أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
201

العلم الاجمالي يسقطها، إلّا أن يقال إنّ اليد لا تسقط كما لا تسقط أصالة الحل لو كانت هي المرجع، لأنّ اليد غير منحصرة بما أحاط به، فتأمّل.

لا يقال: إنّ هذا البناء العقلائي سواء جعلتموه من قبيل الأمارات أو جعلتموه من قبيل الأصل العملي، لا يمكنكم إعماله في كلّ واحد من الأطراف و لو على التدريج، لأنّ العلم بوجود التكليف بينها موجود، و هو بحكم العقل مانع‏

202

من المخالفة القطعية، فأنتم إمّا أن تلتزموا بإسقاط العلم المذكور بدعوى كونه في نظر العقلاء كالعدم، و هذا غير ممكن لأنّ حجّية العلم عقلية صرفة غير قابلة للتخصيص، و لا محصّل لبناء العقلاء و السيرة العقلائية في الأحكام العقلية الصرفة، و إلّا لسهل الأمر في مثل قطع القطّاع و نحوه.

و إمّا أن تلتزموا بجريان هذا البناء العقلائي في البعض دون البعض، و حينئذٍ يحصل التعارض و التساقط حتّى لو جعلتموه من قبيل الأمارات، إذ لا ريب في أنّه لو قامت بيّنة مثلًا على طهارة هذا الطرف من أطراف العلم الاجمالي، و قامت بيّنة أُخرى على طهارة ذلك الطرف و هكذا، و أنت تعلم إجمالًا بوجود النجس بينها، كنت مضطراً إلى إجراء التعارض في تلك البيّنات، و حيث لا مرجّح كما هو المفروض في المقام، ينتهي الأمر إلى التساقط.

لأنّا نقول: إنّ الأمر كما ذكرت، إلّا أنّه لمّا قام الإجماع و الروايات على الترخيص الذي هو عبارة أُخرى عن إمضاء ذلك البناء العقلائي، و قام الدليل العقلي على عدم إجراء ذلك في تمام الأطراف و لو على سبيل التدريج، لما ذكرتموه من المانع العقلي من ناحية العلم الموجود وجداناً، كان من الضروري هو حصر ما دلّ على الترخيص في البعض دون البعض، و حيث إنّ الترخيص نصّ في ارتكاب بعض الأطراف، لا أنّه عام مثل دليل البيّنة أو سائر الأُصول العملية كي يرجع الأمر إلى التعارض و التساقط، تعيّن القول بالترخيص في البعض على نحو التخيير، فإنّ كلّ واحد من الأطراف و إن كان صالحاً لانطباق دليل الترخيص المذكور عليه، و لازم ذلك هو التعارض و التساقط، إلّا أنّا في المقام لا يمكننا الالتزام بالتعارض، لأنّه موجب للغوية ذلك الترخيص، لما عرفت من كونه مختصّاً بالشبهة غير المحصورة.

203

و هذا لا إشكال فيه بناءً على أنّ الموجب للموافقة القطعية هو التعارض، و أنّ الترخيص في بعضها لا يحتاج إلى جعل البدل، سواء قلنا بكون ذلك البناء العقلائي من قبيل الأمارات، أو قلنا بأنّه من قبيل الأصل العملي. و كذا لا إشكال فيه بناءً على كون العلم علّة تامّة في الموافقة القطعية، لو قلنا بكون ذلك البناء العقلائي من قبيل الأمارات لأنّه من قبيل جعل البدل، و أمّا بناءً على كونه أصلًا فالظاهر أنّه لا إشكال أيضاً فيه، لأنّ الإشكال إنّما يكون في الأُصول العامّة، أمّا لو نصّ الشارع على إعمال الأصل الخاصّ في طرف من أطراف العلم الاجمالي، فلازمه أيضاً جعل البدل، فلا ينبغي الإشكال فيه حتّى على هذا القول، فلاحظ و تأمّل.

و حاصله: أنّه لو كان الأصل عاماً كان جريانه في هذا الطرف موقوفاً على جعل البدل، و إذا توقّف شمول العام لفرد على إعمال عناية، لا يحكم بتلك العناية بل يحكم بعدم الشمول إلّا بالأصل المثبت، بأن نقول نجري عموم البراءة في هذا الطرف، و جريان البراءة مستلزم لجعل البدل، فعن البراءة في هذا الطرف ننتقل إلى لازمه و هو بدلية الطرف الآخر لا عن العموم، و هو معنى الأصل المثبت.

و هذا لا يجري فيما نحن فيه، لأنّ المفروض أنّ الترخيص في بعض الأطراف وارد فيه بخصوصه لا بدليل [عام‏]، و مقتضى هذا الترخيص الالتزام بلازمه و هو جعل البدل، و إلّا لكان الترخيص فيه لغواً، أو ممتنعاً لكونه مناقضاً لما يقتضيه العلم إذا كان مجرّداً من جعل البدل.

ثمّ لا يخفى أنّ ضعف الاحتمال في بعض الأطراف بواسطة كثرة الاحتمالات لو سلّمنا أنّه يوجب الظنّ بعدمه في ذلك البعض، فليس هو في تمام الأطراف، بل إنّما هو في عدد خاصّ يكون الاحتمال فيها ضعيفاً بالقياس إلى‏

204

الباقي، مثل واحد في ضمن أُلوف مثلًا، أو عشرة في ضمن ملايين. نعم هذا المقدار من العدد صالح لأن يطبّقه المكلّف على أي شاء من تلك الأطراف، و أيّاً منها طبّقه عليه يكون التكليف فيه مظنون العدم، و لعلّ هذا هو مراد الأُستاذ صاحب المقالة فيما تقدّم من نقل عبارتها (1).

و بتقريب آخر: أنّ ضعف الاحتمال و الظنّ بالعدم في كلّ واحد واحد يستمرّ إلى أن يزيد العدد و يبلغ النصف أو أكثر بكثير، يلتفت الإنسان إلى ما مرّ من الآحاد التي مرّت عليه و استضعف الاحتمال فيها، فينقلب حاله بالنسبة إليها من الظنّ بالعدم في كلّ واحد منها إلى الظنّ بالوجود بالجملة فيها، لأنّ الباقي عنده من الأعداد يكون ظنّه فيها ضعيفاً، و لازمه انقلاب ما مرّ عليه من الظنّ بالعدم إلى الظنّ بالوجود.

و بالجملة: هو لا يبقى على الظنّ بالعدم إلى أن يستوفي تمام الأعداد، ليكون ذلك من باب الظنّ بالسالبة الكلّية، بل عند بقاء القليل ينقلب حاله بالنسبة إلى ما مرّ من الظنّ بالعدم إلى الظنّ بالوجود، فلا يحصل له الظنّ حينئذ بالسالبة الكلّية.

و الحاصل: أنّ هذه السالبة الكلّية المدّعى كونها مظنونة، إن كانت دفعية فلا إشكال في أنّها ليست كذلك، لأنّ الظنّ بالعدم دفعة إنّما هو في مقدار عدد خاصّ من تلك الأطراف يكون احتمال التكليف فيها ضعيفاً، فيكون عدمه فيها مظنوناً، غايته أنّه على نحو التبادل، فأقصى ما في البين هو الظنّ بالسالبة الجزئية، غايته أنّه على نحو التبادل. و إن كانت تدريجية، فهو- أعني الظنّ بالعدم في كلّ واحد من الأطراف على نحو التدريج- إنّما يتمّ و يتمشّى إلى حدّ خاصّ، و هو المقدار

____________

(1) في الصفحة: 185.

205

القليل، ثمّ إذا استمرّ التعداد و وصل إلى مقدار النصف و نظر إلى ما تقدّم ممّا حصل له الظنّ بالعدم فيه من الأطراف، يتبدّل الظنّ بالعدم فيه إلى خلافه، و هكذا إلى أن يحصل له الظنّ فيما تقدّم بالوجود، فأين السالبة الكلّية المظنونة التي هي ليست إلّا اجتماع كلّ واحد من تلك الأعدام و الظنّ فيها أجمع بالعدم، فلاحظ و تأمّل.

و على أي حال، فلو قلنا بأنّ الضعف يوجب الظنّ بالعدم يكون ذلك من باب الأمارات الظنّية، و يتأتّى فيه ما تقدّم من كون النتيجة هي التخيير في إعمال تلك الأمارة في ذلك المقدار من العدد الذي يكون الاحتمال فيه ضعيفاً بالقياس إلى البواقي، لا إعمالها في جميع الأطراف.

و الذي تلخّص لنا في هذه الدورة بعد الإشكال على ما أفاده شيخنا (قدس سره)، و بعد بيان أنّ ما أفاده الحاج آغا رضا (قدس سره) لا يتمّ إلّا على كون المدرك في التنجيز هو تعارض الأُصول، بخلاف ما لو قلنا إنّ المنجّز هو العلم، و بعد بيان ما أفاده الشيخ (قدس سره) و إرجاع ما أفاده الأُستاذ العراقي (قدس سره) إليه، و أنّه يحتاج إلى الدليل الخاصّ مثل السيرة أو الإجماع أو الروايات، فلو تمّت فهو المطلوب، و إلّا كان المتعيّن هو ما أفاده العلّامة الخراساني (قدس سره) في الكفاية (1) من عدم الأثر لعدم الحصر، إلّا إذا رجع إلى العسر و الحرج، أو الخروج عن الابتلاء و نحو ذلك ممّا هو من مسقطات العلم الاجمالي عن التأثير. و لو كان في البين إجماع أو كان مورداً لبعض الروايات، فالقدر المتيقّن إنّما هو فيما يكون راجعاً إلى إحدى المسقطات دون مجرّد عدم الحصر، فلاحظ و تأمّل. مضافاً إلى ما قد عرفت من أنّ الروايات لا يمكن الاستدلال [بها]، لما ذكره المرحوم الحاج آغا رضا من كون روايات الجبن واردة مورد التقية، إذ لا إشكال عندنا في حلّية الإنفحة. و أمّا روايات‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 359 و 362.

206

الجدي الشارب لبن الخنزيرة فلما عرفت من أنّ ظاهرها الشبهة المحصورة، فتكون مقصورة على خصوص المورد، هذا.

و لكن الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته‏ (1) أتمّ المطلب بدعوى بناء العقلاء على إلغاء الاحتمال في كلّ واحد من الأطراف و تعيّنه في غيره، و بعد إثبات حجّية هذا البناء العقلائي و لو بأصالة عدم الردع عنه، يكون مرجعه إلى جعل البدل، و لكن العمدة في تحقّق هذا البناء العقلائي، فلاحظ و تأمّل.

و لا يخفى أنّه لو تمّ هذا البناء العقلائي لم يكن مقتضاه إبقاء الواحد الذي هو بمقدار المعلوم بالاجمال، بل الظاهر أنّ البناء العقلائي على عدم التكليف في هذا الطرف الذي يكون محصّله هو البناء العقلائي على وجوده فيما عداه من الأطراف مختصّ بالأطراف التي لم يرتكبها، و حينئذٍ يكون الحاصل هو البناء على ذلك إلى حدّ يخرج الاحتمال عن الضعف، فيلزمه الاجتناب حينئذ عن الباقي و إن كان كثيراً، فلاحظ و تأمّل.

قوله (قدس سره): تذييل‏- إلى قوله- و كان شيخنا الأُستاذ (مدّ ظلّه) يميل إلى سقوط حكم الشبهة أيضاً (2).

و قد ذكر ذلك في وسيلته طبع النجف في المسألة العاشرة (3).

و لكن مسلكه (قدس سره) في سقوط العلم الاجمالي عند كون الشبهة غير محصورة لا يوجب سقوط حكم الشكّ و الرجوع إلى الأصل، اللهمّ إلّا أن يكون مبناه على ضعف الاحتمال، و يكون ما ذكره من سقوط حرمة المخالفة القطعية الموجب‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 242.

(2) فوائد الأُصول 4: 122.

(3) وسيلة النجاة: كح [لا يخفى أنّه قد رمز للصفحات الأُولى منها بالحروف‏].

207

لسقوط وجوب الموافقة القطعية برهاناً على ذلك الأمر الوجداني أعني ضعف الاحتمال، و كون العلم في غير المحصور بمنزلة العدم في أنظار العقلاء، فراجع ما شرحناه في هذه المسائل.

تنبيهان:

الأوّل: أنّه قد تلخّص أنّ في الشبهة غير المحصورة مبنيين،

أوّلهما: ضعف الاحتمال و بناء العقلاء الممضى من جانب الشارع على إلغاء احتمال وجود التكليف في بعض غير معيّن من الأطراف. الثاني: ما هو نقلناه عن المرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره) من احتمال وجود أطراف أُخر بحيث إنّه يوجب عدم العلم الاجمالي فيما أحاط به من الأطراف.

و هذان المبنيان بينهما عموم من وجه، إذ ربما اجتمعا بحيث كانت كثرة الأطراف موجبة لكلا الأمرين، و ربما وجد المبنى الأوّل دون الثاني، كما لو كانت الأطراف من الكثرة بالغة حد ضعف الاحتمال في بعضها، و إن كانت مضبوطة محصورة في أطراف كثيرة العدد و لو بالملايين. و ربما وجد الثاني دون الأوّل، كما لو كانت الأطراف المحصورة التي أحاط بها المكلّف قليلة العدد مثل طرفين أو ثلاثة، و لكنّه يحتمل وجود طرف آخر لها لم يحصل له العلم بوجوده فيما بينها.

الثاني: أنّه لو شكّ في كون الشبهة محصورة أو غير محصورة،

فعلى المبنى الأوّل لا إشكال في لزوم الاحتياط، للشكّ في وصول ضعف الاحتمال إلى حدّ يبني العقلاء على عدم التكليف في البعض، فيكون من قبيل الشكّ في قيام الأمارة أو الأصل العقلائي على الترخيص في بعض الأطراف.

