أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
101

المأكولية و مانعية غير المأكول، نقول: إنّه بناءً على الشرطية لا يمكن الحكم بجواز الصلاة فيه لعدم إحراز الشرط، بخلاف مانعية غير المأكول، فإنّه يمكن الحكم بجواز الصلاة فيه لعدم إحراز المانع، و هو- أعني عدم إحراز المانع- كافٍ في البناء على عدمه، بناءً على صحّة دعوى البناء على أصالة العدم عند الشكّ في وجود المانع و لو لم تكن الحالة السابقة معلومة، لكنّه قد حقّق في محلّه فساد هذه الدعوى.

و لكن نقول: لو فرضنا صحّتها يظهر أثر للشرطية و المانعية في مورد الشكّ المذكور، و أنّ الأوّل- أعني الشرطية- يوجب الكلفة الزائدة بلزوم إحرازه في مقام الشكّ، بخلاف الثاني- أعني المانعية- فإنّها لا يلزم فيها إحراز عدم وجود المانع، فهل تكون هذه الكلفة التي يحكم بها العقل في مقام الشكّ المزبور كافية لجريان البراءة في الشرطية بالنسبة إلى هذا المقدار من الضيق الذي يحكم به العقل في مقام الشكّ على تقدير الشرطية، أو أنّ هذا المقدار من الكلفة ليست بالحكم الشرعي المجعول من جانب الشارع، فلا يكون مصحّحاً لجريان البراءة.

و في الدورات السابقة كان شيخنا الأُستاذ (قدس سره) يختار الثاني كما أُفيد في هذا التقرير (1)، لكنّه في الدورة الأخيرة اختار الأوّل على ما في تحريراتي و التقرير المطبوع في صيدا (2)، و تقريبه: هو أنّ نفس هذه الكلفة و إن لم تكن بحكم الشارع، بل كانت بحكم العقل، إلّا أنّ المنشأ فيها لمّا كان هو الحكم الشرعي و هو الشرطية، كان ذلك كافياً في صحّة رفعها، فراجع التقريرات المطبوعة في صيدا و تأمّل، فإنّ هذا التقريب لا يخلو عن تأمّل، حيث إنّ الشرطية و كذلك المانعية

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 91- 92.

(2) أجود التقريرات 3: 448- 449.

102

على نظره (قدس سره) ليست من الأحكام الوضعية المجعولة، و إنّما المجعول هو الأمر بالشرط فينتزع عنه الشرطية، و النهي عن المانع و ينتزع عنه المانعية.

فنقول: إنّه لو دار الأمر بين وجوب لبس المأكول نفسياً و حرمة لبس غير المأكول نفسياً أيضاً، فلا إشكال في تنجّز كلا هذين التكليفين، فلو شكّ حينئذ في مأكولية هذا اللباس، فلا إشكال في جريان البراءة من حرمة لبسه لجريانها حتّى مع العلم التفصيلي بحرمة لبس غير المأكول، و ذلك لأجل الشكّ في كونه غير مأكول، لكن هل له أن يكتفي بلبسه، مع أنّه لو لبسه لم يحصل له الفراغ اليقيني من الوجوب الذي هو أحد التكليفين اللذين وقعا مورداً للعلم الاجمالي المفروض أنّه في نفسه لا تجري فيه البراءة. و هل يمكن أن يقال: إنّ الوجوب و إن لم يمكن جريان البراءة فيه من حيث نفسه، لكنّه لمّا كان موجباً للضيق على المكلّف في مقام الشكّ زائداً على احتمال التحريم كانت البراءة جارية فيه بهذا المقدار.

و لا يخفى أنّه لو أُشكل على ما مثّلنا به للضدّين اللذين لا ثالث لهما بلباس المأكول و لباس غير المأكول، بأنّه من قبيل ما لهما ثالث، لإمكان اللباس من غيرهما أو عدم اللباس أصلًا، فبدّل ذلك بمثال الكون في المسجد و الكون في خارجه بالنسبة إلى الاعتكاف، إذا دار الأمر بين أن يكون الكون في المسجد شرطاً أو يكون الكون في خارجه مانعاً، و فرّع على ذلك فيما لو كان هناك قطعة من الأرض يشكّ في كونها مسجداً. و مثّل أيضاً بذلك لدوران الأمر بين الوجوب النفسي و الحرمة النفسية، و أنّه عند الدوران المذكور و إن جرت البراءة من حرمة الكون في ذلك المكان المشكوك، إلّا أنّه لا تجري في ناحية الوجوب النفسي، بل يلزم الاحتياط بالكون بما يحرز مسجديته فتأمّل، هذا.

103

و لكن كلامه (قدس سره) في هذه المقدّمة من باب المثال، و أنّه من قبيل الفرض في الفرض، و إنّما جرى فيه على مذاق القائلين بجعل الشرطية و المانعية، و أنّه عند الشبهة الموضوعية في ذلك يكون الأصل لزوم إحراز الشرط بناءً على الشرطية، و بناءً على المانعية يكتفى بعدم إحراز المانع.

أمّا بناءً على أنّ المتأصّل في ذلك هو الأمر الضمني و النهي الضمني، فلا يستقيم ذلك كلّه حتّى ما أُفيد في الصورة الأُولى، أعني ما لو كان في البين ضدّ ثالث، مثل ما لو شكّ في أنّ الواجب في سجود السهو هو الاستقبال أو أنّ الاستدبار يكون ممنوعاً عنه، إذ لا ريب حينئذ أنّ المسألة تكون من باب العلم الاجمالي المردّد بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، و اللازم حينئذ هو الاحتياط بترك ما احتمل حرمته و فعل ما احتمل وجوبه، نظير ما لو علم أنّه مكلّف في هذه الساعة بتكليف هو إمّا وجوب وطء زوجته الكبرى و إمّا حرمة وطء زوجته الصغرى، فإنّه يلزمه في هذه الساعة وطء الأُولى و ترك وطء الأُخرى.

و لا محصّل للقول بأنّ ذلك من قبيل الأقل و الأكثر، بدعوى أنّ ذلك التكليف إن كان هو حرمة وطء الثانية فلا يلزمه إلّا ترك وطئها، بخلاف ما لو كان التكليف المتوجّه إليه هو وجوب وطء الأُولى، فإنّه يلزمه ترك وطء الثانية و ترك وطء الثالثة و غيره من باقي الأضداد الوجودية لوطء الأُولى حتّى الأكل و الشرب و النوم، بل حتّى الترك المجرّد، فإنّ ذلك مبني على أنّ الأمر بوطء الأُولى عبارة عن النهي عن جميع أضداده.

و هكذا الحال في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، مثل الكون في المسجد و الكون في خارج المسجد، و توجّه إليه تكليف مردّد بين وجوب الكون في‏

104

المسجد و حرمة الكون في خارجه، و كانت هناك قطعة خاصّة يشكّ في كونها من المسجد، فإنّ مقتضى هذا العلم الاجمالي عدم الكون في تلك القطعة تحصيلًا للفراغ اليقيني ممّا اشتغلت به ذمّته، سواء كان ذلك التكليف المردّد استقلالياً أو كان شرطياً ضمنياً، كما لو دار الأمر في الاعتكاف بين كون الكون في المسجد شرطاً في صحّته أو كون الكون في خارجه مانعاً فيه، فإنّ اللازم عليه هو اجتناب الكون في تلك القطعة الخاصّة المشكوكة، إلّا على القول بكون المجعول هو الشرطية و المانعية، و أنّه يكفي في المانعية مجرّد عدم إحراز المانع. و كلّ من القولين خلاف مسلكه (قدس سره).

و حينئذٍ فلا يكون كلامه (قدس سره) في هذه المقدّمة إلّا من باب المثال لما هو بصدده، و هو أنّ المجعول المردّد بين المتباينين لو كان في حدّ نفسه ممّا لا تجري فيه البراءة و لو باعتبار العلم الاجمالي المردّد بين ذينك المتباينين، لكن اتّفق في بعض صور ذلك الترديد أنّ أحد الوجهين يوجب الكلفة الزائدة دون الآخر، فهل تجري البراءة في ذلك بالنظر إلى تلك الكلفة الزائدة أو لا، كما فيما نحن فيه، فإنّه لا إشكال في وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس، غايته أنّه تردّد وجوبه المذكور بين كونه موضوعاً جديداً من النجس أو كونه بنفس وجوب الاجتناب عن أصله.

و لا ريب أنّ شيئاً من هذين الوجهين لا مورد فيه للبراءة، للعلم بوجوب الاجتناب عن ملاقي النجس على كلّ من الوجهين، لكن في صورة كون الملاقى- بالفتح- أحد طرفي العلم الاجمالي بالنجاسة، يكون مقتضى الوجه الأوّل هو عدم وجوب الاجتناب عن ملاقيه لخروجه عن العلم الاجمالي، بخلاف مقتضى الثاني لدخوله في العلم الاجمالي القاضي بلزوم الاحتياط، فهل تجري البراءة عن‏

105

الوجه الثاني و لو باعتبار كونه موجباً للضيق الزائد على المكلّف في هذه الصورة، فيه تأمّل.

و لا يبعد القول بعدم الجريان، فإنّ هذه الكلفة الزائدة لم تكن بجعل الشارع و إنّما جاءت من حكم العقل بلزوم الاحتياط في مورد العلم الاجمالي، و هل ذلك إلّا من قبيل من علم بأنّه يجب عليه إكرام عمرو أو إكرام زيد، و كان عمرو معروفاً عنده بشخصه و كان زيد مردّداً بين أشخاص متعدّدين، فيقال: إنّ المجعول الشرعي لو كان هو وجوب إكرام زيد لكانت الكلفة فيه أزيد من الكلفة لو كان المجعول الشرعي هو وجوب إكرام عمرو، فتجري البراءة في إكرام زيد من هذه الجهة الموجبة للكلفة الزائدة، لا أظنّ أحداً يلتزم بذلك، و الظاهر أنّه لا فرق بينه و بين ما نحن فيه، فلاحظ و تأمّل.

و خلاصة البحث: أنّ دوران الأمر بين شرطية شي‏ء و مانعية آخر يكون على صور:

الأُولى: أن لا يكون بينهما ضدّية، مثل دوران الأمر بين شرطية الاستعاذة و مانعية قول آمين. و في هذه الصورة لا ينبغي الإشكال في كون العلم الاجمالي موجباً للاتيان بالاستعاذة و ترك قول آمين، نظير سائر المقامات التي يدور الأمر فيها بين وجوب شي‏ء و تحريم شي‏ء آخر.

الثانية: أن يكون ذلك بين الضدّين اللذين لهما ثالث، مثل دوران الأمر في سجود التلاوة مثلًا بين كون الاستقبال فيها شرطاً و كون الاستدبار فيها مانعاً.

و في هذه الصورة يكون الأمر كذلك، يعني لزوم الاستقبال و ترك الاستدبار، لكن قيل بحلّ العلم الاجمالي، لكونه بالنسبة إلى الترك من قبيل الأقل و الأكثر، نظراً إلى أنّه لو كان الواقع هو المانعية فلا يكون المطلوب إلّا ترك الاستدبار، بخلاف ما

106

لو كان الواقع هو شرطية الاستقبال فإنّ المطلوب حينئذ هو ترك الاستدبار و ترك مواجهة المغرب و ترك مواجهة المشرق، فلو قيل بذلك كان المرجع هو أصالة البراءة من لزوم التركين الأخيرين، و حينئذٍ لا يظهر لذلك أثر في مقام الشكّ على نحو الشبهة الموضوعية.

الثالثة: أن يكون ذلك بين الضدّين اللذين لا ثالث لهما، كما مثّلنا بمسألة الاعتكاف، و أنّ الكون في المسجد شرط فيه أو أنّ الكون في خارج المسجد مانع فيه. و في هذه الصورة يكون العلم الاجمالي القاضي بلزوم الكون في المسجد و ترك الكون في خارجه بحاله، و لا يمكن القول بحلّه باعتبار التروك، لأنّ ترك الكون في خارج المسجد يكون عين الكون في داخله. لكن في صورة الشبهة الموضوعية كما في القطعة المشكوك كونها من المسجد أو من خارجه، بناءً على الاكتفاء بعدم إحراز المانع يمكن القول بالانحلال، بدعوى كون الشرطية فيها كلفة زائدة في المقام، و هي لزوم إحراز الشرط، بخلاف المانعية فإنّه بناءً عليها لا تكون الكلفة المذكورة موجودة، فتجري البراءة في الشرطية باعتبار هذه الكلفة الزائدة.

و لا يخفى أنّ هذا التقريب لا يتوقّف على جعل الشرطية و المانعية، و إنّما يتوقّف على القول بالاكتفاء بعدم إحراز المانع في مسألة المانعية، و لعلّ هذا هو مراد شيخنا (قدس سره) من هذه المقدّمة، فلاحظ و تأمّل.

107

[الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف‏]

قوله: الأمر الخامس: لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض الأطراف ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف تارةً يكون اضطراراً إلى إتلافه و صرفه فيما لا يكون مشروطاً بالطهارة، مثل الاضطرار إلى إطفاء النار به، أو إلى سقيه لحيوان يلزم حفظ حياته و نحو ذلك. و أُخرى يكون اضطراراً إلى استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، و هذا على نحوين، لأنّ استعماله فيما يشترط فيه الطهارة إمّا أن يكون باتلافه فيه كأن يضطرّ إلى شربه، و إمّا أن لا يكون ذلك إتلافاً له كما في الاضطرار إلى لبس الثوب في حال الصلاة.

أمّا القسم الأوّل‏ و هو الاضطرار إلى إتلافه فيما لا يشترط فيه الطهارة، فهو و إن أوجب سقوط العلم الاجمالي، إلّا أنّه إنّما يسقطه من جهة كونه من قبيل الخروج عن الابتلاء، على ما تقدّم‏ (2) من أنّ العلم الاجمالي لا يكون مؤثّراً لو كانت مخالفة التكليف في أحد طرفيه غير مقدورة عقلًا أو عادة أو شرعاً، و هذا من قبيل ما تكون المخالفة غير مقدورة شرعاً، لأنّه بواسطة الأمر بصرف ذلك الماء في إطفاء النار لا يكون شربه أو الوضوء به مقدوراً شرعاً، فلا يصحّ النهي عن شربه أو الوضوء به.

