أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
151

جميع أيّام الشهر، إذ يجري استصحاب الطهر من أوّل الشهر إلى ما قبل آخره بثلاثة، و حينئذٍ ينقطع استصحاب الطهر، إمّا فيما سبق أو في هذه الثلاثة الأخيرة.

أمّا لو فرض التردّد في الثلاثة المذكورة بين كونها هي أوائل الشهر أو هي أواخره، فالظاهر جريان استصحاب [الطهر] من أوّله إلى أن تنقضي الثلاثة الأُولى، ثمّ بعد القطع بطهرها في وسطه يستصحب طهرها إلى آخر الشهر، فلا يحتاج في آخره إلى أصالة الاباحة.

قوله (قدس سره): و في المثال الثاني إلى أصالة الاباحة و الفساد ... الخ‏ (1).

هذا هو محلّ النظر في الجمع بين الحكم بالحلّية و الفساد، و قد تعرّض له شيخنا (قدس سره) فراجع التحريرات‏ (2).

قوله (قدس سره): و لذا يفسد في حقّ القاصر بالجهل و النسيان و الصغر ... الخ‏ (3).

ثبوت الفساد في حقّ الجاهل القاصر محلّ إشكال، و قد ذكره الفقهاء فراجع.

قوله (قدس سره): و ليس هنا مورد التمسّك بعموم ... الخ‏ (4).

هذا العموم موجود في المثال الأوّل، و هو قوله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» (5).

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 249.

(2) فوائد الأُصول 4: 112 و ما بعدها، أجود التقريرات 3: 468 و ما بعدها.

(3) فرائد الأُصول 2: 249.

(4) فرائد الأُصول 2: 250.

(5) البقرة 2: 223.

152

ثمّ لا يخفى أنّ الشيخ (قدس سره) تعرّض في أصالة العموم لناحية العلم الاجمالي، و هذه الناحية مشتركة بين الشبهة الحكمية و الشبهة المصداقية المقرونة بالعلم الاجمالي، و سكت عن ناحية كون الفرد الأوّل الذي هو محلّ الابتلاء فيما نحن فيه من قبيل الشبهة البدوية المصداقية، التي لا إشكال عنده في عدم صحّة الرجوع فيها إلى العموم، بخلاف الأصل العملي الجاري عنده و عند غيره في الشبهات البدوية المصداقية، و هذه الجهات هي التي تعرّض لها شيخنا (قدس سره) في كلام الشيخ (قدس سره)، مضافاً إلى الكلام على الجمع بين أصالة الحل و أصالة الفساد.

و التحقيق: هو ما أفاده شيخنا (قدس سره) أخيراً من أنّ مانعية العلم الاجمالي من التمسّك بالعموم- سواء كانت الشبهة حكمية أو كانت مصداقية- حالها حال مانعيته من التمسّك بالأُصول العملية في سقوط هذه المانعية فيما لو كان بعض الأطراف خارجاً عن ابتلاء المكلّف، من دون فرق في ذلك بين الأُصول اللفظية و الأُصول العملية.

نعم، في المقام مانع آخر تختصّ به الأُصول اللفظية، و هو كون المورد الذي هو أحد الأطراف من قبيل الشبهة المصداقية غير المانعة من الرجوع إلى الأُصول العملية لو كان الطرف الآخر خارجاً عن محلّ [الابتلاء]، بخلاف الأُصول اللفظية كالعموم فيما نحن فيه، فإنّ كون الشبهة مصداقية يكون مانعاً من الرجوع في هذا الطرف إلى العموم اللفظي، سواء كان الطرف الآخر داخلًا في محلّ الابتلاء أو كان خارجاً، بل كان المورد الموجود من قبيل الشبهة البدوية، فإنّ كون الشبهة مصداقية يمنع من الرجوع فيها إلى الأُصول اللفظية في البدوية و غيرها بنسبة واحدة. و لعلّ هذا هو المراد للشيخ (قدس سره) بقوله أخيراً: لكن الظاهر

153

الفرق بين الأُصول اللفظية و الأُصول العملية، فتأمّل‏ (1)، و يكون حينئذ إشارة إلى مانعية الشبهة المصداقية، و هي فارقة بين الأُصول اللفظية و الأُصول العملية كما عرفت.

لكن هذا الفرق لا يتوقّف على خروج الطرف الآخر عن الابتلاء، بل هو موجود حتّى فيما لو كان الآخر داخلًا في محلّ الابتلاء، بمعنى أنّا لو قلنا إنّ العلم الاجمالي بين الطرفين الداخلين في محلّ الابتلاء لا يكون مانعاً من إجراء الأُصول العملية و اللفظية في الأطراف، لكان بينهما فرق من هذه الناحية، أعني ناحية كون الشبهة مصداقية، فإنّها تمنع من الأُصول اللفظية و إن لم تمنع من الأُصول العملية، و لعلّ قوله (قدس سره): «فتأمّل» إشارة إلى هذه الجهة. و المطلب واضح بعد هذه المباني، و كأنّه لأجل ذلك لوّح إليه الشيخ (قدس سره) تلويحاً، و أوكل توضيحه بما عرفت إلى ما حقّقه في محلّه في باب العموم و الخصوص، فراجع.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما أُفيد في هذا التحرير من المناقشة مع الشيخ في كلا المقامين، أعني مقام كون العلم الاجمالي مانعاً عن التمسّك بالعموم في أطرافه، و مقام إجراء أصالة الحل.

أمّا المقام الأوّل، فهو قوله: و الحقّ أنّه يمنع، للفرق بين الأُصول العملية و الأُصول اللفظية- إلى قوله- و العلم الاجمالي بالمخصّص يمنع عن كونها كاشفة كما لا يخفى، و لعلّه إلى ذلك يرجع ما ذكره الشيخ (قدس سره) أخيراً من إبداء الفرق بين الأُصول العملية و الأُصول اللفظية الخ‏ (2)، فإنّ ظاهره هو أنّ العلم الاجمالي بالمخصّص يمنع من التمسّك بالعموم في بعض أطرافه و إن كان الطرف الآخر

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 250.

(2) فوائد الأُصول 4: 114.

154

خارجاً عن محلّ الابتلاء. و الظاهر خلافه، و لأجل ذلك أجابوا عن العلم الاجمالي بوجود المخصّص للعمومات الكتابية بأنّ ذلك لعلّه في عمومات القصص لا في عمومات الأحكام، كما ذكره في تحرير السيّد سلّمه اللَّه بقوله:

و يمكن الخدشة في هذا الوجه الخ‏ (1)، فراجع.

و أمّا الفرق الذي أشار إليه الشيخ (قدس سره)، فلعلّه كما عرفت من أنّه إشارة إلى مانعية الشبهة المصداقية، و أنّ قوله (قدس سره): «فتأمّل» إشارة إلى أنّ هذه المانعية غير منوطة بالعلم الاجمالي و لا بكونه منجّزاً.

و أمّا المقام الثاني، فهو ما أفاده أخيراً من تصحيح كلام الشيخ (قدس سره) في عدم الملازمة بين الحلّية و الصحّة بقوله: و لكن يمكن أن يقال: إنّ فساد المعاملة الربوية ليس لأجل حرمتها التكليفية الخ‏ (2)، فإنّ الفساد تارةً: يكون لأجل مانعية الحرمة المنجّزة مثل الصلاة في الدار المغصوبة، و أصالة الحل في مثل ذلك تكون موجبة للقطع بالصحّة. و أُخرى: يكون هو و الحرمة معلولين لعلّة ثالثة، كما في حرمة أكل لحم الحيوان و بطلان الصلاة في وبره، و في مثل ذلك لا يمكن الحكم بصحّة الصلاة اعتماداً على أصالة الحل في أكل لحمه، فإنّها لا تثبت الصحّة الظاهرية فضلًا عن الواقعية. و ثالثة: يكون الفساد ناشئاً عن حرمة المعاملة بمعنى المسبّب، و هذا يكون معلولًا عن الحرمة، و تكون أصالة الحل المثبتة للحلّية الظاهرية مثبتة للصحّة الظاهرية، فإذا انكشف الخلاف يكون من قبيل انكشاف خطأ الحكم الظاهري في كلّ من الحلّية و الصحّة. و على كلّ حال، لا يكون الحكم بالفساد في موارد الجهل بعد انكشاف الخلاف دليلًا على كون المقام من النحو

____________

(1) أجود التقريرات 3: 470.

(2) فوائد الأُصول 4: 116.

155

الثاني، بل هو ملائم مع كونه من النحو الثالث، فلاحظ و تأمّل.

و لكن ذلك لا يخلو عن إشكال، فإنّه ربما يدّعى أنّ باب الربا مشتمل على كلا الجهتين في عرض واحد، أعني أنّه في بيع المتجانسين مع الزيادة يجتمع الحرمة التكليفية مع المانعية، أو مع عدم تحقّق الشرط الذي هو التساوي.

و المسألة فقهية من هذه الجهة، فراجع ما في ربا ملحق العروة للسيّد (قدس سره)(1) من ص 17 إلى ص 20.

أمّا ما حرّره السيّد (سلّمه اللَّه تعالى) عن شيخنا (قدس سره) بقوله: و يرد على ما أفاده أوّلًا: أنّ تفكيكه بين الحكم التكليفي و هو الاباحة و الوضعي و هو الصحّة غير مستقيم على مذهبه (قدس سره) من كون الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية، فإنّ حرمة المعاملة بالمعنى الاسم المصدري أعني به المبادلة بين المالين- إلى قوله- نعم على المختار من كون الفساد في المعاملات الفاسدة غير مترتّب على حرمتها، و أنّه ليس في طولها- إلى قوله- إلّا أنّ أصالة الاباحة لا تثبت بها الآثار المترتّبة على الحلّية الواقعية (2)، فهو لا يخلو عن تأمّل، فإنّ القول بكون الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية عبارة عن أنّ الجزئية مثلًا منتزعة من الأمر بالجزء في ضمن الأمر بالكل، أو أنّ الملكية منتزعة من جواز التصرّف في العين لمن هو مالكها، أو من حرمة تصرّف غيره فيها إلّا برضاه، و على تقدير كون الشيخ (قدس سره) قائلًا بذلك فهو لا دخل له بما أفاده الشيخ (قدس سره) هنا من أنّ ثبوت حلّية نفس البيع تكليفاً بأصالة الحل لا تثبت صحّته و تحقّق النقل و الانتقال.

و منه يظهر لك التأمّل فيما أفاده بقوله: فإنّ حرمة المعاملة بالمعنى الاسم‏

____________

(1) العروة الوثقى 6: 34 و ما بعدها/ المسألة 15.

(2) أجود التقريرات 3: 469- 470.

156

المصدري الخ، فإنّ ذلك على تقديره لا دخل له بكون الحكم الوضعي منتزعاً من الحكم التكليفي، بل إنّ ذلك ناشٍ ممّا أفاده من كون النهي المذكور موجباً لسلب السلطنة تشريعاً على تلك المعاملة، الذي عرفت أنّه من اللوازم الذاتية للنهي المذكور.

و قوله: و على ذلك يبتني الاستدلال على صحّة المعاملة بقوله تعالى:

«وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (1) الخ‏ (2) أيضاً لا يخلو عن تأمّل، فإنّ الاستدلال المذكور لا يبتني على القول بكون الوضع منتزعاً من التكليف، و لا على كون النهي موجباً لسلب السلطنة.

و بالجملة: أنّه يومئ في ذلك إلى ما أفاده الشيخ (قدس سره) في أوائل المعاطاة من الاستدلال على كون المعاطاة مفيدة للملك لكونها بيعاً عرفاً، فإنّه قال في ذلك المبحث ما هذا لفظه: و يدلّ عليه أيضاً عموم قوله تعالى: «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» حيث إنّه يدلّ على حلّية جميع التصرّفات المترتّبة على البيع، بل قد يقال: بأنّ الآية دالّة عرفاً بالمطابقة على صحّة البيع لا مجرّد الحكم التكليفي، لكنّه محل تأمّل، و أمّا منع صدق البيع عليه عرفاً فمكابرة (3). فالشيخ (قدس سره) هناك أخذ الحلّية بمعنى الجواز التكليفي، لكنّه لم يجعله مسلّطاً على نفس المعاملة، لأنّ جوازها تكليفاً لا يدلّ على صحّتها، لما ذكره هنا من عدم الملازمة بين الحلّية التكليفية و الصحّة، بل صرف تلك الحلّية التكليفية إلى التصرّفات المترتّبة على البيع في المبيع و الثمن، فتكون كاشفة عن تحقّق الملكية، و تأمّل في الوجه الآخر و هو كون الحلّية وضعية

____________

(1) البقرة 2: 275.

(2) أجود التقريرات 3: 469.

(3) كتاب المكاسب 3: 40.

157

بمعنى الانفاذ و الامضاء.

و هذا التقريب و إن ورد عليه أنّ جواز نفس المعاملة تكليفاً بمقتضى الآية الشريفة ملازم لصحّتها و عدم فسادها، و إن لم تكن الصحّة من الآثار الشرعية للجواز التكليفي، إلّا أنّه لا أقل من التلازم بينهما بناءً على كونهما معلولين لعلّة ثالثة كما أفاده شيخنا (قدس سره) من كون حرمة المعاملة مع فسادها معلولين لعلّة ثالثة، إلّا أنّ ذلك لا يضرّ بالاستدلال فيما لو ثبت الجواز التكليفي بالدليل الاجتهادي كالآية الشريفة. نعم يضرّ بالاستدلال لو كان الجواز ثابتاً بالأصل العملي، أعني أصالة الحل كما فيما نحن فيه.