أمّا على المبنى الثاني ففيه إشكال، لأنّ مرجع الشكّ في الحصر و عدمه بناءً على المبنى المذكور إلى الشكّ في وجود طرف آخر. و إن شئت قلت: إنّ مرجع‏

208

هذا المبنى إلى الشكّ في وجود أطراف أُخر، و هذا المعنى لا يقبل الشكّ، فالذي ينبغي أن يقال إنّه بناءً عليه لا يكون الحصر و عدمه قابلًا للشكّ، بل إنّ الشبهة حينئذ إمّا أن تكون معلومة الحصر، و إمّا أن تكون معلومة عدم الحصر. و لو سلّم جدلًا أنّها تكون محلّ الشكّ، كان مرجع الشكّ المتوهّم إلى الشكّ في تحقّق التكليف فيما أحاط به من الأطراف، فيرجع الأمر بالأخرة إلى عدم العلم الاجمالي فيما أحاط به من الأطراف.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما أفاده المرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره) بقوله على قول الشيخ (قدس سره): فإذا شكّ في كون الشبهة محصورة الخ‏ (1)، ما هذا لفظه: بناءً على ما اخترناه من الضابط، حاله حال ما لو شكّ في كون بعض الأطراف مورداً للابتلاء و عدمه، و قد تقدّم بعض الكلام فيه فراجع‏ (2). إذ قد عرفت أنّه بناءً على ما أفاده من الضابط على ما شرحناه في المقدّمات الثلاث، لا يكون عدم الحصر بالمعنى المزبور قابلًا للشكّ، فلاحظ و تأمّل.

قوله: و ما ينسب إلى المحقّق الخونساري ... الخ‏ (3).

يمكن أن يكون نظر هذا المحقّق إلى اعتبار نيّة الوجه، و أنّ الاحتياط بالتكرار مسقط لها، فإذا قلنا باعتبارها في العبادة حتّى في مورد عدم التمكّن منها، كان لازم ذلك هو سقوط التكليف بتلك العبادة في مورد العلم الاجمالي في الشبهة الوجوبية المردّدة بين العبادتين المتباينتين.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 273.

(2) حاشية فرائد الأُصول: 230.

(3) فوائد الأُصول 4: 124.

209

لكن الظاهر ممّا حرّره الشيخ (قدس سره)(1) و نقله من كلماته و كلمات صاحب القوانين هو أنّ نظرهم إلى ما حرّره الشيخ (قدس سره) و نقله شيخنا (قدس سره) من دعوى مدخلية العلم التفصيلي في التنجيز، و أنّ المعلوم بالاجمال غير صالح للبعث و التنجّز، فراجع و تأمّل.

قوله: ربما يتوهّم أنّ وجوب الاتيان بالمحتمل الآخر عند الاتيان بأحد المحتملين ممّا يقتضيه استصحاب بقاء التكليف ... الخ‏ (2).

الظاهر أنّ ما هو محلّ الكلام مقرون بتنجّز المعلوم بالاجمال، بأن كان قد علم بوجوب إحدى الصلاتين قبل الاتيان بإحداهما، أمّا لو كان قد أتى بإحداهما باعتقاد أنّها هي الواجبة ثمّ بعد فراغه منها حصل له العلم الاجمالي المذكور، فالظاهر سقوط أصالة الاشتغال في مثل ذلك، و انحصار المرجعية بالاستصحاب، و هل الجاري هو استصحاب انشغال ذمّته أو أنّ الجاري هو استصحاب الكلّي أو الفرد المردّد. و الحاصل: أنّ المنظور إليه هو الصورة الأُولى و هي صورة منجّزية العلم الاجمالي، دون الثانية، و حين إذ اتّضح ما هو محلّ الكلام فنقول بعونه تعالى:

إنّه بناءً على كون العلم الاجمالي علّة تامّة في وجوب الموافقة القطعية كما هو كذلك بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، لا يكون النزاع في الرجوع إلى استصحاب الاشتغال بمعنى استصحاب شغل الذمّة القاضي بلزوم الاتيان بالثانية من باب الاحتمال و الاشتغال بعد الاتيان بالأُولى إلّا علمياً صرفاً، إذ لا إشكال حينئذ في لزوم الاتيان بالثانية، و لكن هل الموجب لذلك هو مجرّد قاعدة

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 284- 286، 279- 280.

(2) فوائد الأُصول 4: 125.

210

الاشتغال الناشئة عن العلم الاجمالي، أو أنّ الموجب له هو مجرّد استصحاب الاشتغال.

نعم، لو ادّعي أنّ الاستصحاب يسوّغ الاتيان بالثانية بنيّة الجزم و الوجه على أنّها واجبة، يكون للنزاع حينئذ ثمرة عملية، و هي هل الموجب لذلك هو الاستصحاب فيصحّ إتيانها بداعي الأمر المحرز، أو أنّ الموجب له هو الاحتياط فلا يصحّ الاتيان بها إلّا بداعي الاحتمال، لكن ذلك مبني على الاستصحاب المثبت و لا نقول به، بل لا يقول به القائل بالاستصحاب هنا أيضاً، إلّا على دعوى خفاء الواسطة كما صنعه المحقّق الخراساني (قدس سره) فيما سيأتي من نقل كلامه.

أمّا لو قلنا بأنّ العلم الاجمالي لا يوجب إلّا حرمة المخالفة القطعية و إنّما يلزمنا بالموافقة الاحتمالية فراراً من المخالفة القطعية، فإنّه حينئذ يكون للنزاع المذكور ثمرة عملية ظاهرة، فإنّه بناءً على جريان الاستصحاب يجب الاتيان بالثانية بعد الأُولى، بخلاف ما لو بقينا نحن و العلم الاجمالي فإنّه حينئذ لا يجب الاتيان بها، لحصول الفرار عن المخالفة القطعية بالاتيان بالأُولى.

و اعلم أنّه لا فرق في سقوط الاستصحاب بناءً على لزوم الموافقة القطعية بين القول بكون العلم الاجمالي علّة تامّة في ذلك، و بين القول بكونه مقتضياً إلّا أنّه بعد تعارض الأُصول تكون الموافقة القطعية لازمة، إذ على أيّ حال يكون اللازم عقلًا هو الاتيان بالثانية بعنوان الاحتمال بعد الاتيان بالأُولى، فلا يكون لاستصحاب بقاء التكليف أثر عملي من هذه الجهة، إذ لا يغيّر شيئاً من حالنا إلّا إذا قلنا بحجّية الأصل المثبت، و أنّه بعد جريان الاستصحاب المذكور نحكم بأنّ الواجب هو الباقي، فنأتي به من باب إحراز وجوبه.

فظهر لك أنّه ينبغي سدّ باب الاستصحاب المذكور بناءً على القولين‏

211

المذكورين من هذه الجهة، أعني عدم ترتّب الأثر العملي عليه. مضافاً إلى ما أفاده شيخنا (قدس سره) فيما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

قوله: الأوّل: يعتبر في الاستصحاب أن يكون الشكّ راجعاً إلى بقاء الحادث، لا إلى أنّ الباقي هو الحادث ... الخ‏ (1).

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: و أمّا إذا كان الشكّ في أصل الحدوث و أنّ الحادث ما هو، لتردّده بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع الارتفاع، فلا يجري فيه الاستصحاب، بل لا معنى لجريان الاستصحاب فيه، لعدم كونه من قبيل الشكّ في بقاء الحادث، و إنّما هو من قبيل الشكّ في نفس الحادث ما هو، و هل هو الذي يكون مقطوع البقاء أو هو مقطوع الارتفاع.

و بالجملة: إذا كان الحادث مردّداً بين ما هو مقطوع البقاء و بين ما هو مقطوع الارتفاع، لا يصحّ أن يضاف الشكّ في البقاء إلى الشكّ في الحدوث و يجري الاستصحاب بالنظر إلى الشكّ في البقاء، إذ ليس الشكّ في البقاء في مثل ذلك إلّا عين الشكّ في الحدوث، بل في الحقيقة لم يكن البقاء متعلّق الشكّ، و إنّما تعلّق الشكّ بأنّ هذا الذي يبقى على تقدير كونه هو الحادث هل هو الحادث، و يكون الشكّ شكّاً في حدوث ما يبقى لا في بقاء ما حدث، فجعله من قبيل الشكّ في بقاء الحادث مغالطة نشأت من قلب الموضوع محمولًا و المحمول موضوعاً، فإنّ حقيقة القضية هي الشكّ في حدوث ما يبقى، فقلَبها المغالط إلى الشكّ في بقاء ما حدث، و محصّل الأُولى أنّ ما يبقى حادث أو لا، و محصّل الثانية أنّ ما حدث باقٍ أو لا، و بين القضيتين بون بعيد، و الثانية هي مورد الاستصحاب، و الأُولى ليست مورداً له، و هي المنطبقة على ما نحن فيه دون الأُخرى، انتهى.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 126.

212

و بالجملة: أنّه بعد العلم بارتفاع أحدهما لو كان هو الحادث، لا معنى لاستصحاب الفرد المردّد بينهما، إذ لم يكن الشكّ حينئذ شكّاً في البقاء، و إنّما هو شكّ في حدوث ما يبقى، ففي مثل ما نحن فيه أعني العلم بوجوب أحد الأمرين من الظهر و الجمعة، لو شكّ في الاتيان بهما، يمكن الرجوع إلى استصحاب وجوب ما حدث وجوبه، سواء كان هو الظهر أو الجمعة، و يكون هذا الاستصحاب حاكماً على أصالة الاشتغال، كما لو علم تفصيلًا بأنّه مكلّف بالظهر و شكّ في الاتيان بها، فإنّه مع قطع النظر عن الاستصحاب مورد لقاعدة الاشتغال، لكن استصحاب بقاء وجوب الظهر حاكم على أصالة الاشتغال. أمّا إذا كان ذلك بعد الاتيان بالظهر فيما نحن فيه، فإنّ استصحاب الفرد المردّد لا مورد له فيه، إذ ليس الشكّ في هذه الصورة شكّاً في البقاء، و إنّما هو شكّ في حدوث ما يبقى و هو صلاة الجمعة.

و لو أُغضي النظر عن هذه الجهة ففيه إشكال آخر، و هو أنّه إن أُريد من هذا الاستصحاب إثبات وجوب الجمعة، فهو مبني على الأصل المثبت، و إن أُريد منه مجرّد لزوم الاتيان بالباقي الذي هو صلاة الجمعة من باب احتمال أنّها هي ذلك الفرد المردّد، فهذا حاصل بالوجدان نظراً إلى أصالة الاشتغال، و يكون الأمر حينئذ من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان.

و هكذا الحال لو كان المستصحب هو بقاء الكلّي أعني القدر الجامع بينهما، فإنّه بعد فرض أنّه لا أثر للقدر الجامع في المقام، يتردّد الأمر بين أن يكون الغرض من استصحاب ذلك الكلّي هو إثبات وجوب الباقي فيكون الأصل حينئذ مثبتاً، أو يكون الغرض منه هو لزوم الاتيان بالباقي لاحتمال كون الكلّي كان حادثاً في ضمنه، فيؤتى به من باب احتمال كونه هو الحادث وجوبه، فيكون من قبيل‏

213

الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان، و سيأتي‏ (1) إن شاء اللَّه تعالى توضيحه في بيان كون حكم العقل بلزوم تفريغ الذمّة على نحوين: واقعي محصّله لزوم تفريغ الذمّة في قبال عدم التفريغ، و آخر ظاهري محصّله لزوم تحصيل العلم بالفراغ في قبال الاكتفاء بالفراغ الاحتمالي، و الثاني هو مورد قاعدة الاشتغال.

فالأصل إن كان مفاده هو هذا الأثر الثاني كان من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان، و إن كان مفاده هو إثبات بقاء اشتغال الذمّة كان حاكماً على قاعدة الاشتغال إن كان له مورد، بأن علم بوجوب الظهر و شكّ في الاتيان بها، أو علم بوجوب إحدى الفريضتين من الظهر و الجمعة و شكّ في الاتيان بهما، أمّا لو أنّه علم بذلك و قد أتى بالظهر مثلًا ثمّ أراد استصحاب ما وجب عليه، فلا مورد للاستصحاب المذكور، لما عرفت من أنّه لا معنى لاستصحاب الحادث المردّد، كما أنّه لا معنى لاستصحاب الكلّي هنا أيضاً، لعدم الأثر له. و إن أُريد بذلك الاستصحاب إثبات أنّ الباقي و هو صلاة الجمعة هو الواجب فهو مثبت، و إن أُريد مجرّد لزوم الاتيان بالجمعة لاحتمال أنّها هي الواجبة كان من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان.

قوله: فالأقوى أنّه لا فرق بين الشرائط و غيرها في وجوب الاحتياط عند الجهل بالموضوع و تردّده بين أُمور محصورة، فيجب تكرار الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة، أو في الثوبين المشتبهين عند اشتباه الطاهر بالنجس أو الحرير بغيره ... الخ‏ (2).

لو أبدل الحرير بغير المأكول كان أولى، لأنّ الحرير محرّم فيكون حاله حال‏

____________

(1) في الصفحة: 237 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 135.

214

الذهب و المغصوب في أنّ الشبهة المحصورة منه مانعة عقلًا من اللبس، فيلزمه الصلاة عارياً.

ثمّ إنّ هذا فيما لو تمكّن من الجمع بين الصلوات، أمّا مورد عدم التمكّن إلّا من البعض، فإن كان ذلك من قبيل العسر و الحرج الآتي من الجمع بين محتملات الوجوب، فإن كانت الأطراف تدريجية لزمه الاحتياط حتّى يبلغ العسر و الحرج فيسقط في الباقي، لأنّ الباقي إن كان هو الواجب الواقعي كان التكليف به حرجياً و إن كان الواجب غيره ممّا أتى به كان الباقي غير واجب. و إن لم تكن الأطراف تدريجية بل كانت دفعية، كما مرّ من مثال الصوم و الكون في المسجد تمام اليوم لزمه الاتيان بأحدهما، و أيّاً منها اختاره سقط الباقي و كان حاله حال الاضطرار إلى واحد غير معيّن في الشبهات التحريمية. هذا في الاضطرار الحرجي.