و من ذلك يعلم أنّه لا بدّ في هذا القسم من كون الاضطرار بالغاً حدّ الوجوب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 93.

(2) في المجلّد السابع من هذا الكتاب، الصفحة: 539 و ما بعدها.

108

و لا ينفع فيه مجرّد العسر و الحرج، لكن هل يمكن أن يكون منهياً عن الوضوء به أو شربه و لو على نحو الترتّب؟ الظاهر نعم، و قد حقّقنا ذلك في شرح عبارة الوسيلة فراجع‏ (1). و لا يخفى أنّه لو أمكن فيه الترتّب كان العلم الاجمالي منجّزاً و موجباً لسقوط الأصل في كلّ من الطرفين، فتأمّل.

و أمّا القسم الثاني‏ و هو ما كان مضطرّاً إلى استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، و كان الاستعمال المذكور موجباً لإتلافه، فإن كان له أثر آخر و كان مشروطاً بالطهارة، كما لو كان أحدهما ماء و كان مضطرّاً إلى شربه و كان له أثر آخر و هو المنع عن الوضوء به، كان ملحقاً بالقسم الأوّل في كون وجوب صرف ذلك الطرف في الشرب موجباً لعدم القدرة شرعاً على الوضوء به، فيكون سقوط العلم الاجمالي عن التأثير بالنسبة إلى الأثر الأوّل من باب الاضطرار، و بالنسبة إلى الأثر الثاني من باب الخروج عن محلّ الابتلاء، لكن بالنظر إلى الترتّب يكون العلم الاجمالي منجّزاً بالنسبة إلى الأثر الثاني، فتأمّل.

لا يقال: إنّ الترتّب لا يصحّح التكليف من ناحية الوضوء، لكونه مشروطاً بالقدرة التي لا مجال فيها للترتّب.

لأنّا نقول: إنّ المشروط بالقدرة الشرعية إنّما هو وجوب الوضوء، لا النهي عنه الذي نريد أن نقول إنّه مترتّب على عصيان الأمر بالشرب، بحيث يكون المحصّل اشرب هذا الاناء و إن عصيت و لم تشربه فلا تتوضّأ به، و من الواضح أنّ النهي عن الوضوء بالنجس ليس بمشروط بالقدرة الشرعية كي يقال إنّه لا يتأتّى فيه الترتّب، و إن شئت فاترك النهي عن الوضوء و اجعل الأمر الثاني كحرمة بيعه مثلًا.

____________

(1) مخطوط لم يطبع بعد.

109

و إن لم يكن له أثر آخر، كما لو كان أحد الطرفين ميتة ما لا نفس له كالسمكتين اللتين يعلم أنّ إحداهما ميتة، فإنّ الأثر المترتّب على الميتة من السمك منحصر بحرمة الأكل، فلو فرضنا اضطراره إلى واحدة معيّنة، أو فرضنا العلم الاجمالي بنجاسة هذا الاناء أو كون هذه السمكة ميتة، و كان مضطراً إلى أكل السمكة، لم يكن العلم الاجمالي مؤثّراً على التفصيل المرقوم في المتن، و شرحناه أيضاً في شرح عبارة الوسيلة.

و منه يعلم‏ الحال في القسم الثالث، و هو ما لو كان مضطرّاً إلى استعمال الطرف فيما يشترط فيه الطهارة، و لم يكن الاستعمال موجباً لإتلافه، كما لو كان أحدهما ثوباً و اضطرّ إلى لبسه في الصلاة، فإن لم يكن أثر آخر مترتّب على نجاسة الثوب ممّا يشترط فيه الطهارة، كان حاله [حال‏] النحو الثاني من القسم الثاني في كونه موجباً لسقوط العلم الاجمالي. و إن كان له أثر آخر و لو مثل حرمة البيع، لم يكن الاضطرار إلى اللبس موجباً لسقوط العلم الاجمالي بالنجاسة بين الثوب المذكور و غيره ممّا يكون طرفاً له في العلم الاجمالي بالنجاسة بينهما.

فقد تلخّص لك: أنّ الداخل فيما نحن فيه من الاضطرار الموجب لسقوط العلم الاجمالي، هو ما لو كان الأثر المترتّب على المعلوم بالاجمال في أحد الطرفين منحصراً فيما اضطرّ إلى مخالفته، سواء كان الاستعمال المضطرّ إليه موجباً لإتلافه كما لو كان أحد الطرفين ميتة السمك و كان مضطراً إلى أكلها، أو كان غير موجب لإتلافه كما لو كان أحدهما ثوباً و علم بالنجاسة بينه و بين طرف آخر، و لم يكن لنا أثر يترتّب على نجاسة الثوب إلّا حرمة الصلاة فيه، و كان مضطرّاً إلى الصلاة فيه، من دون فرق في ذلك بين كون الاضطرار بالغاً حدّ الوجوب أو كونه غير بالغ لحدّ الوجوب، بل كان من مجرّد العسر و الحرج‏

110

الموجبين لرفع ذلك الأثر على تقدير انطباق المعلوم بالاجمال على ذلك الطرف المضطرّ إليه.

قال الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته- بعد أن أفاد أنّ الاضطرار إلى واحد معيّن قبل العلم الاجمالي أو مقارناً يوجب سقوط العلم الاجمالي- ما هذا لفظه: نعم لو كان الاضطرار المزبور ناشئاً عن تقصير في مقدّماته بنحو يخرج عن صلاحية العذر، لا بأس بدعوى بقاء العلم الاجمالي على منجّزيته و إن لم يكن فعلًا علم بالخطاب الفعلي، إذ مثل هذه الجهة بعد ما لا يكون مانعاً عن تنجيز الخطاب- بمحض تمكّنه من حفظه سابقاً- فلا يصلح مانعيته عن فعلية الخطاب [للمنع‏] عن تنجّز الخطاب بطريقه، و كأنّه يصير من قبيل إلقاء النفس عن الشاهق.

و الظاهر أنّ إطباق كلماتهم أيضاً على مانعية مثل هذا الاضطرار عن منجّزية العلم بل عن وجوده منصرف عن صورة التقصير المزبور كما لا يخفى‏ (1).

قلت: لا يخفى أنّ الاضطرار إنّما يكون غير منافٍ للتنجّز بحيث يكون من قبيل الاضطرار بسوء الاختيار إذا كان بعد توجّه الخطاب و بعد تنجّزه، و هو هنا لا يكون إلّا بالعلم الاجمالي الذي صرّحوا بأنّ الاضطرار فيه لا يكون موجباً لسقوط العلم عن التنجّز، أمّا لو كان قبل العلم أو كان مقارناً للعلم، بأن كان له إناءان من الماء فأراق أحدهما عمداً و بقي الآخر، ثمّ حدث اضطراره إلى شرب الباقي و حدث العلم الاجمالي المردّد بين نجاسة الاناء الباقي و بين ثوبه مثلًا، فهذا الاضطرار ممّا لا ينبغي الريب في كونه خارجاً عن التقصير و عن كونه اضطراراً بسوء الاختيار، فلاحظ و تأمّل.

و الحاصل: أنّ كون الاضطرار بسوء الاختيار موجباً لبقاء العقاب و إن سقط

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 244.

111

معه الخطاب، إنّما هو فيما لو ألقى نفسه بالاضطرار بعد العلم بالتكليف، كما لو دخل الفجر و صنع ما يوجب اضطراره إلى الافطار و عدم قدرته على الصوم، و يلحق به ما لو صنع ذلك في أوّل الليل و كان عالماً بأنّه لا يقدر مع ذلك الصنع على الصوم في نهار غد، أمّا لو كان قبل العلم بالتكليف بل قبل توجّه التكليف بل قبل حدوث سببه كما فيما نحن فيه فيما عرفته من المثال، فلا يكون لذلك الاقدام أثر في إسقاط الاضطرار عن كونه مسقطاً لكلّ من التكليف و العقوبة على مخالفته، فلاحظ و تأمّل. هذا كلّه فيما لو كان الاضطرار إلى واحد معيّن.

[الاضطرار إلى واحد غير معيّن‏]

و أمّا لو كان الاضطرار إلى واحد من الطرفين غير معيّن، كما لو علم إجمالًا بأنّ إحدى هاتين السمكتين ميتة، و لم يكن لنا من الآثار المترتّبة على ميتة السمك إلّا حرمة الأكل، و كان مضطرّاً إلى أكل واحدة غير معيّنة منهما، فإن كان الاضطرار بالغاً حدّ الوجوب بأن أشرفت نفسه على التلف، بل و لو لم يكن في البين تلف نفسه، بل كان يجب عليه الأكل مقدّمة لصوم غد، بحيث إنّه لو لم يأكل شيئاً لم يقدر على الصوم الواجب، و لم يكن له من المأكول إلّا هاتان السمكتان، فلا ريب في وجوب أكل إحداهما و عدم جواز أكل الأُخرى، لكونه حينئذ ملحقاً بدوران الأمر بين وجوب أحد الطرفين و حرمة الآخر مع اشتباههما، كما لو نذر أحدهما المعيّن و حرم عليه الآخر معيّناً و اشتبها، فيكون ممنوعاً من أكلهما معاً، لأنّه موجب للمخالفة القطعية للتحريم، كما أنّ ترك أكلهما معاً موجب للمخالفة القطعية للوجوب، فينحصر أمره بحكم العقل بأكل إحداهما و ترك الأُخرى، و يكون ذلك من قبيل تبعيض الاحتياط، بل ما نحن فيه أولى بذلك من مسألة دوران الأمر بين وجوب أحد الطرفين و حرمة الآخر مع اشتباههما، فإنّه لو أكل إحدى السمكتين و ترك الأُخرى يحصل على الموافقة القطعية للوجوب مع‏

112

الموافقة الاحتمالية للتحريم.

و يمكن أن يقال: إنّ ما نحن فيه هو عين مسألة العلم بوجوب أحد الشيئين و حرمة الآخر مع اشتباههما، نظراً إلى أنّ الوجوب لا يتوجّه إلّا إلى ما هو المباح واقعاً، و حيث إنّهما قد اشتبها يكون عين مسألة اشتباه الواجب بالحرام، و لا فرق بينهما إلّا في أنّ الوجوب في تلك المسألة يكون قبل الاشتباه و فيما نحن فيه يكون بعد الاشتباه. و يمكن فرضه فيه قبل الاشتباه، بأن يعلم بعين ما هو الحرام و عين ما هو المباح ثمّ يحصل له الاضطرار الموجب لإيجاب الارتكاب ثمّ يحصل الاشتباه بينهما.

فتلخّص: أنّ الاضطرار لو كان بالغاً إلى حدّ الوجوب الشرعي لم يكن لنا محيص من القول بتبعيض الاحتياط، و مثله لو كان ذلك بحكم العقل، بأن حكم العقل بلزوم الارتكاب في بعض الأطراف، كما ذكروا ذلك في دليل الانسداد فيما لو كان الاحتياط التامّ مخلًّا بالنظام، فإنّ نتيجة ذلك حينئذ هي تبعيض الاحتياط.

هذا إذا كان الاضطرار بالغاً إلى هذا الحدّ من الوجوب العقلي أو الشرعي.

أمّا إذا كان الاضطرار غير بالغ إلى ذلك الحدّ، بل كان من قبيل مجرّد العسر و الحرج ففيه تأمّل، من جهة أنّ دليل العسر و الحرج لا يجري في المباحات، و إنّما يتأتّى في التكاليف الالزامية إذا كانت موجبة للعسر و الحرج، و المفروض أنّ التكليف الالزامي فيما نحن فيه الذي هو حرمة أكل الميتة الموجودة في البين لم يكن مصطدماً مع العسر و الحرج، كما أفاده الأُستاذ (قدس سره)(1) في وجه وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر، و ما لم يكن العسر و الحرج مصطدماً بالتكليف الواقعي لم يمكن أن يتحكّم عليه، فلم يبق لنا إلّا أن نقول إنّ التكليف الواقعي و إن‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 98 و ما بعدها.

113

لم يكن بنفسه حرجياً، إلّا أنّه لمّا كان الجمع بين محتملاته حرجياً، كان ذلك كافياً في تحكيم أدلّة الحرج عليه، لكن لازم ذلك هو سقوط الاحتياط بالمرّة، لسقوط نفس ذلك التكليف الواقعي بكون الجمع بين محتملاته حرجياً.

و هكذا الحال لو قلنا بأنّ التكليف الواقعي في حدّ نفسه لم يكن حرجياً، إلّا أنّه لو كان منطبقاً على ذلك الفرد الذي يختاره المكلّف لرفع الحرج عنه يكون دليل الحرج رافعاً له، كما أفاده في الكفاية (1) و كما ذكره في التقرير (2) في توجيه كون الترخيص واقعياً، و كونه من قبيل التوسّط في التكليف، فإنّه و إن لم يكن مسقطاً للتكليف و موجباً للقطع بعدمه كما في التوجيه الأوّل، إلّا أنّه إذا كان سابقاً على العلم الاجمالي يكون موجباً لسقوط الاحتياط، و يكون حاله من هذه الجهة حال الاضطرار إلى المعيّن في كونه من قبيل التوسّط في التكليف في ملاك سقوط الاحتياط، و هو أنّه إن كانت الميتة الواقعية منطبقة على هذا الفرد المعيّن الذي اضطرّ إليه، أو كانت منطبقة على هذا الفرد الذي اختاره المكلّف لسدّ ضرورته، كانت حرمتها مرتفعة بدليل العسر و الحرج، و إن كانت منطبقة على الطرف الآخر تكون حرمتها باقية.

و من ذلك تعرف أنّ ما أُفيد في آخر البحث من هذا التقرير من أنّه لا أثر يترتّب على كون المقام من قبيل التوسّط في التكليف، أو من قبيل التوسّط في التنجيز ليس كما ينبغي، بل إنّ ذلك هو العمدة و الأساس في وجوب الاحتياط في الباقي.

و خلاصة المبحث: أنّا نحتاج في جريان دليل العسر و الحرج إلى حكم‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 360.

(2) فوائد الأُصول 4: 107.