و أمّا قوله: نعم على المختار من كون الفساد في المعاملات الفاسدة غير مترتّب على حرمتها، و أنّه ليس في طولها الخ‏ (1)، فهو أيضاً لا يخلو من تأمّل، إذ ليس كلّ معاملة فاسدة يكون فسادها من جهة النهي عنها، بل إنّ للفساد فيها أسباباً، و من تلك الأسباب هو كونها منهياً عنها. ثمّ إنّ ما كان السبب فيه هو النهي عنها ليس بمنحصر بما يكون الفساد و الحرمة عرضيين، بل بعض ذلك يكون الفساد فيه في طول النهي، كما في النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر و بيع المصحف منه و نحو ذلك، و إنّما هو مختصّ بما نحن فيه ممّا يكون الفساد فيه و الحرمة ناشئين عن علّة ثالثة، بناءً على ما ذكرناه من كون المعاملة الربوية بنفسها محرّمة بقوله: «وَ حَرَّمَ الرِّبا» (2) فإنّه مسوق للحرمة التكليفية التي هي من أعظم المحرّمات التي هدّد فيها تعالى بقوله: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ» (3)، و مع‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 469.

(2) البقرة 2: 275.

(3) البقرة 2: 279.

158

ذلك دلّت الأخبار على كون التفاضل مانعاً من الصحّة أو التساوي شرطاً في الصحّة من مثل قوله (عليه السلام): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (1) و قوله (عليه السلام):

«لا يصلح إلّا مثلًا بمثل» (2) و نحو ذلك ممّا دلّ على الفساد الوضعي من جهة شرطية التساوي أو مانعية التفاضل، و لكن مع ذلك لا يكون هذا النهي التكليفي المتعلّق بالمعاملة الربوية مجرّداً عن اقتضاء الفساد الذي عرفت أنّه من لوازمه الذاتية، بل هو على ما هو عليه من اقتضاء سلب السلطان الموجب للفساد، و إنّما في البين فساد آخر آت من ناحية عدم الشرط أو من ناحية وجود المانع، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) مستدرك الوسائل 13: 341/ أبواب الربا ب 12 ح 4.

(2) وسائل الشيعة 18: 149/ أبواب الربا ب 14 ح 3، ب 8 ح 2.

159

[الكلام في الشبهة غير المحصورة]

قوله: بل لا بدّ في الشبهة الغير المحصورة (1) من اجتماع كلا الأمرين و هما كثرة العدد و عدم التمكّن من جمعه في الاستعمال ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ ملاك سقوط حرمة المخالفة إنّما هو القيد الثاني، و هو عدم التمكّن من الجمع بين المحتملات في الاستعمال، فإنّه هو الذي يوجب عدم التمكّن من المخالفة القطعية الموجب لسقوط حرمتها. نعم إنّ ذلك- أعني عدم التمكّن من الاستعمال- يكون في الشبهة غير المحصورة ناشئاً عن كثرة الأطراف الموجبة لكثرة الاحتمالات.

قوله: أمّا عدم حرمة المخالفة القطعية فلأنّ المفروض عدم التمكّن العادي منها ... الخ‏ (3).

لا يخفى أنّ حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال ليست من الأحكام الشرعية، كي يكون الخطاب بها قبيحاً عند عدم التمكّن العادي من مخالفتها، بل هي- أعني حرمة المخالفة القطعية- من الأحكام العقلية، إذ ليست هي إلّا عبارة عن قبح المعصية، و لا ريب في أنّ حكم العقل بقبح المعصية و تنفّره‏

____________

(1) [في الطبعة الحديثة هنا زيادة ليست في محلّها، بل محلّها بعد قوله: و بهذا تمتاز الشبهة الغير المحصورة].

(2) فوائد الأُصول 4: 117- 118.

(3) فوائد الأُصول 4: 119.

160

منها ليس منوطاً بالتمكّن العادي من المعصية، إذ لا يكون الحكم العقلي إلّا كلّياً كبروياً غير منوط بتحقّق موضوعه، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحسن و القبح العقليين تابعان للقدرة. و فيه تأمّل، لأنّ ذلك إنّما هو في استحقاق المدح و الذمّ، دون مجرّد الحسن و القبح.

و فيه: ما لا يخفى، فالأولى أن يقال: إنّ حكم العقل بالقبح منوط بالقدرة و الاختيار، و حيث لا يكون الفعل مقدوراً كالطيران إلى السماء مثلًا، لا يحكم العقل بقبحه، لكنّه لا يحكم بعدم قبحه، بل يكون ذلك خارجاً عن الصلاحية للحكم بالقبح و الحكم بعدم القبح، بل أقصى ما فيه هو عدم الحكم بالقبح لا الحكم بعدم القبح.

و بالجملة: أنّ العقل يحكم بقبح المعصية القطعية و بالتنفّر منها و بالزجر عنها، لكنّها لو كانت غير مقدورة لا تكون مورداً لحكمه، لا أنّه يحكم بعدم قبحها، و المخالفة القطعية إذا لم تكن مقدورة عقلًا تكون من هذا الوادي، أعني وادي عدم الحكم بالقبح، لا من وادي الحكم بعدم القبح، و من الواضح أنّ مجرّد ذلك- أعني عدم حكمه بالقبح من باب السالبة بانتفاء الموضوع- لا يوجب حكم العقل بالترخيص في المخالفة القطعية، غايته أنّه لا يحكم بالترخيص، على حدّ عدم حكمه بالزجر، يعني أنّه من باب خروج المورد عن تحت سيطرة الحكم العقلي منعاً و ترخيصاً، فلا يكون ذلك إلّا من قبيل من علم بحرمة أحد فعلين لا يسع الزمان إلّا أحدهما، كما لو علم بحرمة إنقاذ أحد الغريقين و إباحة إنقاذ الآخر لا وجوبه، فإنّ المخالفة القطعية في أمثال ذلك غير مقدورة عقلًا، لكن ذلك لا يوجب سقوط لزوم الموافقة القطعية بترك إنقاذهما، بناءً على كون العلم الاجمالي علّة لوجوب الموافقة القطعية. أمّا بناءً على أنّ لزوم الموافقة القطعية

161

ناشئة من تعارض الأُصول الناشئ عن عدم جواز الجمع بين الأصلين، فالظاهر أنّه لا مانع من إجراء الأصل في واحد منهما حسبما يختاره، و نتيجة ذلك هو التخيير.

إلّا أن يقال: إنّ التعارض الناشئ عن لزوم الترجيح بلا مرجّح يتحقّق في المقام و لو لم يمكن إجراء الأصل في كلّ منهما و لو على التدريج.

و بالجملة: أنّ المانع من الجمع بين الأصلين تارةً يكون هو لزوم المخالفة القطعية، و أُخرى يكون هو أنّ الجمع بنفسه غير ممكن عقلًا كما فيما نحن فيه، فإنّ الجمع في الترخيص العملي في الطرفين غير ممكن عقلًا، و حينئذٍ تنتهي النوبة إلى إجرائه في أحدهما دون الآخر، و بعد وصول النوبة إلى ذلك ينتهي الأمر إلى برهان التساقط و هو لزوم الترجيح بلا مرجّح، هذا كلّه فيما لو كانت المخالفة القطعية غير مقدورة عقلًا و لو بأن تكون محتاجة إلى زمان لا يسعه العمر.

أمّا لو [لم‏] تكن كذلك، بل لم يكن في البين إلّا كونها غير مقدورة عادة، بأن كانت محتاجة إلى كلفة لم تجر العادة بارتكابها مع فرض إمكانها عقلًا، فالعقل لا يتنازل بمجرّد ذلك عن حكمه بقبحها و التنفّر منها و الزجر عنها، و لو سلّم ذلك فلا أقل من كونها في نظر العقل من قبيل غير المقدور عقلًا، و قد عرفت الحال فيه.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما أُفيد في تحرير السيّد سلّمه اللَّه فإنّه بعد أن أفاد في ضابط الشبهة غير المحصورة بقوله: بل المدار فيه هو عدم إمكان الجمع في الارتكاب بحسب العادة و إن كان ممكناً عقلًا، قال: أمّا من جهة حرمة المخالفة القطعية، فلأنّ المفروض عدم التمكّن منها لكثرة الأطراف، فلا يمكن‏

162

أن يتّصف بالحرمة عقلًا أو شرعاً الخ‏ (1). أمّا الحرمة شرعاً فلا محل لها في المقام، إذ ليست حرمة المخالفة القطعية شرعية كي يتكلّم عليها. و أمّا الحرمة العقلية فليست هي إلّا عبارة عن حكم العقل بقبحها و التنفّر منها و الانزجار منها و الزجر عنها، و ذلك متحقّق فيما يكون ممكناً عقلًا و إن كان غير ممكن عادة. نعم لو كانت غير ممكنة عقلًا كما فرضه فيما لو احتاج ارتكاب الجميع إلى ما هو أزيد من العمر الطبيعي، فقد عرفت أنّ ذلك من باب عدم حكم العقل بالقبح و الزجر، لا من باب الحكم بعدم القبح، على وجه يكون العقل مسوّغاً للمخالفة القطعية، ليكون ذلك موجباً لسقوط لزوم الموافقة القطعية.

و بالأحرى أن نقول: إنّ هذا العلم الاجمالي ليس له مخالفة قطعية كي تكون مورداً لحكم العقل بحسن أو قبح أو تسويغ أو زجر، و هل هي بعد فرض عدم القدرة عليها عقلًا إلّا من قبيل الجمع بين الضدّين أو النقيضين في أنّه لا مورد للحكم العقلي بها إلّا بالامتناع و الاستحالة، دون ما هو من مقولة الحسن أو القبح و نحوهما.

نعم، لو كان لنا دليل شرعي يدلّ على أنّ المخالفة القطعية محرّمة شرعاً، لكان ذلك التكليف الشرعي المتعلّق بترك المخالفة القطعية قبيحاً عند عدم التمكّن العادي منها، كما يقبح النهي عن مثل شرب الخمر عند عدم التمكّن العادي من الإقدام عليه، كما مرّ تفصيله في مبحث الخروج عن الابتلاء.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد هو أنّ التكليف الواقعي بمثل الاجتناب عن النجس يكون قبيحاً عند عدم التمكّن من ارتكاب جميع الأطراف الكثيرة التي يعلم إجمالًا بوجود النجس فيما بينها.

____________

(1) أجود التقريرات 3: 472.

163

لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ ترتّب حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية على التكليف الواقعي لا يكون موجباً لقبحه، إذ ليس ذلك مثل الحرج المترتّب على الحكم الواقعي بواسطة حكم العقل. مضافاً إلى أنّا قد منعنا ذلك في مثل الحرج فمنعه فيما نحن فيه أولى. مع أنّه لو تمّ فيما نحن فيه لكان موجباً لسقوط ذلك التكليف الواقعي بتاتاً، فلا حاجة حينئذ إلى تكلّف سقوط لزوم الموافقة القطعية بما أُفيد من أنّه بعد سقوط حرمة المخالفة القطعية لا يبقى مانع من الجمع بين الأُصول النافية في الأطراف، فإنّه بعد البناء على سقوط التكليف الواقعي بتاتاً لا معنى للتكلّم في وجوب موافقته الاحتمالية فضلًا عن موافقته القطعية.

لا يقال: لعلّ المراد هو أنّ عدم القدرة العادية على المخالفة القطعية لا يوجب سقوط التكليف الواقعي بتاتاً، بل إنّما يوجب سقوطه من حيث اقتضائه لحرمة المخالفة القطعية، و حينئذٍ يبقى الكلام في سقوطه من حيث اقتضاء الموافقة القطعية، فنحتاج في توجيه سقوطها بما أُفيد من أنّه لا مانع من الجمع بين الأُصول النافية في الأطراف.

لأنّا نقول: قد تقدّمت‏ (1) الاشارة في مباحث الاضطرار إلى غير المعيّن إلى أنّه لا معنى لاسقاط التكليف من حيث حرمة المخالفة القطعية دون حيث وجوب الموافقة القطعية، فإنّ التكليف الواقعي واحد لا تعدّد فيه من هذه الحيثيات العقلية.

لا يقال: يمكن أن ينزّل ما أُفيد هنا في وجه سقوط العلم الاجمالي على ما أُفيد في مسألة الخروج عن الابتلاء، من أنّه لو كان بعض الأطراف معيّناً غير مقدور الارتكاب عادةً لم يكن العلم الاجمالي مؤثّراً، حيث إنّ الحال فيما نحن‏

____________

(1) في الصفحة: 114.

164

فيه كذلك، لأن بعض الأطراف بواسطة عدم إمكان الجمع لا يتمكّن عادةً منها.

لأنّا نقول: إنّ العلم الاجمالي إنّما يسقط عن التأثير في تلك المسألة لكون المعلوم على تقدير انطباقه على ذلك الطرف الخارج عن الابتلاء يكون التكليف بالاجتناب عنه قبيحاً، و من الواضح أنّ هذا المعنى لا يتأتّى فيما نحن فيه، لأنّ المفروض أنّ أيّ طرف من هذه الأطراف لا يكون التكليف بالاجتناب عنه لو كان هو النجس قبيحاً، لفرض التمكّن منه عقلًا و عادة، و إنّما كان عدم التمكّن العادي بالنسبة إلى جهة الجمع التي هي المعبّر عنها بالمخالفة القطعية، و قد عرفت الإشكال في اتّصاف حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية بالقبح المذكور.

و لعلّه (قدس سره) أشار إلى ذلك بقوله في حاشية العروة في ضابط الشبهة غير المحصورة بما هذا لفظه: لو بلغت المشتبهات من الكثرة حدّاً لا يتمكّن عادة من جميعها و إن تمكّن من آحادها على البدل، كان ذلك من غير المحصور (1) فقوله:

و إن تمكّن من آحادها الخ، إشارة إلى أنّه ليس الميزان و الضابط في الشبهة غير المحصورة هو كون الكثرة موجبة لعدم التمكّن من ارتكاب تلك الأطراف على البدل، ليرجع الملاك في الشبهة غير المحصورة إلى الملاك فيما لو كان بعض الأطراف خارجاً عن الابتلاء، بل إنّ الملاك في غير المحصورة هو عدم إمكان ارتكاب الجميع بواسط كثرة الأطراف، و حينئذٍ فيكون مختصّاً بالكثرة البالغة إلى هذا الحدّ، و لا يشمل الخروج عن الابتلاء، فلاحظ و تدبّر.

