أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
51

بل يكون المصحّح لذلك هو كون العلم الاجمالي اللاحق غير مؤثّر في التنجيز.

و منه يظهر الحال فيما لو كان العلمان قد حصلا دفعة واحدة بلا أن يكون في البين طولية بين نفس العلمين، فإنّهما منجّزان حينئذ، و يكون اللازم هو الاجتناب عن الثلاثة، هذا.

و لكن قد عرفت أنّ شيخنا (قدس سره) يرى أنّه لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- في الصور الثلاثة، و أنّه يمكن أن يوجّه ما أفاده بما ربما يظهر من مطاوي الكلمات المنقولة عنه في هذا التحرير و غيره، و هو دعوى كون العلم المردّد بين الثوب و إناء عمرو ليس بعلم حقيقة، و إنّما هو صوري لا واقعية له، و إنّما حقيقة الأمر هو التردّد بين نجاسة إناء زيد و نجاسة إناء عمرو، و منشأ هذه الدعوى هو الطولية بين المعلومين، الموجبة لعدم صلاحية نجاسة الثوب لأن تكون طرفاً للترديد بينها و بين نجاسة إناء عمرو (1).

و نظير هذه الطولية ما التزم به فيما لو علم بوقوع نجاسة مردّدة بين إناء خالد و إناء عمرو، ثمّ بعد ذلك علم بأنّه قد وقعت قبلها نجاسة مردّدة بين إناء عمرو و إناء زيد، فإنّ هذا العلم الثاني و إن كان متأخّراً، لكن يستكشف منه أنّ العلم السابق ليس بعلم بحدوث تكليف بين إناء خالد و إناء عمرو، بل لا يكون إلّا من قبيل احتمال حدوث تكليف بالنسبة إلى إناء خالد، أمّا بالنسبة إلى إناء عمرو فعلى تقدير أن تكون النجاسة الثانية واقعة فيه لا يعلم بتأثيرها.

____________

(1) نعم لو تلف إناء زيد و بعد تلفه حصل العلم الاجمالي، يكون الثوب واقعاً في عرض نجاسة إناء عمرو، و يكون الترديد بينهما ترديداً حقيقياً لا صورياً، و لكنّه لا يخلو عن تأمّل، لأنّ التلف لا يقلب العلم الصوري إلى العلم الحقيقي، فتأمّل [منه (قدس سره)‏].

52

و حاصله أنّ هذه النجاسة التي علمها أوّلًا مردّدة بين إناء خالد و إناء عمرو، ينكشف أنّها دائرة بين حدوث وجوب اجتناب في إناء خالد و بين تحقّق وجوب الاجتناب في إناء عمرو بالأعمّ من الحدوث و البقاء، فلو كان السابق هو العلم بين إناء زيد و إناء عمرو، و لحقه العلم بين إناء خالد و إناء عمرو، فلا إشكال في عدم تأثير اللاحق بالنسبة إلى إناء خالد، لكن لو كان الأمر بالعكس، فالعلم السابق و هو بين إناء خالد و إناء عمرو و إن حكم العقل بتأثيره في وقته بالتنجيز بينهما، إلّا أنّه بعد أن لحقه العلم اللاحق بالنجاسة السابقة المردّدة بين إناء عمرو و إناء زيد يسري الخلل إلى العلم السابق، و يكون ذلك من قبيل الشكّ الساري الموجب لبطلان أثر العلم التفصيلي فضلًا عن العلم الاجمالي.

و إلى ذلك يشير شيخنا (قدس سره) بقوله: إنّ العلم لا يكون منجّزاً إلى الأبد، بل يكون حدوث التنجّز تابعاً لحدوثه و بقاؤه تابعاً لبقائه‏ (1)، و حينئذٍ يكون أثر العلم الأوّل الذي وقع مردّداً بين إناء خالد و إناء عمرو ساقطاً بالنسبة إلى إناء خالد، و يكون المدار في التنجّز على العلم الثاني بالنجاسة السابقة على النجاسة الأُولى، أعني المردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو، لأنّ هذا المكلّف لو سألته الآن بأنّك فعلًا هل تعلم بأنّ تلك النجاسة التي علمتها أوّلًا بين إناء خالد و إناء عمرو قد أثّرت تكليفاً على كلّ حال، لقال إنّي فعلًا غير عالم بذلك، لكنّي كنت معتقداً بذلك، و الآن قد زال اعتقادي، لأنّي فعلًا أحتمل أنّ تلك النجاسة وقعت فيما هو نجس في الواقع، فأنا لا أعلم أنّ تلك النجاسة التي كنت علمت أنّها وقعت بين إناء خالد و إناء عمرو قد أثّرت على كلّ حال، فأنا كنت معتقداً أنّها قد أثّرت على كلّ حال،

____________

(1) الظاهر أنّه نقل بالمعنى، راجع فوائد الأُصول 4: 86- 87.

53

و الآن زال اعتقادي بذلك، لأنّي أحتمل فعلًا أنّها لم تؤثّر، هذا.

و لكن هناك جهة أُخرى، و هي أنّ هذا المكلّف و إن حصل له الشكّ فعلًا في أنّ تلك النجاسة الثانية التي علمها أوّلًا بين إناء خالد و إناء عمرو قد أثّرت على كلّ حال، لكنّه فعلًا إذا قابل بين إناء خالد و إناء عمرو يرى و يعتقد أنّه إمّا أن يجب عليه الاجتناب عن إناء خالد أو عن إناء عمرو، غايته أنّه لو كان الأوّل يكون حدوثاً قطعاً، و لو كان الثاني يكون الوجوب أعمّ من الحدوث و البقاء، فإنّ تلك النجاسة التي وقعت ثانية إن كانت في إناء خالد فقد حدث وجوب الاجتناب عنه، و إن كانت في إناء عمرو فهو أيضاً يجب الاجتناب عنه حدوثاً إن لم تكن السابقة واقعة فيه، أو بقاء إن كانت السابقة واقعة فيه، فيلزمه الاجتناب عنهما. و إذا تأمّل بين إناء زيد و إناء عمرو يرى أنّه بالأمس توجّه إليه وجوب الاجتناب عن أحدهما، و هذا العلم- أعني علمه الآن بأنّه قد توجّه إليه بالأمس وجوب الاجتناب عن أحدهما- باقٍ بحاله لم يتغيّر، غايته أنّه يحتمل أنّ إناء عمرو قد زاد على ذلك، بأن وقعت فيه نجاسة أُخرى، و هذا الاحتمال لا يضرّ بتنجيز ذلك العلم، بل إنّه يزيد في الطين بلّة، و حينئذٍ يلزمه الاجتناب عن الثلاثة.

لكن هذا التقريب جارٍ فيما لو وقعت نجاسة بين إناء زيد و إناء عمرو و علم بها المكلّف، ثمّ علم بأنّ نجاسة ثانية وقعت بعد الأُولى إمّا في إناء خالد أو في إناء عمرو، و هذه الثانية و إن لم يعلم بأنّها مؤثّرة على كلّ حال، إلّا أنّه تجري فيه المقابلة المذكورة، و مقتضاها حينئذ الاجتناب عن الثلاثة.

و الجواب عن هذه الجهة من الإشكال هو أن يقال: إنّ الانحلال تارةً يكون حقيقياً بأن يكون إناء عمرو معلوم النجاسة تفصيلًا، و يحصل العلم بوقوع نجاسة

54

مردّدة بينه و بين إناء زيد، و قد يكون حكمياً بأن يحكم العقل بلزوم الاجتناب عن إناء عمرو، لكونه طرفاً للعلم الاجمالي بالنجاسة المردّدة بينه و بين إناء زيد، ثمّ يحصل العلم الاجمالي بين إناء عمرو و إناء خالد، فذلك الحكم العقلي بوجوب الاجتناب عن إناء عمرو يكون موجباً لعدم تأثير العلم الاجمالي الثاني، فيكون بحكم الانحلال، و في صورة العكس ينكشف أنّه بحكم الانحلال.

و الشاهد على ذلك أنّه لو كان المتأخّر هو العلم التفصيلي بأنّ إناء عمرو كان متنجّساً قبل حصول العلم الاجمالي بالنجاسة المردّدة بينه و بين إناء زيد، و هكذا الحال فيما لو كانت البيّنة قائمة مقام العلم التفصيلي المذكور، فإنّه لا ينبغي الريب في انحلال العلم الاجمالي السابق بذلك، غايته أنّه في صورة العلم التفصيلي يكون الانحلال حقيقياً كما شرحناه، و في صورة قيام البيّنة يكون الانحلال حكمياً، لكونه بواسطة حكم الشارع بحجّية البيّنة، و في صورة تأخّر العلم الاجمالي يكون الانحلال بحكم العقل.

لا يقال: إنّ الفرق بين قيام البيّنة و بين العلم الاجمالي واضح، لأنّ البيّنة تكشف عن أنّ العلم المردّد بين الإناءين لم يكن علماً بتكليف على كلّ حال، بخلاف العلم الاجمالي اللاحق، فإنّه لا يكشف عن أنّ إناء عمرو لم يكن قد تنجّز وجوب الاجتناب فيه، لأنّه قد تنجّز بالوجدان بواسطة العلم الاجمالي السابق.

لأنّا نقول: بالعلم الثاني ينكشف أنّ العلم الاجمالي السابق لم يكن علماً بحدوث وجوب الاجتناب على كلّ تقدير، و بذلك يكون العلم الاجمالي الثاني موجباً لتبدّل العلم الاجمالي الأوّل من كونه علماً بتوجّه وجوب الاجتناب على كلّ تقدير إلى احتمال توجّه وجوب جديد، فلاحظ و تأمّل.

55

قوله في المقالة: و حينئذٍ فما عن شيخنا العلّامة من جعل المدار على الأصل المسبّبي بقول مطلق، لا يناسب مع علّية العلم للتنجّز حتّى بالنسبة إلى الموافقة القطعية، اللهمّ‏ [إلّا] أن يجعل مبنى كلامه هذا على اقتضاء العلم اللاحق للتنجّز و لو في المعلوم السابق ذاتاً، و لو بخيال أنّ العلم الطريقي الملحوظ بالنظر المرآتي عين معلومه، فقهراً سبق معلومه يسري إليه حسب سراية صفات المرئي إلى المرآة، فيصير علمه بهذا النظر أيضاً سابقاً على المعلوم الآخر ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الشيخ (قدس سره) لم ينصّ إلّا على الصورة الأُولى، و هي ما لو علم النجاسة بين الاناءين ثمّ علم بملاقاة الثوب لإناء زيد، فأفاد أنّ قاعدة الطهارة في الثوب بلا معارض. و قال في أواخر المبحث بعد أن أفاد وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- فيما لو لاقى الآخر ثوب آخر لتعارض قاعدة الطهارة في الثوبين، و أنّه لو فقد الملاقى- بالفتح- ثمّ حصل العلم بالملاقاة، سقطت قاعدة الطهارة في الثوب بالمعارضة مع الاناء الباقي: فمحصّل ما ذكرنا أنّ العبرة في حكم الملاقي بكون أصالة طهارته سليمة أو معارضة (2)، ثمّ ذكر أنّه لو كان فقد الملاقى- بالفتح- بعد العلم الاجمالي، فالظاهر طهارة الملاقي- بالكسر- و وجوب الاجتناب عن الإناء الآخر الباقي.

و من ذلك يظهر أنّ كلامه ناظر إلى أنّ المانع هو تعارض الأُصول، لا إلى أنّ العلم الطريقي المتقدّم معلومه يكون تنجّزه متقدّماً عليه، فإنّ ذلك إنّما نحتاج إليه في الصورة الثانية أو الثالثة، و هو (قدس سره) لم يتعرّض لهاتين الصورتين، و إنّما تعرّض‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 250.

(2) فرائد الأُصول 2: 244.

56

للصورة الأُولى فقط، و عدم وجوب الاجتناب فيها عن الثوب يلتئم مع القول بكون العلم الاجمالي علّة تامّة حتّى بالنسبة إلى الموافقة القطعية، و إن علّله هو (قدس سره) بعدم المعارض لأصالة الطهارة فيه، فلاحظ و تأمّل.

قوله في المقالة: فهذا الكلام إنّما يتمّ في الأُصول غير التنزيلية مثل قاعدة الحلّية على وجه، بضميمة كون حلّية اللازم أيضاً من آثار حلّية الملزوم و لو ظاهرياً- إلى قوله:- فإنّه لا مجال لجريان الأصل في التالف، لعدم صلاحية التالف لجعل الحلّية الظاهرية- إلى قوله:- و أمّا لو كان الأصل تنزيلياً كالاستصحاب مثلًا، فلا شبهة في جريانه حتّى في التالف أو الخارج عن محلّ الابتلاء بلحاظ ما له من الآثار التي كانت مورد ابتلاء المكلّف ... الخ‏ (1).

يتوجّه هنا سؤال عن الوجه في عدوله عن التمثيل للأُصول غير التنزيلية بقاعدة الطهارة إلى قاعدة الحلّية مع أنّها مثلها في لسان الدليل، و هو قولهم (عليهم السلام):

«كلّ شي‏ء لك طاهر» (2) و قولهم (عليهم السلام): «كلّ شي‏ء لك حلال» (3) مع أنّ الأنسب بالمقام هو التمثيل بقاعدة الطهارة، لأنّ الكلام في طهارة الملاقى و طهارة الملاقي.

ثمّ إنّه بعد الاعتراف بكون حلّية اللازم من آثار حلّية الملزوم، و إن شئت فقل: بعد الاعتراف بأنّ طهارة الثوب الملاقي للاناء من آثار طهارة الاناء، و لذلك كانت قاعدة الطهارة في الاناء حاكمة عليها في الثوب الملاقي له، يكون حالها

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 254.

(2) ورد مضمونه في وسائل الشيعة 3: 467/ أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

(3) وسائل الشيعة 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

57

حال استصحاب الطهارة في التالف بلحاظ ما له من الآثار التي كانت مورد ابتلاء المكلّف، إذ ليس المراد من الآثار الفعلية لاستصحاب الطهارة في الاناء التالف إلّا طهارة ملاقيه، و حينئذٍ فكما تتحقّق المعارضة بين استصحاب طهارة الاناء التالف و استصحاب طهارة طرفه، فكذلك تتحقّق المعارضة بين قاعدة الطهارة في الاناءين.