114

شرعي إلزامي يكون دليل الحرج حاكماً عليه، فإن كان ذلك الحكم الشرعي هو الحكم الواقعي المعلوم أعني حرمة الميتة الموجودة في البين، ففيه أنّها ليست حرجية، و إنّما الحرجي هو الاحتياط و الجمع بين محتملاتها. و لو سلّم اتّصاف تلك الحرمة بأنّها حرجية و لو باعتبار استدعائها الاحتياط المذكور، كان ارتفاعها موجباً للقطع بارتفاع التكليف، و مستلزماً لارتفاع الاحتياط بالمرّة. و القول بأنّها ترتفع بمقدار اقتضاء وجوب الموافقة القطعية دون اقتضاء حرمة المخالفة القطعية، ممّا لم يظهر وجهه و انطباقه على الصناعة، فإنّ هذه الجهات أحكام عقلية ناشئة عن وجود التكليف الواقعي، فإن كان موجوداً ترتّبت و إلّا لم يترتّب شي‏ء منها.

و إن شئت قلت: إنّ اقتضاء التكليف الواقعي لحرمة المخالفة القطعية و لوجوب الموافقة القطعية، لم يكن بحكم من الشارع كي يكون مرتفعاً عند كونه حرجياً، و ارتفاع التكليف بالقياس إلى هذا الأثر العقلي له دون الأثر الآخر ممّا لم نتعقّله.

هذا إن أُريد تحكيم دليل العسر و الحرج على نفس التكليف الواقعي المعلوم في البين بقول مطلق، و إن أُريد تحكيمه عليه على تقدير انطباقه على الطرف الذي يختاره المكلّف لسدّ ضرورته، كما أفاده في الكفاية و جعله برهاناً على عدم وجوب الاحتياط في الطرف لكونه راجعاً إلى التوسّط في التكليف، ففيه ما لا يخفى.

أمّا أوّلًا: فلأنّ هذه السمكة التي قدّمها المكلّف لنفسه ليسدّ بها ضرورته لو كانت هي الميتة واقعاً لم تكن حرمتها ضررية و لا حرجية، لوجود السمكة الأُخرى.

115

و أمّا ثانياً: فلأنّا لو سلّمنا ذلك لكان حاله حال الاضطرار إلى المعيّن في عدم إسقاط الاحتياط فيما لو تأخّر عن العلم، لكونه حينئذ من قبيل التردّد بين الطويل و القصير.

و أمّا ثالثاً: فلما ستأتي الاشارة إليه من عدم الدليل على كون المكلّف مخيّراً في ارتكاب أيّهما شاء.

و ما أُفيد في التقرير المذكور و حرّرناه نحن أيضاً في التقرير و في الشرح المشار إليه من أنّ المسوّغ له و الموقع له في أكل الميتة على تقدير كونها هي التي أكلها هو جهله لا اضطراره، غير خال عن التأمّل و الإشكال، إذ ليس الكلام في سبب معذوريته، و إنّما الكلام في كيفية تحكيم دليل العسر و الحرج، و الحيرة إنّما هي في الحكم الشرعي الذي يصطدم به و يكون حاكماً عليه، بعد ما قدّمناه من تلك المقدّمة القائلة بأنّه لا بدّ في جريان دليل العسر و الحرج من وجود حكم شرعي يكون موجباً للعسر و الحرج، و من الواضح أنّ كون الجهل عذراً لا دخل له بهذه الجهة أصلًا.

و من ذلك كلّه تعرف أنّ ما أُفيد في التقريرات المطبوعة في صيدا أيضاً لا يخلو عن تأمّل، و ذلك قوله: و هذا بخلاف الاضطرار إلى غير المعيّن، فإنّ رافع التكليف فيه منحصر باختيار المكلّف في مقام التطبيق، فإنّه على تقدير انطباق الحرام على مورد اختياره يكون التكليف فيه ساقطاً، فلا مقتضي للسقوط قبله، وعليه فالتكليف قبل الاختيار- و لو كان الاضطرار سابقاً على حدوث التكليف أو العلم به- يكون فعلياً على كلّ تقدير، و يشكّ في سقوطه عن الطرف الآخر بعد اختيار المكلّف أحد الطرفين الخ‏ (1)

____________

(1) أجود التقريرات 3: 464- 465.

116

و وجه الإشكال و التأمّل، هو أنّه ليس الكلام فيما لو ارتكب ما يسدّ به ضرورته قبل العلم الاجمالي، و إلّا لكان من قبيل العلم الاجمالي بعد تلف أحد الطرفين، و إنّما محل الكلام هو أنّه لو حصل له العلم الاجمالي المذكور و كان مضطراً إلى ارتكاب أحد الطرفين لا بعينه باضطرار سابق على ذلك العلم الاجمالي. كما أنّه ليس الكلام فيما يكون حاله بعد الفراغ من ارتكاب أحد الطرفين لسدّ ضرورته، فإنّها من قبيل الشكّ في المسقط حتّى لو لم يكن في البين اضطرار، لاحتمال كون الحرام هو الذي ارتكبه فيكون من قبيل المسقط، و يكون الشكّ في انطباق ذلك المعلوم بالاجمال على ذلك الذي ارتكبه موجباً لكونه من قبيل الشكّ في المسقط، كان في البين اضطرار أو لم يكن. و إنّما عمدة الكلام هو في المسوّغ له ارتكاب ذلك الطرف الذي اختاره، و قد عرفت أن لا مسوّغ إلّا دليل العسر و الحرج، و هو يحتاج إلى أن يصطدم بالتكليف الواقعي ليتحكّم عليه، و المفروض أنّه لا يصطدم به.

و كما يتوجّه الإشكال المزبور على ما أفاده شيخنا (قدس سره)، فهو يتوجّه على ما في الكفاية، فإنّ الاضطرار لو كان بالغاً إلى حدّ الوجوب كان المكلّف مخيّراً في ارتكاب أيّهما شاء، أمّا إذا لم يكن في البين إلّا العسر و الحرج فلا دليل على هذا التخيير، وعليه يكون اللازم هو الاحتياط و عدم إعمال دليل العسر و الحرج. و هذا المبحث عين المبحث في دليل الانسداد من سقوط الاحتياط إذا بلغ العسر فيه اختلال النظام، أمّا إذا لم يكن في البين إلّا مجرّد العسر و الحرج، فإنّ دليل نفيهما لا يوجب سقوطه إلّا إذا طبّقناه على نفس التكليف المعلوم في البين.

و يمكن الجواب عن أصل الإشكال، بأنّ الحرج إنّما جاء من جهة الجمع بين الاجتناب عن هذا الطرف و الاجتناب عن الطرف الآخر كما هو مقتضى العلم‏

117

الاجمالي، فإنّ مقتضى العلم الاجمالي بوجود الميتة بين السمكتين، هو أنّ الميتة لو كانت هي هذه السمكة لوجب الاجتناب عنها بقول مطلق، سواء اجتنب عن السمكة الأُخرى أو لم يجتنب، و هكذا الحال من طرف العكس، و هذا الجمع إنّما نشأ من إطلاق التكليف الواقعي المعلوم في البين، و حيث كان الجمع المذكور حرجياً، كان المرفوع بدليل رفع الحرج هو إطلاق التكليف المعلوم في البين، لا أصل وجوب الاجتناب، فيكون الحاصل أنّه إن كانت هذه هي الميتة لكان وجوب الاجتناب عنها مقيّداً بعدم الاجتناب عن الأُخرى، و هكذا الحال من طرف العكس، إذ لو كانت هذه هي الميتة لكان وجوب الاجتناب عنها عند الاجتناب عن تلك حرجياً، فيكون مرفوعاً بدليل الحرج، فلا يكون المرفوع حينئذ إلّا وجوب الاجتناب عن كلّ واحدة منهما لو كانت هي الميتة عند الاجتناب عن تلك، أمّا عند ارتكاب إحداهما فلا يكون الاجتناب عن الأخرى حرجياً لو كانت الميتة هي الأُخرى.

و الحاصل: أنّ العسر إنّما نشأ عن الجمع بين الاجتنابين، و هو- أعني الجمع المذكور- لم ينشأ عن نفس ذلك التكليف الواقعي، و إنّما نشأ عن إطلاقه و شموله لما إذا اجتنب عن الأُخرى و ما إذا لم يجتنب عنها، فيكون المرفوع هو الاطلاق المزبور.

و إن شئت فقل: إنّ الميتة لو كانت منطبقة على هذه السمكة لكان وجوب الاجتناب عنها عند الاجتناب عن الأُخرى مرفوعاً.

و هذا التقريب هو المستفاد ممّا أفاده الأُستاذ العراقي (قدس سره) في درسه، و أشار إليه في مقالته‏ (1) و نتيجته هي تبعيض الاحتياط كما أفاده شيخنا (قدس سره)، و قد تعرّض‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 245.

118

لذلك في ملحق الجزء الثاني من المستمسك في مبحث القبلة (1).

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ الميتة لو كانت هي هذه السمكة لكانت الأُخرى مباحة، فلا يكون إطلاق وجوب الاجتناب عن هذه السمكة و شموله لصورة ترك الأُخرى حرجياً، كما هو الشأن في كلّ واجب قوبل بمباح يكون الجمع بينه و بينه حرجياً، مثل أن يكون الصوم حرجياً عند التعرّض للشمس، فإنّ ذلك لا يرفع إطلاق وجوب الصوم و شموله لصورة التعرّض، بل يبقى وجوب الصوم على حاله من الاطلاق و شموله لصورة التعرّض، و يكون اللازم على المكلّف هو اجتناب التعرّض.

و إنّما تتأتّى هذه الطريقة- أعني طريقة التقييد- فيما لو كان كلّ منهما واجباً مع فرض اتّفاق عدم القدرة على الجمع بينهما، أو كون الجمع المذكور حرجياً، أمّا لو كان أحدهما واجباً و الآخر مباحاً فلا يلتزم بتقييد الوجوب بعدم ذلك المباح، بل يبقى ذلك الوجوب بحاله، و يلتزم بعدم ذلك المباح، لعدم كون إطلاق ذلك الوجوب و شموله لوجود المباح حرجياً، إذ لم يكن الحرج آتياً من إطلاق الوجوب، و إنّما هو آت حينئذ من ناحية المكلّف مع فرض تمكّنه من ترك ذلك المباح.

ففيما نحن فيه نقول: إنّ هذه السمكة لو كانت هي الميتة لم يكن إطلاق وجوب الاجتناب عنها و شموله لترك أكل الأُخرى حرجياً، لفرض كون ترك الأُخرى حينئذ مباحاً، فيمكنه أن لا يترك أكل الأُخرى، فلا يكون وجوب الاجتناب عن هذه حرجياً. و هكذا الحال من طرف العكس، هذا.

و لكن يمكن إتمام هذه الطريقة- أعني طريقة التقييد المذكور- بما تقدّمت‏

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 5: 202.

119

الاشارة إليه، و حاصل ذلك أن نقول: إنّ إطلاق وجوب الاجتناب عن هذه السمكة لو كانت هي الميتة و إن لم يكن في نفسه حرجياً، إلّا أنّه بواسطة العلم الاجمالي بوجود الميتة بين هاتين السمكتين الموجب عليه الاجتناب عن كلّ منهما، يكون إطلاق وجوب الاجتناب عن هذه السمكة لو كانت هي الميتة و شموله لصورة الاجتناب عن الأُخرى حرجياً، بمعنى أنّه بعد العلم الاجمالي بوجود الميتة في البين، الذي يكون مقتضاه بحكم العقل هو وجوب الاجتناب عن كلّ منهما، و بعد فرض أنّ المكلّف يعسر عليه الاجتناب عنهما معاً نقول: إنّ هذه السمكة لو كانت في الواقع هي الميتة، يكون إطلاق وجوب الاجتناب عنها و شموله لما إذا اجتنب عن الأُخرى حرجياً، فنحكّم دليل العسر و الحرج على ذلك الاطلاق، و يكون محصّله هو رفع وجوب الاجتناب عن هذه عند الاجتناب عن الأُخرى، و هكذا من ناحية العكس، و يكون هذا التحكيم بعد العلم الاجمالي، و يكون الفرق بين الاضطرار إلى المعيّن و الاضطرار إلى غير المعيّن، أنّه في صورة الاضطرار إلى المعيّن يكون تحكيم دليل العسر و الحرج على التكليف الواقعي لو كان منطبقاً على الفرد المضطرّ إليه قبل العلم الاجمالي، فيكون العلم الاجمالي وارداً على تكليف محكوم لدليل العسر و الحرج أو تكليف غير محكوم لذلك الدليل، بخلاف صورة الاضطرار إلى غير المعيّن، فإنّه قبل العلم الاجمالي لو كانت الميتة هي هذه السمكة لم يكن دليل العسر و الحرج وارداً و حاكماً على إطلاق وجوب الاجتناب عنها، إذ لم يكن حينئذ ذلك الاطلاق حرجياً، و إنّما يكون الاطلاق المذكور حرجياً بعد تحقّق العلم الاجمالي الذي مقتضاه الجمع بين الاجتنابين الذي هو حرجي.

