا: فلأنّها إنّما تمنع من الأخذ باحتمال الخلاف فيها، و ليس ذلك إلّا الأخذ باحتمال عدم وجوب ما قامت الأمارة على وجوبه، لا الأخذ باحتمال وجوب غيره، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه بالنظر إلى العلم الاجمالي بوجوب إحدى الفريضتين يكون قيام الأمارة على أنّها هي الجمعة نافياً لكونها صلاة الظهر.

و أمّا ثانياً: فلأنّ هذا المنع لا ينافي الاحتياط لأجل الاحتمال المذكور.

و بعبارة [أُخرى‏] أنّ حجّية الأمارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة إنّما ينفي و يمنع من البناء على وجوب صلاة الظهر، أمّا الاتيان بصلاة الظهر لأجل الاحتمال الوجداني من باب الاحتياط فلا يكون دليل الحجّية مانعاً منه.

و أمّا ثالثاً: فلما هو محقّق في محلّه من عدم تعرّض دليل الأمارة لأزيد من جعل الحجّية لها، و ليس في البين نهي شرعي عن الأخذ بخلاف مضمونها. نعم بعد فرض كونها حجّة شرعية يكون العقل حاكماً بلزوم تطبيق العمل على طبقها، و أين ذلك من الحكم الشرعي بالمنع من الأخذ بخلاف مؤدّاها من باب الاحتياط مع فرض أنّه يأتي بمؤدّاها بعد ذلك.

و أمّا رابعاً: فلأنّ ذلك لو كان مانعاً لكان مانعاً منه حتّى بعد الاتيان بمؤدّاها، و ما أُفيد- على ما في تحريراتي- من أنّه بعد الاتيان بمؤدّى الأمارة يكون حكمها ساقطاً، فلا مانع من الجري على طبق ذلك الاحتمال الاحتياطي، يمكن الخدشة فيه، لأنّا إذا فرضنا أنّ الأمارة مانعة شرعاً من الجري على خلاف مؤدّاها، يكون هذا المنع باقياً حتّى بعد سقوط الأمر بمؤدّاها، لأنّها على هذا

476

الوجه توجب العمل على طبق مؤدّاها و المنع عن العمل على الاحتمال المخالف، و الساقط إنّما هو الجزء الأوّل، أمّا الجزء الثاني من مفادها المفروض فيكون باقياً بعد سقوط الجزء الأوّل منه، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحكم الثاني لا يكون إلّا من جهة التبعية للأوّل، فبعد سقوطه لا يبقى له مورد، فتأمّل.

و أمّا ما في الحاشية (1) من الإشكال عليه بما حاصله: أنّ الاطاعة بالنسبة إلى صلاة الظهر لا تكون إلّا احتمالية سواء تقدّمت أو تأخّرت، فيمكن الجواب عنه بأنّه إنّما يتوجّه لو كان صورة المسألة هي أنّ صلاة الجمعة قامت الأمارة على وجوبها، و مع ذلك يحتمل وجوب صلاة الظهر زائداً على صلاة الجمعة، لكن ذلك أجنبي عن مفروض الكلام، لأنّ مفروض الكلام إنّما هو العلم بأنّه ليس لنا إلّا أمر واحد، لكن حصل الترديد في متعلّقه هل هو الجمعة أو الظهر، و قامت الأمارة على أنّه الجمعة، و حينئذٍ فاطاعة ذلك الأمر الواقعي بالاتيان بصلاة الظهر تكون احتمالية في ظرف كونه متمكّناً من إطاعته التفصيلية بالاتيان بصلاة الجمعة، فلو تمّ ما أُفيد من عدم الركون إلى الاطاعة الاحتمالية مع التمكّن من الاطاعة التفصيلية، كان اللازم تأخير الاطاعة الاحتمالية لذلك الأمر الواقعي عن اطاعته التفصيلية، فتأمّل.

و الحاصل: أنّ الاحتمال المتكلّم عنه في المقام إنّما هو بالقياس إلى الأمر، لا بالقياس إلى الفعل المأتي به، و من الواضح أنّ الاحتمال بالنسبة إلى الأمر موجود في صورة العلم الاجمالي و التردّد بين المتباينين، كما هو موجود في صورة الاحتمال البدوي، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) فوائد الأُصول 4 (الهامش): 266.

477

قوله: قد خالف في حسن الاحتياط في العبادات جملة من الفقهاء تبعاً لقاطبة المتكلّمين، بتوهّم أنّ الاحتياط فيها يستلزم الإخلال بقصد الوجه المعتبر في العبادة ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ قصد الوجه و كذلك التمييز بأيّ معنى فسّرناهما لو سلّمنا اعتبارهما في العبادة، لا يكون شي‏ء منهما مانعاً عن الاحتياط في العبادة في الموارد التي يكون المكلّف عالماً بأنّ الطلب على تقديره لا يكون إلّا وجوبياً أو لا يكون إلّا استحبابياً، لوضوح أنّه مع قطع النظر عن اعتبار الاطاعة التفصيلية، بحيث لو قلنا إنّها غير معتبرة في صحّة العبادة و أنّه يكفي في صحّتها الاطاعة الاحتمالية، لم يكن اعتبار الوجه و التمييز مانعاً من صحّتها و الاحتياط فيها في موارد احتمال الوجوب أو في مورد احتمال الاستحباب.

نعم في الموارد التي لا إشكال فيها من ناحية اعتبار الاطاعة التفصيلية، كما لو علم بأنّها مطلوبة لكن تردّد في ذلك الطلب هل هو وجوبي أو استحبابي، لم يكن الإشكال في صحّة الاحتياط فيها من ناحية اعتبار الاطاعة التفصيلية، بل يكون الإشكال فيها من ناحية قصد الوجه و التمييز، فيكون بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد مختصّاً بهذه الصورة، أعني ما لو علم الطلب و تردّد بين الوجوب و الاستحباب.

و الحاصل: أنّ البحث عن اعتبار نيّة الوجه و كذلك التمييز إنّما يساق لأجل تصحيح الاحتياط في العبادة في مقام التردّد بين وجوب العمل و استحبابه بعد الفراغ عن إحراز تعلّق الطلب به، سواء كان ذلك المتعلّق هو تمام العمل أو كان هو جزأه، و البحث عن الاكتفاء بالاطاعة الاحتمالية في قبال اعتبار الاطاعة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 266.

478

التفصيلية إنّما يكون مسوقاً للبحث عن تصحيح الاحتياط في الموارد التي يكون التردّد فيها بين الوجوب و عدمه، سواء كان ذلك بالنسبة إلى تمام العمل أو كان بالنسبة إلى بعض أجزائه، و سواء كان ذلك مقروناً بالعلم الاجمالي أو كان شبهة بدوية، و أمّا التردّد في العمل بين الاستحباب و عدمه فهو من ذيول هذه المسألة و لواحقها، فراجع ما حرّرناه عنه (قدس سره) في هذه المسائل و ما علّقناه على ذلك التحرير في هذا المقام و في مباحث القطع‏ (1).

قوله: و أمّا إذا كانت غير محرزة كالأُصول الغير التنزيلية ... الخ‏ (2).