أمّا لو كان بالغاً حدّ عدم القدرة العقلية، كان حكمه التخيير و تبعيض الاحتياط من أوّل الأمر، من دون فرق بين التدريجيات و غيرها، لأنّ الحاكم بلزوم الاتيان بالطرفين هو العقل، و هو أيضاً حاكم بعدم لزوم الاتيان بهما في مورد عدم القدرة، و يكون نتيجة ذلك هو لزوم الاتيان بأحدهما فراراً من المخالفة القطعية.

أمّا لو كان ذلك من جهة عدم سعة الوقت، فإن كان لا قضاء له كما في صلاة الآيات غير الزلزلة، فالظاهر أنّ حكمه كذلك، أعني التخيير. أمّا ما يكون له القضاء كما في الصلوات اليومية، فلا إشكال في التخيير في الوقت و أنّه فعلًا يصلّي إلى إحدى الجهات، أو في أحد الثياب، و لكن هل يسقط عنه الاتيان بالباقي في خارج الوقت، أو أنّه يلزمه الاتيان بالباقي في خارجه؟ الظاهر الثاني، لأنّه فعلًا مكلّف بالصلاة إلى القبلة الواقعية أو مع اللباس الصحيح، و عدم تمكّنه من الجمع بين المحتملات في الوقت للحصول على ما هو مقدوره من القبلة

215

الواقعية أو مع اللباس الصحيح لا يلحقه بمن لم يتمكّن من تحصيل القبلة أو من لم يتمكّن في الوقت من الصلاة مع غير المتّخذ من غير المأكول، كي يكون ذلك مجزياً عن الاتيان بالباقي خارج الوقت، كما أفاده شيخنا (قدس سره) هنا بقوله: و قياس باب العلم و الجهل الخ‏ (1).

و بالجملة: أنّ ذلك ليس من قبيل سقوط شرطية القبلة أو سقوط مانعية ما لا يؤكل لحمه كما إذا انحصر لباسه فيه، فإنّ ذلك يسقط الشرطية بالنسبة إلى الساتر و يصلّي عارياً، و لا يمكننا القول بأنّه في صورة دوران اللباس بين ثوبين أحدهما ممّا لا يؤكل و قد ضاق الوقت إلّا عن صلاة واحدة، أنّه يصلّي عارياً، إذ الظاهر أنّ ذلك لا وجه له. و لو قلنا به لم يكن لنا بدّ من الاكتفاء به و عدم لزوم القضاء خارج الوقت، فالجمع بين الصلاة عارياً في مسألة اشتباه غير المأكول مع الالتزام بلزوم القضاء خارج الوقت كما يظهر من بعضهم ممّا لم يظهر له وجه، فراجع العروة و حواشيها في هذه المسألة (2) و تأمّل. هذا فيما لو كان من قبيل الاضطرار إلى غير المعيّن.

و أمّا لو كان إلى المعيّن بأن لم يتمكّن من الاتيان بواحد معيّن من طرفي العلم الاجمالي بالوجوب، فلا شبهة في سقوط التكليف المحتمل فيما اضطرّ إليه، و لكنّه هل يسقط العلم الاجمالي في الباقي فيما لو كان الاضطرار سابقاً على العلم الاجمالي أو كان مقارناً له، كما في الاضطرار إلى المعيّن في الشبهة التحريمية؟ الظاهر أنّه كذلك، كما لو رأى الشخص غريقين يعلم بأنّ أحدهما لا بعينه واجب الانقاذ، و كان الآخر غير واجب الانقاذ، و لكنّه لم يقدر على الشرقي‏

____________

(1) المصدر المتقدّم.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 356/ المسألة «47».

216

منهما لكونه بعيداً عنه مثلًا عند التفاته إليهما، بخلاف ما لو طرأ البعد الموجب لعدم القدرة بعد التفاته إليهما. و لو علم بوجوب إحدى الصلاتين الظهر أو الجمعة، و لكنّه كان عاجزاً عن الجمعة، فالظاهر لزوم الاتيان بالظهر مطلقاً، لكون التكليف المعلوم المردّد بينهما سابقاً على طروّ عدم القدرة. و كذلك الحال فيما لو علم بوجوب أحد الأمرين من جلسة الاستراحة و الاستعاذة، و اتّفق عدم قدرته على الأوّل منهما مثلًا، كان العلم الاجمالي المذكور ساقطاً في الآخر.

أمّا باب الشرائط و الموانع ففيه تفصيل، و هو أنّه لو لم يقدر على الصلاة إلى جهة معيّنة، لم يسقط عنه الصلاة إلى باقي الجهات، و لا يكتفي بصلاة واحدة، و لعلّ السرّ في ذلك هو تقدّم العلم بالتكليف في أمثال ذلك على طروّ الاضطرار.

و هكذا الحال في الثياب المتعدّدة المشتبهة بالنجس، و المفروض أنّه لا يقدر على الصلاة في واحد معيّن منها. و لو كانا ثوبين فقط و لم يقدر على الصلاة في أحدهما المعيّن فالظاهر أنّه كذلك، بل ربما قلنا إنّه تجري قاعدة الطهارة في الآخر، فيلزمه الصلاة فيه لا من باب العلم الاجمالي. و لو كان أحدهما ممّا لا يؤكل لحمه تردّد الباقي بين وجوب لبسه لاحتمال كونه ممّا يؤكل، و لزوم تركه لاحتمال كونه ممّا لا يؤكل، فيكون المقام بالنسبة إلى الباقي من قبيل الدوران بين الشرطية و المانعية، لكن أصالة البراءة من مانعيته الانحلالية توجب حلّ الشبهة و تلزمه بالصلاة فيه، فلاحظ و تدبّر.

و تفصيل الكلام في هذا المقام أن يقال: إنّه لو توجّه تكليف إلى الشخص باكرام عالم مثلًا على نحو العموم البدلي، و اتّفق أنّ مصداق العالم انحصر في أربعة أشخاص يعلم أنّ أحدهم لا بعينه عالم بخلاف الباقين، و اتّفق أيضاً أنّ ذلك الشخص لا يقدر على إكرام واحد معيّن من أُولئك الأربعة و هو زيد مثلًا، فإن كان‏

217

زيد هو العالم منهم سقط عنه التكليف باكرام عالم، لفرض انحصاره في هؤلاء الأربعة و فرض أنّ زيداً العالم منهم لا يقدر على إكرامه، و حينئذٍ يكون المقام من قبيل الشكّ في السقوط، ويتعيّن عليه بمقتضى علمه بوجوب إكرام عالم إكرام الباقين. و لا يكون المقام من قبيل الشكّ في التكليف، بدعوى عدم علمه بوجود العالم بين الثلاثة الباقين، و أنّه إن كان العالم منهم هو زيداً فهو غير مكلّف باكرامه، و أنّ كون العالم منهم غيره غير معلوم، فيكون حاله حال الاضطرار إلى ارتكاب واحد معيّن من موارد الشبهة المحصورة التحريمية.

و فيه: ما لا يخفى، للفرق الواضح بين مفروض المقام و بين مسألة الشبهة التحريمية، لما عرفت من أنّه في مفروض المقام قد علم تفصيلًا بأنّه يجب عليه الحصول على ما اشتغلت به ذمّته من إكرام عالم، و إنّما حصل التردّد بين الأربعة للعلم بانحصار العالم فيما بينهم، فيكون اضطراره إلى ترك إكرام زيد من قبيل الشكّ في السقوط، فيلزمه الحصول على إكرام الباقين، لاحتمال كون أحدهم عالماً، فهو نظير الشكّ في القدرة بالنسبة إلى الباقين الذي قد حقّق في محلّه لزوم الاحتياط، غايته أنّه في سائر الموارد يكون الاحتياط بلزوم الفحص، و في المقام يكون الاحتياط بلزوم إكرام الباقين و إن احتمل عدم وجود العالم بينهم، بل لو كان من أوّل الأمر قد علم بأنّه لا عالم غير هؤلاء الثلاثة و احتمل أن يكون أحد هؤلاء الثلاثة عالماً، لوجب عليه إكرامهم جميعاً، بل لو علم أنّه لا عالم أصلًا سوى أنّه احتمل أن يكون هذا الشخص عالماً، لوجب عليه إكرامه.

و نظير ذلك ما لو وجب عليه الوضوء و كان عنده مائع يحتمل كونه ماء مطلقاً و يحتمل أنّه مضاف، لوجب عليه الوضوء منه و إلحاقه بالتيمّم، قال السيّد (قدس سره) في العروة: مسألة 3: و الأولى الجمع بين التيمّم و الوضوء به. و قال‏

218

شيخنا (قدس سره) في الحاشية: بل هو الأحوط (1).

و هذا بخلاف الشبهة التحريمية، فإنّ انشغال الذمّة إنّما يتولّد من العلم بوجود النجس فيما بين الأواني الأربعة، فإذا اقترن ذلك بالاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف، و كان ذلك الاضطرار مقارناً للعلم الاجمالي أو سابقاً عليه، كان المقام بالنسبة إلى ما عدا ما اضطرّ إليه من قبيل الشكّ في التكليف.

و مثله ما لو علم بوجوب إكرام كلّ عالم على نحو العموم الانحلالي الاستغراقي و قد علم بوجود عالم بين هؤلاء الأربعة، و اقترن ذلك العلم بوجوده بينهم بعدم القدرة على إكرام واحد معيّن منهم و هو زيد، فإنّه بالنسبة إلى الباقين يكون من قبيل الشكّ في التكليف، فلا يلزمه فيهم الاحتياط.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ باب الشرائط مثل القبلة و طهارة اللباس و كونه ممّا يؤكل لحمه، أو كون ما لا يؤكل مانعاً، لو انحصر في أربعة و كان الطاهر أو الذي ليس ممّا لا يؤكل واحداً، مع فرض نجاسة الباقي أو كونه ممّا لا يؤكل، و اتّفق أنّه لا يقدر على واحد معيّن من ذلك، يكون من قبيل القسم الأوّل، أعني ما يكون المكلّف به واحداً من اللباس الطاهر أو واحداً من اللباس غير المأكول‏ (2) أو من الصلاة إلى القبلة، فإنّ اضطراره المذكور لا يسقط عنه التكليف بذلك الواحد، و يلزمه تكرار الصلاة إلى باقي الجهات و مع باقي الثياب، خروجاً عن عهدة قوله:

صلّ إلى القبلة أو البس الثوب الطاهر أو البس الثوب الذي ليس هو ممّا لا يؤكل.

نعم، هو في مثل طهارة الثوب و عدم كونه ممّا لا يؤكل يكتفي من الباقي‏

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 112.

(2) [الظاهر أنّه من سهو القلم، و الصحيح: «واحداً من اللباس المأكول» أو «واحداً من اللباس الذي ليس من غير المأكول»].

219

بواحد، استناداً إلى قاعدة الطهارة و أصالة البراءة من مانعية ذلك الثوب، و لا يعارضها بمثله في غيره ممّا قد اضطرّ إلى عدم لبسه، لأنّها لا أثر لها فيه، و ليس المنجّز هو العلم الاجمالي بينها، بل إنّ المنجّز هو علمه التفصيلي بوجوب الصلاة إلى القبلة، و بوجوب لبس الثوب الطاهر، أو الذي ليس ممّا لا يؤكل لحمه.

هذا ملخّص ما استفدته حسب فهمي القاصر ممّا أفاده المرحوم الحاج آغا رضا الهمداني (قدس سره) في صلاته في مبحث القبلة (1) من الفرق بين الشبهات التحريمية و ما نحن فيه من الشرائط، فراجعه لعلّك تفهم منه شيئاً آخر.

و لكنّ في النفس شيئاً من ذلك، فإنّه لو تمّ فإنّما يتمّ فيما لو كان الموجب للسقوط في الطرف المعيّن هو عدم القدرة عقلًا، لكونه من قبيل السقوط. أمّا لو كان من قبيل العسر و الحرج و نحوهما ممّا هو من حدود التكليف، و كان قد اتّفق وجود ذلك المانع قبل صدور التكليف، بأن كان الاستقبال مثلًا إلى هذه الجهة المعيّنة مشتملًا على العسر و الحرج و نحوهما قبل الوقت، و قد دخل عليه و توجّه إليه الأمر بالصلاة و هو على تلك الحال، فإنّ توجّه وجوب الاستقبال إليه في ذلك الحال يكون مشكوكاً من أوّل الأمر، لاحتمال انطباقه على تلك الجهة التي كان الاستقبال إليها حرجياً مثلًا، الموجب لعدم وجوب الاستقبال عليه لو كانت هي القبلة الواقعية، و حينئذٍ يكون الاستقبال مشكوك الوجوب، فلا يلزمه إلّا صلاة واحدة إلى أي جهة شاء، نظراً إلى أنّ الصلاة لا تسقط بحال، لكن هذا إنّما يظهر أثره في القبلة و نحوها ممّا لا يكون في البين أصل موضوعي منقّح للتكليف.

و مثله ما لو اشتبه الماء المطلق بين أوانٍ أربعة مثلًا و كان الوضوء من أحدها المعيّن متعذّراً عليه.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) 10: 101 و ما بعدها.

220

أمّا لو كان في البين أصل موضوعي كما عرفت من اشتباه الطاهر من اللباس أو ما يؤكل لحمه و قد تعذّر عليه الصلاة في أحدها المعيّن، فإنّ أصالة الطهارة أو البراءة من مانعية غير ما تعذّر عليه، تنقّح موضوع وجوب الصلاة فيه من دون حاجة إلى التكرار في تمام الباقي، فلاحظ و تأمّل.