و بالجملة: أنّ كون إطلاق التكليف حرجياً ناشئ عن لزوم الجمع، و هو

120

ناشئ عن العلم الاجمالي، فيكون اتّصاف ذلك الاطلاق بالحرجية متأخّراً في الرتبة عن العلم الاجمالي و عن تأثيره في لزوم كلا الاجتنابين، فلا يعقل أن يرفع أثره بالمرّة، و يكون حاله حال الاضطرار إلى المعيّن الواقع بعد العلم الاجمالي، فكما أنّ ذلك لا يسوّغ له إلّا ارتكاب ما اضطرّ إليه، فكذلك الاضطرار إلى غير المعيّن السابق في الزمان على العلم الاجمالي، فإنّه و إن كان سابقاً في الزمان على العلم الاجمالي، إلّا أنّ اتّصاف إطلاق التكليف الواقعي بالحرجية لمّا كان متأخّراً في الرتبة عن العلم الاجمالي، لم تكن حرجية ذلك الاطلاق مسوّغة له إلّا رفع ذلك الاطلاق الذي يكون مقتضاه وجوب الاجتناب عن كلّ منهما عند الاجتناب عن الأُخرى، و حينئذٍ فلا يكون موجباً للخدشة في ذلك العلم الاجمالي إلّا بمقدار تلك الحرجية، و هو أنّه عند اجتناب تلك يجوز له ارتكاب هذه، لا أنّه يجوز له ارتكاب كلّ منهما بقول مطلق، فراجع ما حرّرناه‏ (1) في شرح عبارة الوسيلة في هذا المقام، و تأمّل في هذه الجهة التي ذكرناها هنا أيضاً، و هي أنّ المائز بين الاضطرار إلى المعيّن و الاضطرار إلى غير المعيّن فيما لو كان الاضطرار سابقاً بحسب الزمان على العلم الاجمالي، هو تأخّر عملية دليل العسر و الحرج عن عملية العلم الاجمالي في صورة الاضطرار إلى غير المعيّن، و تقدّمها عليه في صورة الاضطرار إلى المعيّن، و أنّ هذه الجهة هي التي أوجبت سقوط العلم الاجمالي في صورة الاضطرار إلى المعيّن، و عدم سقوطه في صورة الاضطرار إلى غير المعيّن، بحيث كان الاضطرار إلى غير المعيّن السابق بحسب الزمان على العلم الاجمالي ملحقاً بما إذا كان متأخّراً عن العلم الاجمالي، و سرّ الإلحاق هو ما عرفت من تأخّر عمليّته عنه.

____________

(1) مخطوط لم يطبع بَعدُ.

121

و خلاصة الفرق: أنّ العلم الاجمالي المسبوق بالاضطرار إلى المعيّن يكون وارداً على ما يصدمه ويحكم عليه، بخلاف المسبوق بالاضطرار إلى غير المعيّن فإنّه مؤثّر أثره من وجوب الاجتناب على كلّ تقدير، فلم يبق بأيدينا إلّا تحكيم دليل الاضطرار على الاطلاق الأحوالي في كلّ منهما، و تكون هذه العملية من التحكيم متأخّرة في الرتبة عن تأثير العلم الاجمالي، و يكون الحاصل حينئذ هو التبعيض‏ (1).

لا يقال: بعد أن فرضتم سقوط الاطلاق بدليل الحرج، لا تكون الميتة الواقعية الموجودة في البين حراماً في الواقع قبل الإقدام على إحدى السمكتين لحصول ما هو الشرط في كون الاجتناب عنها حرجياً، و هو عدم الإقدام على طرفها الذي هو مباح واقعاً، و حينئذٍ نقول: إنّه عند إقدامه على إحدى السمكتين يعلم تفصيلًا بأنّها غير محرّمة واقعاً، لأنّها إن لم تكن هي الميتة فواضح، و إن كانت هي الميتة، فلأنّ فرض الإقدام عليها في ظرف ترك مقابلها، و قد قرّرتم أنّه في ظرف ترك أحد الطرفين يكون الطرف الآخر مسلوب الحرمة حتّى لو اتّفق أنّه هو الميتة واقعاً، بمعنى أنّ حرمة الميتة الموجودة في البين و وجوب الاجتناب عنها يكون مقيّداً بعدم الاجتناب عن تلك الأُخرى التي هي مباحة في الواقع،

____________

(1) هذا و لكن المطلب بعدُ لا يخلو عن إشكال، فإنّ سقوط تأثير العلم الاجمالي في هذا الذي يختاره لسدّ ضرورته موقوف على كون العلم الاجمالي مانعاً من ارتكابه الطرف الآخر، و لا يكون العلم مانعاً عن ارتكاب ذلك الطرف الآخر إلّا من جهة كونه منجّزاً على كلّ حال، سواء كان المعلوم في الطرف الآخر أو كان في هذا الطرف الذي يختاره، فكان سقوط تأثير العلم الاجمالي في هذا الطرف الذي يختاره متوقّفاً على تأثيره التنجيز فيه [منه (قدس سره)‏].

122

فقبل الإقدام على إحداهما تكون الميتة الواقعية الموجودة في البين غير محرّمة واقعاً، لحصول الشرط في ارتفاع الحرمة في كلّ منهما لو كانت هي الميتة واقعاً، و عند الإقدام على إحداهما لا يكون مقدماً إلّا على ما هو مباح واقعاً، إمّا بذاته أو بواسطة ارتفاع حرمته بسبب الحرج الآتي من ناحية ترك الأُخرى المتحقّق قبل الإقدام على الأُخرى. و حينئذٍ نقول: بعد فراغه من أكل الأُولى يكون الشكّ في حرمة الباقية بدوياً، لأنّها إن لم تكن هي الميتة فلا شبهة في إباحتها، و إن كانت هي الميتة و إن كانت هي محرّمة في الواقع إلّا أنّها حرمة آتية من الإقدام على السابقة، لما عرفت من أنّ الميتة الموجودة قبل الإقدام على الأُولى ليست بحرام، و حيث إنّ ذلك غير محرز للمكلّف، كانت أصالة البراءة في حرمتها جارية بلا معارض، لعدم كون ذلك من قبيل الشكّ في السقوط، بل هو من قبيل الشكّ في حدوث الحرمة في الثانية بعد الإقدام على الأُولى.

نعم، لا يتأتّى الإشكال المزبور فيما لو كانت الشبهة وجوبية، كما لو فرض تعسّر الجمع بين الصلاة و الصوم و علم إجمالًا بوجوب أحدهما، فإنّه بناءً على كون الساقط هو إطلاق الوجوب الواقعي الوارد على أحدهما لما إذا أتى بالآخر، يكون الشرط في وجوب كلّ منهما حاصلًا قبل الإقدام على أحدهما، فيلزمه الاحتياط بالإقدام على أحدهما و ترك الآخر، لكونه حرجياً حينئذ.

لأنّا نقول: أوّلًا: أنّه قبل الإقدام على إحدى السمكتين و إن كانت الميتة الواقعية مباحة في الواقع، لتحقّق ما هو الشرط في سقوط حرمتها، إلّا أنّه مع ذلك يعلم إجمالًا بأنّ إحدى السمكتين تكون محرّمة عليه عند الإقدام على الأُخرى، و هذا المقدار من العلم الاجمالي المتعلّق بحرمة إحداهما على تقدير الإقدام على الأُخرى كافٍ في لزوم الاجتناب عن الثانية بعد ارتكاب الأُولى، لاحتمال كونها

123

هي الميتة المنجّزة حرمتها عليه بذلك العلم الاجمالي المتعلّق بحرمة إحداهما على تقدير الإقدام على الأُخرى.

و من ذلك يتّضح لك فساد ما ذكر في الإشكال من جريان أصالة البراءة من حرمة الثانية بلا معارض، فإنّ أصالة البراءة من حرمتها المعلّقة على الإقدام على الأُولى كانت ساقطة بالتعارض قبل الإقدام على الأُولى، لما عرفت من أنّه قبل الإقدام على الأُولى كان عالماً بحرمة كلّ منهما على تقدير الإقدام على الأُخرى، فتكون الأُولى في ذلك الحين أيضاً مجرى لأصالة البراءة من حرمتها على تقدير الإقدام على الثانية.

و نظير ذلك ما لو علم إجمالًا بوجوب أحد الفعلين كالقيام و الصدقة معلّقاً على الآخر، بأن يكون قد علم أنّه وجب عليه إمّا القيام إن حصلت منه الصدقة، أو الصدقة إن حصل منه القيام، فإنّه قبل الإقدام على أحدهما و إن لم يكن أحدهما واجباً عليه في الواقع، و كان عند الإقدام على القيام شاكّاً في وجوب الصدقة، إلّا أنّ ذلك العلم الاجمالي السابق كافٍ في الحكم بتنجّزها عليه و عدم جريان البراءة فيها، لسقوطها سابقاً بالمعارضة مع أصالة البراءة من القيام على تقدير الصدقة.

لكن ذلك لا يخلو من تأمّل، لإمكان أن يقال: إنّه قبل الإقدام على شي‏ء منهما لا تجري في حقّه البراءة في كلّ من الطرفين، إذ لا أثر لها إلّا عند تحقّق الشرط لذلك الواجب المشروط. نعم بعد القيام و بعد الإقدام على الصدقة أيضاً يلزمه القيام ثانياً، و هو كافٍ في حصول البراءة اليقينية.

و قد يقال: لا حاجة إلى القيام ثانياً، بل يكون إقدامه على الصدقة بعد القيام الأوّل كافٍ في الخروج من عهدة كلا التكليفين، لأنّ الواجب عليه إن كان هو الصدقة على تقدير القيام فقد حصلت، و إن كان هو القيام على تقدير الصدقة فقد

124

حصل أيضاً، بناءً على أنّ المراد من وجوب القيام على تقدير الصدقة هو وجوبه على تقدير اتّفاق حصولها في هذا اليوم مثلًا، فيكفي في الخروج عن عهدته اتّفاق وجوده و لو قبلها، فتأمّل.

و ثانياً، و هو العمدة في حلّ الإشكال المزبور: أنّه ليس مجرّد ترك المباح هو الموجب لاسقاط حرمة الميتة واقعاً، لما عرفت من الإشكال عليه فيما تقدّم، و حاصله أنّ ترك الحرام و إن كان حرجياً عند ترك المباح، إلّا أنّ ذلك الحرج لا يوجب سقوط حرمة ذلك الحرام، بل يوجب بحكم العقل إلزام المكلّف بالإقدام على ذلك المباح ليرتفع الحرج في ترك الحرام، بل إنّ الترك الموجب لاسقاط حرمة الميتة لكونها معه حرجية هو الترك الذي يلزم به المكلّف، و هو ترك المباح الناشئ عن انسداد باب وجوده في وجهه، من جهة العلم الاجمالي بوجود الميتة و الجهل بها عيناً، الموجب لحكم العقل عليه بلزوم ترك كلّ منهما، و بعد أن صار ترك المباح لازماً على ذلك المكلّف، يكون إطلاق حرمة الميتة و شموله للزوم تركها في حال ترك الطرف الآخر حرجياً فيرتفع، فلم يكن ارتفاع حرمة الميتة واقعاً بإزاء مجرّد كون المكلّف تاركاً لطرفها، بل بإزاء كونه ملزماً بترك ذلك الطرف على وجه ينسدّ عليه باب وجود ذلك الطرف إلى آخر الأبد، فلا يكفي في ارتفاع حرمة الميتة مجرّد أنّه تارك للطرف قبل الإقدام عليها، بل لا بدّ فيه من كون المكلّف تاركاً للطرف إلى آخر الأبد، و يكون باب وجوده منسدّاً في وجهه و لو من جهة العلم الاجمالي، إذ لو تسنّى له وجوده لم يكن تحريم تلك الميتة حرجياً عليه، و حينئذٍ نقول: إنّ صحّة ارتكابه للأُولى يتوقّف على كون تركها حرجياً، و لا يكون حرجياً إلّا من جهة لزوم ترك الأُخرى عليه، و أنّه ملزم بذلك الترك من ناحية حكم العقل الناشئ عن العلم الاجمالي، و هذه الجهة باقية بحالها بعد فراغه‏

125

من الأُولى، فلو أراد أن يرتكب الثانية بعد ذلك يكون ممنوعاً بذلك العلم الاجمالي السابق الذي ألزمه بتركها، و أوجب حرجية ترك الأُولى و سوّغ له الإقدام عليها.

و بالجملة: أنّ جواز ارتكابه للأُولى مشروط بانسداد باب وجود الثانية، فإن كان في الواقع و في علم اللَّه تعالى لا يقدم على الثانية إلى آخر الأبد، صحّ له الإقدام على الأُولى، و يكون ارتفاع الحرمة الواقعية عن الميتة الواقعية مشروطاً بكونها حرجية، و لا تكون حرجية إلّا بعد كونه ملزماً بترك طرفها، فالقول بأنّ إلزامه بترك الثانية بعد الأُولى إلزام جديد خلف لكون الاجتناب عن الميتة حرجياً عليه، لأنّ حرجية الاجتناب عنها هو عين كونه ملزماً بحكم العقل بترك طرفها، فتأمّل فإنّ في النفس شيئاً من ذلك.

و الذي يهوّن الخطب هو قلّة الجدوى لهذا المبحث، لما عرفت من أنّ الإشكال فيه إنّما هو في الشبهات التحريمية دون الوجوبية، و يمكننا أن نقول إنّ دليل العسر و الحرج لا يجري في المحرّمات، فيكون البحث فيها حينئذ ساقطاً بالمرّة.

أمّا الشبهات الوجوبية فهي غالباً يكون الطرفان تدريجيي الحصول، مثل أن يعلم إجمالًا وجوب الظهر أو الجمعة، و قد اتّفق أنّ المكلّف يعسر عليه الجمع بينهما، فهذا العلم يؤثّر أثره من تنجّز الطرفين فيلزمه الاتيان بهما، لكنّه عند فراغه من الجمعة مثلًا تسقط عنه الظهر، لأنّ الواجب الواقعي إن كان هو الجمعة فقد أدّاه، و إن كان الواجب الواقعي هو الظهر فهي في هذا الحال يعسر عليه الاتيان بها، فيسقط وجوبها لأجل العسر و الحرج.