و إن شئت فقل: إنّ الحكم بطهارة الثوب المستند إلى طهارة الاناء التالف، يكون معارضاً بقاعدة الطهارة في الاناء الموجود، و بعد التعارض و التساقط نحكم بطهارة الثوب المستندة إلى قاعدة الطهارة فيه في نفسه، و هي في هذه المرحلة لا معارض لها، و إن كانت طهارته في المرحلة الثانية- أعني بذلك طهارته الحاصلة من إجراء قاعدة الطهارة في الاناء التالف- مورداً للمعارضة. و لا فرق في ذلك بين القاعدة و الاستصحاب.

و ما أُفيد من عدم صلاحية التالف لجعل الحلّية الظاهرية، إنّما يتمّ إذا كان المراد إجراءها فيه لمحض إثبات حلّية نفسه، أمّا لو أُريد بها إثبات آثارها من حلّية ما يتفرّع عليه، فلا مانع من جعلها للتالف بالقياس إلى هذا الأثر الفعلي المترتّب على حلّيته الظاهرية، كما أفاده في الاستصحاب حرفاً بحرف، و لأجل ذلك عدل في المستمسك‏ (1) عن هذا التخصيص، و أفاد أنّه لا مانع من جريان قاعدة الطهارة في التالف باعتبار الأثر في ملاقيه، فتقع المعارضة بينها فيه و في طرفه.

و يمكن أن يكون نظر المقالة إلى شرح مطلب الكفاية في مبحث اقتضاء الأمر الظاهري الاجزاء من قوله: و التحقيق أنّ ما كان منه يجري في تنقيح ما هو

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 260.

58

شرط التكليف أو شطره‏ (1) فراجع. و حاصل ذلك: هو أنّ بعض الأُصول يكون مفاد لسانه جعل الحكم على المشكوك، فكما يجعل الشارع الطهارة للماء بعنوانه الأوّلي مثلًا، فكذلك يجعلها للشي‏ء بعنوان كونه مشكوكاً، و في الحقيقة تكون حكماً واقعياً ثانوياً لاحقاً للشي‏ء بعنوان كونه مشكوكاً، و لذلك يقول في الكفاية إنّه لا يتصوّر فيه انكشاف الخلاف، بل يكون من قبيل التبدّل من حينه. و بعض الأُصول يكون مفاده التنزيل، بأن يكون مفاده نزّل هذا المشكوك منزلة الطاهر في ترتيب آثار الطاهر عليه، فيكون حال قوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء لك طاهر أو حلال، حال قوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» (2) و المعنى الأوّل لا يتأتّى في التالف، لعدم قابليته لجعل الحكم، بخلاف المعنى الثاني.

و لا يخفى أنّ المعنى الأوّل لا ينافي الحكومة، لأنّ جعل الطهارة للشي‏ء المشكوك يوجب الحكم بطهارة ملاقيه، فيكون هذا الجعل في الملاقى- بالفتح- حاكماً على قاعدة الطهارة في الملاقي- بالكسر-، و مع ذلك لا يكون مفاده إلّا جعل الطهارة للملاقى- بالفتح- المفروض كونه مشكوك الطهارة، و لأجل ذلك ينحصر مورده بالموجود و لا يجري في التالف. و هذا المعنى من الجعل هو الذي أشار إليه بقوله في المقالة: مثل قاعدة الحلّية على وجه.

و أمّا وجه العدول عن التمثيل بقاعدة الطهارة إلى التمثيل بقاعدة الحل، فلعلّه هو كون قاعدة الحل في نظره أقرب إلى هذا اللسان من قاعدة الطهارة، و أنّ لسان قاعدة الطهارة أقرب إلى التنزيل من كونه جعلًا للحكم في مورد الشكّ، و لكن الفرق لا يخلو عن تأمّل مع فرض كون لسان الدليل فيهما واحداً.

____________

(1) كفاية الأُصول: 86 (نقل بالمضمون).

(2) مستدرك الوسائل 9: 410/ أبواب الطواف ب 38 ح 2.

59

بقي الكلام في الايراد المتقدّم‏ (1) على ما أفاده الشيخ (قدس سره) من قيام الملاقي- بالكسر- مقام التالف الملاقى فيما لو حصلت الملاقاة و التلف ثمّ حصل العلم الاجمالي‏ (2).

و يمكن الجواب عنه: بأنّك قد عرفت أنّ الحكم بطهارة الثوب الملاقي للاناء المستند إلى قاعدة الطهارة في الاناء يكون من آثار قاعدة الطهارة في الاناء، بمعنى أنّه يحكم بطهارة الاناء، و حيث إنّ طهارته موضوع لطهارة الثوب، يكون الثوب بهذه الواسطة محكوماً بالطهارة، فيكون الثابت أوّلًا بواسطة قاعدة الطهارة في الاناء هو طهارة الاناء، و بواسطة ذلك و عنه يتفرّع الحكم بطهارة الثوب، فتكون طهارته المذكورة واقعة في الدرجة الثانية من طهارة الاناء و متأخّرة عنها تأخّر الحكم عن موضوعه، و هذا التأخّر هو الذي ولّد حكومة قاعدة الطهارة في الاناء على قاعدة الطهارة في الثوب، بحيث إنّه بعد جريان قاعدة الطهارة في الاناء يزول الشكّ في طهارة الثوب، و يكون حكمه الطهارة الناشئة عن طهارة الاناء لا الطهارة الناشئة عن كونه- أعني الثوب- مشكوك الطهارة، و عند ما يكون الاناء موجوداً تكون قاعدة الطهارة فيه معارضة بمثلها في الاناء الآخر فتسقط،

____________

(1) في الصفحة: 55.

(2) و هذا الايراد إنّما وجّهه على الشيخ (قدس سره) باعتبار اعتماده في التنجيز على تعارض الأُصول، أمّا بناءً على مسلك المورد- أعني صاحب المقالة (قدس سره)- فلا إشكال عنده في قيام الملاقي- بالكسر- مقام الملاقى، باعتبار العلم الاجمالي بالنجاسة بينه و بين طرف أصله مع فرض كون أصله خارجاً عن محل الابتلاء قبل العلم الاجمالي، و بناءً على ذلك لو عاد الأصل إلى محلّ الابتلاء لا يجب الاجتناب عنه، من جهة كون طرفه في العلم الاجمالي الحادث برجوعه إلى محلّ الابتلاء قد تنجّز فيه التكليف بالعلم الاجمالي السابق عند ما كان هو- أعني الأصل- خارجاً عن محلّ الابتلاء [منه (قدس سره)‏].

60

و بسقوطها ينعدم أثرها في الثوب، لا أنّ أثرها في الثوب كان هو مع طهارة نفس أصله مورد المعارضة مع قاعدة الطهارة في طرف أصله، بل إنّ مورد المعارضة مقصور على طهارة أصله.

و إن شئت فقل: إنّ مورد المعارضة هو الحكم الأوّل من قاعدة الطهارة في الأصل، و أنّ الحكم الثاني لها و هو الطهارة في الفرع خارج عن مورد المعارضة و إنّما سقط لسقوط أصله، و بعد سقوط الفرع- أعني الطهارة في الثوب الناشئة عن الطهارة في الاناء- يكون الثوب مشكوكاً، فيكون هو بنفسه مورداً لقاعدة الطهارة، و هي فيه بلا معارض. هذا كلّه لو كان الاناء الملاقى- بالفتح- موجوداً.

وامّا لو كان قد تلف، فلا إشكال في أنّه لا مورد فيه لقاعدة الطهارة من حيث أثرها الأوّل، بل يبقى جريانها فيه باعتبار أثرها الثاني و هو طهارة الثوب المستندة إلى طهارة الاناء، و هي أعني طهارة الاناء بهذا الأثر الثاني مورد المعارضة بها في الطرف الآخر فتسقط، و لكن بسقوطها يسقط الحكم بطهارة الثوب بقول مطلق حتّى الطهارة التي هي من ناحية كونه مشكوكاً و كونه بنفسه مورداً لقاعدة الطهارة، فإنّ الحكم بطهارة الثوب من أيّ مدرك كان يكون معارضاً للحكم بطهارة الطرف الآخر.

و لعلّ هذا أهون ممّا التزم به شيخنا (قدس سره)(1) من سقوط استصحاب الطهارة و قاعدتها في قبال قاعدة الطهارة في الطرف الآخر مع الطولية بينهما فيما لو كان أحد طرفي العلم الاجمالي مورداً لاستصحاب الطهارة و كان الطرف الآخر مورداً لقاعدة الطهارة، لإمكان منع الطولية فيما نحن فيه، فإنّ طهارة الثوب المستندة إلى قاعدة الطهارة في الاناء و إن كانت في طول طهارة الاناء، إلّا أنّ طهارة الثوب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 47- 49.

61

المستندة إلى قاعدة الطهارة فيه ليست في طول طهارته المستندة إلى طهارة الاناء.

و لو سلّمنا كونها في طولها نظراً إلى حكومة طهارة الاناء على طهارة الثوب، لم يكن ذلك بمانع من الجري في هذه المسألة على ما جرى عليه شيخنا في تلك المسألة من سقوط كلّ من استصحاب الطهارة و قاعدة الطهارة دفعة واحدة في قبال قاعدة الطهارة في الطرف الآخر.

و لسنا نريد أن نقول: إنّ قاعدة الطهارة في الثوب تسقط بسقوط قاعدة الطهارة في الاناء كي يفرق بين ذلك و بين المثال بأنّ ما نحن فيه من قبيل الموضوعين، و المدّعى هو السقوط في الموضوع الواحد كما أفاده شيخنا (قدس سره)، بل نريد أن نقول إنّ طهارة الثوب المستندة إلى قاعدة الطهارة في الاناء، و طهارته المستندة إلى قاعدة الطهارة في نفسه يسقطان معاً بمعارضة قاعدة الطهارة في الاناء الآخر، و هما حكمان لموضوع واحد و هو الثوب، لا أنّ أحدهما في موضوع و الآخر في موضوع آخر.

لا يقال: يرد على هذا الجواب أنّ لازمه هو أنّه في صورة بقاء الاناء الملاقى يكون الحكم بطهارة الثوب مستنداً إلى قاعدة الطهارة في الاناء باعتبار أثرها الثاني و إن سقط أثرها الأوّل بالمعارضة.

لأنّا نقول أوّلًا: لا مانع من الالتزام بذلك. و ثانياً: أنّ قاعدة الطهارة في الاناء ما دام موجوداً تجري فيه بحسب أثرها الأوّل و يتبع ذلك أثرها الثاني لكونه في طوله، لإمكان جعل الأثر الأوّل ما دام الاناء موجوداً، غايته أنّها تسقط بالمعارضة فيسقط أثرها الثاني، فلا معنى للقول بأنّها بعد سقوط أثرها الأوّل بالمعارضة يبقى لها الأثر الثاني، و هذا بخلاف صورة التلف، فإنّ وجه جريانها ينحصر في الأثر الثاني و هو الحكم بطهارة ملاقيه، فتجري و تسقط بالمعارضة، و بسقوطها من‏

62

حيث هذا الأثر- أعني طهارة الثوب- يسقط أيضاً الحكم بطهارته من جهة كونه مشكوك الطهارة، و سيأتي له مزيد إيضاح و تحقيق إن شاء اللَّه تعالى. هذا كلّه في حالة خروج الأصل عن الابتلاء.

[لو كان الملاقى خارجاً عن محلّ الابتلاء ثمّ عاد إليه‏]

و أمّا لو عاد بعد ذلك، فالظاهر أنّ الأمر كما أفاده في الكفاية (1) من عدم وجوب الاجتناب عنه، و لا تجري فيه نظرية شيخنا (قدس سره)(2) من كون المدار على تقدّم المعلوم، فإنّ النجاسة في الأصل و إن كانت سابقة، إلّا أنّها كما عرفت ليست هي المدار في التنجّز، بل المدار إنّما هو على التكليف الناشئ عنها و هو وجوب الاجتناب، و من الواضح أنّ هذا التكليف إنّما يتوجّه أو إنّما يكون فعلياً ملقًى على عاتق المكلّف إذا كان داخلًا في محلّ الابتلاء المفروض أنّه بعد العلم الاجمالي السابق و بعد الوجوب المعلوم في ذلك العلم السابق، و حينئذٍ لا يكون العلم الثاني المردّد بين إناء زيد و إناء عمرو مؤثّراً، لكونه هو و معلومه متأخّرين عن العلم الأوّل و معلومه، و حينئذٍ يكون إناء زيد بعد رجوعه إلى محل الابتلاء مورداً لقاعدة الطهارة، و هي- أعني قاعدة الطهارة الجارية فيه بعد رجوعه إلى محلّ الابتلاء- لا تكون حاكمة على قاعدة الطهارة في الثوب، التي جرت فيه سابقاً و سقطت بالمعارضة مع قاعدة الطهارة في إناء عمرو.

و إن شئت فقل: إنّ قاعدة الطهارة و إن جرت في إناء زيد بعد رجوعه إلى محلّ الابتلاء، إلّا أنّا لا يمكننا أن نرتّب عليها إلّا أثرها الأوّل أعني كون إناء زيد بنفسه يجوز شربه مثلًا، أمّا أثرها الثاني و هو كون ملاقيه طاهراً فلا، و ذلك لأنّه لا يمكننا الحكم بطهارته و لو من هذه الجهة، لا لكون ذلك معارضاً بقاعدة الطهارة

____________

(1) لاحظ كفاية الأُصول: 363.

(2) فوائد الأُصول 4: 86.

63

في إناء عمرو، لأنّ المفروض سقوط قاعدة الطهارة في إناء عمرو بمعارضتها مع قاعدة الطهارة في الثوب نفسه، بل لأنّ ذلك العلم الاجمالي الذي كان موجوداً عند ما كان إناء زيد خارجاً عن الابتلاء، يكون مانعاً من أي مرخّص في ناحية الثوب، و لو من ناحية جريان قاعدة الطهارة في إناء زيد بعد رجوعه إلى الابتلاء.

