أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
301

متّحداً معه في الخارج، و إن كان منطبقاً على الطرف الآخر الذي هو الأربعة بشرط شي‏ء أعني الخامس، فلا شكّ في كونه متّحداً معه في الخارج أيضاً، إلّا أنّه لمّا كان مشتملًا على كلفة على المكلّف زائدة على ما في الطرف الآخر، كان مورداً لكلّ من البراءة العقلية و الشرعية. نعم لو كان في كلّ من الطرفين كلفة غير الموجودة في الطرف [الآخر] لم يكن الانحلال ممكناً.

لا يقال: إنّكم و إن أجريتم البراءة العقلية و النقلية في تلك الجهة الزائدة، إلّا أنّ جريانها فيها لا يرفع الاهمال من ناحية وجوب الأربعة و تردّدها بين الاطلاق و التقييد بالخامس، فمع عدم ثبوت الاطلاق كيف يمكنكم الاكتفاء بها عن الخامس.

لأنّا نقول: إنّ الاهمال المذكور مع فرض جريان البراءة العقلية و النقلية في الجهة الزائدة- أعني التقييد بالخامس- كافٍ في استراحة المكلّف و أمنه من العقاب على ترك ذلك القيد، من دون حاجة إلى إثبات إطلاق الأربعة.

و من ذلك يتّضح لك الجواب عمّا أفاده (قدس سره) في العبارة السابقة التي نقلناها عن رسالته في اللباس المشكوك و هي قوله: بل ليس إجمال العلم هاهنا إلّا عبارة أُخرى عمّا ذكر من الاهمال، فلا يعقل أن يجعل نفس القضية المهملة موجبة للانحلال‏ (1). و توضيح المراد بهذه العبارة: هو أنّه لو كان الواجب هو الأكثر- أعني الخمسة- كان من قبيل الماهية بشرط شي‏ء، و لو كان الواجب هو الأربعة كان من قبيل الماهية لا بشرط القسمي، و القدر المتيقّن إنّما هو القدر المشترك بين الأمرين، أعني اللّابشرط المقسمي المعبّر عنه بالماهية المهملة التي هي مورد الاعتبارات الثلاثة، أعني بشرط شي‏ء و بشرط لا و لا بشرط، و من الواضح أنّ العلم‏

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 300- 301. تقدّم نقلها في الصفحة: 274.

302

بوجوب ذلك القدر المشترك- أعني الماهية لا بشرط المقسمي- لا يعقل أن يكون موجباً لانحلال العلم الاجمالي المردّد بين وجوب الأكثر الذي هو الماهية بشرط شي‏ء و وجوب الأقل الذي هو الماهية لا بشرط القسمي، فإنّ العلم بوجوب الماهية لا بشرط المقسمي عبارة أُخرى عن العلم الاجمالي المردّد بين القسمين، فكونه موجباً لانحلاله عبارة أُخرى عن كون العلم الاجمالي موجباً لانحلال نفسه.

و بعبارة أُخرى: أنّ انحلال العلم الاجمالي الذي هو قضية منفصلة عبارة عن انحلاله إلى قضية حملية متيقّنة و أُخرى مشكوكة، و من الواضح أنّ ما نحن فيه لم يكن كذلك، بل هو تخيّل انحلال، و إلّا فواقع الأمر أنّ القضية المتيقّنة المتخيّل كونها معلومة بالتفصيل و هي وجوب الأقل لا بشرط المقسمي، هي عين تلك القضية المنفصلة القائلة إنّ الواجب إمّا الأقل بشرط شي‏ء أو الأقل لا بشرط القسمي، هذا غاية توضيح ما أفاده (قدس سره).

و أنت بعد أن عرفت منه (قدس سره) أنّ المدار في الانحلال على الواقع لا على اختلاف اللحاظات، و أنّ تباين هذه اللحاظات لا يوجب تباين الأقل لنفسه ملحوظاً لا بشرط المقسمي أو لا بشرط القسمي أو بشرط شي‏ء، فإذا علمنا بأنّ ذات الأقل التي هي الأربعة قد طرأ عليها الوجوب، و تردّدنا في أنّها في مرتبة طروّه عليها كانت ملحوظة لا بشرط، أو كانت مقيّدة بشي‏ء و هو الخامس، لم يكن ذلك التردّد موجباً لخلل في كون وجوب تلك الأربعة معلوماً لدينا بالتفصيل كيف ما كانت ملحوظة، و حينئذٍ يلزمنا أن ننظر في تلك اللحاظات، فإن كانت متباينة في مقام إلقاء الكلفة على المكلّف، بحيث كان كلّ واحد منها متضمّناً لالقاء الكلفة عليه بغير الكلفة التي يلقيها اللحاظ الآخر، كما لو كان أحد اللحاظين‏

303

هو لحاظها بشرط لا و الآخر لحاظها بشرط شي‏ء، أو كان أحد اللحاظين هو لحاظها بشرط شي‏ء و الآخر هو لحاظها بشرط شي‏ء آخر، لم يكن العلم الاجمالي منحلا.

أمّا لو كان أحد اللحاظين هو لحاظها لا بشرط شي‏ء، و الآخر هو لحاظها بشرط شي‏ء، فحيث كان اللحاظ الأوّل غير متضمّن لالقاء الكلفة على المكلّف بغير الأربعة، و كان اللحاظ الآخر يتضمّن إلقاء كلفة الخامس و تقييد تلك الأربعة به، و كان اللحاظ الأوّل متّحداً خارجاً مع القدر المشترك بين اللحاظين الذي هو المعلوم بالتفصيل، أعني لحاظها لا بشرط المقسمي، صحّ لنا أن نقول إنّ هذا العلم الاجمالي المردّد بين اللحاظين ينحلّ في الخارج إلى العلم التفصيلي بوجوب ذات الأربعة، و الشكّ البدوي في الزائد عليها الذي هو وجوب الخامس و تقييد الأربعة، إذ لا ندور في الانحلال مدار الاصطلاح، بحيث يكون ذلك المعلوم بالاجمال الذي هو قضية مهملة منحلا إلى قضية مفصّلة و أُخرى مشكوكة، بل المدار في الانحلال على كون أحد الطرفين يتضمّن كلفة زائدة على ما يتضمّنه الآخر من الكلفة التي هي قدر مشترك بينهما.

ثمّ إنّ هذه الكلفة الزائدة إذا نفيت بالبراءة العقلية أو الشرعية، يكون المكلّف عند إتيانه بالأقل الذي هو الأربعة مستريحاً من كلفة وجوبه الذي علمه تفصيلًا، و بذلك يخرج عن حكم العقل بلزوم الفراغ اليقيني و المنع عن الاعتماد على الفراغ الاحتمالي دفعاً للضرر المحتمل الذي هو العقاب، لكون العقاب حينئذ على ترك الأربعة عند الاتيان بها و ترك ربطها بالجزء الخامس من قبيل العقاب بلا بيان. مضافاً إلى أنّ حديث الرفع الذي يكون رافعاً ظاهراً لتلك القيدية، يكون مؤمّناً من العقاب على مخالفتها الموجبة لمخالفة الأمر المتعلّق‏

304

بالأربعة لو كان الواجب في الواقع هو الخمسة كما شرحناه فيما تقدّم.

و بتقرير أوضح: أنّ وجوب الأربعة لا بشرط القسمي عبارة أُخرى عن وجوبها الاستقلالي، و أنّ وجوب الأربعة بشرط شي‏ء الذي هو انضمام الخامس عبارة أُخرى عن وجوب الاربعة ضمنياً، و القدر الجامع بينهما هو وجوب ذات الأربعة مردّدة بين الاستقلالية و الضمنية، و هو عبارة أُخرى عن وجوبها لا بشرط المقسمي، و حيث كان الطرف الثاني- أعني وجوبها الضمني- مشتملًا على كلفة شرعية زائدة على وجوبها الاستقلالي، و كانت تلك الكلفة الزائدة مورداً للبراءة العقلية و الشرعية، كان إجراء البراءة العقلية أو الشرعية كافياً في تسويغ الاكتفاء بالاتيان بالأربعة، من دون حاجة إلى إثبات كون وجوبها استقلالياً، الذي هو عبارة عن وجوبها لا بشرط القسمي، فليس الانحلال فيما نحن فيه على نحو بقية موارد الانحلال، التي ترجع إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين و الشك البدوي في الزائد، كي يقال إنّه لم يحصل لكم في هذا الانحلال العلم التفصيلي بوجوب الأربعة استقلالًا، الذي هو عبارة عن وجوبها لا بشرط القسمي الذي هو عبارة عن الاطلاق، بل هذا الانحلال الذي ندّعيه هنا عبارة عن الأخذ بذلك القدر المتيقّن المعلوم بالاجمال، الذي هو عبارة عن وجوب الأربعة مردّدة بين الضمنية و الاستقلالية، و الشكّ في تلك الكلفة الزائدة التي هي في أحد طرفي العلم الاجمالي و هو الضمنية، و إجراء البراءة في تلك الكلفة الزائدة التي في ذلك الطرف و هي لزوم تقييد الأربعة بالانضمام إلى الخامس، كافية في الحكم بعدم لزوم إلحاق الخامس بها. أمّا الشرعية فواضح، و أمّا العقلية فلما ذكرنا من كونها مؤمّنة من العقاب على مخالفة القيدية الموجبة لعدم حصول المقيّد لو كان الوجوب الواقعي ضمنياً.

305

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ العقاب على تلك الكلفة الزائدة و إن كان قبيحاً لكونه بلا بيان، إلّا أنّ الأربعة المهملة قد اشتغلت الذمّة بها، فنحتاج إلى اليقين بالفراغ عنها، فالعقاب المحتمل إنّما هو على عدم الاتيان اليقيني بما اشتغلت به الذمّة يقيناً، و عدم العقاب على تلك الكلفة الزائدة لا يوجب اليقين بالفراغ، فتأمّل جيّداً فإنّا قد أجبنا عن هذا الإشكال بما تقدّم‏ (1) من أنّ الشكّ في الفراغ إذا كان ناشئاً عن الكلفة الزائدة لم يكن مورداً لقاعدة الشغل.

لا يقال: إنّ الوجوب المنبسط على الخمسة وجوب واحد بسيط لا تقطيع فيه، و هو مباين للوجوب الوارد على الأربعة، و حينئذٍ لا يمكنكم رفع الوجوب على الخامس، بل و لا رفع الوجوب الوارد على تقيّد الأربعة بالخامس، إذ الوجوب الواحد الوارد على المجموع لا يتقطّع.

لأنّا نقول: إنّ ذات وجوب الأربعة لا بشرط موجود بذاته في ضمن الوجوب الوارد على الخمسة، كما أن ذات الأربعة لا بشرط موجودة في ضمن الخمسة، فإنّ الشي‏ء بشرط شي‏ء مصداق للشي‏ء لا بشرط، و إن كانا بحسب اللحاظ متباينين. و قولكم إنّ الوجوب الوارد على المجموع لا يتقطّع مسلّم، لكن للشارع رفعه و لو برفع منشئه و هو ورود الوجوب على المجموع، و لا يعارضه رفع وجوب الأقل، لأنّ المراد إن كان رفع وجوب الأقل بحدّه فهو كما ذكرتم معارض له، إلّا أنّه لا محصّل لرفع وجوب الأقل بحدّه، لأنّ تحديده عبارة عن الأقلّية، و هي ليست مورداً لحديث الرفع المسوق لرفع الكلفة. و إن كان المراد رفع ذات وجوب الأقل الوارد على ذات الأربعة الملحوظ هو و متعلّقه لا بشرط، فهذا موجود قطعاً، لما عرفت من تحقّق الشي‏ء لا بشرط في ضمن تحقّق الشي‏ء

____________

(1) في الصفحة: 280 و ما بعدها.

306

بشرط شي‏ء، فإنّ الشي‏ء لا بشرط و إن كان مبايناً في اللحاظ لكلّ من الشي‏ء بشرط شي‏ء و الشي‏ء بشرط لا، إلّا أنّ الوجود الخارجي له منحصر بهما، إذ لا وجود للشي‏ء لا بشرط في الخارج، و إنّما الموجود هو نفس الشي‏ء مع شي‏ء آخر أو نفس الشي‏ء بلا وجود شي‏ء آخر معه، و كلّ منهما مصداق لمفهوم الشي‏ء لا بشرط، و لأجل ذلك نقول فيما نحن فيه إنّ وجوب الأربعة لا بشرط معلوم، لأنّ وجوب الشي‏ء لا بشرط إنّما يتعلّق بمصداق الشي‏ء لا بشرط لا بمفهومه، و المفروض أنّ مصداقه متحقّق في مصداق الشي‏ء بشرط شي‏ء، فلاحظ و تأمّل.

و من ذلك كلّه يظهر لك الحاجة إلى ما أُفيد في تحرير المرحوم الشيخ محمّد علي‏ (1) من إجراء حديث الرفع في وجوب الأكثر، و أنّه غير معارض بمثله في وجوب الأقل لا بشرط، للعلم بوجوبه في ضمن وجوب الأكثر أو في نفسه.

ثمّ إنّ رفع وجوب الأكثر يكون رفعاً لوجوب تقيّد الأربعة بالخامس، لأنّ وجوب هذا التقيّد حاصل بوجوب الأكثر، فيكون رفع وجوب الأكثر رفعاً له، و مع ارتفاع وجوب التقيّد يبقى وجوب الأربعة مطلقة غير واجبة التقيّد بالخامس، و هو المطلوب.