كما لو فرض أنّ أحد الفعلين المعلوم وجوب أحدهما بالاجمال مجرى لأصالة الاشتغال، و الآخر مجرى للأصل النافي، كما لو كان بعد المغرب و علم بأنّه إمّا لم يصلّ المغرب أو أنّه قد فاتته صلاة العصر، فإنّ عليه أن يأتي بالمغرب لأصالة الاشتغال، و لا يجب عليه قضاء العصر لكون الشكّ فيها بعد الوقت، لكن لا مانع من الاتيان بها احتياطاً قبل المغرب أو بعدها. بل قد يقال: إنّ الأولى الاتيان بها قبل المغرب، نظراً إلى أنّ فائتة اليوم يقدّم قضاؤها على الحاضرة، بل ربما نقول بوجوب التقديم حتّى لو كان المثبت لبقاء المغرب الاستصحاب أو البيّنة و نحوها، فتأمّل فإنّ هذا التقديم إنّما هو فيما لو كان كلّ منهما قد فاته، بحيث إنّه لم يصلّ العصر كما أنّه إلى الآن لم يصلّ المغرب، أمّا لو كان الفائت هو أحدهما فلا يتأتّى التقديم المذكور، لأنّه إنّما يحتاج في الاتيان بالعصر لاحتمال أنّها هي الفائتة دون المغرب، و على هذا التقدير يكون قد قدّم المغرب و أخلّ‏

____________

(1) الظاهر أنّه (قدس سره) يقصد بذلك تحريراته المخطوطة عن شيخه (قدس سره)، و على أيّ حال راجع حواشيه (قدس سره) في المجلّد السادس من هذا الكتاب: 166 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 266.

479

بالترتيب غفلة، فيكون وجوبه ساقطاً.

و الأولى أن يمثّل لذلك بالعلم الاجمالي المردّد بين عدم الاتيان بالمغرب أو حدوث آية توجب صلاة الآيات، و السرّ في عدم لزوم التقديم في هذه الصورة هو أنّ الأصل غير الاحرازي لا يكون العمل على طبقه إلّا من باب الاحتياط، فلا يكون مشتملًا على الاطاعة التفصيلية، غايته أنّ الاحتياط معه لازم بخلاف ما قابله، و هذا لا يوجب التقديم، و أمّا ما أُفيد في وجهه فلا يخلو عن تأمّل أو تسامح.

قوله: و إن قلنا بالحكومة فحكمه حكم الأصل الغير المحرز من عدم وجوب ذلك، و لا يخفى وجهه‏ (1).

و لكن جريان إعمال الظنّ هنا من باب الحكومة، الذي هو عبارة عن تبعيض الاحتياط بالأخذ بما هو المظنون من التكاليف و إسقاط الاحتياط في غير المظنون لا يخلو عن تأمّل، فإنّ العلم الاجمالي الخاصّ بالمسألة الذي هو عبارة عن العلم بوجوب الظهر أو الجمعة، يكون حاكماً بلزوم الاتيان بهما معاً، و لا ينحلّ هذا العلم الاجمالي بكون أحد طرفيه مظنوناً، فلاحظ و تأمّل.

قوله: نعم، يعتبر في حسن الاحتياط عقلًا عدم التمكّن من إزالة الشبهة، فإنّ مراتب الامتثال عقلًا أربعة: الأوّل الامتثال التفصيلي ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ الذي له مساس بما نحن فيه من اعتبار الاطاعة التفصيلية في قبال الاكتفاء بالاطاعة الاحتمالية إنّما هو المرتبة الأُولى و المرتبة الرابعة، فإنّ كلًا

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 266.

(2) فوائد الأُصول 4: 269.

480

من الامتثال الاجمالي و الامتثال الظنّي (بالظنّ غير المعتبر) راجع إلى الاطاعة الاحتمالية. نعم هذه المراتب متأتّية في حكم العقل بلزوم الاطاعة و الخروج عن عهدة التكليف بعد فرض تنجّزه، فالمرتبة الأُولى هي الخروج القطعي، و الثانية هي الخروج الظنّي، و الثالثة هي الخروج الاحتمالي، لكن الخروج الاجمالي يكون داخلًا في الخروج القطعي، إذ لا يفرق العقل في الحكم بلزوم الخروج القطعي عن عهدة التكليف الأعمّ من التعبّدي و التوصّلي، بين الخروج التفصيلي و الخروج الاجمالي، كما أنّه لا يبعد أن يكون الخروج الظنّي بالظن غير المعتبر في هذا الحكم العقلي في مرتبة الخروج الاحتمالي، و حينئذٍ فلا تكون المراتب إلّا اثنتين: الخروج القطعي و الخروج الاحتمالي.

و الحاصل: أنّه بناءً على تقدّم الاطاعة التفصيلية في باب العبادات على الاطاعة الاحتمالية، لا يكون لنا إلّا مرتبتان: الاطاعة التفصيلية المقرونة بالعلم التفصيلي أو ما يقوم مقامه بأنّ هذا الذي يأتي به مأمور به، و الاطاعة الاحتمالية المقرونة باحتمال كونه مأموراً به.

نعم، بعد تعذّر الاطاعة التفصيلية لو دار الأمر بين الاطاعة الظنّية بأن يأتي بما يظن كونه مأموراً به، أو الاطاعة الاحتمالية بأن يأتي بالطرف الآخر الذي يحتمل أنّه مأمور به، ربما يقال بتقدّم الأُولى على الثانية، كما لو احتمل احتمالًا بدوياً وجوب أحد الفعلين و كان لا يمكنه الفحص، أو كان بعد الفحص و كان لا يتمكّن من الجمع بينهما، و كان أحدهما مظنون الوجوب و الآخر محتمل الوجوب، فتأمّل. هذا في الطاعة في باب العبادات.

و أمّا الاطاعة بالمعنى الأعمّ، و هي التي يحكم بها العقل في مقابل العصيان و المخالفة التي تكون جارية في العبادات و التوصّليات، فليس لها أيضاً إلّا مرتبتان‏

481

الأُولى الخروج اليقيني عمّا اشتغلت به الذمّة، سواء كان ذلك في ضمن الاحتياط المتوقّف على التكرار، أو غير المتوقّف على التكرار، أو كان في ضمن الاتيان بما علم تفصيلًا أنّه المأمور به. و الثانية الخروج الاحتمالي، و ذلك منحصر في الموارد التي لا يمكن الاحتياط فيها بعد فرض تنجّز التكليف بالنسبة إليها. و لو سلّمنا تقدّم الخروج الظنّي على الخروج الاحتمالي لا تكون المراتب إلّا ثلاثة، فراجع ما حرّرناه في هذه المراتب عند الكلام على ما أُفيد فيها في مباحث القطع‏ (1).

قوله: لأنّ حقيقة الطاعة هي أن تكون إرادة العبد تبعاً لإرادة المولى بانبعاثه عن بعثه و تحرّكه عن تحريكه، و هذا يتوقّف على العلم بتعلّق البعث و التحريك ... الخ‏ (2).