تنبيه: ربما يتوهّم الايراد على ما أفاده (قدس سره) في ملاك الشبهة غير المحصورة بعدم القدرة على المخالفة القطعية بما إذا كان عدم القدرة شرعياً، مثل الأُختين اللتين يعلم بحرمة إحداهما من جهة كونها ذات زوج لو عقد بكر عليها و شكّ في‏

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 1: 109 مسألة «1».

165

المعقود عليها منهما، فإنّ زيداً مثلًا يعلم بكون إحداهما ذات زوج، و بمقتضى عدم قدرته على الجمع بينهما شرعاً ينبغي أن يقال إنّه يجوز لزيد أن يتزوّج إحداهما.

و فيه: ما لا يخفى، فإنّه و إن لم يكن قادراً على الجمع بينهما من جهة حرمة الجمع بين الأُختين، إلّا أنّه قادر على المخالفة القطعية لذلك العلم الاجمالي بأن يتزوّج إحداهما ثمّ يطلّقها و يتزوّج الأُخرى.

و الأولى أن يمثّل لذلك بالاناءين المملوكين لزيد، و قد أذن لعمرو في شرب واحد منهما و ترك الآخر، فصار جواز شرب كلّ منهما مقيّداً بترك الآخر، و حرمة شرب كلّ منهما مقيّدة بشرب الآخر، و حينئذٍ فلو علم عمرو بوقوع نجاسة في أحدهما كان من موارد عدم القدرة شرعاً على ارتكابهما، لكنّها لا تؤثّر في حكم العقل بالمنع من شربهما معاً، لكونه مخالفة قطعية لكلّ من التكليفين المفروض كونها مقدورة عقلًا، و حينئذٍ تكون الموافقة القطعية لازمة على كلّ من القول بكون العلّة هي العلم الاجمالي و القول بأنّ العلّة هي التعارض.

[بحث مفصّل في الوجوه المذكورة لسقوط لزوم الموافقة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة و ما يقتضيه كلّ منها]

قوله: و أمّا الوجه الثاني، و هو دعوى استلزام الموافقة القطعية فيها للعسر و الحرج غالباً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه لو كان المراد هو سقوط الموافقة القطعية في الشبهات غير المحصورة التي لا يكون الاجتناب عن أطرافها حرجياً لأجل كون ذلك هو الغالب في الشبهات غير المحصورة، فهو كما أُفيد من أنّ ذلك لا يكون إلّا من قبيل حكمة التشريع الذي لا يصدر الحكم على طبقه إلّا من الشارع، و أمّا لو كان المراد هو إسقاط الموافقة القطعية في خصوص الشبهات غير المحصورة التي تكون‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 120.

166

الموافقة القطعية فيها مستلزمة للعسر و الحرج، فلا يتوجّه عليه الايراد المذكور، لكن لا بدّ في كيفية تحكيم دليل نفي العسر و الحرج من أحد وجهين:

أحدهما: تسليطه على نفس التكليف الواقعي، بدعوى أنّه يكفي في كونه حرجياً هو استلزامه للحرج و لو بواسطة حكم العقل بلزوم الاحتياط، فتكون النتيجة حينئذ هي سقوط الاحتياط بالمرّة، و عدم حرمة المخالفة القطعية كما يوجب عدم لزوم الموافقة القطعية.

ثانيهما: ما تقدّم‏ (1) من طريقة تقييد إطلاق التكليف الموجود في هذا الطرف سواء اجتنب البواقي أو لم يجتنب، و لازم ذلك تبعيض الاحتياط و سقوطه بمقدار ما يرتفع به الحرج.

و لا يخفى أنّه لو خلّينا نحن و العسر و الحرج لكان مقتضاه تعيّن الوجه الثاني، للزوم الاقتصار على ما يرتفع به العسر و الحرج، و مع ارتفاع العسر و الحرج بتقييد الاطلاق المزبور لا وجه للوجه الأوّل الذي يكون مقتضاه رفع التكليف بتاتاً.

أمّا الإجماع فالظاهر أنّه لا ريب فيه. و ما أُفيد من أنّه ليس في البين إجماع تعبّدي لا يخلو عن تأمّل، لأنّا لو خلّينا نحن و دليل العسر و الحرج لكان مقتضاه هو الطريقة الثانية- أعني طريقة إسقاط الاطلاق- التي يكون مقتضاها الاقتصار على ما يرتفع به العسر و الحرج، و الظاهر من الإجماع أنّه إجماع على جواز ارتكاب الأطراف بقول مطلق من دون اختصاص بالمقدار الذي يرتفع به العسر و الحرج.

نعم، يبقى الكلام حينئذ في أنّ ذلك الإجماع هل يشمل الشبهات غير

____________

(1) في الصفحة: 116 و ما بعدها.

167

المحصورة التي لا تكون الموافقة القطعية فيها مستلزمة للعسر و الحرج، أو أنّ القدر المتيقّن منه هو خصوص ما كانت الموافقة القطعية فيه مستلزمة للعسر و الحرج، و القدر المتيقّن من الإجماع المذكور و إن كان هو خصوص ما كان مستلزماً للعسر و الحرج، إلّا أنّ الإنصاف أنّه لا يخلو عن ظهور في الاطلاق، و بناءً على ذلك تكون النتيجة هي قيام الإجماع على سقوط التكليف في جميع الشبهات غير المحصورة و إن لم تكن موافقتها القطعية مستلزمة للعسر و الحرج.

و حينئذٍ يكون كلّ من وجوب موافقته القطعية و حرمة مخالفته القطعية ساقطاً، و لا يمكن تخصيص ذلك السقوط بالموافقة القطعية، لأنّها حكم عقلي لا تتمشّى فيه حجّية الإجماع، فلا بدّ أن نصرفه إلى جهة شرعية و هي سقوط نفس التكليف الواقعي، إمّا في جميع الشبهات المذكورة أو في خصوص ما كانت الموافقة القطعية فيه حرجية، و بأيّ أخذنا يكون جواز الإقدام في كلّ واحد من أطراف الشبهة غير المحصورة غير محتاج إلى إجراء الأصل النافي، لأنّه بعد الاعتراف بسقوط التكليف الواقعي المعلوم وجوده فيما بينها، لا يبقى شكّ في آحاد الأطراف من ناحية العلم الاجمالي. و بعبارة أُخرى: لا يكون ذلك العلم الاجمالي مؤثّراً حتّى في توليد الشكّ في آحاد الأطراف، بل يكون ذلك العلم بمنزلة العدم، بل لا يكون علماً بوجود التكليف أصلًا.

و مع قطع النظر عن الإجماع المزبور فالرواية الشريفة المتضمّنة لقوله (عليه السلام):

«أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض» الخ‏ (1) بعد فرض العمل على طبقها، كافية في إتمام المطلب المزبور، فإنّها ظاهرة بل صريحة في‏

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 119/ أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 5 (مع اختلاف يسير).

168

عدم لزوم الاجتناب عن أطراف الشبهة. و ما أفاده الشيخ (قدس سره)(1) في ردّها بكون المراد هو أنّ جعل الميتة في مكان خاصّ لا يوجب العلم بوجودها فيه في باقي الأمكنة بعيد غاية البعد، بل يكاد يقطع بعدم إرادته.

نعم، لو كان ذلك المكان معيّناً عند السائل لأمكن أن يقال: إنّ مفاد الرواية حينئذ هو أنّ علمك بوجود الحرام في ذلك المكان لا يوجب الاجتناب عن جميع ما في الأرض، لكن المفروض أنّه لم يعيّن مكاناً خاصّاً، و إنّما أقصى ما عنده هو أنّه قد علم بوجود المحرّم في جملة الجبن الموجود في الأرض من جهة أنّه أخبره من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فصار بسبب ذلك يعلم إجمالًا بأنّ ما في الأرض بعضه محرّم، هذا.

مضافاً إلى تصريح الإمام (عليه السلام) بأنّه (عليه السلام) يشتري اللحم من السوق، و أنّه (عليه السلام) لا يظنّ أنّ كلّهم يسمّون، الظاهر في أنّ المراد من نفي الظنّ نفي الاحتمال، كما أفاده الشيخ نفسه في بيان معنى قوله (عليه السلام): «ما أظن كلّهم يسمّون»، فإنّ إرادة نفي الاحتمال من نفي الظنّ شائع كثير.

و بالجملة: أنّ الرواية ظاهرة بل صريحة في الاستنكار على من يلتزم بالاجتناب عن الجبن الموجود في الأرض لوجود الميتة في بعض أطرافه، و هو عين ما نحن فيه من الشبهة غير المحصورة.

و لا يبعد أن يكون مدرك ذلك الإجماع هو هذه الرواية الشريفة، و حيث إنّها لم تقيّد جواز الارتكاب بمقدار ما يرتفع به العسر و الحرج، كان تنزيلها على الوجه الثاني من وجهي إعمال العسر و الحرج مقطوعاً بعدمه. و نظراً إلى أنّ الاجتناب عن الجبن الموجود في جميع أقطار الأرض ممّا يحتمل أنّه فيه الميتة

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 262- 263.

169

ليس بحرجي، بل يمكن أن يقال: إنّه لا حرج في ترك أكل الجبن حتّى ما علم أنّه ليس فيه الميتة فضلًا عن ترك خصوص ما يحتمل فيه الميتة على نحو الشبهة غير المحصورة، و بواسطة هذه الجهة تكون الرواية دليلًا على جواز ارتكاب الأطراف و إن لم تكن الموافقة القطعية فيها حرجية.

نعم، يمكن أن تكون الحكمة في ذلك هو رفع الحرج، نظراً إلى أنّ الغالب من موارد الشبهات غير المحصورة يكون فيه الحرج، و حينئذٍ يصحّ ما ذكره البعض من التعليل بأغلبية العسر و الحرج، لكنّه حكمة لا دليل.

و كيف كان، فالرواية الشريفة بناءً على ذلك تكون دالّة على سقوط التكليف في الشبهات غير المحصورة بقول مطلق، و عدم حرمة المخالفة القطعية فضلًا عن لزوم الموافقة القطعية.

و ما يقال في الإجماع من تنزيله على جعل البدل فلا يدلّ على سقوط حرمة المخالفة القطعية (كما حرّرته عن درس الأُستاذ العراقي) لا يتأتّى في الرواية الشريفة، لما عرفت من إطلاقها و دلالتها على جواز الارتكاب بقول مطلق، من غير تقييد بعدم استلزام المخالفة القطعية، إذ لو كانت منزّلة على ذلك لكان اللازم أن يشار إليه في الرواية الشريفة، و كون الغالب هو بقاء مقدار الحرام المعلوم لا يصحّح إطلاق الحكم بجواز الارتكاب.

و الحاصل: أنّ جعل البدل إنّما يتأتّى في مثل قاعدة الفراغ و نحوها دون أمثال هذه الموارد، و قد تقدّم الكلام على ذلك في أوائل العلم الاجمالي‏ (1)، و أنّ أمثال البراءة و نحوها لا تتكفّل بجعل البدل.

____________

(1) في المجلّد السابع من هذا الكتاب، فراجع الحاشية المذكورة في الصفحة: 370، و كذا راجع الصفحة: 414 و ما بعدها، و كذا الحاشية المذكورة في الصفحة: 425.

170

و منه يظهر لك أنّ طريقة جعل البدل مخدوش فيها حتّى في الإجماع المزبور.

ثمّ لا يخفى أنّه بناءً على اختصاص الإجماع و الرواية بخصوص ما كانت فيه الموافقة القطعية مستلزمة للعسر و الحرج، يكون الضابط واضحاً. أمّا بناءً على التعميم لجميع الشبهات غير المحصورة فلا بدّ أن نقول: إنّ الضابط فيها هو كثرة الأطراف عرفاً، على وجه يكون ملاحظة العلم الاجمالي فيها مورداً للاستنكار و الاستغراب كما تضمّنته الرواية الشريفة بقوله (عليه السلام): «أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض»، و لعلّه يكفي فيه أن تكون الأطراف من الكثرة بحيث تكون كثرتها موجبة لضعف الاحتمال، و عدم اعتناء العقلاء به.

لكن في النفس شي‏ء من هذه التوسعة، و الذي يظهر ممّا راجعته في شروح الشرائع و القواعد كمفتاح الكرامة (1) و كشف اللثام‏ (2) و الجواهر (3) و المسالك‏ (4) و صلاة المرحوم الحاج آغا رضا (5) في مكان المصلّي عند الكلام على الشبهة المحصورة و غيرها في مبحث مسجد الجبهة، هو تعليل أغلبهم بالمشقّة و العسر و الحرج، فراجع كلماتهم في هذا المقام و نحوه.

ثمّ لا يخفى أنّ المتحصّل ممّا ذكرناه في كيفية سقوط الاحتياط في موارد الشبهة غير المحصورة وجوه ثلاثة، بعضها أوسع من بعض:

____________

(1) مفتاح الكرامة 3: 443.

(2) كشف اللثام 3: 349.

(3) جواهر الكلام 8: 445.

(4) مسالك الأفهام 1: 180- 181.

(5) مصباح الفقيه (الصلاة) 11: 206- 207.

171

أوّلها: أن نقول باطلاق الرواية و معقد الإجماع و شموله لجميع الشبهات غير المحصورة، سواء كان الاجتناب عن أطرافها حرجياً أو لم يكن، و نقول بأنّ مفاد الإجماع و الرواية هو رفع التكليف في موارد الشبهة المذكورة مطلقاً.