نعم، بناءً على أنّ المنشأ في التنجّز هو تعارض الأُصول، لا مانع من اقتضاء قاعدة الطهارة في إناء زيد بعد رجوعه إلى الابتلاء الحكم بطهارة ملاقيه، و إن كانت قاعدة الطهارة في الثوب نفسه ساقطة بالتعارض، وعليه فيكون الحكم في هذه الصورة هو جواز ارتكاب كلّ من الملاقي و الملاقى، و هو غريب، إلّا أن نقول كما تقدّم: إنّ الثوب في حال كون إناء زيد خارجاً عن الابتلاء قد سقط الحكم فيه بالطهارة بقول مطلق، سواء كان منشأ ذلك هو قاعدة الطهارة فيه أو قاعدة الطهارة التي يراد إجراؤها في إناء زيد بعد رجوعه إلى الابتلاء، و حينئذٍ يبقى أثر قاعدة الطهارة في إناء زيد منحصراً بجواز شربه، و لا يتعدّى إلى طهارة ملاقيه على كلّ من القولين: القول بكون العلم علّة، و القول بكون العلّة هي التعارض.

و هذا بخلاف ما لو لم يكن إناء زيد خارجاً عن محلّ الابتلاء، فإنّ الحكم بطهارته بكلا أثريها اللذين هما جواز شربه و طهارة ملاقيه المؤثّرة في جواز الصلاة فيه و إن كانا طوليين، يكون معارضاً بالحكم بطهارة إناء عمرو، و حينئذٍ تسقط قاعدة الطهارة في إناء زيد بكلا أثريها و إن كانا طوليين، و لكن سقوط الأثر الثاني في هذه المرحلة لا يوجب سقوط الحكم بطهارة الثوب بالطهارة الأصلية الناشئة عن كونه في حدّ نفسه مشكوك الطهارة، لأنّ مدرك طهارة الثوب التبعية التي هي عبارة عن الأثر الثاني لقاعدة الطهارة في الماء إنّما هو قاعدة الطهارة في‏

64

الماء، و مدرك الحكم بطهارة الثوب الاستقلالية إنّما هو قاعدة الطهارة في الثوب لا في الماء، فكان من قبيل اختلاف الموضوع في الحاكم و المحكوم، بخلاف إجراء قاعدة الطهارة في إناء زيد بعد تلفه، الممحّض للأثر الثاني و هو طهارة ملاقيه، فإنّ سقوطه موجب لسقوط قاعدة الطهارة فيه.

و الحاصل: أنّ الطهارة الظاهرية في الثوب الناشئة عن الطهارة الظاهرية في أصله في صورة وجود الأصل، لا تكون إلّا تبعية، و سقوطها لا يوجب سقوط الطهارة الظاهرية الاستقلالية، بخلاف الطهارة الظاهرية في الثوب الناشئة عن الحكم بطهارة أصله في صورة انعدام الأصل و انحصار أثر طهارته بهذه الطهارة أعني طهارة الثوب، فإنّها تكون بمنزلة أصل مستقل ممحّض للحكم بطهارة الثوب، فعند سقوطه يسقط فيه كلّ أصل يوجب الحكم بطهارته الظاهرية.

و يمكن أن يقال: إنّ قاعدة الطهارة في إناء زيد حينما كان خارجاً عن محلّ الابتلاء، لمّا سقطت و لو باعتبار أثرها الثاني الذي هو طهارة الثوب، لا يمكن إجراؤها فيه ثانياً بعد رجوعه إلى محلّ الابتلاء و لو باعتبار أثرها الأوّل الذي هو جواز شربه، و المسألة مبنية على إمكان التبعيض في الآثار في مقام التعارض بين الأُصول و عدم إمكانه، بدعوى أنّ سقوط الأصل بالتعارض يوجب سقوط تمام آثاره، بحيث إنّه لا يعود ثانياً باعتبار أثر بعد فرض أنّه بنفسه قد سقط قبل هذا باعتبار أثر آخر كان جريانه ممحّضاً له، فتأمّل.

لكن لو تمّ هذا لأمكن الرجوع في جواز شربه حينئذ إلى أصالة البراءة، إذ لا مانع منها لا من ناحية العلم الاجمالي الحادث بعد عوده إلى الابتلاء، لسبقه بتنجّز طرفه الذي هو إناء عمرو، و لا من ناحية التعارض، لأنّ المفروض أنّ إناء عمرو قد سقط فيه كلّ أصل مسوّغ للارتكاب بالتعارض مع الثوب قبل رجوع إناء زيد

65

إلى محلّ الابتلاء حتّى البراءة، فتأمّل.

و ينبغي أن يعلم أنّ هذه التشكيكات إنّما نشأت من جهة الطولية بين الآثار في الأصل الذي هو إناء زيد و الفرع الذي هو الثوب الملاقي له، و إلّا فلو علم بوقوع نجاسة إمّا في إناء زيد و إناء خالد معاً، و إمّا في إناء عمرو، و كان إناء زيد إذ ذاك خارجاً عن محلّ الابتلاء، ثمّ بعد ذلك عاد إلى محلّ الابتلاء، سواء كان رجوعه إلى محلّ الابتلاء بعد فقدان إناء خالد، أو كان رجوعه مع بقاء إناء خالد، فإنّه على الظاهر لا أثر لرجوعه، و يكون المرجع فيه هو قاعدة الطهارة، فتأمّل.

و ينبغي أن يعلم أنّ صاحب المقالة ملتزم بأنّ رجوع الأصل إلى محلّ الابتلاء لا يوجب الاجتناب عنه، لأنّ العلم الاجمالي الذي كان موجوداً بين فرعه و طرفه قبل رجوعه إلى محلّ الابتلاء قد نجّز الحكم في طرفه، فلا يكون العلم الاجمالي الحادث بعد رجوعه بينه و بين طرفه منجّزاً، فلا مانع عنده من الرجوع فيه حينئذ إلى قاعدة الطهارة على ما مرّ تفصيل الكلام فيه.

قال الأُستاذ المرحوم العراقي (قدس سره) فيما حرّرته عنه في الدرس، بعد أن بيّن الوجه في جريان قاعدة الطهارة في الملاقي- بالكسر- على القول بكون العلم مقتضياً بالنسبة إلى الموافقة القطعية، ما هذا لفظه‏ (1): و أمّا إذا قلنا بأنّه علّة تامّة، و أنّه لا يجوز ارتكاب بعض الأطراف حتّى لو لم تكن الأُصول في الطرفين ساقطة بالتعارض، فيشكل الأمر فيما نحن فيه، فإنّ الأصل في الملاقي- بالكسر- و إن كان بعد تساقط الأصلين في الطرفين بلا معارض، إلّا أنّ الملاقي- بالكسر- لمّا كان طرفاً للعلم الاجمالي بينه و بين ذلك الطرف المقابل للملاقى- بالفتح-، و كان العلم الاجمالي علّة تامّة في سقوط الأصل و إن كان بلا معارض، فمقتضى ذلك‏

____________

(1) فيما حرّرته عنه في درس ليلة 26 ذي القعدة 1340 [منه (قدس سره)‏].

66

عدم جواز الارتكاب في الملاقي- بالكسر-، و حينئذٍ فلا بدّ من إعمال حيلة موجبة لسقوط العلم الاجمالي بالنجاسة بين الملاقي- بالكسر- و بين ذلك الطرف عن التنجّز، فنقول: إنّ الصور في المقام ثلاث:

إحداها: هي الصورة الواضحة، و هي ما إذا حصل العلم بنجاسة إناء زيد أو إناء عمرو ثمّ علم بملاقاة شي‏ء لإناء زيد، ففي هذه الصورة يحصل لنا علمان إجماليان: أحدهما العلم الاجمالي بنجاسة إناء زيد أو إناء عمرو، و الآخر العلم الاجمالي إمّا بنجاسة إناء عمرو و إمّا بتنجّس ذلك الشي‏ء الملاقي لإناء زيد، و العلم الثاني يكون متأخّراً في الرتبة عن العلم الأوّل، لكونه معلولًا له، فكما أنّ علمك التفصيلي بنجاسة إناء زيد و علمك بملاقاة ذلك الشي‏ء له، يكون علّة للعلم التفصيلي بتنجّس ذلك الشي‏ء، فكذلك علمك الاجمالي بنجاسة إناء زيد أو إناء عمرو و علمك بملاقاة ذلك الشي‏ء لإناء زيد، يكون علّة للعلم الاجمالي بنجاسة إناء عمرو أو تنجّس ذلك الشي‏ء.

و إذا ثبت أنّ العلم الاجمالي الثاني متأخّر في الرتبة عن العلم الاجمالي الأوّل، فنقول: إنّ التكليف على تقدير كونه في إناء عمرو فهو منجّز في رتبة العلم الاجمالي الأوّل، و حينئذٍ لا يكون العلم الاجمالي الثاني مؤثّراً في تنجّز التكليف في ذلك الشي‏ء الملاقي لإناء زيد، لما تقدّم من أنّه لا بدّ في تنجيز العلم الاجمالي من أن يكون تنجّز التكليف في كلّ واحد من الطرفين مستنداً إلى ذلك العلم الاجمالي، و المفروض أنّ التكليف في إناء عمرو لا يستند تنجّزه إلى العلم الثاني، بل إنّما يستند إلى العلم الأوّل، فلا يكون تنجّز متعلّق العلم الاجمالي الثاني مستنداً إليه على كلّ تقدير، إلى أن قال:

الصورة الثانية: هي عكس الصورة الأُولى، و هي ما لو علم إجمالًا إمّا

67

بنجاسة إناء عمرو أو ذلك الشي‏ء، و علم أنّ المستند في نجاسة ذلك الشي‏ء على تقدير كونه هو النجس المعلوم ليس إلّا ملاقاته لإناء زيد، ففي هذه الصورة أيضاً يحصل لنا علمان إجماليان: أحدهما العلم الاجمالي إمّا بنجاسة ذلك الشي‏ء أو نجاسة إناء عمرو، و الآخر العلم الاجمالي إمّا بنجاسة [إناء] عمرو أو بنجاسة إناء زيد، و العلم الثاني متأخّر في الرتبة عن الأوّل، لكونه معلولًا له، فكما أنّك إذا علمت تفصيلًا بنجاسة ذلك الشي‏ء و علمت أنّه لا مستند لنجاسته إلّا ملاقاته لإناء زيد، يكون علمك المذكور علّة لعلمك بنجاسة إناء زيد، فكذلك علمك الاجمالي إمّا بنجاسة ذلك الشي‏ء أو نجاسة إناء عمرو، و علمك بأنّ ذلك الشي‏ء على تقدير كونه هو النجس لا مستند له إلّا ملاقاته لإناء زيد، يكون علّة لعلمك الاجمالي إمّا بنجاسة إناء زيد أو نجاسة إناء عمرو، و حينئذٍ لا يكون العلم الاجمالي الثاني مؤثّراً في تنجّز وجوب الاجتناب عن إناء زيد بالتقريب المتقدّم، ففي هذه الصورة يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى- بالفتح-.

الصورة الثالثة: أن يكون العلمان معلولين لعلّة ثالثة، فيكونان في مرتبة واحدة. و في الحقيقة يكون العلمان علماً واحداً مردّداً بين طرف واحد و طرفين كما لو أخبر الصادق بنجاسة إناء عمرو أو نجاسة إناء زيد و ذلك الشي‏ء، و أنّ نجاسة ذلك الشي‏ء على تقديرها لا مستند لها إلّا ملاقاته لإناء زيد، ففي هذه الصورة أيضاً يكون لنا في الصورة علمان إجماليان: أحدهما العلم الاجمالي إمّا بنجاسة إناء زيد أو نجاسة إناء عمرو، و الآخر العلم الاجمالي إمّا بنجاسة ذلك الشي‏ء أو نجاسة إناء عمرو، إلّا أنّه لمّا لم يكن أحد العلمين معلولًا للآخر، بل كان كلاهما معلولين لعلّة ثالثة و هي إخبار ذلك الصادق، لم يكن أحدهما متقدّماً في الرتبة على الآخر، بل كان كلّ منهما في رتبة الآخر. و في الحقيقة لا يكون لنا

68

إلّا علم واحد مردّد بين الواحد و الاثنين، فيكون التكليف في كلّ من الثلاثة منجّزاً بالعلم المذكور، ففي هذه الصورة يجب الاجتناب عن كلا المتلاقيين.

فظهر لك أنّ المدار في وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى- بالفتح- أو بالعكس أو عنهما، على كون أحد العلمين متأخّراً عن الآخر و معلولًا له، أو كونهما في رتبة واحدة و معلولين لعلّة ثالثة. و أمّا تقدّم العلم بالملاقاة على العلم بالنجاسة أو تأخّره عنه أو حدوثهما دفعة واحدة فلا أثر له فيما نحن بصدده، انتهى ما حرّرته عنه (قدس سره).

و قد ذكر عين هذا التفصيل في مقالته المطبوعة، بقوله: ثالثها: في أنّ العلم الحاصل بمعلول شي‏ء الخ‏ (1)، و أفاد فيها أنّ العلم يكون علّة للتنجّز، فيكون التنجّز متأخّراً عنه و إن كان معلومه سابقاً على العلم، إلى آخر ما أفاده فيها.

و وجهه واضح، من جهة أنّ العلم و إن كان طريقاً إلى متعلّقه، إلّا أنّه بالنسبة إلى تنجّز متعلّقه يكون علّة و موضوعاً، فيستحيل تقدّم التنجّز عليه، فلو تعلّق العلم بنجاسة الثوب كان تنجّز أحكام نجاسته متأخّراً عن العلم بها، و إن كانت تلك النجاسة معلولة لنجاسة الاناء الذي هو الملاقى- بالفتح-، المفروض سبقها على العلم بنجاسة الثوب، فلا يكون المدار في التنجّز على سبق المعلوم كما ربما يظهر من التحرير عن شيخنا (قدس سره)(2)، بل المدار في التنجّز على سبق العلم.

و قال شيخنا (قدس سره) فيما حرّرته عنه في مقدّمة الكلام على صور تلف الملاقى- بالفتح- و أنّ الملاقي- بالكسر- يقوم مقامه: و تنقيح الحكم في هذه الأقسام الثلاثة يتوقّف على تمهيد مقدّمة، و هي أنّ العلم و إن كان طريقاً للأحكام‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 248.

(2) فوائد الأُصول 4: 86- 87.

69

الشرعية، إلّا أنّه بالنسبة إلى الأحكام العقلية كالتنجّز و تعارض الأُصول و تساقطها يكون على نحو الموضوعية. و بذلك صرّح فيما نقله عنه (قدس سره) في هذا التحرير فيما يأتي في مبحث الاضطرار (1)، فراجع.