لا يقال: إنّ الاستصحاب كافٍ في لزوم الاتيان بالخامس، حيث إنّه عند فراغه من الأربعة يشكّ في بقاء وجوبها، و حينئذٍ يستصحب بقاءه، و ليس المقصود هو استصحاب وجوب الأربعة المأخوذة لا بشرط القسمي كي يقال إنّه لم يكن معلوم الحدوث، بل المراد هو استصحاب وجوب الأربعة المأخوذة لا بشرط المقسمي، و هذا نظير استصحاب القدر المشترك بين وجوب الظهر و الجمعة بعد الفراغ من الظهر، لكن أجبنا عن ذاك بأنّه لا يترتّب عليه سوى لزوم‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 164.

307

الاتيان بالجمعة بعنوان الاحتياط، و ذلك كان متحقّقاً وجداناً بحكم قاعدة الشغل اليقيني، أمّا هذا فلا يمكن الجواب عنه بالجواب المزبور بعد فرض الرجوع في تلك الكلفة الزائدة- أعني التقييد بالخامس- إلى البراءة العقلية و الشرعية، فلا يكون إجراء هذا الاستصحاب هنا من قبيل الاحراز التعبّدي لما هو محرز بالوجدان.

لأنّا نقول: إنّ البراءة الشرعية الرافعة لتلك القيدية التي هي منشأ الشكّ في بقاء وجوب الأربعة بعد الاتيان بها تكون حاكمة على الاستصحاب المذكور. أمّا البراءة العقلية فالظاهر أنّها لا يمكن أن تكون حاكمة عليه، و حينئذٍ فيكون الأصل الوحيد الجاري في مسألة الشكّ في الأقل و الأكثر هو البراءة الشرعية دون العقلية.

لكن قد حرّرت عن درس شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ما نصّه: أنّ البراءة الشرعية مبيّنة لما أُجمل من التكليف، فيسقط الاستصحاب حينئذ، لأنّ ملاكه هو إجمال ذلك التكليف و تردّده بين الأقل و الأكثر، هذا في مقابلة الاستصحاب للبراءة الشرعية. و أمّا مقابلته مع البراءة العقلية كما هو المختار للشيخ (قدس سره) فقد يتوهّم أنّه حاكم عليها، لعدم تعرّضها لبيان ما أُجمل من التكليف المذكور، إلّا أنّه توهّم فاسد، لأنّ القائل بالبراءة العقلية لا يتمّ قوله إلّا بعد فرض انحلال ذلك العلم الاجمالي، و مع انحلاله لا يبقى مورد للاستصحاب، لما عرفت من أنّ ملاكه هو إجمال التكليف المعلوم و تردّده بين الأقل و الأكثر، انتهى.

و لا يخفى أنّ الطريقة التي سلكناها في الانحلال لمّا كانت هي عبارة عن الأخذ بنفس وجوب الأربعة لا بشرط المقسمي، لم يكن الوجه في حكومة البراءة الشرعية على الاستصحاب بناءً على هذه الطريقة هو كون البراءة رافعة للتردّد و موجبة للحكم بأنّ الواجب هو الأربعة لا بشرط القسمي، بحيث تكون‏

308

مبيّنة لذلك المجمل الذي هو المعلوم بالاجمال، بل يكون الوجه في حكومتها عليه هو أنّ رفع القيدية بالزائد يوجب رفع الشكّ في البقاء، و إن لم يكن ذلك الرفع مثبتاً للاطلاق الذي هو اللّابشرط القسمي، لأنّ الشكّ في البقاء مسبّب عن الشكّ في تلك القيدية، فيكون رفعها كافياً في إزالة الشكّ في البقاء، و إن لم يكن ذلك الرفع مثبتاً للاطلاق.

أمّا البراءة العقلية فنحن إنّما نقول بها لا من جهة الانحلال المصطلح المبني على دعوى العلم التفصيلي بكون الأربعة واجبة على نحو اللّابشرط القسمي، بل إنّما نقول بها من جهة أنّ نفس القيدية كلفة زائدة في الواقع على أصل وجوب الأربعة لا بشرط المقسمي، فلا يكون جريانها ملازماً لتفصيل ذلك العلم و تحقّق وجوب الأربعة لا بشرط القسمي كي يكون ذلك عبارة أُخرى عن عدم إمكان جريان الاستصحاب لعدم كون المقام حينئذ من قبيل الشكّ في البقاء، و حينئذٍ فالذي ينبغي أن يقال بناءً على الطريقة التي سلكناها هو جريان الاستصحاب و عدم جريان البراءة العقلية في حدّ نفسها، لكن لمّا كانت البراءة الشرعية جارية و كانت حاكمة على الاستصحاب المذكور، كانت البراءة العقلية بعد ذلك بلا مانع، إلّا أنّ ذلك لا يكون من قبيل الانحلال العقلي.

و حاصل ذلك: أنّا لو خلّينا نحن و الاستصحاب و البراءة العقلية، يكون الاستصحاب مانعاً من جريانها، اللهمّ إلّا أن يمنع الاستصحاب بأنّه لا يترتّب عليه أثر، لأنّ أثره منحصر بالحكم ببقاء الوجوب المتعلّق بالأربعة لا بشرط المقسمي أعني بذلك وجوبها النفسي المردّد بين الاستقلالية و الضمنية، و هذا المقدار من الوجوب لو حكمنا ببقائه بالاستصحاب لم يترتّب عليه إلّا لزوم الاتيان بنفس‏

309

الأربعة، إذ هو حينئذ لا يزيد على أصله- أعني العلم الوجداني بذلك الوجوب- في أنّه لا يقتضي إلّا الإتيان بنفس الأربعة، إلّا أن يضمّ إلى الحكم ببقاء ذلك الوجوب المردّد بين الاستقلالية و الضمنية أنّه بعد فرض الاتيان بنفس الأربعة يكون اللازم من الحكم ببقائه في الفرض المزبور هو لزوم الاتيان بالخامس، لأنّ لازم الحكم ببقاء وجوب الأربعة المردّد بين الاستقلالية و الضمنية في مورد الاتيان بالأربعة هو أنّ ذلك الوجوب ضمني، إذ لو كان استقلالياً لم يكن باقياً بعد الاتيان بنفس الأربعة، فلمّا حكم الشارع بأنّه باقٍ و لو بالاستصحاب كان لازم ذلك الحكم هو أنّ ذلك الوجوب ضمني، و بعد الحكم بأنّه ضمني يلزمنا إلحاق تلك الأربعة بالخامس، فيكون الاستصحاب المذكور من أردأ الأُصول المثبتة، لتوقّفه على هذا القياس الاستثنائي القائل إنّه لو كان ذلك الوجوب المتعلّق بالأربعة استقلالياً لم يمكن الحكم ببقائه بعد الاتيان بنفس الأربعة، لكنا قد حكمنا بمقتضى ذلك الاستصحاب ببقائه بعد الاتيان بها، فلا بدّ أن لا يكون ذلك الوجوب استقلالياً، لأنّ رفع التالي لا ينتج إلّا رفع المقدّم، ثمّ نأخذ نتيجة هذا القياس و نجعلها مقدّماً لتالٍ آخر، فيتحصّل من ذلك قضية شرطية متّصلة نجعلها صغرى لشرطية أُخرى كبرى، و نؤلّف من ذلك قياساً اقترانياً و نقول: إذا لم يكن الوجوب المذكور استقلالياً فلا بدّ أن يكون ضمنياً لعدم الواسطة بينهما في الواقع، و إذا كان ضمنياً فلا يسقط إلّا بالحاق الخامس، و إذا لم يسقط إلّا بالحاق الخامس وجب علينا إلحاقه بها، فهذا الأثر العملي و هو وجوب إلحاق الخامس لا يترتّب على الاستصحاب المذكور إلّا بعد طي هذه الملازمات المبنية على قياس استثنائي و قياسين اقترانيين، و لأجل ذلك قلنا إنّه من أردأ الأُصول المثبتة.

310

قوله: و من الغريب ما زعمه من حكومة حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل على أدلّة البراءة الشرعية ... الخ‏ (1).

قال (قدس سره) في حاشيته على هامش الكفاية على قوله في المتن: و أمّا النقل، ما هذا لفظه: لكنّه لا يخفى أنّه لا مجال للنقل فيما هو مورد حكم العقل بالاحتياط، و هو ما إذا علم إجمالًا بالتكليف الفعلي، ضرورة أنّه ينافيه دفع الجزئية المجهولة، و إنّما يكون مورده ما إذا لم يعلم به كذلك، بل علم مجرّد ثبوته واقعاً. و بالجملة الشكّ في الجزئية و الشرطية و إن كان جامعاً بين الموردين، إلّا أنّ مورد حكم العقل مع القطع بالفعلية، و مورد النقل هو مجرّد الخطاب بالايجاب، فافهم‏ (2).

و لا يخفى أنّ قوله في ضابط مجرى حكم العقل بالاحتياط: و هو ما إذا علم إجمالًا بالتكليف الفعلي، إشارة إلى ما ذكره في المقام الأوّل من مبحث دوران الأمر بين المتباينين، و هو قوله: لا يخفى أنّ التكليف المعلوم بينهما مطلقاً- و لو كانا فعل أمر و ترك آخر- إن كان فعلياً من جميع الجهات، بأن يكون واجداً لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الاجمال و التردّد الخ‏ (3)، و هذه الجهة أعني الفعلية من جميع الجهات، هي التي أوجبت عنده التلازم بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية، و أنّه إذا لم يكن الحكم فعلياً كذلك لم تجب موافقته كما لم تحرم مخالفته، فراجع ما أفاده هناك و في الأمر السابع من مباحث القطع‏ (4)، و عمدة المناقشة معه (قدس سره) إنّما هي في الفعلية بالمعنى الذي ذكره‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 165.

(2) كفاية الأُصول: 366.

(3) كفاية الأُصول: 358.

(4) كفاية الأُصول: 272- 273.

311

لها، و هو الذي حرّره السيّد سلّمه اللَّه عن شيخنا (قدس سره) بقوله: و أنت خبير بأنّ الحكم الفعلي بالمعنى الذي ذكره الخ‏ (1).

و الذي حرّرته عنه (قدس سره) في الدورة الأخيرة موافق لذلك، فإنّه (قدس سره) قال فيما حرّرته عنه ما هذا لفظه: ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قدس سره) بعد أن اختار ما اخترناه من جريان البراءة الشرعية، أشكل في حاشية منه عليها بأنّ جريانها غير ممكن، للعلم بتحقّق التكليف الفعلي، سواء كان المكلّف به هو الأقل أو الأكثر، و لا ريب أنّ جريان البراءة منافٍ للعلم بالتكليف الفعلي، انتهى. و فيه: أنّه مبني على ما أفاده في معنى فعلية التكليف، و قد عرفت غير مرّة بطلانه، كذا أفاد (دام ظلّه) في هذه الدورة 13 ج 2 سنة 1350. هذا نصّ ما حرّرته عنه (قدس سره) بتاريخه المذكور.

و على أي حال، يظهر لك أنّ الإشكال إنّما هو في تفسير الفعلية.

و أمّا مسألة حكومة حكم العقل بدفع الضرر المحتمل على البراءة الشرعية، فلم يكن هو واقعاً في كلام صاحب الكفاية (قدس سره)، و إنّما جلّ غرضه هو أنّه لا مورد للبراءة الشرعية بعد فرض كون الحكم فعلياً من جميع الجهات، لأنّ مفادها مناقض مع الحكم الفعلي الموجود في البين، لا أنّها جارية في حدّ نفسها و لكن حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل حاكم عليها، فلاحظ و تأمّل.

قوله‏ في الحاشية: اختلفت كلمات شيخنا (مدّ ظلّه) في ذلك، ففي مبحث البراءة جعل المسبّبات التوليدية على قسمين ... الخ‏ (2).

لم أجد هذا التصريح من شيخنا (قدس سره) في مبحث البراءة. نعم في مبحث مقدّمة الواجب حسبما حرّرته عنه (قدس سره) في مسألة كون المقدّمة علّة صرّح بذلك،

____________

(1) أجود التقريرات 3: 495.

(2) فوائد الأُصول 4: 168.

312

و لكن قد علّقت هناك ما محصّله انحصار الأسباب التوليدية فيما يكون من قبيل العناوين الأوّلية و العناوين الثانوية، فراجع ما حرّرته هناك‏ (1).

قوله: و لا يصحّ إطلاق الأمر بالمعنون و السبب مع إرادة العنوان و المسبّب، إلّا إذا كان تعنون السبب بالعنوان و تولّد المسبّب منه من الأُمور العرفية المرتكزة في الأذهان ... الخ‏ (2).

صرّح شيخنا (قدس سره) حسبما حرّرته عنه بأنّ الغسل للطهارة من الخبث من قبيل الأوّل، فإنّ إزالة القذارة من الأُمور العرفية المرتكزة في الأذهان، أمّا الغسل للطهارة من الحدث فقد صرّح (قدس سره) بأنّها من قبيل الثاني، و بناءً عليه فلا يصحّ إطلاق الأمر بتلك الأفعال على الأمر بنفس تلك الطهارة.

قوله‏ في الحاشية: وجهه هو أنّه لو وصلت النوبة ... الخ‏ (3).

لا يخفى أنّ هذا لا يتوجّه على مبنى الأُستاذ (قدس سره)، لأنّه يرى الانحلال فيما لو علم الوجوب و شكّ في كونه نفسياً أو غيرياً، كما صرّح به فيما أورده ثانياً على الكفاية فيما تقدّم من الانحلال‏ (4)، و كما صرّح به في مبحث الأوامر في مسألة الواجب النفسي و الغيري حسبما حرّرته عنه (قدس سره) في ذلك المبحث فراجع‏ (5). نعم يتّجه هذا الايراد بناءً على ما تقدّم في توجيه عدم الانحلال بذلك من جهة التأخّر

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 9.

(2) فوائد الأُصول 4: 175.

(3) فوائد الأُصول 4: 176.

(4) فوائد الأُصول 4: 158- 159.

(5) مخطوط لم يطبع بعد.