الثاني: أن نخصّص ذلك بخصوص ما كان فيه العسر و الحرج، و نقول بأنّ المرفوع في ذلك هو نفس التكليف الواقعي لا إطلاقه.

الثالث: أن نقول بأنّ المرفوع من ذلك هو إطلاق التكليف، فلا يسوغ لنا إلّا ارتكاب المقدار الذي يكون ارتكابه رافعاً للعسر و الحرج.

و بأيّ من هذه الوجوه أخذنا لم نكن محتاجين إلى إجراء الأصل النافي فيما ساغ لنا ارتكابه، و ذلك واضح.

و منه يتّضح لك الحال فيما لو كانت الشبهة غير المحصورة متعلّقة بوجود المضاف في ضمن إناءات كثيرة كلّها مطلقة ما عداه، فإنّه لا يتوقّف الإقدام على الوضوء من أحدها على إجراء الأصل، بل لو توقّف لكان الأصل هو المنع، لعدم إحراز الشرط. و لكن هذا المثال إنّما يكون ممّا نحن فيه لو قلنا بحرمة الوضوء من المضاف، أمّا لو قلنا كما هو الظاهر بأنّه ليس بحرام، غايته أنّه باطل، فلا يكون المثال المزبور داخلًا فيما نحن فيه.

و كيف كان، فلا يخفى أنّ هذا- أعني ارتفاع الحكم الواقعي الذي هو التحريم في المورد الذي ساغ لنا ارتكابه و عدم الاحتياج في ارتكابه إلى الأصل النافي- إنّما هو من حيث وجوب الاجتناب ليس إلّا، فلا يكون جواز ارتكابه موجباً لصحّة العمل، بحيث إنّه لو تبيّن أنّ ذلك الماء الذي توضّأ به كان هو النجس أو كان هو المضاف أو كان ذلك الموضع الذي سجد عليه هو النجس، لم يكن ما حكمنا به أوّلًا من جواز الإقدام عليه موجباً لصحّة الوضوء أو الصلاة، بل‏

172

لا بدّ من أخذ ذلك- أعني الحكم بصحّة الوضوء أو الصلاة- من دليل آخر إن كان، و إلّا كان اللازم هو الاعادة، و لا منافاة بين الحكم بالفساد و لزوم الاعادة، و بين ما حكمنا به أوّلًا من جواز الإقدام و ارتفاع الحكم بوجوب الاجتناب بلا حاجة إلى الأصل العملي.

ثمّ لا يخفى أنّا لو قلنا بالوجه الثالث لكان جارياً في الشبهات الوجوبية التي لا يمكن فيها الجمع بين المحتملات، سواء كان من جهة كثرتها أو كان من جهة أُخرى غير الكثرة.

أمّا الوجه الثاني، فإن استندنا فيه إلى حديث نفي العسر و الحرج، كان أيضاً جارياً في الشبهات الوجوبية، و إن استندنا فيه إلى الإجماع أو الرواية الشريفة، فالظاهر انحصار موردهما في الشبهات التحريمية دون الوجوبية. و هكذا الحال في الوجه الأوّل.

و لم أعثر في كلمات الجماعة المارّ ذكرهم على إشارة إلى حال الشبهة الوجوبية غير المحصورة، بل ظاهر كلماتهم متّجه نحو الشبهات التحريمية، و لكن الشيخ (قدس سره) قد تعرّض لذلك في التنبيه الخامس من تنبيهات مسألة الشبهة الوجوبية الموضوعية المتردّدة بين المتباينين‏ (1)، و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى التعرّض لذلك في كلام شيخنا الأُستاذ (قدس سره)(2). هذا غاية ما أمكنني تنقيحه في مفاد هذا الإجماع و الرواية الشريفة.

و لكنّ في النفس شيئاً من ذلك، فإنّ تنزيل الإجماع المزبور و الرواية

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 308.

(2) فوائد الأُصول 4: 141- 142، و للمصنّف (قدس سره) حاشيتان على ذلك إحداهما في الصفحة: 223 و الأُخرى هي الحاشية الثانية في الصفحة: 243.

173

الشريفة على سقوط التحريم واقعاً بعيد يأباه الذوق، فإنّ لازمه كون الشبهة غير المحصورة أقوى تأثيراً من الشبهة البدوية، فإنّ الرفع في الشبهة البدوية لا يكون إلّا ظاهرياً، فكيف نقول إنّه في الشبهة غير المحصورة يكون واقعياً. بل ربما كانت الشبهة البدوية مورداً للأُصول المثبتة للتكليف مثل أصالة عدم التذكية، و لو كانت الشبهة غير محصورة كما لو كانت ذبائح غير محصورة كلّها مذكاة إلّا واحدة منها ميتة، فإنّ الالتزام فيها برفع حرمة الميتة واقعاً مع أنّها لو كانت شبهة بدوية لكانت مجرى أصالة عدم التذكية، ممّا يأباه الذوق السليم.

مضافاً إلى أنّه لو كان الرفع واقعياً، و كان مفاده إثبات الحلّية الواقعية، لكان مقتضاه الصحّة و لو انكشف الخلاف بحيث إنّه لو تبيّن لمرتكب أحد أطراف الشبهة غير المحصورة، بأن توضّأ فانكشف له أنّه كان ذلك الماء هو النجس أو المضاف، أو اشترى أو باع فانكشف له أنّ ذلك الذي اشتراه أو باعه كان هو الميتة، كان وضوءه و بيعه و شراؤه صحيحاً، و هذا أيضاً ممّا يأباه الذوق.

و ما ذكرناه من أنّ الرفع و السقوط إنّما يتوجّه إلى نفس الحكم التكليفي مع بقاء الحكم الوضعي بحاله، لا يكاد يجتمع مع قوله (عليه السلام) في الرواية المشار إليها (1):

«و ما لم تعلم فاشتر و بع و كل»، فإنّ ظاهره هو الحكم بصحّة البيع و الشراء، فلا بدّ حينئذ من الحمل على السقوط الظاهري ليكون صحّة البيع و الشراء ظاهرية لا واقعية.

نعم، يتوجّه على الالتزام في الرواية و الإجماع بالترخيص الظاهري، أنّه لا يجتمع مع العلم الاجمالي بالتكليف المنجّز كما حرّرناه في بعض مباحث العلم‏

____________

(1) في الصفحة: 167، و سيأتي ذكرها في هامش الصفحة: 200.

174

الاجمالي من مباحث القطع‏ (1)، و أنّ الترخيص و لو في بعض الأطراف لا يجتمع مع العلم الاجمالي بالتكليف، و حقّقنا هناك أنّ تنزيل ذلك الترخيص على جعل البدل لا يتأتّى في الأُصول النافية للاشتغال، بل إنّما يتأتّى في الأُصول الجارية في وادي الفراغ مثل قاعدة التجاوز و الفراغ، أمّا مثل أصالة البراءة أو قاعدة الحل و الطهارة، فلا يكون مفادها إلّا نفى الاشتغال، فلا تجري في مورد العلم بالاشتغال.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الترخيص فيما نحن فيه ليس هو مفاد البراءة أو مفاد قاعدة الطهارة أو الحل أو حديث الرفع و نحو ذلك ممّا يرجع إلى نفي الاشتغال، بل هو أصل آخر غير تلك الأُصول، يكون مفاده الاكتفاء في امتثال ذلك التكليف المعلوم بترك جملة من أطرافه، و يكون مفاد هذا الأصل هو جواز الارتكاب لجملة من الأطراف، لا لأجل الأُصول النافية فيها، لأنّه ربما كان الأصل في كلّ واحد من تلك الأطراف مثبتاً للتكليف، كما في موارد الشبهة بالماء المضاف، و كما في موارد الشبهة في الميتة مع فرض عدم السوق، بأن كان هناك ذبائح غير محصورة مع فرض العلم بأنّ بعضها ميتة، مع فرض عدم كونها في سوق المسلمين و لا تحت يد المسلم، و نحو ذلك ممّا يكون أطرافه في حدّ نفسها مجرى للأصل المثبت.

و الحاصل: أنّ هذا الأصل الجاري في أطراف الشبهة غير المحصورة المستفاد من الرواية و الإجماع المذكورين يكون فوق الأُصول الكلّية الجارية في الشبهات البدوية، بل هو أصل مستقل برأسه، و يكون المصحّح لجعله في مورد العلم الاجمالي هو كونه راجعاً إلى جعل البدل و اكتفاء الشارع في اجتناب ذلك‏

____________

(1) راجع المصادر المشار إليها في هامش الصفحة: 169.

175

المعلوم بالاجمال باجتناب جملة من أطرافه، و يكون لازم ذلك هو عدم جواز المخالفة القطعية.

و لكن يتوجّه عليه ما تقدّم آنفاً من لزوم كون الشبهة غير المحصورة أقوى في جواز الترخيص من الشبهة البدوية، فإنّ في هذا المثال تكون جملة من الأطراف جائزة الارتكاب مع أنّها لا يجوز ارتكابها في الشبهة البدوية، نظراً إلى الأصل المثبت و هو أصالة عدم التذكية. و أيضاً يعود إشكال أمره (عليه السلام) بالبيع و الشراء، فإنّ مجرّد جعل البدل و اكتفاء الشارع به لا يوجب إحراز شرط البيع في الأطراف التي يرتكبها المكلّف، فلا يمكن الحكم بصحّته لا واقعاً و لا ظاهراً، هذا.

مع أنّ ظاهر الرواية و الإجماع أجنبي عن جعل البدل، بل ليس مفاده إلّا الترخيص، بل إنّ ظاهرهما هو أنّ المستند في ذلك الترخيص هو عين المستند في الشبهات البدوية أعني تلك الأُصول النافية الكلّية الجارية في الشبهات البدوية، و هذا ممّا يوجب الحيرة في توجيه الإجماع و الرواية المذكورة.

و لكن الإنصاف أنّه يمكن الجواب عن هذه المناقشات. أمّا لزوم كون الشبهة غير المحصورة أقوى من الشبهة البدوية، فيمكن الالتزام به إذا دلّ الدليل عليه و لو من جهة حفظ النظام و توقّف سوق المسلمين إذا الزم بالاحتياط في الشبهة غير المحصورة، و يكشف عن الأقوائية هذا اللازم المذكور، فإنّ الشارع سوّغ الارتكاب في شبهة السمن في الشبهة المحصورة كما يستفاد من الروايات الآتية، مع أنّ الشبهة البدوية فيه لا يسوغ فيها الارتكاب. و بذلك يندفع الإشكال المبني على دعوى أنّ هذا الترخيص عين الترخيص في باقي الشبهات، فإنّه بعد البناء على ما ذكر يكون هذا الترخيص أعلى من تلك الترخيصات.

176

و أمّا إشكال البيع و الشراء، فيمكن أن يقال: إنّ هذا الترخيص مرجعه إلى جعل البدل، لكنّه ترخيص ظاهري أقصى ما فيه أنّه يحرز صحّة البيع ظاهراً، فلا ينافيه أنّه هو و جعل البدل منوط بالجهل، فإذا انكشف الخلاف ينكشف بطلان البيع، فتأمّل.

نعم، يمكن المناقشة في دلالة الرواية السابقة على كون المورد من موارد الشبهة غير المحصورة، بحمل قوله (عليه السلام): «أ من أجل مكان واحد» الخ على صورة عدم العلم باختلاط ما كان في ذلك المكان الذي أخبر السائل به بالجبن الموجود في هذه البلدة مع كونه خارجاً عن الابتلاء و نحو ذلك ممّا يسوغ معه الرجوع إلى أصالة البراءة و قاعدة [الحل‏]، و قولِه (عليه السلام): «و اللَّه لا أظنّ أنّ كلّهم يسمّون» على معنى عدم العلم، و استعمال الظنّ بمعنى العلم كثير شائع، أو حمله على مجرّد الاستبعاد بأن يكون المراد من نفي الظنّ الذي هو طرف راجح إثبات نقيضه و هو الاستبعاد و الاحتمال المرجوح، نظير ما يستفاد الرجحان من نفي البأس. و لكن الحمل الأوّل أعني نفي العلم أقرب، هذا كلّه.

مضافاً إلى الخدشة في سندها بواسطة أبي الجارود، بل ناقش بعضهم في البرقي، و إن لم تكن مناقشته فيه مقبولة إلّا أنّ المناقشة في أبي الجارود مسلّمة على الظاهر.

و الحاصل: أنّ الرواية المذكورة لا تخلو من مناقشة في كلّ من دلالتها و سندها، فلا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس هذا الأمر المهمّ، و هو إسقاط التكليف في موارد الشبهة التحريمية غير المحصورة، سواء أُريد به الاسقاط الواقعي أو الاسقاط الظاهري.

و أمّا الإجماع فلم يعلم حاله خصوصاً بعد استدلال الكثير منهم بالمشقّة

177

و العسر و الحرج، و يكون الحاصل حينئذ أنّ الشبهة غير المحصورة لا خصوصية لها من بين الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، و لعلّ وجه الإجماع هو كون عدم الحصر ملازماً لخروج بعض الأطراف عن الابتلاء.

ثمّ إنّي بعد هذا كلّه عثرت على أخبار أُخر يمكن الاستدلال بها لعدم لزوم الاحتياط في أطراف الشبهة غير المحصورة، منها: ما ذكره في الحدائق في المسألة الرابعة من البحث الأوّل من المقصد الثاني من الباب الخامس في الطهارة من النجاسات، و ذلك موثّقة حنّان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) «في جدي رضع من خنزيرة حتّى شبّ و اشتدّ عظمه، استفحله رجل في غنم له فخرج له نسل، ما تقول في نسله؟ فقال (عليه السلام): أمّا ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، و أمّا ما لم تعرفه فإنّه بمنزلة الجبن» (1). و حمله في الحدائق على الشبهة غير المحصورة لكثرة تلك الغنم. و لا يخفى أنّ تنظيره بالجبن يعطي أنّ مسألة الجبن و أنّ في جملته الميتة كان من المطالب المعروفة لدى أهل ذلك العصر.