تقدّم البحث على ذلك في مباحث القطع‏ (3) و أنّه ليس لنا في باب العبادة إلّا لزوم الاتيان بها بداعي أمرها، و ذلك عبارة أُخرى عن اعتبار كون الباعث و المحرّك للاتيان بها هو الأمر المتعلّق بها، و قد حرّرنا هناك وقوعها بداعي الأمر فيما لو كان الأمر حين الاتيان بها محتملًا و قد صادف الواقع، و إلّا لم يكن الاحتياط ممكناً حتّى فيما لو لم يكن تحصيل العلم بالأمر ممكناً، و ليست الطاعة المعتبرة في العبادة هي الطاعة العقلية حتّى نقول فيها بجريان المرتبتين المذكورتين، و أنّه لا يتنزّل عن الأُولى إلى الثانية إلّا بعد العجز عن الأُولى.

____________

(1) راجع المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 198 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 269.

(3) في المجلّد السادس من هذا الكتاب، راجع الحاشية المفصّلة في الصفحة: 172 و ما بعدها.

482

و أمّا الانقياد و العبودية و حكم العقل بحسنها فذلك أمر آخر، لا دخل له في قصد التقرّب المعتبر في العبادة الذي هو عبارة عن الاتيان بها بداعي الأمر، الذي قلنا إنّه معتبر فيها بأمر آخر يكون بالنسبة إلى الأمر المتعلّق بنفس العمل من قبيل متمّم الجعل.

و لو سلّمنا أنّ ذلك المعتبر في العبادة بطريقة متمّم الجعل هو نفس الانقياد و العبودية، فلا نسلّم حكم العقل بتقدّم الانقياد التفصيلي على الانقياد الاحتمالي.

و الحاصل: أنّ المكلّف الآتي بما يحتمل كونه مطلوباً منه بمجرّد الاحتمال من دون فحص مع تمكّنه منه، لا نسلّم أنّ العقل يقبّح عمله هذا و لا يعدّه إطاعة و انقياداً.

و لكن تقدّم الإشكال في ذلك، و أنّ الطاعة التي يحكم بها العقل و يلزم بها هي غير الطاعة التي يحسّنها و لا يلزم بها، و الأُولى في قبال العصيان، و الثانية بمعنى الانقياد و التعبّد، و الثانية مستحبّة في التوصّليات واجبة في العبادات، و الإشكال إنّما هو في الثانية.

[بحث مبسوط فيما يتعلّق بقصد الوجه في العبادات و فروع فقهية مرتبطة بالبحث‏]

قوله: فإنّ المدّعى كفاية قصد الأمر الواقعي بما له من الوصف إجمالًا و إن لم يعلم به تفصيلًا ... الخ‏ (1).

و ذلك لأنّ المفروض هو العلم بالطلب الواقعي المتعلّق بذلك الفعل، و إنّما كان التردّد فيه بين كونه واجباً أو مستحبّاً، فإذا قصد المكلّف ذلك الطلب الواقعي غير ناظر إلى جهة وجوبه و لا إلى جهة استحبابه، بأن يكون الباعث و المحرّك له على الاتيان بالفعل هو نفس ذلك الطلب الواقعي، و كان قد تحرّك عنه، كفى في صدق الطاعة و إن لم يكن ناظراً إلى جهة الوجوب أو الاستحباب، فضلًا عن‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 267.

483

اعتبار أخذ أحدهما صفة للفعل الذي يأتي به، سواء قلنا إنّ المقصود بالوجه المدّعى اعتباره هو العلم بكون ما يأتي به واجباً، أو قلنا بأنّ المقصود منه هو توصيف المأتي به بكونه واجباً، فإنّ ذلك لا دخل له بالطاعة، و مثال ذلك يوم الشكّ من آخر شعبان، فإنّه و إن اشتمل على خصوصية هي جريان استصحاب شعبان، القاضي بكونه مستحبّاً، فيأتي به بعنوان الاستحباب، و إن كان لو تبيّن الخلاف أجزأه من رمضان، إلّا أنّ هذه الخصوصية لا تتأتّى في غيره ممّا هو مورد الدوران بين الوجوب و الاستحباب، فإنّه لو قصد خصوص الاستحباب لأصل أو أمارة تقتضي ذلك ثمّ تبيّن الخلاف، لم يجزه عن الواجب إلّا بنحو من الخطأ في التطبيق. و على أيّ حال، أنّ هذا اليوم المردّد فيه الصوم بين الوجوب و الاستحباب يمكن الاحتياط فيه، بأن يأتي به بداعي احتمال وجوبه، و يمكن أن يأتي به بذلك الطلب الواقعي المردّد بين الوجوب و الاستحباب.

و الطريقة الأُولى فاقدة للجزم و لقصد الوجه، و الطريقة الثانية لم تفقد الجزم و إنّما فقدت الوجه. و ينبغي أن تكون الطريقة الثانية مقدّمة على الطريقة الأُولى عند القائلين بأنّ الاطاعة الجزمية عند التمكّن منها مقدّمة على الاطاعة الاحتمالية، فلو دار الأمر في تكبير الركوع مثلًا بين الوجوب و الاستحباب، يتعيّن الاتيان به بداعي الطلب لا بداعي احتمال الوجوب.

و مما ينبغي الالتفات إليه هو أنّ القائلين باعتبار الوجه لا يحصرون فساد الاحتياط من أجل اعتباره بخصوص هذه الصورة، و هي ما لو علم الطلب و تردّد بين كونه وجوبياً أو استحبابياً كما ربما يتراءى من هذا التحرير، حيث إنّه حصر الكلام معهم في صورة العلم بالطلب مع تردّده بين الوجوب و الاستحباب، و نحن‏

484

قد جرينا في الحاشية السابقة (1) على ذلك اعتماداً على هذا الذي يتراءى من ظاهر هذا التحرير، و على ما وجدناه في مطويات تحريرنا عن شيخنا (قدس سره)، و لكن الظاهر أنّ مسلكهم أوسع من ذلك، فإنّهم يفسدون من أجل اعتبار نية الوجه كلّ احتياط حتّى في مورد العلم بالوجوب المردّد بين المتباينين، و حتّى في مورد الشبهة البدوية باحتمال الوجوب في قبال عدمه، فإنّ المكلّف عند إتيانه بأحد الفعلين من الجمعة أو الظهر لا يعلم بأنّه واجب، فلم يكن قد حصل له قصد الوجه بذلك الفعل. و هكذا الحال في الشبهات البدوية، فإنّه لو احتمل وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و أراد الاحتياط بالاتيان به لاحتمال وجوبه، لا يكون حاصلًا على قصد الوجه، لعدم علمه بوجوبه فكيف يمكنه قصد وجوبه، و لأجل ذلك حكموا ببطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد، و إلّا فإنّ سقوط الاحتياط في خصوص الدوران بين الوجوب و الاستحباب لا يوجب بطلان العبادة بقول مطلق.

