أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
251

على ما عرفت من أنّ المجموعية عين الارتباطية، لكن قد حرّرنا عنه (قدس سره) في باب العموم أيضاً أنّ العموم المجموعي في باب الأوامر لا يكون إلّا قسماً واحداً. أمّا العموم المجموعي في باب النواهي فهو على قسمين، فإنّه إذا قال: لا تكرم الفسّاق مثلًا، أو قال: لا تأكل هذه الأرغفة، فتارةً: يكون المراد منه النهي عن أكل جميعها و تمامها على وجه يكون مفاد النهي بمنزلة رفع الايجاب الكلّي، بحيث يكون المحرّم هو أكل جميع تلك الأرغفة، فلو أكل بعضها و ترك بعضاً لم يكن عاصياً، و على ذلك ينزّل النهي عن تصوير الحيوان بناءً على أنّ المنهي عنه هو تصوير جميع صورة الحيوان بتمام أجزائه، فلو صوّر بعض أجزائه دون بعض لم يكن عاصياً، لكن لو صوّره بتمامه أو أكل تمام الأرغفة أو أكرم جميع الفسّاق، لم يكن منه إلّا عصيان واحد لا عصيانات متعدّدة، و من خصوص هذه الجهة نسمّيه ارتباطياً، فالارتباطية فيه إنّما هي بالنظر إلى العصيان، بمعنى أنّه لو ارتكب الجميع لا يكون إلّا عصياناً واحداً، بخلاف ما لو لم يكن ارتباط فإنّه عصيانات متعدّدة، و إلّا فإنّك قد عرفت أنّ من خصائص الارتباطية هو أنّه لو فعل بعضاً و ترك بعضاً آخر كان عاصياً أيضاً، لا أنّه مطيع فيما ترك و عاص فيما فعل كما هو شأن عدم الارتباطية، و من الواضح أنّ هذا المعنى- أعني تحقّق العصيان بفعل البعض دون بعض- لا يجري في هذا النحو من العمومات المجموعية.

و أُخرى: يكون المراد من العموم المجموعي في باب النواهي النهي عن أكل المجموع، بحيث يكون كلّ واحد من تلك الأفراد أو الأجزاء محرّماً و منهيّاً عنه، لكن أُخذت تلك التروك كترك واحد و تعلّق به الطلب بهذا اللحاظ، أعني لحاظه تركاً واحداً، و لو من جهة دلالة الدليل الخارجي على أنّ تحقّق الاطاعة في كلّ واحد من تلك التروك مشروط بالترك الآخر و هكذا، و لازم ذلك أنّه لو فعلها

252

جميعاً يكون عاصياً بعصيان واحد، و لو ترك بعضاً و ارتكب البعض الآخر يكون عاصياً أيضاً، لا أنّه يكون عاصياً فيما فعله مطيعاً فيما تركه كما هو الشأن في غير الارتباطية.

و يشترك القسمان في أنّ ارتكاب الجميع يكون عصياناً واحداً، و في آن ترك البعض و فعل البعض الآخر لا يكون من باب تحقّق كلّ من الاطاعة و المعصية. لكن يفترقان في أنّ الأوّل في هذه الصورة لا يكون عاصياً أصلًا، بخلاف الثاني فإنّه في هذه الصورة يكون عاصياً صرفاً كما لو ارتكب الجميع.

و الحاصل: أنّ عصيان الأوّل يكون في صورة واحدة و هي شرب الجميع، و إطاعته في صورتين: ترك الجميع و شرب البعض دون البعض، و الثاني بالعكس فإنّ إطاعته تكون في صورة واحدة و هي ترك الجميع، و عصيانه يكون في صورتين: شرب الجميع و شرب البعض دون البعض.

و يمكننا أن ننزّل الصوم على النحو الثاني بناءً على أنّه مجموعة تروك عرضية، و هي ترك الأكل و ترك الشرب و ترك الجماع مثلًا، و طولية و هي الترك في الساعة الأُولى و الساعة الثانية و هكذا، و أنّ هذه التروك مربوط بعضها ببعض في مرحلة الاطاعة و العصيان، لكون كلّ ترك مشروطاً بباقي التروك، و لعلّه لأجل ذلك حكموا بأنّه لو تكرّر منه الافطار في يوم واحد لم تتكرّر الكفّارة و إن وجب عليه الامساك بعد فعل المفطر الأوّل، لأنّ ذلك ليس من باب الصوم، بل من باب مجرّد لزوم الامساك كما صرّح به في الجواهر (1).

إذا عرفت ذلك فنقول بعونه تعالى: إنّه لو شكّ في الأقل و الأكثر في النحو الأوّل، كما لو نهي عن أكل تمام ما في هذه الآنية مثلًا من الأرغفة و كان فيها صغار

____________

(1) جواهر الكلام 16: 304.

253

و كبار، و احتمل كون المنهي عن أكل تمامه هو خصوص الكبار، كان القدر المتيقّن هو تحريم إتمام الكبار و الصغار، و كان تحريم إتمام خصوص الكبار مشكوكاً فينفى بأصالة البراءة.

و إن شئت قلت: إنّ ترك إتمام مجموع الصغار و الكبار داخل في ترك خصوص الكبار، فيكون ترك المجموع المذكور مطلوباً على كلا التقديرين، و بذلك ينحلّ العلم الاجمالي.

و منه يظهر الحال فيما لو شكّ في شمول النهي عن تصوير الحيوان لتصوير بعض أجزائه، فإنّه و إن لم يكن التقابل فيه بين الاحتمالين مثل ما ذكرناه من مثال الأرغفة من كونه من قبيل العموم المجموعي على كلا التقديرين، بل كان التقابل فيه من قبيل مقابلة العموم الشمولي بالعموم المجموعي، لأنّه على تقدير كون المحرّم هو تصوير تمام الصورة فهو من العموم المجموعي، و إن كان المحرّم هو مطلق التصوير المتعلّق بالحيوان و لو كان أيّ جزء منه كان من العموم الاستغراقي، إلّا أنّ الحكم في هذا الشكّ هو عين الحكم في مثال الأرغفة، و هو كون القدر المتيقّن هو تحريم مجموع الصورة، و أنّ تصوير أجزائه مشكوك التحريم، و أنّ ترك تمام الصورة حاصل بترك تصوير كلّ واحد من الأجزاء.

و في هذه الصورة يكون الأكثر هو المتيقّن و يكون تحريم الأقل مشكوكاً، على العكس في باب الأوامر، و كأنّ ما في التقريرات المطبوعة في صيدا من قوله:

فلا يحرم إيجاد بعض الأجزاء الخ‏ (1)، ناظر إلى هذه الصورة، كما أنّ قوله في هذا التحرير: و الظاهر أن تكون الشبهات التحريمية على عكس الشبهات الوجوبية، فإنّه في الشبهات الوجوبية يكون الأقل متيقّن الوجوب و الأكثر مشكوكاً، و في‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 487.

254

الشبهات التحريمية الأكثر متيقّن الحرمة و الأقل مشكوكاً الخ‏ (1)، لا ينطبق إلّا على هذه الصورة، فإنّ الأكثر و هو تصوير تمام الصورة أو أكل جميع الأرغفة يكون معلوم الحرمة، و الأقل و هو تصوير بعض الصورة أو أكله خصوص الكبار من الأرغفة يكون مشكوك الحرمة.

و لكن مع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الأقل و الأكثر في هذه الصورة ليس على العكس من الشبهات الوجوبية، فإنّ حرمة إتمام الصغار و الكبار و إن [كان‏] أكثر في الصورة من حرمة إتمام الكبار فقط، إلّا أنّ المكلّف به على تقدير تعلّق النهي باتمام الكبار و الصغار يكون أقلّ من المكلّف به على تقدير تعلّق النهي باتمام الكبار فقط، فإنّه على الأوّل يكون المنهي عنه هو إتمام الكبار في حال انضمامه إلى إتمام الصغار و هو ضيّق الدائرة، بخلافه على الثاني فإنّه عليه يكون المنهي عنه هو إتمام الكبار سواء ضمّ إليه إتمام الصغار أو أنّه أتمّها وحدها، فيكون التكليف حينئذ على تقدير الثاني أكثر منه على التقدير [الأوّل‏].

و يتّضح ذلك في مسألة التصوير، فإنّه على تقدير كون النهي متعلّقاً باتمام الصورة يكون النهي منحصراً بها أعني الصورة التامّة، بخلاف ما لو كان النهي متعلّقاً بتصوير ذي الروح و لو ببعض أجزائه، فإنّ التحريم يكون حينئذ شاملًا لتمام الصورة و لبعضها، فتمام الصورة و إن كانت هي أكثر صورة، إلّا أنّ التكليف بتركها يكون أقلّ من التكليف بالترك الشامل لتمام الصورة و لبعض أجزائها، فيكون الأقل تكليفاً و هو حرمة تمام الصورة هو المتيقّن، و الأكثر تكليفاً و هو حرمة مطلق التصوير و لو ببعض الصورة مشكوكاً، و يكون القدر المتيقّن هو خصوص المنع عن الاتمام، و الزائد عليه و هو المنع عن البعض مشكوكاً فينفى‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 148- 149.

255

بالبراءة، فلاحظ و تأمّل.

أمّا لو كان الشكّ في الأقل و الأكثر في النحو الثاني بأن احتملنا كون الكذب مطلوب الترك في باب الصوم، أو احتملنا أنّ تلك التروك مطلوبة فيما بين غروب الشمس و ذهاب الحمرة المشرقية، كان ذلك المشكوك زائداً على المقدار المتيقّن، و كان وجوبه أو حرمة الفعل مشكوكة في ذلك، و يكون المرجع هو البراءة، و كان الأقل هو القدر المتيقّن، و يكون حاله حال الواجب المركّب المردّد الأجزاء بين الأقل و الأكثر، فمن توقّف في إجراء البراءة في الشبهات الوجوبية المردّدة بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، ينبغي أن يتوقّف في إجرائها في الشبهات التحريمية التي يكون عمومها مجموعياً إذا كانت على النحو الثاني.

و يمكن أن يقال: إنّ النحو الأوّل أيضاً كذلك، و إن كان الالحاق لا يخلو عن خفاء، لأنّ ترك الأكثر الذي هو تمام الأرغفة الصغار و الكبار منها ليس بداخل في ضمن ترك الكبار فقط. نعم إنّ ترك مجموع الكبار و الصغار ملازم لترك خصوص الكبار، و حينئذٍ فمن توقّف في إجراء البراءة في الأكثر في باب الواجبات الارتباطية، لا يلزمه التوقّف في ذلك في هذا النحو من العمومات المجموعية في باب النواهي.

و من ذلك يتّضح لك: أنّ النحو الثاني‏ (1) هو الذي ينطبق عليه ضابط التحريم الارتباطي، أعني كون تحريم الأقل الذي هو تحريم ما عدا الكذب مثلًا داخلًا في تحريم الأكثر الذي هو تحريم المجموع حتّى الكذب. و منه ينقدح الخدشة في قوله في هذا التقرير: و الأمثلة التي تخطر بالبال لا تنطبق على هذا المعنى‏ (2)، فإنّه قد

____________

(1) [في الأصل: النحو الأوّل، لكن سياق العبارة يقتضي ما أثبتناه‏].

(2) فوائد الأُصول 4: 149.

256

ظهر لك أنّ أمثلة التحريم المجموعي الذي يكون على النحو الثاني كلّها ممّا ينطبق عليها الضابط المذكور، و أمثلته في باب النذر كثيرة إن لم نقل إنّ باب تروك الصوم من هذا القبيل، و الشاهد على ذلك هو ما حكموا به من انحلال النذر و العهد و اليمين المتعلّقة بالتروك بأوّل مخالفة، فراجع الجواهر (1) و المسالك‏ (2) فيما لو حلف على ترك الدخول في الدار و دخلها نسياناً أو إكراهاً، بل صرّح بعض محشّي الروضة- و هو الشيخ أحمد (3)- بأنّه لم يظهر الخلاف من أحد في انحلال هذه الثلاثة بالمخالفة. و لا يخفى أنّ ذلك لا يتمّ إلّا على التنزيل على العموم المجموعي على النحو الثاني، فتأمّل. بل يظهر من بعضهم أنّ العموم في الايجاب يكون مجموعياً، و سننقل كلمات بعضهم في آخر المبحث إن شاء اللَّه تعالى.

و بالجملة: أنّ أمثلة النهي المجموعي على النحو الثاني أمثلة متصوّرة معقولة و كثير منها واقع في الفقه، فراجع ما أفاده الأُستاذ (قدس سره) في رسالة المشكوك المطبوعة في النجف‏ (4).

و أمّا مثال تحريم تصوير الحيوان فليس هو من هذا القبيل، بل هو من النحو الأوّل من النهي المجموعي، الذي عرفت أنّ ترك القدر المتيقّن و هو تصوير تمام الصورة ليس بداخل في ترك تصوير بعض الصورة، نعم هو ملازم له.

لكن يمكن أن يقال: إنّ تحريم تصوير تمام الصورة داخل في تحريم‏

____________

(1) جواهر الكلام 35: 339- 340.

(2) مسالك الأفهام 11: 289.

(3) تأتي عبارته (قدس سره) في الصفحة الآتية.

(4) رسالة الصلاة في المشكوك: 190 و ما بعدها، و كذا راجع الصفحة: 284.

257

بعض الصورة، و الأمر سهل في الأمثلة بعد اتّضاح أصل المطلب.

و أمّا ما في التقريرات المطبوعة في صيدا من قوله: الثاني فيما إذا دار متعلّق التكليف التحريمي بين الأقل و الأكثر، و حيث إنّ التحريم إذا كان متعلّقاً بمركّب من أُمور فلا محالة يكون المبغوض هو وجود الأجزاء من حيث إنّها كذلك لا كلّ جزء جزء، فلا يحرم إيجاد بعض الأجزاء من دون قصد إيجاد المجموع، وعليه تكون حرمة الأكثر متيقّنة و حرمة الأقل مجرّداً مشكوكاً فيها، فتجري البراءة العقلية و النقلية في مورده‏ (1)، فقد عرفت أنّه ناظر إلى خصوص النحو الأوّل من العموم المجموعي في باب النواهي، و أغفل القسم الثاني مع أنّه في باب العموم ذكر النحوين كليهما، فقال في المجلّد الأوّل ما نصّه: ثمّ إنّ امتثال الحكم في العام المجموعي إذا كان إيجابياً لا يكون إلّا بالاتيان بجميع الأفراد، و أمّا إذا كان تحريمياً فيمكن أن يكون المطلوب هو مجموع التروك، فلو أخلّ بواحد منها كان عاصياً. و يمكن أن يكون ترك المجموع فيتحقّق الامتثال بترك فرد واحد من الأفراد، فلا بدّ في تعيين واحد منهما من قرينة خارجية (2).