ثمّ قال في الحدائق: و يمكن- و لعلّه الأقرب- أنّ الوجه فيه إنّما هو عدم معلومية بقاء ما خرج من نسله في تلك الغنم لكثرتها، فلعلّه قد ذهب منها بأحد وجوه الذهاب كما يشير إليه التنظير بالجبن من حيث عدم معلومية الحرام منه بعينه‏ (2).

و لا يخفى بعده بل عدم صحّة الحكم بجواز الارتكاب حينئذ، إذ لا يكون التلف مؤثّراً إلّا إذا كان قبل العلم الاجمالي بوجود النسل، مع أنّ مفروض الرواية الشريفة هو العلم الاجمالي قبل احتمال التلف.

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 161/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 25 ح 1 (مع اختلاف).

(2) الحدائق الناضرة 5: 284.

178

و نظير هذه الموثّقة ما ذكره في الجواهر (1) في كتاب الأطعمة عند الاستدلال على ما ذكره الماتن من أنّ الحيوان إذا شرب لبن الخنزيرة فإن اشتدّ حرم لحمه و لحم نسله، و ذلك موثّق بشر بن سلمة (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في جدي يرضع من خنزيرة ثمّ ضرب في الغنم، فقال (عليه السلام): هو بمنزلة الجبن، فما عرفت أنّه ضَرْبُه فلا تأكله، و ما لم تعرفه فكل» (3).

و يبعد كلّ البعد أن يكون مفروض الرواية هو عدم العلم بتحقّق النسل، بل الظاهر من التعبير بالمعرفة و قوله (عليه السلام): «أنّه ضَرْبُه» المشتمل على الضمير في «أنّه» الراجع إلى النسل المتصيّد من الكلام، هو العلم الاجمالي بوجود النسل.

و لا يمكن حمله على أنّ المقدار المعروف أنّه نسله هو بمقدار المعلوم بالاجمال لينحلّ بذلك العلم الاجمالي، إذ لم يكن ذلك ظاهراً من الرواية، بل الظاهر منها أنّ المدار في عدم وجوب الاجتناب هو عدم معرفة المكلّف بأنّ ما يرتكبه هو من ذلك النسل، سواء عرف بعضها أو لم يعرف. و بقرينة قوله: «ضرب في الغنم» من دون تقييد لها بمقدار خاصّ، و قوله (عليه السلام): «هو بمنزلة الجبن» يحمل على خصوص الشبهة غير المحصورة (4)

____________

(1) جواهر الكلام 36: 282- 283.

(2) [في الجواهر: بشير بن مسلمة، و في الطبعات الحديثة من الوسائل و الكافي و التهذيب و الاستبصار: بشر بن مسلمة].

(3) وسائل الشيعة 24: 162/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 25 ح 2.

(4) و فيه تأمّل، فإنّ إحدى الموثّقتين تشتمل على قوله: «في غنمه» أو على «في غنم له» و لا ريب في كونها محصورة. و أمّا اشتمال الأُخرى على قوله «ثمّ ضرب في الغنم» فالظاهر أنّها أيضاً محصورة، لأنّ المراد بالغنم هي غنم صاحبه لا غنم جميع الناس.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ هذا الذي دلّت عليه الموثّقتان مقصور على مورد النصّ، فلا يشمل الرضاع من الكلبة و لا من الكافرة، بل ربما قيل بأنّه لا يشمل الشرب من لبن الخنزيرة من دون رضاع. و حينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ ما تضمّنتاه من جواز الأكل إذا لم يعلم كونه من ضربه، مع فرض العلم الاجمالي و كون الشبهة محصورة، مختصّ بمورده أعني اشتباه نسله، فلا يجري في غير المورد المذكور، بل إنّ غيره يجري عليه قواعد العلم الاجمالي أو يعمل فيه القرعة، كما لو اشتبه موطوء الإنسان بغيره من قطيع الغنم.

نعم، ربما قيل: إنّ الحمل على ذلك لا يلائم قوله (عليه السلام): «إنّه بمنزلة الجبن» المتعيّن حمله على غير المحصورة، فلاحظ و تأمّل.

أمّا روايات الجبن فقد قال المرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره) بعد ذكره هذه الأخبار في الجبن: و يظهر من مثل هذه الروايات وجود قسم حرام في الجبن، و المراد به- على الظاهر- ما يطرح فيه إنفحة الميّت، لمعروفية حرمتها لدى العامّة، فالظاهر جريها مجرى التقية، و الأجوبة الواقعة فيها ربما يتراءى منها التورية، و اللَّه العالم. قال ذلك في الجزء الأخير من طهارته، و ذكر هناك طهارة الإنفحة و حلّيتها، و ذكر الرواية المفصّلة التي يرويها أبو حمزة عن الباقر (عليه السلام) في الإنفحة و أنّها حلال كالبيضة [فراجع مصباح الفقيه (الطهارة) 7: 95، 91 و ما بعدها، وسائل الشيعة 24: 179/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 33 ح 1].

و بناءً على ذلك و على ما ذكرناه في روايات الجدي لا يبقى لنا من الروايات ما يمكن الركون إليه في سقوط العلم الاجمالي في الشبهات غير المحصورة [منه (قدس سره)‏].

179

و من تلك الروايات صحيحة ضريس، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن و الجبن في أرض المشركين و الروم، أ فآكله؟ فقال (عليه السلام): ما علمت أنّه خلطه الحرام فلا تأكله، و ما لم يعلم فكله حتّى تعلم أنّه حرام» (1) ذكرها في‏

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 235/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 64 ح 1 (مع اختلاف يسير).

180

الحدائق في المقدّمات عند الكلام على الشبهة غير المحصورة (1).

و لا يخفى ظهورها في العلم الاجمالي مع كون الشبهة غير محصورة. أمّا الأوّل، فلأنّ موردها- و هو السمن و الجبن الموجودان في أرض المشركين و أرض الروم- ممّا يعلم إجمالًا بوجود الميتة فيه، فإنّ ذلك- أعني خلطه بالميتة- واقع [في‏] ذلك العصر في بلاد المسلمين كما تضمّنته رواية المحاسن و غيرها (2)، فكيف حال بلاد المشركين و الروم الذين لا يرون البأس في الميتة.

و أمّا الثاني فواضح، إذ لا ريب في عدم حصر الجبن و السمن الموجود في تلك البلاد، و لعلّ المتتبّع يعثر على روايات أُخر.

و كيف كان، فإنّ المتتبّع للنصوص و الفتاوى و الإجماعات المنقولة يكاد يحصل له القطع في أنّ الشبهات التحريمية غير المحصورة لا يجب الاحتياط في تمام أطرافها. و لا يبعد تنزيل تلك الأدلّة على أنّ في خصوص الشبهة غير المحصورة أصلًا مختصّاً بها، و هو ما ذكرناه من الترخيص الظاهري المقرون بجعل البدل، و أنّ ذلك الترخيص و البدلية كلاهما ظاهريان، كما أنّه يكاد يحصل له القطع بأنّ هذا الترخيص ليس ترخيصاً واقعياً، و أنّه ليس ملاكه هو الاضطرار أو العسر و الحرج، و إن وقع التعبير في عبائر جملة من الأساطين بالمشقّة و نحو ذلك، لأنّ ظاهر تلك الأخبار أنّ موجب الترخيص هو عدم العلم و عدم معرفة أنّ ما يرتكبه هو الحرام، لا الاضطرار أو العسر و الحرج، كما أنّ حمل ذلك كلّه على كون بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء يكاد يحصل القطع بعدمه.

و أحسن ما عثرت عليه في توجيه هذا الترخيص هو ما أفاده المرحوم‏

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 150 و قد ذكر متنها في ص 141.

(2) الآتية في هامش الصفحة: 200- 201.

181

الحاج آغا رضا الهمداني (قدس سره) في حاشيته على الرسائل‏ (1) و في كتاب الطهارة عند الكلام على الشبهة غير المحصورة في أحكام المياه‏ (2)، و في صلاته عند الكلام في مسجد الجبهة (3)، و ذلك و إن كان مجملًا، إلّا أنّا نوضّحه و نبرهن عليه بترتيب أُمور:

الأوّل: أنّه لا ريب في أنّ الأُصول الجارية في الشكّ في حرمة الشي‏ء مثلًا أو نجاسته تتوقّف على إحراز وجود ذلك الشي‏ء، إذ مع عدم العلم بوجوده و فرض الشكّ في تحقّقه لا يمكن الحكم عليه بمثل تلك الأحكام، فلو احتملنا وجود حيوان مثلًا في هذه الدار، و كانت حرمته على تقدير وجوده مشكوكة، لا نجري فيه قاعدة الحل، إذ لا أثر يترتّب على إجرائها فيه. و هكذا الحال في قاعدة الطهارة و غيرها من الأُصول العملية.

و بعبارة أُخرى: أنّ جريان الأصل يتوقّف على فعلية الشكّ في الحكم، و فعليته متوقّفة على إحراز وجود الموضوع الذي يتعلّق به الحكم المشكوك، فما لم يكن وجود الموضوع محرزاً لا يكون الأصل جارياً فيه. و لا ينتقض ذلك بالملاقي- بالكسر- بعد تلف الملاقى- بالفتح-، أو في الثوب النجس المغسول بماء مستصحب الطهارة بعد فرض تلف الماء، لأنّ ذلك من قبيل التلف بعد إحراز الوجود، مضافاً إلى أنّه يترتّب الأثر بالنسبة إلى الملاقي- بالكسر- و الثوب، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ أصل الوجود غير محرز، مع فرض أنّه لا يترتّب أثر عملي على ذلك الأصل إلّا عدم وجوب الاجتناب عن ذلك المفروض كونه‏

____________

(1) حاشية فرائد الأُصول: 227- 228.

(2) مصباح الفقيه (الطهارة) 1: 256.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة) 11: 206.

182

مشكوك الوجود.

الأمر الثاني: أنّا لو علمنا بوجود إناء زيد في هذه الحجرة أو شاهدنا وجوده فيها، و علمنا بوقوع نجاسة، لكن لو كان الموجود هو إناء زيد وحده لكانت النجاسة واقعة فيه قطعاً، و لو كان معه إناء آخر لكنّا نعلم إجمالًا بوقوع تلك النجاسة في أحدهما، و نحن فعلًا لا نعلم بوجود إناء ثانٍ غير إناء زيد، فالظاهر أنّه لا أثر لهذا العلم، و لا يجب علينا الاجتناب عن إناء زيد. أمّا على كون الموجب للاحتياط و سقوط الأصل في الأطراف هو تعارض الأُصول فواضح، لأنّ قاعدة الطهارة لا تجري في ذلك الاناء الآخر الذي نحتمل وجوده مع إناء زيد، لعدم إحراز وجوده، فتبقى قاعدة الطهارة في إناء زيد سليمة عن المعارض.

و أمّا على تقدير كون الموجب لسقوط الأصل في الأطراف هو نفس العلم الاجمالي، فلأنّ العلم الاجمالي إنّما يوجب سقوط الأصل لكونه علماً بتكليف فعلي منجّز على كلّ من الطرفين، و المفروض أنّ التكليف في الطرف الآخر غير قابل للتنجّز، لعدم إحراز موضوعه.

و إن شئت فقل: إنّ عدم العلم بوجود الاناء الثاني يلحقه بالخارج عن الابتلاء في قبح النهي عنه، إذ لا معنى للنهي عن ارتكاب شي‏ء هو تارك له بواسطة عدم علمه به، على ما شرحناه‏ (1) في وجه قبح النهي عمّا هو خارج عن الابتلاء.

الأمر الثالث: أنّه لو كان عوض إناء زيد إناءين، و وقعت نجاسة، فإن لم يكن لهما ثالث كانت النجاسة واقعة في أحدهما و مردّدة بينهما، و إن كان لهما ثالث كانت النجاسة المذكورة مردّدة بين الثلاثة. و مقتضى ما شرحناه في إناء زيد

____________

(1) في الحاشية المفصّلة المتقدّمة في المجلّد السابع من هذا الكتاب في الصفحة: 539 و ما بعدها.

183

أنّه لا يجب الاجتناب عن هذين الاناءين مع فرض عدم العلم بوجود الثالث، فيكون الضابط هو أنّه لو كنّا نحتمل وجود طرف آخر للأطراف الموجودة لم يكن العلم الاجمالي منجّزاً في الأطراف الموجودة.

الأمر الرابع: أنّ المراد بالشبهات غير المحصورة هو هذا المعنى الذي ذكرناه في الاناءين، إذ ليس المراد بعدم الحصر عدم العدّ، بل المراد بعدم الحصر عدم العلم بالأطراف، فأيّ آحاد من الأطراف جمعها المكلّف و التفت إليها لا يحصل له القطع بأنّه ليس غيرها موجوداً، بل يحتمل وجود آحاد أُخر هي بمقدار المعلوم بالاجمال، و حينئذٍ فيكون حال الآحاد التي ضبطها المكلّف و التفت [إليها] حال الاناءين، و حال ما يحتمل وجوده من الآحاد حال الاناء الثالث، و حينئذٍ فتدخل في الضابط المتقدّم، و هو أنّه لو كنّا نحتمل وجود أطراف أُخر للأطراف الموجودة لم يكن العلم الاجمالي منجّزاً في الأطراف الموجودة، و لازم ذلك هو جواز ارتكاب جميع الأطراف الموجودة، لكن ليس ذلك من المخالفة القطعية، كما أنّ جواز الارتكاب إنّما يكون اعتماداً على الأصل النافي، لا لأجل أنّ الشكّ في أطراف الشبهة غير المحصورة بمنزلة العدم، بحيث لا يكون ذلك العلم الاجمالي مولّداً للشكّ في هذه الأطراف.