ثمّ إنّ المكلّف في مورد احتمال الطلب الوجوبي في قبال احتمال استحبابه قد عرفت أنّه يمكنه الاحتياط بالاتيان بالفعل بداعي احتمال وجوبه، كما يمكنه أن يأتي به بداعي ذلك الطلب الواقعي الذي لا يعلمه أنّه هو الوجوب أو الاستحباب، لكن هذه الطريقة الثانية إنّما تتأتّى فيما لو لم يكن في البين إلّا طلب واحد، و قد تردّد ذلك الطلب الواحد المعلوم بين كونه وجوبياً أو كونه استحبابياً كما عرفته في مثال صوم يوم الشكّ من شعبان، أمّا لو احتمل الوجوب زائداً على الاستحباب المعلوم، بحيث إنّه كان يحتمل أنّ هناك طلبين، أحدهما وجوبي و الآخر استحبابي، كما لو احتمل أنّ في ذمّته قضاء صوم يوم واحد، فهو عالم بأنّه‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 477.

485

يستحبّ له صوم غد، لكن يحتمل أنّه مشغول الذمّة بصوم يوم واحد، فإن أراد الاحتياط في صوم غد يتعيّن عليه أن يأتي به بداعي احتمال الوجوب، و لا يكفيه نيّة مطلق الطلب، فإنّ ذلك لا يكفيه عن صوم اليوم الذي اشتغلت به ذمّته لو اتّفق أنّه كان مشغول الذمّة بقضاء صوم يوم واحد.

و من ذلك يظهر لك الإشكال فيما ربما يقع في كلماتهم في الرسائل العملية من الأمر بالاحتياط بالاتيان بالجزء المشكوك فيه بقصد القربة المطلقة فيما لو كان ذلك الجزء الذي حصل الشكّ في الاتيان به ذكراً أو دعاء أو قرآناً، كما يظهر لك ذلك من مراجعة كلماتهم في مسألة الظنّ في الأفعال إذا حصل له الظنّ بعدم الاتيان بعد تجاوز المحل، أو الظنّ بالاتيان و هو في المحل، و كما فيما لو كان المأموم في الأُولى أو الثانية و احتمل كون الإمام في الثالثة مثلًا، فإنّهم ربما قالوا إنّه يقرأ بقصد القربة المطلقة.

فإنّه إن كان المراد بذلك هو أن يقرأ بداعي احتمال كونه واجباً عليه كان حسناً، إلّا أنّه لا يحسن التعبير عن ذلك بقصد القربة المطلقة. و إن كان المراد هو الاتيان بقصد أمره الواقعي، فهو إنّما يحسن فيما لو كان على تقدير الوجوب لا يكون ذلك الجزء مستحبّاً، كما أنّه لو كان مستحبّاً لا يكون واجباً، فهو يقصد امتثال أمره الواقعي على ما هو عليه من الوجوب أو الاستحباب. أمّا (1) إذا فرضنا أنّه على تقدير كونه واجباً لا يكون تحقّق وجوبه واقعاً موجباً لانتفاء الأمر الاستحبابي، على وجه أنّه مع تحقّق الوجوب يمكنه أن يأتي به أوّلًا بداعي الأمر الاستحبابي ثمّ يأتي به بعد ذلك بداعي أمره الوجوبي، كما في من عليه قضاء صوم يوم واحد، فإنّه يصحّ له أن يصوم غداً بداعي الأمر الاستحبابي، ثمّ بعد

____________

(1) [لم يذكر (قدس سره) جواب «أمّا» و لعلّه لوضوحه‏].

486

ذلك يأتي بما هو الواجب عليه من القضاء في صوم يوم آخر.

نعم، إنّ في مثل القراءة و نحوها ممّا يكون المطلوب هو صرف الطبيعة يمكن القول بأنّه مع كونها واجبة لا يبقى مجال للأمر الاستحبابي، إذ لا يجتمع الطلبان مع وحدة المتعلّق الذي هو صرف الطبيعة، بل لا بدّ أن يندكّ الاستحباب بالوجوب، و لا يكون في البين إلّا طلب واحد وجوبي، فعند احتمال الوجوب تكون المسألة من قبيل العلم بالطلب الواحد المردّد بين الوجوب و الاستحباب.

و هكذا الحال في الوضوء الاستحبابي عند دخول وقت الصلاة القاضي بوجوبه.

أمّا في مثل ما عرفت من صوم القضاء المحتمل فلا تتأتّى فيه هذه الطريقة بل يتعيّن فيه الاتيان بصوم غد لاحتمال كونه واجباً عليه. أمّا لو قصد أنّه إن كان مشغول الذمّة بالقضاء فهذا اليوم يصومه امتثالًا للأمر بالقضاء، و إن لم يكن مشغول الذمّة بذلك فهذا اليوم يصومه امتثالًا للأمر الندبي، فذلك باطل لكونه من التعليق في الامتثال، و نظيره ما ذكروه في صوم يوم الشكّ من شعبان أو رمضان.

و ما ربما يقال من أنّه لا مانع من هذا التعليق عقلًا، ففيه ما لا يخفى، حيث إنّ الامتثال بمعنى الاندفاع و الانبعاث الخارجي، فهو إمّا أن يكون واقعاً و إمّا أن لا يكون واقعاً، و لا معنى لكونه واقعاً على هذا التقدير دون ذلك التقدير، إلّا أن يرجع إلى الانبعاث عن الأمر الواقعي المتوجّه إليه، سواء كان ندبياً أو كان وجوبياً و فيه تأمّل، إذ فرق بين هذه الصورة و ما هو محلّ الكلام من أنّه إن كان وجوباً فأنا أنبعث عن الوجوب، و إن كان ندباً فأنا أنبعث عن الندب، فإنّ انبعاثه في كلّ منهما على تقديره، فهو لم يوجد الانبعاث و إنّما علّق الانبعاث على ذلك التقدير فلاحظ.

487

و ينبغي مراجعة المسألة الثانية عشرة من ختام الزكاة من العروة (1) و مراجعة ما علّقناه على هذه المسألة في ملحق حواشي ص 28 من الجزء الأوّل‏ (2).

قال في العروة في مسألة الظنّ في الأقوال: إن كان المشكوك قراءة أو ذكراً أو دعاءً يتحقّق الاحتياط باتيانه بقصد القربة (3) (المطلقة). و قال في أحكام الجماعة: و أمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة، بل الاستحباب قوي، لكن الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنيّة الجزئية (4). و قال: إذا حضر المأموم الجماعة و لم يدر أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين، قرأ الحمد و السورة بقصد القربة (5).

و نحو ذلك لشيخنا (قدس سره) في حواشيه على مسائل قاعدة التجاوز، فراجع الحاشية الثانية من ص 415، و الحاشية الرابعة ص 416 (6)، و قد ذكر في العروة

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 4: 178.

(2) راجع الفائدة المذكورة في المجلّد السادس من هذا الكتاب في الصفحة: 204 و ما بعدها.

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 319- 320 المسألة 16/ فصل: الشكوك التي لا اعتبار بها.

(4) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 154 المسألة 1/ فصل: في أحكام الجماعة.

(5) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 170 المسألة 25/ فصل: في أحكام الجماعة.

(6) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 235/ ضمن المسألة (10) تعليقة (1)، 3: 237/ مسألة (12).

488

لصوم يوم الشكّ صوراً أربعاً، رابعتها صومه بقصد القربة (1)، و لم يذكر صومه بداعي احتمال وجوبه.