ثمّ أساس ما أفاده هو الفرق بين مثل أكرم عالماً و مثل أكرم كلّ عالم، في أنّ وجود مصداق العالم في الثاني شرط في فعلية وجوب إكرامه، بخلاف الأوّل فإنّه يكون من قبيل المقدّمة الوجودية، و قال فيه: و من هذا القبيل ما لو قال الشارع:

يجب إكرام كلّ عالم من أهل البلد أو تجب الصلاة على كلّ ميّت مسلم أو نحو ذلك، فإنّ هذا النحو من التكاليف كلّها واجبات مشروطة بتحقّق موضوعاتها، فلو لم يعلم المكلّف بوجود عالم في البلد لا يتنجّز في حقّه التكليف، و لا يجب الفحص عنه ما لم يعلم بوجوده إجمالًا، و يرجع في موارد الشكّ إلى أصل البراءة، و مع العلم الاجمالي بوجود عالم مردّد بين أشخاص محصورة إلى قاعدة الاحتياط، بشرط أن يكون العلم الاجمالي صالحاً للتأثير لا مطلقاً، و هذا بخلاف ما لو تعلّق طلب مطلق باكرام عالم مثلًا، فإنّه يجب حينئذ الفحص عن مصداق العالم و الخروج عن عهدة التكليف بالموافقة القطعية مع الامكان، و إلّا فما هو الأقرب إليه فالأقرب، حتّى أنّه لو لم يوجد عالم و تمكّن من تعليم أحد بحيث اندرج في موضوع العالم من غير مشقّة رافعة للتكليف وجب عليه ذلك من باب المقدّمة، و هذا بخلاف الفرض الأوّل الذي جعل العالم فيه بنفسه موضوعاً لوجوب الاكرام، لا إكرامه من حيث هو متعلّقاً للطلب كي يكون تحصيل العالم من المقدّمات الوجودية للواجب المطلق كما في الفرض الثاني، فليتأمّل‏ (1)

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) 10: 102- 103 (مع اختلاف يسير).

221

و يمكن المناقشة في هذا الفرق، فإنّ الذات التي هي متعلّق الفعل المأمور به لا بدّ أن يكون وجودها الخارجي شرطاً في فعلية ذلك الوجوب، غايته أنّه في القضية الانحلالية الحقيقية يكون وجود كلّ شخص شرطاً في فعلية الحكم المتعلّق به، و في القضية التي يكون الموضوع فيها هو فرداً ما يكون وجود صرف الطبيعة شرطاً في فعلية أصل الحكم. و لعلّ ما أفاده من الفرق الذوقي بين الأُولى و الثانية في وجوب الفحص في الثانية دون الأُولى ناشٍ عن أنّ وجود صرف الطبيعة يكون غالباً معلوماً، فيكون تحقّق موضوع أصل الحكم معلوماً، و هذا المقدار من العلم يكون موجباً لتنجّز التكليف و توجّه المكلّف إلى الخروج عن عهدته و تطلّب مصداقه، ليتحقّق باكرامه الفراغ عمّا علم اشتغال ذمّته به، بخلاف القضية الأُولى التي يكون فيها كلّ مصداق موضوعاً مستقلًا للتكليف الخاصّ به.

و على أي حال، فإنّ ما التزم به من أنّه لو لم يوجد صرف الطبيعة من العالم و أمكن إيجاده بالتعليم وجب، لا يخلو من غرابة، و أساسه هو اعتقاد كون وجود العالم في مثل أكرم عالماً مقدّمة وجودية واجبة التحصيل من باب مقدّمة الواجب المطلق. و قد تقدّم الكلام‏ (1) على صورة الاضطرار إلى غير المعيّن في مسألة الشبهة الوجوبية عند الكلام على ذلك في الشبهة التحريمية، و نقلنا هناك ما قيل أو يمكن أن يقال، فراجع.

و على أي حال، فإنّي لم أجد في كلمات الشيخ (قدس سره) في مسألة العلم الاجمالي في الشبهات الوجوبية تعرّضا لمسألة الاضطرار إلى ترك بعض الأطراف المحتملة الوجوب، إلّا ما أفاده في آخر التنبيه الخامس الذي عقده للشبهة الوجوبية غير المحصورة، بعد أن اختار فيها لزوم الجري على طبق العلم‏

____________

(1) في الصفحة: 125 و ما بعدها.

222

الاجمالي إلى أن يبلغ العسر و الحرج، فإنّه قال هناك ما هذا لفظه:

و هذا الحكم مطّرد في كلّ مورد وجد المانع من الاتيان ببعض غير معيّن من المحتملات، و لو طرأ المانع من بعض معيّن منها، ففي الوجوب كما هو المشهور إشكال، من عدم العلم بوجود الواجب بين الباقي، و الأصل البراءة (1). و هل نظره في ذلك إلى طروّ الاضطرار بعد العلم، أو إلى طروّه قبله، فيه تأمّل و إشكال.

قال المحقّق الآشتياني (قدس سره)- بعد أن نقّح عدم الفرق بين الشبهة الوجوبية و التحريمية في موارد الاضطرار-: فما عن المشهور في الكتاب و إن لم نتحقّقه من إطلاق القول بوجوب الاحتياط فيما طرأ المانع عن المعيّن لا وجه له، كالإشكال فيه عن شيخنا (قدس سره)، إلّا أن يحمل كلامهم على طروّ المانع بعد العلم الاجمالي‏ (2) فلاحظ كلماته من أوّلها إلى آخرها، و راجع كلمات المرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره) في حاشيته‏ (3) المفصّلة التي كتبها على هذا المقام من كلام الشيخ (قدس سره)، فإنّه قد حرّر فيها ما حرّره في مبحث القبلة من كتاب الصلاة و زاد في آخرها ما يظهر منه التفصيل بين ما لو طرأ التعذّر قبل العلم الاجمالي، و ما لو طرأ بعده و بعد مضي مقدار من الوقت يمكنه فيه الأداء، فلاحظ و تأمّل. و ينبغي ملاحظة الجزء الثاني من المستمسك في مبحث القبلة ص 128 (4)، و قد نقلناه فيما تقدّم في أواخر

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 309.

(2) بحر الفوائد 2: 147.

(3) حاشية فرائد الأُصول: 240.

(4) مستمسك العروة الوثقى 5: 202، و قد نقل المصنّف (قدس سره) بعض عبارات هذه التعليقة في الصفحة: 129 و ربما يكون ما ذكره المصنّف (قدس سره) في الصفحة: 148 بقوله: أمّا هذه الجملة التي ذكرها ... الخ إشارة إلى هذه التعليقة.

223

الاضطرار إلى غير المعيّن في الشبهة التحريمية.

[بحث مختصر حول الشبهة الوجوبية غير المحصورة]

قوله‏ (1): و هذا بخلاف الشبهة الوجوبية، فإنّ المخالفة القطعية بترك جميع المحتملات بمكان من الامكان ... الخ‏ (2).

الذي ينبغي في الشبهة الوجوبية غير المحصورة هو النظر في ضابط عدم الحصر فيها، فإن كان هو بلوغ الأطراف من الكثرة على وجه يكون احتمال الانطباق على هذا الطرف ضعيفاً لا يعتني به العقلاء، بل يبنون على عدمه، كما لو اشتبه العالم الذي يجب إكرامه في أطراف كثيرة تعدّ بالملايين، كان العلم الاجمالي ساقطاً بالمرّة. و إن كان الضابط فيها هو عدم الحصر و الضبط على وجه أنّ أيّ عدد يحصل عليه يحتمل أنّ وراءه أشخاصاً أُخر هم من جملة الأطراف أيضاً، كان العلم الاجمالي أيضاً ساقطاً، لعدم العلم بوجود العالم فيما ضبطه من الأفراد. و إن كان الضابط هو العسر و الحرج في الحصول على الموافقة القطعية، كان اللازم هو الاحتياط و الجري على مقتضى العلم الاجمالي حتّى يبلغ العسر و الحرج، و هذا جارٍ حتّى لو لم تكن الأطراف كثيرة، بل كانت مردّدة بين طرفين أو ثلاثة و لكن لم يمكنه الجمع بينهما للعسر و الحرج أو لضيق الوقت، فإنّ مقتضى ذلك هو الاحتياط حتّى يتحقّق العذر المانع. نعم في الفعلين الدفعيين كما في مثال صوم اليوم المعيّن أو الكون في المسجد في تمام اليوم لو اتّفق أنّه لا يمكنه الجمع بينهما، فإنّه يكون في ذلك مخيّراً في ترك أحدهما و فعل الآخر من‏

____________

(1) [لا يخفى أنّ بين المتون التي حشّى عليها المصنّف (قدس سره) في هذه المباحث تقديماً و تأخيراً بحسب ترتيب الفوائد، و قد آثرنا نقلها هنا على ما وجدناها في الأصل المخطوط، فلاحظ].

(2) فوائد الأُصول 4: 142.

224

أوّل الأمر كما قد قدّمناه مراراً، فلاحظ و تأمّل.

قوله: الأمر الثاني: يظهر من الشيخ (قدس سره) التفصيل بين الشبهات البدوية و المقرونة بالعلم الاجمالي في كيفية النية ... الخ‏ (1).

قال الشيخ (قدس سره): التنبيه الثاني: أنّ النية في كلّ من الصلوات المتعدّدة على الوجه المتقدّم في مسألة الظهر و الجمعة، و حاصله: أنّه ينوي في كلّ منهما فعلها احتياطاً لاحراز الواجب الواقعي المردّد بينها و بين صاحبتها تقرّباً إلى اللَّه، على أن يكون القرب علّة للاحراز الذي جعل غاية للفعل، و يترتّب على هذا أنّه لا بدّ من أن يكون حين فعل أحدهما عازماً على فعل الآخر، إذ النيّة المذكورة لا تتحقّق بدون ذلك، فإنّ من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصداً لامتثال الواجب الواقعي على كلّ تقدير، نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقاً، و هذا غير كافٍ في العبادات المعلوم وقوع التعبّد بها. نعم، لو احتمل كون الشي‏ء عبادة- كغسل الجنابة إن احتمل الجنابة- اكتفى فيه بقصد الامتثال على تقدير تحقّق الأمر به، لكن ليس هنا تقدير آخر يراد منه التعبّد على ذلك التقدير، فغاية ما يمكن قصده هنا هو التعبّد على طريق الاحتمال، فهذا غاية ما يمكن قصده هنا، بخلاف ما نحن فيه ممّا علم فيه ثبوت التعبّد بأحد الأمرين، فإنّه لا بدّ فيه من الجزم بالتعبّد (2).

و قال فيما تقدّم من مسألة الظهر و الجمعة- في جواب قوله: إن قلت: إذا سقط قصد التعيين لعدم التمكّن فبأيّهما ينوي الوجوب و القربة- قلت: له في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 136.

(2) فرائد الأُصول 2: 303- 304 (جملة: فهذا غاية ما يمكن قصده هنا، لم ترد في بعض النسخ و منها النسخة المعتمد عليها في الاستخراج).

225

ذلك طريقان، أحدهما: أن ينوي بكلّ منهما الوجوب و القربة، لكونه بحكم العقل مأموراً بالاتيان بكلّ منهما. و ثانيهما: أن ينوي بكلّ منهما حصول الواجب به أو بصاحبه تقرّباً إلى اللَّه، فيفعل كلًا منهما فيحصل الواجب الواقعي، و تحصيله لوجوبه- إلى أن قال- بل يقصد (في كلّ منهما) أنّي أُصلّي الظهر لوجوب الأمر الواقعي المردّد بينه و بين الجمعة التي أُصلّيها بعد ذلك أو صلّيتها قبل ذلك الخ‏ (1).

و على كلّ حال، ليس مراد الشيخ (قدس سره) هو أنّه يأتي بكلّ منهما بداعي احتمال وجوبه كما في الشبهة البدوية، و أنّه يعتبر فيهما شي‏ء زائد على داعي الاحتمال في الشبهة البدوية، و هو أن يكون ناوياً للاتيان بطرفه بعده، بل مراده شي‏ء آخر هو أعلى من ذلك، و هو شعبة من اعتبار الجزم بالنية، و حاصله أنّه في الشبهة البدوية لا يكون في البين إلّا احتمال الأمر بذلك الفعل، فهو لا يمكنه إلّا أن يأتي به بداعي الامتثال الاحتمالي، و هذا بخلاف ما لو كان الأمر قطعياً و كان متعلّقه متردّداً بين الظهر و الجمعة مثلًا، فإنّ العلم بوجود الأمر بينهما و إن أوجب احتمال وجود الأمر بالظهر و احتمال وجود الأمر بالجمعة، و حينئذٍ يأتي بالظهر بداعي الامتثال الاحتمالي لاحتمال وجود الأمر بها، و يأتي بالجمعة بداعي الامتثال الاحتمالي لاحتمال وجود الأمر بها، كما إذا كان احتماله لكلّ منهما على نحو الشبهة البدوية، بحيث إنّه يحتمل وجود الأمرين معاً، و يحتمل عدمهما معاً، و يحتمل وجود أحدهما دون الآخر، فهو في هذه الصورة لا يمكنه الفعل إلّا بداعي الامتثال الاحتمالي، لكنّه في صورة العلم الاجمالي بوجود الأمر مردّداً بينهما يكون الأمر المذكور قطعياً، فيحتاج في امتثاله إلى الاتيان بداعي الامتثال القطعي، بأن يأتي بالظهر بداعي الامتثال القطعي لذلك الأمر القطعي، و هذا لا

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 289- 291.

226

يكون إلّا إذا كان ناوياً أن يأتي بكلّ منهما بحيث يكون الداعي له على الاتيان بهما هو الامتثال القطعي لذلك الأمر القطعي، فهو يأتي بالظهر ليكون الاتيان بها و بالجمعة بعدها امتثالًا قطعياً لذلك الأمر القطعي.

و بعبارة أُخرى: لا بدّ أن يكون المحرّك له و الباعث له على الفعلين هو حصول الامتثال القطعي و إن كان الامتثال في كلّ منهما احتمالياً، فإنّ ذلك لا ينافي لزوم الامتثال القطعي.