قال في الروضة: و اعلم أنّ الكفّارة تجب بمخالفة مقتضى الثلاثة (يعني النذر و العهد و اليمين) عمداً اختياراً، فلو خالف ناسياً أو مكرهاً أو جاهلًا فلا حنث، لرفع الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه، و حيث تجب الكفارة تنحل (يعني الثلاثة). و هل تنحل في الباقي (يعني ما عدا صورة وجوب الكفّارة) وجهان، و استقرب المصنّف في قواعده الانحلال، لحصول المخالفة و هي لا

____________

(1) أجود التقريرات 3: 487- 488.

(2) أجود التقريرات 2: 299 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

258

تتكرّر كما لو تعمّد، و إن افترقا بوجوب الكفّارة و عدمها (1).

قال الشيخ أحمد في حاشيته على قوله «تنحل»: أي تنحلّ الثلاثة، بمعنى أنّه إذا خالف مقتضاها عمداً اختياراً لم يعد حكم اليمين فيما سيأتي. و هذا الحكم لم يظهر فيه خلاف (من أحد) أحمد (رحمه اللَّه)(2). و الظاهر ممّا أفاداه 0 هو انحلال النذر و أخويه بأوّل مخالفة، سواء كان المتعلّق إيجابياً أو كان سلبياً.

قال الحاج الكلباسي (قدس سره) في مناهجه: و لو كان متعلّقه (أي النذر) عاماً، كما لو نذر تهجّد كلّ ليل أو صوم كلّ خميس و ترك فرداً منه عمداً، انحلّ (النذر) و لزم عليه الكفّارة، إلّا أنّ الأحوط عدم تركه بعد ذلك بلا عذر. و مثله لو نذر صوم شهر معيّن. و كذا لو نذر ترك عمل عموماً كما لو نذر ترك معصية أبداً، انحلّ (نذره) بفعله مرّة فيجب عليه الكفّارة. و كذا لو نذر ترك الطبيعة. هذا كلّه لو لم ينو في نذره أن يكون كلّ فرد من أفراد المنذور واجباً عليه بالانفراد، بحيث لو فات وجب عليه آخر إلى آخر العمر، و إلّا فحينئذ يتكرّر الكفّارة بتكرّر الترك‏ (3).

و قال المحقّق القمي في أثناء الكلام على جواب سؤال يتعلّق بمثل ما نحن فيه: و بالجملة المشهور أنّ المخالفة للنذر عمداً يوجب الانحلال مطلقاً. و نقل عن بعض الأصحاب القول بعدمه إذا تعدّد أفراد المخالفة كما لو نذر صوم كلّ خميس، فلا ينحلّ بافطار خميس أو خميسين، فيلزمه تعدّد الكفّارة بتكرّر المخالفة، فإنّه يصدق على ترك صوم كلّ يوم أنّه خالف النذر عمداً و وجب عليه الكفّارة- إلى أن قال- و الأظهر ما عليه المشهور من إطلاق انحلال النذر، من غير

____________

(1) الروضة البهية 3: 56- 57.

(2) الروضة البهية (الطبعة الحجرية) 1: 276.

(3) منهاج الهداية إلى أحكام الشريعة: صفحة 3 من كتاب النذر و العهد و اليمين.

259

فرق بين ما تعدّدت أفراده و غيره، و وجهه أنّ بمخالفة النذر عمداً يجب الكفّارة إجماعاً، و ظاهرهم الاتّفاق على أنّ كلّ ما يجب فيه الكفّارة ينحلّ معه النذر، إنّما الإشكال في أنّ هذا انحلال أم لا، فنظر المشهور إلى أنّ مخالفة النذر يحصل بالمخالفة في فرد من أفراد ما له أفراد أيضاً، إذ نقيض الموجبة الكلّية هو السالبة الجزئية، كما أنّ نقيض السالبة الكلّية هو الموجبة الجزئية، فمن نذر صوم كلّ خميس إذا أفطر خميساً يصدق عليه أنّه خالف كلّية، و هكذا من نذر أن لا يضرب أحداً فضرب رجلًا واحداً، فلم يبق مورد النذر بعد ذلك المخالفة حتّى يصدق مخالفته، فتحصيل المخالفة بعد ذلك تحصيل الحاصل و هو محال. فلا بدّ من حمل الروايتين (يعني بذلك روايتين تقدّم ذكرهما في كلامه عن علي بن مهزيار و عن إبراهيم بن محمّد) على فدية النذر- لا (على) كفّارة الحنث- على سبيل الاستحباب، و المدّ أقلّها و الصدقة على سبع أكثرها. ثمّ قال: و يلزم هذا القائل القول بتعدّد الكفّارة فيما كان المنذور إيجاباً كلّياً كنذر كلّ خميس، و ما لو كان سلباً كلّياً كترك كلّ كبيرة أو ترك طبيعة كترك الزنا، فإنّه لا يحصل إلّا بترك الجميع، ففي كلّ زنا مخالفة (1). ثمّ إنّه نقل كلام صاحب المفاتيح و نقله نقل الإجماع على ذلك و نقله الخلاف عن بعض المعاصرين، و أفاد المحقّق أنّ المظنون أنّ ذلك المخالف هو البهائي (قدس سره). و قد نصّ على ذلك بعض شرّاح المفاتيح و هو ابن أخ المرحوم الفيض، قال في الشرح: بل ربما ادّعى بعضهم الإجماع عليه (أي على عدم الانحلال) إلّا أنّ شيخنا البهائي (رحمه اللَّه) جزم بعدم الانحلال إذا كانت المخالفة ممّا تتعدّد أفراده لجواز تكرار المخالفة و عدم لزوم تحصّل الحاصل حينئذ الخ‏ (2)

____________

(1) جامع الشتات 2: 516.

(2) [لم نعثر عليه في مظانه‏].

260

قلت: لا يخفى أنّ ما أفاده في توجيه مذهب المشهور من كون الموجبة الجزئية نقيضاً للسالبة الكلّية و السالبة الجزئية نقيضاً للموجبة الكلّية، لا ينفع في إثبات الانحلال، و إنّما أقصى ما فيه هو إثبات أنّ الموجبة الجزئية تكون مخالفة للسالبة الكلّية المنذورة، و السالبة الجزئية تكون مخالفة للموجبة الكلّية المنذورة، فلا يثبت بذلك إلّا تحقّق الحنث بذلك و لزوم الكفّارة، و أمّا أنّ كلّ ما أوجب الكفّارة فقد أوجب انحلال النذر فممّا لم يقم عليه برهان. نعم يمكن أن يقال: إنّ ما أوجب الكفّارة فقد أوجب الانحلال بمقداره، و هو واضح مسلّم، إلّا أنّ ذلك لا دخل له بانحلال النذر في البواقي.

و بالجملة: أنّ الأمر في الانحلال و عدمه يدور على ما تقدّمت الاشارة إليه من كون العموم استغراقياً أو كونه مجموعياً، فإن كان استغراقياً لم تكن المخالفة في بعض الأفراد موجبة لانحلال النذر في الباقي، و إن أوجبت الكفّارة، لأنّ النذر حينئذ ينحلّ إلى نذور متعدّدة حسب تعدّد ما تعلّق به من الأفراد التي ينحلّ ذلك العام إليها.

و إن كان العموم مجموعياً كانت المخالفة في بعض الأفراد موجبة لانحلال النذر، لعدم تعدّده حينئذ إلى نذور متعدّدة، فلا بدّ من إقامة البرهان على أنّ العموم في باب النذر لا يكون إلّا مجموعياً، و هو في غاية الإشكال بعد أن تحرّر في الأُصول أنّ الظاهر و الأصل في باب العموم هو الاستغراق و الانحلالية سيّما في النواهي، و لم أتوفّق لمعرفة الوجه الفارق بين باب التكاليف و بين باب النذر. و قد نقلت في بعض تحريراتي عن الأُستاذ الأعظم (قدس سره) في مسألة اللباس المشكوك ما محصّله: أنّ مطلوبية الترك في النذر إنّما نشأت من وجوب الوفاء به، فلا ربط له بالمفسدة و المبغوضية حتّى يكون النهي فيه انحلالياً، و إنّما يكون وجوب الوفاء

261

تابعاً لنفس النذر، و المفروض أنّه تعلّق بعدم الطبيعة، فيكون على نحو السلب الكلّي، و يسقط و ينحلّ بمجرّد الاتيان بفرد واحد من أفراد الطبيعة، إلّا أن تكون هناك قرينة على أنّ الناذر لاحظ الأفراد و نذر ترك كلّ واحد منها، و مجرّد كون غرضه تعلّق بردع نفسه عن الطبيعة لكونها مبغوضة له لا يكون قرينة على ذلك، لكون وجوب الوفاء بالنذر إنّما يتبع إنشاء الناذر و إن كان على خلاف غرضه و داعيه، كما هو الشأن في جميع أبواب العقود و الايقاعات، انتهى.

و إنّي فعلًا غير جازم بأنّ هذا التحرير هو الذي أراده الأُستاذ (قدس سره)، لأنّي أتّهم نفسي في فهم مراده (قدس سره). و كيف كان، فإنّ هذا التوجيه لا يتمّ على الظاهر في النذر الايجابي. مضافاً إلى أنّه لا يمكن إتمامه حتّى في النذر السلبي، لأنّ وجوب الوفاء تابع لقصد الناذر، و قد حقّق في محلّه أنّ الظاهر من نفي الطبيعة هو نفي أفرادها انحلالياً، و هو و إن انتقض بمجرّد وجود بعض أفرادها إلّا أنّه انتقاض في خصوص ذلك الفرد دون باقي الأفراد.

و بالجملة: أنّ دليل وجوب الوفاء بالنذر بمنزلة حكم العقل بلزوم إطاعة النهي المولوي المتعلّق بالطبيعة، فكما أنّ ذلك الحكم العقلي موجود بعد الاتيان بفرد منها، فكذلك ينبغي أن يكون وجوب الوفاء بالنذر.

و أمّا ما في مباحث النهي ممّا أفاده (قدس سره)(1) في توجيه ذلك بأنّ الشمول للأفراد الطولية التي تكون في الآنات المترتّبة يتوقّف على العموم الأزماني، و ليس في باب النذر ما يتكفّل بالعموم المذكور، ففيه: أنّ الذي يتكفّل بالشمول للأفراد الطولية هو إطلاق الطبيعة في سياق النفي أو في سياق أداة العموم، مثل كل‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 122- 124. راجع أيضاً المجلّد الرابع من هذا الكتاب، الصفحة: 6- 7.

262

و نحوها. مضافاً إلى أنّه لو كان النذر غير شامل للأفراد الطولية لكان مقتضاه سقوطه في الآن الثاني بعد إطاعته في الآن الأوّل.

و كذا ما أفاده (قدس سره) من كون الشمول الاستغراقي في باب التكاليف لكلّ فرد فرد من جهة اشتمال كلّ فرد على المفسدة الموجبة للمبغوضية الملازمة لنظر الآمر إلى كلّ واحد من تلك الأفراد، و ذلك غير موجود في باب النذر، فإنّه أيضاً قابل للتأمّل، من إمكان نظر الناذر إلى الأفراد أيضاً، مع كونه لا يتمّ في النذور الايجابية. مضافاً إلى ما عرفت من أنّ سريان الحكم إلى كلّ فرد إنّما هو قهري بواسطة وقوع صرف الطبيعة المطلقة في حيّز النفي أو في حيّز أداة العموم.

و الحاصل: أنّ النظر القاصر قاصر عن توجيه ما عليه المشهور في باب النذر، فإنّه بحسب النظر القاصر لا يتمّ إلّا بأحد وجهين: دعوى العموم المجموعي، أو دعوى كون المنذور هو كلّية الايجاب أو كلّية السلب، و الأوّل متوقّف على العناية الزائدة، و الثاني يتوقّف على لحاظ الكلّية اسمياً.

و الذي حرّره (قدس سره) في مسألة المشكوك‏ (1) في أنّ المطلوب بالنهي قد يكون هو آحاد السلوب، و قد يكون هو السلب الكلّي، و قد يكون هو الاتّصاف بالسلب، و نزّل النذر على الثاني، فلعلّه لا يخلو من تأمّل، لتوقّفه على النظر إلى كلّية السلب اسمياً. و لعلّ نظر المحقّق القمي (قدس سره) كان إلى هذه الجهة، و هي محتاجة إلى التأمّل، و لعلّها أمتن ما يمكن أن يقال في هذه المسألة، فتأمّل.

قال الشهيد (قدس سره) في قواعده: قاعدة، كلّ يمين خولف مقتضاها نسياناً أو جهلًا أو إكراهاً فلا حنث فيها، لظاهر «رفع عن أُمّتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (2) إلى أن قال: فرع، إذا قلنا بعدم الحنث هنا هل تنحلّ اليمين أم‏

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 268- 286.

(2) وسائل الشيعة 15: 369/ أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

263

لا؟ يظهر من كلام الأصحاب انحلالها، فلو خالف مقتضاها بعد ذلك لم يحنث، لأنّ المخالفة قد حصلت و المخالفة لا تتكرّر. و يحتمل أن تبقى اليمين، لأنّ الاكراه و النسيان لم يدخلا تحتها، لما قلناه، فالواقع بعد ذلك هو الذي تعلّقت به اليمين، و الأوّل أقرب‏ (1). و ظاهره اختصاص الخلاف أو الوجهين في خصوص المخالفة لعذر، دون المخالفة عن عمد، لأنّ منشأ احتمال عدم الانحلال في موارد العذر هو احتمال عدم كون ما صدر مشمولًا لليمين، و حينئذٍ يستفاد منه أنّ المخالفة لو كانت عن عمد لا إشكال في انحلال اليمين فيما بعدها، إذ لا إشكال في كون تلك المخالفة مشمولة لليمين.