نعم، لو اتّفق مثل هذا العلم الاجمالي بالنسبة إلى فعلين يكون أوّلهما

126

و آخرهما متطابقين، كما لو [علم‏] بوجوب صوم هذا اليوم أو وجوب بقائه طول ذلك اليوم في مسجد الكوفة مثلًا، و اتّفق عسر الجمع بينهما، ففي مثل ذلك نحتاج إلى ارتكاب تلك الطريقة المبنية على التقييد، بأن نقول إنّ مقتضى العلم الاجمالي هو الاتيان بهما، لكنّه يقول إنّ الواجب الواقعي لو كان هو الصوم مثلًا لكان إيجابه عليه في حال بقائه في مسجد الكوفة حرجاً عليه، فيكون مرتفعاً في حال بقائه في مسجد الكوفة، فعند كونه في مسجد الكوفة يرتفع وجوب الصوم عليه لكونه حرجياً في ذلك [الحال‏]، و حينئذٍ لا بدّ أن يكون وجوب الصوم عليه مقيّداً بأن لا يكون في مسجد الكوفة، و هكذا الحال بالنسبة إلى كونه في مسجد الكوفة، و تكون النتيجة أنّ كلًا منهما لو كان هو الواجب الواقعي لكان وجوبه مقيّداً بعدم الاتيان بالآخر، و محصّله هو التخيير، الموافق عملًا لتبعيض الاحتياط، بعد فرض أنّه بالنظر إلى العلم الاجمالي ملزم بكلّ منهما ليكون إيجاب الصوم مثلًا عليه مقيّداً بعدم الاتيان بالآخر، و أنّ الآخر و هو الكون في مسجد الكوفة و إن كان في الواقع مباحاً على هذا التقدير، أعني كون الواجب الواقعي هو الصوم، لكنّه مع ذلك هو ملزم بأن يأتي بذلك الآخر بسائق العلم الاجمالي، فيكون الحاصل أنّك عند إتيانك بالكون في مسجد الكوفة لكونك ملزماً به بسائق العلم الاجمالي يكون وجوب الصوم حرجياً عليك، فيسقط عنك عند ما تأتي بالكون في مسجد الكوفة، و يكون وجوب الصوم عليك واقعاً- لو كان هو الواجب الواقعي- منحصراً بما إذا لم تأت بالكون في مسجد الكوفة، و هكذا الحال في طرف العكس، و بالأخرة تكون النتيجة هو سقوط الاحتياط فيما يرتكبه و بقاءه فيما لم يرتكبه، و لا يكون ذلك مسقطاً للعلم الاجمالي بالمرّة، لأنّ هذه العملية متأخّرة عن تأثير العلم الاجمالي أثره، لكن حيث إنّ دليل نفي الحرج لمّا

127

لم يمكن تحكيمه على نفس الاحتياط العقلي، جعلناه وارداً على الوجوب الواقعي لو كان منطبقاً على هذا الطرف مع فرض إتيانه بالطرف الآخر بسائق من العلم الاجمالي.

و لا يخفى أنّه بناءً على ذلك يكون قبل الشروع فيهما عالماً بوجود التكليف الواقعي بينهما، لحصول شرط وجوبه و هو عدم الاتيان بالآخر، سواء كان الواجب الواقعي هو الصوم أو كان الواجب الواقعي هو الكون في المسجد، و عند إقدامه على كلّ منهما مع الحرج في الجمع بينهما لا يكون واحد منهما متّصفاً بالوجوب الواقعي، لأنّ كلّ واحد منهما يكون وجوده رافعاً لوجوب الآخر، سواء كان هو الصوم أو كان هو الكون في المسجد، و لو جاء بأحدهما و ترك الآخر كان من الموافقة الاحتمالية، و لو تركهما معاً كان من المخالفة القطعية.

و ربما يقال: إنّ هذا لا يحتاج إلى ما ذكر في الشبهة التحريمية من التشبّث بأذيال العلم الاجمالي، بل يكون حاله حال التدريجيين، فإنّه بمجرّد إقدامه على أحدهما يتعيّن الآخر للسقوط لو كان هو الواجب الواقعي، نعم في صورة الاتيان بهما معاً يكون الحكم بكون كلّ منهما غير واجب مبنيّاً على ما تقدّم، فإنّ فعله الصوم مقارناً لكونه في مسجد الكوفة يكون حرجياً عليه، بواسطة كون العلم الاجمالي ملزماً له بالكون في مسجد الكوفة الموجب لكون الصوم حرجياً عليه، فتأمّل.

و ربما يقال في صورة الاضطرار إلى واحد غير معيّن: بالمنع من ارتكاب الطرفين دفعة، و جواز ارتكابهما تدريجاً، و الوجه فيه هو أنّ المنع من ارتكاب النجس الموجود بينهما يكون مقيّداً بارتكاب أحد الطرفين الرافع لاضطراره،

128

و حينئذٍ ففي حال ارتكابهما لمّا كان قد ارتفع اضطراره بارتكابه لأحدهما، كان وجوب الاجتناب عن النجس الموجود في البين غير موقع له في الاضطرار، فيكون بذلك قد ارتكب النجس في حال كونه غير مضطرّ إليه، و هذا بخلاف ما لو ارتكب أحدهما فإنّه عند ارتكابه كان مضطرّاً إليه، فلو كان هو النجس لم يكن اجتنابه واجباً، لتحقّق شرط ارتفاع التكليف بالاجتناب عن النجس، و هو عدم الارتكاب الرافع لاضطراره، و حينئذٍ فعند إقدامه على الثاني لا يكون إلّا من قبيل الإقدام على ما يحتمل كونه هو النجس‏ (1)

____________

(1) بل ربما يقال: إنّه في مرتبة ارتكابهما دفعة واحدة لا يكون الاجتناب عن النجس الذي هو بينهما منجّزاً عليه، لأنّ تنجّزه إنّما يكون معلولًا لارتفاع اضطراره، و هو- أعني ارتفاع الاضطرار- إنّما يكون معلولًا للارتكاب، و حينئذٍ لا بدّ أن يكون توجّه الاجتناب عن النجس متأخّراً عن الارتكاب رتبة، فلا يعقل أن يكون في عرض الارتكاب.

بل قد يقال: إنّ توجّه وجوب الاجتناب متأخّر زماناً عن الارتكاب فضلًا عن كونه متأخّراً عنه رتبة، لأنّه إنّما يتوجّه في حال كونه غير مضطرّ إليه، و لا يكون ذلك إلّا بعد تحقّق الارتكاب، و لا يكفي في توجّهه وقوعه في زمان الارتكاب، فنحن و إن أمكننا دفع إشكال التأخّر الرتبي، بدعوى أنّ ارتكاب غير النجس و إن وقع مقارناً في الزمان مع ارتكاب النجس، إلّا أنّه لا مانع من كون ارتكاب غير النجس متقدّماً رتبة على ارتكاب النجس، ليصحّ أن يكون ارتكاب غير النجس شرطاً في توجّه وجوب الاجتناب عن النجس الذي هو- أعني الوجوب المذكور- سابق في الرتبة على ارتكاب النجس، ليكون ارتكاب النجس عصياناً لذلك الوجوب، إلّا أنّه- أعني توجّه وجوب الاجتناب عن النجس- لا بدّ أن يكون متأخّراً زماناً عن ارتكاب غير النجس، و المفروض أنّ ارتكاب النجس لم يتأخّر زماناً عن ارتكاب غير النجس ليكون ارتكابه- أعني النجس- عصياناً لوجوب الاجتناب عنه [منه (قدس سره)‏].

129

و هذا هو الظاهر من المستمسك في ملحق الجزء الثاني من مباحث القبلة، فإنّه قال: و العمدة في ذلك أنّ الارتكاب إنّما أُخذ شرطاً للتكليف من جهة أنّه رافع للاضطرار، فلا مانع من ثبوت التكليف معه، بخلاف الارتكاب غير الرافع للاضطرار، فإنّه إذا فرض غير رافع للاضطرار لا يجدي التقييد به في كون التكليف غير اضطراري، بل هو على حاله اضطراري فلا يمكن ثبوته. وعليه فالتقريب المذكور إنّما يقتضي المنع من ارتكابهما دفعة، لتحقّق الارتكاب الرافع للاضطرار فيتحقّق معه التكليف كما عرفت، و لا يمنع من ارتكابهما تدريجاً، فإنّه إذا ارتكب أحدهما ارتفع اضطراره حينئذ، فلا يكون ارتكاب الثاني ارتكاباً رافعاً للاضطرار، فتكون المخالفة فيه احتمالية من أجل احتمال كونه النجس لا قطعية، لاحتمال كون النجس هو الذي ارتكبه أوّلًا، و التكليف باجتنابه منتف لعدم تحقّق شرطه، و هو ارتكاب غيره الرافع للاضطرار كما لا يخفى بالتأمّل‏ (1).

قوله: فلا يكون ارتكاب الثاني ارتكاباً رافعاً للاضطرار (2).

يمكن التأمّل فيه، فإنّ ارتكاب الثاني و إن لم يكن هو الرافع للاضطرار، إلّا أنّ الاضطرار قد ارتفع بارتكابه الأوّل، و معه لا يكون وجوب الاجتناب عن النجس حكماً اضطرارياً. نعم هناك جهة أُخرى و هي أنّه لا ريب في أنّه يجوز ارتكاب الأوّل حتّى لو كان هو النجس، لأنّ وجوب الاجتناب عن النجس كان إلى أن شرع في ارتكاب الأوّل ضررياً عليه، فيكون مرفوعاً، و بعد فراغه منه نقول إنّه لو كان الثاني هو النجس كان وجوب الاجتناب عن النجس متوجّهاً إليه، لكنّه لا يعلم ذلك إجمالًا و لا تفصيلًا، لاحتمال كون النجس هو ما ارتكبه أوّلًا.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 5: 203.

(2) مستمسك العروة الوثقى 5: 203.

130

و لكن وجوب الاجتناب عن النجس إنّما يكون ضررياً قبل الارتكاب بواسطة الجهل بعينه و تردّده بين الطرفين، الموجب بحكم العقل لاجتنابهما، و حينئذٍ يكون ذلك الوجوب الواقعي بواسطة انتهائه إلى الاجتناب عن الاثنين ضررياً عليه، لكن لا يرتفع بقول مطلق، بل في خصوص حال كونه ضررياً و هي ما لو لم يرتكب البعض، و ذلك عبارة أُخرى عن قولنا إنّ النجس لو كان هو الآنية الصغرى لكان وجوب الاجتناب عنها مع فرض كونه مجتنباً عن الكبرى باقتضاء العلم الاجمالي ضررياً عليه فيكون مرتفعاً. و حاصله: هو أنّه عند ارتكاب الكبرى يلزمه الاجتناب عن الصغرى لو كانت هي النجسة، و هكذا الحال من ناحية الكبرى، و يكون الحاصل هو علمه الاجمالي بأنّه إمّا يجب عليه الاجتناب عن الكبرى عند ارتكابه للصغرى، و إمّا أن يجب عليه الاجتناب عن الصغرى إن ارتكب الكبرى، و هذا العلم الاجمالي حاصل قبل ارتكابهما، لكنّه لا يوجب الترخيص في كلّ منهما نظراً إلى حصول شرطه، بدعوى أنّه يعلم بأنّه مرخّص في هذه على تقدير ترك تلك و في تلك على تقدير ترك هذه، و حينئذٍ فعند تركهما يكون مرخّصاً في كلّ منهما، فإنّ ذلك خلاف العلم الوجداني الحاصل قبل ارتكابهما، فإنّه في ذلك الحال يعلم بأنّ أحدهما نجس يجب عليه اجتنابه.

نعم، إنّه في ذلك الحال مرخّص في أحدهما على البدل، و هو معنى الترخيص في أحدهما المقيّد بترك الأُخرى، و قد حقّق في محلّه‏ (1) أنّ الترخيص و غيره من الأحكام المشروطة لا ينقلب إلى الاطلاق عند وجود شرطه، فإنّ الترخيص في هذه على تقدير ترك تلك لا يكون ترخيصاً مطلقاً إن وجد شرطه، و كذلك الترخيص في تلك، بل هو قبل ارتكابهما متوجّه إليه أحد الترخيصين،

____________

(1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 317 و ما بعدها.

131

كما أنّه متوجّه إليه أحد التكليفين، و هو الاجتناب عن هذه لو ارتكب تلك، أو الاجتناب عن تلك لو ارتكب هذه، فلو فعلهما معاً فقد ارتكب المعصية قطعاً، بمعنى أنّه لم يجتنب عن النجس في حين علمه بوجوب الاجتناب عنه. و لو ارتكب أحدهما و هي الصغرى ثمّ أراد ارتكاب الكبرى كان ممنوعاً عنه عقلًا، لأنّه قد علم أوّلًا بأنّه إمّا أن يجب عليه اجتنابها إن ارتكب الصغرى، أو الاجتناب عن الصغرى إن ارتكب الكبرى، فهذا و هو اجتنابه للكبرى عند ارتكابه للصغرى هو أحد طرفي العلم الاجمالي، فيكون متنجّزاً عليه قبل أن يرتكب الصغرى، فيكون ارتكابها ممنوعاً عنه عقلًا، فإنّ المخالفة في ارتكاب الكبرى بعد الصغرى و إن كانت احتمالية، إلّا أنّها أحد طرفي العلم الاجمالي، فتكون منجّزة مستحقّاً عليها العقاب لو صادفت الواقع، فلاحظ و تأمّل.

ثمّ إنّك قد عرفت الوجه في قولنا: إنّ الصغرى لو كانت هي النجسة لكان وجوب الاجتناب عنها ضررياً عند تركه للكبرى، مع أنّ ذلك الوجوب على تقديره لا يكون ضررياً، لأنّ الكبرى في ذلك الحال تكون مباحة، و لا ريب أنّ ترك المباح لا يوجب كون وجوب الاجتناب عن الصغرى ضررياً.

و حاصل ذلك الوجه هو كون الترك للكبرى مستنداً للعلم الاجمالي بوجود النجس بينهما الموجب بحكم العقل لتركه لكلّ منهما، و حينئذٍ فيكون الترخيص في ارتكابه للصغرى معلولًا لمنجّزية العلم الاجمالي في الكبرى، فكيف يعقل أن يكون هذا الترخيص مسقطاً لما يقتضيه العلم الاجمالي في الكبرى، و هل ذلك إلّا من قبيل ما يلزم من وجوده عدمه، أعني أنّه يلزم من منجّزية العلم الاجمالي في الكبرى الترخيص في الصغرى، و هو يوجب عدم منجّزية العلم في الكبرى، هذا خلف فتأمّل. هذا في المحرّمات.

132

و أمّا الواجبات، فإن كانت اقترانية كما مثّلنا به من وجوب صوم يوم بعينه أو البقاء في المسجد تمام ذلك اليوم، فإنّه بعد العملية المذكورة يكون عالماً بوجوب أحدهما عند تركه الآخر، فلا يجوز له تركهما معاً، لأنّه حينئذ عالم بأنّه يترك واجباً متنجّزاً عليه. نعم يجوز له ترك الآخر إن فعل أحدهما.