و إن شئت فقل: إنّ الأمر القطعي الموجود في الواقع يستدعي قصد امتثاله، بحيث يكون الداعي على العمل هو امتثال ذلك الأمر القطعي، فلا بدّ أن يتحرّك إلى الاثنين بداعي امتثال ذلك الأمر القطعي، فلو لم يكن قاصداً امتثال ذلك الأمر القطعي، بل كان قد أتى بالظهر فقط لعلّها أن تكون هي الواجبة واقعاً من دون قصد إلى الامتثال القطعي لذلك الأمر القطعي، و لم يكن من قصده أن يأتي بعدها بالجمعة، ثمّ بعد الفراغ منها تبيّن أنّها هي الواجبة لم يكن ذلك كافياً.

و هكذا الحال فيما لو كان قد أتى بها بداعي مجرّد الاحتمال، ثمّ أتى بالأُخرى كذلك، لم يكن ذلك كافياً مطلقاً حتّى لو كان في نيّته أنّه يفعل الثانية بعد الأُولى من باب مجرّد النيّة، لا من باب أنّه من أوّل الأمر قاصد للامتثال القطعي، بحيث إنّه لم يحرّكه على الاتيان بكلّ منهما إلّا مجرّد الاحتمال، من دون أن يكون قاصداً بهما الامتثال القطعي لذلك الأمر القطعي، بمعنى أنّه لم ينبعث عن ذلك الأمر القطعي، بل انبعث في كلّ منهما عن الأمر الاحتمالى فيها، لم يكن ذلك كافياً لأنّه لم يحصل منه من أوّل الأمر الجزم بالامتثال بالنسبة إلى ذلك الأمر المعلوم، غايته أنّه بعد الفراغ منهما يحصل له القطع بأنّه قد أتى بما هو متعلّق ذلك الأمر، لكن من دون تقدّم قصد جزمي إلى امتثاله و إطاعته.

227

و من ذلك يظهر لك أنّ كونه من أوّل الأمر ناوياً الاتيان بالثانية بعد الأُولى لازم أعمّ لما هو الواجب عليه، و هو الانبعاث القطعي عن ذلك الأمر القطعي، إذ لم يحصل بذلك إلّا مجرّد الانبعاث الاحتمالي عن الأمر الاحتمالي كما سيتّضح لك شرح ذلك إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

و بعبارة أُخرى: لا بدّ أن يقصد امتثال ذلك الأمر الواقعي الذي علمه، غايته أنّه عن قصده امتثال ذلك الأمر الواقعي يترشّح قصد هذه لاحتمال كونها هي التي تعلّق بها ذلك الأمر ثمّ قصده لتلك لاحتمال كونها هي التي تعلّق بها الأمر، و يكون الأصل في القصد هو قصد الامتثال القطعي لذلك الأمر القطعي، و بدونه لا يحصل الجزم بالامتثال بالنسبة إلى ذلك الأمر الواقعي بمعنى أنّه لم ينبعث عن ذلك الأمر، بل إنّما انبعث إلى هذه عن احتمال وجود أمر بها، و إلى تلك عن احتمال وجود أمر بها، و هذا وحده إنّما يكفي فيما لم يكن له علم بوجود أمر واقعي يبعثه فعلًا إلى امتثال نفسه.

و قد أجاب عنه شيخنا (قدس سره) فيما حرّره عنه السيّد سلّمه اللَّه بقوله: فإنّ الانبعاث في محلّ البحث لا يمكن أن يكون عن شخص الأمر على كلّ تقدير، ضرورة أنّ كلّ تكليف إنّما يدعو إلى متعلّقه دون غيره، فالاتيان بمجموع الأطراف لا يمكن أن يكون بدعوة الأمر المعلوم بالضرورة، و أمّا الاتيان بكلّ واحد واحد منها فهو أيضاً من جهة عدم العلم بتعلّق التكليف به، لا يمكن أن يكون بداعويته، فلم يبق إلّا التنزّل إلى الانبعاث عن احتماله في كلّ طرف، من دون أن يكون الامتثال في بعض الأطراف مرتبطاً به في الطرف الآخر. نعم عدم قصد الامتثال اليقيني من أوّل الأمر فضلًا عن قصد العدم نوع من التجرّي بعد

____________

(1) في الصفحة: 233- 234.

228

الفراغ عن تنجيز العلم الاجمالي، لكنّه أجنبي عمّا هو محطّ كلامه (قدس سره)(1). و إلى ذلك أشار في هذا التحرير بقوله: و ليس المحتملان بمنزلة فعل واحد مرتبط الاجزاء حتّى يقال: العلم بتعلّق التكليف بالفعل الواحد قصد امتثال الأمر المعلوم الخ‏ (2).

و لكن مع ذلك يمكن الفرق بين ما نحن فيه و بين الشبهة البدوية بما لا يرجع إلى ما يكون عدم القصد فيه تجرّياً، فإنّه في الشبهة البدوية لا يكون سوى الاحتمال الصرف، فلا يكون الغاية فيه إلّا احتمال الامتثال، بخلاف ما نحن فيه حيث إنّ الأمر موجود وجداناً فيمكنه الاشارة إليه، و يجعل الغاية من فعله الظهر مثلًا هو امتثاله لذلك الأمر لو كان متعلّقاً بها و هكذا الحال في فعل الجمعة، على وجه يتحرّك إلى فعل الظهر و إلى فعل الجمعة بعدها عن نفس ذلك الأمر، و لا يلزم منه أن يكون فعلهما معاً بقصد واحد و إرادة واحدة، لكي يرد عليه أنّه من قبيل الاتيان بمجموع الأطراف بدعوة الأمر المعلوم، و المفروض أنّه لا يدعو إلى المجموع و إنّما يدعو إلى واحدة منهما، بل يكون هناك إرادتان و قصدان يتعلّق أحدهما بفعل الظهر و الآخر بفعل الجمعة، و كلّ من هذين القصدين بداعي امتثال ذلك الأمر الموجود، لاحتمال كونه متعلّقاً بذلك المقصود فعله، فلا يكون ذلك من قبيل الامتثال الاحتمالي، بل من قبيل الامتثال القطعي، غايته أنّ الاحتمال واقع في الممتثل به، و بذلك ينفرد عن الشبهة البدوية، فإنّ الامتثال فيها احتمالي صرف.

و الحاصل: أنّ الأمر فيما نحن فيه يكون بوجوده العلمي محرّكاً، و لكن‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 484- 485.

(2) فوائد الأُصول 4: 137.

229

حيث تردّد متعلّقه بينهما فهو يتحرّك إلى كلّ واحدة منهما لاحتمال كون ذلك الأمر المعلوم متعلّقاً بها، و هذا بخلاف الشبهة البدوية فإنّ الأمر لا يكون محرّكاً بوجوده العلمي، و إنّما يكون المحرّك هو وجوده الاحتمالي.

و الخلاصة: هي أنّه في صورة العلم الاجمالي يكون ذلك الأمر الموجود مولّداً في نفس المكلّف إرادة امتثال ذلك الأمر و التحرّك عنه بداعي الحصول على امتثاله، و هذا المقدار من توليد الارادة المذكورة في نفس المكلّف يشترك فيه الأمر المعلوم تفصيلًا و الأمر المعلوم إجمالًا، و لكن في الأمر المعلوم بالاجمال يتولّد في نفس المكلّف عن تلك الارادة الأُولى إرادتان هما من قبيل إرادة الامتثال الاحتمالي، تتعلّق إحداهما بأحد الفعلين لاحتمال كونه هو الذي تعلّق به، و أنّه هو المحقّق لما قد رغب فيه العبد من الحصول على تلك الغاية المعلومة و هي امتثال ذلك الأمر المعلوم، و تتعلّق الأُخرى بالآخر كذلك، و يكون كلّ من الارادتين و القصدين ناشئاً عن ذلك القصد الأوّلي و هو امتثال ذلك الأمر المعلوم، و يكون ذلك القصد الأوّلي مستمرّاً مع كلّ من القصدين إلى الفراغ من الفعلين.

و هذا بخلاف ما لو لم يكن عالماً إجمالًا بوجود ذلك الأمر، بل كان يحتمل وجود أمر متعلّق بصلاة الظهر، و يحتمل أيضاً وجود أمر متعلّق بصلاة الجمعة مع احتمال عدم وجود أمر أصلًا، فإنّه أيضاً تنقدح في نفسه إرادة امتثال احتمالي في ناحية صلاة الظهر، و إرادة امتثال احتمالي في ناحية صلاة الجمعة، لكنّهما لا تكونان ناشئتين عن إرادة امتثال لأمر قطعي، إذ لا قطع له بالأمر، فلو أراد الاطاعة لم يتمكّن إلّا من هاتين الارادتين الاحتماليتين.

أمّا في صورة العلم الاجمالي فهو متمكّن من الارادة القطعية التي تنقدح في‏

230

نفسه وجداناً عند علمه بذلك الأمر، و عن تلك الارادة القطعية تنشأ الارادتان الاحتماليتان، فإذا اعتبرنا الاطاعة الجزمية ببرهان أنّ الأمر يقتضي الانبعاث عن نفسه، كان من الضروري أن نقول إنّه لا بدّ من اعتبار التحرّك عن ذلك الأمر، و أنّه لا بدّ أن تتولّد في نفس العبد إرادة امتثال نفس ذلك الأمر، و هي إرادة جزمية خالية من شائبة الاحتمال، غايته أنّه يقع الاحتمال فيما يتولّد عن تلك الارادة الجزمية من الارادتين الاحتماليتين.

فنحن إن قلنا إنّ هذا الأمر الواقعي المعلوم بالاجمال عاجز عن أن يولّد إرادة امتثاله في حقّ المكلّف، كان محصّله أنّ هذا الأمر لا يقتضي الامتثال، فيكون العلم الاجمالي به ساقطاً لا أثر له، و ذلك عبارة أُخرى عمّا تقدّم نقله عن المحقّق الخونساري في أوّل المبحث الثالث ص 40 (1). و حيث قد أبطلنا ذلك القول كان من الضروري أن نقول: إنّ ذلك الأمر المعلوم صالح لأن يولّد إرادة امتثاله في حقّ المكلّف، و لا ريب أنّ تلك الارادة إرادة جزمية، و إذا انقدحت إرادة امتثال ذلك الأمر في نفس المكلّف، كان من الضروري أن تتولّد في نفسه الارادتان الاحتماليتان، و تكون تلك الارادة الجزمية مستمرّة مع الارادتين إلى ما بعد الفراغ عن متعلّق كلّ منهما.

و هذا بخلاف الشبهة البدوية بالنسبة إلى كلّ من الفعلين، فإنّه لو فرضنا وجود أمر واقعي متعلّق بالظهر أو أمر واقعي متعلّق بالجمعة، أو فرضنا وجود الأمرين معاً، فإنّ ذلك الأمر بوجوده الواقعي عاجز عن أن يولّد في نفس المكلّف إرادة متعلّقة بامتثاله، بحيث يكون امتثاله بوجوده العلمي داعياً و محرّكاً على إرادة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 124، راجع أيضاً الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 208 من هذا المجلّد.

231

الفعل المتعلّق به، كما هو الشأن في الدواعي في كونها بوجودها الواقعي الخارجي معلولات للأفعال و بوجودها التصوّري العلمي عللًا لتعلّق الارادة بتلك الأفعال، بل أقصى ما فيه هو أن يتولّد في حقّ المكلّف إرادة الفعل ناشئة عن داعي الامتثال بوجوده الاحتمالي لا بوجوده العلمي.

و إن شئت فقل: لا معنى لكون الأمر بوجوده الواقعي داعياً لارادة المكلّف، و حينئذٍ فعدّ الأمر داعياً لارادة المكلّف عبارة تسامحية، و في الحقيقة أنّ الداعي هو امتثاله و اطاعته، فإنّها- أعني الاطاعة و الامتثال- هي الداعي، لما عرفت من شرح حقيقة الداعي على الفعل، و أنّه ما يكون بوجوده الواقعي معلولًا للفعل و بوجوده العلمي التصوّري باعثاً و حاملًا للمكلّف على إرادة الفعل، لما يتصوّره من ترتّبه على الفعل و أنّه من فوائد فعله. و إنّما صحّ لهم ذلك التسامح في قولهم:

إنّ الأمر يكون داعياً للمكلّف، باعتبار كونه مولّداً لذلك الداعي في نفس المكلّف. و محصّل اعتبار الجزم بالنيّة هو أن يكون الاتيان بالعمل بداعي ما علمه من ترتّب الاطاعة و الامتثال، في قبال كون الاتيان به بداعي احتمال ترتّب الطاعة و الامتثال، ففي صورة كون الأمر معلوماً تفصيلًا يكون ذلك الداعي و هو الامتثال معلوماً بالتفصيل، و في صورة كونه محتملًا يكون الوجود الاحتمالي للامتثال المذكور هو المحرّك له على العمل.

و من ذلك يظهر لك: أنّ مسألة الدوران بين الاطاعة التفصيلية و الاطاعة الاحتمالية ليست من قبيل الدوران بين الأقل و الأكثر، بل هي من قبيل المتباينين، لأنّ الامتثال هو الداعي و المحرّك على الارادة بوجوده التصوّري، هل يكون المعتبر في ذلك الوجود التصوّري هو الوجود الجزمي العلمي، أو يكفي الوجود الاحتمالي، و هما متباينان. فقيل بتعيّن الأوّل، و قيل بالتخيير بينه و بين الثاني،

232

فيكون النزاع من الدوران بين التخيير و التعيين. نعم قيل إنّ العقل يحكم بالتخيير، إذ لا يفرّق بين الاطاعتين، و هي دعوى تحتاج إلى إثبات.