313

الرتبي حسبما مرّ ذكره، فراجع‏ (1) و تأمّل.

قوله: و توضيح ذلك، هو أنّه إن كان المستصحب عدم وجوب الجزء أو الشرط المشكوك فيه، و أُريد من العدم العدم الأزلي السابق على تشريع الأحكام، بتقريب أن يقال: إنّ لحاظ جزئية السورة و تعلّق الجعل بها أمر حادث مسبوق بالعدم ... الخ‏ (2).

قال (قدس سره) فيما حرّرته: إنّه إن كان الوجوب المستصحب عدمه قبل الجعل و التشريع هو وجوب الزائد المشكوك، كان الأصل مثبتاً من جهتين: الأُولى أنّ الأثر مترتّب على المجعول لا على الجعل. و الثانية أنّ الأثر فيما نحن فيه مترتّب على كون الوجوب المتعلّق بذلك المركّب متّصفاً بعدم تعلّقه بالزائد، فيكون استصحاب عدم جعل وجوب الزائد مثبتاً لكونه بمفاد ليس التامّة، و مورد الأثر هو مفاد ليس الناقصة.

و بعبارة أُخرى: أنّ كون هذا الوجوب لم يتعلّق بالزائد ليس له حالة سابقة لأنّه من حين تعلّقه بهذا المركّب إمّا أن يكون متعلّقاً بالزائد أو لا يكون متعلّقاً به فما هو المطلوب و هو السلب الناقص لم يكن متحقّقاً قبل صدور هذا الوجوب و ما هو متحقّق قبل ذلك هو السلب التامّ، و لا يترتّب عليه ما هو المطلوب إلّا بالملازمة و الأصل المثبت، انتهى ملخّصاً.

ثمّ أفاد (قدس سره) فيما حرّرته: أنّه قد يقرّب استصحاب العدم بما أفاده الشيخ (قدس سره)(3) و حاصله: أنّ الآمر حين اختراعه لذلك المركّب و حين تصوّره له، هل تصوّره‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 285 و كذا الحاشية اللاحقة لها.

(2) فوائد الأُصول 4: 182.

(3) فرائد الأُصول 2: 337- 338.

314

مقيّداً بذلك الزائد أم لا، و بعبارة أوضح: هل إنّه حين تصوّره للمركّب تصوّر ذلك الزائد في جملته أم لا، فبأصالة عدم جزئيته لذلك المركّب التي هي عبارة عن استصحاب عدم تصوّر الآمر ذلك الزائد حينما لاحظ المركّب، نحكم بأنّه ليس بواجب.

و فيه أوّلًا: أنّا و إن ذكرنا أنّ الأقل داخل في المركّب، إلّا أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى نفس الملحوظ، و أمّا لحاظ الأقل فهو مباين للحاظ الأكثر، فإنّ لحاظ كون الزائد داخلًا في المركّب يباين لحاظ عدم دخوله فيه، فيكون أصالة عدم ملاحظة ذلك الزائد داخلًا في المركّب معارضاً بأصالة عدم ملاحظته خارجاً عنه.

و ثانياً: أنّ الأثر إنّما يترتّب على أخذه في مقام الأمر، لا على أخذه في مقام الاختراع و التصوّر، فيكون أصالة عدم أخذه في مقام الاختراع لأجل ترتّب عدم أخذه في مقام الأمر مثبتاً.

و ثالثاً: لو سلّمنا أنّ مقام الاختراع يترتّب عليه أثر مقام الأمر، و أغضينا النظر عن المثبتية من هذه الجهة، كان الأصل المذكور مثبتاً من جهة أُخرى، فإنّ أقصى ما فيه أن يكون أصالة عدم دخول الزائد في اللحاظ في مقام الاختراع بمنزلة أصالة عدم جعل وجوب الزائد، و قد عرفت أنّ أصالة عدم جعل الوجوب مثبت.

و رابعاً: أنّه بعد تسليم أنّ أصالة عدم الاختراع بمنزلة أصالة عدم الجعل، و أصالة عدم الجعل بمنزلة أصالة عدم الوجوب، و أغضينا النظر عن المثبتية من الجهتين، ففيه أنّه إن كان المراد عدم اختراع الأكثر فهو معارض بعدم اختراع الأقل، و إن كان المراد عدم إدخال الزائد في اختراع المركّب، ففيه أنّ الأثر مرتّب على العدم الناقص، أعني كون هذا المركّب المخترع لم يكن الزائد حين اختراعه‏

315

داخلًا فيه، فلا ينفع فيه أصالة عدم الزائد الذي هو مفاد ليس التامّة، انتهى ملخّصاً.

و قد تعرّضنا للاستدلال على البراءة باستصحاب عدم التكليف في التنبيه الرابع من تنبيهات الاستصحاب في حواشي ص 163 من الجزء الثاني عند الكلام على شبهة النراقي في مسألة من وجب عليه الجلوس إلى الزوال و شكّ فيما بعد ذلك، من دعواه التعارض بين استصحاب الوجوب و استصحاب عدمه، فراجع‏ (1).

قوله: فتأمّل. و قوله‏ في الحاشية: وجهه هو أنّه قد يختلج في البال ... الخ‏ (2).

و يؤيد ذلك ما تقدّم في ص 53: و لا يعارضها أصالة البراءة عن الأقل للعلم بوجوبه على كلّ تقدير الخ‏ (3).

لكن الذي يهوّن الخطب هو أنّ أصالة عدم وجوب الأكثر غير جارية في حدّ نفسها، لأنّ المستصحب عدمه إن كان هو عدم الجعل، فذلك لا أثر له، و إن كان عدم المجعول بمفاد ليس التامّة فهو غير نافع في إزالة الشكّ في هذا الوجوب و إن كان بمفاد ليس الناقصة، بمعنى أنّ هذا الوجوب لم يكن وارداً على الأكثر فهو ليس له حالة سابقة، و مثله ما لو أُريد استصحاب عدم وجوب الزائد، فإنّه لا يزيل الشكّ في أنّ هذا الوجوب هل تعلّق بالزائد.

____________

(1) ليس له (قدس سره) حاشية على هذه الصفحة، نعم له (قدس سره) حواشٍ على الصفحة: 164، فراجع الحاشية الآتية في المجلّد التاسع من هذا الكتاب في الصفحة: 447 و ما بعدها، و كذا راجع الحاشية اللاحقة لها.

(2) فوائد الأُصول 4: 184.

(3) فوائد الأُصول 4: 164.

316

قوله: و هو أنّ منشأ انتزاع الشرطية ... الخ‏ (1).

ينبغي إسقاط لفظ «الشرطية» المتكرّرة في جميع ما حوته هذه الصفحة (2) و إبدالها بلفظ المانعية، لأنّ هذه الوجوه المذكورة إنّما يكون موردها المانعية لا الشرطية، و لعلّ المراد من الشرطية في المقام هو عبارة عن شرطية العدم، فتكون عين المانعية، لأنّ هذا الكلام ينتهي في آخره إلى المناقشة مع الشيخ، و هو (قدس سره) يجعل عدم المانع شرطاً، فإنّه بعد أن حكم بأنّ الشكّ في الشرطية حكمه حكم الشكّ في الجزئية قال ما هذا لفظه: ثمّ إنّ مرجع الشكّ في المانعية إلى الشكّ في شرطية عدمه، ثمّ قال: ثمّ إنّ الشكّ في الشرطية قد ينشأ عن الشكّ في حكم تكليفي نفسي، فيصير أصالة البراءة في ذلك الحكم التكليفي حاكماً على الأصل في الشرطية، فيخرج عن موضوع مسألة الاحتياط و البراءة، فيحكم بما يقتضيه الأصل الحاكم من وجوب ذلك المشكوك في شرطيته أو عدم وجوبه‏ (3). و على أيّ حال، فإنّ كون الشرطية منتزعة عن التكليف النفسي ممّا يأباه شيخنا (قدس سره)، و أنّ ذلك إنّما يكون في المانعية، فراجع ما في ص 73 من هذا التحرير (4).

قوله: بناءً على امتناع اجتماع الأمر و النهي ... الخ‏ (5).

الأولى إبداله بقوله: بناءً على جواز الاجتماع من الجهة الأُولى و الامتناع من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 190.

(2) يشير بها إلى ص 59 من الطبعة القديمة لفوائد الأُصول، و هي الصفحة 190- 193 (السطر الثالث) من الجزء الرابع من الطبعة الحديثة.

(3) فرائد الأُصول 2: 359.

(4) فوائد الأُصول 4: 217- 218.

(5) فوائد الأُصول 4: 190.

317

الجهة الثانية، فإنّ كون المقام من باب التزاحم إنّما يكون بناءً على هذا الوجه، لا على الامتناع من الجهة الأُولى.

و الأولى الاقتصار على قوله: و أُخرى يكون منشأ الانتزاع هو التكليف النفسي، و إسقاط قوله: و هذا إنّما يكون- إلى قوله- في محلّه.

ثمّ إنّ قوله: و إن كان منشأ انتزاعها هو التكليف النفسي، فتارةً- إلى قوله- و أُخرى يكون منشأ الانتزاع هو التكليف النفسي بوجوده الواقعي الخ‏ (1)، الأوّل إشارة إلى مسلكه (قدس سره) في مبحث الاجتماع، و الثاني إشارة إلى مسلك غيره في ذلك المبحث، و هو لزوم التخصيص الواقعي، و سيأتي الكلام عليه في الحاشية الآتية (2).

قوله: فلو فرض أنّه مورد شكّ في حرمة لبس الحرير و شرطية عدمه في الصلاة ... الخ‏ (3).

المثال الواضح هو الشكّ في كون هذا اللباس حريراً، لكنّه شبهة موضوعية و الكلام الآن في الشبهة الحكمية، أمّا الكلام على التردّد بين الأقل و الأكثر في الشبهات الموضوعية، فسيأتي فيما عقده له من الفصل السادس‏ (4).

و منه تعرف أنّ الكلام في تقسيم المانعية إلى هذه الأقسام لغير أوانه، لأنّ أغلب موارده هو الشبهات الموضوعية. ثمّ إنّ نظير ما أفاده من المانعية الناشئة عن التزاحم- أعني مسألة الاجتماع على القول بالجواز من الجهة الأُولى و الامتناع من الجهة الثانية- ما لو قلنا بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه، و أنّه يوجب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 191- 192.

(2) في الصفحة: 321.

(3) فوائد الأُصول 4: 191.

(4) فوائد الأُصول 4: 200.

318

فساده لو كان عبادة، فإنّ هذه المانعية ترتفع وجداناً بالأصل الجاري في ذلك الأمر، كما لو شككنا في وجوب إزالة النجاسة عن فرش المسجد أو حصيره، فإنّ أصالة البراءة عن الوجوب توجب ارتفاع النهي عن الصلاة، فتكون صحيحة واقعاً فتأمّل.

قوله: بل لا يجب على المكلّف عقلًا الاتيان بما يعلم دخله في الملاك من دون أن يدخل تحت دائرة الطلب ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ فرض العلم بكون الشي‏ء له مدخلية في الملاك مع عدم دخوله تحت دائرة الطلب لا يمكن تعقّله مع النظر إلى قاعدة الملازمة، سواء كان عدم دخوله تحت الطلب مشكوكاً أو كان معلوماً، لأنّ فرض العلم بمدخليته في الملاك حينئذ يوجب العلم بدخوله تحت الطلب. نعم يصحّ ذلك الفرض لو أُغضي النظر عن قاعدة الملازمة، لكنّه لا يكون إلّا من مجرّد الفرض الذي لا واقعية له، لأنّا قائلون بقاعدة الملازمة، بل إنّه لم يتحقّق لنا في الفقه إثبات حكم بقاعدة الملازمة صرفاً. إلّا أنّ ذلك لا يخلّ بأصل المطلب، و هو أنّه لا يجب على المكلّف الخروج عن عهدة الملاكات، و أنّه لا يلزمه بحكم العقل إلّا الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية.

قوله: و توهّم عدم جريان البراءة العقلية ... الخ‏ (2).

تقدّم الكلام في مبحث الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية (3) و في حديث‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 179.

(2) فوائد الأُصول 4: 180.

(3) في المجلّد السادس من هذا الكتاب، فراجع الصفحة: 306 و ما بعدها، و كذا الحاشية المفصّلة المذكورة في الصفحة: 312 و ما بعدها من المجلّد المذكور.

319

الرفع‏ (1) و في أوائل مباحث القطع‏ (2) أنّ العقاب لا يترتّب إلّا على مخالفته، و أنّ للحكم الواقعي إطلاقاً ذاتياً يشمل حال الجهل به و إن لم يكن له إطلاق لحاظي، و أنّ البراءة العقلية و الشرعية لا يجريان إلّا في الحكم الواقعي، و أنّ معنى رفعه التشريعي رفع أثره الذي هو إيجاب الاحتياط، و أنّ البراءة لا يعقل أن تكون جارية في رفع نفس إيجاب الاحتياط، و أنّ إيجاب الاحتياط يكون حكماً ظاهرياً في مقام الشكّ كالبراءة الشرعية، و إن كان هو وارداً عليها، إلّا أنّه من المحقّق أنّ البراءة الشرعية لا ترفع وجوب الاحتياط ابتداءً، فراجع تلك المباحث.

استدراك: لا يخفى أنّ ما أفاده الأُستاذ (قدس سره)(3) في تفسير ما أراده الشيخ (قدس سره) بلفظ «الغرض» المعطوف في كلامه على «العنوان»، بعيد في الغاية عن صريح عبارة الشيخ، فالأولى في تفسيرها ما أفاده الآشتياني (قدس سره)(4) فراجعه.

