أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
351

الدليل على أخذ القدرة على الجزء قيداً شرعياً في وجوب تقييد المأمور به بذلك الجزء.

و إن لم يكن لنا مثل ذلك الدليل، و بقينا نحن و الأمر المتعلّق بالكل المشتمل على ذلك الجزء، فإن اتّفق لنا العجز عن بعض أجزائه، لم يكن ذلك إلّا من مجرّد عدم القدرة على ذلك المركّب، لأنّ عدم القدرة على الجزء عين عدم القدرة على الكل، و حيث إنّ العقل حاكم بقبح تكليف العاجز، فلا محيص حينئذ من القول بسقوط ذلك الأمر المتعلّق بالكل، و هذا هو المراد من إطلاق الجزئية المنتزعة عن الأمر الضمني المتعلّق بالجزء في ضمن تعلّقه بالكل، فإنّ ذلك عبارة عن إطلاق ذلك الأمر الضمني، الذي هو عبارة عن إطلاق الأمر بالكل و عدم تقييده شرعاً بالقدرة و إن كان مقيّداً عقلًا بها، فإنّ التقييد العقلي الذي مرجعه إلى حكم العقل بسقوط التكليف عن العاجز، لا ينافي الاطلاق الشرعي، بمعنى عدم أخذ القدرة قيداً شرعياً في الوجوب، و بذلك يصحّ لنا القول بأنّ الأمر الضمني الذي هو منشأ انتزاع الجزئية مطلق، يعني أنّه غير مقيّد شرعاً بالقدرة، في قبال النحو الأوّل الذي عرفت أنّ لازمه التنويع، و أنّ المكلّف إن كان قادراً على الجزء وجب عليه تقييد الكل به، و إن لم يكن قادراً على ذلك الجزء لم يجب عليه تقييده به، بل لا يلزمه إلّا الإتيان به مجرّداً عن القيد المزبور، و هذا بخلاف النحو الثاني، فإنّ مجرّد حكم العقل بسقوط الخطاب لا يلزمه التنويع المذكور.

لا يقال: إنّ حكم العقل بسقوط الخطاب عند عدم القدرة يكون مقصوراً على المقدار غير المقدور، و ليس غير المقدور إلّا الجزء، فلا يكون العقل حاكماً إلّا بسقوط الخطاب المتعلّق به الذي هو منشأ انتزاع جزئيته، دون الخطاب المتعلّق بأصل الواجب الذي هو ما عداه من الأجزاء.

352

لأنّا نقول: هنا يأتي ما أفاده الأُستاذ (قدس سره) من أنّ القدرة العقلية الموجبة لسقوط الخطاب لم تكن معتبرة في كلّ واحد من الأجزاء كلّ على حدة، إذ ليست هي مأخوذة فيه في لسان الدليل، و إنّما هي ناشئة عن حكم العقل بقبح خطاب العاجز، و حيث إنّ العجز عن الجزء عين العجز عن الكل، كان العجز عن الجزء موجباً لسقوط الخطاب بالكل.

و الأولى أن يقال: إنّ الاتيان بالباقي إنّما يلزم لو كان لدليل أصل الوجوب إطلاق يشمل حال العجز عن بعض الأجزاء، و بعد تقييد ذلك الاطلاق بما دلّ على وجوب الجزء ضمنياً، يسقط ذلك الاطلاق. نعم لو كان الدالّ على تقييد ذلك الاطلاق مقيّداً شرعاً بخصوص حالة القدرة على الجزء، لكان إطلاق الأمر بالباقي بعد تعذّر ذلك الجزء باقياً بحاله، و تكون النتيجة حينئذ هي التنويع السالف الذكر.

أمّا إذا لم يكن في البين إلّا التقييد المطلق، يعني غير المقيّد شرعاً بحالة القدرة على القيد، كان ذلك الاطلاق الأصلي ساقطاً بالمرّة، و كان الواجب هو المجموع المركّب، فإذا تعذّر و لو لتعذّر بعض أجزائه، كان العقل حاكماً بسقوط الخطاب به من رأسه، لا أنّه يحكم بسقوط خصوص الخطاب الضمني مع بقاء الخطاب بالباقي بحاله، فتأمّل. و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في قاعدة الميسور تفصيل البحث عن مقتضى إطلاق أصل الأمر و إطلاق دليل الجزئية أو الشرطية (1).