و لعلّ السرّ في عدم التعبير في هذه المسائل بالاحتياط بالاتيان بالمحتمل بداعي احتمال وجوبه، هو تقدّم الاطاعة الجزمية على الاطاعة الاحتمالية، فإن كان ذلك هو السرّ في ذلك التعبير، فلِمَ لم يلاحظوه في مثل التكبير للركوع و الإقامة، و نحو ذلك ممّا ورد فيه الأمر بالخصوص و تردّد أمره المذكور بين الوجوب و الاستحباب، فإنّهم لم يعبّروا بأنّ الأحوط هو التكبير أو الاقامة بقصد القربة المطلقة، بل قالوا: يستحبّ التكبير و الأحوط عدم تركه. و هكذا في الاقامة و نحوها ممّا يدور الأمر فيه بين الاستحباب الشخصي النفسي و بين الوجوب‏ (2)، بخلاف ما يدور الأمر فيه بين الوجوب و الاستحباب الكلّي المتعلّق بكلّي الذكر و القرآن و الدعاء، فإنّهم لا يعبّرون في أمثال هذه المقامات بمثل: و الأحوط الاتيان به، بل يعبّرون في أمثاله بالاتيان بقصد القربة المطلقة، إلّا فيما لو خالف في الجهر و الاخفات جهلًا أو نسياناً و تذكّر قبل الركوع، فإنّه في العروة في مسألة 22 من مباحث القراءة بعد أن أفتى بعدم وجوب الاعادة قال: لكن الأحوط الاعادة (3)

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 536- 537 المسألة 17/ فصل: في النيّة.

(2) و من ذلك قوله في صيغة السلام عليك أيّها النبي: إنّه ليس واجباً بل هو مستحب، و إن كان الأحوط عدم تركه لوجود القائل بوجوبه [العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 595/ فصل: في التسليم‏]. و هكذا القنوت، فإنّه قال: الأحوط عدم تركه في الجهرية [المصدر المتقدّم: 607] و هكذا في الصلاة على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عند ذكره، فإنّه قال: بل الأحوط عدم تركها [منه (قدس سره)، راجع المصدر المتقدّم: 619].

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 509 (و فيه: و إن كان الأحوط في هذه الصورة الإعادة).

489

لكنّه في أحكام الخلل ذكر هذه المسألة و علّق- على قوله: «و إن كان» (1)- شيخنا (قدس سره) بقوله: بقصد القربة المطلقة (2)، فهل يرون أنّ قصد الاستحباب المطلق من باب مطلق الذكر أو القرآن يغني عن الوجوب لو اتّفق أنّه في الواقع كان واجباً، كما ذكره في مسائل وجوب ردّ السلام فقال في مسألة 28: لو شكّ المصلّي في أنّ المسلّم سلّم بأي صيغة، فالأحوط أن يردّ بقوله: سلام عليكم، بقصد القرآن أو الدعاء (3). و كما ذكره أيضاً في مسألة 18 من الصفحة المذكورة و عليها حاشية شيخنا (قدس سره) تؤكّد كون الأحوط هو قصد القرآنية (4)، و ظاهره بل ظاهر المتن أيضاً كون الاحتياط وجوبياً، إلّا أنّ هذا لا دخل له فيما نحن فيه، لأنّه في صورة العلم بالسلام الصحيح يقول: إنّه يجوز الردّ بقصد القرآنية، كما هو الظاهر من قوله في مسألة 17: نعم لو قصد القرآنية في الجواب فلا بأس بعدم المماثلة.

فهل تراهم يسوّغون للمصلّي قراءة الفاتحة في الركعة الأُولى أو الثانية لا بقصد الجزئية، بل بقصد مطلق القرآنية، بحيث إنّه يقرأها كما لو قرأها بين السجدتين مثلًا من باب استحباب مطلق القرآن، و يكون ذلك كافياً في سقوط الأمر الوجوبي المتعلّق بها بما أنّها جزء من الصلاة، إنّ ذلك بعيد.

لا يقال: لعلّ مرادهم بقصد القربة المطلقة هو ما يذكرونه فيما كان معلوم الوجوب من أنّه لا يجب فيه قصد الأمر، بل يكفي قصد مطلق التقرّب.

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 226 المسألة 19.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 226 المسألة 19.

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 23- 24/ فصل: في مبطلات الصلاة.

(4) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 18/ فصل: في مبطلات الصلاة.

490

لأنّا نقول: إنّ ذلك- أعني قصد مطلق التقرّب- إنّما ينفع فيما أُحرز الوجوب لأنّه ينطبق عليه قهراً، و كذلك فيما لو لم يكن إلّا أمر واحد مردّد بين الوجوب و الاستحباب، فإنّ قصد مطلق القربة في ذلك يكفي لانطباقه على ذلك الطلب المعلوم، أمّا لو كان في البين طلبان وجوبي و استحبابي، و كان المأتي به صالحاً لكلّ منهما، فلا ينفع فيه قصد مطلق القربة، لأنّه لا يتعيّن أنّه للأوّل أو أنّه للثاني، فلا يكون مسقطاً للوجوب، كما لا يكون مسقطاً للاستحباب، كما أنّه لا يسقطهما معاً.

و من قبيل ما تقدّم ذكره من موارد التردّد بين الأمرين الوجوبي و الاستحبابي الذي عرفت أنّه يصحّ فيه الاتيان بداعي مطلق الطلب، ما لو تردّد الحكم في القراءة في الصلاة بين الجهر و الاخفات، فإنّه لو كان الواجب هو أحدهما كان الآخر مستحبّاً، و حينئذٍ فلو اقتصر على أحدهما لم يحصل على الخروج اليقيني، سواء جاء به بداعي مطلق الطلب، أو جاء به بداعي احتمال وجوبه، بل يتعيّن عليه التكرار، و يأتي بكلّ واحدة منهما بداعي مطلق الطلب أو بداعي احتمال وجوبه. و في التحرير عن شيخنا (قدس سره) المطبوع في صيدا عبارة في هذه المسألة لم أتوفّق لتحصيل المراد منها، فاللازم ملاحظتها و التأمّل فيما هو المراد منها.

قال في بيان جواز الاحتياط بتكرار القراءة في موارد التردّد بين الجهر و الاخفات و لو قبل الفحص ما هذا لفظه: و ذلك لأنّه إذا جاز للمكلّف الاتيان بالقراءة التي ليست جزءاً للصلاة في ضمنها بقصد القرآنية- كما هو المفروض في المقام- فلا محالة يصحّ له الاتيان بالأمرين، و يقصد كون ما هو المأمور به في ضمن الصلاة جزءاً لها، و كون الآخر قرآناً في ضمنها، غاية الأمر أنّه لا يميّز

491

الجزء من غيره، و لا بأس به بعد حصول القربة و العبادية الخ‏ (1)، و صرّح بنظير ذلك في الوسيلة في أوائل مسائل الاحتياط فقال: ناوياً بذلك جزئية ما هو الأفضل منهما و قرآنية الآخر الخ‏ (2).

و ظاهره أنّ الأمر القرآني موجود و لو قبل الاتيان بالقراءة الواجبة، ليتسنّى للمكلّف في الصورة المفروضة الاتيان بهما، و يقصد أنّ أحدهما هو الواجب و الآخر هو المستحبّ و لو صادف أنّ الواجب هو المتأخّر، و قد عرفت فيما مضى اندكاك الاستحباب قبل الاتيان بالواجب، و على هذا الاندكاك صحّحنا قولهم يأتي بالقراءة بقصد القربة المطلقة في الموارد المتقدّمة.