و في الجواهر في شرح قول الماتن: «لا يتحقّق الحنث بالاكراه و لا مع النسيان و لا مع عدم العلم» بعد أن نقل كلام المسالك في أنّ اليمين هل تنحل بذلك كما تنحل بالعمد، أو لا تنحل لعدم دخول الثلاثة تحتها، قال: و عدم الحنث الذي يترتّب عليه الكفّارة باعتبار ظهور أدلّتها في غير الفرض لا يقتضي عدم اندراج هذه الأفراد في متعلّق اليمين، فالأقوى حينئذ الانحلال‏ (2)، و اللَّه العالم.

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الأسباب و المحصّلات‏]

قوله: أمّا في الأسباب العادية و العقلية فواضح، فإنّ المجعول الشرعي فيها ليس إلّا المسبّب و لا شكّ فيه، و المشكوك فيه ليس من المجعولات الشرعية، و لا تناله يد الوضع و الرفع التشريعي‏- إلى قوله- و أمّا في الأسباب الشرعية كالغسلات في باب الطهارة الحدثية و الخبثية ... الخ‏ (3).

لا يخفى أنّ الأسباب الشرعية إنّما كانت أسباباً شرعية باعتبار كون المسبّب‏

____________

(1) القواعد و الفوائد 2: 207- 209.

(2) راجع جواهر الكلام 35: 338- 340.

(3) فوائد الأُصول 4: 144- 145.

264

فيها شرعياً، كالطهارة من الحدث أو الطهارة من الخبث، سواء قيل بجعل السببية أو بجعل المسبّب، فلو كان المسبّب في الأسباب العادية و العقلية شرعياً، لكانت أيضاً أسباباً شرعية، و كانت داخلة في النزاع المذكور، و حينئذٍ فلا بدّ في السبب العقلي أو العادي من كون المسبّب فيه أيضاً مثله عادياً أو عقلياً، كما في سببية الالقاء للاحراق.

و الأولى إبدال لفظة «المجعول» بالواجب فيقال: فإنّ الواجب الشرعي فيها ليس إلّا المسبّب.

ثمّ إنّ السبب تارةً يكون سبباً للتكليف، و تارةً يكون سبباً للوضع، و ثالثة يكون سبباً للمكلّف به، و هو المراد في هذا المقام بالشكّ في المحقّق و المحصّل.

أمّا سبب التكليف لو تردّد بين الأقل و الأكثر، فلا ينبغي الريب في عدم الرجوع فيه إلى البراءة من جزئية السبب، و إنّما المرجع هو البراءة من التكليف عند حصول الأقل أو استصحاب عدم التكليف، كما لو تردّد المغرب بين غيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية.

و هكذا الحال في سبب الوضع مثل البيع العقدي مثلًا الذي يكون سبباً في الملكية، لو شككنا في اعتبار القبض فيه، فإنّ المرجع هو أصالة عدم ترتّب الأثر عند عدم ذلك المشكوك الاعتبار.

أمّا ما يكون من قبيل سبب المكلّف به لو تردّد بين الأقل و الأكثر، فإن كانا- أعني السبب و المسبّب- عاديين أو عقليين مثل الضرب بالنسبة إلى القتل لو كان المأمور به هو القتل، فلا ريب في أنّه لا مورد فيه للبراءة عند التردّد في سببه بين الأقل و الأكثر، و لم يدّعه أحد. نعم لو كان المأمور به هو السبب كان مورداً للبراءة

265

قطعاً بناءً على كونه من قبيل الأقل و الأكثر غير الارتباطيين. و لو قيل إنّه من قبيل الارتباطيين كان الكلام في كون المرجع فيه هو البراءة و الاحتياط راجعاً إلى ذلك المبحث.

و لو كان المسبّب شرعياً كما في أفعال الوضوء و الغسل بالنسبة إلى الطهارة من الحدث التي هي حكم شرعي، و كذلك أفعال الغسل- بالفتح- بالنسبة إلى الطهارة من الخبث التي هي حكم شرعي، و كما في أفعال الذبح بالنسبة إلى الذكاة التي هي حكم شرعي، أعني حلّية الأكل و الطهارة، و هذا هو المراد بقولهم:

المحصّل الشرعي، كما أنّ الأوّل هو المراد بقولهم: المحصّل العقلي أو العادي.

و كيف كان، فالذي ينبغي أن يقال: إنّ الأمر في مثل ذلك- أعني المحصّل الشرعي- لا يتوجّه إلّا إلى السبب، و لا يعقل توجّهه إلى المسبّب، لما عرفت من أنّه حكم وضعي هو فعل الشارع. أمّا باب العقود و الإيقاعات فكذلك، بمعنى أنّ التكليف فيها سواء كان أمراً أو نهياً لا يعقل توجّهه إلى نفس الحكم الوضعي الذي هو من المجعولات الشرعية، و إنّما يتوجّه إلى نفس العقد الذي هو السبب أو إلى نفس المعاملة بوجودها الانشائي، و هو- أعني الوجود الانشائي- غير ذلك الحكم الوضعي الذي هو من المجعولات الشرعية، من دون فرق في ذلك بين أن نقول إنّ العقد سبب أو نقول إنّه آلة.

و كذلك الحال لو قلنا بأنّ المسبّبات هي الأحكام العرفية العقلائية، غايته أنّ الشارع أمضاها، فإنّ الأمر و كذلك النهي و إن صحّ تعلّقه بالمسبّب الذي هو النقل و الانتقال أو الملكية في عالم اعتبار العقلاء، إلّا أنّ ذلك الاعتبار ليس بحكم شرعي كي يكون تعلّق التكليف به تعلّقاً بالحكم الشرعي، بل إنّه اعتبار عقلائي يرونه متولّداً و مسبّباً عن إيجاد العقد، فيكون نسبة ذلك الاعتبار إلى العقد نسبة

266

العناوين الثانوية إلى العناوين الأوّلية، فيصحّ تعلّق التكليف به، غايته أنّ ذلك الاعتبار العقلائي المتولّد من العقد قد أمضاه الشارع، لا أنّ الشارع يجعل ذلك الاعتبار عند وجود العقد، و يكفي في كونه حكماً شرعياً كونه اعتباراً عقلائياً متولّداً في عالم اعتبار العقلاء من العقد و إمضاء الشارع لذلك الاعتبار.

و على أيّ، لا يكون التكليف متعلّقاً بحكم شرعي يجعله الشارع عند وجود العقد كي يكون من قبيل التكليف بالمسبّبات الشرعية المجعولة للشارع عند وجود أسبابها، فلاحظ و تأمّل، لإمكان أن يقال: إنّ الملكية لو لم تكن إمضائية بل كانت تأسيسية من جانب الشارع، فليس معنى جعلها تأسيساً من جانبه أنّه يجعلها عند حصول العقد، بل معنى ذلك هو على نحو ما عرفت من اعتبار العقلاء، يعني أنّه يعتبرها عنواناً ثانوياً للعقد، و حينئذٍ يمكن تعلّق التكليف الشرعي بها على حذو ما عرفت من إمكان الأمر بها لو كانت إمضائية. نعم إنّ ذلك لا يتأتّى في مثل الطهارة من الحدث أو الخبث، فتأمّل.

فتلخّص لك: أنّ مثل الطهارة من الخبث أو الطهارة من الحدث أو التذكية التي هي موضوع الحل و الطهارة لو قلنا إنّها من الأحكام الوضعية الشرعية المجعولة للشارع عند تحقّق أسبابها، لا معنى للقول حينئذ بتعلّق التكليف بها بنفسها، ويتعيّن القول حينئذ بتعلّق التكليف بأسبابها، بل إنّ اطلاق الأسباب و المسبّبات على ذلك لا يبتني على الحقيقة، إذ في الحقيقة لا سببية في مثل ذلك و لا مسبّبية، بل ليس في البين إلّا موضوعات هي من أفعال المكلّفين جعلت لها أحكام شرعية- تكليفية كانت أو وضعية- على نحو القضية الحقيقية، فكلّما تحقّق أحد تلك الموضوعات تحقّق حكمه التكليفي أو الوضعي، و ليست هي من قبيل العناوين الأوّلية و العناوين الثانوية كي تكون تلك العناوين الثانوية

267

صالحة لتعلّق التكليف بها لكونها مقدورة بواسطة القدرة على أسبابها التي هي الأفعال بعناوينها الأوّلية، و إلّا لصحّ التكليف بالمسبّبات في أسباب الأحكام التكليفية إذا كانت أسبابها أفعالًا اختيارية، مثل الافطار الذي هو سبب لوجوب الكفّارة.

نعم- كما هو غير بعيد- لو قلنا بأنّها من الأُمور الواقعية التي لا يعرفها المكلّفون و لا يعرفون أسبابها، و الشارع المقدّس عرّفهم بها و بأسبابها، أمكن القول بتعلّق التكليف بها كما يمكن تعلّقه بأسبابها، بل إنّه بناءً على هذا القول لا فرق بين تعلّق التكليف بها أو تعلّقه بأسبابها، لأنّ أسبابها لو فرض في ظاهر الدليل أنّها هي التي تعلّق التكليف بها، فهو- أعني التكليف- إنّما يتعلّق بتلك الأسباب باعتبار ترتّب تلك المسبّبات عليها، لأنّها حينئذ من قبيل العناوين الأوّلية و العناوين الثانوية، فلو شكّ في حصولها عند عدم الاتيان بما يشكّ في مدخليته في ترتّب تلك المسبّبات على تلك الأسباب، كان اللازم هو الاحتياط و الاتيان بكلّ ما يحتمل مدخليته في ذلك. لكنّها تخرج على هذا القول عن كونها من قبيل المسبّبات الشرعية، و تدخل في المسبّبات العقلية و العادية، نظير ترتّب الاحراق على الالقاء، و نظير ترتّب إزهاق الروح على الضرب بالسيف مثلًا، و نحو ذلك من الأسباب و المسبّبات العقلية و العادية التي لا مورد فيها للجعل، لا بالنسبة إلى نفس السبب، و لا بالنسبة إلى نفس المسبّب، و لا بالنسبة إلى نفس السببية.

و غاية الفرق بينهما أنّ هذه أسباب و مسبّبات توليدية يعرفها المكلّفون و يعرفون أسبابها، أعني الأفعال الأوّلية التي تتولّد منها، و تلك لا يعرفها المكلّفون و لا يعرفون أسبابها، أعني الأفعال الأوّلية التي تتولّد منها هذه العناوين الثانوية،

268

بل إنّ الشارع المقدّس المطّلع على الواقعيات كشف ذلك للمكلّفين، و عرّفهم بها و بأسبابها التي تتولّد منها.

و على أيّ حال، لا يكون للقول بالمحقّق أو السبب الشرعي بالنسبة إلى المكلّف به معنى محصّل، كي يتكلّم عليه بأنّ المرجع فيه عند الشكّ في المحصّل و المحقّق و السبب بين الأقل و الأكثر، هل هو أصالة الاشتغال و أصالة عدم حصول المسبّب، أو أنّ المرجع فيه هو أصالة البراءة من جعل الشي‏ء الفلاني جزءاً من ذلك المحقّق و ذلك السبب، و أصالة عدم تحقّق السبب أو أصالة البراءة من سببية الأقل، و نحو ذلك من الأُصول، فلاحظ ما أُفيد في هذه المباحث عن شيخنا (قدس سره) و تأمّل، فإنّ ذلك لا يستقيم إلّا على تقدير الجمع بين كون المسبّب حكماً شرعياً و كونه مأموراً به. و الظاهر أنّ ذلك ممّا لا يمكن الالتزام به، كي يجعل ذلك محلّ الكلام فيما بينه (قدس سره) و بين القائلين بأنّ المرجع في الأسباب و المحقّقات الشرعية هو أصالة البراءة من جعل المشكوك جزءاً من ذلك السبب.

و لا يخفى أنّ محلّ الكلام إنّما هو في الشكّ بين الأقل و الأكثر في المكلّف به، إمّا بنفسه كما في باب الصلاة، و إمّا بموضوعه كما لو تردّدت الرقبة الواجب عتقها بين مطلق الرقبة أو خصوص [المؤمنة]، و إمّا بسببه كما في الأسباب العقلية و العادية. و لا يتصوّر ذلك في الأسباب الشرعية، إذ لا يعقل التكليف بمسبّباتها.

و لو تصوّرنا ذلك فيها بأن قلنا إنّه يشترط في لباس المصلّي مثلًا أن يكون واجداً لذلك الحكم الشرعي، و صحّحنا ذلك بكون ذلك الوجوب الشرطي الشرعي متوجّهاً إلى الأفعال التي تكون موضوعاً لذلك الحكم الشرعي الوضعي أعني الطهارة، لم يمكن القول باجراء البراءة في الجزء المشكوك، لأنّ المجموع إنّما وجب باعتبار كونه موضوعاً لذلك الحكم الشرعي، و مع الشكّ في بعض‏

269

أجزائه تكون الموضوعية مشكوكة، ويتعيّن الرجوع حينئذ إلى الاحتياط، هذا.

مضافاً إلى أنّه لا تصل النوبة إلى الاحتياط أو البراءة، بل يكون المرجع في هذا الحكم الوضعي كسائر الأحكام الوضعية عند الشكّ في أسبابها هو أصالة عدم ترتّب الأثر، فلاحظ و تأمّل.

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الشبهة الوجوبية الحكمية]

قوله: الفصل الرابع: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي في الشبهة الوجوبية الحكمية ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه لا بد في أصل المسألة من تقييد ذلك المشكوك الجزئية بأنّه على تقدير عدم اعتباره لا يكون معتبر العدم، بحيث تكون الصلاة مثلًا على تقدير عدم جزئية ذلك المشكوك الجزئية مقيّدة بعدمه، و إلّا لكان من قبيل الدوران بين المحذورين، و كان من قبيل الدوران بين الشرطية و المانعية، فلا بدّ أن تكون أصل المسألة ممحّضة للشكّ في الجزئية، و أنّه على تقدير عدم الجزئية لا يكون الاتيان بذلك المشكوك الجزئية و لو من باب الاحتياط لاحتمال جزئيته موجباً لفساد العمل، و إن أفسده لو جي‏ء به بعنوان الجزئية، بناءً على كون ذلك من الزيادة الموجبة لبطلان العمل.