و الغرض هنا مجرّد بيان أنّه ليس المراد من إطلاق الجزئية هو إطلاق منشأ انتزاعها الذي هو الأمر الضمني المتعلّق بالجزء إطلاقاً خطابياً، على وجه يكون‏

____________

(1) راجع الحاشية الآتية في الصفحة 455، و كذا الحاشية المفصّلة في الصفحة: 411 و ما بعدها.

353

العاجز عن الركن الذي [هو] الركوع أو الطهور مثلًا مخاطباً بذلك الأمر الضمني بحيث يتوجّه إلى ذلك العاجز الخطاب بقوله تطهّر للصلاة أو صلّ مع الطهارة، فإنّ ذلك ممّا لا يمكن الالتزام به.

بل المراد من الاطلاق المذكور هو مجرّد عدم تقيّد الأمر بالطهارة للصلاة، أو الأمر بالصلاة مع الطهارة بخصوص حالة التمكّن منها تقييداً شرعياً، لتكون القدرة على الطهارة مأخوذة في وجوبها المذكور على نحو سائر الواجبات المشروطة شرعاً بشرط خاصّ، ليكون ذلك الوجوب الضمني المقيّد بتلك القدرة من قبيل ما هو المشروط بالقدرة الشرعية، و يكون تعذّر القيد المزبور موجباً لسقوط ذلك التكليف الضمني المتعلّق به خطاباً و ملاكاً، بل هو ما عرفت من مجرّد عدم أخذ القدرة المذكورة فيه شرطاً شرعياً، و إن كانت مأخوذة عقلًا من باب قبح خطاب العاجز، فيكون الساقط هو الخطاب فقط دون الملاك، و نظراً إلى بقاء ملاك ذلك الأمر الضمني لك أن تقول باطلاقه لحال عدم القدرة على متعلّقه، بمعنى إطلاق ذلك التكليف الضمني ملاكاً، لشمول ملاكه لصورة العجز عن متعلّقه، بحيث يكون ملاك تقيّد الصلاة بالطهور باقياً بحاله في حال العجز عنه و إن سقط بذلك التعذّر الخطاب به، و يكون معنى إطلاق ذلك التكليف الضمني هو إطلاقه ملاكاً لا خطاباً، و لأجل ذلك لا يكون الأمر بالباقي متحقّقاً في حال التعذّر المذكور.

بل يمكن أن يقال باطلاق نفس الجزئية و القيدية و إن لم يكن لمنشإ انتزاعها الذي هو التكليف الضمني إطلاق خطابي، و ذلك لأنّ الجزئية ليست من الانتزاعيات التي لا تحقّق لها في وعائها نظير الفوقية، بل هي من الأحكام الشرعية الوضعية، غايته أنّها ليست مجعولة بنفسها ابتداءً، بل يكون جعلها بجعل منشأ

354

انتزاعها الذي هو الأمر الضمني، فلا مانع من بقائها بنفسها بعد سقوط إطلاقه خطاباً بواسطة عدم القدرة على متعلّقه، و فيه تأمّل.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ لازم الاطلاق المذكور هو لزوم الاعادة و القضاء، و عدم الاكتفاء بما أتى به المكلّف من فاقد الجزء المذكور، سواء قلنا بأنّ المراد من الاطلاق هو إطلاق الأمر الضمني، بمعنى أنّه لم تؤخذ القدرة فيه شرطاً شرعياً، أو كان المراد به هو إطلاقه ملاكاً لا خطاباً، أو كان المراد بذلك هو إطلاق نفس الجزئية و إن سقط الاطلاق الخطابي عن منشأ انتزاعها، كما أنّ لازم النحو الآخر و هو تقييد ذلك الأمر الضمني تقييداً شرعياً بالقدرة على متعلّقه، هو عدم تحقّق ذلك الأمر الضمني عند تعذّر متعلّقه، و سقوطه بذلك خطاباً و ملاكاً، و مقتضاه إجزاء ما يأتي به المكلّف من فاقد الجزء في حال تعذّره، أمّا إذا كان التعذّر مستوعباً للوقت فواضح، و كذا لو كان في أوّله قادراً لكنّه لم يفعله ثمّ تعذّر إلى آخر الوقت و قد فعله فاقداً للجزء حين التعذّر المذكور.