و إن لم تكن اقترانية بل كانت تدريجية، كما في مثل الصلاة إلى الجهات الأربعة التي يعلم أنّ القبلة فيها و قد ضاق الوقت عن إتمام الأربع، و كما في مثال الدرهم الذي يعلم بأنّه يجب دفعه إلى زيد و قد تردّد زيد بين أشخاص أربعة، و ليس عنده إلّا ثلاثة دراهم، فلا يحتاج التبعيض فيه إلى هذه العملية، بل يلزمه الجري على مقتضى العلم الاجمالي حتّى يعجز أو يبلغ العسر و الحرج أو الضرر، فيكون التكليف ساقطاً لو كان في الباقي.

نعم، لو كان العذر في طرف معيّن، كان العلم الاجمالي ساقطاً لو كان ذلك العذر سابقاً أو مقارناً، بخلاف ما لو كان بعد العلم، و إن كان للشيخ (قدس سره) كلمة في ذيل الشبهة الوجوبية غير المحصورة ربما كان ظاهرها منافياً لذلك.

و للمرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره) كلام في هذا المقام نقلناه فيما سيأتي إن شاء اللَّه فيما علّقناه على ما أفاده شيخنا في التنبيه الأوّل، و نقلنا هناك كلمة الشيخ المشار إليها، فراجع‏ (1).

و يمكن أن يوجّه ما ذكرناه، من أنّ الساقط بدليل العسر و الحرج هو إطلاق التكليف بالاجتناب عن الميتة الواقعية و شموله لما إذا اجتنب عن الطرف الآخر و تركه، بعد تكميله بما ذكرناه من اقتضاء العلم الاجمالي للزوم الترك المذكور، بأن يقال: ليس المراد بسقوط وجوب الاجتناب عن الميتة الواقعية عند ترك‏

____________

(1) راجع الحاشية الآتية في الصفحة: 213 و ما بعدها.

133

الطرف الآخر هو سقوط وجوب الاجتناب عنها بالمرّة، ليكون مقتضاه هو أنّه قبل ارتكاب أحد الطرفين تكون الميتة الواقعية محكومة بالإباحة واقعاً، و يكون لازمه أنّ تحريم الطرف الباقي على تقدير كونه هو الميتة بعد ارتكاب الطرف الأوّل تحريم جديد لينفى بالبراءة، بل المراد بذلك هو سقوط حرمة الميتة و جواز ارتكابها لخصوص رفع الحرج لا مطلقاً، بناءً على أنّ تحريم أكل الميتة يقتضي المنع من ذلك الأكل و سدّ جميع أبواب وجوده، فينحلّ المنع من أكلها إلى المنع من جميع أنحاء وجود الأكل، و يكون دليل نفي الحرج رافعاً للمنع من وجود الأكل إذا كان بنحو رفع الحرج به، فيبقى تحريم الميتة الموجودة في البين على ما هو عليه من اقتضائه سدّ أنحاء وجود أكلها، إلّا نحواً واحداً من تلك الأنحاء و هو كونه سادّاً للضرورة و رافعاً للحرج عن المكلّف، فلا يرتفع بدليل نفي الضرر و العسر و الحرج إلّا هذا المقدار من أثر التحريم، دون باقي الآثار و هو المنع من وجوده الذي لا يكون لأجل سدّ الضرورة و رفع الحرج.

فنقول: إنّ الميتة الموجودة هي حرام واقعاً، و يلزم الاجتناب عن جميع أنحاء أكلها إلّا النحو الذي يسدّ به الضرورة، و هو لا ينطبق إلّا على أكل الطرف الأوّل دون أكل الطرف الثاني بعد أكل الطرف الأوّل، فيبقى أكل الطرف الثاني على ما هو عليه من اقتضاء حكم العقل بلزوم الاجتناب عنه، لكونه طرفاً للعلم الاجمالي بالميتة بين الطرفين، الذي يكون حكمها المنع من جميع أنحاء أكلها ما عدا ما يرتفع به الحرج و تنسدّ به الضرورة، المفروض انحصار انطباقه على أكل الأُولى في ظرف عدم أكل الأُخرى، و عدم انطباقه على أكل الثانية بعد أكل الأُولى، فتأمّل جيّداً.

لا يقال: يمكن إتمام هذه الطريقة- أعني طريقة تبعيض الاحتياط فيما

134

نحن فيه- بما ذكرتموه في باب الترتّب في مسألة الغريقين اللذين لا يكون أحدهما أهمّ من الآخر، مع فرض عدم قدرة المكلّف على إنقاذهما معاً، من أنّ العقل يقيّد إطلاق وجوب الإنقاذ في كلّ منهما بعدم إنقاذ الآخر، أو أنّه يسقط كلا الخطابين و ينتزع خطاباً تخييرياً بينهما، فيلزم إنقاذ أحدهما و ترك الآخر، فلِمَ لا تجرون هذه الطريقة فيما نحن فيه، فإنّ الحكم الواقعي الشرعي و هو وجوب الاجتناب عن النجس الموجود في البين و إن لم يكن في حدّ نفسه تكليفاً بغير المقدور، إلّا أنّ العلم الاجمالي بذلك التكليف الواقعي في البين يولّد حكمين عقليين احتياطيين و هو حكم العقل بوجوب الاجتناب عن هذا الطرف و وجوب الاجتناب عن ذلك الطرف، و هذان الوجوبان العقليان لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما، فقهراً يحكم العقل ثانياً بتقييد كلّ من الاجتنابين بعدم الاجتناب عن الآخر، أو يحكم ثانياً بحكم تخييري بينهما، و هو معنى تبعيض الاحتياط.

و هذه الطريقة جارية في كلّ ما يكون من هذا القبيل، كما لو علم إجمالًا على نحو الشبهة الوجوبية بأنّه يجب عليه عصر الجمعة إمّا الكون في مسجد الكوفة أو الكون في حرم سيّد الشهداء مثلًا، أو أنّه كان قد نذر أحدهما و اشتبها عليه، بل هذا جارٍ في الشبهة قبل الفحص فيما لو احتمل وجوب هذا الضدّ و احتمل أيضاً وجوب ضدّه الآخر، أو احتمل وجوب هذا الفعل و احتمل وجوب الفعل الآخر و اتّفق أنّه لم يقدر على الجمع بينهما، فإنّ الحكم في جميع ذلك هو التبعيض.

لأنّا نقول: إنّ ذلك مسلّم لا ريب فيه، و لكنّه إنّما يتمّ فيما لو كان الاضطرار بالغاً حدّ عدم القدرة عقلًا، دون ما لم يكن في البين إلّا مجرّد العسر و الحرج، الذي ينحصر رافعيته للتكليف بحكم الشارع، الموقوف على كون المرفوع حكماً

135

شرعياً يكون هو الموجب للعسر و الحرج.

قوله: قلت: العلم الاجمالي و إن كان بالنسبة إلى متعلّقه لا يكون إلّا كاشفاً و طريقاً، إلّا أنّه بالنسبة إلى التنجيز و جريان الأُصول في الأطراف و تعارضها و تساقطها يكون تمام الموضوع ... الخ‏ (1).

محصّله: أنّ كون العلم الاجمالي منجّزاً إمّا من جهة نفس علّية العلم لذلك، و إمّا من جهة تعارض الأُصول، و كلّ منهما غير متحقّق في المقام.

أمّا الأوّل، فلأنّ العلم و إن كان منجّزاً بنفسه إلّا أنّه في المقام لا يكون كذلك، أمّا بالنظر إلى ما بعد حصول العلم الذي هو بعد الاضطرار إلى الطرف المعيّن الذي هو الآنية الكبرى مثلًا، فلأنّ المفروض أنّه ليس له أثر بالنسبة إليها، لفرض كونه مضطرّاً إليها. و أمّا بالنسبة إلى ما قبل الاضطرار فلاستحالة كون التنجيز الذي هو أثر العلم سابقاً عليه و إن كان نفس المعلوم سابقاً.

و أمّا الثاني أعني تعارض الأُصول، فلأنّ الأصل لا يجري في الطرف الذي اضطرّ إليه أعني الآنية الكبرى، لأنّ جريان الأصل فيها إن كان قبل الاضطرار الذي هو قبل العلم الاجمالي فلأنّها في ذلك الظرف مقطوعة الطهارة و إن كانت في الواقع إحدى طرفي العلم الاجمالي. و إن كان المراد إجراء الأصل فيها الآن بالنظر إلى ظرف ما قبل الاضطرار، فذلك لا يترتّب عليه أثر. و إن كان المراد إجراء الأصل فيها الآن بالنظر إلى هذا الظرف أعني ظرف ما بعد العلم و الاضطرار، فذلك لغو، لأنّها جائزة الارتكاب في هذا الحال أعني حال ما بعد الاضطرار. فعلى أيّ لا تكون الآنية الكبرى مجرى للأصل في شي‏ء من هذه الظروف، و يكون الأصل جارياً في الصغرى بلا معارض، هذا ملخّص الجواب عمّا تضمّنه قوله: إن قلت.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 95.

136

لكن بقيت جهة أشار إليها في ضمن قوله: «إن قلت» لم يصرّح في الجواب عنها، و هي قوله: و لم يعلم وقوع الاضطرار إلى متعلّق التكليف ليسقط الخ‏ (1)، لم يتعرّض في الجواب‏ (2)، و شرح هذه الجهة ما تضمّنه ما حرّرته عنه فيها و الجواب عنها، و ذلك هو قوله فيما حرّرته عنه: و دعوى أنّه فعلًا يعلم بوجود ملاك التكليف و توجّهه إليه فيما قبل الاضطرار، و يشكّ في كون هذا الاضطرار مسقطاً له، فيكون العلم منجّزاً، لكونه من قبيل من علم بوجود ملاك التكليف و شكّ في تحقّق مسقطه، و معه يجب الفحص أو الاحتياط، ممنوعة.

أمّا أوّلًا: فلأنّ عدم الاضطرار ليس من قبيل الشروط العقلية كعدم القدرة العقلية في كون ملاك التكليف موجوداً في مورده بتمامه، و أنّ العجز العقلي يكون مسقطاً للتكليف من دون تأثير في ناحية الملاك، كي يكون من قبيل الشكّ في السقوط مع إحراز تحقّق الملاك التامّ، بل هو- أعني عدم الاضطرار- شرط شرعي يكون وجوده موجباً لنقصان ملاك التكليف، فلا يكون الشكّ فيه من قبيل الشكّ في المسقط مع إحراز ملاك التكليف، إذ ليس المراد من الاضطرار ما يكون بالغاً إلى درجة العجز و عدم القدرة العقلية، بل المراد منه ما يكون مجامعاً للقدرة العقلية و موجباً لحكم الشارع بجواز الارتكاب، و حينئذٍ فلا بدّ أن يكون المصحّح لحكم الشارع بجواز ارتكاب مورده هو نقصان ملاك وجوب الاجتناب عنه عن أن يكون قابلًا للتأثير في ذلك الوجوب.

و أمّا ثانياً: فلأنّ هذه الدعوى بمسألة الخروج عن الابتلاء أولى منها بمسألة الاضطرار، لما عرفت من رجوع الابتلاء إلى التمكّن العادي الملحق‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 94.

(2) [هكذا وردت العبارة في الأصل، و الأمر سهل بعد وضوح المراد].

137

بالتمكّن العقلي في كونه من الشروط العقلية، التي يكون انتفاؤها موجباً لسقوط التكليف دون نقصان ملاكه، فيكون جريان هذه الدعوى فيها من العلم بملاك التكليف و الشكّ في مسقطه أولى من جريانها في مسألة الاضطرار، لما عرفت من كون عدم الاضطرار من الشروط الشرعية التي يكون انتفاؤها موجباً لنقصان الملاك، مع أنّهم لم يلتزموا بذلك في مسألة الابتلاء.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ ملاك التكليف و الشكّ في مسقطه إنّما يوجب الاحتياط حيث يكون ملاك التكليف محرزاً بالقياس إلى المكلّف كما تقدّم من المثال، و الوجه فيه هو أنّ بناء العقلاء على الفحص عن المسقط و لزوم الاحتياط مع عدم إحرازه يكون طريقاً عقلائياً حاكماً على مثل أصل البراءة من الأُصول النافية، و في مثل الابتلاء كما إذا كان أحد الأطراف خارجاً عن الابتلاء، لا يكون ملاك تكليف ذلك المكلّف محرزاً عنده، لتردّد الأمر بين كون النجس هو هذا الطرف الذي هو داخل في ابتلائه، فيكون الموجود هو ملاك تكليفه، و بين كونه ذلك الطرف الخارج عن ابتلائه، فلا يكون الموجود هو ملاك تكليفه، بل ملاك تكليف شخص آخر ممّن يدخل ذلك الطرف في ابتلائه، فلا يكون المعلوم هو ملاك تكليفه.

قلت: و كذا من اضطرّ إلى واحد معيّن فإنّه يدور الأمر عنده بين كون الموجود ملاك تكليفه إن كان النجس هو ما لم يضطرّ إليه، و بين كونه ملاك شخص آخر ممّن لم يكن مضطرّاً إن كان النجس هو ما اضطرّ إليه، انتهى.

و لكن الظاهر أنّ ذلك كلّه إذا لم يكن الاضطرار أو الابتلاء بعد التكليف الواقعي، بأن يكون الطرف حين توجّه التكليف به واقعاً خارجاً عن الابتلاء أو مضطرّاً إليه كما في الصورة الأُولى.

138

أمّا لو كان التكليف الواقعي قد توجّه إليه في حال كونه غير عالم به، ثمّ بعد مدّة خرج الطرف عن الابتلاء أو صار مضطرّاً إليه، ثمّ بعد الخروج أو الاضطرار علم بسبق التكليف الواقعي، فإنّ الإشكال في هذه الصورة لا يندفع بما أُفيد أوّلًا و ثالثاً، بل يكون الجواب هو ما أُفيد في أصل المطلب الذي تضمّنه قوله:

«قلت»، و هو أنّ العلم لا يعقل أن يكون منجّزاً فيما قبل حدوثه، و المفروض أنّ ما بعد حدوثه كان مقروناً بعدم الابتلاء بالطرف المذكور أو بالاضطرار إليه، و ما ذلك إلّا نظير من صلّى الظهر معتقداً أنّها هي الواجبة ثمّ بعد الفراغ علم إجمالًا بالوجوب المردّد بينها و بين الجمعة، و لا مجرى في ذلك لأصالة الاشتغال، لانحصار موردها بالتكليف المنجّز بأحد طرق التنجيز ثمّ الشكّ في سقوط ذلك الذي تنجّز و انشغلت ذمّته به، و فيه تأمّل.