قوله في الحاشية: و العبارة التي وقفت عليها في الحاشية ... الخ‏ (2).

قال في الحاشية في أواخر الدليل الأوّل ممّا استدلّ به على لزوم الاحتياط في مسألة الأقل و الأكثر ما نصّه: و أمّا إذا لم يتعيّن القدر المذكور لتعلّق التكليف، و دار الأمر بين تعلّق التكليف به بخصوصه أو بما يزيد عليه، بحيث لا يكون القدر المذكور مطلوباً بنفسه أصلًا، بل مطلوباً بطلب الكل في ضمنه فلا، لدوران‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 150.

(2) فوائد الأُصول 4 (الهامش 1): 154.

270

التكليف إذن بين طبيعتين مختلفتين، غاية الأمر أن يكون أحدهما أقلّ جزءاً من الآخر، فإنّ ذلك بمجرّده لا يقضي بترجيح الأقل كما لا يخفى. و مداخلة أجزاء أحدهما في الآخر غير مجدٍ فيه، بعد فرض عدم قضاء الأمر بالكلّ بمطلوبية الجزء إلّا في ضمنه، فلا يقين إذن بإرادة الأقل لو أُتي به على انفراده، كما في غير المشاركين في الجزء، الخ‏ (1).

و له عبارة قبل هذه يقول فيها: فاشتغال الذمّة حينئذ دائر بين طبيعتين وجوديتين لا يندرج أحدهما في الآخر، و إن اشتمل الأكثر على أجزاء الأقل، لما عرفت من عدم الملازمة بين الأمرين الخ.

و لا يخفى أنّ هذه العبائر صريحة في أنّه يريد أن يلحق المسألة بالمتباينين، و يرى أنّ التكليف بالشي‏ء لا بشرط يباين التكليف به بشرط شي‏ء، فإنّه قال: فإن قلت: إنّ التكليف بالأكثر في المقام قاض بالتكليف بالأقل في الجملة، فيصدق ثبوت الاشتغال به على طريق اللّابشرط، و حينئذٍ فيدور الأمر في الزائد بين البراءة أو الشغل و حصول التكليف و عدمه، فينفى بالأصل. قلت:

ليس التكليف بالأقل ثابتاً على طريق اللّابشرط ليكون ثبوت التكليف به على نحو الاطلاق، بل ثبوته هناك على سبيل الاجمال و الدوران بين كونه مطلوباً بذاته أو تبعاً للكل في ضمنه الخ.

و المستفاد من مجموع السؤال و الجواب أنّ السائل يريد أن يجعل القدر المشترك بين وجوب الأقل و وجوب الأكثر هو وجوب الأقل لا بشرط المعبّر عنه بالاطلاق لينحلّ العلم الاجمالي، لأنّ ذلك هو عين كون وجوب الأقل معلوماً بالتفصيل. و هو (قدس سره) في الجواب يمنع من ذلك و يقول: إنّ القدر المشترك بين‏

____________

(1) هداية المسترشدين 3: 564- 565.

271

وجوب الأقل و وجوب الأكثر ليس هو وجوب الأقل لا بشرط، بل القدر المشترك هو الوجوب المجمل المردّد بين كون الأقل واجباً بذاته أو في ضمن الأكثر (1)، و لا بدّ أن يكون ذلك القدر المشترك هو الوجوب لا بشرط المقسمي، نعني بذلك القدر المشترك بين اللّابشرط القسمي و بين البشرط شي‏ء، لا القدر المشترك بين الثلاثة حتّى ما يكون بشرط لا، لما عرفت من أنّ ما يكون بشرط لا خارج عن محلّ النزاع.

و كيف كان، فإنّ الوجوب المتعلّق بالأقل بذاته هو اللّابشرط القسمي، و أنّ الوجوب لا بشرط القسمي يباين الوجوب بشرط شي‏ء، فتكون المسألة من قبيل الدوران بين المتباينين.

قوله: فالماهية لا بشرط ليست مباينة بالهوية و الحقيقة للماهية بشرط شي‏ء- إلى قوله- و التقابل بينهما إنّما يكون بمجرّد الاعتبار و اللحاظ- إلى أن يقول- فإنّ التغاير الاعتباري لا يوجب خروج الأقل عن كونه متيقّن الاعتبار ... الخ‏ (2).

هذه حقائق راهنة، لكنّه يقول: و العلم التفصيلي بوجوب الأقل المردّد بين كونه لا بشرط أو بشرط شي‏ء هو عين العلم الاجمالي بالتكليف المردّد بين الأقل و الأكثر، و مثل هذا العلم التفصيلي لا يعقل أن يوجب الانحلال، لأنّه يلزم أن يكون العلم الاجمالي موجباً لانحلال نفسه‏ (3).

و لا يخفى أنّه بعد فرض كون الماهية ملحوظة لا بشرط المقسمي، أو

____________

(1) [في الأصل: أو في ضمن الأقلّ، و الصحيح ما أثبتناه‏].

(2) فوائد الأُصول 4: 154- 155.

(3) فوائد الأُصول 4: 160.

272

ملحوظة لا بشرط القسمي، أو ملحوظة بشرط شي‏ء، واحدة في الخارج، لا يكون هذا التغاير الاعتباري موجباً لخروج وجوب الأقل عن كونه معلوماً بالتفصيل، بل يكون ما يطرأ على الأقل من وجوبه لا بشرط المقسمي الذي هو نفس المعلوم بالاجمال، و وجوبه لا بشرط القسمي الذي هو أحد طرفي المعلوم بالاجمال متّحداً خارجاً مع وجوبه في ضمن الأكثر، الذي هو الطرف الآخر للمعلوم بالاجمال، و حينئذٍ فيكون المعلوم الاجمالي عين ذلك المعلوم بالتفصيل من وجوب الأقل و الشكّ البدوي في الزائد، لا أنّ المعلوم بالتفصيل هو عين المعلوم بالاجمال، فلاحظ و تأمّل.

و من ذلك يظهر لك الخدشة فيما أُفيد في العبارة السابقة من قوله: و من هنا قلنا إنّ الاطلاق ليس أمراً وجودياً، بل هو عبارة الخ‏ (1)، فإنّ تقابل الاطلاق و التقييد سواء قلنا إنّه من قبيل العدم و الملكة، أو قلنا إنّه من تقابل الضدّين، أو قلنا إنّه من تقابل النقيضين، لا يثمر فيما نحن فيه من إمكان الانحلال أو منعه، فإنّه يدور على الاتّحاد الخارجي، فلا يضرّ فيه التباين اللحاظي، فلا يكون القول بأنّ تقابلهما من قبيل تقابل الضدّين موجباً لكون المقام من قبيل المتباينين، كي يكون ذلك أساساً للقول بعدم الانحلال العقلي.

و من ذلك كلّه يظهر لك أنّ ما أُفيد أوّلًا في تقرير مذهب صاحب الحاشية مطابق لما فيها، لكن ما أُفيد في تقرير مذهب الأُستاذ (قدس سره) في تقريب عدم الانحلال العقلي هو عين ما ذهب إليه صاحب الحاشية. نعم هناك مطلب آخر طفحت به عبارات الحاشية و عبارات شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في هذا التقرير و غيره، و صرّح به‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 154.

273

الأُستاذ (قدس سره) كما أشار إليه في التقرير المطبوع في صيدا (1) و حرّرته عنه (قدس سره) مفصّلًا فيما حرّرته عنه (قدس سره)، و ذلك هو أنّ تحقّق العلم التفصيلي بوجوب الأقل إنّما يوجب الانحلال العقلي و الرجوع إلى البراءة العقلية فيما هو الزائد على ذلك القدر المعلوم، إذا لم يكن ذلك الزائد ممّا يتوقّف عليه الفراغ اليقيني عمّا علم وجوبه تفصيلًا و هو الأقل، و ذلك هو المفروض فيما نحن فيه، فإنّه بعد فرض العلم التفصيلي الوجداني المتعلّق بالأقل، يكون العقل حاكماً بلزوم الفراغ اليقيني عن ذلك المقدار الذي علم تفصيلًا، و لا يحصل الفراغ عنه إلّا بالاتيان بذلك الزائد، و لا يسوّغ له العقل حينئذ الاكتفاء بالخروج الاحتمالي.

قال (قدس سره) في رسالته في اللباس المشكوك التي طبعت في النجف الأشرف مع تقريرات درسه على المكاسب ص 266: و إمّا إن نستند في ذلك إلى خصوص ما يدلّ على البراءة الشرعية، و نمنع عن جريان الحكم العقلي المذكور (يعني قبح العقاب بلا بيان) لمنع كفاية مجرّد العلم بتعلّق التكليف المذكور بالأقل في الانحلال العقلي المتوقّف عليه تمامية البراءة العقلية، نظراً إلى أنّه بعد استقلال العقل بعدم جواز الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية عند قطعية التكليف، فلا يكاد أن يتمّ الانحلال العقلي بمعلومية التكليف في بعض الأطراف، و يندرج الآخر في مجاري البراءة العقلية، إلّا مع عدم استلزامه لهذا المحذور، و لا يكاد يتحقّق ذلك إلّا مع كون المعلوم التفصيلي بحيث لا يتوقّف القطع بموافقته على انضمام المحتمل الآخر إليه و إطلاقه بالنسبة إليه، و إلّا فمع إهماله من هذه الجهة، و تردّده بين أن يكون بالنسبة إليه على وجه الاطلاق أو التقييد، كما هو الحال في الارتباطيات، فلا يكاد يتحقّق القطع بموافقة القدر الثابت مع عدم انضمام‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 492- 493.

274

المحتمل الآخر إليه، فضلًا عن أن يوجب الانحلال، بل ليس إجمال العلم هاهنا إلّا عبارة أُخرى عمّا ذكر من الإهمال، فلا يعقل أن يجعل نفس القضية المهملة موجبة للانحلال‏ (1)، انتهى ما أفاده (قدس سره).

و ما أفاده من قوله (قدس سره): بل ليس إجمال العلم هنا إلّا عبارة أُخرى عمّا ذكر من الاهمال (يعني القضية المدّعى كونها تفصيلية و هي وجوب الأقل مردّداً بين كونه بنفسه أو في ضمن الأكثر) هو المشار إليه في التقرير المزبور، و أساس المطلب هو ما صرّح به أوّلًا من عدم الاكتفاء بالاطاعة الاحتمالية في قبال الشغل اليقيني، و ليس المراد به الشغل اليقيني بالنسبة إلى المعلوم بالاجمال كما تضمّنه تعبير التقرير، بل المراد به كما صرّح به بقوله: إلّا مع كون المعلوم التفصيلي الخ، هو الشغل اليقيني بالنسبة إلى المعلوم بالتفصيل الذي هو وجوب الأقل، فإنّه و إن كان معلوماً بالتفصيل، إلّا أنّ الاتيان به وحده لا يكون محصّلًا للفراغ عنه يقينياً، لاحتمال وجوب الأكثر، المفروض أنّه على تقدير كونه هو الواجب يكون وجوده شرطاً في سقوط الأمر المتعلّق بالأقل، كما هو الشأن في الارتباطية.

و كيف [كان‏] فإنّ هذه الشبهة في عدم الانحلال العقلي قويّة، لأنّ العلم التفصيلي إنّما يوجب الانحلال العقلي إذا أمكن الرجوع إلى البراءة العقلية فيما زاد على ذلك المقدار المعلوم بالتفصيل، و المفروض فيما نحن فيه عدم إمكان ذلك، لأنّ ذلك القدر المعلوم تفصيلًا قد اشتغلت به الذمّة يقيناً، و ذلك يستدعي الفراغ اليقيني حتّى عند القائلين بأنّ العلم الاجمالي غير منجّز للتكليف، لأنّ المفروض أنّ ذلك المقدار قد وقع متعلّقاً للعلم التفصيلي، و مقتضى العلم التفصيلي بوجوبه هو حكم العقل بلزوم الخروج اليقيني عنه، و مع كون المورد

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 297- 301 (طبعة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)).

275

مورداً لحكم العقل بلزوم الفراغ اليقيني و تحقّق احتمال الضرر في الفراغ الاحتمالي، كيف يمكننا القول بأنّه يحكم بقبح العقاب على ترك ذلك الزائد بلا بيان.

و قد أجاب بعض أجلّة العصر عن هذه الشبهة فيما حرّرته عن درسه سلّمه اللَّه‏ (1)، و هاك نصّ ما حرّرته: و هو أنّ الجواب يتوقّف على مقدّمات:

الأُولى: أنّ محلّ الكلام في الأقل و الأكثر الارتباطيين ممحّض لهذه الجهة- أعني الارتباط- مع قطع النظر عن الجهات الأُخر من اعتبار الترتيب أو الموالاة بين الأجزاء، فإنّ ذلك غير لازم للارتباطية، إذ ربما اعتبرت الموالاة في الواجبات غير الارتباطية، و ربما اعتبر فيها الترتيب كما في صلاة الظهرين، كما أنّه ربما لم يعتبر الموالاة في الواجبات الارتباطية كما في الغسل الترتيبي، بل ربما لم يعتبر الترتيب فيها، كما قيل في مسح القدمين في الوضوء، و كما قيل به في غسل الشقّين في الغسل الترتيبي.

المقدّمة الثانية: أنّ كلّ واحد من أجزاء المركّب الارتباطي يكون بنفسه متعلّقاً للوجوب، بلا اعتبار قيد يوجب مباينته مع الكل. و بعبارة أُخرى: إذا دار الأمر بين وجوب الأجزاء الأربعة و بين وجوب الخمسة، فالأربعة لا يختلف حالها، سواء كانت بنفسها متعلّقة للوجوب أو كانت في ضمن الخمسة، بحيث إنّها على تقدير تعلّق الوجوب بها فقط لا تكون مباينة لنفسها على تقدير تعلّق الوجوب بالخمسة. و بالجملة: فالأربعة لا تكون مقيّدة بشرط لا على تقدير تعلّق الوجوب بها، كما أنّها لا تكون مقيّدة بشرط انضمام الخامس على تقدير تعلّقه بالخمسة، فعلى تقدير تعلّق الوجوب بالخمسة لا يكون عدم سقوطه بالاتيان‏

____________

(1) بتاريخ ذي الحجّة 1340 ه ق [منه (قدس سره)‏].