و بالجملة: أنّ عبارة الشيخ (قدس سره) في هذا المقام صريحة في أنّ الأسباب التوليدية، تارةً يكون الأمر متعلّقاً بالسبب بما أنّه معنون بالعنوان المنتزع من المسبّب، مثل أفعال الوضوء بما أنّه منطبق عليها عنوان الطهارة، كما مثّل به في المسألة الرابعة التي أشار إليها في هذا المقام، و أُخرى يكون الأمر متعلّقاً بنفس السبب، و لكن يكون الغرض من ذلك السبب هو العنوان المتولّد منه، و على أيّ‏

____________

(1) في المجلّد السابع من هذا الكتاب فراجع الحاشية المفصّلة في الصفحة: 122 و ما بعدها.

(2) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد السادس من هذا الكتاب في الصفحة: 22 و ما بعدها. و كذا راجع ما ذكره (قدس سره) في مبحث التجرّي في الحاشية المذكورة في الصفحة: 134 و ما بعدها و الحاشية اللاحقة لها.

(3) فوائد الأُصول 4: 171 و ما بعدها.

(4) بحر الفوائد 2: 154.

320

حال يكون اللازم هو الاحتياط، و هو عين ما أفاده شيخنا (قدس سره) من أنّه لا فرق في وجوب الاحتياط بين كون الأمر متعلّقاً بالعنوان الأوّلي أو متعلّقاً بالعنوان الثانوي، فلا فرق بين أن يقول توضّأ أو يقول تطهّر من الحدث، غايته أنّ شيخنا سمّى الثاني بكون الأمر متعلّقاً بالعنوان الثانوي، و الأوّل بكون الأمر متعلّقاً بالعنوان الأوّلي، و الشيخ (قدس سره) يعبّر عن الثاني بكونه من قبيل العنوان للمأمور به، و عن الأوّل بكونه من قبيل الغرض من المأمور به، فراجع ما أفاده الشيخ (قدس سره) في هذا المقام و في المسألة الرابعة (1).

و أصل عبارة الشيخ (قدس سره) هو هذا، أعني قوله (قدس سره): نعم قد يأمر المولى بمركّب يعلم أنّ المقصود منه تحصيل عنوان يشكّ في حصوله إذا أتى بذلك المركّب بدون ذلك الجزء المشكوك، كما إذا أمر بمعجون و علم أنّ المقصود منه إسهال الصفراء، بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة، أو علم أنّه الغرض من المأمور به، فإنّ تحصيل العلم باتيان المأمور به لازم كما سيجي‏ء في المسألة الرابعة الخ‏ (2). و هي صريحة في أنّ الغرض معلوم، لكن يحصل الشكّ في الحصول عليه عند الاتيان بالمركّب فاقداً للجزء المشكوك، و حينئذٍ كيف يمكن حمل الغرض على نفس التعبّد، و من الواضح أنّه إذا علم أنّ الغرض هو نفس التعبّد فقد علم أنّه عبادي، فأين هذا من الشكّ في كونه تعبّدياً أو توصّلياً كما هو مقتضى ما أفاده شيخنا (قدس سره) في تفسير الغرض.

نعم، يرد على ما أفاده الشيخ في جواب «إن قلت» ما أفاده شيخنا (قدس سره).

و هناك زيادة، و هي أنّه بعد فرض تعذّر الحصول على المصلحة المفروض‏

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 352.

(2) فرائد الأُصول 2: 319.

321

توقّفها على الجزم بالنيّة أو على نيّة الوجه، ينبغي أن يقال بسقوط الوجوب رأساً، و لا معنى لبقائه بمقدار استحقاق العقاب على مخالفته، فراجع ما حرّرته‏ (1) عن شيخنا (قدس سره) فإنّه مشتمل على هذه الجهة من الإشكال.

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في باب الشروط و الموانع‏]

قوله: و إن كان من الأُصول غير المحرزة كأصالة الحلّ و البراءة، فالأصل الجاري في طرف التكليف لا يغني عن إجراء الأصل في طرف الشرطية ... الخ‏ (2).

فيه تأمّل، فإنّ مثال المسألة هو مسألة الاجتماع على القول بالامتناع من الجهة الأُولى، و قد عرفت في محلّه‏ (3) أنّ لازم تقديم النهي بناءً على الامتناع من الجهة الأُولى و إن كان هو التخصيص الواقعي، و خروج مورد الاجتماع عن عموم مثل‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* خروجاً واقعياً، و هو عبارة أُخرى عن كون الحرمة في مورد الاجتماع من قبيل المانعية الواقعية، إلّا أنّ جريان مثل أصالة البراءة أو قاعدة الحل في ناحية الحرمة الواقعية هو الحكم الظاهري بالحلّية و عدم تحقّق المانع، و مقتضاه جواز الاقدام على الصلاة، غايته أنّه لو انكشف الخلاف كان مقتضى القاعدة هو الاعادة لو لا مثل حديث «لا تعاد»، بخلاف ما لو قلنا بالجواز من الجهة الأُولى و الامتناع من الجهة الثانية و كون المانع هو الحرمة المنجّزة، فإنّه يحكم بالصحّة واقعاً عند الاستناد إلى مثل البراءة الشرعية أو قاعدة الحل، و لا أثر فيه لانكشاف الخلاف، هذا كلّه بناءً على الامتناع من الجهة الأُولى، الذي لا أثر له‏

____________

(1) مخطوط لم يُطبع بعدُ.

(2) فوائد الأُصول 4: 193.

(3) راجع حواشيه (قدس سره) في المجلّد الرابع من هذا الكتاب في الصفحات: 80 و 111 و 115 و 301.

322

إلّا ما عرفت من مانعية الحرمة الواقعية.

هذا ما كنّا حرّرناه سابقاً، و لكنّه لا يخلو عن إشكال، لأنّه بعد البناء على كونه من قبيل التخصيص الواقعي، يكون حاله حال ما لو قال: أكرم عالماً، و قال:

لا تكرم الفسّاق، و قدّمنا الثاني على الأوّل، فإنّه يوجب انحصار مورد الأوّل بغير الفاسق، و لا تنفع فيه أصالة البراءة من حرمة إكرام المشكوك الفسق. بل ربما يقال إنّه لا ينفع فيه استصحاب الجواز لو كان له حالة سابقة، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه على القول بالامتناع يكون حاله حال النهي عن العبادة الخاصّة في كونه مخصّصاً لدليل الأمر، و مع ذلك لو شكّ في تحريم عبادة للشبهة الموضوعية أو الحكمية، تكون أصالة البراءة نافعة في الصحّة، هذا كلّه على تقدير مانعية الغصب.

و أمّا لو قلنا في مثل ذلك بالشرطية، و أنّ الشرط هو الاباحة الواقعية، لأمكن القول بما أفاده (قدس سره) من عدم جواز الاقدام استناداً إلى البراءة أو قاعدة الحل، بناءً على أنّ الشرط هو الاباحة الثابتة للشي‏ء بعنوانه الأوّلي، فلا تنفع فيه الاباحة الثابتة بعنوان الشكّ، لكن لا يكون الأصل حينئذ في ناحية الشرطية هو البراءة، بل يكون الأصل هو الاحتياط، فإنّا بعد البناء على أنّه يشترط الاباحة الواقعية في مكان المصلّي، و أنّ أصالة البراءة أو الحل في المكان لا تنفع في تحقّق الشرط المذكور، تكون المسألة من قبيل الشكّ في تحقّق الشرط المفروغ عن كونه شرطاً، فيكون المرجع حينئذ هو الاحتياط لا البراءة عن الشرطية، إذ لا يكون المقام حينئذ من قبيل الشكّ في أصل الشرطية، بل يكون من قبيل الشكّ في تحقّق الشرط بعد فرض إحراز كونه شرطاً.

تنبيه: و هو أنّه لو قلنا بأنّ المانعية فيما يحرم أكله مرتّبة على ما يحرم أكله، لا أنّهما في عرض واحد، كان استصحاب الحلّية حاكماً على البراءة من المانعية دون مثل أصالة البراءة من حرمة الأكل، فإنّها لا يحرز بها الحلّية كي تكون‏

323

حاكمة على البراءة من المانعية. أمّا قاعدة الحل فالظاهر حكومتها على البراءة من المانعية، فإنّها و إن لم تكن من الأُصول الاحرازية، إلّا أنّها من الأُصول التنزيلية التي يكون مرجع التنزيل فيها إلى الحكم بترتيب آثار الحل، و من جملتها جواز الصلاة فيه. نعم لو قلنا بعدم كونها من الأُصول التنزيلية، بل إنّ مفادها هو جعل الحكم في مورد الشكّ كما أفاده العلّامة الخراساني (قدس سره) في مبحث الاجزاء من الكفاية (1) لم يكن وجه للحكومة المذكورة، فراجع ما حرّرناه في ذلك المبحث‏ (2).

و حاصل الإشكال في الأُصول غير الاحرازية و غير التنزيلية مثل حديث الرفع: هو أنّ اشتراط الحلّية أو مانعية الحرمة إن كانت مترتّبة على ما هو كذلك واقعاً فالبراءة لا تنفع، و إن كان هو الأعمّ من الواقعي و الظاهري، فأصالة البراءة [نافعة] و لكن مقتضاها الإجزاء و عدم الاعادة، و هذا لا يمكن الالتزام به. و على أي حال فإنّ كون هذه المانعية منتزعة من التكليف النفسي الذي هو حرمة الأكل محلّ تأمّل و إشكال، بل إنّ موضوع هذه المانعية هو ذلك التكليف النفسي لا أنّها منتزعة منه.

قوله: فظهر ممّا ذكرنا: أنّ ما أفاده الشيخ (قدس سره) قبل تنبيهات الأقل و الأكثر بأسطر من أنّ الأصل الجاري لنفي التكليف يغني عن جريانه في طرف الشرطية، على إطلاقه ممنوع ... الخ‏ (3).

بل إنّ الشيخ (قدس سره) في عبارته المذكورة صرّح بحكومة أصالة البراءة على‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 86.

(2) راجع الحواشي المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في الصفحة: 375 و ما بعدها، و كذا ما ذكره (قدس سره) في الصفحة: 402 و ما بعدها من المجلّد المذكور.

(3) فوائد الأُصول 4: 193.

324

الأصل في الشرطية، فقال: فيصير أصالة البراءة في ذلك الحكم التكليفي حاكماً على الأصل في الشرطية الخ‏ (1)، فراجع، و راجع ما في هذا التحرير ص 73 من عدم معقولية انتزاع الشرطية من التكليف النفسي، و إنّما يكون ذلك في المانعية، و أنّ المراد من الشرطية في كلام الشيخ هو التقييد بعدم المانع‏ (2).

و راجع ما في تحرير السيّد سلّمه اللَّه ص 298 (3) فيما لو كانت الحرمة بوجودها الواقعي موجبة للتقييد بالعدم، و تمثيله لذلك بمسألة الاجتماع على القول بالامتناع من الجهة الأُولى، ثمّ بعده بأسطر يفيد أنّ المانعية في هذه الصورة إن كانت في عرض الحرمة الواقعية، لم يكن الأصل الجاري في الحرمة نافعاً في إزالة الشكّ في المانعية، و إن كانت المانعية في طول الحرمة الواقعية، كان الأصل الاحرازي نافعاً دون غيره.

و الظاهر انطباق الأوّل على مسألة مانعية غير المأكول على نظرية شيخنا (قدس سره) من كونهما في عرض واحد، و انطباق الثاني على ذلك على نظرية من يدّعي أنّ المانعية في طول الحرمة المذكورة، أو على مسألة الاجتماع على القول بالامتناع من الجهة الأُولى، فإن كان المراد هو مسألة الاجتماع فقد عرفت الحكم فيها، و إن كان المراد هو مسألة غير المأكول بناءً على الطولية، فقد عرفت إمكان حكومة قاعدة الحل بناءً على كونها من الأُصولية التنزيلية، و ينبغي مراجعة ما حرّرناه‏ (4) في مسألة النهي عن العبادة.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 359.

(2) فوائد الأُصول 4: 217- 218.

(3) أجود التقريرات 3: 509- 510.

(4) راجع المجلّد الرابع من هذا الكتاب، الصفحة: 301 و ما بعدها.

325

قوله: أو كان المتيقّن هو الأكثر ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الاجمال تارة يكون في متعلّق التكليف، و أُخرى يكون في موضوعه، و التكليف في كلّ منهما إمّا أن يكون إيجابياً و إمّا أن يكون تحريمياً، و المرجع في الجميع هو البراءة، لكن الذي يظهر منه هنا و في أوّل مباحث الأقل و الأكثر، هو أنّ المتيقّن فيما عدا التكليف الايجابي و كون الشبهة في المتعلّق، يكون هو الأكثر، نظراً إلى كون المتيقّن هو الأكثر قيوداً، لكن قد عرفت فيما تقدّم‏ (2) أنّه لا داعي إلى ذلك، بل حيث إنّ المكلّف به ليس هو المفاهيم و العناوين، بل إنّ المكلّف به إنّما هو المسمّيات و المعنونات، يكون القدر المتيقّن ممّا تعلّق التكليف به هو الأقل وجوداً، فإنّ الترديد بين كون المطلوب تركه هو مجرّد الاضافة أو الاضافة المقرونة بالتحية، يوجب أن يكون مطلوبية ترك الاضافة المقيّدة بالتحيّة قدراً متيقّناً، و طلب ترك الزائد و هو الاضافة المجرّدة عن التحيّة مشكوكاً.

و هكذا في مسألة وجوب إكرام كلّ عالم، المردّد بين كونه مجرّد العالم بالفقه أو هو مع النحو، فإنّ القدر المتيقّن هو مطلوبية إكرام العالم النحوي، و الزائد و هو العالم غير النحوي يكون مشكوكاً.

و هكذا الحال في لا تكرم الفاسق، المردّد بين خصوص مرتكب الكبيرة أو مطلق المرتكب و لو صغيرة، فإنّ القدر المتيقّن هو حرمة مرتكب الكبيرة، و يكون تحريم إكرام مرتكب الصغيرة فقط مشكوكاً، هذا كلّه في العموم الشمولي الانحلالي.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 194.