و حينئذٍ يتفرّع على ذلك: أنّه لو حصل العلم الاجمالي أوّلًا بين نجاسة الثوب و إناء عمرو، ثمّ حصل العلم الاجمالي ثانياً بين نجاسة إناء زيد و إناء عمرو، و أنّ علّة نجاسة الثوب على تقديرها هو نجاسة إناء زيد الذي قد لاقاه الثوب، لم يكن هذا العلم الاجمالي الثاني مؤثّراً، لسبقه بتنجّز نجاسة إناء عمرو بواسطة العلم الاجمالي الأوّل، و إن كان المعلوم فيهما على العكس من العلم، لتأخّر المعلوم في الأوّل رتبة عن المعلوم في الثاني.

و منه يظهر الحال فيما لو فرض كون العلمين معلولين لعلّة ثالثة، و هي الصورة الثالثة ممّا حرّرناه عنه في الدرس، و هي التي أشار إليها في المقالة بقوله:

و من هذا البيان ظهر حال عرضية العلمين كما فرضناه، فإنّه حينئذ يجب الاجتناب عن المعلوم الملزوم و اللازم كليهما الخ‏ (2)، فراجعه إلى آخر المبحث، هذا.

و لا يخفى أنّ ما نقلناه عنه في الدرس صريح في أنّ المدار على التقدّم الرتبي بين العلمين، و لذا التزم‏ (3) في الصورة الثانية أعني ما لو تقدّم العلم بنجاسة الثوب أو إناء عمرو ثمّ حصل العلم بملاقاة الثوب لإناء زيد و أنّه لو كان الثوب هو النجس لكان المستند في نجاسته هو نجاسة ما لاقاه الثوب أعني إناء زيد، فيكون العلم المردّد بين نجاسة الثوب أو إناء عمرو علّة للعلم بنجاسة إناء زيد أو إناء

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 95.

(2) مقالات الأُصول 2: 250.

(3) [لم يُذكر متعلّق «التزم» في العبارة، لكن المقصود واضح‏].

70

عمرو، و يكون الانتقال من العلم الأوّل إلى العلم الثاني من قبيل الانتقال الإنّي، بخلافه في الصورة الأُولى فإنّ الانتقال من العلم بنجاسة أحد الاناءين إلى العلم بنجاسة الثوب أو إناء عمرو انتقال من العلّة إلى المعلول، فيكون الانتقال فيه لمّياً.

كما أنّ الذي يظهر من عبارة المقالة أنّ التقدّم رتبي أيضاً، و أنّ المدار في الفرق بين الصورتين هو التقدّم الرتبي‏ (1).

و على أي حال، فيمكن الجواب عنه بما حاصله: أنّ المقام في الصورة الثانية من قبيل انكشاف الخطأ في العلم السابق على نحو الشكّ الساري، فإنّه و إن حصل له العلم المردّد بين نجاسة الثوب أو إناء عمرو، إلّا أنّه بعد الاطّلاع على أنّه لا مستند لنجاسة الثوب لو كان هو النجس إلّا ملاقاته لإناء زيد، ينكشف لديه أنّه ليس المقابل لاناء عمرو هو الثوب، بل إنّ المقابل له هو إناء زيد، و أنّ نجاسة الثوب ليست في قبال إناء عمرو، بل إنّما هي متفرّعة على نجاسة إناء زيد لو كان هو النجس.

و بذلك يتبيّن له أنّ النجاسة المتردّدة إنّما هي بين إناء زيد و إناء عمرو، و أنّ الثوب ليس في الحقيقة أحد طرفي العلم، و إنّما هو موضوع جديد من النجس مترتّب على تقدير كون النجس هو إناء زيد، فإنّ الترديد بين الثوب و إناء عمرو ليس في عرض الترديد بين الاناءين، بل إنّ الترديد بين الاناءين سابق في الرتبة على الترديد بين الثوب و إناء عمرو، فلا يبقى أثر للترديد الثاني بين الثوب و إناء عمرو، لأنّ أحد طرفيه و هو إناء عمرو كان أحد طرفي الترديد الأوّل، و في‏

____________

(1) لكن الظاهر من الكفاية [362- 363] أنّ العبرة بالتقدّم الزماني و أنّه هو الفارق بين الصور الثلاث. و بناءً على ما أفاده صاحب المقالة أنّ الملاقي- بالكسر- لا يجب الاجتناب عنه في الصورة الثالثة التي ذكرها في الكفاية [منه (قدس سره)‏].

71

الحقيقة أنّ الترديد الثاني صوري لا واقعية له، و الترديد الحقيقي إنّما هو بين الاناءين، فلو وقع أوّلًا الترديد الثاني و حصل بعده الترديد الأوّل، ينكشف أنّ ما كان قد حصل له من الترديد الأوّل بين الثوب و إناء عمرو صوري لا واقعية له، فيكون ذلك أشبه شي‏ء بانكشاف الخطأ على نحو الشكّ الساري، فينعدم العلم الأوّل و يرتفع أثره من التنجّز بين الثوب و إناء عمرو، فلا يكون العلم الأوّل باقياً مع حصول العلم الثاني، كي يقال إنّه يجتمع العلّتان على تنجّز نجاسة إناء عمرو، و يكون استناد تنجّزه إلى الأوّل ترجيحاً بلا مرجّح.

و لا يخفى أنّ كلمات شيخنا (قدس سره) في مقام ردّ ما أفاده صاحب الكفاية و إن كان ظاهر الكثير منها منصبّاً على أنّ المدار في التنجّز على سبق المعلوم و تأخّره، و أنّ العلم طريق محض كما أشرنا إليه، إلّا أنّ الكثير منها صريح في أنّ العلم الثاني في الصورة الثانية يوجب انعدام الأوّل بنحو انكشاف الخلاف أو الشكّ الساري بالنحو الذي عرفته، فلا يتوجّه ما أشرنا إليه و صرّح به في المقالة من كون العلم علّة في التنجّز، فراجع و تأمّل.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ الأُستاذ العراقي (قدس سره) فيما حكيناه عن درسه، جعل ملاك الفرق بين الصور الثلاث هو التقدّم و التأخّر الرتبي بين العلمين، بل إنّ كلامه في المقالة أيضاً ناظر إلى ذلك. نعم إنّ صاحب الكفاية جعل الملاك هو التقدّم الزماني بين العلمين.

و أمّا التقدّم الرتبي بين المعلومين كما يظهر من شيخنا (قدس سره) الاعتماد عليه في عدم تأثير أحد العلمين، فقد أورد عليه في المستمسك‏ (1) بما حاصله: أنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- و إن كانت متأخّرة رتبة عن نجاسة الملاقى- بالفتح-، إلّا أنّ‏

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 254- 255.

72

العلم بنفس النجاسة لا أثر له ما لم يترتّب عليها حكم تكليفي كوجوب الاجتناب، و من الواضح أنّ وجوب الاجتناب في الملاقي- بالكسر- ليس بمتأخّر رتبة عن وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح-، إذ لا علّية بينهما و لا معلولية، و إنّما هي بين نجاستيهما.

و يمكن الجواب عن هذا الايراد بما تقدّم في الجواب عن الشبهة السابقة (1) و حاصله: أنّ نجاسة الثاني أعني الملاقي- بالكسر- من الأحكام الوضعية لنجاسة الأوّل أعني الملاقى- بالفتح-، فتكون متأخّرة عنها تأخّر الحكم عن موضوعه أو المسبّب عن سببه، و حينئذٍ تكون هي في عرض وجوب الاجتناب عن الأوّل من آثار نجاسة الأوّل، فيكون وجوب الاجتناب عن الثاني متأخّراً في الرتبة عن وجوب الاجتناب عن الأوّل، لأنّ ما هو متأخّر عمّا هو في عرض الشي‏ء متأخّر عن نفس الشي‏ء.

و الحاصل: أنّ نجاسة الأوّل متقدّمة على نجاسة الثاني، و نجاسة الثاني متقدّمة على وجوب الاجتناب عنه، فيكون هو- أعني وجوب الاجتناب عن الثاني- واقعاً في الدرجة الثانية من نجاسة الأوّل‏ (2) فيكون متقدّماً عليه رتبة و إن لم يكن بين نفس الوجوبين علّية و لا معلولية، فيكون العلم الاجمالي المنجّز لوجوب الاجتناب عن الأوّل سابقاً في الرتبة على العلم الذي نريد أن نجعله منجّزاً لوجوب الاجتناب عن الثاني، و حينئذٍ يكون تنجّز وجوب الاجتناب في‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 36 و ما بعدها.

(2) [تقدّمت هذه العبارة في الصفحة: 28 و قد ورد فيها: فيكون هو- أعني وجوب الاجتناب عن الثاني- واقعاً في الدرجة الثالثة من نجاسة الأوّل، و يكون وجوب الاجتناب عن الأوّل واقعاً في الدرجة الثانية من نجاسة الأوّل ...].

73

طرف الأوّل سابقاً في الرتبة على مقتضى العلم الثاني بين الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقى- بالفتح-، فلا يكون العلم الثاني مؤثّراً، لكون الوجوب في أحد طرفيه الذي هو طرف الأوّل متنجّزاً بالعلم الأوّل بين الملاقى- بالفتح- و طرفه.

و لكن هذه المسألة- أعني تأخّر ما هو متأخّر عمّا هو في رتبة الشي‏ء عن نفس ذلك الشي‏ء- من المشكلات، و قد تعرّضنا لها في أوائل مسألة الضدّ في الحاشية على ص 216 من التحريرات المطبوعة في صيدا (1)، و في أوائل حجّية القطع من هذا الكتاب في مسألة أخذ العلم بالحكم موضوعاً، فراجعه في حاشية ص 6 من هذا التحرير (2).

و حاصله: أنّ الشيئين إمّا أن يكون أحدهما في طول الآخر كما إذا كان معلولًا له، و إمّا أن يكون أحدهما في عرض الآخر كما إذا كانا معلولين لعلّة ثالثة، و إمّا لا يكون أحدهما في طول الآخر و لا في عرضه، كما إذا لم يكن بينهما ربط العلّية و لا ربط المعلولية كالكتاب و الدار مثلًا.

إلّا أن يقال: إنّ العرضية هي عبارة عن عدم الطولية. و لا يخفى ما فيه، فنقول: إنّه لو كان ألف مثلًا علّة لكلّ من الباء و الجيم، و كان الجيم علّة لدال، فهل يكون الدال في عرض الباء لعدم العلّية و المعلولية بينهما، أو أنّهما لا يكونان إلّا مثل الكتاب و الدار في أنّه لا طولية بينهما و لا عرضية، أو أنّ تأخّر الدال عن الجيم بحسب الرتبة يكون موجباً لتأخّره رتبة عن الباء، لأنّ صقع الباء هو صقع الجيم، و المفروض أنّ صقع الدال متأخّر عن صقع الجيم، فيكون قهراً متأخّراً عن صقع الباء، و بناءً على ذلك نقول إنّه لو كان للباء معلول يكون الدال واقعاً في مرتبة ذلك‏

____________

(1) و هي الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 128.

(2) و هي الحاشية المتقدّمة في المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 40.

74

المعلول، لأنّ كلًا من المعلولين يكون متأخّراً عن علّته، و العلّتان و هما الباء و الجيم واقعان في عرض واحد لكونهما معاً معلولين لألف.

ثمّ لا يخفى أنّ وجوب الاجتناب في الملاقي- بالكسر- و إن لم يكن متأخّراً في الرتبة عن وجوب الاجتناب في الملاقى- بالفتح-، إلّا أنّه لا أقل من التلازم بينهما و لو لم يكن بينهما طولية، و حينئذٍ يتمّ ما أفاده في المقالة من تقدّم أحد العلمين على الآخر، كما لو علم أوّلًا بوجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- فإنّه ينتقل عنه إلى ملازمه و هو وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر-. و لو كان الذي علمه أوّلًا هو وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر-، كان الأمر بالعكس. نعم لو حصل العلم بهما دفعة لم يكن العلم بأحدهما متقدّماً رتبة على الآخر.

و يظهر أثر ذلك في الصورة الثالثة ممّا ذكره في الكفاية فيما لو كان العلمان يقترنان زماناً، فإنّه بناءً على طولية المعلومين يكون في البين تقدّم رتبي للعلم بالنجاسة المردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو على العلم بالنجاسة المردّدة بين الثوب و إناء عمرو، كما سيأتي‏ (1) إن شاء اللَّه تعالى شرحه، بخلاف ما لو أنكرنا التقدّم الرتبي بين المعلومين و قلنا بأنّهما من قبيل المتلازمين فقط، فإنّه حينئذ لا يكون لأحد العلمين في الصورة المزبورة تقدّم رتبي على الآخر.

هذا ما يتعلّق بالتقدّم الرتبي، و أمّا ما يتعلّق بالتقدّم الزماني الذي هو مسلك الكفاية فقد نقله في المستمسك و نقل بعض الايرادات عليه و أجاب عنها.

فالأولى نقل ذلك، فنقول بعونه تعالى:

قال في المستمسك: و قد يشكل بأنّه إنّما يتمّ لو بني على أنّ العلم بحدوثه‏

____________

(1) في الصفحة: 84 و ما بعدها.

75

يوجب تنجّز المعلوم إلى الأبد ... الخ‏ (1).

قال شيخنا (قدس سره) فيما حرّره عنه المرحوم الشيخ محمّد علي، بعد أن ذكر التفصيل عن الكفاية ما هذا لفظه: و لا يخفى عليك أنّ هذا التفصيل مبني على كون حدوث العلم الاجمالي بما أنّه علم و صفة قائمة في النفس تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن الأطراف، و إن تبدّلت صورته و انقلبت عمّا حدثت عليه، لأنّه يكون المدار حينئذ على حال حدوث العلم، فراجعه إلى قوله: فنقول إنّه يعتبر في تأثير العلم الاجمالي و اقتضائه التنجيز بقاؤه على صفة حدوثه، إلى آخر المبحث‏ (2).

و هذه العبائر و إن كانت مقاربة لما عبّر به هذا المشكل في صدر الإشكال إلّا أنّ مراد شيخنا (قدس سره) هو انقلاب العلم الأوّل في الصورة الثانية إلى العلم الثاني، فلا يبقى أثر للعلم الأوّل. لكن مراد المشكل هو أنّ العلم الأوّل و إن كان سابقاً في الزمان، إلّا أنّه بعد أن لحقه العلم الثاني يكون التنجّز مستنداً إليهما، سواء كان السابق هو العلم بنجاسة الثوب أو إناء عمرو أو كان السابق هو العلم بين الاناءين إناء زيد الذي لاقاه الثوب و إناء عمرو.