276

بالأربعة لقصور في ناحية الأربعة، بل لقصور في ناحية الوجوب، لعدم تناوله الأربعة في حال عدم وجود الخامس، فيكون عدم سقوط وجوب الأربعة على هذا التقدير لأجل عدم امتثال الخامس الملازم لوجوب الأربعة، لا لأجل عدم الاتيان بمتعلّق وجوب الأربعة.

المقدّمة الثالثة: أنّ محصّل قاعدة الاشتغال هو أنّ العقل حاكم بلزوم الاتيان بما تعلّق به التكليف، فإنّما يجب علينا عقلًا الخروج عن عهدة التكليف بالاتيان بموضوعه و متعلّقه، و لا يحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الآخر الملازم للتكليف المتعلّق بالأقل على تقدير وجوب الأكثر.

إذا عرفت هذه المقدّمات تعرف أنّ الشبهة المذكورة إنّما تتمّ على تقدير كون قاعدة الاشتغال حاكمة بلزوم امتثال ما يكون ملازماً للتكليف، أمّا إذا لم يكن محصّلها إلّا لزوم الاتيان بمتعلّق التكليف المعلوم و تحصيل القطع بحصول متعلّقه، فلا تتمّ الشبهة المزبورة.

و حاصله: أنّه لو فرضنا كون الواجب في الواقع هو الأكثر، فعدم سقوط الوجوب المتعلّق بالأقل عند الاتيان به لم يكن لعدم حصول متعلّقه أعني الأقل، بل لعدم سقوط ذلك المقدار من الوجوب المتعلّق بالزائد، لما هو مقتضى الارتباط من التلازم بين الوجوبين التحليليين الناشئ عن وحدة الوجوب المتعلّق بتلك الأشياء المتعدّدة، فإنّ هذا- أعني وحدة الوجوب و عدم وحدته- هو المائز بين الارتباطيين و الاستقلاليين، لا أنّ كلّ واحد من أجزاء الواجب في الارتباطيات مقيّد بالانضمام دون الاستقلاليات. و إذا كان المنشأ في عدم سقوط الأقل بالاتيان بنفس الأقل- لو كان الواجب في الواقع هو الأكثر- هو عدم سقوط المقدار التحليلي من الوجوب المتعلّق بالزائد على الأقل، ففي الحقيقة يكون عدم‏

277

سقوطه بذلك، لا من جهة عدم حصول متعلّقه، و إلّا لكان البعث إلى الأقل ممكناً مع الاتيان به، و من الواضح امتناع ذلك، بل إنّما يكون عدم السقوط من جهة عدم حصول الأجزاء الزائدة.

و بالجملة: فعدم امتثال الأكثر تارةً يكون لعدم الاتيان بالأقل و الأكثر جميعاً، و تارة يكون لعدم الاتيان بالمقدار الزائد و إن أتى بالأقل، ففي صورة الاتيان بالأقل لا يكون نقصان في ناحية الأقل، و إنّما النقصان من جهة عدم الاتيان بذلك المقدار الزائد، و حينئذٍ ففيما نحن فيه من العلم الاجمالي المردّد بين الأقل و الأكثر، بعد فرض الانحلال و كون الأقل معلوم الوجوب تفصيلًا، لا يحكم العقل إلّا بالفراغ اليقيني عن الأقل الذي علم اشتغال الذمّة به، فإنّ ذلك موجب لسقوطه. انتهى ما حرّرته عنه سلّمه اللَّه. و قد أوضح ذلك (قدس سره) في مقالتيه في مسألة التعبّدي و التوصّلي‏ (1)، و في مبحث الأقل و الأكثر، فراجع‏ (2).

و لا يخفى أنّ الحجر الأساسي في هذه المقدّمات إنّما هو المقدّمة الثانية الراجعة إلى دعوى انحصار المائز بين الارتباطيات و غيرها في أنّ الارتباطيات يكون الوجوب فيها واحداً، و في غيرها يكون متعدّداً، و أنّ الارتباطية لا توجب تقييد كلّ جزء بالانضمام إلى الجزء الآخر، و أنّ عدم سقوط الواجب الارتباطي فيما لو أتى به فاقداً لبعض الأجزاء إنّما هو من جهة عدم امتثال الأمر الضمني المتعلّق بذلك المفقود، لا من جهة أنّه لم يأت بالمأمور به أصلًا، و إلّا كان اللازم عليه التكرار، بل من جهة أنّ عدم سقوط الأمر المتعلّق بالباقي يوجب عدم سقوط الأمر بذلك المقدار الذي قد أتى به، لأجل الملازمة بين الوجوب من حيث‏

____________

(1) مقالات الأُصول 1: 245- 246.

(2) مقالات الأُصول 2: 261- 262.

278

الحدوث و البقاء.

و لكن الظاهر أنّ هذه المقدّمة لا يمكن إثباتها، لأنّ المأتي به إذا لم يكن فيه خلل لا يعقل عدم سقوط أمره، فإنّ الاتيان بمتعلّق الأمر علّة تامّة لسقوطه، فلا يعقل بقاؤه ما لم يكن الباقي قيداً في صحّة المأتي به.

و لا يخفى أنّ جهة التلازم بين الوجوبين في مرحلة الحدوث و البقاء و إن أوجبت توقّف سقوط الوجوب عمّا أتى على الاتيان بالباقي، إلّا أنّ هذه الجهة- أعني جهة التلازم بين الوجوبين- لمّا كانت ناشئة عن وحدة الوجوب الناشئة عن وحدة المتعلّق، التي ليست هي إلّا اعتبار كون مجموع تلك الأجزاء شيئاً واحداً الذي ليس هو إلّا عبارة عن كون كلّ من الأجزاء مقيّداً بوجود الجزء الآخر، كان الأمر بالأخرة منتهياً إلى أنّ المنشأ في عدم سقوط الوجوب عمّا أتى به هو كون كلّ من تلك الأجزاء مقيّداً بالباقي.

و بالجملة: أنّ الارتباطية توجب تقييد بعض الأجزاء ببعض، بحيث إنّه يكون فقدان المركّب لبعض الأجزاء موجباً للنقص بالأجزاء الموجودة على وجه لا تكون مسقطة للأمر المتعلّق بها نفسها، و غاية ذلك هو أن يكون المتأخّر من الأجزاء شرطاً في صحّة المتقدّم، فيكون كسائر ما ظاهره من قبيل الشرط المتأخّر حتّى أنّ بعض الأساطين التزم بأنّ امتثال الأمر المتعلّق بمجموع الصلاة لا يكون إلّا عند الفراغ من ميم السلام عليكم، و قد تعرّض لذلك شيخنا الأُستاذ الأعظم (قدس سره) في بعض مباحث الواجب المعلّق و المشروط (1).

و من ذلك يتّضح أنّ الارتباطية بهذا المعنى من تقييد بعض الأجزاء ببعض‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في الصفحة: 93 و ما بعدها، و كذا راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 15 و ما بعدها.

279

و عدم سقوط الأمر المتعلّق بالأوّل إذا لم يأت بالثاني، لا يوجب التكرار في الأوّل بل إنّ الأمر المتعلّق بالأوّل يكون سقوطه معلّقاً على الاتيان بالثاني، كما هو الشأن في كلّ ما يكون الثاني شرطاً في الأوّل.

ثمّ لا يخفى أنّا لو التزمنا بما أفاده من معنى الارتباطية، الذي هو التلازم بين الوجوبين في مرحلة الحدوث و البقاء، من دون أن يكون الجزء الخامس شرطاً في الأجزاء الأربعة، لم نتخلّص من الشبهة، إذ لا يكون الاقتصار على الأقل إلّا من قبيل الشكّ في سقوط الأمر المتعلّق بذلك الأقل، لأنّ المفروض أنّه لو كان الخامس واجباً في الواقع، لكان الأمر بالأربعة عند عدم الاتيان به باقياً بحاله لم يسقط إلّا عند الاتيان بالخامس.

ثمّ إنّك حيث قد عرفت أنّ الارتباطية توجب تقييد كلّ من الأجزاء بالبواقي يتّضح لك أنّ الارتباطية في الأجزاء محتاجة إلى تصرّفين: أحدهما جعل وجوب الجزء أو جعل الجزء، و الآخر جعل وجوب الارتباط بين هذا الجزء و بين غيره من الأجزاء، أو جعل شرطية الارتباط المذكور، من دون فرق في ذلك بين أن يتصدّى ابتداءً لجعل شرطية الارتباطية، أو أنّه يعلّق به الأمر الشرطي، أو أنّه يأمر بالمركّب الواجد لذلك الشرط، أو أنّه يكون منتزعاً من جعل الوجوب الواحد وارداً على تمام الأجزاء المنظورة بعنوان الوحدة، أو غير ذلك من الطرق التي ينتزع منها الشرطية.

و الحاصل: أنّ كلّ واحد من أجزاء الواجب الارتباطي يتحمّل تكليفين:

التكليف المتعلّق به في ضمن الكل، و التكليف المتعلّق بربطه بباقي الأجزاء و ربط باقي الأجزاء به، بحيث يكون الجزء مأموراً به من حيث نفسه و لو ضمناً، و مأموراً به من حيث إنّ وجوده يكون شرطاً في صحّة باقي الأجزاء.

280

نعم، إنّ ما هو الشرط في الواجبات الارتباطية مثل الطهارة في حال الصلاة مثلًا لا يتحمّل إلّا وجوباً واحداً، و هو وجوبه من حيث إنّ وجوده يكون شرطاً في صحّتها، و ذلك هو عين الارتباطية.

و حاصل الفرق: أنّ وجوب الجزء لمّا لم يكن عين الارتباطية، كانت ارتباطيته محتاجة إلى جعل آخر، أمّا وجوب الشرط فإنّه لمّا كان عين الارتباطية لم يكن محتاجاً إلى جعلين.

و لا يخفى أنّ عمدة النظر في المقام إنّما هو إلى جعل الارتباطية، الذي هو الجعل الثاني في الأجزاء و الجعل الوحيد في الشرائط، فإنّ هذا الجعل و التقييد هو المنشأ في الإشكال السابق، أعني كون المقام من قبيل الشكّ في الامتثال، و أنّه لا يسوّغ لنا العقل الموافقة بالاحتمال بعد إحراز الشغل اليقيني على ما عرفت تفصيله في الشبهة المتقدّمة.

و حينئذٍ نقول بعونه تعالى في حلّ الشبهة المرقومة: إنّ الواجب الارتباطي المردّد بين كونه أربعة أجزاء أو خمسة أجزاء، لو كان في الواقع مركّباً من خمسة أجزاء، يكون الجزء الخامس واجباً بوجوبين: أحدهما الجزئي المعبّر عنه بالوجوب النفسي الضمني، و الآخر الوجوب الشرطي المعبّر عنه بالوجوب الغيري المقدّمي، بل يمكن القول بأنّ الوجوب الثاني أيضاً وجوب نفسي على ما حقّقه الأُستاذ (قدس سره) في مبحث مقدّمة الواجب‏ (1) من كون الشروط ممّا يترشّح عليها الوجوب النفسي.

و لا يخفى أنّ الوجوب الثاني للجزء المذكور و إن كان بعد فرض الارتباطية

____________

(1) راجع مبحث الواجب النفسي و الغيري في أجود التقريرات 1: 255- 256، و راجع أيضاً المجلّد الثاني من هذا الكتاب، الصفحة: 196 و ما بعدها.

281

بين جميع الأجزاء ملازماً للوجوب الأوّل، إلّا أنّه ليس بمسبّب عنه، بل يكون كلّ منهما معلولًا للملاك الذي اقتضى تعلّق الوجوب الجزئي بالخامس، و تعلّق الوجوب الشرطي الذي محصّله تقييد الأربعة بوجود الخامس، و حينئذٍ نقول: إذا علمنا تفصيلًا بوجوب الأربعة، يكون تقييد تلك الأربعة بوجود الخامس و اشتراطها بوجوده مشكوكاً، فيكون مورداً لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، كما يكون الوجوب النفسي لذلك الخامس أيضاً مشكوكاً و مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و دعوى أنّ العلم التفصيلي بوجوب الأربعة يوجب حكم العقل بلزوم الفراغ اليقيني منها، و إن كانت مسلّمة لا إشكال فيها، إلّا أنّ ذلك الحكم العقلي بلزوم اليقين بالفراغ منها إنّما يكون بمقدار ما قامت الحجّة باشتغال الذمّة به، و ليس هو إلّا نفس ذات الأربعة دون تقيّدها بالخامس، إذ لم يكن المعلوم التفصيلي إلّا وجوب ذات الأربعة، و أمّا تقيّدها بالخامس فلم يكن إلّا مشكوكاً.

و إن شئت قلت: إنّ ذلك العلم التفصيلي المتعلّق بوجوب ذات الأربعة لا يقتضي بحكم العقل أزيد من لزوم الاتيان بها و المنع من تركها بنفسها، أمّا تركها بترك قيدها مع فرض الاتيان بها بنفسها فلم تقم الحجّة على المنع عنه، فيكون العقاب على تركها بترك ذلك القيد مع فرض الاتيان بها بذاتها عقاباً بلا بيان. و إن شئت قلت: إنّ العقاب على ترك ذلك القيد يكون بلا بيان.