ثمّ إنّا لو سلّمنا اجتماع الأمرين الوجوبي و الاستحبابي مع اشتباه المتعلّق و تردّده بين الجهرية و الاخفاتية، بحيث إنّه يعلم فعلًا أنّه مخاطب بكلّ من الوجوب و الاستحباب، و تردّد في متعلّق الوجوب هل هو الجهرية فيكون الاخفاتية مستحبّة أو بالعكس، لا بدّ في طريق الاحتياط ما عرفت من الاتيان بكلّ منهما بداعي احتمال وجوبه نظير الجمعة و الظهر، أو الاتيان بكلّ واحد منهما بداعي كونه مطلوباً بالأعمّ من الوجوبي و الندبي، أمّا الاتيان بمجموع الطرفين امتثالًا للأمرين و يوكل ذلك إلى الواقع، فالوجوب يأخذ متعلّقه و الندب يأخذ متعلّقه كما هو ظاهر العبارة، فلا يخلو عن تأمّل بل منع، و ينبغي ملاحظة ما أُفيد في تحرير الشيخ (رحمه اللَّه) في الجزء الأوّل ص 166 و ملاحظة ما علّقناه هناك‏ (3)

____________

(1) أجود التقريرات 3: 545.

(2) وسيلة النجاة: (د) [لا يخفى أنّه قد رمز للصفحات الأُولى منها بالحروف‏].

(3) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد السابع من هذا الكتاب في الصفحة: 352 و ما بعدها.

492

و الحاصل: أنّ ما ذكرناه من أنّه يأتي بالجهرية مثلًا بداعي طلبها المتعلّق بها الذي لا يعلمه أنّه وجوبي أو استحبابي، و هكذا الحال في الاتيان ثانياً بالاخفاتية إنّما يتمّ بناءً على الاندكاك، فإنّه حينئذ لو كانت الجهرية واجبة لم تكن مستحبّة، و كذلك الحال في الاخفاتية، و حينئذٍ يعلم أنّ كلًا منهما مطلوب بطلب واحد مردّد بين الوجوب و الاستحباب. أمّا بناءً على عدم الاندكاك فلا يتمّ ذلك، لأنّ الجهرية لو كانت واجبة فهي أيضاً مستحبّة باعتبار مطلق القرآن، على وجه لو علم بأنّ الجهرية واجبة يصحّ له أن يأتي بالجهرية بقصد القرآن ثمّ يأتي بها ثانياً بقصد الوجوب، فهذا المكلّف الشاكّ المردّد بينهما عند ما يأتي بالجهرية مثلًا، لا يمكنه أن يقول أنا آتي بالجهرية بداعي طلبها الواقعي الذي لا أعرفه أنّه الوجوب أو الاستحباب، لأنّ المفروض أنّها لو كانت واجبة لكان هناك طلب آخر متعلّق بها أعني الطلب الاستحبابي، فيكون ذلك نظير ما مرّ من المثال، أعني من كان يحتمل أنّه مشغول الذمّة بقضاء يوم واحد، و بناءً على ذلك لا يمكنه الاحتياط إلّا بأن يأتي بكلّ منهما بداعي احتمال وجوبه.

لا يقال: هذا في الاتيان الأوّل، و أمّا الثاني فهو مطلوب بطلب واحد مردّد بين الوجوب و الاستحباب، لأنّ الواجب إن انطبق على الأوّل تعيّن كون الثاني مستحبّاً، و إن لم ينطبق عليه تعيّن كون الثاني واجباً.

لأنّا نقول: إنّ الأوّل إذا لم ينطبق عليه الوجوب لا يتعيّن كون الثاني واجباً، لأنّ الثاني و هو الاجهار مثلًا لو كان هو الواجب يكون معه استحباب مطلق القراءة بقصد القرآنية، و هو ينطبق على الجهرية أيضاً، فتكون الجهرية حينئذ صالحة للوجوب و الاستحباب و يجتمع فيها الأمران.

493

قوله: مع أنّه لا وجه لتخصيص ذلك بالعبادات، بل ينبغي التعميم للتوصّليات أيضاً لابتناء جميع الأوامر على المصالح بناءً على أُصول العدلية (1).

فيه تأمّل، لأنّ وجه التخصيص بالعبادات هو توقّف صحّتها على قصد القربة المتوقّف بحسب دعوى المدّعي على قصد الجهة، و هذا بخلاف التوصّليات فإنّها و إن كانت عن مصالح فيها، إلّا أنّها لمّا لم يعتبر فيها قصد القربة لم يكن في البين ما يوجب قصد الجهة فيها. و مما يشهد بذلك عبارة المحقّق الطوسي في التجريد و عبارة العلّامة (قدس سره) في شرحه، فإنّهما جعلا ذلك- أعني القصد المذكور- شرطاً في استحقاق المدح و الثواب، و قد نقلنا عبارتهما في مبحث القطع عند الكلام على نيّة الوجه فراجع‏ (2)، بل قلنا هناك: إنّ هذه العبائر لا دخل لها بالوجه الذي أخذه الفقهاء شرطاً في العبادة، الذي هو عبارة عن لزوم معرفة وجه الطلب من وجوب أو ندب أو لزوم قصد ذلك الوجه، كما هو الظاهر من تحرير السيّد سلّمه اللَّه بقوله: و الاتيان بالواجب بداعي الاحتمال يكون مخلًّا بمعرفة الوجه و نيّته الخ‏ (3). و هو مشروح فيما حرّرته عنه (قدس سره) بأوضح من ذلك فراجعه‏ (4)، بل جلّ النظر فيها إلى لزوم كون الأمر داعياً في ترتّب الثواب، فلاحظ.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 267- 268.

(2) راجع المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 165- 166.

(3) أجود التقريرات 3: 541.

(4) [مخطوط لم يطبع بعدُ].

494

قوله: و أمّا الثاني: فلأنّه لم نعثر فيما بأيدينا ... الخ‏ (1).

اختصاص هذه الطريقة- أعني عدم الدليل دليل العدم- في نيّة الوجه دون أصل قصد القربة إنّما يتمّ على مسلك من يقول- كصاحب الكفاية (قدس سره)(2)- بأصالة الاشتغال فيها، حيث إنّه لا يجب على الحكيم بيان توقّف غرضه عليها، لامكان اتّكاله في ذلك على التفات عامّة المكلّفين إليها فيحصل لهم الشكّ، فتلزمهم عقولهم بالاحتياط بالاتيان بها، و حينئذٍ لا يفوت غرض الشارع، بخلاف مثل قصد الوجه حيث إنّه لا يلتفت إليه عامّة المكلّفين، فلو كان غرضه متوقّفاً عليه لوجب عليه بيانه، و إلّا لكان قد ضاع غرضه.