لكن هذا المقدار من دعوى الاشتراك في التنجّز بين العلم السابق و العلم اللاحق، لا يتناسب مع صدر الإشكال من أنّ حدوث العلم لا يوجب تنجّز المعلوم إلى الأبد، إلّا أن يكون المراد هو الاستقلال في التنجّز، بمعنى أنّ العلم السابق و إن كان في حال حدوثه مستقلًا في التنجّز، إلّا أنّه بعد حدوث العلم الثاني يخرج عن الاستقلالية، و يكون التنجّز معلولًا لكلا العلمين، فلو علم بالنجاسة

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 255.

(2) فوائد الأُصول 4: 86- 87.

76

بين إناء زيد و إناء عمرو ثمّ علم بالنجاسة بين الثوب الملاقي لإناء زيد و بين إناء عمرو، كان العلم الأوّل مستقلًا حال حدوثه في تنجّز نجاسة إناء عمرو، إلّا أنّ العلم الثاني المردّد بين الثوب و إناء عمرو بعد حدوثه يوجب استناد تنجّز نجاسة إناء عمرو إلى كلا العلمين، فلا يبقى العلم الأوّل مستقلًا في تنجّز إناء عمرو، كي لا يكون للعلم الثاني أثر في تنجّز تلك النجاسة في إناء عمرو، بل يكون تنجّزها فيه مستنداً إلى كلا العلمين.

و هكذا الحال فيما لو كان العلم السابق هو المردّد بين الثوب و إناء عمرو ثمّ حدث العلم المردّد بين الاناءين.

و أجاب في المستمسك عن الإشكال المذكور بما حاصله: هو أنّ تبعية التنجّز للعلم حدوثاً و بقاءً لا تقتضي إلّا استناد التنجّز إلى العلم الثاني.

و لا يخفى أنّ مقتضى التبعية هو استناد التنجّز إلى كلا العلمين، لا انفراد الثاني في العلّية، فإنّ العلم الأوّل إذا فرضنا عدم زواله بحدوث العلم الثاني، كانا من قبيل اجتماع العلّتين لا استقلال العلم الثاني. و لعلّ مراده من الاستناد إلى العلم الثاني هو أنّ علّية الأوّل غير مانعة من علّية الثاني، فيجتمع العلّتان، و لأجل ذلك يكون ما نحن فيه من قبيل ما لو علم بنجاسة إناءين أو إناء ثالث.

ثمّ إنّه فرّق بينهما بأنّ الانحلال ليس بعقلي بل هو عقلائي، و في تعبير الأُستاذ العراقي (قدس سره)(1) أنّه حكمي، و قد جمع بينهما في المستمسك فقال: بل هو حكمي عقلائي‏ (2).

و حينئذٍ يمكن الفرق بين المثال و بين ما نحن فيه، ففي المثال لا يكون‏

____________

(1) لاحظ مقالات الأُصول 2: 188.

(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 258.

77

انحلال، لأنّ العقلاء يرون العلم المذكور منجّزاً في أطرافه الثلاثة، بخلاف ما نحن فيه فإنّ العقلاء لا يرون العلم المتأخّر منجّزاً بعد سبق العلم السابق في التنجّز. و مع قطع النظر عن هذه الجهة من الفرق لا بدّ من الالتزام باشتراك اللاحق مع السابق في التنجّز، و يكون تنجّز نجاسة إناء عمرو مستنداً إلى كلا العلمين، و يكون ذلك من قبيل اجتماع العلّتين على معلول واحد، و يكون حال السبق و اللحوق كحال مقارنة أحد العلمين للآخر.

و لا يمكن الفرق بين صورة الاقتران و صورة السبق و اللحوق، بأنّ التنجّز في صورة الاقتران مستند إلى علم ثالث و هو القائم بين طرفين و طرف ثالث، لأنّ هذا العلم الثالث عين العلمين، لانحلاله إليهما، فيكون حاله بالنسبة إليهما حال الكل بالنسبة إلى أجزائه كما يظهر بالتأمّل‏ (1)، فإنّ العلم بين المتلاقيين و الطرف بمنزلة الكل، و العلم بين الاناءين و العلم بين الثوب و إناء عمرو بمنزلة أجزاء ذلك الكل، فيكون العلم الأوّل عين العلمين المذكورين.

لكن قد عرفت‏ (2) فيما نقلناه عن الأُستاذ العراقي في الصورة الثالثة أنّ العلمين فيها يكونان مستندين إلى علّة ثالثة، فلا يكون أحدهما في طول الآخر، بل يكون كلّ منهما في عرض الآخر. نعم هذه طريقة أُخرى في توجيه الفرق بين الصورة الثالثة و الصورتين الأُوليين، و هي غير هذه الدعوى المبنية على الفرق بينهما بكون التنجّز في الصورة الثالثة مستنداً إلى علم ثالث، فتأمّل.

ثمّ إنّه في المستمسك‏ (3) اختار ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) من كون المدار على‏

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 256.

(2) في الصفحة: 67.

(3) مستمسك العروة الوثقى 1: 257.

78

السبق الزماني، فيجب في الصورة الأُولى الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- و طرفه دون الملاقي- بالكسر-، و في الثانية يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقى- بالفتح- دون الملاقى- بالفتح-، و في الثالثة يجب الاجتناب عن الجميع، بدعوى بناء العقلاء على ذلك في الأُوليين. أمّا الثالثة فلأنّ استناد التنجّز إلى أحد العلمين دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، فيستند إليهما معاً، و يكون الحال كما لو قسّم أحد الاناءين قسمين.

و أجاب عن دعوى الفرق بينهما بالتقدّم الرتبي فيما نحن فيه بخلاف التقسيم، بما نقلناه عنه و تأمّلنا فيه، فراجع.

ثمّ ذكر ما أفاده شيخنا (قدس سره) في الصورة الثانية بطريق إن قلت. و الظاهر أنّه حمل ما أفاده شيخنا (قدس سره) على كون المدار في التنجّز على الواقع المعلوم استناداً إلى كون العلم طريقياً. و أجاب عنه بما يرجع إلى ما تقدّمت الاشارة إليه من كون العلم بالنسبة إلى التنجّز علّة و موضوعاً. ثمّ ذكر المعنى الثاني لما أفاده شيخنا (قدس سره) فيما ذكرناه سابقاً من انقلاب العلم على نحو انكشاف الخطأ بقوله: و دعوى كون العلم اللاحق الخ، و أجاب عن هذه الدعوى بأنّها ليست أولى من دعوى العكس، بل هي المتعيّنة، لما قدّمه من الانحلال العقلائي و أنّ المدار فيها على السبق الزماني.

قوله في المستمسك: و قد عرفت أنّ انحلال اللاحق بالسابق ليس حقيقياً- إلى قوله- بل هو حكمي عقلائي، بمعنى أنّه لا يكون حجّة عند العقلاء، و إلّا فالانحلال قد يكون بحجّة غير العلم من أمارة أو أصل- إلى قوله- و بالجملة:

العلم إنّما يتعلّق بالصور الذهنية و لا يسري إلى الخارج، فكيف يرفع أحد العلمين الآخر مع اختلاف الصورتين الخ‏ (1)

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 258- 259.

79

و قال المرحوم الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته المطبوعة في الردّ على القول بالانحلال الحقيقي: و فيه أوّلًا: بأنّ ذلك لا يتمّ في الطرق غير العلمية- إلى أن قال- ثمّ على فرض علمية الطريق لا يجدي وجوده في انقلاب المعلوم بالاجمال إلى التفصيلي، إذ كلّ واحد من العلمين متعلّق بصورة غير الأُخرى، إذ الصور الاجمالية مباينة مع التفصيلية ذهناً، و إن كانا متّحدين أحياناً في الخارج- إلى أن قال- و لا يقاس المقام بباب الأقل و الأكثر، إذ الاجمال هناك في حدّي الأقل و الأكثر، و إلّا ففي نفس الذات ما يتحقّق‏ (1) من الأوّل إلّا علم تفصيلي بالأقل و الشكّ في الأكثر، و أين هذا و مقامنا الذي كان الإجمال في نفس الذات باقياً على حاله و إن تحقّق علم تفصيلي بأحد الطرفين كما هو ظاهر، و حينئذٍ فليس مقامنا بقول مطلق من باب الانحلال بنحو الحقيقة، علمية كانت الطرق التفصيلية أم ظنّية، و حينئذٍ فالتحقيق أن يقال: إنّه مع قيام المنجّز- أيّما كان- في أحد الطرفين، يخرج العلم الاجمالي عن تمام المؤثّرية في هذا الطرف، فقهراً يصير جزء مؤثّر، و من البديهي أنّ شأن الجزئية خروجه عن الاستقلال في التأثير، و لازمه عدم استقلاله على تأثيره في الجامع الاجمالي- إلى أن قال- وعليه فليس المقام بالنسبة إلى جميع أنحاء الطرق بل و الأُصول المثبتة إلّا بمنوال واحد، من كون الانحلال في الجميع حكمياً لا حقيقياً (2).

و حاصل ما أفاده في هذا التحقيق: هو أنّه إذا كان التكليف متنجّزاً في طرف معيّن من طرفي العلم الاجمالي بسبب هناك أوجب تنجّزه في ذلك الطرف، لم‏

____________

(1) [لا يخفى أنّ المذكور في الطبعة القديمة «ما يحقّق» و في الحديثة صحّحت ب «ما تحقّق»].

(2) مقالات الأُصول 2: 187- 188.

80

يكن العلم الاجمالي بالنسبة إلى ذلك الطرف المعيّن تمام المؤثّر في التنجّز، و أقصى ما في ذلك أن يكون التنجّز في ذلك الطرف المعيّن مستنداً إلى سببه الخاصّ به و إلى العلم الاجمالي المردّد بينه و بين الطرف الآخر، فيكون العلم الاجمالي في ذلك الطرف المعيّن جزء المؤثّر، و حينئذٍ لا يكون العلم الاجمالي في ذلك الطرف مستقلًا في التنجّز، و إذا سقط عن الاستقلال في التنجّز في أحد الطرفين لم يعقل القول بكون العلم الاجمالي مستقلًا في التنجّز، فإنّ لازم ذلك هو سراية الاستقلالية إلى كلّ واحد من الطرفين، و قد عرفت عدم الاستقلالية في ذلك المعيّن، فلا بدّ أن نقول إنّ نفس العلم الاجمالي بما أنّه متعلّق بالقدر [الجامع‏] ليس له استقلالية التنجّز، و إذا ثبت عدم استقلاله في التنجّز كان ذلك عبارة أُخرى عن كونه غير مؤثّر في الطرف الآخر، و حينئذٍ يكون سقوطه عن التأثير عقلياً، و حيث إنّه بعد باقٍ على ما هو عليه من الإجمال و عدم الانحلال الحقيقي، نقول إنّه بحكم الانحلال الحقيقي في عدم تأثيره.

و لا يخفى أنّ من يقول بالانحلال في مسألة الأقل و الأكثر و لو في غير الارتباطيين، لا يقول بأنّ هناك علماً إجمالياً حقيقيّاً، و أنّه انحلّ إلى العلم التفصيلي بالأقل و الشكّ البدوي في الزائد، بل يقول إنّه علم إجمالي صوري خيالي، و أنّه لا واقعية إلّا للعلم التفصيلي بالأقل و الشكّ البدوي في الزائد.

و منه يعلم الحال في العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين مع العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعيّن، فإنّه أيضاً لا يكون العلم الاجمالي المردّد بينهما إلّا صورياً خيالياً، و أنّه ليس في البين إلّا العلم التفصيلي بنجاسة ذلك المعيّن و الشكّ البدوي في نجاسة الطرف الآخر، فلا يكون الانحلال إلّا حقيقياً، بل لا يكون العلم الاجمالي إلّا صورياً كما عرفت، و كيف يعقل بقاء صورة العلم‏

81

المردّد مع فرض العلم التفصيلي بنجاسة ذلك المعيّن، كي يقال إنّهما اجتمعا في ذلك المعيّن، فكان التنجّز فيه مستنداً إلى كلّ من العلم الاجمالي و التفصيلي، ليكون سقوط العلم الاجمالي عن التأثير مستنداً إلى سقوطه عن الاستقلال في التنجّز، و أنّه يعود بواسطة ذلك العلم التفصيلي إلى كونه جزء العلّة في التنجّز، كي يقال إنّ الانحلال في ذلك حكمي أو أنّه عقلائي و نحو ذلك من العبارات.

نعم، لو كان المنجّز التفصيلي في ذلك الطرف المعيّن هو غير العلم الوجداني، بل كان هو أحد الطرق أو الأُصول المثبتة و لو من قبيل مجرّد المنجّز العقلي، كما لو كان ذلك المعيّن من أطراف علم إجمالي آخر، لم يكن الانحلال حقيقياً، بل كان بحكم الانحلال إمّا بحكم الشارع كما لو كانت حجّية ذلك المنجّز شرعية، أو بحكم الانحلال عقلًا كما لو كانت منجّزية ذلك المنجّز التفصيلي عقلية، بأن كان أحد الطرفين مورداً لأصالة الاشتغال.

و منه ما لو كان أحد الطرفين طرفاً لعلم إجمالي آخر، مثل أن يعلم بنجاسة إناء زيد أو إناء عمرو ثمّ علم بنجاسة مردّدة بين إناء عمرو و إناء خالد، فإنّ هذا العلم الاجمالي الثاني منحل بحكم العلم الاجمالي الأوّل، و ما نحن فيه من العلم بالنجاسة المردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو و العلم بالنجاسة المردّدة بين الثوب الملاقي لإناء زيد و بين إناء عمرو من هذا القبيل، فيقال إنّ نجاسة إناء عمرو قد تنجّزت بالعلم السابق رتبة أو زماناً أو زماناً و رتبة.

لكن الظاهر أنّه ليس من هذا القبيل بل هو من قبيل الانحلال الحقيقي، بمعنى أنّه ليس في البين علم إجمالي حقيقي بين الثوب و إناء عمرو، بل هو صوري خيالي، ينكشف كونه خيالياً بواسطة العلم بأنّه لا مستند لنجاسة الثوب على تقديرها إلّا ملاقاته لإناء زيد، و أنّ العلم الاجمالي الحقيقي إنّما هو بين‏

82

الاناءين، و أنّ نجاسة الثوب لا تكون إلّا موضوعاً جديداً من النجس أجنبياً عن دائرة العلم الاجمالي الحقيقي، و أنّ العلم بين الاناءين لا يكون سبباً للعلم الحقيقي بين الثوب و إناء عمرو، بل أقصى ما فيه أن يكون سبباً للعلم بنجاسة الثوب على تقدير كون النجس في العلم الأوّل هو إناء زيد. نعم في مقام التعبير يصحّ لنا أن نقول إنّه يتولّد من العلم الاجمالي الأوّل العلم الاجمالي الثاني، لكنّه من مجرّد التعبير المبني على المسامحة.