(2) في الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 248 و ما بعدها.

326

و قد ظهر لك: أنّ القدر المتيقّن في ذلك هو الأقل أفراداً، و أنّ التكليف بالزائد على تلك الأفراد يكون مشكوكاً. و منه يظهر لك أيضاً خروجه عن الأقل و الأكثر الارتباطيين و أنّه من قبيل التكاليف غير الارتباطية، و ذلك واضح لا ريب فيه. نعم لو أُخذ العموم في ذلك مجموعياً، لكان التردّد المذكور من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين، لكن القدر المتيقّن هو الأقل لا الأكثر.

و أمّا العموم البدلي مثل أكرم عالماً، مع الشكّ في مفهوم العالم و تردّده بين الاطلاق و التقييد بمثل العدالة، فلا شبهة في أنّ المتيقّن فيه يكون هو الأقل قيوداً، فيكون حاله حال تردّد متعلّق التكليف، و لعلّه يأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى عند الكلام على الأقل و الأكثر الانحلاليين‏ (1)، و أنّه هل هو من قبيل الأقل و الأكثر، أو هو من قبيل الدوران بين التخيير و التعيين، فانتظر.

قوله: لا فرق في جريان البراءة الشرعية في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي في باب الأجزاء و الشرائط و الموانع، بين أن يكون منشأ الشكّ في وجوب الأكثر فقد النصّ أو إجماله، فإنّ وجود النصّ المجمل في المسألة ... الخ‏ (2).

بل يمكن أن يقال: إنّ مسألة فقد النصّ في التردّد بين الأقل و الأكثر لا يمكن تصوّرها إلّا بعد ثبوت التكليف بالمركّب في الجملة، و هذا هو عبارة عن إجمال النصّ، حتّى لو كان ذلك الدليل الدالّ على وجوب المركّب في الجملة لبّياً مثل الإجماع و نحوه، فمسألة التردّد بين الأقل و الأكثر دائماً متقوّمة باجمال في ناحية المركّب المأمور به، حتّى لو ورد الأمر مثلًا بالاستعاذة قبل الفاتحة و تردّد

____________

(1) [لعلّ المراد هو: التحليليين، و يأتي التعليق عليه في الصفحة: 333].

(2) فوائد الأُصول 4: 193.

327

الأمر بين كونه وجوبياً أو استحبابياً، أو أنّه واجب مستقل أو هو جزء من الصلاة، فإنّ إجمال هذا النصّ ما لم يكن في البين إجمال في ناحية المركّب و تردّد بين كون الاستعاذة جزءاً منه أو غير جزء، لا يترتّب عليه أثر من ناحية مدخلية الاستعاذة في الصلاة و عدمها.

قوله: نعم، هنا بحث آخر قد تعرّض له الشيخ (قدس سره) ... الخ‏ (1).

الأولى في تفصيل هذا البحث هو أن يقال: ليس التعارض في الجزئية أو الشرطية مع وجود العام على طبق أحدهما، هو أن يدلّ أحد الخبرين على جزئية الاستعاذة مثلًا من الصلاة و الآخر على اعتبار عدمها، فإنّ العام حينئذ لا يكون موافقاً لأحدهما، بل المراد من صورة التعارض هو أن يدلّ أحد الخبرين على الجزئية، و الآخر يدلّ على مجرّد عدم الجزئية، مع وجود مثل عموم أقيموا الصلاة الموافق للثاني، و حينئذٍ فإن قلنا إنّ موافقة العام لأحد الدليلين مرجّح له على الآخر، فلا ريب في سقوط دليل الجزئية، و يكون العمل حينئذ على طبق العموم الموافق للدليل على عدم الجزئية. و إن لم نقل بأنّ العام مرجّح، فإن قلنا بالسقوط في المتعارضين المتكافئين فلا ريب حينئذ في لزوم القول بسقوط كلا الخبرين و لزوم الرجوع إلى العام، و إن لم نقل بالسقوط و قلنا بالتخيير كما هو مقتضى قوله (عليه السلام): «إذن فتخيّر» (2) فإن قلنا بأنّ التخيير يكون في المسألة الأُصولية، و اخترنا الخبر الدالّ على عدم الجزئية، كان ذلك عبارة أُخرى عن إسقاط دليل الجزئية و عن الأخذ بالعام.

نعم، يشكل الأمر على القول بكون التخيير تخييراً في المسألة الفرعية،

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 197.

(2) مستدرك الوسائل 17: 303/ أبواب صفات القاضي ب 9 ح 2.

328

فإنّه لا يمكن تأتّيه فيما نحن فيه، فإنّ الظاهر أنّ التخيير في المسألة الفرعية إنّما يمكن أن يتأتّى فيما لو كان كلّ من الخبرين متضمّناً لحكم إلزامي، أمّا لو كان أحدهما دالًا على الوجوب مثلًا، و كان الآخر دالًا على مجرّد عدم الوجوب أو على الاباحة، فلا معنى للقول بالتخيير في العمل و إسقاط الخبرين، لأنّ التخيير في العمل الفرعي عبارة أُخرى حينئذ عن الأخذ بالخبر الدالّ على عدم الوجوب أو الاباحة، و المفروض أنّ التعارض فيما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ الخبر الدالّ على عدم الجزئية يكون مفاده عين الحكم بالتخيير في المسألة الفرعية، فلاحظ و تأمّل.

و خلاصة البحث: أنّه لو قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم زيداً، و ورد أيضاً دليل يقول: أكرم زيداً، فقد تعارض الخاصان في زيد، فالعام تارةً نقول إنّه مرجّح للثاني منهما، و حينئذٍ يسقط قوله: لا تكرم زيداً. و أُخرى نقول إنّه مرجع، بأن نقول إنّ أدلّة التخيير في باب التعارض لا تشمل صورة وجود العام، و حينئذٍ يتساقط الخاصان، و يكون المرجع هو العموم. و ثالثة نقول إنّ العام ليس بمرجّح و لا مرجع، بل يكون الحكم هو التخيير بين الخاصين، سواء قلنا إنّه تخيير في المسألة الأُصولية أو تخيير في المسألة الفرعية. و رابعة نقول إنّ العام يكون مرجعاً لو كان التخيير الذي توجبه أخبار التعادل هو التخيير في المسألة الفرعية، لأنّ ملاكه هو عدم الدليل، و المفروض وجود الدليل في المسألة و هو العموم، أمّا لو كان ذلك التخيير تخييراً في المسألة الأُصولية، فلا مانع منه مع فرض وجود العموم، و حينئذٍ فإن اختار المجتهد الخبر الموافق للعام و هو قوله أكرم زيداً، فواضح و يكون العمل حينئذ بكلّ من العام و موافقه، و إن اختار الخبر المخالف للعام و هو قوله لا تكرم زيداً، كان ذلك عبارة أُخرى عن إسقاط العام في المورد

329

بجعل قوله لا تكرم زيداً مخصّصاً للعام، هذا.

و لكن تأتّي هذا التفصيل فيما نحن فيه مشكل، لأنّ العموم إنّما هو مثل أقيموا الصلاة، و الخاصّ الموافق لذلك العموم أو الاطلاق إنّما هو ما يدلّ على عدم جزئية السورة، لا ما يدلّ على التقييد بعدمها، و حينئذٍ يكون الخبر المخالف لذلك الاطلاق هو ما يدلّ على جزئية السورة، و يكون وزان مسألتنا وزان ما لو قال أكرم العلماء ثمّ قال يجب إكرام زيد، و قال أيضاً لا يجب إكرام زيد، و من الواضح أنّ التخيير في ذلك لا يتصوّر فيه كونه تخييراً في العمل، لأنّ التخيير في العمل هو عين الأخذ بقوله لا يجب إكرام زيد، و إنّما يتصوّر التخيير في العمل فيما لو كان كلّ من الخاصين متضمّناً لحكم إلزامي، مثل الوجوب في أحدهما و التحريم في الآخر، في قبال العام الموافق لأحدهما و هو وجوب إكرام العلماء مثلًا، أمّا لو كان أحد الدليلين ملزماً بالخاصّ و كان الآخر غير ملزم به، فلا يتصوّر فيه التخيير في العمل بين الخاصين، سواء كان في قبالهما عموم إلزامي، أو كان في قبالهما عموم غير الزامي بالنسبة إلى ذلك الخاصّ، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فتأمّل.

قوله: منها: ما إذا تردّد لباس المصلّي بين كونه من مأكول اللحم أو غيره، فإنّ مانعية غير المأكول تختلف سعة و ضيقاً على حسب ما لغير المأكول من الأفراد ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه (قدس سره) قد حقّق في محلّه في مسألة اللباس المشكوك‏ (2) أنّ المطلوب في باب النهي النفسي مثل لا تشرب الخمر بحسب التصوير العقلي يمكن أن يكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: أن يكون المطلوب فيه هو ترك كلّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 203.

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 268- 271.

330

واحد على استقلاله، و يعبّر عنه بالسلب الانحلالي. الثاني: أن يكون المطلوب هو السلب الواحد المنبسط على الجميع، و يعبّر عنه بالسلب المجموعي. الثالث:

أن يكون المطلوب هو اتّصاف المكلّف بترك شرب الخمر، و يعبّر عنه بالمعدولة المحمول فإنّه حينئذ بمنزلة قوله: كن غير شارب للخمر.

ثمّ لو شكّ في خمرية مائع خاصّ، فعلى الاحتمال الثالث يلزم الاحتياط بتركه، لأنّ المطلوب حينئذ عنوان بسيط يشكّ في تحقّقه عند ارتكاب ذلك المشكوك، فالشبهة في ذلك و إن كانت موضوعية، إلّا أنّها من قبيل الشكّ في المحقّق، و لأجل ذلك تكون مجرى للاحتياط، بخلافه على الأوّل و الثاني، فإنّ المرجع في ذلك المشكوك هو البراءة، لكونه من قبيل الأقل و الأكثر، غايته أنّه على الأوّل من قبيل الأقل و الأكثر غير الارتباطيين، و على الثاني من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و هذه الوجوه الثلاثة جارية بعينها في النواهي الغيرية التي هي منشأ انتزاع المانعية، فعلى الثالث يلزم الاحتياط بترك اللباس المشكوك، بخلافه على الأوّلين على حذو ما ذكرناه في النواهي النفسية إلّا في مطلب واحد، و هو كون المسألة في النواهي الغيرية من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين على كلّ من أخذ السلب مجموعياً أو أخذه انحلالياً، فإنّه في النواهي النفسية و إن لم يكن ارتباطياً لو أُخذ السلب فيه انحلالياً، إلّا أنّه في النواهي الغيرية يكون ارتباطياً على كلا التقديرين، حيث إنّ المنع الغيري عن لبس الحرير مثلًا في الصلاة لو أُخذ انحلالياً و إن لم يكن ارتباطياً بالنسبة إلى كلّ واحد من أفراد الحرير، إلّا أنّه بالنسبة إلى مجموع أجزاء الصلاة و شرائطها يكون ارتباطياً، فترك هذا اللباس لو كان حريراً في الواقع و إن لم يكن ارتباطياً بالقياس إلى ترك لبس ذلك اللباس الآخر المفروض كونه‏

331

حريراً، إلّا أنّه بالقياس إلى مجموع الأفعال الصلاتية يكون ارتباطياً، ضرورة ارتباط ترك كلّ مانع بالنسبة إلى ما جعل مانعاً فيه.

و من ذلك كلّه يتّضح لك: أنّ موارد الشكّ في المحقّق كلّها تكون مجرى للاحتياط، سواء كان منشأ الشكّ فيها هو عدم النصّ أو إجماله أو اشتباه الأُمور الخارجية، و أنّ موارد الشكّ في الأقل و الأكثر كلّها مجرى للبراءة، سواء كان منشأ الشكّ هو عدم النصّ أو إجماله أو اشتباه الأُمور الخارجية، و لو كان منشأ الشكّ في المسألتين هو تعارض النصّين، كان المرجع فيه هو التخيير بين النصّين على نحو ما عرفت.

قوله: نعم، في الأجزاء لا يمكن أن تتحقّق الشبهة الموضوعية، لأنّ التكليف بها ليس له تعلّق بالموضوع الخارجي ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الأجزاء و إن لم يكن لها تعلّق بالموضوع الخارجي، إلّا أنّها يمكن تأتّي الشبهة الموضوعية فيها، بأن يكون قد شكّ في أنّه ركع مثلًا أو لا، كما يمكن ذلك في الشرائط، بأن يكون قد شكّ في كون هذه الجهة قبلة، أو شكّ في كون هذا اللباس طاهراً، إلّا أنّهما ليسا من قبيل الشكّ في الجزئية أو الشرطية، بل من قبيل الشكّ في تحقّق الجزء أو الشرط، و اللازم فيه هو الاحتياط، لرجوع الشكّ في ذلك إلى احتمال امتثال الأمر المتعلّق بالجزء أو الشرط مع فرض الاشتغال به يقيناً، بخلاف مسألة المانعية فإنّ الشكّ في كون هذا اللباس حريراً مثلًا يرجع بعد الانحلال المزبور إلى الشكّ في مانعية هذا اللباس الخاصّ، فيكون من قبيل الشكّ في الاشتغال، و بذلك يكون داخلًا في مسألة الأقل و الأكثر، بخلاف الجزئية و الشرطية.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 203- 204.