و هذه الأجوبة الثلاثة التي حرّرناها عنه (قدس سره) قد حرّرها السيّد (سلّمه اللَّه تعالى) في تحريره‏ (1)، و لكن على اختلاف في ذلك بينه و بين ما حرّرناه، فإنّ الجواب الأوّل كأنّه راجع إلى دعوى كون المقام من قبيل التردّد بين ما هو مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع، و أنّ ما هو مقطوع البقاء غير معلوم الحدوث، و لكن هذا بمجرّده غير نافع، فإنّه آت فيما لو كان الاضطرار إلى المعيّن بعد حصول العلم الاجمالي.

و أمّا الجواب الثاني، فهو راجع إلى عدم تعارض الأُصول على ما عرفت توضيحه، و لكن ذلك أيضاً بمجرّده غير نافع بعد أن [كان‏] مقتضى الشكّ في السقوط هو لزوم الاجتناب عن غير المضطرّ إليه، فلا بدّ في إتمامه من أنّ قاعدة الطهارة في الباقي حاكمة على أصالة الاشتغال بالتكليف بالاجتناب، حيث إنّ هذا

____________

(1) أجود التقريرات 3: 454- 456.

139

التكليف متفرّع على احتمال كون الباقي نجساً، و حاصل ذلك أنّ نسبة أصالة الطهارة في الباقي إلى أصالة الاشتغال نسبة الأصل الموضوعي إلى الأصل الحكمي.

مضافاً إلى ما عرفت من أنّ أصالة الاشتغال إنّما تجري بعد الفراغ عن الاشتغال المتوقّف على تنجّز ما تشتغل به الذمّة، و ذلك لا يكون إلّا بالعلم أو ما يقوم مقام العلم، و المفروض أنّه ليس في البين إلّا هذا العلم المتأخّر الذي لا يكون أثره و هو التنجّز سابقاً عليه، فأين الاشتغال المنجّز حتّى تجري أصالة الاشتغال.

و أمّا الثالث، فحاصله الركون إلى حديث الرفع فيما اضطرّ إليه‏ (1)، و هي إنّما ترفعه من حين الاضطرار، فما أشكل به المشكل من أصالة الاشتغال بالنسبة إلى ما قبل الاضطرار باقٍ بحاله، فراجع و تأمّل.

ثمّ إنّه في التحرير المذكور (2) ذكر صورة المقارنة و أشكل فيها بما مفاده: أنّ للاضطرار مرتبتين: مرتبة صدوره و تلبّس المضطرّ به الذي نعبّر عنه بالمعنى المصدري، و مرتبة تحقّقه أعني كون المكلّف مضطرّاً، و هو الذي نعبّر عنه بالاسم المصدري، و هذه الثانية هي مرتبة سقوط التكليف، لأنّ أثر الاضطرار الذي هو سقوط التكليف يكون متأخّراً رتبة عن نفس الاضطرار و صدوره، و حينئذٍ ففي المرتبة السابقة يكون العلم بالتكليف متحقّقاً، إذ في هذه المرتبة لا سقوط، و إنّما السقوط في المرتبة اللاحقة، فعند الوصول إلى المرتبة اللاحقة تكون المسألة من قبيل الشكّ في السقوط. و أجاب عنها بما محصّله: أنّه لا يعقل‏

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 369/ أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

(2) أجود التقريرات 3: 456- 457.

140

التكليف في المرتبة الأُولى التي يحصل السقوط معها غايته أنّه متأخّر رتبة، ففي المرتبة الأُولى لا علم بتكليف على كلّ حال.

بل حسبما أشار إليه في الوسيلة (1) أنّه لا بدّ في تأثير العلم من مضي زمان يمكن فيه المخالفة، فلو علم بالنجاسة بين الاناء و الثوب و كان أثر نجاسة الاناء منحصراً بالشرب مثلًا، لم يكن العلم المذكور مؤثّراً إلّا إذا كان بعد العلم يمكنه الشرب، فلو كان قد حصل له العلم المذكور، و بعده بلا فصل زمان يسع الشرب اضطرّ إلى الشرب، لم يكن العلم المذكور مؤثّراً، فراجع و تأمّل.

قوله: و ما قيل في المقام من الفرق بين تلف البعض بعد العلم و الاضطرار إليه بعده‏- إلى قوله- واضح الفساد، فإنّه لا فرق في تأثير العلم الاجمالي و اقتضائه التنجّز بين أن يتعلّق بالتكليف المطلق الغير المحدود شرعاً، و بين أن يتعلّق بالتكليف المردّد بين المحدود و غير المحدود مع تعدّد المتعلّق ... الخ‏ (2).

ينبغي أن لا يفرّق في ذلك بين علمه من أوّل الأمر بطروّ الاضطرار إلى ذلك الواحد المعيّن أو طروّ التلف عليه، و بين عدم علمه بذلك لكن بعد مدّة اتّفق عروض الاضطرار أو عروض التلف. أمّا الثاني فواضح، و أمّا الأوّل فلعلمه بتوجّه تكليف فعلي، غايته أنّه مردّد بين الطويل على تقدير كونه في الطرف الذي يعلم أنّه لا يعرضه الاضطرار، و القصير على تقدير كونه في الطرف الذي يعلم بأنّه يضطرّ إليه بعد ساعة مثلًا، فيكون ذلك التكليف الطويل في قبال هذا التكليف القصير في مقام العلم المتعلّق بوجود أحدهما، فأيّ منهما كان هو الواقع كان‏

____________

(1) وسيلة النجاة: كد- كه [لا يخفى أنّه قد رُمز للصفحات الأُولى بالحروف‏].

(2) فوائد الأُصول 4: 97.

141

متنجّزاً بحدّه الذي هو عليه.

و لا يبعد أن يقال: إنّ تنجّز الطويل بحدّه لا يبتني على التنجّز في التدريجيات، إذ ليس في البين إلّا تكليف واحد، غايته أنّه على الأوّل يكون باقياً مستمرّاً، فلا حاجة إلى الالتزام بكون التكليف المتأخّر في الأوّل يكون منجّزاً فعلًا بناءً على التنجّز في التدريجيات، لأنّ ذلك إنّما هو فيما لو كانت تكليفات متعدّدة متعاقبة من الآن إلى ما بعد فإلى ما بعد، و هكذا بحيث يكون لكلّ آن تكليف مستقل، و حينئذٍ نقول: إنّا نحتاج إلى القول بأنّ التكليف المتأخّر الموجود في الآن المتأخّر يتنجّز الآن بالعلم المردّد بين الطويل و القصير، أمّا مع فرض كونه تكليفاً واحداً مستمرّاً و باقياً في قبال التكليف الآخر الذي ينتهي أمده بالاضطرار، فعلى الظاهر أنّ الحكم بتنجّزه من أوّل الأمر لا يحتاج إلى مسألة التنجّز في التدريجيات، لأنّ المقابلة بين وجوب الاجتناب في هذا و وجوبه في الآخر، غايته أنّه لو كان الوجوب في هذا لكان باقياً، و لو كان في ذلك لكان محدوداً بالاضطرار.

ثمّ لا يخفى أنّ لازم ذلك هو أنّه لو كان نقصان أحدهما من أوّل الأمر، كما لو كان فعلًا مضطرّاً إلى لبس هذا الثوب في الصلاة و قد علم نجاسته أو نجاسة ذلك الاناء، و لكنّه يعلم أنّ اضطراره يرتفع بعد ساعة مثلًا أو أكثر، فإنّه بناءً على ذلك يكون عالماً بأنّه قد توجّه إليه أحد التكليفين أعني وجوب الاجتناب عن الاناء من الآن إلى آخره، أو وجوب الاجتناب عن الثوب ممّا بعد الاضطرار إليه.

لكن هذا متوقّف على القول بالتنجّز في التدريجيات، كما لو علم بوجوب صوم هذا اليوم أو صوم اليوم الذي بعده.

نعم، لو لم يكن عالماً بارتفاع اضطراره فيما بعد، لم يكن علمه بنجاسة

142

أحدهما علماً بتوجّه تكليف على كلّ حال، فلا يكون علمه المذكور موجباً لاجتنابه فعلًا عن الاناء. نعم لو ارتفع اضطراره و كان الاناء باقياً لزمه اجتنابهما، لصيرورته حينئذ عالماً بتوجّه تكليف فعلي على كلّ حال.

و هكذا الحال في مسألة الخروج عن الابتلاء عند العلم الاجمالي، فيفصّل فيها بين ما يكون عالماً بعوده بعد ذلك فيلزمه الاجتناب فعلًا عن الطرف الآخر، بخلاف ما لو لم يكن عالماً بذلك فإنّه لا يلزمه فعلًا الاجتناب عن ذلك الطرف، إلّا إذا اتّفق العود إلى الابتلاء مع بقاء الطرف الآخر، فإنّه حينئذ يلزمه الاجتناب عنهما.

و اعلم أنّ صاحب الكفاية (1) في المتن بنى على سقوط العلم الاجمالي في مورد الاضطرار إلى بعض أطرافه، سواء كان إلى المعيّن أو كان إلى غير المعيّن، و سواء كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي أو كان بعده، و أساس ما أفاده في ذلك هو المنافاة بين الترخيص الفعلي في طرف معيّن أو غير معيّن مع العلم الاجمالي بوجود التكليف الفعلي بينهما، و حينئذٍ لو كان الاضطرار إلى المعيّن سابقاً على العلم الاجمالي، كان مقتضاه الترخيص الفعلي في ذلك الذي اضطرّ إليه، و حينئذٍ لا يكون علمه الاجمالي علماً بتكليف فعلي على كلّ من طرفي العلم الاجمالي، بل لا يكون إلّا من قبيل احتمال وجود التكليف في الطرف غير المضطرّ إليه، فيكون المرجع فيه هو الأصل، و لا يكون العلم منجّزاً، لأنّه ليس بعلم بتكليف فعلي على كلّ حال.

و هكذا الحال فيما لو كان الاضطرار إلى واحد غير معيّن، فإنّه يوجب الترخيص الفعلي في ارتكاب أحدهما، فأيّ منهما اختاره لسدّ ضرورته لا يكون‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 360.

143

التكليف فيه فعلياً، فلا يكون العلم المتأخّر علماً بتكليف فعلي على كلّ حال، لاحتمال كون التكليف منطبقاً على ذلك الذي يختاره لسدّ ضرورته، فلا يكون المقام إلّا من قبيل احتمال وجود التكليف الفعلي في ذلك الطرف الآخر، فيجري فيه الأصل النافي.

و لكن هذا منافٍ لمسلكه من أنّ احتمال وجود التكليف الفعلي و لو في الطرف الباقي يكون مانعاً من الترخيص فيه و لو بعنوان كونه مجهولًا، لأنّه من قبيل احتمال اجتماع المتنافيين: فعلية التكليف و فعلية الترخيص.

إلّا أن يدّعى أنّ الترخيص الاضطراري يكون مستلزماً لعدم الفعلية حتّى في الطرف الآخر، كما صرّح‏ (1) به قبيل هذا التنبيه فتأمّل. هذا حال ما لو كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي.

و أمّا لو كان بعده، فهو بالنسبة إلى زمان ما قبل الاضطرار عالم بوجود تكليف فعلي، فيلزمه الاجتناب، و يكون العلم منجّزاً في ذلك المقدار من الزمان.

و أمّا ما بعد الاضطرار فحيث إنّه موجب للترخيص فهو من الآن ليس بعالم بوجود تكليف فيما بعد الاضطرار، من دون فرق في ذلك بين كون الاضطرار الطارئ اضطراراً إلى معيّن أو كونه اضطراراً إلى غير معيّن، لاشتراكهما في استلزام عدم العلم بالتكليف بعد الاضطرار، هذا ما في المتن.

و لكنّه (قدس سره) عدل في الحاشية في خصوص الاضطرار المتأخّر إلى المعيّن، نظراً إلى أنّه من أوّل الأمر مردّد بين التكليف الطويل الذي هو في غير المضطرّ إليه و التكليف القصير المحدود بالاضطرار الذي هو في الطرف المضطرّ إليه، و هذا العلم السابق منجّز لكل من طرفيه الطويل و القصير، بحيث تكون تلك الزيادة

____________

(1) كفاية الأُصول: 359- 360.

144

التي اشتمل عليها الطويل داخلة في العلم، لا أنّها زيادة مستقلّة لم تكن داخلة في العلم السابق، و حينئذٍ فعند طروّ الاضطرار لا يعلم به‏ (1) إلّا عدم فعلية التكليف لو كان منطبقاً على المضطرّ إليه لوجود الترخيص حينئذ، أمّا الطرف الآخر فإنّه قد تنجّز بالعلم السابق. و بالجملة: بالعلم السابق صار كلّ من الطويل و القصير فعلياً منجّزاً، هذا فيما لو كان الاضطرار الطارئ اضطراراً إلى معيّن.

أمّا لو كان الاضطرار المذكور اضطراراً إلى غير المعيّن فهو مسقط للعلم الاجمالي كما صرّح به في الحاشية بقوله: إنّ ذلك (يعني إسقاط الاضطرار للعلم الاجمالي) إنّما يتمّ فيما إذا كان الاضطرار لأحدهما لا بعينه (إلى أن قال بعد الفراغ من بيان الوجه في عدم تأثير الاضطرار إلى المعيّن في إسقاط العلم الاجمالي) و هذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، فإنّه يمنع عن فعلية التكليف في البين مطلقاً، فافهم و تأمّل‏ (2).

و لم يزد في بيان الفرق بينهما على ذلك، و لا يخلو من تأمّل، فإنّ الاضطرار إلى المعيّن أيضاً مانع عنده من فعلية التكليف، و إنّما قلنا إنّه ليس بمانع من جهة دخول تلك القطعة الزائدة التي هي في الطويل في العلم الاجمالي السابق، و لأجل ذلك قلنا إنّه قد علم من أوّل الأمر بالتكليف المردّد بين الطويل و القصير.