أمّا على مسلك شيخنا (قدس سره)(3) من الرجوع في أصل قصد القربة إلى البراءة فلا اختصاص له بقصد الوجه، بل يجري في أصل قصد القربة، لأنّ الشارع بعد علمه بأنّ المكلّفين لو حصل لهم الشكّ في اعتبار قصد القربة لرجعوا إلى البراءة، يكون اللازم عليه لو كان غرضه متوقّفاً عليها بيان ذلك، و حيث لم يبيّن ذلك في الأخبار، كان ذلك دليلًا اجتهادياً على عدم دخلها فيه من دون حاجة إلى البراءة.

و لكن لا يخفى الفرق بين قصد القربة و بين نيّة [الوجه‏]، فإنّ عدم الوجدان في الأوّل لا يدلّ على عدم الصدور، لجواز الصدور مع أنّه لم يصل إلينا، لعدم توفّر الدواعي إلى نقله، بخلاف الثاني فإنّ الدواعي إلى نقله متوفّرة لو كان قد صدر من جانب الشارع.

و حاصل الأمر: أنّا ننتقل من عدم وجدان ما يدلّ على الاعتبار إلى عدم‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 268.

(2) كفاية الأُصول: 75- 76.

(3) فوائد الأُصول 1- 2: 163- 169.

495

وجوده و عدم صدوره من جانب الشارع، و من عدم وجوده و عدم صدوره من جانب الشارع إلى عدم اعتباره عنده، و كثرة الابتلاء لها الدخل في المقدّمة الأُولى و لا ربط لها بالمقدّمة الثانية، و الذي له دخل في المقدّمة الثانية على رأي شيخنا (قدس سره) هو أنّ هذه المسألة ليست ممّا يحكم بلزومها العقل، و على رأي صاحب الكفاية (قدس سره) هو أنّ هذه المسألة ممّا يغفل عنها العامّة.

و منه يظهر لك أنّ كثرة الابتلاء لا بدّ من أخذها، سواء على رأي شيخنا (قدس سره) أو على رأي صاحب الكفاية، لأنّ عدم وجداننا الدليل على الاعتبار لا يدلّ على عدم صدوره من جانب الشارع، لجواز أن يكون قد صدر منه و لم يصل إلينا، فنحن نسدّ هذا الاحتمال بأنّ المسألة لمّا كانت كثيرة البلوى كانت الدواعي إلى نقل ذلك الصادر من جانب الشارع متوفّرة، على وجه أنّه يحصل لنا العلم العادي بأنّه لو صدر لوصل إلينا لكثرة الدواعي على نقله، و بهذه المقدّمة يخرج الشكّ في أصل القربة فيما لو أُمرنا بشي‏ء و نشكّ في عباديته، إذ ليس هو مثل أخذ نيّة الوجه في جميع العباديات في كثرة الابتلاء الموجبة لكثرة النقل و الوصول إلينا. و أمّا مسألة الغفلة فكأنّها دخلت فيما أفاده شيخنا (قدس سره) بطريق التسليم، و هو أنّا لو سلّمنا أنّ العقل حاكم بلزوم الاتيان، لكان ممّا لا يصحّ للشارع الاعتماد عليه، لكون المسألة ممّا يغفل عنها، و تحرير الشيخ (رحمه اللَّه) ظاهر في ذلك حيث قال: بل هي من المسائل المغفول عنها (1)، فإنّه ظاهر في الترقّي.

و يمكن أن يقال: إنّ كثرة الابتلاء بالشي‏ء مع كونه مغفولًا عنه بالنسبة إلى عامّة المكلّفين يولّدان توفّر الدواعي إلى كثرة النقل لو كان قد صدر من جانب الشارع، على وجه تكون غفلة العامّة عن ذلك الشي‏ء مع فرض أنّ الشارع قد أمر

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 268.

496

به من الدواعي على كثرة نقله، و هذا المعنى هو الظاهر من عبارة السيّد سلّمه اللَّه تعالى حيث قال: إذ مع كثرة الابتلاء بهما و غفلة الناس عنهما الخ‏ (1) هذا ما يعود إلى المقدّمة الأُولى.

و أمّا المقدّمة الثانية، و هي أنّ الشارع بعد أن ثبت أنّه لم يصدر منه بيان مدخلية قصد الوجه في الغرض يكشف عن عدم اعتباره عنده، إذ لو كان معتبراً في غرضه لكان هو قد فوّت ذلك الغرض بعدم الاعلام به، إذ ليس في البين ما يمكن اعتماد الشارع عليه في تحصيل ذلك الغرض.

نعم، لو سلّمنا حكومة العقل بلزوم قصد الوجه فيما هو من قبيل العبادات و أنّ العقل حاكم بذلك حكماً واضحاً جلياً ارتكازياً على وجه يمكن الاعتماد عليه، ليكون من قبيل القرينة المتّصلة، لكان سكوت الشارع غير دالّ على عدم الاعتبار عنده، أمّا بعد فرض كون حكم العقل ليس بذلك الوضوح، بل ربما قلنا بأنّه حاكم بعدم لزومه، فلا يكون في البين ما يمكن الاعتماد عليه، فلا يكون السكوت حينئذ مع فرض كونه معتبراً عنده إلّا من قبيل تضييع الغرض المنافي للحكمة بل للطريقة العقلائية و إن لم يكن حكيماً، و حينئذٍ لا تكون هذه المقدّمة الثانية محتاجة إلى كونه غير مغفول، لأنّ حكومة العقل بلزومه بتلك الدرجة من الوضوح يلزمها أنّه غير مغفول عنه.

نعم، لو لم يكن حكم العقل بلزوم قصد الوجه بعد فرض كون الفعل عبادياً بتلك الدرجة من الوضوح، و وصلت النوبة إلى الشكّ و إلى دعوى كون العقل حاكماً في ذلك بالاحتياط، و أمكن اعتماد الشارع على حكم العقل بلزوم الاحتياط، كان للتفصيل بين كونه ممّا يغفل عنه و مما لا يغفل وقع، لكنّك قد

____________

(1) أجود التقريرات 3: 542.

497

عرفت المنع من حكم العقل بلزوم الاحتياط في ذلك، و حينئذٍ يكون سكوت المولى تضييعاً لغرضه، و لا أقل من التوقّف عن حكم العقل بالاحتياط و عدم وضوحه، فإنّه أيضاً يكون تعريضاً للتضييع، و حينئذٍ لا يبقى موقع للتفصيل بين ما يغفل عنه و ما لا يغفل.

قوله: فالمرجع هي قاعدة الاشتغال لا البراءة، لأنّ الأمر يدور بين التعيين و التخيير- إلى قوله:- فإنّه لا جامع بين الامتثال التفصيلي و الامتثال الاحتمالي ... الخ‏ (1).

هذا لو قلنا بأنّ الطاعة المعتبرة في العبادة هي عبارة عن لزوم الاتيان بها بداعي الأمر المتعلّق بها واضح، لما شرحناه في مبحث القطع‏ (2) من أنّ كون الأمر داعياً بوجوده العلمي يباين كونه داعياً بوجوده الاحتمالي، فيكون المقام من الترديد بين التعيين و التخيير.