ثمّ لا يخفى أنّ المثال الذي ذكرناه أعني العلم بالنجاسة المردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو، ثمّ العلم بها بين إناء عمرو و إناء خالد، ليكون إناء عمرو ملتقى خطي العلمين، تارةً يكون العلم الثاني علماً بوقوع نجاسة جديدة بين إناء عمرو و إناء خالد، لكنّه يحتمل أنّ الثانية لم تؤثّر، بأن كان يحتمل أنّ كلا النجاستين في إناء عمرو، و يحتمل أنّ الأُولى في إناء زيد و الثانية في إناء عمرو، و يحتمل أنّ الأُولى في إناء زيد و الثانية في إناء خالد، و يحتمل أنّ الأُولى في إناء عمرو و الثانية في إناء خالد.

و أُخرى هو هذا الفرض لكنّه يعلم أنّ الثانية قد أثّرت، بأن يكون الاحتمال الأوّل ساقطاً و هو وقوع كلّ منهما في إناء عمرو، و يكون التردّد بين الاحتمالات الثلاثة. و على أي حال لا يكون العلم الثاني منجّزاً لو كان متأخّراً بحسب الزمان.

نعم لو حصل العلمان دفعة واحدة وجب الاجتناب عن الاناءات الثلاثة، على تفصيل شرحناه في شرح عبارة شيخنا (قدس سره) في الوسيلة. و مثل هذين النحوين ما لو كان العلم بالنجاسة الثانية مردّداً بين الأطراف الثلاثة.

و ثالثة يعلم أنّ الثانية لم تقع في إناء عمرو، بل هي إمّا واقعة في إناء خالد أو واقعة خارج الاناءات الثلاثة، لكن وقوعها في إناء خالد مقيّد بما إذا لم تقع الأُولى‏

83

في إناء عمرو، و وقوعها خارج الاناءات مقيّد بكون الأُولى واقعة في إناء عمرو، فهو أوّلًا يعلم بأنّه قد تنجّس إناء زيد أو إناء عمرو، ثمّ علم بأنّ الأُولى إن لم تقع في إناء عمرو فقد تنجّس إناء خالد بنجاسة جديدة، و إن كانت الأُولى واقعة في إناء عمرو فإنّ إناء خالد لم تقع فيه تلك النجاسة الجديدة بل وقعت خارج الاناءات الثلاثة، و يكون محصّل العلمين أنّ النجاسة الأُولى إن كانت في إناء زيد فقد وقعت نجاسة أُخرى في إناء خالد و بقي إناء عمرو على طهارته و تنجّس الاناء الأوّل و الثالث، و إن كانت في إناء عمرو فلم يتنجّس إناء خالد و لا إناء زيد.

و في الحقيقة يكون حاصل العلمين هو التردّد بين نجاسة الاناءين- أعني إناء زيد و إناء خالد- و بين نجاسة إناء عمرو فقط.

و الظاهر أنّ هذه الصورة الأخيرة مقاربة لما نحن فيه من الثوب الملاقي لإناء زيد، فيكون التردّد بين نجاسة الثوب و إناء عمرو واقعاً موقع التردّد بين نجاسة إناء خالد و إناء عمرو، في كون نجاسة إناء عمرو التي هي في قبال نجاسة الثوب أو نجاسة إناء خالد هي ليست بنجاسة جديدة، بل إنّ إناء عمرو على تقدير كونه هو النجس في هذه المقابلة بينه و بين الثوب أو بينه و بين إناء خالد، لا تكون نجاسته إلّا تلك النجاسة التي كانت معلومة بالعلم الاجمالي الأوّل المردّد بينه و بين إناء زيد. و غاية الفرق بين ما نحن فيه و بين المثال، هو أنّه في المثال يكون نجاسة إناء خالد في عرض نجاسة إناء زيد، و فيما نحن فيه يكون نجاسة الثوب في طول نجاسة إناء زيد، و هذا المقدار من الفرق هو الذي أوجب كون العلم الثاني فيما نحن فيه صورياً لا واقعية له، و في المثال يكون العلم الثاني علماً حقيقياً، و يكون مرجع العلمين فيه إلى العلم المردّد بين الأوّل و الثالث و بين الثاني، فيكون اللازم هو الاجتناب عن الجميع، إلّا إذا كان أحد العلمين سابقاً في‏

84

الزمان على الآخر، فيكون هو المؤثّر دون لاحقه، فتأمّل.

قوله في المستمسك: ثمّ إنّ مقتضى الوجه الثاني الذي ذكره غير واحد من الأعيان في تقريب جواز الرجوع إلى الأصل في الملاقي- إلى قوله- فهذا التفصيل يكون نظير التفصيل الذي ذكره الأُستاذ (قدس سره) في كفايته، غايته أنّ هذا تفصيل بين صور تقدّم أحد العلمين رتبة على الآخر و تأخّره عنه و كونهما في رتبة واحدة و ذلك تفصيل من حيث تقدّم أحدهما على الآخر زماناً و تأخّره و اقترانهما (1).

و يظهر أثر الخلاف بينهما في الصورة الثالثة من الصور التي ذكرها في الكفاية (2)، فإنّه بناءً على كون المدار على التقدّم الزماني يكون الاجتناب واجباً فيها عن الثلاثة، بخلاف التقدّم الرتبي، فإنّه بناءً عليه لا يكون الواجب إلّا الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- و طرفه، دون الملاقي- بالكسر-.

و يظهر أيضاً في الصورة الثانية فيما لو كان التأخّر رتبياً لا زمانياً، و ذلك بأن تحصل ملاقاة ثوبه لإناء زيد مع فرض العلم بأنّه لو كان ثوبه نجساً لم تكن نجاسته إلّا من ملاقاته لإناء زيد، ثمّ يخبره المخبر بأنّ أحد الأمرين من ثوبه أو إناء عمرو نجس، فإنّه في هذه الصورة يحصل له في الرتبة السابقة العلم الاجمالي بالنجاسة المردّدة بين ثوبه و إناء عمرو، و عن هذا العلم ينتقل إلى العلم الاجمالي المردّد بين الاناءين، من دون أن يكون في البين تقدّم زماني، بل لا يكون بين العلمين إلّا التقدّم الرتبي، لكون الأوّل علّة في حصول الثاني، فإنّه في هذه الصورة يجب الاجتناب عن الثلاثة بناءً على كون المدار هو التقدّم الزماني، و عن الثوب و إناء عمرو فقط دون إناء زيد بناءً على كون المدار هو التقدّم الرتبي.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 259.

(2) كفاية الأُصول: 363.

85

نعم، لو علم بالنجاسة المردّدة بين الثوب و إناء عمرو، ثمّ بعد مضي مقدار من الزمان التفت إلى أنّ هذا الثوب لو كان هو النجس المعلوم لكانت نجاسته معلولة لكونه قد كان ملاقياً لإناء زيد، و عند ذلك يحصل له العلم الاجمالي الثاني المردّد بين الاناءين، ففي هذه الصورة لا يجب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- الذي هو إناء زيد على كلا القولين، لحصول كلّ من التقدّم الرتبي و الزماني فيها لأحد العلمين، و هو العلم بين الثوب و إناء عمرو على العلم الآخر و هو العلم بين الاناءين. و هذه هي الصورة الثانية ممّا ذكره في الكفاية. أمّا التي هي مختصّة بالمقالة، فهي ما عرفت من كون التأخّر فيها مقصوراً على التأخّر الرتبي.

و لا يخفى الفرق بين هذه الصورة المشتملة على التأخّر الرتبي فقط و بين الصورة الثالثة من الكفاية، فإنّ السابق رتبة في هذه الصورة يكون هو العلم الاجمالي المردّد بين الثوب و إناء عمرو، فيكون هو المنجّز، بخلاف الصورة الثالثة في الكفاية فإنّ السابق رتبة فيها يكون هو العلم الاجمالي المردّد بين إناء زيد و إناء عمرو، فتكون على العكس من الصورة المذكورة، و يكون حال هذه الصورة الثالثة في كلام الكفاية حال الصورة الأُولى، غير أنّها يكون التأخّر فيها رتبيّاً فقط، و في الأُولى يكون التأخّر رتبياً و زمانياً.

و اعلم أنّ هذه الصورة- أعني ما لو تقدّم العلم بالنجاسة المردّدة بين الثوب و إناء عمرو على العلم بالنجاسة المردّدة بين الاناءين، سواء كان التقدّم رتبياً فقط أو انضمّ إليه التقدّم الزماني- لا يكون مسلك تعارض الأُصول نافعاً فيها في تسويغ الارتكاب بالنسبة إلى الملاقي- بالكسر- الذي هو الثوب، و ذلك لأنّه بمجرّد حصول العلم بالنجاسة المردّدة بين الثوب و إناء عمرو تقع المعارضة بين الأصلين فيسقطان، و بعد حصول العلم الثاني رتبة أو زماناً المردّد بين إناء زيد

86

و إناء عمرو يكون الأصل في إناء زيد بلا معارض، فلا محيص حينئذ في هذه الصورة بكلا شقّيها لمن يدّعي جريان الأصل في الثوب كما هو مسلك شيخنا (قدس سره) من دعوى كون العلم الثاني موجباً لانقلاب العلم الأوّل، على ما شرحناه غير مرّة.

و الذي تلخّص لك في هذه الصورة: أنّ الشقّ الثاني منها يكون الواجب فيها هو الاجتناب عن الثوب و إناء عمرو، سواء قلنا إنّ المدار على التقدّم الزماني أو على التقدّم الرتبي، أو على تعارض الأُصول، إلّا على دعوى كون العلم الثاني موجباً لانقلاب العلم الأوّل. و أمّا الشقّ الأوّل، فعلى تقدير كون المدار على التقدّم الزماني كما هو مسلك الكفاية، ينبغي القول فيها بوجوب الاجتناب عن الثلاثة.

و على تقدير الاكتفاء بالتقدّم الرتبي لأحد العلمين على الآخر، يكون وجوب الاجتناب منحصراً بالثوب و إناء عمرو، دون إناء زيد. و على تقدير مسلك التعارض يكون الأمر كذلك، إلّا على دعوى الانقلاب.

أمّا الصورة الثالثة ممّا أفاده في الكفاية، فقد عرفت أنّها يجب الاجتناب فيها عن الثلاثة على مسلك صاحب الكفاية، و أنّه على مسلك صاحب المقالة يكون وجوب الاجتناب منحصراً بالاناءين دون الثوب، لكون العلم بين الاناءين سابقاً في الرتبة على العلم بين الثوب و إناء عمرو، و كذلك على مسلك التعارض لحصول التعارض في طرفي العلم السابق رتبة بين الاناءين، و يبقى الثوب الذي هو طرف العلم الاجمالي المتأخّر رتبة مورداً لقاعدة الطهارة بلا معارض، فلاحظ و تأمّل.

أمّا الصورة الثالثة ممّا أفاده صاحب المقالة (1)، و هي ما لو حصل العلمان في رتبة واحدة، بأن أخبرنا الصادق بالنجاسة المتردّدة بين المتلاقيين و بين إناء

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 248.

87

عمرو، فيلزم الاجتناب فيها عن الثلاثة على كلّ من مسلكه و مسلك صاحب الكفاية. أمّا على مسلكه فلعدم التقدّم الرتبي بين العلمين، لأنّ المفروض حصولهما من سبب و علّة واحدة، و هي إخبار الصادق بنجاستهما أو نجاسة إناء عمرو، و لم يكن في البين انتقال من أحد العلمين إلى العلم الآخر كي يكون بينهما تقدّم رتبي. و أمّا على مسلك صاحب الكفاية فلعدم التقدّم الزماني بين العلمين.

و الظاهر أنّ الحال كذلك على مسلك التعارض الذي هو مسلك الشيخ (قدس سره) و مسلك شيخنا (قدس سره)، إلّا أن يلتزم بالانقلاب، على تأمّل في ذلك سيأتي ذكره.

فتلخّص: أنّ مسلك التعارض محتاج في جواز ارتكاب الملاقي- بالكسر- الذي هو الثوب في مثالنا إلى دعوى الانقلاب في الصورة الثانية بكلا شقّيها، و في الصورة الثالثة ممّا ذكره صاحب المقالة.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ مسلك التعارض نافع في هذه الصورة أيضاً، فإنّ العلمين و إن حصلا دفعة، و لا تقدّم و لا تأخّر فيهما لا بحسب الزمان و لا بحسب الرتبة، لكنّا لا يمكننا إيقاع التعارض دفعة واحدة بين قاعدة الطهارة في إناء زيد و في الثوب الملاقي له، و بين قاعدة الطهارة في إناء عمرو، لأنّ قاعدة الطهارة في الثوب ليست في عرض قاعدة الطهارة في إناء زيد كي يكونا معاً معارضين لقاعدة الطهارة في إناء عمرو، بل إنّ قاعدة الطهارة في الثوب متأخّرة رتبة عنها في إناء زيد، فالمعارض حينئذ لقاعدة الطهارة في إناء عمرو هو القاعدة في إناء زيد، و بعد تساقطهما تبقى قاعدة الطهارة في الثوب بلا معارض، فيكون مسلك التعارض نافعاً في هذه الصورة من دون حاجة إلى دعوى الانقلاب، إلّا على تقدير كون العلم علّة تامّة في التنجّز و إن لم تتعارض الأُصول في أطرافه. هذا كلّه بناءً على كون المدار على تعارض الأُصول.