332

و السرّ في ذلك هو ما أفاده من عدم إمكان العموم الشمولي في باب الأجزاء و الشرائط، سواء كان انحلالياً أو كان مجموعياً، بل لا يتصوّر فيهما إلّا العموم البدلي، فدائماً تكون الشبهة الموضوعية فيهما راجعة إلى الشكّ في تحقّق الجزء أو الشرط، بخلاف المانعية فإنّها لمّا كانت شمولية كان كلّ واحد من أفراد المانع محقّق المانعية، فيكون الشكّ في كون هذا اللباس حريراً مثلًا راجعاً إلى الشكّ في مانعيته، و بذلك يكون من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين، سواء كان العموم الشمولي في قوله لا تصلّ في الحرير انحلالياً أو كان مجموعياً على ما عرفت تفصيله فيما تقدّم.

ثمّ لا يخفى أنّ الشبهة الموضوعية في جزء الواجب الارتباطي و إن أمكن التمثيل لها بمثل غسل الجنابة، بناءً على أنّ المطلوب هو نفس غسل البشرة الظاهرة، و قد حصل الشكّ في ندبة في بدنه مثل ثقب الأُذن أو ندبة أُخرى غير عادية في أنّها من قبيل الظاهر أو الباطن على نحو الشبهة الموضوعية، لكنّه داخل فيما له تعلّق بموضوع خارجي، فإنّ الواجب هو غسل الظاهر و قد حصل الشكّ في تلك الندبة في أنّها من الظاهر على نحو الشبهة الموضوعية، فهو نظير العموم المجموعي مثل أكرم العلماء على نحو العموم المجموعي و قد شكّ في عالمية زيد مثلًا. و مثل ذلك ما لو قلنا بأنّ الشرط في لباس المصلّي و محموله هو الطهارة إذا كان ممّا تتمّ به الصلاة منفرداً، و قد حصل [الشكّ‏] في أنّ هذا المحمول هل تتمّ به الصلاة منفرداً للشكّ في كونه في نفسه ساتراً للعورة، فإنّ المرجع في ذلك إلى البراءة من شرطية طهارة ذلك المحمول، فتأمّل.

و لا يخفى أنّ المثال الأوّل لا يخلو عن خدشة، فإنّ الشبهة فيه ليست موضوعية صرفة، بل هي حكمية لكونها من قبيل الشبهة المفهومية، للشكّ في‏

333

كون الظاهر شاملًا لتلك الندبة.

و الأولى التمثيل لذلك بالحدود في باب الوضوء، مثل حدّ اليد إلى المرفق، فإنّهم يقولون يجب الغسل فيه من باب المقدّمة العلمية، و ذلك- أعني كونه من باب المقدّمة العلمية- لا يكون إلّا من جهة الشكّ في كونه جزءاً على نحو الشبهة الموضوعية، فإنّ المفهوم و هو اليد و حدّها لا شبهة فيه و لا ترديد، و إنّما وقع الشكّ في هذه النقطة هل هي داخلة في المحدود أو خارجة عنه على نحو الشبهة الموضوعية، فراجع ما يذكرونه في باب الوضوء و أنّ غسل تلك النقطة هل هو من باب المقدّمة الوجودية، أو من باب المقدّمة العلمية.

[دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في المركّبات التحليلية]

قوله: الفصل السابع: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في المركّبات التحليلية، و المراد من المركّب التحليلي هو ما إذا لم يتوقّف اعتبار الخصوصية ... الخ‏ (1).

هنا مسائل ربما يختلط بعضها ببعض، الأُولى: دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعي. الثانية: الدوران بين التعيين و التخيير العقلي. الثالثة: الدوران في متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر الخارجيين، سواء كان ذلك من قبيل الجزئية أو الشرطية أو المانعية. الرابعة: دوران متعلّق التكليف بين الأقل و الأكثر التحليليين، مثل أن يعلم بأنّه وجب عليه إخراج هذه الجارية عن ملكه، و لكنّه تردّد بين كونه بطريق خاصّ كالبيع أو العتق مثلًا، أو أنّ المطلوب هو مطلق الاخراج عن الملك بأيّ نحو كان. الخامسة: دوران موضوع التكليف بين الأقل و الأكثر الخارجيين، مثل ما لو تردّد في الرقبة التي يجب عتقها بين مطلق الرقبة أو خصوص المقيّدة بالإيمان، أو تردّد العالم الذي يجب إكرامه بين خصوص العالم‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 205.

334

بالنحو مع الفقه أو هو مطلق العالم بالفقه و إن لم يكن نحوياً. السادسة: دوران موضوع التكليف بين الأقل و الأكثر التحليليين، مثل ما لو تردّد الهدي الذي يجب بين كونه مطلق الحيوان الذي هو مأكول اللحم، أو هو خصوص البدنة التي هي من الإبل خاصّة.

أمّا المسألة الأُولى، فهي مباينة للثانية بما تقدّم‏ (1) تحريره في الفرق بين التخيير الشرعي و التخيير العقلي، بأنّ الأوّل يكون فيه جامع عرفي قريب يكون هو متعلّق الأمر، بخلاف الثاني.

و أمّا الثانية، فهي منطبقة على كلّ واحدة من المسائل التي هي بعدها.

و أمّا الثالثة، فهي مسألة الأقل و الأكثر الخارجيين، التي تقدّم الكلام عليها مفصّلًا في الفصول السابقة.

و أمّا الرابعة و كذلك السادسة، فهي المقصود بمسألة الأقل و الأكثر التحليليين، و هي المعنونة في هذا الفصل المبيّن فيه بما لا مزيد عليه عدم جريان البراءة الشرعية فيها.

و أمّا المسألة الخامسة، فيمكن إلحاقها بالرابعة في عدم جريان البراءة فيها، و لزوم الاحتياط لأصالة الاشتغال، و ذلك لأنّ مدار البراءة هو أن تكون الجهة المشكوكة على تقدير اعتبارها واقعاً داخلة تحت الطلب، بحيث يكون منبسطاً عليها، على وجه لو قطّعناه قطعاً لكانت قطعة منه واردة على تلك الجهة، كما في جزء نفس المأمور به أو شرطه أو مانعه. أمّا ما يدخل فيما تعلّق به الفعل المأمور به من جزء أو شرط أو مانع، فلا يكون التكليف منبسطاً عليه، فإنّ‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في الصفحة: 255 و ما بعدها.

335

الوجوب المتعلّق بعتق الرقبة مثلًا على تقدير كونها في الواقع مقيّدة بالإيمان، لا يكون منبسطاً على تقييدها بالإيمان على وجه لو قطّع ذلك الوجوب لكانت قطعة منه واردة على تقيّد الرقبة بالإيمان، كي تكون تلك القطعة منه مورداً للبراءة.

و لكن التحقيق جريان البراءة في ذلك، فإنّ العتق و إن كان في نفسه بسيطاً، إلّا أنّه باعتبار كونه عتق مؤمنة يكون مقيّداً، نظير الصلاة المقيّدة بكونها مع الطهارة، فيكون التكليف منبسطاً على ذلك التقييد، أعني تقييد العتق بكونه عتقاً للمؤمنة، فإنّ التقييد اللاحق لموضوع التكليف و إن كان بحسب الصورة قيداً لمتعلّق الفعل المأمور به، إلّا أنّه في الحقيقة يكون قيداً لنفس الفعل المأمور به.

قوله: نعم بناءً على مختار الشيخ (قدس سره) من جريان البراءة العقلية في الأقل و الأكثر- إلى قوله- لأنّ النوع في التحليل العقلي مركّب من الجنس و الفصل، فينحلّ العلم الاجمالي في نظر العقل، لأنّ نظره هو المتّبع في الانحلال‏ (1).

لا يخفى أنّ أساس القول بانحلال العلم الاجمالي المردّد بين الأقل و الأكثر الارتباطيين ليس هو التحليل العقلي، بل هو تعدّد الأمر الشرعي و زيادته في الأكثر، و أنّ عمدة ما يتوجّه على هذا الانحلال هو ما أفاده (قدس سره) فيما تقدّم من كون الأكثر على تقدير وجوبه واقعاً، يكون حصول امتثال الأمر المتعلّق بالأقل مقيّداً بالاتيان بذلك الزائد، فمع الشكّ في وجوبه يحصل الشكّ في الخروج عن عهدة الأقل بالاتيان به مجرّداً عن ذلك الزائد المشكوك الوجوب، و قد دفعنا ذلك بما تقدّم من إرجاع الجزئية الارتباطية إلى تقييد الأقل بالزائد، و كونها حينئذ مأموراً

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 208.

336

بها بالأمر الغيري الشرطي، و جعلنا مركز البراءة الشرعية و العقلية هو ذلك الوجوب الغيري الشرطي، و بذلك ينحل العلم الاجمالي على ما تقدّم تفصيله‏ (1).

و هذه الجهة التي أوجبت الانحلال و هي كون ذلك المقدار من الوجوب مشكوكاً، ليست متحقّقة في مسألة الدوران بين الجنس و النوع، لما أُفيد من عدم التقطيع فيها في ناحية الأمر الشرعي، و إن كان النوع بحسب التحليل العقلي مركّباً من الجنس و الفصل، لأنّ هذا التحليل العقلي لا عبرة به في الأمر المتعلّق بالنوع، لأنّه لا يكون إلّا أمراً واحداً بسيطاً لا كثرة فيه و لا تعدّد.

ثمّ إنّ الضابط لهذه المسألة، بحيث يكون فارقاً مميّزاً بين كون المورد من قبيل الأقل و الأكثر الخارجيين و كونه من قبيل الأقل و الأكثر التحليليين، هو عين الضابط الذي أفاده (قدس سره)(2) في باب البيع من الفرق بين موارد تخلّف الشرط الموجب للخيار و موارد تخلّف المبيع الموجب لبطلان البيع، و حاصل ذلك الضابط هو أنّ الخصوصية إن كانت حافظة للصورة النوعية كان المورد من قبيل تخلّف المبيع، و إن لم تكن حافظة للصورة النوعية، بل كانت جهة زائدة على الصورة النوعية، كانت من قبيل تخلّف الشرط.

و حينئذٍ ففيما نحن فيه إن كانت الخصوصية المحتملة هي الصورة النوعية كانت المسألة من الأقل و الأكثر التحليليين، و إن لم تكن تلك الخصوصية المحتملة على تقدير اعتبارها كذلك، بل كانت على تقدير اعتبارها جهة زائدة على الصورة النوعية، كانت المسألة من الأقل و الأكثر الخارجيين.

____________

(1) في الصفحة: 280 و ما بعدها، و كذا الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 296 و ما بعدها.

(2) منية الطالب 3: 267 و ما بعدها.

337

و السرّ في ذلك: هو أنّ الخصوصية النوعية يكون بها قوام شيئية الشي‏ء، فلا يمكن التقطيع في الأمر المتعلّق بذلك الشي‏ء ليكون مقدار من ذلك الأمر معلوماً و مقدار منه مشكوكاً، بخلاف الخصوصية الزائدة على الحقيقة النوعية، فإنّ الأمر بواجدها يكون منحلا إلى الأمر بنفس الذات و إلى أمر بالزائد على تلك الذات و هو تلك الخصوصية، و يكون الأمر بتلك الذات معلوماً و الأمر بما هو زائد عليها مشكوكاً.

ثمّ إنّه قد يقال بالرجوع إلى البراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر التحليليين، فإنّ نفس الخصوصية و إن لم يمكن إجراء البراءة فيها من باب العلم بوجوب العام و الشكّ في وجوب الخصوصية، لما عرفت من عدم التقطيع في ناحية الأمر، إلّا أنّه بعد العلم الاجمالي المردّد بين وجوب العام و وجوب الخاص تكون البراءة في وجوب الخاص جارية بلا معارض لها في ناحية وجوب العام، لعدم إمكان البراءة فيه، لكونها فيه موجبة للمخالفة القطعية.

و فيه: أنّا إن قلنا بالتباين بين الوجوبين، لا يكون جريان البراءة في وجوب العام موجبة للمخالفة القطعية، فإنّها إنّما توجب ذلك إذا كان جريانها فيه موجباً للحكم بعدم وجوب العام لا بنفسه و لا في ضمن الخاصّ، و هذا- أعني انتفاء وجوب العام في ضمن الخاصّ- عين التركيب في ناحية الخاص الذي كان الكلام مبنياً على عدمه.

و بالجملة: بعد البناء على بساطة الخاصّ و بساطة الأمر المتعلّق به، لا تكون البراءة في ناحية وجوب العام إلّا نافية لوجوبه في حدّ نفسه، دون وجوبه في ضمن الخاصّ كي تكون موجبة للمخالفة القطعية، فتأمّل.

338

[تنبيهات الأقل و الأكثر]

[الأوّل الشكّ في ركنية جزء للعمل و عدمها]

قوله: قد اختلفت كلمات الأصحاب في معنى الجزء الركني، و ما هو المائز بينه و بين غيره، فقيل: إنّ الجزء الركني هو ما أوجب الإخلال به سهواً ... الخ‏ (1).

لم يقع الركن في لسان الأدلّة كي يستحسن الخلاف في معناه، و إنّما هو اصطلاح لا يحسن فيه الخلاف، لأنّ كلّ جزء بحسب القواعد الأوّلية و الأدلّة الخاصّة يمكن أن يكون كلّ من نقيصته السهوية و زيادته السهوية مخلًّا، كما أنّه يمكن أن لا يكون شي‏ء منهما مخلًّا، أو يكون المخلّ هو النقص السهوي دون الزيادة السهوية، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى القواعد و الأدلّة المزبورة.

نعم، أفاد شيخنا (قدس سره) على ما حرّرته عنه هو أنّ الاستقراء في خصوص باب الصلاة يشهد بالملازمة بين كون البطلان بالنقص السهوي و البطلان بالزيادة السهوية.

قوله: و هذا بعد الاتّفاق منهم على أنّ الإخلال بالجزء عمداً يوجب البطلان ... الخ‏ (2).

ربما يستند في عدم البطلان بالاخلال العمدي فيما عدا الأركان في مورد الجهل بالحكم أو في مورد العلم به إذا تأتّى منه قصد القربة إلى حديث «لا تعاد»، لكن‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 209.