و أمّا لو قلنا بأنّها عبارة عن الانقياد و العبودية، فقد عرفت أيضاً تحقّق الانقياد و العبودية في مقام الاحتمال أيضاً، فيكون تقيّد ذلك الانقياد بكونه ناشئاً عن الأمر المعلوم تفصيلًا قيداً زائداً منفياً بالبراءة، إلّا أن نقول بأنّ الطاعة أمر بسيط، و هذه الجهات محصّلة له، فيرجع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في المحصّل، و يتّجه الإشكال حينئذ بمسألة قصد الوجه و التمييز و نحوهما ممّا أُفيد بأنّ المرجع عند الشكّ في اعتباره هو البراءة.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 270.

(2) رجع الحاشية المفصّلة المتقدّمة في المجلّد السادس من هذا الكتاب، في الصفحة: 172 و ما بعدها.

498

[تذييل: في بيان الموارد التي يصحّ فيها الاحتياط و التي لا يصحّ فيها]

قوله: تذييل، الاحتياط إمّا أن يكون في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي و إمّا أن يكون في الشبهات البدوية ... الخ‏ (1).

ملخّص هذا التذييل هو ضبط الموارد التي يصحّ فيها الاحتياط و الاطاعة الاحتمالية عن الموارد التي لا يصحّ فيها إلّا بعد تعذّر الاطاعة التفصيلية، و الضابط في ذلك هو تنجّز التكليف الالزامي و عدمه، فالموارد التي تكون مقرونة بالعلم الاجمالي بالتكليف الالزامي، سواء كانت الشبهة حكمية أو كانت موضوعية، لا يصحّ فيها الاحتياط إلّا بعد تعذّر الاطاعة التفصيلية، و يلحق بها الشبهة الحكمية الوجوبية التي تكون قبل الفحص. أمّا الشبهة بعد الفحص فهي خارجة عن محلّ الكلام لفرض تعذّر الاطاعة التفصيلية فيها.

و أمّا الموارد التي يكون الحكم فيها غير إلزامي، سواء كانت مقرونة بالعلم أو كانت من قبيل الشبهة البدوية قبل الفحص، و سواء كانت حكمية أو كانت موضوعية، و كذلك الشبهات الموضوعية في الحكم الوجوبي غير المقرونة بالعلم الاجمالي، فإنّ جميع هذه الموارد لا يكون حسن الاحتياط فيها مشروطاً بتعذّر الاطاعة التفصيلية، فيكون المدار في جواز ذلك و عدمه على كون الحكم إلزامياً و كون الشبهة فيه منجّزة، فلا يجوز فيه الاحتياط إلّا بعد تعذّر الاطاعة التفصيلية، فإن لم يكن الحكم إلزامياً كما في الشبهات الاستحبابية بأسرها، أو كان الحكم إلزامياً و لكن لم تكن الشبهة منجّزة كما في الشبهات الموضوعية غير المقرونة بالعلم الاجمالي، يكون الاحتياط فيها مستحسناً و إن كان المكلّف متمكّناً من الاطاعة التفصيلية.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 271.

499

و لكن قد حرّرنا في مباحث القطع‏ (1) أنّ ذلك قابل للتأمّل، فإنّه بعد فرض كون الاطاعة التفصيلية التي هي عبارة عن الانبعاث عن الأمر المعلوم مأخوذة في حقيقة العبادة إلّا بعد تعذّر ذلك، يكون هذا المعنى موجباً لسقوط الاحتياط في جميع هذه الموارد إلّا بعد تعذّر الاطاعة التفصيلية. و كون الحكم غير إلزامي أو كون الشبهة لا يجب فيها الفحص، لا يكون موجباً لصحّة الاحتياط فيها عند التمكّن من الاطاعة التفصيلية، أمّا الأوّل فلأنّ كون الحكم غير الزامي إنّما ينفع في عدم لزوم الاحتياط لا في صحّته مع فرض التمكّن من الاطاعة التفصيلية. و منه يظهر الحال في الثاني، لأنّ عدم وجوب الفحص في الشبهة الوجوبية الموضوعية إنّما هو عبارة أُخرى عن أنّه عند عدم الفحص يكون الرجوع إلى البراءة جائزاً، و لا يجب الاحتياط قبله، في قبال الشبهة الوجوبية الحكمية قبل الفحص لأنّه يجب الاحتياط فيها، و لا يجوز الرجوع إلى البراءة إلّا بعد الفحص، و هذا لا دخل له بجواز الاحتياط مع التمكّن من الاطاعة التفصيلية، هذا.

و لكن الموجود في تحرير السيّد سلّمه اللَّه خلاف [ذلك‏] و أنّ الأقوى هو سقوط الاحتياط الموجب للتكرار في مورد الشبهة غير الالزامية، و إن جوّزه فيما لا يتوقّف على التكرار، فراجعه ص 321 (2) و راجع ما حرّرته عنه (قدس سره)(3) في هذا المقام فإنّه مخالف لهذا التحرير، و لعلّه لأجل أنّه من الدورة السابقة على ما حرّرناه.

____________

(1) راجع المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 186 و ما بعدها، و كذا الصفحة: 199- 200.

(2) أجود التقريرات 3: 546- 547.

(3) [مخطوط لم يطبع بعدُ].

500

قوله: و لا ينتقض ذلك بالتمكّن من الامتثال التفصيلي بالصلاة عارياً، لأنّ التمكّن من الامتثال التفصيلي يتوقّف على سقوط الشرط ... الخ‏ (1).

العبارة لا تخلو من غموض، و المراد أنّ لنا شرطين، أحدهما الساتر الطاهر، و الآخر الامتثال التفصيلي، و كلّ منهما مقيّد بالتمكّن، فعند دوران الأمر بينهما كما لو لم يكن له إلّا ثوبان يعلم إجمالًا بطهارة أحدهما و نجاسة الآخر، إن صلّى بكل منهما فقد حصل على الصلاة مع اللباس الطاهر، لكنّه فاته الامتثال التفصيلي، و إن صلّى عرياناً فقد حصل على الامتثال التفصيلي، لكنّه فاته الشرط و هو الساتر الطاهر، فيكون كلّ واحد من هذين الشرطين سالباً لقدرة المكلّف عن الآخر، فما وجه تقديم الساتر على الامتثال التفصيلي.

و الجواب: أنّ الامتثال التفصيلي و إن قلنا بكونه شرطاً في العبادة، إلّا أنّه متأخّر في الرتبة عن باقي ما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط، لأنّه عبارة عن لزوم الاتيان بالمأمور به بما له من الأجزاء و الشرائط بداعي أمره المعلوم، فيكون نسبته إلى باقي الأجزاء و الشرائط كنسبة الحكم إلى موضوعه في التأخّر الرتبي، فلا يمكن أن يكون مزاحماً لتلك الأجزاء و الشرائط لكونه موجباً للدور، حيث إنّ التمكّن من الامتثال التفصيلي متوقّف هنا على سقوط شرطية الساتر، و سقوط شرطية الساتر موقوفة على عدم التمكّن منه، و عدم التمكّن منه موقوف على لزوم الاطاعة التفصيلية، و لزوم الاطاعة التفصيلية موقوف على التمكّن منها، فيكون التمكّن من الاطاعة التفصيلية موقوفاً على التمكّن منها، بخلاف ناحية شرطية الساتر، فإنّ لزومه و إن توقّف على التمكّن منه، لكن تمكّنه منه لا يتوقّف على‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 273.