و الظاهر أنّ المنظور إليه في تلك الأخبار و الاجماعات هو [هذا] المعنى، دون ما لو كانت هذه الأطراف الموجودة المعلومة لدينا المضبوطة عندنا ممّا يعلم إجمالًا بأنّ ما بينها محرّم، فإنّ ذلك العلم الاجمالي يكون منجّزاً و إن بلغت الأطراف ما بلغت من الكثرة، إلّا أن يكون الاجتناب عن جميعها حرجياً، فيجوز ارتكاب ما يرتفع الحرج بارتكابه، أو كان بعضها خارجاً عن محلّ الابتلاء و كان بمقدار المعلوم بالاجمال، كان ارتكاب الباقي جائزاً.

184

لكن يتوجّه على هذا الضابط ما عرفت الاشارة إليه، من أنّه لا بدّ في تلك الأطراف التي يحتمل وجودها أن تكون بمقدار المعلوم بالاجمال، و إلّا عاد المحذور في جواز ارتكابه للأطراف التي علم بوجودها، مثلًا لو علم بوجود عشر شياه محرّمة في جملة غنم البلد المفروض أنّها غير محصورة، لم يجز له ارتكاب بعض الأطراف التي ضبطها و علم بوجودها، إلّا إذا كان يحتمل وجود أطراف أُخر هي بمقدار المعلوم بالاجمال، بمعنى أنّه يحتمل أنّ الذي شذّ عنه و لم يحط علمه بوجوده كان بمقدار المعلوم بالاجمال الذي هو العشر، أمّا إذا لم يحتمل ذلك بل أقصى ما عنده أنّه يحتمل أنّه قد شذّ عنه مقدار خمس شياه مثلًا، لم يجز له ارتكاب شي‏ء ممّا علم بوجوده، للعلم بأنّ فيه خمساً محرّمة.

ثمّ لا يخفى أنّه بناءً على كون ذلك هو الضابط في الشبهة غير المحصورة، لا يمكن أن يتصوّر لنا صورة يشكّ في كونها من المحصور أو غير المحصور، و ذلك واضح لا يحتاج إلى بيان.

كما أنّ هذا الضابط لا يجري في الشبهات الوجوبية، لأنّ العلم بوجوب وارد إمّا على أحد هذه الأشياء أو على شي‏ء آخر لا أعلم بوجوده، لا يكون من العلم غير المؤثّر، بل يكون مؤثّراً، غايته أنّ ذلك الذي لا نعلمه يسقط فيه الاحتياط بمقدار العسر و الحرج كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

و فيه تأمّل، فإنّه لو علم بوجوب إكرام العالم و تردّد بين أطراف كثيرة و كان يحتمل وجود أطراف أُخر لا يعلم بوجودها، كان الملاك الذي ذكرناه في الشبهة التحريمية جارياً فيه.

لكن هذا الضابط لا يخلو من الخدشة و التأمّل، فإنّ عدم العلم بوجود

____________

(1) في الحاشية الثانية في الصفحة: 243 و ما بعدها.

185

أطراف أُخر و أنّها على تقدير وجودها يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليها، ينافي العلم الاجمالي بوجود محرّم عليه، فما ذكرناه في الأمر الأوّل و الأمر [الثاني‏] لا يخلو عن مناقضة، لأنّه مشتمل على العلم بوجود المحرّم مع دعوى احتمال انطباقه على ما يحتمل عدم وجوده، فلاحظ و تأمّل.

مضافاً إلى إمكان دعوى كون أطراف العلم هو ما في الكرة الأرضية، و هي محصورة بالمعنى المذكور و إن لم يعلم مقدار عددها. لكن هذه الإشكالات إنّما تتوجّه لو كان الملاك في التنجيز هو العلم دون ما لو قلنا بأنّه تعارض الأُصول.

قال المرحوم الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته: و أمّا في المحرّمات المقصود منها التروك فكثيراً ما يتصوّر كثرة الأطراف عارياً عن هذه المحاذير (يعني الاضطرار أو العسر و الحرج أو الخروج عن الابتلاء و نحوها من مسقطات العلم الاجمالي) فلم يبق فيها إلّا محذور كثرة الأطراف الملازم لضعف الاحتمال على ما أشرنا، و حينئذٍ أمكن أن يقال: إنّ ضعف الاحتمال في كلّ واقعة ملازم مع وجود العلم المزبور للاطمئنان بكون المعلوم في غيره. و توهّم اقتضاء ضعف كلّ طرف وجود الاطمئنان بالعدم فيه، و هو مستلزم للاطمئنان بعدم التكليف في جميع الموارد، و هو مع وجود العلم الاجمالي بوجوده في بعضها مستحيل، مدفوع بأنّه كذلك لو كان ضعف الاحتمال في كلّ واحد ملازماً للاطمئنان بعدمه في هذا المورد تعييناً، و أمّا لو كان ملازماً للاطمئنان بوجوده في غيره، فلا يكون لازم الاحتمال المزبور إلّا الاطمئنان بالعدم في كلّ طرف بنحو التبادل، و لا بأس حينئذ بالجمع بين هذا النحو من الاطمئنان بالعدم بالنسبة إلى جميع الأطراف مع العلم المزبور، و حينئذٍ إن بنينا على حجّية هذا الاطمئنان لدى العقلاء بشهادة بنائهم على إلغاء الاحتمال البالغ في الضعف بهذه المثابة و أخذهم بالاطمئنان القائم على‏

186

طرفه، فقهراً يصير لازم كثرة الأطراف وجود جعل بدل في البين، إذ مرجعه حينئذ إلى العلم الاجمالي على تعيين المعلوم بالحجّية (1) في بقية الأطراف، و هذا المعنى مستتبع لعدم وجوب الموافقة القطعية، و أمّا بالنسبة إلى المخالفة القطعية فالعلم باقٍ على تأثيره الخ‏ (2).

و الذي يظهر منه في هذه المقالة أنّه (قدس سره) قد بنى على هذه الطريقة التي هي مأخوذة من الوجه الخامس الذي ذكره الشيخ (قدس سره) لعدم وجوب الموافقة القطعية في الشبهة غير المحصورة، التي أشار إليها في أثناء الكلام على هذا الوجه الخامس بقوله (قدس سره): ضرورة أنّ كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات- إلى قوله:- و حاصل هذا الوجه: أنّ العقل إذا لم يستقلّ بوجوب دفع العقاب المحتمل الخ‏ (3)، فراجع.

____________

(1) [في النسخة الحديثة أُبدلت «الحجّية» ب: الحجّة].

(2) مقالات الأُصول 2: 242.

(3) قال الشيخ (قدس سره): الخامس: أصالة البراءة بناءً على أنّ المانع من إجرائها ليس إلّا العلم الاجمالي بوجود الحرام (فلا مسوّغ للارتكاب) لكنّه إنّما يوجب الاجتناب عن محتملاته من باب المقدّمة العلمية التي لا تجب إلّا لأجل وجوب دفع الضرر، و هو العقاب المحتمل في فعل كلّ واحد من المحتملات، و هذا لا يجري في المحتملات الغير المحصورة، ضرورة أنّ كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات.

ثمّ أخذ في ذكر الأمثلة من السم في ألف إناء و سب أهل البلد و الإخبار بموت أحد، و فرّق بين ما لو كان بين محصورين أو كان بين غير محصورين.

ثمّ قال: و إن شئت قلت: إنّ ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء إلّا كارتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الاجمالي. ثمّ أفاد أنّ الرواية الشريفة ناظرة إلى ذلك. ثمّ قال: و حاصل هذا الوجه: أنّ العقل إذا لم يستقل بوجوب دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات فليس هنا ما يوجب على المكلّف الاجتناب عن كلّ محتمل، فيكون عقابه حينئذ عقاباً من دون برهان، فعلم من ذلك أنّ الآمر اكتفى في المحرّم المعلوم إجمالًا بين المحتملات بعدم العلم التفصيلي باتيانه، و لم يعتبر العلم بعدم إتيانه، فتأمّل.

ثمّ بعد أن تعرّض لجواز ارتكاب الجميع قال: و أمّا الوجه الخامس فالظاهر دلالته على جواز الارتكاب، لكن مع عدم العزم على ذلك من أوّل الأمر، و أمّا معه فالظاهر صدق المعصية عند مصادفة الحرام فيستحقّ العقاب. ثمّ قال في بيان الضابط: و يمكن أن يقال بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس: إنّ غير المحصور ما بلغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى حيث لا يعتني العقلاء بالعلم الاجمالي الحاصل فيها [فرائد الأُصول 2: 263- 271].

قال شيخنا (قدس سره): أمّا الوجه الخامس ... ففيه: أنّ قياس الأحكام الشرعية و احتمال الضرر الأُخروي على الأحكام العرفية و احتمال الضرر الدنيوي ليس في محلّه، كما لا يخفى على المتأمّل [منه (قدس سره). فوائد الأُصول 4: 121].

187

لكن الذي كان قد بنى عليه في الدرس في الوقت الذي كنت أحضره هو عدم الاعتماد على هذه الطريقة، لأجل هذه الجهة التي أشار إليها بقوله هنا:

و توهّم الخ، و هذا نصّ ما حرّرته عنه‏ (1) في أثناء الكلام على الشبهة الغير المحصورة:

و قد يقال: إنّه بعد الفراغ عن كون احتمال الانطباق في كلّ واحد من الأطراف ضعيفاً عند العقلاء، يكون بناء العقلاء على عدم الانطباق و عدم اعتنائهم باحتماله مستلزماً لحصول الظنّ بانطباق المعلوم بالاجمال على الطرف الآخر، و حينئذٍ يكون ذلك الظنّ حجّة، لبناء العقلاء عليه، فيكون المقام نظير ما لو قامت‏

____________

(1) في درس ليلة الاثنين 6 ذي القعدة سنة 1340 [منه (قدس سره)‏].

188

أمارة معتبرة كالبيّنة مثلًا على تعيين ما هو المعلوم بالاجمال، الذي عرفت في الشبهة المحصورة أنّه من قبيل جعل البدل المستلزم لتحقّق الفراغ الجعلي، الموجب لعدم وجوب الموافقة القطعية.

و فيه أوّلًا: أنّه مستلزم لكون كلّ واحد من الأطراف مظنون الانطباق و موهومه، حيث إنّ كلّ واحد منها يكون موهوماً لضعف الاحتمال فيه، و هو مستلزم لكون الآخر مظنوناً، فيكون كلّ واحد منها مظنوناً و موهوماً.

قلت: و يمكن الجواب عنه: بأنّ كون هذا الطرف موهوماً لأجل كثرة الأطراف إنّما يوجب الظنّ بالوجود في باقي الأطراف على الإجمال، لا الظنّ في كلّ واحد منها كي تكون النتيجة هي أنّ كلّ واحد من الأطراف موهوم و مظنون، فتأمّل.

و بالجملة: أنّ الظنّ في باقي الأطراف على الجملة لا يوجب الظنّ في كلّ واحد منها بخصوصه، بل يجتمع الظنّ فيها على الجملة مع الوهم في كلّ واحد منها بخصوصه، كما أنّ العلم في الأطراف على الجملة لا يوجب العلم في كلّ واحد منها بخصوصه، فيجتمع العلم فيها على الجملة مع احتمال العدم في كلّ واحد منها بخصوصه، و كما لا يسري العلم على الجملة إلى الخصوصيات فكذلك لا يسري الظنّ على الجملة إلى كلّ واحد من الخصوصيات، فلا تكون النتيجة هي أنّ كلّ واحد بخصوصه يكون موهوماً و مظنوناً، كما لا تكون النتيجة في سائر موارد العلم الاجمالي هي أنّ كلّ واحد من الأطراف بخصوصه محتمل العدم و معلوم الوجود. نعم العمدة هو الإشكال الثاني، و هو ما حرّرناه عنه (قدس سره) بقولنا:

و ثانياً: أنّه مناقض للعلم الاجمالي، فإنّ الظنّ بعدم الانطباق في كلّ واحد

189

من الأطراف يناقض العلم بوجود المحرّم بينها، فإنّ العلم بالموجبة الجزئية لا يجتمع مع الظنّ بالسالبة الكلّية. نعم يتصوّر ذلك إذا لاحظنا كلّ واحد من الأطراف مع الذهول عن الآخر كما في التدريجيات، أمّا في الدفعيات و الالتفات إلى جميع الأطراف فلا يمكن القول بأنّ كلّ واحد منها يكون مظنون العدم مع العلم بالوجود إجمالًا، فإنّ ذلك ينتهي إلى اجتماع العلم بالموجبة الجزئية مع الظنّ بالسالبة الكلّية، انتهى ما حرّرته عنه (قدس سره).

و هذا الإشكال موجود في درر المرحوم الشيخ عبد الكريم اليزدي (قدس سره) فإنّه بعد أن وجّه سقوط الاحتياط بضعف الاحتمال بحيث لا يعتني به العقلاء و يجعلونه كالشكّ البدوي، فيكون في كلّ طرف يقدم عليه الفاعل على الارتكاب طريق عقلائي على عدم كون الحرام فيه. و بعد أن أفاد أنّ هذا التوجيه أحسن ممّا أفاده الشيخ (قدس سره) من كون الضرر موهوماً، لأنّ العقوبة و لو كانت موهومة لا يكون العقل حاكماً بجواز الإقدام عليها ما لم يحصل القطع بعدمها، قال: لكن فيما ذكرنا أيضاً تأمّل، فإنّ الاطمئنان بعدم الحرام في كلّ واحد بالخصوص كيف يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها و عدم خروجه عنها، و هل يمكن اجتماع العلم بالموجبة الجزئية مع الظنّ بالسلب الكلّي‏ (1)، انتهى كلامه (قدس سره).