و على أيّ حال، لا يكون المقام من قبيل الأقل و الأكثر، إلّا إذا قلنا إنّ المحرّك هو نفس الأمر بوجوده الواقعي سواء كان معلوماً أو كان محتملًا، فتكون ذات الأمر هي الباعثة و المحرّكة و الداعية، سواء كانت معلومة أو كانت مشكوكة، فمن لا يقدّم الاطاعة التفصيلية يكتفي بكون العمل حاصلًا بداعوية الأمر سواء كان معلوماً أو كان مشكوكاً، و من يقول بتقدّم الاطاعة التفصيلية يعتبر زيادة على داعوية ذات الأمر أن يكون وجود ذلك الأمر الذي هو بذاته داعيك على الفعل معلوماً لديك، فيكون المقام من قبيل الأقل و الأكثر. لكن قد عرفت أنّه لا محصّل لكون ذات الأمر داعياً و محرّكاً، و إنّما الداعي و المحرّك هو امتثاله، و هو بوجوده العلمي أو بوجوده الاحتمالي، فلا يكون المقام من قبيل الأقل و الأكثر، بل يكون من قبيل المتباينين، و يكون النزاع من قبيل النزاع في التعيين و التخيير، و قد شرحنا ذلك مفصّلًا في أوائل القطع عند الكلام على الامتثال الاجمالي‏ (1)، فراجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه في صورة العلم الاجمالي بالأمر لا بدّ أن يكون امتثال ذلك الأمر المعلوم هو المحرّك له، فلو كان من قصده عند الاتيان بالظهر هو الامتثال الاحتمالي، لم يكن ذلك نافعاً في صحّة الاطاعة عقلًا حتّى لو انكشف له بعد الفراغ منها أنّها هي المأمور به، إذ لم يكن المحرّك له حينئذ هو امتثال ذلك الأمر الذي علمه، بل كان المحرّك له هو احتمال الامتثال.

و إن شئت فقل: إنّ المحرّك له هو احتمال الأمر، بمعنى كون المحرّك له هو الوجود الاحتمالي لذلك الأمر، و المفروض أنّ ذلك الأمر موجود في خزانة

____________

(1) راجع المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 181 و ما بعدها.

233

نفسه، و لم يتحرّك عن وجوده العلمي، و إنّما تحرّك عن الوجود الاحتمالي لخصوص الأمر بالظهر فاتّفق أنّ ذلك الاحتمال صادف الواقع، و إنّما نقول بكفايته في الشبهة البدوية لعدم التمكّن إلّا عن التحرّك عن الوجود الاحتمالي، و هذا بخلاف العلم الاجمالي فإنّه يمكنه فيه التحرّك عن الوجود العلمي فتكون إطاعته جزمية، فلو اتّفق بعد الفراغ من الظهر انكشاف كونها هي الواجبة فقد حصل على الاطاعة الجزمية، أعني كون التحرّك عن تلك الارادة الصادرة عمّا علمه من الأمر، و قد عرفت أنّها مستمرّة مع كلّ من الارادتين الاحتماليتين، و هذا بخلاف ما لو اقتصر على مجرّد تلك الارادة الاحتمالية، فإنّه لا يكفيه ذلك و لو بعد تبيّن أنّها هي الواجبة بعد الفراغ من الظهر، فإنّها- أعني الظهر- قد جاءت عارية من ذلك المقدار من الجزم الذي كان المكلّف متمكّناً منه، بل لو أتى بالظهر بذلك الاحتمال ثمّ جاء بعدها بالجمعة بذلك الاحتمال، لم يكن ذلك كافياً ما لم يكن قد تحرّك عن ذلك الأمر الذي علمه، بل لو كان من قصده من أوّل الأمر الاتيان بالجمعة بعد الاتيان بالظهر، و لم يكن تحرّكه إليهما ناشئاً عن ذلك الأمر الذي علمه، لم يكن ذلك كافياً، فلاحظ و تأمّل لتعرف أنّ نيّة الاتيان بالجمعة بعد الاتيان بالظهر لازم أعمّ بالنسبة إلى المطلوب الحقيقي، أعني قصد الانبعاث عن ذلك الأمر الذي علمه، إذ ربما كان من نيّته الاتيان بالجمعة بعد الاتيان بالظهر، و لا يحصل ما هو المطلوب الذي هو الانبعاث عن الأمر المعلوم بقصده امتثال ذلك الأمر.

و من ذلك يظهر لك: أنّ الاكتفاء في المقام بمجرّد الاتيان بكلّ من الفرضين المحتملين بداعي الاحتمال أردأ من الاكتفاء بالاطاعة الاحتمالية في [فرض‏] التمكّن من تحصيل العلم بما هو الواجب، و ذلك لأنّ المفروض هو تحقّق‏

234

الوجود العلمي للأمر و عدم التحرّك عنه. و لا يقاس ما نحن فيه بما لو احتمل على نحو الشبهة البدوية وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و احتمل أيضاً على نحو الشبهة البدوية وجوب صلاة أوّل الشهر، و كان ذلك قبل الفحص، و لكن لا يمكنه الفحص فعلًا لأنّ الوقت لا يسع ذلك، فإنّه حينئذ يجب عليه الاحتياط بفعل كلّ من الدعاء و صلاة أوّل الشهر، لكن لا ربط لأحدهما بالآخر بحيث إنّه عند الأوّل ينوي أن يأتي بالثاني، و ذلك للفرق الواضح بين هذا المثال و ما نحن فيه، لأنّه في هذا المثال لا يعلم بوجود أمر يلزمه التحرّك عنه، بخلاف ما نحن فيه، فتأمّل.

ثمّ إنّه يمكن أن يدّعى أنّ جريان ما ذكرناه في الشبهة الموضوعية كما في تردّد القبلة أولى و أوضح منه في الشبهات الحكمية كما في الظهر و الجمعة، فلاحظ و تدبّر.

قوله: الأمر الرابع: لا إشكال في أنّ الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال و البراءة، سواء توافقا في المؤدّى أو تخالفا ... الخ‏ (1).

لا إشكال في ورود الاستصحاب على قاعدة الاشتغال لو تخالفا، و كذا في وروده على البراءة لو تخالفا أيضاً، و إنّما الإشكال في صورة التوافق، كما في مورد استصحاب عدم الحكم بالنسبة إلى البراءة، و كما في مورد استصحاب الحكم بالنسبة إلى قاعدة الاشتغال. و الضابط في عدم جريان الاستصحاب في مثل هذه الموارد هو أنّه إذا لم يترتّب على المستصحب إلّا نفس مفاد البراءة العقلية أو نفس قاعدة الاشتغال، لم يكن الاستصحاب جارياً، و ذلك كما نحن فيه فيما لو أُريد من استصحاب بقاء القدر المشترك بين وجوب صلاة الظهر و وجوب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 129.

235

صلاة الجمعة، هو لزوم الاتيان بالجمعة بعد الفراغ من صلاة الظهر تحصيلًا للفراغ اليقيني، فإنّه لا يكون الاستصحاب في مثل ذلك إلّا من قبيل التعبّد بوجود ما هو محرز بالوجدان.

و بالجملة: إن أُريد من الاستصحاب المذكور هو الحكم بوجوب صلاة الظهر كان من الأُصول المثبتة، و إن أُريد منه لزوم الاتيان بها لأنّ ذلك هو مقتضى بقاء القدر المشترك بين الوجوبين، بحيث إنّه لا يترتّب على بقاء القدر المشترك بين الوجوبين إلّا لزوم الاحتياط بالاتيان بصلاة الظهر لاحتمال كونها هي الواجبة، فهذا هو ما ذكرناه من كونه من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان.

و هكذا الحال في مقابلة استصحاب عدم الوجوب بالبراءة العقلية، فإنّه لا ريب في حكومته عليها، كما لو شكّ المكلّف في توجّه تكليف عليه لأجل الشكّ في صدور سببه أو تحقّق شرطه مع فرض عدم جريان الأصل في السبب أو الشرط، فإنّه يجري فيه استصحاب عدم الوجوب و يكون الوجوب محكوماً بالعدم، فلا يبقى معه مورد للبراءة العقلية. نعم، إذا فرض أنّه لم يترتّب على استصحاب العدم إلّا مجرّد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، لم يكن الاستصحاب المذكور جارياً، لكونه من قبيل إحراز ما هو وجداني بالتعبّد كما تقدّم و يأتي إن شاء اللَّه في مسألة الأقل و الأكثر (1) من عدم جريان استصحاب عدم التكليف الثابت في حال الصغر، فراجع و تأمّل.

و من هذا القبيل استصحاب عدم الحجّية، فإنّه لا يترتّب عليه إلّا حكم العقل بقبح التشريع، الذي يكون موضوعه مجرّد عدم الاحراز الذي هو الأعمّ من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 186- 188.

236

إحراز العدم، بناءً على ما تقدّم في محلّه‏ (1) من كون حكم العقل بقبح التشريع من قبيل ذي الملاك الواحد، إذ لو كان من ذي الملاكين، بأن كان للعقل حكم واقعي في مورد إحراز عدم الحجّية و حكم احتياطي في مورد عدم الاحراز، لكان استصحاب عدم الحجّية جارياً و موجباً لحكم العقل بالقبح حكماً واقعياً، و به يرتفع موضوع حكمه الطريقي الاحتياطي الذي يكون موضوعه عدم الاحراز.

قوله: فإنّه لو أُريد من الاستصحاب استصحاب شخص التكليف المعلوم بالاجمال، فقد عرفت في الأمر الأوّل أنّ الاستصحاب الشخصي لا يجري مع العلم بزوال أحد فردي المردّد، لأنّ الشكّ فيه يرجع إلى الشكّ في حدوث الفرد الباقي، لا في بقاء الفرد الحادث على ما تقدّم بيانه، و إلّا لزم ترتيب آثار بقاء الفرد المردّد على ما هو عليه من الترديد، و لازم ذلك هو وجوب الاتيان بكلّ ... الخ‏ (2).

الأولى أن يقال: إنّه إن أُريد من استصحاب شخص التكليف استصحاب بقاء نفس وجوب صلاة الظهر، بحيث إنّه يترتّب عليه الاتيان بها بداعي وجوبها المحرز بالاستصحاب، ففيه أنّ الشكّ إنّما هو في حدوث وجوبها لا في بقائه.

و إن أُريد منه استصحاب الشخص المردّد بين الوجوبين، ففيه أنّ الشخص لم يكن متيقّناً، لأنّ الخصوصية خارجة عن حيّز اليقين، و إنّما المتيقّن هو عنوان أحدهما، و إن كان لا ينفكّ عن الخصوصية، لكن لمّا لم تكن الخصوصية البدلية داخلة في حيّز اليقين لم تكن داخلة في المنع عن نقض اليقين.

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 359- 361.

(2) فوائد الأُصول 4: 131.

237

و مع قطع النظر عن ذلك نقول: إنّه إن أُريد من استصحاب بقاء الفرد المردّد إثبات وجوب الباقي كان الأصل المذكور مثبتاً، و إن أُريد من الحكم ببقاء ذلك الفرد المردّد هو لزوم الاتيان بالفرد الباقي لأنّه أحد الفردين، كان من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالأصل، هذا كلّه.

مضافاً إلى أنّ استصحاب الفرد المردّد بين مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع لا يجري في حدّ نفسه، لأنّ الشكّ إنّما هو في حدوث ما يبقى لا في بقاء ما حدث، نعم قبل الاتيان بأحد الفردين يمكن استصحاب الفرد المردّد فيما لو شكّ في أنّه أتى بهما أو لم يأت بشي‏ء منهما.

و أمّا ما أُفيد من الايراد عليه بأنّ لازمه الاتيان بكلا الفردين، فيمكن دفعه بأنّه و إن كان الأثر المترتّب على بقاء الفرد المردّد هو الاتيان بكلا الفردين، إلّا أنّه لمّا كان قد أتى بالفرد السابق كان له الاكتفاء بالاتيان بالفرد الباقي، فتأمّل فإنّ هذا إنّما يتمّ فيما لو كان العلم الاجمالي حاصلًا قبل فعل أحدهما، و أمّا لو كان حصوله بعد فعل أحدهما ففيه إشكال تعرّضنا له في حاشية ص 153 (1) من مباحث الاستصحاب، فراجع.

قوله: و لا يقاس ما نحن فيه على ما إذا علم بمتعلّق التكليف تفصيلًا و شكّ في امتثاله، حيث إنّه يجري استصحاب بقاء التكليف بلا كلام ... الخ‏ (2).

الأولى أن يقال: إنّ للعقل في باب الاطاعة حكمين:

أحدهما: الحكم بلزوم الاطاعة بعد إحراز تنجّز التكليف، سواء كان تنجّزه‏

____________

(1) و هي الحاشية الآتية في المجلّد التاسع من هذا الكتاب، الصفحة: 308 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 133.

238

بالعلم التفصيلي كأن يعلم بوجوب صلاة الظهر، أو كان بالأمارة أو الاستصحاب القائمين على وجوب صلاة الظهر، أو كان بالعلم الاجمالي كما في مورد العلم بوجوب أحد شيئين عليه أحدهما صلاة الظهر، أو كان ذلك من قبيل الاحتمال في الشبهة الحكمية قبل الفحص، فإنّ حكم العقل في جميع هذه الموارد بلزوم الاتيان بصلاة الظهر إنّما هو من باب حكمه بلزوم الاطاعة و قبح المعصية، بمعنى أنّ مثل هذه الأُمور تكون حجّة على اشتغال الذمّة الموجب لحكم العقل بلزوم تفريغها.

الحكم الثاني للعقل: هو الحكم بلزوم الفراغ اليقيني بعد إحراز تنجّز التكليف بأحد الطرق السابقة.

و ملاك الحكم الأوّل هو لزوم الطاعة بعد إحراز تنجّز التكليف في قبال عدم الطاعة رأساً، و ملاك الحكم الثاني هو لزوم اليقين بالفراغ عمّا كان قد تنجّز في قبال الاكتفاء باحتمال الفراغ.