88

و أمّا بناءً على ما ربما يظهر من كلمات شيخنا (قدس سره) من أنّ المدار في مسألة الملاقي و الملاقى على تقدّم المعلوم و إن كان العلم به متأخّراً، فقد عرفت أنّه بظاهره لا يستقيم مع كون العلم الاجمالي بالنسبة إلى التنجّز على نحو الموضوعية و العلّية، الموجب لاستحالة أن يتقدّم عليه أثره الذي هو التنجّز، و لا شكّ أنّ شيخنا (قدس سره) لا يريد ذلك، كيف و هو بنفسه قد صرّح بأنّ العلم و إن كان بالنسبة إلى متعلّقه على نحو الطريقية، لكنّه بالنسبة إلى التنجّز على نحو الموضوعية و السببية، كما صرّح به فيما نقلناه‏ (1) في مقدّمة المسألة التي أفاد فيها الشيخ (قدس سره) أنّ الملاقي- بالكسر- يقوم مقام الملاقى- بالفتح- فيما لو فقد الملاقى- بالفتح- ثمّ حصل العلم الاجمالي، و بذلك صرّح أيضاً فيما نقله عنه المرحوم الشيخ محمّد علي في مبحث الاضطرار (2) فراجع. بل المراد بما أفاده من أنّ المدار على تقدّم المعلوم، هو كون العلم الثاني المتعلّق بما هو مقدّم على المعلوم بالعلم الأوّل، يوجب الخلل بالعلم الأوّل و انقلابه من كونه علماً بتوجّه التكليف على كلّ من الطرفين إلى كونه من الدوران بين الأمرين اللذين يكون لأحدهما أثر، و لا يكون للآخر أثر.

و تقريبه يحتاج إلى مقدّمات:

الأُولى: أنّه لو علم بنجاسة إناء زيد تفصيلًا، ثمّ انتقض ذلك العلم التفصيلي بالعلم بأنّه كان طاهراً أو بالشكّ الساري، فإنّ هذا العلم و إن كان بحدوثه مؤثّراً إلّا أنّه ما دام موجوداً، فإذا حصل ما أزاله من أصله و تبدّل إلى العلم بالطهارة السابقة أو إلى الشكّ فيها بنحو الشكّ الساري، يزول أثره و ينكشف أنّه لا واقعية

____________

(1) في الصفحة: 68- 69.

(2) فوائد الأُصول 4: 95.

89

له.

الثانية: أنّه لو علم بنجاسة إناء عمرو تفصيلًا، ثمّ علم بنجاسة إمّا فيه أو في إناء زيد، لم يكن ذلك العلم الاجمالي الثاني إلّا صورياً، و لا يكون إلّا من قبيل العلم التفصيلي بنجاسة إناء عمرو و الشكّ البدوي في نجاسة إناء زيد، فإنّه بالنسبة إلى وقوع النجاسة و إن كان من العلم الاجمالي، إلّا أنّ نفس وقوع النجاسة لا اعتبار بها، و إنّما الاعتبار بالحكم التكليفي الناشئ عن وقوعها، و هو وجوب الاجتناب، و المفروض أنّ وجوب الاجتناب عن إناء عمرو معلوم تفصيلًا، فلا يكون ذلك إلّا من قبيل الشكّ البدوي في وجوب الاجتناب عن إناء زيد، و هو ما ذكرناه من كون العلم بالنسبة إلى وجوب الاجتناب في العلم الثاني صورياً لا واقعية له. و كذا لو علم بوقوع قطرتين إمّا كلاهما في إناء عمرو، أو أنّ إحداهما فيه و الأُخرى في إناء زيد.

و المثال الثاني يكون العلمان مقترنين في الزمان بخلاف المثال الأوّل، و في المثال الثاني يكون حاصل العلمين راجعاً إلى الأقل و الأكثر، بخلاف الأوّل فإنّه و إن كان الحاصل منهما هو ذلك، لكن بعد حصول الثاني و بعد مضي مدّة على تنجّز الأوّل، فتأمّل.

الثالثة: لو علم إجمالًا بالنجاسة بين إناء زيد و إناء عمرو، ثمّ بعد ذلك علم تفصيلًا بأنّ إناء عمرو قد وقعت فيه نجاسة قبل النجاسة المردّدة بينهما، كان هذا العلم التفصيلي المتأخّر سارياً إلى ذلك العلم الاجمالي السابق، و مبدّلًا له من العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي و الشكّ البدوي، بخلاف ما لو كانت النجاسة التفصيلية حادثة بعد العلم الاجمالي، فإنّ العلم بها لا أثر له في العلم الاجمالي السابق، بل يكون التبدّل من حين العلم بها إلى ما بعد، و لا يسري إلى ما قبل، أمّا

90

لو كانت تلك النجاسة التفصيلية سابقة على ما هو المعلوم أوّلًا، فإنّ العلم بها تفصيلًا ثانياً يسري إلى العلم الاجمالي السابق و يكشف عن حاله و أنّه صوري، و أنّه لم يكن إلّا من قبيل تخيّل ورود التكليف على كلّ حال.

و إن شئت فقل: إنّ العلم بها ثانياً يوجب التبدّل في المعلوم السابق، و انكشاف أنّه لم يكن علماً بتكليف مردّد بين المتباينين، بل ينكشف أنّه من قبيل الأقل و الأكثر، بمعنى أنّا كنّا متخيّلين أنّ معلومنا الاجمالي بين المتباينين، و لكنّه انكشف أنّه بين الأقل و الأكثر.

الرابعة: أنّه لو علم بالنجاسة بين إناء خالد و إناء عمرو، ثمّ بعد ذلك علم بوقوع نجاسة سابقة إمّا في إناء زيد أو إناء عمرو، فنسبة هذا العلم الاجمالي الثاني إلى العلم الاجمالي الأوّل كنسبة العلم التفصيلي الثاني في المقدّمة السابقة إلى العلم الاجمالي الأوّل، في كونه كاشفاً عن كونه لم يكن المعلوم فيه مؤثّراً على كلّ تقدير، فيكون موجباً لسقوطه، و يكون المدار على العلم الاجمالي الثاني و إن كان متأخّراً زماناً أو رتبة عن الأوّل، أو كان مقارناً له زماناً و رتبة، و قد تقدّم توضيح ذلك مراراً (1).

بل قد تقدّم‏ (2) ما محصّله: أنّا لو قلنا إنّ المدار على العلم الاجمالي السابق فيما ذكرناه في المثال، إلّا أنّه يمكننا عدم الالتزام به فيما نحن فيه من مثال العلم الاجمالي بين الثوب و إناء عمرو ثمّ يلحقه العلم الاجمالي بين إناء زيد و إناء عمرو، بدعوى عدم المقابلة حقيقة بين الثوب و إناء عمرو و إنّما هي بين الاناءين، و يتفرّع على نجاسة الأوّل منهما نجاسة الثوب، لا أنّه دخيل في المقابلة

____________

(1) راجع الحاشية الثانية المتقدّمة في الصفحة: 50.

(2) راجع ما تقدّم في الصفحة: 81- 82.

91

بينهما، و حينئذٍ فالعلم الحاصل أوّلًا بين الثوب و إناء عمرو لو لحقه العلم الثاني ينكشف خطؤه و أنّ العلم الاجمالي الذي كان مردّداً بينهما كان خطأ، و أنّ الترديد إنّما هو بين الاناءين لا بين الثوب و إناء عمرو.

و على أيّ حال، فإنّ مرجع هذه الدعوى إلى أنّ العلم الاجمالي الثاني يخرج العلم الأوّل عن كونه علماً بالتكليف الفعلي على كلّ حال، أو أنّه يخرجه عن كونه علماً إجمالياً حقيقياً، و ينكشف أنّه كان صورياً لا واقعية له.

و لا معنى للقول بأنّ هذا ليس بأولى من العكس، كما تضمّنته عبارة المستمسك بقوله: و دعوى كون العلم اللاحق يخرج به العلم السابق عن كونه علماً بالتكليف الفعلي ليست بأولى من دعوى العكس، بل هي المتعيّنة، لما عرفت من استناد التنجّز إلى أسبق العلمين الخ‏ (1) لما عرفت من أنّ هذه الدعوى ليست براجعة إلى أنّ المنجّز هو العلم المتأخّر، و أنّ العلم المتأخّر يرفع تنجّز العلم السابق، كي يتّجه عليها أنّها ليست بأولى من دعوى العكس بل إنّ العكس هو المتعيّن، بل إنّ هذه الدعوى راجعة إلى أنّ العلم الثاني كاشف عن خطأ العلم الأوّل على نحو الشكّ الساري، و لا ريب أنّ العلم الأوّل لا يعقل أن يكون كاشفاً عن خطأ الثاني، لأنّ الثاني علم بتوجّه تكليف مردّد بين إناء زيد و إناء عمرو، لأنّ النجاسة في أيّ واحد وقعت تحدث وجوب اجتناب فيه، و هذا المقدار من العلم بتوجّه وجوب اجتناب مردّد بين الاناءين لا يرفعه العلم السابق المردّد بين الثوب و إناء عمرو.

نعم، إنّ العلم الثاني بالنجاسة السابقة المردّدة بين الاناءين يرفع العلم الأوّل المردّد بين وجوب الاجتناب عن الثوب أو إناء عمرو، و يكشف عن أنّه‏

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 258.

92

ليس بعلم بوجوب اجتناب جديد بين الثوب و إناء عمرو، بل إنّه خيال، و أنّه ليس هناك في الأوّل إلّا التردّد بين وجوب الاجتناب عن الثوب الذي هو موضوع مستقل، أو الاجتناب عن إناء عمرو الذي كان متحقّقاً قبل هذا واقعاً، فتأمّل.

و خلاصة هذه الأبحاث‏ على ما فيها من التطويل و لعلّه بلا طائل: هي أنّ الشبهة المتقدّمة في عدم انحلال العلم الاجمالي فيما لو كان أحد طرفيه مجرى الأصل المثبت غير الاحرازي، كما تقدّم‏ (1) في مسألة الدوران بين كون المتروك ركناً أو غير ركن، و كما تقدّم في الاناء الكبير الذي هو ملتقى خطي العلم الاجمالي الأوّل بين الصغير و الكبير و العلم الاجمالي الثاني بين الكبير و المتوسّط، جارية في ملاقي الصغير عند ما تجعله طرفاً للكبير، فإنّ الكبير هنا يكون حسابه حساب ذلك الكبير، و العلم الثاني المردّد بين الثوب الملاقي للصغير و بين الكبير لا ينحلّ، سواء تأخّر زماناً عن الأوّل الذي هو بين الصغير و الكبير، بأن علم بنجاسة أحدهما ثمّ إنّ ثوبه لاقى الصغير منهما، أو لم يكن في البين إلّا التأخّر الرتبي بأن علم بنجاسة أحدهما بعد العلم بالملاقاة، أو علم بنجاسة أحدهما ثمّ علم بسبق الملاقاة على علمه بنجاسة أحدهما، فإنّ العلم الثاني بين الثوب و الكبير لا يخرج عن كونه بين المتباينين. و كون الكبير مجرى الأصل المثبت سابقاً على العلم الاجمالي الثاني لا يوجب الانحلال إلى الأقل و الأكثر.

اللهمّ إلّا أن نرجعه إلى الأقل و الأكثر، بدعوى أنّ النجس لو كان هو الصغير وجب الاجتناب عنه و عن الثوب، و إن كان هو الكبير وجب الاجتناب عنه فقط، فالقدر الجامع بين الاناءين أعني أحدهما هو الأقل، و الزائد عليه هو الاجتناب‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد السابع من هذا الكتاب في الصفحة: 363 و ما بعدها.

93

عن الثوب. لكن التخريج على ذلك مشكل، إذ يعتبر في الأقل أن يكون داخلًا في الأكثر، و ليس الأقل كذلك فيما نحن فيه، فإنّ له تقديرين يكون بأحدهما داخلًا في الأكثر، و يكون بالآخر خارجاً عنه.

و هل يمكن أن يقال: إنّ ما نحن فيه مثل ما لو وقعت القطرة مردّدة بين الصغير و الكبير، ثمّ أُخرى مردّدة بين الكبير وحده أو توزّعت بين الصغير و المتوسّط، و ذلك عبارة أُخرى عن الاتّساع. أو هو مثل ما لو وقعت القطرة مردّدة بين الصغير و الكبير، ثمّ علمنا بأنّها على تقدير عدم وقوعها في الكبير فهي قد وقعت موزّعة بين الصغير و المتوسّط، فنقايس الثوب الملاقي للصغير في مسألتنا بالاناء المتوسّط، و ذلك أيضاً مبني على الاتّساع.

و يمكن أن يقال: إنّ هذه المسألة خارجة عن كون العلم الاجمالي علّة في التنجّز، لأنّه علّة في تنجيز ما تعلّق به، دون الزائد، فإنّ نجاسة الملاقي- أعني الثوب- زائدة على أصل النجاسة التي تعلّق بها العلم، فإنّ الثوب و إن ضممناه إلى الكبير إلّا أنّه ضمّ صوري، و النجس المعلوم هو ما بين الاناءين، لا ما بين الصغير و الثوب و بين الكبير، و لا ما بين الثوب و الكبير.

و بالجملة: إدراج الثوب في أطراف العلم مغالطة، و الطرفية إنّما هي بين الاناءين و الثوب خارج عنهما. نعم لو كانت النجاسة واقعة في الصغير لكانت ملاقاة الثوب له موجبة لتنجّس الثوب، و كانت نجاسة الثوب متفرّعة عن نجاسة الصغير، فأين ذلك من كون نجاسة الثوب طرفاً أو جزءاً من الطرف. و هذا كلّه ناش عن التفرّع المذكور، و لو لا التفرّع بأن كانت نجاسة الثوب ملازمة لنجاسة الصغير ملازمة اتّفاقية من دون تفرّع، و لو من جهة أنّ تلك النجاسة على تقدير عدم وقوعها في الكبير فهي موزّعة بين الصغير و الثوب، أو أنّها تقارن قطرة

94

أُخرى تقع في الثوب مضافاً إلى القطرة الواقعة في الصغير، لصحّ لنا جعل الثوب طرفاً أو جزءاً من الطرف في مقابل الكبير. و السرّ في ذلك هو أنّ التلازم مع المعلوم يدخله تحت العلم، بخلاف التفرّع فإنّ نجاسة الثوب المتفرّعة على نجاسة الاناء الصغير لا تدخل تحت العلم المتعلّق بالصغير، لكونها موضوعاً آخر، و ليس في عرض الموضوع الأوّل بل هو في طوله، فيحتاج تنجّز التكليف فيه إلى منجّز غير العلم المتعلّق بأصله، و لو بأن يكون العلم تفصيلًا بنجاسة الصغير موجباً للعلم التفصيلي بنجاسة الثوب، بخلاف ما لو لم يكن إلّا العلم الاجمالي بنجاسة الصغير و الكبير. و بالجملة: فرق واضح بين الملازم العرضي كما في المثالين، و الملازم الطولي كما فيما نحن فيه، فإنّ الأوّل يدخل تحت العلم بخلاف الثاني، فلاحظ و تدبّر.