____________

(1) قال المرحوم في درره: فنقول: غاية ما يمكن أن يقال في وجه عدم وجوب الاحتياط: هو أنّ كثرة الأطراف توجب ضعف احتمال كون الحرام مثلًا في طرف خاصّ، بحيث لا يعتني به العقلاء و يجعلونه كالشكّ البدوي، فيكون في كلّ طرف يقدم الفاعل على الارتكاب طريق عقلائي على عدم كون الحرام فيه. و هذا التقريب أحسن ممّا أفاده شيخنا المرتضى (قدس سره) من أنّ وجه عدم وجوب الاحتياط كون الضرر موهوماً، فإنّ جواز الإقدام على الضرر الأُخروي الموهوم لو سلّم لا يوجب القطع بكونه غير معاقب كما لا يخفى، هذا.

و لكن فيما ذكرنا أيضاً تأمّل، فإنّ الاطمئنان بعدم الحرام في كلّ واحد بالخصوص كيف يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها و عدم خروجه عنها، و هل يمكن اجتماع العلم بالموجبة الجزئية مع الظنّ بالسلب الكلّي، فحينئذ فإنّ تمّ الإجماع في المسألة، و إلّا فالقول بعدم وجوب الاحتياط مشكل، لعين ما ذكر في الشبهة المحصورة من دون تفاوت [منه (قدس سره). راجع درر الفوائد 1- 2: 471- 472].

190

و لعلّ الأصل في هذا الإشكال من المرحوم السيّد محمّد الأصفهاني (قدس سره)، فإنّ المعروف أنّ الدرر تقريرات عن درسه. و على كلّ حال، أنّ مراده بقوله:

و لكن فيما ذكرنا تأمّل الخ، هو ما ذكره بقوله: فيكون في كلّ طرف يقدم الفاعل على الارتكاب طريق عقلائي على عدم كون الحرام فيه الخ بناءً على أنّ المراد من الطريق العقلائي هو ضعف الاحتمال الذي هو عبارة عن الظنّ بالعدم، و حينئذٍ يتوجّه عليه التأمّل المذكور.

و حينئذٍ يكون كلّ ممّا أفاده هو و ما أفاد الشيخ (قدس سره) مبنياً على أنّ المسوّغ للارتكاب هو الظنّ بالعدم و أنّ احتمال الحرمة و العقاب فيما يرتكبه موهوم، و إنّما كان ما ذكره هو أحسن ممّا أفاده الشيخ (قدس سره) مع اشتراكهما في ورود التأمّل المذكور، هو أنّ ما أفاده الشيخ (قدس سره) كان مقصوراً على مجرّد الظنّ بالعدم، و أنّ احتمال الحرمة و العقاب موهوم، فيرد عليه حينئذ أنّ العقاب الموهوم يلزم التحرّز عنه، بخلاف ما أفاده هو فإنّه مستند إلى دعوى بناء العقلاء على العدم في ذلك، فيكون الاستناد في الارتكاب إلى حجّة عقلائية، و هي مصحّحة للعذر، فلا يبقى حينئذ إلّا هذا الإشكال و هو إشكال التناقض.

و لا يخفى أنّ إشكال المناقضة المذكورة جارٍ حتّى في الشبهة المحصورة،

191

لأنّ المكلّف يحتمل العدم في هذا الطرف، و يحتمله أيضاً في ذلك الطرف، فيكون الحاصل أنّه يحتمل السالبة الكلّية مع علمه بالموجبة الجزئية، و ما الجواب عنه إلّا بأنّ احتمال العدم في هذا الطرف مقرون بالقطع بالوجود في الطرف الآخر، بمعنى أنّه لو كان احتمال العدم في هذا الطرف مطابقاً للواقع لكان الموجود في الطرف الآخر مقطوعاً به، و هكذا العكس. و إن شئت فقل: إنّ احتمال السلب في كلّ واحد على حدة مع قطع النظر عن غيره ليس هو عبارة عن احتمال السالبة الكلّية، فإنّ السلب في كلّ واحد على حدة عبارة عن الوجود في الطرف الآخر.

و هذا بعينه آت في ظنّ العدم في هذا الطرف، فإنّه مقرون بالقطع بالوجود في الطرف الآخر، إذ ليس الظنّ إلّا الاحتمال غايته أنّه راجح، و حينئذٍ فلا مانع من أن يكون كلّ واحد مظنوناً فيه العدم بهذا النحو من الظنّ المقرون بالعلم بالوجود في بقية الأطراف على الاجمال، و لا يكون نتيجته الظنّ بالسالبة الكلّية، بل يكون نتيجته ظنّ العدم في كلّ واحد بخصوصه مقروناً بالقطع بالوجود في غيره على تقدير مطابقة ظنّه للواقع، و لازمه القطع بخطإ بعض ظنونه التفصيلية المذكورة، و هذا لا ينقض الظنّ التفصيلي الوجداني في كلّ واحد بخصوصه مع قطع النظر عن الأطراف الأُخر. و مع قطع النظر عن هذا فنقول: إنّه لو سلّم الاجتماع فهو ليس بأعظم من قطع الإنسان من أوّل بلوغه بأنّ بعض قطعياته المستمرّة إلى حين موته خطأ، مع أنّه عند حصول كلّ قطع له لا يحتمل فيه الخطأ.

و أمّا ما أفاده في المقالة (1) من الجواب عن هذا التوهّم، فالظاهر أنّه غير دافع له، فإنّ دعوى صرف الظنّ إلى الوجود في الغير مجرّد تغيير عبارة، لأنّ الظنّ‏

____________

(1) المتقدّم نقله في الصفحة: 185.

192

بالوجود في الغير ملازم للظنّ بعدم الوجود في هذا الطرف بل هو عينه، إلّا أنّ مراده شي‏ء آخر و هو ما سيأتي شرحه في آخر البحث.

و لكن الظاهر أنّ المسألة ليست من هذا الوادي أعني الظنّ بعدم الوجود في هذا الطرف أو الظنّ بالوجود في غيره من الأطراف، بل إنّ أساسها أمر عقلائي آخر غير حجّية الظنّ، و ذلك الأمر العقلائي ما أشار إليه الشيخ (قدس سره) بقوله: ضرورة أنّ كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات‏ (1) و حاصله هو ضعف هذا الاحتمال في هذا الطرف بواسطة كثرة الاحتمالات الراجعة إلى احتمالات وجوده في غيره على وجه لا يعتني به العقلاء في عادياتهم، و المراد من ضعفه في قبال تلك الاحتمالات هو ضعفه في نظر العقلاء، لا أنّه يكون موهوماً و هي تكون مظنونة، كما سيأتي شرحه إن شاء اللَّه تعالى.

و حينئذٍ فلم يبق في البين إلّا ما أشار إليه الشيخ (قدس سره) بالتأمّل، و حاصله ما أفاده شيخنا (قدس سره) بقوله: إنّ قياس الأحكام الشرعية و احتمال الضرر الأُخروي على الأحكام العرفية و احتمال الضرر الدنيوي ليس في محلّه الخ‏ (2)، و لكن الأمر كذلك لو خلّينا نحن و هذه الطريقة العقلائية الجارية في أُمورهم العرفية، أمّا بعد أن أمضاها الشارع بدليل الإجماع أو ببركة الروايات الآتية (3) التي مفادها هو تجويز الارتكاب استناداً إلى هذه الطريقة العقلائية، فلا يبقى في البين إشكال أصلًا، فإنّ‏

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 263.

(2) فوائد الأُصول 4: 121.

(3) في الصفحة: 200- 201، و قد تقدّم ذكرها و المناقشة فيها، راجع الصفحة: 176 و ما بعدها.

193

هذا البناء العقلائي يكون حينئذ من قبيل الأمارة الشرعية على عدم ثبوت التكليف في هذا الطرف، و لازمها ثبوته في الجملة في باقي الأطراف، و حينئذٍ يجوز ارتكاب هذا الطرف بل و غيره من الأطراف إلى أن يخرج الاحتمال عن هذا الضعف بواسطة كثرة ما ارتكبه و قلّة ما بقي، فلو اتّفق ذلك على بُعده بل يمكن القطع بعدم اتّفاقه، نقول حينئذ إنّه عند وصول النوبة إلى ذلك يكون التردّد بين كونه في الباقي أو فيما تقدّم ارتكابه، فلا يعود العلم مؤثّراً، و النتيجة حينئذ هي جواز المخالفة القطعية لو اتّفقت.

و على أيّ حال، فليست المسألة من وادي الظنّ بالعدم في هذا الطرف، و لا من الظنّ بالوجود في الطرف الآخر، بل إنّ أساسها هو ضعف احتمال الخطر لو كان مقروناً باحتمالات كثيرة خالية من الخطر، مثلًا لو كان النجس واحداً في ضمن مائة إناء، فلو وضعت يدك على هذا الإناء الصغير مثلًا كان هناك مائة احتمال لوجود النجاسة، أحدها وجودها في هذا الاناء الصغير في قبال احتمال وجودها في الأكبر منه و غيره و غيره إلى تسعة و تسعين احتمالًا، فكان احتمال وجود النجاسة في هذا الاناء الصغير احتمالًا واحداً من أصل مائة احتمال، و تلك الاحتمالات كلّها ناشئة عن العلم القطعي بوجود النجاسة في واحد من تلك المائة إناء، و ليس لبعضها قوّة على البعض الآخر، لأنّ كلّ واحد منها مساوٍ للآخر في كونه معلولًا لذلك العلم الاجمالي، من دون أن تكون خصوصية في البين توجب قوّة أحد تلك الاحتمالات على الآخر.

و هذه الاحتمالات المتساوية كلّها قد اجتمعت لدى المكلّف، و ليس كلّ واحد منها إلّا من قبيل الشكّ المتساوي الطرفين، من دون فرق في ذلك بين كثرة الاحتمالات و قلّتها، حتّى لو كانت الأواني أربعاً كان كلّ واحد منها احتمالًا

194

متساوي الطرفين، غير أنّه احتمال واحد في قبال ثلاثة احتمالات، و يكون احتمال الخطر هنا عند الإقدام على واحد منها من قبيل ما يصطلح عليه المتجدّدون أنّه خمسة و عشرون في المائة في قبال احتمال عدمه و هو خمسة و سبعون بالمائة، و من الواضح أنّه ليس الواحد مظنون العدم في قبال ثلاثة، فلا تكون الكثرة موجبة لخروج الواحد منها من تساوي الطرفين إلى الظنّ بالعدم، غايته من قبيل القلّة و الكثرة، و هذه القلّة قد تصل إلى حدّ لا يعتني بها العقلاء، و قد أخذ المتجدّدون المقياس في الكثرة هو المائة.

و ليس هذا من قبيل تقسيم الدائرة مهما كانت سعتها إلى 360 درجة، و لا من قبيل السانتيم في قولهم سانتي غرام سانتي متر ليكون باعتبار ما يضاف إليه، بل هو أمر واقعي شبيه بدرجة الحرارة، فإنّها- أعني درجة الحرارة- واحدة لا تختلف باعتبار ما تضاف إليه، فالاحتمال الواحد لا يخرج عن كونه احتمالًا واحداً، سواء كان في مقابله احتمال واحد أو كان احتمالان أو كان ثلاثة، و يعبّر عن الأوّل بكونه خمسين بالمائة، و عن الثاني بكونه ثلث المائة، و عن الثالث بكونه خمسة و سبعين بالمائة (1) و هكذا إلى الواحد بالمائة، فكان هذا- أعني الواحد بالمائة- آخر ميزان الاحتمال عندهم، على وجه لو كان احتمال الخطر واحداً في ألف أو في مليون لم يكن احتمالًا عندهم.

و لعلّ هذا الميزان مقصور عندهم في دوران الأمر بين المحذورين، كما في العمليات الجراحية التي يكون المريض أو وليّه مردّداً بين الإقدام عليها و فيها خطر الموت، أو تركها و فيه أيضاً خطر الموت، بل لعلّ ذلك من قبيل احتمال التخلّص من الموت، نظراً إلى أنّه لو ترك العملية يكون واقعاً في الموت لا

____________

(1) [الأنسب بسياق العبارة أن يقال: خمسة و عشرين بالمائة، و الأمر سهل‏].

195

محالة، و حينئذٍ يكون الإقدام على العملية راجحاً في نظرهم- بل لعلّه واجب شرعاً- حتّى لو كان من قبيل الواحد بالمائة.

و على كلّ حال، لا بدّ للطبيب القائل بأنّ احتمال النجاح بالمائة تسعون مثلًا مستنداً إلى استقراء، بأن يكون هناك إحصاء طبّي استقرائي قد وقع على مثل هذه العملية في مائة شخص، فكان الناجح فيهم تسعين بالمائة و الهالك عشرة، لكن هذا لا أصل له على الظاهر، و لو كان له أصل فهو لا يقبل النزاع، فإنّك ترى أنّ أحدهم يقول في قضية واحدة إنّ النجاح بالمائة تسعون، و آخر يقول إنّه بالمائة ستّون و هكذا، بل الظاهر أنّ هذه التعبيرات تسامحية حتّى كان الطبيب يرى وجوه الاحتمالات في القضية مائة، و يرى أنّ تسعين منها نجاح تنزيلًا لقوّة الاحتمال و ضعفه منزلة عدد وجوه الاحتمالات.

و على كلّ حال، فإنّ هذا الميزان- أعني المائة- إنّما هو في العمليات و نحوها ممّا يدور الأمر فيها بين المحذورين، و حينئذٍ يختار الشخص ما هو أكثر احتمالًا للنجاح، و هكذا الحال في مسائل مجرّد النفع من دون مقابلة للضرر، بل من باب الإقدام على النفع المحتمل في قبال عدم النفع، أمّا في قبال الضرر المحتمل في قبال عدم الضرر كما في الإقدام على ما يحتمل فيه السمّ، بأنّ علم وجوده إجمالًا في أوانٍ كثيرة، أو الإقدام على ما يحتمل فيه العقوبة الأُخروية، فالمسألة تحتاج إلى مقياس أعلى حتّى عند العقلاء.