و حينئذٍ نقول: إنّه لو علم تفصيلًا بوجوب صلاة الظهر عليه و شكّ في أنّه أتى بها، فمع قطع النظر عن الاستصحاب يكون العقل حاكماً بلزوم الاتيان بها، لكن ذلك من قبيل النحو الثاني، و بالنظر إلى الاستصحاب يكون العقل أيضاً حاكماً بلزوم الاتيان بها، لكن ذلك من قبيل النحو الأوّل، لأنّ استصحاب بقاء التكليف يحرز بقاء اشتغال ذمّته فيتبعه حكم العقل بتفريغها، و يترتّب على ذلك أنّه مع قطع النظر عن الاستصحاب يأتي بها بعنوان الاحتمال و الاحتياط، بخلاف نتيجة الاستصحاب فإنّه يأتي بها بداعي أمرها المحرز البقاء.

و بالجملة: أنّ الاستصحاب في مثل ذلك يسقط موضوع حكم العقل بالاشتغال و طرد الاكتفاء بالاحتمال، بل إنّه يولّد حكماً آخر أعلى من ذلك، و هو

239

حكم العقل بلزوم الفراغ عمّا اشتغلت به الذمّة، و هذا حكم آخر غير الحكم الحاصل بأصالة الاشتغال، و إنّما يكون الاستصحاب ساقطاً إذا لم يترتّب عليه أثر إلّا الحكم الحاصل بأصالة الاشتغال الذي هو الحكم الثاني.

و منه يظهر لك أنّه لو علم إجمالًا بوجوب أحد الأمرين الظهر أو الجمعة، و حصل له الشكّ في الاتيان بهما، فإنّ الظاهر أنّه يجري في حقّه استصحاب بقاء التكليف، و يترتّب عليه الحكم الأوّل، و هو حكم العقل بلزوم الاطاعة، و به يرتفع موضوع الحكم الثاني و هو لزوم الفراغ اليقيني.

و من ذلك يظهر لك أنّ العمدة في جريان الاستصحاب و عدمه هو ما أُفيد في الأمر الثالث، و أمّا ما أُفيد في الأمر الثاني فيمكن القول بعدم الحاجة إليه، لما عرفت من أنّ الحكم الثاني للعقل فيما ذكرناه من المثال و إن ترتّب على إحراز نفس الحدوث و الشكّ في الامتثال، لكن لمّا كان الاستصحاب يجري و يثبت البقاء، كان حاكماً على ذلك الحكم العقلي، و كان محقّقاً لموضوع الحكم الأوّل من حكمي العقل.

و منه يظهر لك التأمّل فيما لو أتى بصلاة الجمعة و حصل له الشكّ في أنّه هل أتى بصلاة الظهر بعدها، فإنّه يمكن أن يجري في حقّه استصحاب وجوب صلاة الظهر، بمعنى أنّها لو كانت هي الواجبة فهو يشكّ في إسقاط أمرها.

و من ذلك يتّضح لك الجواب عمّا ربما يتوجّه على جريان الأُصول الاحرازية المثبتة للتكليف في موارد العلم الاجمالي بارتفاع التكليف في بعضها، كما لو علم بطهارة أحد الاناءين المعلومي النجاسة، فإنّه يتوجّه على استصحاب النجاسة في كلّ منهما بأنّه لا أثر لهذا الاستصحاب، لأنّ المكلّف يلزمه الاجتناب عنهما للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما، فلا يترتّب على استصحاب النجاسة في‏

240

كلّ منهما أثر عملي، إذ لا يترتّب على هذين الاستصحابين إلّا لزوم الاجتناب عن كلا الاناءين و ذلك حاصل بالعلم الاجمالي بوجود النجس بينهما.

و هكذا الحال فيما لو علم بوجوب المغرب و العشاء و قد فعل إحداهما و لا يعلمها بعينها، فإنّه يلزمه الاتيان بهما للعلم الاجمالي ببقاء الوجوب في أحدهما، فلا يترتّب على استصحاب الوجوب في كلّ منهما أثر عملي.

و الجواب: أمّا عن مسألة الاناءين المعلومي النجاسة، فلأنّه يكفي في صحّة استصحاب نجاسة كلّ منهما الحكم بنجاسة ملاقي أحدهما، فإنّه ملاق للنجس بحكم الاستصحاب فيحكم بنجاسته، بخلاف ما لو اقتصرنا على العلم الاجمالي فإنّه لا يكون إلّا من قبيل ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة، فلا يحكم بنجاسته. و أمّا مسألة المغرب و العشاء بعد العلم بأنّه قد أتى بواحدة منهما و لا يعلمها بعينها، فيكفي في استصحاب وجوب كلّ منهما ترتّب الاتيان بما جرى فيه الأصل بعنوان كونه واجباً لا بعنوان الاحتياط، إذ لو بقينا نحن و العلم الاجمالي ببقاء وجوب إحداهما و إن كان مقتضاه هو الاتيان بهما، إلّا أنّه إنّما يأتي بكلّ واحدة منهما حينئذ بعنوان احتمال الوجوب لا بعنوان كونها واجبة، و حينئذٍ يترتّب الأثر العملي على استصحاب الوجوب في كلّ منهما، و هو الاتيان بها بعنوان الوجوب الثابت بالاستصحاب.

نعم، بناءً على عدم جريان الأُصول الاحرازية في مورد العلم الاجمالي بالخلاف في بعضها، يحصل التعارض بين الاستصحابين، أعني استصحاب النجاسة في كلّ من الاناءين أو استصحاب بقاء الوجوب في كلّ من الفريضتين، و بعد التساقط نبقى نحن و العلم الاجمالي، فلا يحكم بنجاسة الملاقي لأحد الاناءين، و لا يمكن الاتيان بكلّ من الفريضتين بعنوان الوجوب. و هذا كلام وقع‏

241

في البين، فلنرجع إلى ما كنّا فيه.

فنقول بعونه تعالى: إنّ حاصل ما تقدّم هو أنّ للعقل في باب الاطاعة حكمين: أحدهما: ما يمكن أن نسمّيه واقعياً، و هو حكمه بالاطاعة و تفريغ الذمّة عمّا تنجّز على المكلّف، بحيث إنّه لو كان له لسان لعبّر عن ذلك الحكم بقوله أطع الحكم.

الثاني: ما نسمّيه ظاهرياً احتياطياً، و هو حكمه بعدم الاتّكال في مقام الاطاعة و تفريغ الذمّة عمّا اشتغلت به على الاحتمال، و هو ما نعبّر عنه بمفاد قاعدة الاشتغال، و أنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و حاصله: حصّل العلم بفراغ ذمّتك عمّا اشتغلت به، في قبال الاكتفاء باحتمال الفراغ.

و حينئذٍ نقول: إنّ الاستصحاب- أعني استصحاب التكليف الذي نريد إجراءه في مقام قاعدة الاشتغال- إن لم يكن يترتّب عليه إلّا نفس ذلك الأثر الموجود وجداناً بحكم قاعدة الاشتغال، لم يكن الاستصحاب المذكور جارياً، و إن ترتّب عليه أثر آخر و هو حكم العقل بالاطاعة و إلزامه المكلّف بتفريغ ذمّته عمّا اشتغلت به ذمّته، كان الاستصحاب المذكور جارياً، و كان جريانه رافعاً لموضوع قاعدة الاشتغال. و عليك بتطبيق هذا الضابط على ما ذكرناه من الأمثلة.

قوله: بيان ذلك ... الخ‏ (1).

ملخّص ما أفاده (قدس سره) في درس الفقه و في هذا المقام هو: أنّ مقتضى تقدّم الاطاعة التفصيلية على الاحتمالية، هو لزوم تقليل دائرة الاحتمال مهما أمكن، فلو صلّى كلًا من الفريضتين إلى كلّ جهة، بحيث إنّه لا ينتقل من الجهة الأُولى مثلًا إلى الجهة الثانية إلّا بعد الفراغ من كلا الفريضتين فيها و هكذا، يكون‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 138.

242

الاحتمال في فساد العصر ناشئاً عن احتمالين: أحدهما من جهة احتمال كون هذه الجهة ليست قبلة، و الآخر من جهة احتمال أنّه لم يفرغ من الظهر، فلم يكن المكلّف حاصلًا على إحراز كلّ من الشرطين، بخلاف ما لو صلّى إحدى الفريضتين إلى جميع الجهات ثمّ بعد الفراغ منها يصلّي الثانية إلى الجهات المذكورة، فإنّ فساد صلاة العصر حينئذ ينحصر باحتمال واحد، و هو احتمال عدم كون هذه الجهة قبلة، فيكون بذلك قد حصل على إحراز أحد الشرطين و هو الترتيب.

و يمكن أن يقال: إنّ تقليل الاحتمال و إن كان لازماً، إلّا أنّه في مثل المقام غير لازم، إذ لا يكون مرجع الاحتمالين إلّا إلى احتمال واحد، و هو عدم كون هذه الجهة قبلة، و يلزمه حينئذ بطلان كلّ من الظهر و العصر.

و بعبارة أُخرى: إن كانت تلك الجهة قبلة فقد حصل على كلّ من الترتيب و القبلة و صحّت الصلاتان، و إن لم تكن هي القبلة فسدت الصلاتان معاً، و فساد صلاة العصر حينئذ و إن كان من جهتين إلّا أنّه لا دخل لذلك بأصل المطلب و هو لزوم تقليل الاحتمال، لأنّ معنى تقليل الاحتمال هو تقريب الاطاعة الاحتمالية إلى الاطاعة التفصيلية، و المدار في ذلك على احتمال الصحّة و الأمر، بمعنى أنّه يلزم أوّلًا أن يكون الأمر و الصحّة محرزين، فإن لم يحصل على إحراز ذلك يلزمه تقليل الاحتمال في ناحية الأمر و الصحّة، فلو كان احتمال كون هذه الجهة هي القبلة مقروناً باحتمال عدم الأمر من ناحية أُخرى، بأن يكون على تقدير كونها قبلة يحتمل أنّها غير مأمور بها لجهة يمكن إزالتها، كما لو وجب عليه صلاة الصبح مثلًا و كان متردّداً في القبلة إلى أربع جهات، و كان عنده ثوبان أحدهما تصحّ الصلاة فيه و الآخر لا تصحّ فيه لكونه نجساً مثلًا، و كان يمكنه إزالة الشكّ‏

243

الثاني بالفحص عن الطاهر منهما أو الصلاة في ثوب آخر يعلم بطهارته، و كما لو تردّد في القبلة بين جهتين مثلًا و تردّد في الفريضة بين كونها الظهر أو الجمعة و أمكنه إزالة الشكّ الثاني، لكان ذلك لازماً، بل هو عين الالتزام بتقدّم الاطاعة التفصيلية من هذه الجهة، أمّا إذا كان احتمال عدم الأمر من تلك الناحية ملازماً لعدم إحرازه من الناحية الأُخرى، لم يكن ذلك من قبيل تقليل الاحتمال.

قوله: و كأنّه قاس باب العلم و الجهل بالموضوع بباب القدرة و العجز ... الخ‏ (1).

لعلّ نظر المحقّق القمي (قدس سره) إلى التفصيل بين الشرط المنتزعة شرطيته من الأمر و الشرط الذي تكون شرطيته أصلية، و حيث إنّه يرى عدم وجوب الموافقة القطعية أو عدم حرمة المخالفة القطعية في الشبهات المحصورة الوجوبية، التزم بسقوط شرطية الشرط فيما لو كانت شرطيته منتزعة من الأمر الوجوبي.

قوله: و الضرورات إنّما تتقدّر بقدرها، فلا بدّ من سقوط ما يلزم منه العسر و الحرج، و لا موجب لسقوط الزائد عن ذلك ... الخ‏ (2).

الأولى أن يقال: إنّ الشبهة الوجوبية لا يكون الامتثال في اطرافها غالباً إلّا تدريجياً، و حينئذٍ نقول: إنّ العسر و الحرج لا يجري دليلهما قبل الإقدام على الاحتياط، و إنّما يجري دليلهما بعد أن يأخذ المكلّف بالاحتياط و يلتزم بالاتيان بكلّ ما يحتمل أنّه المأمور به إلى أن يعسر عليه الاتيان بالباقي فيسقط حينئذ، لأنّ التكليف الواقعي لو كان موجوداً في ذلك الباقي لكان حرجياً، فيسقط التكليف الواقعي لو كان موجوداً في تلك البواقي، و بعد الحكم بسقوطه يسقط الاحتياط

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 135.

(2) فوائد الأُصول 4: 142.

244

في تلك البواقي. و هذه الطريقة موافقة في النتيجة لطريقة التقييد.

و من ذلك يعلم الحال فيما أشرنا إليه أخيراً في الشبهة التحريمية غير المحصورة، من عدم تأتّي الضابط المتقدّم في الشبهة الوجوبية (1)، فإنّ العلم الاجمالي بوجوب أحد هذه الأشياء مع احتمال وجود طرف آخر لا نعلمه، لا يكون غير مؤثّر، بل يؤثّر في لزوم الاحتياط حتّى في الطرف المحتمل الطرفية، غايته أنّه يكون الاحتياط فيه حرجياً، فيلزم إسقاطه بمقدار رفع العسر و الحرج.

و فيه تأمّل، فإنّه لو علم بوجوب إكرام العالم و تردّد العالم بين أطراف كثيرة و احتمل أنّ في البين أطرافاً لا يعلم بوجودها، يتأتّى فيه الملاك الذي ذكرناه في الشبهة التحريمية من عدم تنجّز التكليف لو كان في تلك الأطراف التي لا يعلم بوجودها. نعم طريقة العسر و الحرج مسقطة للاحتياط أيضاً.

ثمّ لا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره) من الضابط في الشبهة التحريمية غير المحصورة من عدم التمكّن من المخالفة القطعية، يمكن جريانه في بعض الشبهات الوجوبية، كما لو فرض أنّ المكلّف لا يتمكّن عادةً من ترك جميع أطراف الشبهة الوجوبية إمّا لكثرتها أو لجهة أُخرى، و لازم ما أُفيد من التلازم بين سقوط حرمة المخالفة القطعية و سقوط وجوب الموافقة القطعية، هو أنّه في مثل الفرض يجوز له ترك بعض الأطراف حتّى إذا لم يكن فعلها جميعاً حرجياً عليه.