(2) فوائد الأُصول 4: 209.

339

لو تمّ الاستدلال المزبور لكان مقتضاه كون تلك الأجزاء التي أخلّ بها هي من قبيل الواجب في واجب، فلا يترتّب على تركها عمداً إلّا الإثم، و بذلك تخرج عن مفروض الكلام من كون المتروك عمداً هو الجزء، و حينئذٍ فيتمّ ما أُفيد من أنّ بطلان العمل بالإخلال العمدي من لوازم الجزئية.

قوله: لا إشكال في سقوط التكليف بالجزء المنسي في حال النسيان لعدم القدرة عليه في ذلك الحال ... الخ‏ (1).

لا بدّ أن يكون المراد من السقوط مجرّد المعذورية، لا ارتفاع الأمر بالمرّة الموجب لارتفاع الجزئية، سيّما بناءً على أنّها منتزعة من الأمر، و إلّا لم يكن وقع للبحث من أصله، لأنّ ذلك عبارة أُخرى عن اختصاص الجزئية بحال الذكر.

و الحاصل: أنّ عدم القدرة الحاصل من النسيان لا يوجب ارتفاع أصل التكليف، بل حال النسيان من هذه الجهة حال الجهل في أنّه لا يوجب إلّا مجرّد عدم العقاب دون ارتفاع التكليف الواقعي، إذ لو تمّ ذلك من أنّه موجب لارتفاع التكليف واقعاً لم يكن لنا في المركّبات ركن أصلًا.

و يمكن أن يكون المراد هو أنّ سقوط التكليف بالجزء المنسي هل يكون مقصوراً عليه، و حينئذٍ تكون باقي الأجزاء باقية على وجوبها في حقّ الناسي، و نحتاج إلى خطاب يخصّ الناسي بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، و يتعلّق ذلك الخطاب بباقي الأجزاء، أو أنّ سقوط التكليف بالجزء المنسي يوجب سقوط التكليف بالباقي، فلا يكون الناسي مختصّاً بخصوص خطاب، و هذا هو محصّل الركنية، كما أنّ الوجه الأوّل هو عبارة عن عدم الركنية.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 210.

340

قوله: و ثانياً: أنّ العنوان الملازم للنسيان إنّما أُخذ معرّفاً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه لا دليل على أنّه لا بدّ من قصد العنوان الواقعي المعرَّف، و لعلّ قوله: فتأمّل، إشارة إلى ذلك.

قوله: الوجه الثالث: هو ما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) ... الخ‏ (2).

قال في الكفاية: كما إذا وجّه الخطاب على نحو يعمّ الذاكر و الناسي بالخالي عمّا شكّ في دخله مطلقاً، و قد دلّ دليل آخر على دخله في حقّ الذاكر (3).

و مراده بما شكّ في دخله مطلقاً هو باقي الأجزاء ما عدا الأركان، و حاصله أنّ الخطاب العام للذاكر و الناسي يكون مقصوراً على الأركان خالية من باقي الأجزاء، ثمّ يقوم دليل آخر يدلّ على جزئية باقي الأجزاء في حقّ خصوص الذاكر.

و لا يخفى أنّ ظاهر العبارة المرسومة هنا غير متّجه، لأنّ النسيان ليس واقعاً دائماً على جزء خاصّ، بل كلّ جزء قابل للنسيان، فلا يصحّ الخطاب العام بما عدا الجزء المنسي، لكن الأمر سهل، لأنّ المراد هو ما في الكفاية، غايته أنّ العبارة قاصرة عن تأدية مطلب الكفاية.

ثمّ إنّه قد يقال: إنّ هذا الوجه يحتاج إلى الخطأ في التطبيق، لأنّ المكلّف يتخيّل أنّه يأتي بجميع الأجزاء امتثالًا للأمر المتعلّق بها، لكن فيه تأمّل، لأنّ نيّة جميع الأجزاء إنّما تكون في أوّل الشروع على نحو الإجمال، ثمّ بعد ذلك بطروّ النسيان ينقلب تكليفه إلى سقوط المنسي عنه، فكلّ واحد من الأجزاء لا يأتي به‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 213.

(2) فوائد الأُصول 4: 213- 214.

(3) كفاية الأُصول: 368.

341

إلّا بداعي أمره الواقعي، و من أوّل دخوله في الصلاة و إن نوى امتثال الأمر بالكل إلّا أنّه كان قبل طروّ النسيان، فكان مأموراً بالكل، و التبدّل إلى التكليف بالبعض إنّما طرأ في الأثناء.

و فيه: تأمّل، لأنّ المقام ليس من قبيل التبدّل، بل هو من أوّل الأمر لمّا كان في علمه تعالى أنّه ينسى السورة يكون مكلّفاً بما عداها، و هو يتخيّل أنّه مكلّف بالمركّب منها.

ثمّ لا يخفى أنّ الخطأ في التطبيق يحتاج إلى هذا الوجه، فإنّ تنويع المكلّف إلى ذاكر السورة فيكون أمره متعلّقاً بالمركّب منها، و ناسي السورة فيكون أمره متعلّقاً بفاقدها، لا يكون إلّا عبارة أُخرى عن أنّ وجوب السورة و جزئيتها مقيّدة بالذكر، فتأمّل.

ثمّ إنّ في كون الجزئية مختصّة بالذاكر إشكالًا آخر، فإنّه و إن لم يكن عبارة عن ذاكر الجزئية، بل هو عبارة عن ذاكر الجزء، إلّا أنّ تصوّر ذكر الجزء و نسيانه إنّما هو بعد فرض تحقّق وجوبه و جزئيته، فيكون ذكر الجزء في محلّه متأخّراً رتبة عن وجوبه و جزئيته، فلا يعقل أن يكون أصل جزئيته و وجوبه مشروطاً بذكره، و هو أشبه باشكال أخذ العلم بالحكم في موضوعه، و هذا الإشكال لا يختصّ بالوجه الثالث، بل هو جار في الأوّل و الثاني، فإنّ كون الناسي مكلّفاً بالفاقد عبارة أُخرى عن كون الذاكر مكلّفاً بالواجد، و التعبير عن الناسي بالعنوان الملازم مثل بلغمي المزاج ليس إلّا لأجل إمكان خطابه، و حينئذٍ يكون مرجع جميع الوجوه إلى كون الناسي مكلّفاً بالفاقد و الذاكر مكلّفاً بالواجد، و يتأتّى فيه الإشكال في أخذ العلم بالحكم موضوعاً له.

و لا يمكن الجواب عنه بأنّه ليس من هذا القبيل بل هو من قبيل أخذ العلم‏

342

بالموضوع موضوعاً للحكم، و وجه عدم إمكان الجواب بذلك هو الفرق الواضح بين العلم بالموضوع، فإنّه لا يكون متأخّراً عن وجود الحكم، بخلاف ذكر مثل التشهّد في محلّه فإنّه عبارة أُخرى عن العلم بوجوب التشهّد في محلّه، و أنّه متذكّر لذلك الفعل الواجب عليه، و ذلك لا يكون إلّا بعد فرض تعلّق الوجوب بالتشهّد فلاحظ.

و مع قطع النظر عن هذا الإشكال يكون كلّ من الوجوه الثلاثة راجعاً إلى الآخر، و هي محتاجة إلى طريقة الخطأ في التطبيق، و لا يرد عليه ما أفاده شيخنا (قدس سره) من استهجان الخطاب الذي لا يؤثّر في حقّ المكلّف، فإنّ ذلك لو سلّمناه فإنّما هو فيما لو كانت طريقة أُخرى يمكننا سلوكها، أمّا إذا لم يكن للشارع الحكيم طريقة في تحصيل المكلّف به من المكلّف إلّا بهذه الطريقة، كان اللازم عليه سلوكها، فلاحظ و تدبّر.

قوله: الجهة الثانية: في قيام الدليل على كون الناسي مكلّفاً ببقية الأجزاء و سقوط التكليف عن خصوص الجزء المنسي ... الخ‏ (1).

لا شبهة في كون جزئية الجزء من الوضعيات، و لكن هل هي مجعولة شرعاً و يتبعها التكليف بالجزء كما يظهر ذلك من الشيخ المرتضى (قدس سره)(2)، أو أنّ المجعول‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 216.

(2) [لاحظ فرائد الأُصول 2: 363، و لعلّه (قدس سره) استفاد ذلك ممّا ذكره الشيخ (قدس سره) (في صفحة 366) بقوله: و إن كان تكليفاً غيرياً فهو كاشف- إلى قوله:- إلّا أنّ الجزئيّة لا تنتفي بذلك. فلاحظه و لاحظ سائر كلماته (قدس سره) في المسألة الأُولى من التنبيه الأوّل من تنبيهات الأقلّ و الأكثر، فإنّ الشيخ (قدس سره) قد صرّح (في صفحة 367) بأنّ جزئيّة السورة ليست من الأحكام المجعولة لها شرعاً. و لاحظ أيضاً ما ذكره (قدس سره) في الأحكام الوضعيّة في باب الاستصحاب من فرائد الأُصول 3: 125 و ما بعدها].

343

إنّما هو الأمر المتعلّق بذلك الجزء في ضمن تعلّقه بالكل، فلا تكون الجزئية مجعولة شرعية، بل لا تكون إلّا انتزاعية محضة كما هو مختار شيخنا الأُستاذ (قدس سره)، و بناءً عليه يكون المجعول حقيقة هو الأمر المتعلّق بالجزء، سواء كان الدليل عليها هو الأمر المتعلّق بالكل مثل قوله صلّ، أو الأمر المتعلّق بخصوص الجزء مثل قوله اركع و اسجد و نحو ذلك، أو كان الدليل عليها هو مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)، فإنّه حينئذ يكون من قبيل التعبير بلازم ذلك الأمر المتعلّق بالاتيان بالفاتحة في ضمن الصلاة على نحو الارتباطية.

ثمّ بعد البناء على ما أفاده (قدس سره) من أنّ المجعول إنّما هو الأمر الضمني المتعلّق بالجزء في ضمن تعلّقه بالكل، و أنّ الجزئية لا تكون إلّا منتزعة من ذلك الأمر المتعلّق بالكل الذي يكون متضمّناً لتعلّق الأمر بالجزء، لا بدّ أن تكون الجزئية تابعة لذلك الأمر، فحيث يتوجّه الأمر الضمني المتعلّق بمثل التشهّد في ضمن تعلّق الأمر بالصلاة، تنتزع الجزئية للتشهّد، و يكون التشهّد جزءاً من الصلاة، و حيث لا يكون الأمر المذكور متوجّهاً لبعض الطوارئ الموجبة لسقوطه و عدم توجّهه، لا يكون التشهّد المذكور جزءاً من الصلاة، و تكون الجزئية ساقطة بسقوطه.

ثمّ بعد ذلك نقول: لو طرأ على المكلّف نسيان التشهّد، فهل يكون النسيان من قبيل التعذّر، نظراً إلى أنّ الناسي للتشهّد الغافل عنه يكون غير قادر على الاتيان به، أو أنّه من قبيل عدم العلم، فيكون ملحقاً بعدم العلم في أنّه لا أثر له إلّا مجرّد المعذورية مع بقاء التكليف الواقعي بحاله، فإنّهم ألحقوا نسيان الحكم بالجهل به، فينبغي أن يلحقوا ناسي الموضوع بالجاهل بالموضوع في عدم كونه‏

____________

(1) مستدرك الوسائل 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5.

344

موجباً لسقوط التكليف الواقعي. و الظاهر الثاني، لأنّ من نسي الصلاة بتمامها لا يكون نسيانه لها موجباً لسقوط الأمر بها واقعاً، بل يكون الأمر بها محفوظاً في واقعه، و إن كان المكلّف معذوراً في تركها، بمعنى أنّه لا يستحقّ العقاب على ذلك الترك الناشئ عن النسيان، فينبغي أن يكون نسيان جزء من أجزائها أيضاً كذلك، يعني أنّ الأمر بذلك الجزء المنسي يكون باقياً بحاله، و إن كان تركه غير موجب للعقاب.

و على كلّ حال، فنحن إن قلنا بمقالة الأُستاذ (قدس سره) من كون المجعول هو الأمر الضمني، و أنّ الجزئية انتزاعية، فإمّا أن نقول بأنّ نسيان الجزء لا يوجب سقوط الأمر الضمني المتعلّق به، و إنّما أقصى ما فيه أنّه يوجب المعذورية في ترك ذلك الجزء، بمعنى عدم استحقاق العقاب على ذلك الترك الناشئ من النسيان، و إمّا أن نقول بأنّه موجب لسقوط الأمر المذكور كالتعذّر.

فإن قلنا بالأوّل، فإن كان ذلك الأمر الضمني مطلقاً شاملًا للذاكر و الناسي كان مقتضاه الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه، و إن كان ذلك الأمر مقيّداً بحال الذكر كان مقتضاه عدم الاعادة فضلًا عن القضاء، من دون فرق في ذلك بين كون النسيان مستوعباً للوقت أو غير مستوعب، إذ لم يكن سقوط جزئية ذلك الجزء المنسي من جهة التعذّر كي يفصّل في ذلك بين الصورتين، بل هو من جهة عدم الجزئية في حال النسيان و اختصاصها بحال الذكر، فيكون حال الناسي و الذاكر من هذه الجهة حال المسافر و الحاضر. و هكذا الحال فيما لو كان دليل الجزئية- أعني ذلك الأمر الضمني- مجملًا، فإنّا بعد الرجوع في الجزئية حال النسيان إلى البراءة، يلزمنا الحكم الظاهري بعدم الجزئية في حال النسيان، و مقتضاه الحكم ظاهراً بسقوط الأمر المتعلّق بالصلاة. هذا حال البراءة.