و من ذلك يظهر لك أنّا لو سلّمنا قيام الدليل الشرعي على إمضاء تلك الطريقة العقلائية مثل الإجماع أو الروايات، لا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن ممّا يجري عليه العقلاء في محتملات الضرر بالنسبة إلى قلّة الاحتمالات و كثرتها.

ثمّ لا يخفى أنّ هذا المطلب- أعني بناء العقلاء على إلغاء احتمال الخطر في‏

196

مورد ضعف الاحتمال الواحد في ضمن الاحتمالات الكثيرة- لو تمّ إمضاء الشارع له يكون من قبيل الأمارة العقلائية على عدم التكليف في مورد ذلك الاحتمال الضعيف الممضاة من جانب الشارع، و معها لا يحتاج إلى أصالة البراءة و نحوها من الأُصول النافية، بل كان كسائر الأمارات حاكماً على الأصل في موردها حتّى لو كان ممّا لا يجري فيه الأصل النافي، كما في الشبهة في المضاف في الأطراف غير المحصورة، بل حتّى لو كان المورد من قبيل الدماء و الفروج ممّا تكون الشبهة فيها في حدّ نفسها مورداً للأصل الموجب للاحتياط، مثل اشتباه المحرّم نكاحها في أطراف غير محصورة، بل حتّى لو كان المورد ممّا يجري [فيه‏] الأصل الموضوعي المنقّح للتحريم، مثل الشبهة الموضوعية في التذكية التي هي مجرى أصالة عدم التذكية كما تضمّنته بعض روايات‏ (1) المسألة.

بل إنّ هذا الحكم- و هو جواز الإقدام على أحد الأطراف استناداً إلى ضعف الاحتمال- يكون مقدّماً على جميع هذه الأُصول الجارية في مورد حتّى لو لم نقل بأنّه من سنخ الأمارات، بل قلنا إنّه من سنخ الأُصول العملية، و ذلك لما يستفاد من أدلّته من التقديم المذكور، إمّا لأجل التنصيص في بعضها كما عرفت من موارد أصالة عدم التذكية، و إمّا لأجل أنّ لسان أدلّته لسان عدم الاعتناء بالاحتمال الموجب للتوقّف في المسألة. و على أي حال، لا يكون هذا الحكم إلّا حكماً ظاهرياً يترتّب الأثر على خلافه لو انكشف الخطأ فيه.

و من ذلك كلّه يظهر لك الخطأ فيما علّقناه في الدورة السابقة على قوله:

و أمّا الوجه الثاني الخ من الحاشية المفصّلة (2)، و ينبغي الضرب عليها، لكنّي أبقيتها

____________

(1) يأتي ذكرها في الصفحة: 200- 201.

(2) و هي الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 165 و ما بعدها.

197

للمراجعة تشريحاً للذهن في مراجعتها، سيّما ما حرّرناه‏ (1) في توجيه ما أفاده المرحوم الحاج آغا رضا الهمداني (قدس سره) و جوابه، فراجعه فإنّه لا يخلو من فائدة.

قال المرحوم الحاج آقا رضا الهمداني (قدس سره) في الحاشية على قول المصنّف (قدس سره) في الرسائل: هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ الخ ما هذا لفظه: هذا على تقدير تفسير الشبهة الغير المحصورة بما كثرت أفراد الشبهة بحيث يعسر عدّها، أو يكون احتمال مصادفة كلّ واحد من أطراف الشبهة للحرام المعلوم بالاجمال موهوماً في الغاية، أو غير ذلك ممّا ستسمعه، فيكون تسمية الشبهة غير محصورة على جميع تلك التفاسير مبنية على المسامحة، و إقامة الدليل على جواز ارتكابها على جميع تلك التفاسير لا يخلو عن إشكال.

و الحقّ أن يقال في تفسيرها: الشبهة الغير المحصورة هي ما لم تكن أطرافها محدودة مضبوطة غير قابلة للزيادة و النقصان، و المحصورة ما كانت كذلك، فلو علم مثلًا بحرمة شاة من قطيع غنم محدودة معيّنة، بحيث لو سئل عن الحرام لجعله مردّداً بين آحاد تلك القطيع، فيقول: هذا أو هذا أو ذاك إلى آخرها، لكانت الشبهة محصورة، سواء قلّت أطراف الشبهة أم كثرت، و لكن الغالب مع كثرة أطرافها أن يكون بعضها خارجاً عن مورد ابتلائه، فلا يجب الاجتناب فيها لذلك، لا لكونها غير محصورة.

و هذا بخلاف ما لو علم بأنّ ما يرعاه هذا الراعي بعضها موطوءة و لكن لم يكن له إحاطة بجميع ما يرعاه (هذا الراعي) ممّا هو من أطراف الشبهة، فليس له حينئذ جعل الحرام مردّداً بين آحاد معيّنة، بل لو سئل عن حال كلّ فرد لأجاب بأنّ هذا إمّا حرام أو الحرام غيره ممّا يرعاه هذا الراعي على سبيل الإجمال، من غير أن‏

____________

(1) في الصفحة: 180 و ما بعدها.

198

يكون له إحاطة بأطراف الشبهة، فحينئذ لا يجب عليه الاجتناب عن كلّ ما يحيط به من الأطراف، حيث إنّه يحتمل أن يكون الحرام فرداً آخر غير ما أحاط به، إذ الأصل فيما أحاط به في مثل الفرض سليم عن المعارض، فإنّه لا يعارضه أصالة عدم حرمة غيره، إذ لا أثر لهذا الأصل ما لم يحرز أنّ ذلك الذي يمكن أن يكون طرفاً للشبهة ممّا يعلمه و يبتلى به، فعمدة المستند لجواز ارتكاب الشبهة الغير المحصورة بناءً على هذا التفسير الذي هو في الحقيقة إبقاء للفظ على حقيقته، إنّما هي سلامة الأصل فيما أحاط به من الأطراف عن المعارض، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين قلّة الأطراف و كثرتها، فلو دخل في قرية مثلًا و علم إجمالًا بأنّ واحداً ممّن يبيع الطعام في هذه القرية أمواله محرّمة، و أطراف مثل هذه الشبهة عادة لا تتجاوز عن العشرة، فإن أحاط بجميع من يبيع الطعام فيها كانت الشبهة محصورة، و إن أحاط بعدّة منهم و لم يعلم بانحصارهم فيه، كانت الشبهة غير محصورة. و في العبارة المتقدّمة عن صاحب الحدائق في صدر المبحث إشارة إلى ما اخترناه من التفسير، فلاحظ و تدبّر (1).

و قال المرحوم الحاج آقا رضا الهمداني (قدس سره) أيضاً في كتاب الصلاة عند الكلام على مسجد الجبهة: و قد بيّنا في محلّه أنّ الأشبه بالقواعد تحديد المحصور بما إذا كان أطراف الشبهة أُموراً معيّنة مضبوطة، بأن يكون الحرام المشتبه مردّداً بين أن يكون هذا أو هذا أو هذا و هكذا، بحيث يكون إجراء أصالة الحل و الطهارة في كلّ منها معارضاً بجريانها فيما عداه. و غير المحصور ما لا إحاطة بأطراف الشبهة على وجه يجعل الحرام مردّداً بين هذا و هذا و هذا، كما لو علم إجمالًا بحرمة أموال بعض التجّار الذي في بلده، و لم يعلم بانحصارهم في‏

____________

(1) حاشية فرائد الأُصول: 227- 228.

199

من يعلمهم و يبتلى بمعاملتهم، فيكون حكم الشبهة الغير المحصورة- و هو جواز الارتكاب في أطرافها التي أحاط بها و أراد تناولها- بناءً على هذا التفسير على وفق الأصل السليم عن المعارض‏ (1). ثمّ ذكر بعض الضوابط، و منها ما كان كثرة المحتملات إلى حدّ يوهن احتمال مصادفة كلّ منها لذلك الحرام المعلوم بالاجمال بحيث لا يعتنى به لدى العقلاء، ثمّ قال: و لا يخفى عليك أنّ إثبات الرخصة في ارتكاب الشبهة على أغلب هذه التفاسير لا يخلو عن إشكال.

و لا يخفى أنّ الذي يظهر منه (قدس سره) في كتاب الطهارة هو الاعتماد على هذا الضابط، أعني كون الكثرة موجبة لضعف الاحتمال. نعم في آخر المبحث قال:

و يمكن أن يفرّق بين الشبهة المحصورة و غيرها ببيان آخر ربما يلوح من كلام صاحب الحدائق في عبارته المتقدّمة، و هو أنّه إذا كان الحرام المحتمل مردّداً بين أُمور معيّنة الخ‏ (2)، و هذا هو عين ما أفاده في كتاب الصلاة و في حاشيته على الرسائل، هذا.

و لكنّه في أحكام الخلوة ذكر ما لو تردّدت القبلة بين الجهات مطلقاً بحيث أيّ جهة تفرض احتمل كونها قبلة، فالظاهر كونها من الشبهة الغير المحصورة التي قام النصّ و الإجماع على عدم وجوب الاحتياط فيها، كما تقدّمت الاشارة إليه في مبحث الاناءين، و قد أشرنا في ذلك المبحث إلى ما يظهر منه كون مثل الفرض من الشبهة الغير المحصورة، فراجع‏ (3).

و لا يخفى أنّ كلًا من الضابطين اللذين ذكرهما في ذلك المبحث لا ينطبق‏

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) 11: 206.

(2) مصباح الفقيه (الطهارة) 1: 256.

(3) مصباح الفقيه (الطهارة) 2: 58.

200

على مسألة جهات القبلة، المفروض أنّها منحصرة في الدائرة المحيطة ببدن الشخص، التي لا يكون محيطها زائداً على مقدار ما يساوي سبعة من مساحة عرض بدنه أو أقل من ذلك، اللهمّ إلّا أن يريد بذلك الوجه الثاني ممّا فرّق به بينها و بين المحصورة و هو خروج بعض أطرافها عن الابتلاء، بدعوى أنّ بعض الجهات هنا بالنسبة إلى الخلوة خارجة عن الابتلاء، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى الوجه الذي أفاده في الحاشية و في كتاب الصلاة أنّ الأصل في الأطراف لو كان غير ترخيصي كما في شبهة المضاف و كما في شبهة عدم التذكية، لكان مقتضى القاعدة هو التوقّف، و صريح الرواية في السمن بل في اللحم في قوله (عليه السلام) «فأشتري اللحم» (1) خلاف ذلك، و اليد غير محكّمة، لأنّ‏

____________

(1) كتاب المآكل من محاسن البرقي في باب الجبن ص 495/ ح 597 عنه عن أبيه عن محمّد بن سنان عن أبي الجارود قال «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن و قلت له: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة؟ فقال: أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين، إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكل، و إن لم تعلم فاشتر و بع و كل، و اللَّه إنّي لأعترض السوق فأشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و اللَّه ما أظن كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان» الخبر في الحدائق الناضرة 1: 509 [مع اختلاف يسير. راجع وسائل الشيعة 25: 119/ أبواب الأطعمة المباحة ب 61 ح 5].

الضمير في «عنه» راجع إلى أحمد بن أبي عبد اللَّه البرقي عن أبيه محمّد بن خالد البرقي.

موثّقة حنّان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) «في جدي رضع من خنزيرة حتّى شبّ و اشتدّ عظمه استفحله رجل في غنم له فخرج له نسل ما تقول بنسله؟ فقال (عليه السلام): أمّا ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، و أمّا ما لم تعرفه فإنّه بمنزلة الجبن» في الحدائق الناضرة 5: 284 في المسألة الرابعة من البحث الأوّل من المقصد الثاني من الباب الخامس في الطهارة من النجاسات [راجع وسائل الشيعة 24: 161/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 61 ح 1 (مع اختلاف)].

الجواهر 36: 283 في الأطعمة عند الكلام على حرمة نسل الحيوان الشارب لبن الخنزيرة: موثّق بشير بن سلمة عن أبي الحسن (عليه السلام) «في جدي يرضع من خنزيرة ثمّ ضرب في الغنم، فقال (عليه السلام): هو بمنزلة الجبن، فما عرفت أنّه ضَرْبه فلا تأكله، و ما لم تعرفه فكل» [راجع وسائل الشيعة 24: 162/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 61 ح 2].

صحيحة ضريس قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن و الجبن في أرض المشركين و الروم أ نأكله؟ فقال (عليه السلام): ما علمت أنّه خلطه الحرام فلا تأكله، و ما لم تعلم فكله حتّى تعلم أنّه حرام».

ذكرها في الحدائق في المقدّمات عند الكلام على الشبهة الغير المحصورة [راجع الحدائق الناضرة 1: 150، 141. و راجع أيضاً وسائل الشيعة 24: 235/ أبواب الأطعمة المحرّمة ب 64 ح 1 (مع اختلاف يسير)].

الرواية الأُولى و الرابعة عن أبي جعفر (عليه السلام) و إحداهما تعضد الأُخرى لاختلاف الراوي مع وحدة المروي عنه و تقارب مضمون المتن، و الثانية عن الصادق (عليه السلام)، و الثالثة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، و هما تشيران إلى أنّ مسألة الجبن معروفة لدى الرواة مسلّمة عندهم، فهما تعاضدان الأُولى و الرابعة، و هذا التعاضد يشعر بصحّة السند إلى الإمام (عليه السلام) و إن كان الراوي عنه في الأُولى أبا الجارود. فلا إشكال في الروايات من حيث السند، و حيث إنّها متعاضدة كان من اللازم توحيد الدلالة من حيث مضمون المتن، و إرجاع بعضها إلى بعض، فلاحظ و تأمّل [منه (قدس سره)‏].