____________

(1) الظاهر أنّه (قدس سره) يقصد بالضابط المتقدّم ما نقله عن المحقّق الهمداني (قدس سره) و أوضحه في الصفحة: 181 و ما بعدها، و قد ذكر (قدس سره) في الصفحة: 184 أوّلًا أنّ هذا الضابط لا يجري في الشبهات الوجوبية، ثمّ تأمّل فيه و حكم بجريانه فيها كما هو الحال في هذه الحاشية. كما أنّه (قدس سره) في الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 223 صرّح بجريان الضابط المذكور في الشبهات الوجوبية، فلاحظ.

245

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر]

قوله: فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في باب الأقل و الأكثر، و سيأتي مثال كلّ قسم ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ مقتضى هذه التقسيمات هو أن تكون الأقسام المتصوّرة عبارة عن 192 قسماً، لكن لا يخفى أنّ جملة منها غير متصوّر و جملة منها متصوّر لكنّه داخل في غيره.

قوله‏ في وجه التأمّل‏: وجهه هو أنّه قد يختلج في البال ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ الذي ينبغي أن يقال: هو أنّ لنا في كلّ من السببية و متعلّق التكليف مقامين، ففي السببية يكون لنا مقام جعل السببية و مقام تأثير ذلك المجعول سبباً، و في متعلّق التكليف يكون لنا مقام جعل التكليف و إيراده على المركّب الذي هو المكلّف به و مقام إيجاد ذلك المركّب الذي هو مقام الامتثال.

و الإنصاف: أنّ كلًا من السببية و متعلّق التكليف بالنسبة إلى المقام الثاني منهما يكون الأكثر هو المتيقّن، و يكون الأقل مشكوكاً، فإنّه كما يكون تأثير الأكثر في السببية معلوماً و يكون تأثير الأقل مشكوكاً، فكذلك يكون حصول الامتثال بالاتيان بالمركّب الأكثر معلوماً و حصوله بالأقل مشكوكاً.

أمّا بالنسبة إلى المقام الأوّل الذي هو مقام الجعل و التشريع فهما مختلفان،

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 143.

(2) فوائد الأُصول 4 (الهامش): 147.

246

حيث إنّ الأمر المتعلّق بالمركّب قابل للتقطيع، فيكون تعلّقه بالأقل معلوماً و تعلّقه بالزائد عليه مشكوكاً. و هذا بخلاف السببية فإنّ نفس السببية المجعولة الواردة على المركّب لا تتقطّع بحسب كثرة الاجزاء و قلّتها، فهي في الحقيقة خارجة عن التردّد بين الأقل و الأكثر، بل تكون السببية الواردة على الأكثر مباينة للسببية الواردة على الأقل، لا أنّ السببية الواردة على الأقل موجودة في ضمن السببية الواردة على الأكثر، فلا يكون في البين قدر متيقّن كي يؤخذ به و ينفى الزائد بالأصل كما في التكليف الوارد على ما هو مردّد بين الأقل و الأكثر، حيث إنّ الوجوب الوارد على الأقل يكون حاصلًا في ضمن الوجوب الوارد على الأكثر، و يكون ورود الوجوب على القدر الزائد مشكوكاً، فينفى بالأصل.

نعم، لو قلنا في مسألة التكليف المتعلّق بما هو مردّد بين الأقل و الأكثر، بأنّ التكليف الوارد على الأكثر يباين التكليف الوارد على الأقل، لم يمكن أن يقال إنّ الأقل معلوم و الأكثر مشكوك، كما لم يمكن أن يقال إنّ سببية الأقل معلومة و سببية الأكثر مشكوكة أو بالعكس، بل تكون كلّ من سببية الأقل و سببية الأكثر مشكوكة، كما يكون كلّ من وجوب الأقل و وجوب الأكثر مشكوكاً (1).

و بالجملة: أنّ عمدة الفارق بين السببية و التكاليف، هو أنّ الوجوب قابل للتقطيع بخلاف السببية، و لأجل أنّ الوجوب قابل للتقطيع نقول: إنّ تعلّق الوجوب بالأقل معلوم و تعلّقه بذلك المقدار الزائد مشكوك فينفى بالأصل، فيكون المنفي بالأصل هو وجوب الزائد، لا أنّ المنفي به هو وجوب الأكثر بتمامه كما ربما يتراءى من ظاهر تعبير هذا التقرير، فإنّ نفي وجوب الأكثر بتمامه لا يثبت وجوب الأقل، بل هما حينئذ متباينان.

____________

(1) [في الأصل «معلوماً» بدل «مشكوكاً» و الصحيح ما أثبتناه‏].

247

و الحاصل: أنّه في متعلّقات التكليف لمّا كان تعلّق الوجوب بالأقل معلوماً و كانت جزئية المشكوك ناشئة عن تعلّق الوجوب بالأكثر، و هو- أعني تعلّق الوجوب بالأكثر- مشكوك، كان جريان البراءة من وجوب الأكثر كافياً في الاكتفاء بالأقل لكونه معلوم الوجوب، و هذا بخلاف الأسباب فإنّ تعلّق جعل السببية للأقل مشكوك، و حينئذٍ نقول إنّ مدخلية الجزء المشكوك و إن كانت ناشئة عن جعل السببية للأكثر المفروض كونه مشكوكاً، لم يكن إجراء البراءة في جعل السببية للأكثر كافياً في الاكتفاء بالأقل، لأنّ سببية الأقل لم تكن معلومة.

و لكن لا يخفى أنّ رفع وجوب الأكثر لا يصحّح الاكتفاء بالأقل و إن كان تعلّق الوجوب الأعمّ من الوجوب الاستقلالي و الضمني به معلوماً، لكنّه لا ينفع في إثبات الاكتفاء به في مقام الامتثال إلّا بالتقطيع الذي أشرنا إليه، و هذا التقطيع لا يتأتّى في السببية، لما عرفت من بساطتها، فتأمّل.

و حينئذٍ نقول: إنّ رفع وجوب الأكثر و كذلك رفع سببية الأكثر و إن كان موجباً لرفع جزئية ما شكّ في جزئيته للواجب أو للسبب، إلّا أنّ ذلك لا يوجب تعيّن الأقل للواجب أو للسبب إلّا بالأصل المثبت، و هكذا الحال لو قلنا بكون الجزئية للواجب أو للسبب مجعولة شرعاً، و أنّ حديث الرفع يرفعها، إلّا أنّ رفع جزئية المشكوك لا يثبت وجوب الباقي و لا سببيته، فلم يبق إلّا رفع وجوب المشكوك بناءً على ما ذكرناه من التقطيع غير الجاري في السببية، لأنّها لا تتقطّع بحسب أجزاء السبب كي يقال إنّ سببية الجزء المشكوك غير معلومة فهي مرفوعة. و أمّا المدخلية في الجملة فهي ليست إلّا جزئية السبب، و قد عرفت أنّ رفع جزئية السبب عمّا يشكّ في جزئيته لا يثبت سببية الباقي.

و على كلّ حال، أنّ ما أُفيد في الأصل من كون سببية الأكثر معلومة فلأجل‏

248

ذلك لا يجري فيها حديث الرفع، لا يمكن إتمامه، لما عرفت من أنّ سببية الأكثر غير معلومة كوجوب الأكثر، فلا يكون عدم جريان حديث الرفع فيها لكونها معلومة (1)، بل إنّما لا يجري فيها لأنّ رفع سببية المجموع بنفسه لا يثبت سببية الأقل، و كذلك إذا أُريد من رفعها رفع ما ينشأ عنها و هو جزئية الجزء المشكوك، فلاحظ و تأمّل. و ما أُفيد في الحاشية من أنّ سببية الأقل معلومة أيضاً، لا يمكن إتمامه، لما عرفت من عدم معلومية جعل السببية للأقل.

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الشبهات التحريمية]

قوله: الفصل الثاني: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الشبهات التحريمية، إلى آخر ما في الفصل الثالث‏ (2).

قد تحرّر في باب العموم و الخصوص الفرق بين العموم الاستغراقي و العموم المجموعي بما محصّله وحدة الطلب في العموم المجموعي و تعدّده حسب تعدّد الأفراد في العموم الاستغراقي، و لازم ذلك هو عدم الارتباط في العموم الاستغراقي و الارتباط في العموم المجموعي. أمّا المركّب و العدد فإن أُخذت الأجزاء و الآحاد فيهما على نحو العموم الاستغراقي كانت غير ارتباطية، و إن أُخذت على نحو العموم المجموعي كانت ارتباطية، و حيث قد رجع الأمر في الواجبات غير الارتباطية إلى أوامر متعدّدة لا ربط بينها في مقام الاطاعة و المعصية، و أنّ حالها حال العمومات الاستغراقية، يتّضح لك جلياً صحّة الرجوع إلى البراءة فيما عدا المقدار المعلوم، فإنّه يكون من قبيل العلم بأنّه قد وجب عليه الصوم و الصلاة و الزكاة و غيرها من الواجبات القطعية و الشكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، من دون حاجة في ذلك إلى دعوى الانحلال، إذ لا يكون علم‏

____________

(1) [في الأصل: غير معلومة، و الصحيح ما أثبتناه‏].

(2) فوائد الأُصول 4: 148- 150.

249

إجمالي بمركّب كي نحتاج إلى حلّه بالعلم التفصيلي و الشكّ البدوي، و إن كان ذلك صحيحاً في نفسه، إلّا أنّ المسألة أوضح من ذلك، هذا في الواجبات.

و أمّا المحرّمات فقد حرّرنا أيضاً في باب العموم و الخصوص عن الأُستاذ (قدس سره) أنّ النهي المتعلّق بعنوان كلّي يكون على نحوين، العموم الاستغراقي و العموم المجموعي، فلو كان على نحو العموم الاستغراقي و تردّد بين الأقل و الأكثر، مثل ما لو علم بحرمة الغناء و تردّد بين كونه مطلق الترجيع أو كونه مقيّداً بالاطراب، فالذي يظهر منه (قدس سره) في هذا التقرير هو أنّ الأقل مطلق الترجيع و الأكثر هو الترجيع المقيّد بالاطراب.

و فيه: أنّه و إن كان الأمر كذلك نظراً إلى الاطلاق و التقييد، إلّا أنّه لا داعي للجمود على ذلك، بل لنا أن نقول إنّ المراد بالأكثر هنا هو الأكثر تكليفاً، و لا ريب أنّ ذلك إنّما يكون في جانب الاطلاق، و حيث إنّ العموم استغراقي الذي عرفت أنّ لازمه عدم الارتباطية، يكون تحريم ما هو أقلّ أفراداً- أعني تقييد الحرام بالاطراب- هو القدر المتيقّن، و يكون الزائد على ذلك ممّا كان مشتملًا على الترجيع بدون إطراب مشكوك التحريم، فتنفى حرمته بالبراءة من دون حاجة إلى الالتزام بأنّ باب المحرّمات عكس باب الأوامر، بل يكون كلا البابين على نمط واحد بعد فرض كون العموم في كلّ منهما استغراقياً، أ لا ترى أنّه لو علم بأنّه قد أُمر باكرام كلّ عالم، و لكنّه احتمل تقييده بخصوص العالم العادل، كان المتيقّن إيجاب إكرامه هو الأقل أفراداً و هو تقييد العالم بالعادل، و كان إيجاب إكرام ما زاد على ذلك و هو العالم غير العادل مشكوكاً منفياً بالبراءة.

و السرّ في ذلك: هو أنّ الأكثر قيوداً في باب العموم الانحلالي يكون أقلّ أفراداً، و الأقل قيوداً يكون هو الأكثر أفراداً، من دون فرق في ذلك بين كون‏

250

الحكم في العموم الانحلالي هو الايجاب مثل أكرم كلّ عالم، أو أكرم كلّ عالم عادل، أو يكون الحكم فيه هو النهي و التحريم مثل لا تكرم الفاسق، أو لا تكرم الفاسق المتجاهر في فسقه، فإنّ الأوّل في كلّ من البابين يكون هو الأكثر أفراداً من الثاني، و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللَّه في مباحث الأقل و الأكثر (1).

نعم، لو قوبل العموم الاستغراقي في باب النهي بالعموم البدلي في باب الأوامر الذي يكون المطلوب فيه هو صرف الطبيعة مثل أكرم عالماً، و شكّ في التقييد بالعدالة، كان الحال فيه على العكس من حال النهي، بناءً على أنّ القدر المتيقّن هو المطلق، و أنّ لزوم كونه مقيّداً بقيد العدالة مشكوك منفي بأصالة البراءة، و يتّضح ذلك بما لو كان مركز التقييد هو نفس الفعل المأمور به دون موضوعه، كما لو أُمر بالصلاة و شكّ في تقييدها بلبس العمامة مثلًا.

و من ذلك يتّضح: أنّه لو توقّف أحد في إجراء البراءة في الواجبات المردّدة بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، لا يلزمه التوقّف في إجراء البراءة عن حرمة الصوت المشتمل على الترجيع المجرّد من الاطراب، لما عرفت من عدم كون ذلك من قبيل الارتباطيات التي هي محلّ التوقّف. و منه يتّضح الخدشة فيما أُفيد في هذا التقرير بقوله: و الذي خالف في جريان البراءة في الشبهات الوجوبية ينبغي أن لا يقول الخ‏ (2). نعم يجري ذلك في المحرّمات الارتباطية كما سيأتي‏ (3) إن شاء اللَّه في محرّمات الصوم. هذا حال النواهي التي يكون عمومها استغراقياً.

و أمّا النواهي التي يكون عمومها مجموعياً فلا بدّ أن تكون ارتباطية، بناءً

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 194، راجع أيضاً حاشية المصنّف الآتية في الصفحة: 325.

(2) فوائد الأُصول 4: 149.

(3) في الصفحة: 255.