و حينئذٍ لنا أن نقول: كما أنّ الاضطرار إلى المعيّن يرفع الفعلية في ذلك المعيّن، و يوجب التردّد بين الطويل و القصير، فكذلك الاضطرار إلى غير المعيّن يوجب الترخيص فيما يختاره، فيكون تكليفه من أوّل الأمر مردّداً بين الطويل و هو ما لا يختاره و القصير و هو ما يختاره.

____________

(1) [هكذا في الأصل‏].

(2) كفاية الأُصول (الهامش): 360.

145

و إن قلت: إنّ الترخيص لا يرد على ما يختاره، بل يرد على أحدهما، فقهراً يكون الترخيص الواقعي متّجهاً إلى المباح منهما، فلا يصادم التكليف الواقعي الموجود بينهما، و حينئذٍ ينبغي القول بأنّ الاضطرار إلى المعيّن لا يسقط العلم الاجمالي مطلقاً حتّى لو كان قبل العلم أو مقارناً له كما أفاده شيخنا (قدس سره)، غايته أنّ المكلّف لجهله ربما يقع في مخالفة التكليف، لكن المسوّغ له ذلك حينئذ هو الجهل بما هو النجس واقعاً، لا اضطراره إلى شرب النجس.

ثمّ إنّ لصاحب الكفاية (قدس سره) في مقدّمات الانسداد في كيفية تحكيم أدلّة العسر و الحرج على مقتضى العلم الاجمالي من الاحتياط الحرجي كلاماً حاصله تحكيم تلك الأدلّة على نفس التكليف الواقعي و سقوط الاحتياط بالمرّة. و لم أتوفّق للوجه في العدول عنها في المقام و سلوك هذه الطريقة التي عرفت الإشكال فيها، اللهمّ إلّا أن تكون تلك الطريقة غير تامّة عنده كما أشار إليه هناك بقوله: نعم لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل، لكانت قاعدة نفيه محكّمة على قاعدة الاحتياط، لأنّ العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة المنفية بنفيه الخ‏ (1)، فإنّ قوله: «كما قيل» يشعر بأنّه لا يرتضيه، و لذلك نسبه إلى القيل.

و على أيّ حال، فبناءً على هذه الطريقة يكون الاضطرار إلى غير المعيّن موجباً لسقوط الاحتياط بالمرّة حتّى لو كان حادثاً بعد العلم الاجمالي، فإنّه يكون موجباً لسقوط العلم الاجمالي من حين الاضطرار، و إن كان العلم قبل طروّه منجّزاً في الطرفين كما لا يخفى، و قد تقدّم ما فيه مزيد توضيح لهذه الجهات، أعني بيان كيفية المصادمة بين دليل العسر و الحرج و دليل الحكم الواقعي المعلوم وجوده في البين.

____________

(1) كفاية الأُصول: 313 [و فيها: فتكون منفية بنفيه‏].

146

و ليس غرضنا الآن إلّا التأمّل فيما أفاده في حاشية الكفاية من الفرق بين كون الاضطرار الحاصل بعد العلم الاجمالي اضطراراً إلى واحد معيّن، فلا يسقط العلم الاجمالي عن التأثير فيما لم يضطرّ إليه، و بين كونه اضطراراً إلى غير المعيّن، فيكون مسقطاً للعلم الاجمالي عن التأثير فيما لا يختاره لسدّ اضطراره.

فنقول: لنفرض الآن أنّ له آنيتين صغرى و كبرى، و قد وقعت الآن نجاسة مردّدة بينهما، و لنفرض أيضاً أنّه فعلًا عالم بأنّه بعد يوم يضطرّ إلى إحداهما غير المعيّن، فهو إن وسّط الاختيار يقول أنا الآن عالم بأني يجب عليَّ الآن الاجتناب عن النجس الموجود في البين، لكنّه إن كان في الذي أختاره بعد ذلك لسدّ ضرورتي فذلك الوجوب عمره محدود باليوم المذكور، و إن كان في الذي لا أختاره فيما بعد فهو غير محدود، فيرجع حاله إلى حال الاضطرار إلى المعيّن في كونه مردّداً بين الطويل و القصير، الذي اعترف أنّه لا يسقط العلم الاجمالي عن التأثير في الطويل.

و إن لم يوسّط الاختيار يقول أنا فعلًا عالم بأنّي يجب عليَّ فعلًا الاجتناب عن النجس الموجود في البين، فإن كان في الكبرى كان ذلك باقياً إلى ما بعد الاضطرار، إذ لا يكون اضطراري مصادماً له، بل يكون اضطراري الآتي متّجهاً في الواقع إلى غير ذلك النجس الذي هو الكبرى، و كذلك الحال لو كان ذلك التكليف في الصغرى، و حينئذٍ يكون الاضطرار إلى غير المعيّن غير مصادم مع التكليف الواقعي الموجود في البين، و لازم ذلك أن لا يكون الاضطرار المذكور مزاحماً مع التكليف الفعلي الواقعي المعلوم في البين، فلا يؤثّر في إسقاط العلم، سواء كان سابقاً على العلم أو كان متأخّراً عنه، و لا يكون لذلك الاضطرار أثر إلّا فتح باب احتمال ارتكاب النجس الواقعي لسدّ ضرورته عن جهل بنجاسته، و يكون‏

147

المسوّغ لذلك الارتكاب هو الجهل الطارئ بعد العلم، الموجب لعدم إسقاط العلم عن التأثير، فتأمّل.

قوله: كما إذا علم إجمالًا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، فإنّه لا ينبغي التأمّل في تأثير العلم الاجمالي في وجوب صلاة الظهر بعد انقضاء ساعة من الزوال ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ تطبيق هذا المثال على ما نحن فيه مشكل، لأنّه إن كان بالنظر إلى أوّل الزوال و المفروض أنّ التكليف بأحدهما موجود قطعاً في ذلك الحال، لكن يكون في هذا الحال كحال قبل الاضطرار. ثمّ بعد مضي الزمان المعيّن لصلاة الجمعة، فإن كان قد صلّاها لزمه الاتيان بالظهر بعدها، لكن ليس ذلك إلّا من جهة العلم الاجمالي في ظرف واحد، لا من جهة الطول و القصر، و لأجل ذلك يلزمه الاتيان بالظهر بعد الفراغ من الجمعة و إن كان وقت الجمعة بعدُ لم ينته. أمّا لو مضى الزمان المذكور و لم يكن قد صلّى الجمعة، فلا إشكال في وجوب الظهر، فإنّها حينئذ معلومة بالتفصيل، لأنّها إن كانت هي الواجبة فواضح، و إن كان الواجب هو الجمعة فقد فات وقتها و لا قضاء لها، و الواجب عليه حتّى لو كانت معلومة بالتفصيل هو الظهر كما صرّحوا به في الفقه في مبحث صلاة الجمعة، و أنّه لو فاتته في وقتها لزمه الاتيان بالظهر، فلا يحسن ما في ظاهر هذا التحرير و صريح تحرير السيّد سلّمه اللَّه‏ (2).

و بالجملة: أنّ المثال المطابق لما نحن فيه إنّما هو لو علم إجمالًا أوّل الزوال و أقدم على الاتيان بالجمعة، و الظاهر لزوم الاتيان بالظهر، لكن ليس ذلك إلّا من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 97.

(2) أجود التقريرات 3: 457- 458.

148

جهة العلم الاجمالي في ظرف واحد، لا من جهة الطول و القصر، فتأمّل.

ثمّ إنّ ما نحن فيه يكون المكلّف به و هو الاجتناب مستمرّاً من أوّل زمان العلم إلى آخره في كلّ من الطرفين، غايته أنّه في أحدهما و هو ما اضطرّ إليه قصير الأمد، و في الآخر و هو ما لم يضطرّ إليه ليس بقصير الأمد، و حينئذٍ يقال: إنّ تلك القطعة الزائدة في ذلك الآخر لم تكن متعلّقة للعلم، فيتخيّل أنّها خارجة عن المقابلة بين الاناءين في القطعة السابقة، و هذا بخلاف مثال الظهر و الجمعة فإنّ المكلّف به فعل واحد هو إمّا الظهر أو الجمعة، و هذا الفعل إذا فرضنا كونه هو الواجب يكون زمان تأديته فيه أوسع منه في الجملة، فيكون المكلّف مخيّراً في الاتيان به في أيّ قطعة شاء من ذلك الزمان، غايته أنّ مدّة التخيير في الظهر أوسع منها في الجمعة، فليس في البين قطعة زائدة يكون التكليف بالنسبة إليها زائداً على ما هو مورد التقابل بين المعلومين، كي يقال إنّها غير داخلة في العلم كالقطعة الزائدة في الطرف غير المضطرّ إليه على ما يساوي حدّ الاضطرار ممّا هو مورد التقابل في العلم الاجمالي بين الاناءين‏ (1).

أمّا هذه الجملة التي ذكرها، و هي الجملة المتعلّقة بكون الارتكاب الرافع للاضطرار هو المحقّق لوجوب الاجتناب، بخلاف ما لو لم يكن رافعاً للاضطرار فإنّه لا يحقّق وجوب الاجتناب، فالظاهر أنّ مراده بذلك هو حال ما قبل الارتكاب، و أنّه لو كان الارتكاب دفعياً كان محقّقاً لوجوب الاجتناب، لأنّ أحد الارتكابين يكون كافياً في رفع الاضطرار الموجب لتحقّق وجوب الاجتناب،

____________

(1) [في الأصل هنا بياض بمقدار صفحة أو أكثر، و الظاهر أنّ العبارات التي تأتي بعد ذلك و هي قوله (قدس سره): أمّا هذه الجملة ... الخ تعليق منه (قدس سره) على ما في مستمسك العروة الوثقى 5: 202 و ما بعدها].

149

بخلاف ما لو كان الارتكاب تدريجياً، فإنّه قبل ارتكاب شي‏ء منهما و إن كان عالماً بأنّه لو ارتكب أحدهما يتحقّق في حقّه وجوب الاجتناب عن النجس، إلّا أنّه مع ذلك يقول: إنّي لو ارتكبت الأوّل فلا شبهة في كونه رافعاً للاضطرار، و أنّه لو كان هو الطاهر لكان ارتكابه موجباً لتحقّق وجوب الاجتناب عن النجس، لكن بعد ارتكابي للأوّل لا يكون ارتكابي للثاني رافعاً للاضطرار ليكون موجباً لتحقّق وجوب الاجتناب في الأوّل، ليكون الحاصل فعلًا- أي قبل الارتكاب التدريجي- هو أنّي أعلم إجمالًا إمّا بالمنع عن الثاني بعد ارتكابي الأوّل، و إمّا بالمنع من الأوّل بعد ارتكابي للثاني، ليكون علمي الاجمالي المذكور مانعاً لي فعلًا من حصول العلم التفصيلي بحلّية الأوّل، و ذلك لما عرفت من سقوط هذا العلم الاجمالي، لأنّ الارتكاب المحقّق لوجوب الاجتناب هو خصوص الرافع للاضطرار، و المفروض أنّ ارتكابي للثاني بعد ارتكاب الأوّل لا يكون رافعاً للاضطرار، فأنا الآن لا أحتمل أنّ ارتكابي للأوّل إذا عقّبته بارتكابي للثاني يكون ممنوعاً عنه.

و لكن هذا كلّه لو لاحظهما مترتّبين، لكن لو لاحظ أنّي أعلم بأنّ ارتكاب كلّ منهما محقّق للوجوب في الآخر، لم يكن في ذلك العلم خدشة.

ثمّ إنّه ربما يتوهّم أنّ ما هو محلّ كلام العروة من ضيق الوقت عن تمام الأربع، خارج عن مسألة الخلاف في الاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم أو مقارناً له، لأنّ ضيق الوقت من قبيل طروّ الاضطرار بعد العلم، و هو ممّا لا خلاف في أنّه لا يرفع تنجّز العلم السابق.

و لا يخفى الجواب عن هذا التوهّم، فإنّ عمدة الكلام إنّما هو في الوجه في تحكيم دليل الاضطرار في المقام، مع أنّ التكليف الواقعي الشرعي ليس في حدّ نفسه ضررياً و لا حرجياً، و حكم العقل بجميع الأطراف ليس بشرعي كي يرتفع‏

150

بالدليل الشرعي، الذي هو نفي الضرر أو نفي الحرج أو رفع ما اضطرّوا إليه، و حينئذٍ يكون اللازم هو ما ذكر من التقييد و رفع إطلاق التكليف الشرعي الموجود في البين.

نعم، يتوجّه عليه أنّ المقام- أعني ضيق الوقت- من قبيل عدم القدرة عقلًا على الاتيان بجميع الأطراف، و هذا- أعني عدم القدرة عقلًا على الاتيان بجميع الأطراف- لا يحتاج في تحكيمه إلى الالتزام بتقييد الحكم الشرعي الواقعي، بل إنّ هذا الحكم العقلي يكون مقدّماً على حكم العقل بالاتيان بجميع [الأطراف‏]، فإنّ الحاكم واحد و هو العقل، و هو إنّما يحكم بالاتيان بجميع أطراف العلم الاجمالي إذا كان ذلك مقدوراً عقلًا، أمّا إذا لم يكن ذلك مقدوراً فالعقل يحكم بسقوط المقدار الذي هو خارج عن القدرة، و بلزوم الاتيان بما يقدر عليه من الأطراف.

قول الشيخ (قدس سره): فالواجب الرجوع في كلّ مشتبه إلى الأصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه إباحة و تحريماً (1).

لو كان أحد الطرفين المتدرّجين في حدّ نفسه مجرى لأصالة الحرمة، انحلّ العلم الاجمالي، و خرجت المسألة عن النزاع في كون العلم الاجمالي بين التدريجيات منجّزاً أو غير منجّز، و لعلّ نظره في ذلك إلى أصالة عدم ترتّب الأثر في مثل المعاملة المحتمل كونها ربوية.

قوله (قدس سره): فيرجع في المثال الأوّل إلى استصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الاباحة ... الخ‏ (2).

هذا فيما فرضه من المثال، و هو ما لو علم بحيضها في ثلاثة أيّام مردّدة بين‏

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 249.

(2) فرائد الأُصول 2: 249.