و الحاصل: أنّ جهة تقيّد الأربعة بوجود ذلك الخامس لمّا كانت شرعية ناشئة عن جعل الشارع، و كانت تلك الجهة مستتبعة للعقاب، فمع فرض كونها مشكوكة يكون العقاب على مخالفتها عقاباً بلا بيان، و لا يكفي في بيانها و قيام الحجّة عليها العلم التفصيلي بوجوب الأربعة، فإنّ العلم التفصيلي و إن اقتضى‏

282

الفراغ اليقيني، إلّا أنّه إنّما يقتضي الفراغ اليقيني عمّا هو داخل تحت العلم، دون ما هو خارج عمّا هو تحت العلم المزبور ممّا هو في حدّ نفسه مجرى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و لعلّ هذا هو المراد من التوسّط في التنجّز في كلام الشيخ (قدس سره)(1)، فإنّ ذلك المركّب لو كان في الواقع مركّباً من خمسة أجزاء، بحيث كان كلّ واحد من تلك الأجزاء مقيّداً بوجود الجزء الخامس، لكانت الأربعة مقيّدة في الواقع بوجود الجزء الخامس، و كانت بنفسها متنجّزة، للعلم التفصيلي بطروّ الوجوب عليها، و كان مقتضى تنجّزها هو استحقاق العقاب على تركها، إلّا أنّ الأربعة التي في ضمن الخمسة يكون تركها على نحوين، أحدهما تركها بنفسها، و الآخر تركها بترك الخامس المأخوذ قيداً فيها مع فرض الاتيان بها بنفسها، و المقدار الذي أوجبه العلم هو الأوّل أعني تركها بنفسها، فإنّا نعلم بكونه ممنوعاً عنه موجباً لاستحقاق العقاب، و أمّا النحو الثاني فلم يحصل لنا العلم بالمنع عنه و لا باستحقاق العقاب عليه، فلا يكون العقاب على ذلك النحو من الترك إلّا عقاباً بلا بيان، و لا يكون مورداً لقاعدة الشغل، فإنّ العقل إنّما يحكم بلزوم الفراغ اليقيني بمقدار الشغل الذي قامت به الحجّة، و المفروض أنّ الحجّة لم تقم إلّا على اشتغال الذمّة بذات الأربعة، دون تقيّدها بالخامس، و لا يمكن للشارع أن يحتجّ على العبد بأنّك بعد أن علمت بوجوب الأربعة كان يلزمك الخروج عن عهدتها يقيناً، و أن لا تعتمد في ذلك على احتمال الخروج، لأنّ للعبد أن يقول إنّي لم أعتمد على الخروج الاحتمالي، و إنّما اعتمدت في الخروج عمّا علمت على‏

____________

(1) الظاهر أنّ هذا الاصطلاح متصيّد من كلمات الشيخ (قدس سره) عند استدلاله بالبراءة العقلية في مسألة الأقلّ و الأكثر، فراجع فرائد الأُصول 2: 322- 323.

283

الخروج اليقيني، و أمّا احتمال كون الأربعة مقيّدة بالخامس، فإنّي لم أعلم به.

و إن شئت قلت: إنّ الشكّ في الخروج عن عهدة ما علم اشتغال الذمّة به، تارةً يكون ناشئاً عن الشكّ في كلفة زائدة على أصل ما علم اشتغال الذمّة به، بحيث يكون الشكّ في الخروج عن العهدة ناشئاً عن الشكّ في تكليف شرعي آخر جعله الشارع على عاتق المكلّف فوق ما علم به من التكليف، و أُخرى لا يكون ناشئاً عن ذلك، بل يكون من باب مجرّد احتمال الخروج لأجل بعض العوارض و الطوارئ، كما في مثل الشكّ في المحصّل، و كما في موارد الشكّ في الخروج في باب الشبهات الموضوعية، و العقل إنّما يلزم بالفراغ اليقيني و يمنع من الاعتماد على الفراغ الاحتمالي فيما إذا كان من النحو الثاني، أمّا النحو الأوّل فإنّا و إن سمّيناه شكّاً في الخروج عن العهدة، و إنّما هو شكّ في تكليف زائد أوجب الشكّ في الخروج عن العهدة، فهذا النحو من الاعتماد على الخروج الاحتمالي لا يمنعه العقل، إذ ليس هو إلّا شكّاً في تكليف زائد، فلا يكون العقاب عليه إلّا عقاباً بلا بيان، هذا.

و لكن المطلب بعدُ محتاج إلى تأمّل، فإنّ قاعدة قبح العقاب بدون بيان إنّما تجري في مقام الشكّ في الاشتغال، لا في مقام الشكّ في الفراغ حتّى لو كان الشكّ في الفراغ ناشئاً عن الشكّ في الاشتغال، إلّا إذا كان هناك أصل ينفي الاشتغال، و المفروض فيما نحن فيه أنّه قد انشغلت الذمّة بالأربعة، و لا بدّ من اليقين بالفراغ منها، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان و إن جرت في قيدية الخامس أو في وجوبه، لكنّها لا تكون نافعة في حصول الفراغ بالاتيان بالأربعة، لأنّ العقاب الذي يحكم العقل بقبحه إنّما هو على ترك الخامس أو ترك التقيّد به، و هذا لا يكون منافياً لحكمه بلزوم تحصيل اليقين بالفراغ ممّا اشتغلت به الذمّة و هو نفس‏

284

الأربعة، و هذا هو المستفاد من كلمات شيخنا (قدس سره) في هذا التحرير من قوله:

و بتقريب آخر- إلى قوله- فتحصّل من جميع ما ذكرنا الخ‏ (1).

و لكن لا يخفى أنّ العقاب الذي حكم العقل بقبحه فيما نحن فيه ليس هو على ترك الخامس أو ترك التقيّد به فيما لو أتى بالأربعة مجرّدة عن الخامس، فإنّ لازم ذلك هو كون وجود الأربعة مسقطاً للوجوب المتعلّق بها، و بقاء الوجوب المتعلّق بالخامس أو المتعلّق بالتقيّد بالخامس، و هذا خلاف الفرض من الارتباطية، فلا بدّ أن يكون العقاب الذي حكم العقل بقبحه عند ترك الخامس هو العقاب على ترك الأربعة المقيّدة بالخامس، و حينئذٍ نقول عند الوصول إلى مرتبة الفراغ لو جاء المكلّف بالأربعة فقط لا يحكم عليه العقل بلزوم الخامس من جهة كون شغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ، لأنّه إنّما يستدعي الفراغ اليقيني تخلّصاً من العقاب المحتمل على ترك الأربعة المقيّدة، و هذا قد طمأنه العقل بعدم العقاب عليه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلا يكون المورد حينئذ مورداً لقاعدة شغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في بيان جريان البراءة الشرعية ما يزيد ذلك وضوحاً (2).

قوله: لأنّ العلم باشتغال الذمّة يستدعي العلم بالفراغ ... الخ‏ (3).

كأنّه يقال: دع عنك العلم الاجمالي، بدعوى أنّه منحل، أو بدعوى أنّ أحد طرفيه و هو كون الأربعة لا بشرط لا الزام فيه في قبال ما فيه الالزام و هو كونها بشرط شي‏ء، إلّا أنّ هنا أمراً لا مدفع له و هو العلم و لو إجمالًا بانشغال ذمّته‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 161- 162.

(2) راجع الحاشية الآتية في الصفحة: 296 و ما بعدها.

(3) فوائد الأُصول 4: 159.

285

بالأربعة مردّداً بين الوجهين، و شغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و ذلك لا يحصل إلّا بالاتيان بها منضمّة إلى الخامس، و حينئذٍ يكون اللازم هو ضمّ الخامس إليها و إن كان تقيّد الأربعة بالخامس أو وجوب نفس الخامس في حدّ نفسه مجرى للبراءة العقلية، أعني قبح العقاب بلا بيان.

قوله: فإنّ العلم التفصيلي بوجوبه يتوقّف على وجوب الصعود على السطح، إذ مع عدم وجوب الصعود كما هو لازم الانحلال لا يعلم تفصيلًا بوجوب النصب‏- إلى قوله- و ثانياً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ ذلك بمجرّده لا يكون فارقاً بين هذه المسألة و ما نحن فيه، إذ كما أنّ العلم التفصيلي بوجوب النصب يتوقّف على وجوبه على كلّ تقدير، من وجوبه بنفسه و وجوبه بوجوب ما يتوقّف عليه من الصعود على السطح، فكذلك نقول: إنّ العلم بوجوب الأربعة يتوقّف على وجوبها على كلّ تقدير من وجوبه بنفسه و وجوبه بوجوب ما هو في ضمنه أعني الخمسة. و إنّما الفارق هو أنّ العلم المردّد بين وجوب نصب السلّم لنفسه و بين وجوبه لغيره لا يكون موجباً للعلم التفصيلي بوجوبه على كلّ حال، بحيث إنّه يستحقّ العقاب على تركه، لما حرّرته عنه (قدس سره) من أنّ العلم بوجوبه إمّا لنفسه أو لغيره لا يوجب انحلال العلم بالوجوب النفسي المردّد بين الكون على السطح أو نصب السلّم، فإنّه و إن احتمل انطباق الوجوب المعلوم بالاجمال عليه، إلّا أنّ العلم بوجوب نصب السلّم المردّد بين النفسي و الغيري لا يكون علماً من سنخ ذلك الوجوب النفسي المعلوم بالاجمال المردّد بينه و بين الكون على السطح.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 157 158 [يأتي التعليق على هذا المتن أيضاً في الصفحة: 294].

286

قلت: و الأولى أن يقال: إنّ العلم الاجمالي المردّد بين وجوب نصب السلّم و وجوب الكون على السطح يكون سابقاً في الرتبة على العلم الاجمالي المردّد بين وجوب نصب السلّم نفسياً أو وجوبه غيرياً، فلا يكون العلم التفصيلي بلزوم نصب السلّم المتولّد من هذا العلم الاجمالي الثاني موجباً لانحلال العلم الاجمالي الأوّل لتأخّره عنه برتبتين، و هذا بخلاف ما نحن فيه، لأنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقل نفسياً إمّا وحده أو في ضمن الأكثر غير متأخّر في الرتبة عن العلم الاجمالي المردّد بين الأقل و الأكثر، بل إنّه عينه.

قوله: فإنّ وجوب الأقل على تقدير كونه مقدّمة لوجود الأكثر إنّما يتوقّف على تعلّق واقع الطلب بالأكثر لا على تنجّز التكليف به، لأنّ وجوب المقدّمة يتبع وجوب ذي المقدّمة واقعاً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ هذا لو تمّ لكان مقتضاه الانحلال في مسألة نصب السلّم، لكن قد عرفت عدم الانحلال فيها بما هو الفارق بينها و بين ما نحن فيه، و لعلّ قوله:

«فتأمّل» إشارة إلى ذلك.

و توضيح ذلك: أنّ قول صاحب الكفاية (قدس سره) في مقام بيان محالية الانحلال:

بداهة توقّف لزوم الأقل فعلًا إمّا لنفسه أو لغيره على تنجّز التكليف مطلقاً و لو كان متعلّقاً بالأكثر، فلو كان لزومه كذلك مستلزماً لعدم تنجّزه إلّا إذا كان متعلّقاً بالأقل كان خلفاً، مع أنّه يلزم من وجوده عدمه، لاستلزامه عدم تنجّز التكليف على كلّ حال المستلزم لعدم لزوم الأقل مطلقاً المستلزم لعدم الانحلال، و ما يلزم من وجوده عدمه محال الخ‏ (2)، إن كان المراد بقوله: لزوم الأقل، في قوله: «بداهة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 158.

(2) كفاية الأُصول: 364.

287

توقّف لزوم الأقل إمّا لنفسه أو لغيره على تنجّز التكليف مطلقاً، و لو كان متعلّقاً بالأكثر» هو مجرّد وجوب الأقل، فمن الواضح أنّ وجوب الأقل لا يتوقّف على تنجّز وجوب الأكثر، بل إنّما يتوقّف على وجوبه واقعاً. و هكذا الحال في وجوب نصب السلّم، فإنّه لا يتوقّف على تنجّز وجوب الكون على السطح، بل إنّما يتوقّف على الوجوب الواقعي للكون على السطح.

و إن كان المراد بلزوم الأقل هو تنجّز وجوبه، فمن الواضح أن تنجّز وجوب الأقل لا يتوقّف على تنجّز وجوب الأكثر، فإنّ تنجّز وجوب الأقل إنّما يتوقّف على العلم بوجوب الأقل و هو حاصل، غايته أنّه لا يعلم أنّه مستقل بالوجوب أو أنّه في ضمن الأكثر، و هذا المقدار من التردّد لا يضرّ بكون العلم به في الجملة علّة في تنجّزه، و هو و إن أوجب عدم تنجّز الأكثر إلّا أنّ انحلال العلم به لا يوجب المحال، لما عرفت من أنّ تنجّز وجوب الأقل لم يكن ناشئاً عن تنجّز الأكثر، كي يكون من قبيل كون المعلول رافعاً لعلّته، بل إنّما كان تنجّز وجوب الأقل ناشئاً عن العلم به تفصيلًا.

نعم، في مسألة نصب السلّم و الكون على السطح، لا يمكننا القول بأنّ العلم التفصيلي بوجوب النصب لنفسه أو لغيره يوجب انحلال العلم الاجمالي المردّد بين كون الواجب نفسياً هو النصب أو الكون على السطح، لأنّ هذا العلم التفصيلي متأخّر رتبة عن ذلك العلم الاجمالي فلا يعقل انحلاله به، بخلاف مسألة الأقل و الأكثر، فإنّ وجوب الأقل ضمناً لمّا كان بعين وجوب الأكثر، لم يكن العلم به متأخّراً رتبة عن العلم بوجوب الأكثر، بل كان العلم بوجوب الأكثر علماً بوجوب الأقل، غايته أنّه في ضمنه لا مستقلًا، فنحن في رتبة علمنا بالوجوب المردّد بين الأقل و الأكثر نكون عالمين بوجوب الأقل، غايته أنّه مردّد

288

بين الاستقلالية و الضمنية، و هذا بخلاف نصب السلّم فإنّه على تقدير كون الكون على السطح واجباً، لا يكون بنفس وجوب الكون، بل يكون معلولًا له و متأخّراً عنه رتبة.