قوله: فأصالة الطهارة الجارية في الملاقي- بالكسر- ليست في عرض أصالة الطهارة الجارية في الملاقى- بالفتح- لتسقط بسقوطها ... الخ‏ (1).

لا يقال: إنّ هذه الجملة مخالفة لمسلكه (قدس سره)(2) في مسألة الاناءين اللذين يكون أحدهما مستصحب الطهارة و الآخر مجرى قاعدة الطهارة، فإنّه (قدس سره) التزم هناك بأنّ القاعدة في مورد الاستصحاب ساقطة بسقوطه.

لأنّا نقول: فرق بين المقام و ذلك الفرع، فإنّ ذلك الفرع يكون ما هو مجرى الحاكم و المحكوم موضوعاً واحداً، و حيث إنّ الحكم بطهارته و لو بحسب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 84.

(2) فوائد الأُصول 4: 47- 49.

95

المراتب النازلة يكون منافياً للحكم بطهارة الفرد الآخر، لاستلزام ذلك للمخالفة القطعية، كان المحكوم في ذلك الموضوع ساقطاً بسقوط الحاكم، بخلاف مقامنا، فإنّ ما هو مجرى الحاكم موضوع و هو الملاقى- بالفتح-، و ما هو مجرى المحكوم موضوع آخر و هو الملاقي- بالكسر-، و يكون كلّ منهما في حدّ نفسه محكوماً بقاعدة الطهارة بحكم مستقل، فلا يتأتّى فيه ما أفاده (قدس سره) في ذلك الفرع من كون الحكم بالطهارة في أحد الطرفين الذي هو مستصحبها يكون بجميع مراتبه معارضاً للحكم بالطهارة في الطرف الآخر.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحكمين الموجودين في الملاقى و الملاقي و إن كان الثاني منهما متأخّراً عن الأوّل رتبة، إلّا أنّهما معاً على اختلاف رتبتهما واقعان في حيّز المعارضة للحكم في الطرف الآخر. و فيه تأمّل.

و على كلّ حال، فإنّ هذه الجهة- أعني الحكومة- لو لم تتمّ في إسقاط العلم الاجمالي المذكور، لكان في الجهتين الباقيتين كفاية، و هما تقدّم المعلوم زماناً و تقدّمه رتبة لو لم يكن متقدّماً زماناً كما عرفت تفصيله فيما تقدّم. و لا يخفى أنّ هذا الإشكال و جوابه مذكوران في تحريرات السيّد سلّمه اللَّه‏ (1) عنه (قدس سره) فراجعه.

قوله: و لا يخفى عليك أنّ هذا التفصيل مبني على كون حدوث العلم الاجمالي ... الخ‏ (2).

الإنصاف: أنّ ما أُفيد في هذه الجملة إلى قوله: تذييل، إنّما ينفع في إبطال‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 447.

(2) فوائد الأُصول 4: 86.

96

الصورة الثالثة التي ذكرها في الكفاية (1) لوجوب الاجتناب عن المتلاقيين.

و كذلك ينفع في إبطال الصورة الأُولى التي ذكرها لوجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى. و أمّا الصورة الثانية من ذلك، و هي ما لو كان الملاقى- بالفتح- خارجاً عن الابتلاء حين العلم الاجمالي، ثمّ بعد الملاقاة عاد إلى الابتلاء، فلا ينفع في إبطالها ما أُفيد في هذه الجملة من كون التكليف المعلوم بين الملاقى- بالفتح- و طرفه سابقاً في الزمان أو في الرتبة على التكليف المعلوم بالاجمال بين الملاقي- بالكسر- و طرف أصله، و ذلك لأنّ النجاسة في الملاقى- بالفتح- و إن كانت سابقة في الزمان أو في الرتبة على نجاسة الملاقي- بالكسر-، إلّا أنّ نفس النجاسة ليست من التكاليف كي يكون العلم بها منجّزاً قبل نجاسة الملاقي- بالكسر-، و إنّما المدار في ذلك على وجوب الاجتناب، و المفروض أنّه لم يتحقّق إلّا بعد العود إلى محلّ الابتلاء الذي هو متأخّر زماناً عن الملاقاة.

و هكذا الحال فيما لو كان الملاقى- بالفتح- عند حصول العلم الاجمالي بالنجاسة المردّدة بينه و بين طرفه مضطرّاً إلى ارتكابه، و لكن بعد الملاقاة ارتفع الاضطرار المذكور، فإنّه أيضاً نقول فيه: إنّ نجاسة المضطرّ إليه و إن كانت سابقة زماناً على نجاسة ملاقيه، إلّا أنّ المدار على وجوب الاجتناب، و هو في الملاقى- بالفتح- متأخّر زماناً عن وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر-، فلا يمكن أن يكون العلم المردّد بين وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- بعد رفع الاضطرار إليه و بين طرفه موجباً لانحلال العلم الاجمالي بالاجتناب عن الملاقي- بالكسر- و طرف أصله.

____________

(1) كفاية الأُصول: 363.

97

قوله: فنقول: إنّه يعتبر في تأثير العلم الاجمالي و اقتضائه التنجيز بقاؤه على صفة حدوثه و عدم تعقّبه بما يوجب انحلاله و تبدّل المنكشف به لأنّ اعتبار العلم الاجمالي إنّما هو لكونه طريقاً و كاشفاً عن التكليف المولوي ... الخ‏ (1).

توضيح ذلك: هو أنّه لو دار المعلوم بالاجمال بين كونه تكليفاً سابقاً و كونه تكليفاً لاحقاً، مثل أن يعلم إجمالًا بنجاسة أحد الاناءين الصغير و الكبير، بأن يعلم بوقوع نجاسة إمّا الآن في الصغير أو بالأمس في الكبير، فكان التكليف بالاجتناب المردّد بينهما مردّداً بين كونه قد توجّه إليه فعلًا أو أنّه كان متوجّهاً إليه من الأمس، فلا شبهة في تأثير العلم الاجمالي المذكور، لكونه علماً بأنّه قد اشتغلت ذمّته بوجوب الاجتناب، إمّا من الآن أو من الأمس. لكن لو فرضنا أنّ الكبير كان معلوم النجاسة و أنّه يجب الاجتناب عنه من الأمس، ثمّ بعد ذلك العلم التفصيلي حصل له العلم الاجمالي بوقوع نجاسة في أحد الاناءين المذكورين، فهو حين العلم بوقوع النجاسة في أحدهما و إن علم وجداناً بأنّه إمّا مكلّف بوجوب الاجتناب عن الصغير أو بوجوب الاجتناب عن الكبير، لكنّه لمّا كان قبل هذا يعلم تفصيلًا بوجوب الاجتناب عن الكبير، لم يرجع علمه الاجمالي المذكور إلى العلم بأنّه قد اشتغلت ذمّته بوجوب الاجتناب على كلّ من طرفي هذا العلم، بل يرجع ذلك العلم الاجمالي إلى العلم بأنّه قد اشتغلت ذمّته بوجوب الاجتناب عن الكبير و الشكّ في انشغالها بوجوب الاجتناب عن الصغير، و في الواقع أنّ هذا العلم الاجمالي بوجوب الاجتناب صوري محض، و لا حقيقة له إلّا الشكّ في اشتغال ذمّته بوجوب الاجتناب عن الصغير مضافاً إلى ما كان يعلمه من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 87.

98

وجوب الاجتناب عن الكبير.

ثمّ ننقل الكلام إلى درجة ثانية، و هي ما لو تأخّر ذلك العلم التفصيلي زماناً عن ذلك العلم الاجمالي مع فرض كون المعلوم التفصيلي سابقاً في الزمان على ذلك المعلوم الاجمالي، بأن علم اليوم بوقوع نجاسة إمّا في الصغير أو الكبير، ثمّ علم تفصيلًا أنّ الكبير كان متنجّساً من الأمس، فهذا العلم الاجمالي الذي حدث صباح هذا اليوم مثلًا و إن كان حين حدوثه موجباً للحكم بانشغال ذمّته بأحد الوجوبين، إلّا أنّه بعد ذلك لمّا علم تفصيلًا بأنّ الكبير كان نجساً و كان يجب الاجتناب عنه من الأمس، كان هذا العلم التفصيلي كاشفاً عن خطأ علمه الاجمالي المذكور، لأنّه يتبيّن له بذلك العلم التفصيلي أنّه لم يكن وقوع تلك النجاسة في أحدهما موجباً لانشغال ذمّته على كلّ حال، كي يكون عالماً بأنّه قد لحقه تكليف على كلّ حال، لاحتمال وقوع تلك النجاسة في الكبير الذي لا تؤثّر فيه وجوب الاجتناب وجوباً جديداً. و حاصل ذلك: أنّه تبيّن له بواسطة ذلك العلم التفصيلي أنّ انكشاف انشغال ذمّته بالاجتناب على كلّ حال كان خطأ. هذا حال العلم التفصيلي المتأخّر إذا كان متعلّقه متقدّماً زماناً على المعلوم بالاجمال.

و منه يعلم الحال في العلم الاجمالي المتأخّر لو كان متعلّقه أيضاً متقدّماً زماناً على علم إجمالي سابق، بأن يعلم صباح هذا اليوم بوقوع نجاسة إمّا في الصغير أو الكبير، ثمّ بعد ذلك ينكشف أنّ هناك نجاسة وقعت بالأمس إمّا في الكبير أو في إناء ثالث، فكما أنّ هذا العلم الاجمالي الثاني لو كان سابقاً في الزمان على العلم الاجمالي الأوّل يوجب سقوط العلم الاجمالي الأوّل، لأنّه لا يكون حينئذ علماً بانشغال ذمّته على كلّ حال، لاحتمال وقوع النجاسة المعلومة فيه في الكبير الذي يحتمل كونه متنجّساً بالعلم الاجمالي السابق، فكذلك الحال فيما لو

99

كان العلم الاجمالي الثاني متأخّراً زماناً عن العلم الاجمالي الأوّل، فإنّه يكون كاشفاً عن أنّه لم يكن علماً بانشغال ذمّته على كلّ حال.

ثمّ بعد ذلك ننقل الكلام إلى ما نحن فيه، و نجعل الملاقي- بالكسر- عوض الإناء الصغير، و نقول: إنّ علمنا السابق المردّد بين الملاقي- بالكسر- و بين طرف الملاقى- بالفتح- يسقط عن التأثير بواسطة علمنا اللاحق المردّد بين الملاقى- بالفتح- و بين طرفه، فلا يكون تقدّم العلم بين الملاقي- بالكسر- و طرف أصله باقياً على ما هو عليه بعد أن لحقه العلم المردّد بين الملاقى- بالفتح- و بين طرفه، لكون المعلوم بالعلم الثاني سابقاً بحسب الزمان على المعلوم بالعلم الأوّل.

قوله: و أُخرى يكون بين الشيئين واسطة ... الخ‏ (1).

لا بدّ من الضدّية بين الشيئين، و إلّا فإنّ دوران الأمر بين شرطية مثل الاستعاذة و مانعية قول آمين ممّا لا ضدّية بينهما، لا يرجع فيه إلى أصالة البراءة من الشرطية و إن كان بينهما ثالث بأن يتركهما معاً، بل يلزمه في مثل ذلك الاحتياط بالاتيان بالاستعاذة و ترك قول آمين، و إنّما يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة من الشرطية إذا كان بين الشيئين ضدّية، و ذلك مثل ما لو دار الأمر في الواجب كسجود السهو بين شرطية الاستقبال و مانعية الاستدبار، فإنّ شرطية الاستقبال تتكفّل المنع عن الجهات الثلاث، بخلاف مانعية الاستدبار فإنّها لا تمنع إلّا من نفس الاستدبار دون باقي الجهات، فكانت الشرطية- أعني شرطية الاستقبال- مشتملة على زيادة التكليف، فإنّ المنع عن الاستدبار متحقّق على كلّ من شرطية الاستقبال و مانعية الاستدبار، و تزيد شرطية الاستقبال على مانعية الاستدبار بالمنع عن الجهتين‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 89.

100

الأُخريين أعني الشرق و الغرب، فيكون المرجع في هذه الجهة الزائدة من التكليف هو البراءة.

و أمّا ما أُفيد من مثال الدوران بين شرطية الوحدة و مانعية القران بالنسبة إلى السورة، فليست المقابلة فيه بين قيدية السورة و شرطيتها بعدم الثانية و مانعية الثانية بعد الفراغ عن وجوب السورة و كونها جزءاً، و إلّا كانا من الضدّين اللذين لا ثالث لهما، بل المقابلة إنّما هي بين شرطية نفس السورة الواحدة و مانعية السورة الثانية، ليكونا حينئذ من الضدّين اللذين لهما ثالث، و يكون شرطية السورة الواحدة متكفّلًا لجهة زائدة من التكليف على مانعية السورة الثانية، فإنّ مانعية السورة لا تتكفّل إلّا بالمنع عن السورة الثانية بعد الأُولى، بخلاف شرطية السورة الواحدة فإنّها تتكفّل بالمنع عن السورة الثانية و بالمنع عن عدم السورة رأساً، فتجري البراءة من الشرطية لأجل هذه الكلفة الزائدة.

و أمّا الضدّان اللذان لا ثالث لهما فلا يكون شرطية أحدهما مشتملة على كلفة زائدة على مانعية الآخر كي يرجع في ذلك إلى البراءة، بل لا يترتّب أثر عملي على الدوران المذكور، لأنّه على كلّ من شرطية أحد الضدّين المذكورين و مانعية الآخر يلزمه ترك الضدّ الآخر، و ترك الضدّ الآخر المحتمل المانعية هو عين الاتيان بالضدّ المحتمل الشرطية، لأنّ المفروض أنّه لا واسطة بينهما.

نعم، في مقام الشكّ يترتّب على الدوران المذكور أثر عملي بناءً على صحّة الرجوع إلى أصالة عدم المانع، يعني البناء على عدمه، بحيث يكون الشكّ فيه كافياً في صحّة العمل و إن لم يكن في البين استصحاب عدمه، بخلاف الشرطية فإنّه لا بدّ من إحرازها، فعند كون اللباس أو جزء منه من الحيوان و لم يعلم أنّه من مأكول اللحم أو من غير مأكول اللحم، لو دار الأمر بين شرطية