345

و أمّا حديث «لا تعاد» (1)، فهو يكشف عن أنّ ما يعتبر في الصلاة كلّه مختصّ بالذاكر، إلّا الخمسة المستثنيات فإنّها تعمّ الناسي و الذاكر، هذا كلّه إذا قلنا بأنّ النسيان غير موجب لسقوط الأمر الضمني.

و أمّا لو قلنا بأنّه كالتعذّر كما يظهر من مطاوي كلمات شيخنا (قدس سره) ... (2) موجب لسقوط ذلك الأمر الضمني الذي هو عين سقوط الجزئية، و ذلك عبارة أُخرى عن ... (3) متعلّق بالمركّب من ذلك الجزء المنسي، و حينئذٍ فالذي ينبغي أن يقال: إنّ النسيان إن كان مستوعباً للوقت، فمقتضى القاعدة الأوّلية هو أنّه لا قضاء على الناسي، إمّا لأجل أنّه لم يكن مكلّفاً في الوقت بشي‏ء أصلًا، و إمّا لأجل أنّ تكليفه قد تبدّل إلى ما عدا المنسي، و يكون ذلك نظير ما لو تعذّر بعض الأجزاء في تمام الوقت. و حينئذٍ يكون الوجه في لزوم القضاء على من كان في تمام الوقت ناسياً لأحد الخمسة، كما هو ظاهر حديث «لا تعاد» بالنسبة إلى جزئه الايجابي، و شموله في ذلك لما كان النسيان لأحد الخمسة مستوعباً لتمام الوقت، بمعنى أنّه لم يتذكّر بعد الفراغ إلى أن خرج الوقت، هو كون عدم القضاء تابعاً للأداء (4)، بل إنّه يكون بمقتضى الأمر الأوّلي الأصلي، بحيث إنّ من كان معذوراً في تمام الوقت يلزمه التأخير و الاتيان بالمركّب خارج الوقت، أو نقول: إنّ القضاء في هذه الخمسة على خلاف القاعدة، ثبت بالدليل و هو إطلاق لا تعاد إلّا من هذه الخمسة و شموله للقضاء و إن كان التعبير بلفظ الاعادة.

و على أي حال، الظاهر أنّ هذا الحكم فيما نحن فيه- أعني أنّ نسيان أحد

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 1.

(2) [في الأصل سقط في هذين الموردين‏].

(3) [في الأصل سقط في هذين الموردين‏].

(4) [هكذا وردت العبارة في الأصل، فلاحظ].

346

هذه الخمسة في تمام الوقت يوجب القضاء- إجماعي، فلا مانع من الالتزام به و لو كان على خلاف القاعدة. أمّا ما فرضه في التحرير (1) من التذكّر في أوّل الوقت و النسيان في باقيه، فلم أتصوّر له مثالًا فيما نحن فيه، فإنّ المدار في النسيان على أنّه حين العمل ناس لبعض الأجزاء، و كونه متذكّراً له قبل العمل لا أثر له.

و إن لم يكن النسيان مستوعباً لتمام الوقت، بل إنّه بعد الفراغ من العمل تذكّر أنّه قد نسي الجزء الفلاني في أثناء العمل، كان تكليفه الواقعي بذلك المركّب من المنسي منحصراً بما بعد التذكّر من أفراده كما في سائر موارد التعذّر، فيلزمه الاتيان به واجداً لذلك الجزء الذي كان قد نسيه، و هو عبارة عن الاعادة فيما نحن فيه- أعني النسيان- كما هو مفاد حديث «لا تعاد» بالنسبة إلى جزئه الايجابي، أعني الخمسة المستثنيات فيما لو كان النسيان لأحدها غير مستوعب للوقت، و حينئذٍ يكون ما تضمّنه الحديث من الحكم بلزوم الاعادة في هذه الخمسة على القاعدة. و الذي ينبغي أن يكون الحكم كذلك فيما عداها، أعني لزوم الاعادة في نسيانه غير المستوعب، لكن لو قام الدليل على أنّ الناسي له مكلّف في حال نسيانه بما عدا الجزء المنسي من ذلك، كان الحكم حينئذ هو عدم الاعادة كما تضمّنه حديث «لا تعاد» بالنسبة إلى الجزء السلبي، أعني بالنسبة إلى ما عدا الخمسة، فإنّ ذلك الحديث كاشف عن أنّ تكليف الناسي فيما عدا الخمسة غير تكليف الذاكر، و أنّ المشرّع في حقّ الناسي هو وجوب ما عدا المنسي، سواء كان النسيان مستوعباً للوقت أو لم يكن مستوعباً له، غايته أنّه بالنسبة إلى غير المستوعب يكون الحكم بعدم الاعادة على خلاف القاعدة، لأجل الحديث المذكور الكاشف عن أنّ تكليف الناسي غير تكليف الذاكر.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 221.

347

و على أيّ حال، لا يكون حينئذ محلّ لحديث الرفع، لا بالنسبة إلى الأمر الضمني المتعلّق بالجزء المنسي، للعلم بعدم وجوبه على الناسي كما هو الفرض، و لا بالنسبة إلى الباقي لأنّه خلاف الامتنان، حيث إنّه لا أثر لرفع وجوب الباقي في حال النسيان إلّا لزوم الاعادة بعد ارتفاع النسيان في أثناء الوقت.

نعم قد يقال: إنّه في حال النسيان يدور أمره بين التكليف بالحاضر الفاقد و بين التكليف بالواجد الآتي، فتجري البراءة في الزائد الآتي، لكن سيأتي أنّ البراءة لا تجري في حال النسيان و بعد ارتفاع ... يكون ... مورداً ... اشتغال ... (1) الحال بناءً على الوجه الأوّل، أعني كون النسيان من مقولة الجهل، أو أنّه يكون من قبيل العلم الاجمالي بين تكليف سقط أو تكليف لم يسقط.

لا يقال: إنّ النسيان الموجب لتعذّر الجزء المنسي لا يوجب إلّا سقوط ذلك الجزء، دون غيره من باقي الأجزاء، و حينئذٍ يكون الباقي باقياً على وجوبه، و لمّا قد أتى به الناسي و لو بتخيّل أنّه واجد لما نسيه، كان ذلك كافياً في الامتثال و موجباً لسقوط أمره المتوجّه إليه واقعاً، فلا إعادة عليه، و يكون ما تضمّنه حديث «لا تعاد» من عدم الاعادة في نسيان ما عدا الخمسة وارداً على القاعدة.

نعم حكمه بوجوب الاعادة على من نسي أحد الخمسة يكون على خلاف القاعدة.

لأنّا نقول: إنّ سقوط الأمر الضمني المتعلّق بالجزء المنسي عبارة عن سقوط الأمر بالمركّب، فإنّ تعذّر الجزء المنسي يكون تعذّراً للمجموع المركّب، و يكون الساقط هو الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب، و يحتاج وجوب الباقي إلى‏

____________

(1) [في الأصل سِقط في هذه المواضع‏].

348

دليل آخر كما حقّق في محلّه في مبحث تعذّر بعض الأجزاء (1)، و حينئذٍ يكون الحكم بعدم الاعادة في نسيان ما عدا الخمسة على خلاف القاعدة، بخلاف نسيان أحد الخمسة فإنّ الاعادة فيه على طبق القاعدة.

فقد تلخّص: أنّه بناءً على أنّ النسيان موجب لتعذّر الجزء المنسي، و أنّ الجزئية منتزعة من الأمر النفسي الضمني المتعلّق بذلك الجزء، يتعيّن القول بعدمها في حقّ الناسي، بل يتعيّن الحكم أوّلًا بسقوط الأمر بالمجموع المركّب منه في حقّه.

و لا يخفى أنّ هذا التفصيل الذي ذكرناه لا يختصّ بالقول بكون المجعول هو الحكم التكليفي و أنّ الجزئية منتزعة، بل هو جارٍ على القول بكون المجعول ابتداءً هو الجزئية و أنّ التكليف تابع، و إن كان جريانه على القول الأوّل أوضح، و لكن شيخنا (قدس سره) أفاد كما في هذا التحرير: لا موجب لتوهّم اختصاص الأوامر الغيرية بالمتمكّن من الجزء أو الذاكر له بل تعمّ العاجز و الناسي، و تثبت الجزئية في حقّهما إذا كان لدليل الجزء إطلاق يشمل حال العجز الخ‏ (2).

و في التحرير المطبوع في صيدا: إنّ الأمر و إن كان ظاهراً في إفادة الطلب المولوي، إلّا أنّ هناك صارفاً عنه في خصوص الأوامر المتعلّقة بالأجزاء و الشرائط، فإنّ الظاهر منها كونها للارشاد، و بيان دخل متعلّقاتها في الواجب جزءاً أو شرطاً الخ‏ (3).

و لا يخفى أنّ هذه الجمل لا تلائم مسلكه (قدس سره) بل قد عرفت أنّ الظاهر أنّ‏

____________

(1) راجع الصفحة: 414 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 219- 220.

(3) أجود التقريرات 3: 530.

349

ذلك لا يلائم القول بجعل الجزئية و أنّ التكليف تابع لها متفرّع عنها، لا أنّه لا تكليف مولوي أصلًا. و على أي حال، الظاهر أنّ هذه الجملة غير ملائمة لمسلكه (قدس سره) من أنّ المجعول هو الأمر الضمني و أنّ الجزئية منتزعة عنه، فإنّه بناءً عليه تكون تلك الأوامر نفسية مولوية، غايته أنّها ضمنية لا استقلالية، و من الواضح سقوط الأمر المولوي و لو كان ضمنياً بالتعذّر، فبعد الالتزام بانتزاعية الجزئية، و بكون الأمر المتعلّق بالجزء ضمنياً مولوياً، و كون النسيان كالتعذّر، لا محيص عن الالتزام بسقوط الجزئية عند التعذّر و النسيان، بل قد عرفت أنّ سقوط ذلك الأمر الضمني عبارة عن سقوط الأمر بالمجموع المركّب، و هذا هو الذي أشار إليه في التحريرات المذكورة من الجواب ثانياً بقوله: مع أنّا لو سلّمنا دلالة الأوامر الغيرية في خصوص باب العبادات على الطلب، فلا يترتّب عليها ما توهّم من اختصاص التقييد المستفاد منها بحال القدرة، و ذلك فإنّ الطلب المتعلّق بالجزء أو الشرط حيث إنّه متّحد مع الطلب المتعلّق بأصل الواجب، و ليس طلباً آخر مغايراً معه، و إلّا استحال كون متعلّقه قيداً للواجب كما هو ظاهر، فاشتراطه بالقدرة على متعلّقه بعينه هو اشتراط الأمر بالمركّب بها، و نتيجة ذلك هو سقوط أصل الواجب مع عدم القدرة عليه، لا سقوط التقييد و بقاء الأمر متعلّقاً بغيره الخ‏ (1).

لا يقال: إنّ الطلب المتعلّق بالجزء إنّما يكون متّحداً مع الطلب المتعلّق بالكل إذا كان ذلك الطلب المتعلّق بالجزء متوجّهاً إلى المكلّف، و المفروض أنّ التعذّر يمنع من توجّهه، فلا يكون ذلك الجزء المتعذّر جزءاً، لأنّ جزئيته فرع توجّه الطلب الضمني المتعلّق به، و إذا سقط الطلب الضمني المتعلّق به سقطت‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 530- 531.

350

جزئيته، و إذا سقطت جزئيته سقط تقيّد الكلّ به، و إذا سقط تقيّد الكلّ به لم يكن تعذّره موجباً لتعذّر الكلّ كي يكون موجباً لسقوط الأمر بالكلّ.

و الحاصل: أنّ سقوط الأمر بالكل فرع تعذّره، و تعذّره فرع تقيّده بذلك الجزء، و تقيّده بذلك الجزء فرع عن كونه جزءاً فيه، و كونه جزءاً فيه فرع عن صحّة تعلّق الأمر الضمني به، و المفروض أنّ نسيان ذلك الجزء و تعذّره موجب لسقوط ذلك الأمر الضمني، الموجب لسقوط الجزئية، الموجب لسقوط تقيّد الكل، و مع سقوط تقيّد الكل لا يكون الكل متعذّراً، فهذه الجملة لا تتمّ أيضاً إلّا على القول بجعل الجزئية ليكون تعذّر الجزء غير موجب لسقوطها، و إن أوجب سقوط الأمر المتعلّق بذلك الجزء، و إذا كانت الجزئية باقية كان اللازم هو سقوط الكل.

لأنّا نقول: إنّ الجزئية و إن كانت منتزعة من الأمر المتعلّق بالكلّ المشتمل على ذلك الجزء، أو أنّها منتزعة من نفس الأمر الضمني المتعلّق بذلك الجزء، إلّا أنّ ذلك المركّب لمّا كان ارتباطياً، كان مرجعه إلى وجوب تقيّد الكل بذلك الجزء، فذلك الأمر الضمني الذي هو وجوب تقييد الكل بذلك الجزء، إن دلّ الدليل الشرعي على تقيّده بالقدرة على متعلّقه الذي هو الجزء، كان محصّله أنّ إيجاب تقييد ذلك الكل بذلك الجزء مشروط بالقدرة على ذلك، و لازم ذلك انحصار وجوب التقييد المزبور بما إذا كان قادراً على ذلك الجزء، و مقتضاه أنّه عند عدم القدرة على ذلك الجزء لا يكون تقييد ذلك الكلّ به واجباً، بل الأمر بذلك الكل يبقى على إطلاقه من اقتضائه الاتيان بمتعلّقه من دون ذلك القيد، و مرجع ذلك إلى تنويع المكلّف إلى القادر على ذلك فيلزمه تقييد الكل به، و غير القادر فلا يلزمه تقييده، بل يلزمه الاتيان به عارياً عن ذلك القيد، هذا كلّه إن قام‏