لكن لا يخفى أنّ هذا إنّما يكون من تأخّر المعلوم ثانياً عن المعلوم الاجمالي أوّلًا، و المدار في التنجّز على تقدّم العلم و تأخّره، و حينئذٍ لو علم أوّلًا تفصيلًا بكون النصب واجباً إمّا لنفسه و إمّا مقدّمة لواجب فعلي هو الكون على السطح، و عن هذا العلم التفصيلي انتقل إلى العلم الاجمالي المردّد بين كون الواجب النفسي هو النصب أو هو الكون، ينبغي أن نقول إنّه لا أثر لهذا العلم الاجمالي الحاصل ثانياً، و تمام الكلام في محلّه من مقدّمة الواجب، فقد التزم شيخنا (قدس سره) هناك بعدم الأثر للعلم الاجمالي الثاني في هذه الصورة، فراجع تحريرات السيّد سلّمه اللَّه عنه (قدس سره) في ذلك المبحث، و هاك نصّ ما قاله هناك في الجزء الأوّل من الطبعة الأُولى: و أُخرى لا يعلم إلّا وجوب ما يدور أمره بين المقدّمية و النفسية، و يحتمل أن يكون هناك واجب آخر فعلي يكون هذا مقدّمة له، و حينئذٍ لا إشكال في وجوب الاتيان به على كلّ حال، للعلم باستحقاق العقاب على تركه إمّا لنفسه أو لكونه مقدّمة لواجب فعلي، و أمّا ترك الواجب النفسي المحتمل من غير ناحيته فهو جائز لأصالة البراءة. و بالجملة: تركه المستند إلى ترك معلوم الوجوب ممّا يوجب العقاب، و أمّا تركه من غير ناحيته فالمكلّف لجهله في سعة منه، و تشمله أدلّة البراءة.

و أمّا ما في الكفاية (1) من التمسّك بالبراءة في المقام، فغير سديد بعد البناء

____________

(1) ليس ذلك في الكفاية، كما حرّرناه في محلّه و كما حرّره السيّد سلّمه اللَّه في حاشيته، لكن لم أجد ذلك منسوباً إلى الكفاية في تحريراتي، و في تحريرات المرحوم الشيخ محمّد علي [فوائد الأُصول 1- 2: 223] بعنوان «فقد قيل»، و حينئذٍ فالنسبة إلى الكفاية من مختصّات تحرير السيّد سلّمه اللَّه فلاحظ. قال في الكفاية]: 110] هذا إذا كان هناك إطلاق، و أمّا إذا لم يكن فلا بدّ من الاتيان به فيما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطاً له فعلياً للعلم بوجوبه فعلًا و إن لم يعلم جهة وجوبه، و إلّا فلا، لصيرورة الشكّ فيه بدوياً كما لا يخفى [منه (قدس سره)‏].

289

على التفكيك في التنجّز في مبحث الأقل و الأكثر، و ما نحن فيه أيضاً من ذاك القبيل، للعلم التفصيلي باستحقاق العقاب على ترك معلوم الوجوب إمّا لنفسه أو لتوقّف واجب فعلي عليه و كونه قيداً له، و إن لم يكن ذاك الوجوب منجّزاً من جهات أُخر، فإنّ عدم تنجّزه من جهة أُخرى لا ينافي تنجّزه من جهة، و أصالة البراءة لا تنافي فعليته واقعاً و تنجّزه بمقدار العلم، فتدبّر جيّداً (1).

لا يقال: يمكن أن يكون مراد صاحب الكفاية من الفعلية ما يكون معلوم الوجوب، ففي الصورة الأُولى حيث كان ذو المقدّمة معلوم الوجوب، بأن علم بوجوب الصلاة و علم أيضاً بوجوب الغسل و تردّد في وجوبه بين النفسية و الغيرية مقدّمة للصلاة المعلومة الوجوب، كان الاتيان به واجباً على كلّ حال.

و في الصورة الثانية لم تكن الصلاة معلومة الوجوب، بل كانت البراءة جارية في وجوبها، فلم يبق إلّا احتمال وجوب الغسل نفسياً المقرون باحتمال الغيرية مقدّمة للصلاة التي جرت البراءة في وجوبها، و حينئذٍ تكون البراءة جارية أيضاً في الوجوب النفسي للغسل.

لأنّا نقول: لا يمكن حمل كلامه على هذه الصورة، لأنّه يقول في مسألة

____________

(1) أجود التقريرات 1: 249- 250 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشّاة].

290

الأقل و الأكثر (1) إنّ الوجوب المردّد بين النفسية و الغيرية لا يوجب انحلال العلم الاجمالي المردّد بين الوجوب النفسي للأقل و الوجوب النفسي للأكثر، و لازم حمل كلامه هنا على هذه الصورة أن تجري البراءة في كلّ من الوجوبين النفسيين، ففي مثل الغسل المردّد بين الوجوب النفسي و الوجوب الغيري للصلاة المفروض أنّه يعلم حينئذ بالوجوب النفسي مردّداً بين الغسل و الصلاة، يكون الحاصل هو إجراء البراءة الشرعية في كلّ من وجوب الغسل نفسياً و وجوب الصلاة نفسياً، مع أنّه عالم إجمالًا بأنّ أحدهما واجب نفسي، فيكون اللازم من ذلك هو المخالفة القطعية لما علمه من الوجوب النفسي بينهما، و هذا ممّا لا يظنّ الالتزام به من ذي مسكة، فكيف يمكن نسبته إليه.

و ممن يظهر منه تفسير العبارة بذلك السيّد (سلّمه اللَّه تعالى) في حقائقه‏ (2)، فإنّه ذكر للمسألة- أعني ما لو علم بوجوب الشي‏ء كنصب السلّم مع التردّد بين كون وجوبه نفسياً و كونه غيرياً مقدّمة للصعود- صوراً ثلاثاً: الأُولى، أن يعلم بعدم وجوب الصعود. الثانية: أن يعلم بوجوب الصعود. الثالثة: أن يشكّ في وجوب الصعود.

و في الأُولى يكون المرجع هو البراءة من وجوب نصب السلّم. و في الثانية يجب النصب للعلم بوجوبه على كلّ حال. و في الثالثة: أيضاً يجب النصب، و استشكل في إجراء البراءة من وجوب الصعود. ثمّ جعل قول المصنّف: «و إلّا» شاملًا للصورة الأُولى و الصورة الثالثة، ثمّ أشكل على المصنّف (قدس سره) بأنّ البراءة إنّما تجري في الصورة الأُولى فقط، و أمّا الثالثة فلا تجري البراءة فيها من وجوب‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 364.

(2) حقائق الأُصول 1: 261- 262.

291

النصب.

و لا يخفى أنّ الصورة الأُولى غير داخلة في المقام، لأنّه مع العلم بأنّ الصعود غير واجب عليه كيف يحصل التردّد في وجوب نصب السلّم بين النفسية و الغيرية، إذ مع العلم بأنّ الصعود غير واجب يحصل القطع بأنّه ليس وجوب النصب من باب الغيرية و المقدّمية للصعود، إلّا أن يكون مراده من عدم وجوب الصعود أنّه ليس بواجب فعلًا، لعدم حضور وقته أو لسقوطه بالاضطرار أو العجز عنه، و نحو ذلك ممّا يوجب عدم الفعلية.

و أمّا الصورة الثالثة فقد عرفت أنّها ليست مرادة للمصنّف (قدس سره)، و إنّما مراده ما لو علم بأنّ النصب واجب نفسي أو مقدّمة لواجب غير فعلي الوجوب لعدم مجي‏ء وقته، فلاحظ.

و قال بعض الشارحين و هو المرحوم الشيخ عبد الحسين الرشتي في كتابه عند التعرّض لهذه العبارة في مقام تعليل وجوب الاتيان بالطهارة في الصورة الأُولى، ما هذا لفظه: إذ على تقدير كونها واجبة نفسياً فواضح، و على تقدير كون وجوبها غيرياً لأجل واجب فعلي آخر لأجل أنّا نعلم بوجوب ذلك الغير أي الصلاة فعلًا، فنستكشف أنّ مقدّمتها أيضاً واجبة بناءً على الملازمة، و إلّا لما قطع بوجوبه فعلًا، و هذا خلف‏ (1).

ثمّ إنّه علّل الحكم بعدم الوجوب في الصورة الثانية التي أشار إليها المصنّف (قدس سره) بقوله: و إلّا الخ بما هذا لفظه: إذ على تقدير كون وجوبه غيرياً لا علم بوجوبه، لعدم كون ما احتمل كونه شرطاً له فعلياً، فيبقى احتمال الوجوب النفسي‏

____________

(1) شرح كفاية الأُصول 1: 148- 149.

292

فأصالة البراءة عن الوجوب حينئذ محكّمة الخ‏ (1)، فإنّ هذه العبارة تدلّ على أنّ المدار في وجوب الغسل على العلم بوجوب الصلاة التي احتمل كونه شرطاً لها.

فالأُولى ناظرة إلى فرض العلم بوجوب الصلاة، و الثانية ناظرة إلى فرض عدم العلم بوجوبها.

و ينبغي مراجعة ما حرّرناه في مباحث الأوامر في مسألة تردّد الواجب بين كونه نفسياً و كونه غيرياً (2).

قول السيّد سلّمه اللَّه فيما حرّره عن شيخنا (قدس سره): و أمّا إذا كان المعلوم بالاجمال مغايراً مع المعلوم بالتفصيل فيستحيل الانحلال، كما إذا علم نجاسة أحد الاناءين إجمالًا، ثمّ علم حرمة أحدهما تفصيلًا إمّا لنجاسته أو غصبيته ... الخ‏ (3).

و قد حرّرت عنه (قدس سره) نحو ذلك. و لا يخفى أنّ الذي ينبغي هو فرض كون العلم التفصيلي سابقاً أو مقارناً للعلم الاجمالي، و إلّا لم يكن إشكال في أنّ العلم التفصيلي المتأخّر لا يكون موجباً لانحلال العلم الاجمالي السابق، إلّا إذا كان المعلوم التفصيلي سابقاً على المعلوم الاجمالي، ليكون كاشفاً عن خطأ ذلك العلم الاجمالي، على ما عرفت تفصيل الكلام في ذلك في مبحث الملاقي‏ (4).

و كيف كان، فالذي ينبغي هو أن نفرض العلم التفصيلي بحرمة شرب ما في‏

____________

(1) شرح كفاية الأُصول 1: 148- 149.

(2) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب، الصفحة: 190 و ما بعدها، و راجع أيضاً الحواشي السابقة عليها.

(3) أجود التقريرات 3: 491.

(4) راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 97 و ما بعدها.

293

الاناء الصغير إمّا لكونه نجساً أو لكونه مغصوباً، ثمّ يحصل العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة ما في الاناء الكبير، لكن على تقدير نجاسة الصغير فهي تلك النجاسة المردّد بينها و بين الغصبية، و لأجل التوضيح نقول: لو علم تفصيلًا مغصوبية ما في الصغير، ثمّ طرأ العلم الاجمالي بوقوع نجاسة فيه أو في الكبير، لم يكن العلم الاجمالي مؤثّراً بعد أن لم يكن له أثر إلّا حرمة الشرب، التي كانت محقّقة بواسطة العلم التفصيلي بغصبيته.

و منه يظهر لك أنّ الوجه في المثال هو القول بأنّ العلم الاجمالي بالنجاسة بين الصغير و الكبير بعد فرض كون الصغير قد علم حرمة شربه إمّا لغصبيته أو لنجاسته، لا يكون مؤثّراً، فما أُفيد من عدم انحلال القضية المردّدة المنفصلة إلى قضية معلومة و أُخرى مشكوكة مسلّم، لكن ذلك العلم الاجمالي و إن لم ينحل إلّا أنّه لم يكن مؤثّراً.

قوله: و حيث إنّ الوجوب المقدّمي وجوب تبعي قهري لا يترتّب على مخالفته و موافقته ثواب و عقاب ... الخ‏ (1).

كأنّ محصّله: أنّه لا أثر للوجوب المقدّمي إلّا محض الاسم، فلا أثر للعلم التفصيلي بأنّ الفعل الفلاني واجب إمّا لنفسه أو لغيره، لأنّه بمنزلة قولك: إنّه إمّا واجب حقيقة أو أنّه واجب اسماً فقط، و حينئذٍ لا يكون هذا العلم موجباً لانحلال العلم الاجمالي المتعلّق بالوجوب النفسي بينه و بين غيره الذي هو ذو المقدّمة.

و فيه أوّلًا: أنّه على تقديره يكون عيباً آخر في هذا العلم التفصيلي لا ربط له بالعيب المسوق له الكلام، و هو اعتبار الاتّحاد في السنخ بين المعلوم بالاجمال‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 491.

294

و المعلوم بالتفصيل. و ثانياً: أنّه مخالف لما حرّره عن شيخنا (قدس سره) في مسألة مقدّمة الواجب من أنّه لو علم إجمالًا وجوب الفعل مردّداً بين النفسية و الغيرية، وجب الاتيان به، و لا يمكن الرجوع فيه إلى البراءة من وجوبه النفسي، كما نقله عن بعضهم، فراجع ما حرّره سلّمه اللَّه هناك‏ (1). و كيف كان، فإنّ هذا الذيل لم أعثر عليه فيما حرّرته عنه (قدس سره).

قوله‏ في تحرير المرحوم الشيخ محمّد علي‏: فإنّ العلم التفصيلي بوجوبه يتوقّف على وجوب الصعود على السطح، إذ مع عدم وجوب الصعود كما هو لازم الانحلال لا يعلم تفصيلًا بوجوب النصب، لاحتمال أن يكون وجوبه غيرياً متولّداً من وجوب الصعود ... الخ‏ (2).

فيه: أنّ الانحلال لا ينتج عدم وجوب الصعود، و إنّما ينتج عدم تنجّزه، و هو لا ينافي العلم التفصيلي بوجوب النصب لنفسه أو لغيره الذي هو العلّة في تنجّز وجوب النصب كما أفاده بقوله: فإنّ وجوب الأقل على تقدير كونه مقدّمة لوجود الأكثر إنّما يتوقّف على تعلّق واقع الطلب بالأكثر لا على تنجّز التكليف به، لأنّ وجوب المقدّمة يتبع وجوب ذي المقدّمة واقعاً و إن لم يبلغ مرتبة التنجّز الخ‏ (3).

نعم، هنا مطلب آخر لعلّه مستفاد من قوله: متولّداً من وجوب الطرف الآخر (4)، و قوله: و تردّد وجوب نصب السلّم بين كونه نفسياً أو غيرياً متولّداً من‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 249- 250، و قد تقدّم نقل ذلك في الصفحة: 288- 289.

(2) فوائد الأُصول 4: 157 [تقدّم التعليق على هذا المتن أيضاً في الصفحة: 285].

(3) فوائد الأُصول 4: 158.

(4) فوائد الأُصول 4: 156.

295

وجوب الصعود على السطح من باب الملازمة الخ‏ (1)، و هو ما شرحناه من أنّ المعلوم بالتفصيل متولّد من المعلوم بالاجمال، فيكون العلم به متأخّراً في الرتبة عن العلم الاجمالي، فلا يكون موجباً للانحلال. نعم لازم ذلك أنّه لو تأخّر العلم الاجمالي عن ذلك العلم التفصيلي المذكور لم يكن العلم الاجمالي مؤثّراً في تنجّز ذي المقدّمة كما أفاده فيما حرّره عنه السيّد- و غيره- في مقدّمة الواجب ص 144 (2) فراجع.

قوله: فإنّ هذا الاحتمال بضميمة العلم الاجمالي يقتضي التنجيز و استحقاق العقاب عقلًا ... الخ‏ (3).

لو أُبدل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي لكان منطبقاً على الإشكال الذي نقلناه عن الأُستاذ (قدس سره).

قوله: و ليس من وظيفة العقل وضع القيدية أو رفعها، بل ذلك من وظيفة الشارع ... الخ‏ (4).

لا يخفى أنّ العقل و إن لم يكن من وظيفته رفع القيدية، و أنّ وضعها و رفعها من وظيفة الشارع المقدّس، إلّا أنّ من وظيفة العقل الحكم بعدم استحقاق العقاب على مخالفة تلك القيدية المجهولة، لكونه بلا بيان، و ذلك كاف في استراحة العبد، و قد عرفت أنّ هذا الحكم العقلي لا يمنعه حكم العقل بلزوم الفراغ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 157.

(2) أجود التقريرات 1: 249- 250.

(3) فوائد الأُصول 4: 161.

(4) فوائد الأُصول 4: 161.

296

اليقيني.

[الكلام في جريان البراءة الشرعية في الأكثر]

قوله: لأنّ رفع القيدية إنّما هو من وظيفة الشارع كجعلها، غايته أنّ وضعها و رفعها إنّما يكون بوضع منشأ الانتزاع و رفعه، و هو التكليف بالأكثر و بسطه على الجزء المشكوك ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ ظاهر العبائر في هذا التحرير هو إجراء البراءة في نفس وجوب الأكثر، خصوصاً قوله فيما بعد: و لا يعارضها أصالة البراءة عن الأقل للعلم بوجوبه على كلّ تقدير الخ‏ (2). و فيه تأمّل، لأنّ أصالة البراءة عن وجوب الأكثر لا يحرز وجوب الأقل. نعم في تحريرات السيّد سلّمه اللَّه‏ (3) يظهر منه إجراء البراءة في وجوب الزائد المشكوك، و نحن جرينا في هذه التعليقة على هذا المبنى.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ لنا في الأجزاء الارتباطية جعلين شرعيين و تكليفين مولويين، و هما التكليف بالجزء و نعبّر عنه بالوجوب الجزئي، و الآخر التكليف بالشرط و نعبّر عنه بالوجوب الشرطي، و القيدية إنّما تنتزع من الوجوب الثاني، و حينئذٍ فيسهل الأمر في الحكم بارتفاعها برفع الوجوب الشرطي، من دون حاجة إلى رفع الوجوب الجزئي، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ رفع الوجوب النفسي المتعلّق بالجزء لا يزيل الشكّ في القيدية، بخلاف رفع الوجوب الشرطي فإنّه يزيل الشكّ فيها قطعاً، فإن قلنا إنّ الاطلاق عبارة عن عدم القيدية كان الأمر سهلًا جدّاً، و إن قلنا إنّه عبارة عن أمر وجودي، و أنّ تقابلهما تقابل الضدّين فكذلك أيضاً، إذ لا يلزمنا إحراز الاطلاق الذي هو أمر وجودي و هو ضدّ التقييد- بل يكفينا رفع كلفة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 162- 163.

(2) فوائد الأُصول 4: 164.

(3) أجود التقريرات 3: 494.

297

التقييد- كي نقول إنّ حديث الرفع مثبت للاطلاق الظاهري بناءً على أنّهما من تقابل العدم و الملكة، و نحتاج في إثباته له و لو ظاهراً بناءً على أنّهما من الضدّين إلى التمسّك بأذيال عدم تحقّق الواسطة في النظر العرفي قياساً على باب الاستصحاب، فإنّ ذلك كلّه لا حاجة إليه، لأنّا في باب التكاليف لا نحتاج إلى إثبات الاطلاق، بل يكفينا نفي الكلفة الزائدة كيف ما كان التكليف في الواقع من حيث الاطلاق و عدمه.

و لا يخفى أنّا لو احتجنا إلى إثبات إطلاق التكليف، و قلنا بأنّهما من قبيل العدم و الملكة، لم يكن حديث رفع الزائد نافعاً في إثبات الاطلاق، لما حرّر في محلّه من أنّ رفع الملكة لا يوجب الحكم بعدمها، كما أنّ نفي البصر بالأصل لا يوجب إثبات العمى، لأنّهما من هذه الجهة بمنزلة الضدّين.

أمّا قياس ما نحن فيه على الاستصحاب في أنّ المدار في ذلك على النظر العرفي، فهو ممّا لم أتوفّق لفهمه، لأنّ المدار في باب الاستصحاب على كون المورد بحسب النظر العرفي داخلًا في النقض المنهي عنه، و أين ذلك ممّا نحن فيه ممّا لم يكن فيه إلّا الرفع الشرعي.

اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ العرف يفهمون من رفع التكليف بالجزء الزائد أنّ ذلك التكليف مطلق من حيث التقييد بذلك الجزء، و هذه جهة أُخرى لو سلّمناها فهي غير الجهة المذكورة في باب الاستصحاب.

و الحاصل: أنّ الذي يظهر من الأُستاذ (قدس سره) أنّه يريد أن لا يجري حديث الرفع في القيدية، بل يقول إنّه إنّما يجري في رفع وجوب الجزء الخامس، و برفعه بحديث الرفع ترتفع القيدية، لأنّها منتزعة منه، و بارتفاع القيدية ظاهراً يثبت الاطلاق الظاهري الذي هو الموجب للانحلال، فكأنّ رفع القيدية عنده لا يوجب‏

298

الانحلال إلّا بتوسّط ثبوت الاطلاق، و لأجل ذلك وجّه على نفسه الإشكال بالمثبتية، و احتاج إلى دفعه بأنّ التقابل بين الاطلاق و التقييد من قبيل العدم و الملكة (1)

____________

(1) هذا، و لكن ينبغي مراجعة تمام ما حرّرته عنه (قدس سره) في ليلة الثلاثاء 29 ع 1 و الأربعاء 30 ع 1 سنة 1343، و ما حرّرناه في هامش ذلك نقلًا عنه (قدس سره) فيما أفاده في الدورة الأخيرة 13 ج 2 سنة 1350، و مراجعة ما صرّح به هو (قدس سره) في رسالته في اللباس المشكوك من أنّ البراءة الشرعية تثبت الاطلاق الظاهري، فراجعه فإنّه (قدس سره) قال هناك بعد بيان جريان دليل البراءة الشرعية ما هذا لفظه: فلا جرم يرتفع قيدية المشكوك في الظاهر، و يؤول الأمر إلى إطلاق ظاهري في المعلوم التفصيلي لا محالة، و يجري الارتباطي مجرى غيره في الظاهر الخ [رسالة الصلاة في المشكوك: 301- 302].

فإنّ مراجعة جميع ذلك تبيّن لك أنّه (قدس سره) لا يريد بذلك ضمّ أصالة البراءة إلى دليل الأمر المردّد بين الأقل و الأكثر، و يكون الناتج هو تحقّق الاطلاق في دليل الأمر، ليكون حال أصالة البراءة بالنسبة إلى ذلك الأمر حال أصالة عدم التقييد، أو استصحاب عدم إلحاق قيد و نحو ذلك من الأُصول الاحرازية التي يكون مفادها إحراز عدم القيد، ليكون الناتج من ضمّها إلى ذلك الدليل إطلاقاً لفظياً و دليلًا اجتهادياً، كسائر الاطلاقات اللفظية الواقعية و الأدلّة الاجتهادية، فإنّ ذلك بالنسبة إلى حديث الرفع ممّا لا يمكن التفوّه به لأقل الطلبة فكيف ينسب إليه (قدس سره).

و إنّما مراده هو ما يظهر من جميع ما حرّرته عنه و ما صرّح به في مسألة اللباس المشكوك، و هو أنّ الناتج من ضمّ البراءة إلى الدليل المذكور هو الاطلاق الظاهري، بمعنى أنّ ذلك المكلّف الذي جرى في حقّه حديث الرفع يكون الأمر بالقياس إليه محكوماً ظاهراً بالاطلاق و يكون المأمور به في حقّه بحكم المطلق، أو إن شئت فقل: يكون المأمور به في حقّه مطلقاً ظاهراً.

و ليس المراد أيضاً إثبات الاطلاق الثبوتي في حقّه ظاهراً، لأنّ هذا هو عين الاطلاق في مقام الاثبات، فلا معنى لتسميته إطلاقاً ظاهرياً، لكونه حينئذ إطلاقاً إثباتياً واقعياً.

بل المراد أنّه بعد جريان البراءة في رفع التقييد، يكون حكم ذلك المكلّف في الظاهر كحكم من قام عنده الدليل المطلق، أي يكون حكمه في الظاهر هو إطلاق المأمور به.

و بالجملة: أنّه لا يعقل القول بأنّ رفع التقييد في مقام الشكّ بمفاد حديث الرفع يكون مثبتاً لكون المأمور به مطلقاً في الواقع، أو يكون موجباً لتحقّق الاطلاق اللفظي بالنسبة إلى دليل الأمر، لأنّ ذلك لا يقوله أقل الطلبة، فلا بدّ أن يكون مراده (قدس سره) كما يظهر ممّا حرّرته عنه و مما صرّح في اللباس المشكوك هو كون دليل المأمور به في الظاهر بالنسبة إلى ذلك المكلّف بحكم المطلق، فراجع و تأمّل [منه (قدس سره)‏].

299

لكنّك قد عرفت أنّ حديث الرفع كما يجري في رفع وجوب الجزء الخامس، فكذلك يجري في رفع وجوبه الشرطي، و ليست القيدية منتزعة من الوجوب النفسي للجزء الخامس، بل هي منتزعة من وجوبه الشرطي، فتكون القيدية مرتفعة بارتفاع ذلك الوجوب الشرطي، و يكون رفع تلك القيدية كافياً في الانحلال، و به يتحقّق استراحة المكلّف، من دون حاجة إلى الالتزام باطلاق الأقل إذ لا يترتّب على إطلاقه أثر مهم بعد حكم الشارع و لو ظاهراً بأنّ القيدية مرفوعة، فلا حاجة إلى تلك التكلفات في دفع مثبتية الأصل المذكور، إذ لا نريد إلّا رفع اعتبار الجزء الخامس و نفي كلّ من وجوبه النفسي و الشرطي، و حديث الرفع متكفّل بذلك المراد.

بل قد عرفت أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان كافٍ في استراحة المكلّف من احتمال قيدية الجزء الخامس، و من احتمال وجوبه النفسي الضمني، و من وجوبه الشرطي، فإنّه بعد علمه التفصيلي بوجوب الأقل و إن شكّ في فراغ ذمّته بالاتيان بالأجزاء الأربعة، إلّا أنّه إنّما يحكم بذلك فراراً من العقاب المحتمل، و المفروض أنّه مأمون من ناحيته، إذ العقاب لا يكون ناشئاً إلّا عن‏

300

احتمال القيدية المفروض أنّه حاكم بقبح العقاب من جهتها، لكونه عقاباً بلا بيان، و بذلك تدخل المسألة في توارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع قاعدة دفع الضرر المحتمل، الذي هو العقاب على ترك الأقل بترك القيد الذي هو الارتباطية المفروض أنّها مشكوكة و لم يقم بيان عليها، و قد عرفت في أوائل البراءة (1) أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة دفع الضرر المحتمل.

و الحاصل: أنّ العلم بوجوب الأربعة و لو على نحو الاهمال و اللّابشرط المقسمي و الشكّ في القيدية المزبورة، كافٍ في الانحلال مع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان على مخالفة القيدية، فضلًا عن حكم الشارع المقدّس برفعها، و لا حاجة إلى أنّ التقابل بين الاطلاق و التقييد من أيّ أقسام التقابل، إذ لا يتوقّف الانحلال على إحراز اطلاق التكليف، لأنّ المباينة بين أخذ الأربعة باللّابشرط المقسمي الذي هو القدر المشترك بين طرفي العلم الاجمالي، و بين أخذها باللّابشرط القسمي الذي هو أحد طرفي العلم الاجمالي، و أخذها بشرط شي‏ء الذي هو الطرف الآخر، إنّما هي في مقام اللحاظ لا في الخارج، بل تكون الأربعة الخارجية متّصفة بالوجوب على كلّ من هذه الأطوار اللحاظية، فيكون وجوبها معلوماً تفصيلًا، و يكون تقيّدها بوجود الخامس الذي هو الجهة الزائدة في الطرف الآخر مشكوكاً، فيكون مورداً لكلّ من البراءة العقلية و الشرعية، و يكون الانحلال عقلياً فضلًا عن كونه شرعياً.

و إن شئت قلت: إنّ العلم بوجوب الأربعة على نحو الاهمال الذي هو اللّابشرط المقسمي كافٍ في الانحلال، لأنّ ذلك المهمل المردّد بين الطرفين إن كان هو منطبقاً على الاطلاق الذي هو اللّابشرط القسمي، فلا شكّ في كونه‏

____________

(1) راجع فوائد الأُصول 3: 366 و ما بعدها.