نعم، لو كان في أوّل الوقت غير قادر و قد فعله في ذلك الحال فاقداً للجزء، ثمّ بعد ذلك صار قادراً و ارتفع التعذّر، ففي هذه الصورة يكون المتّبع هو الدليل الدالّ على أخذ القدرة المذكورة شرطاً في ذلك التكليف الضمني المتعلّق بذلك الجزء، فإن دلّ ذلك الدليل على أنّ الشرط هو مطلق القدرة و لو في آخر الوقت، لم يكن ذلك الذي أتى به مجزياً. و إن دلّ على أنّ الشرط هو القدرة عند الاتيان بالكل، كان ذلك الفاقد الذي أتى به في حال تعذّر الجزء مجزياً و إن ارتفع التعذّر بعد الاتيان بذلك الفاقد، بأن صار في آخر الوقت قادراً على الاتيان بذلك الجزء.

و لو تردّدنا بين الوجهين بعد إحراز كون القدرة شرطاً شرعياً في الجملة، فالظاهر أنّ المرجع فيه هو المرجع فيما لو تردّدنا بين إطلاق ذلك الأمر الضمني و عدم‏

355

تقييده بالقدرة على متعلّقه، أو كونه مقيّداً بالقدرة على متعلّقه عند الاتيان بنفس الكل، و هذه المسألة هي المعنونة بقوله: و مع عدم الاطلاق يرجع إلى الأُصول العملية الخ‏ (1).

و الحاصل: أنّا إذا لم نحرز إطلاق التكليف الضمني المتعلّق بالجزء في ضمن تعلّقه بالكل و شموله لمورد تعذّر ذلك الجزء، بأيّ معنى فسّرنا الاطلاق المذكور من المعاني الثلاثة المتقدّمة، كما أنّا لم نحرز كون ذلك التكليف مقيّداً بالقدرة على ذلك الجزء في حال الاتيان بنفس المأمور به المركّب، كان المرجع في ذلك الشكّ هو الأُصول العملية.

فنقول بعونه تعالى: إنّ إعمال الأصل تارةً يكون في حال التعذّر، و أُخرى يكون في حال ارتفاع العذر. أمّا بالنسبة إلى الأوّل فلا أثر له لو كان العذر هو النسيان، لأنّ المكلّف لا يلتفت إلى كونه ناسياً كي يلتفت إلى كونه في هذا الحال متعذّراً عليه الاتيان بالجزء، بل هو يقدم على الاتيان بالمركّب معتقداً أنّه أتى به بتمامه. و لو كان العذر هو التعذّر الوجداني، فبالنسبة إلى لزوم الاتيان بالباقي في هذا الحال يكون داخلًا في بحث قاعدة الميسور، و بالنسبة إلى جواز المسارعة بالاتيان به في أوّل الوقت يكون داخلًا في مسألة جواز البدار لذوي الأعذار.

و على أيّ حال، لا مورد في ذلك لأصالة البراءة من الجزئية في ذلك الحال، لأنّ أثرها المترتّب على إجرائها في ذلك الحال إن كان هو إسقاط الأمر بالجزء، فهو ساقط بنفسه بواسطة التعذّر، و إن كان هو إسقاط الجزئية ليترتّب على ذلك لزوم الاتيان بالباقي كان ذلك خلاف الامتنان، هذا كلّه بالنسبة إلى حال التعذّر.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 220.

356

و أمّا بالنسبة إلى حال ما بعد التعذّر بعد فرض الاتيان بالفاقد في حال التعذّر ففرضه فيما لو كان العذر هو النسيان واضح، أمّا لو كان هو العذر الوجداني- أعني عدم القدرة على الجزء- ففيه غموض، فإنّه مع شكّه في كون الجزئية مطلقة الذي مقتضاه هو عدم الاقدام على الاتيان بالباقي، أو كونها مقيّدة الذي مقتضاه هو لزوم الاتيان به، كيف يقدم على الاتيان به، و لو فرضنا قيام الدليل على أنّه مأمور في ذلك الحال بالاتيان بالفاقد- حتّى قاعدة الميسور- كان ذلك الدليل كاشفاً عن تقييد الجزئية بالقدرة على ذلك الجزء، لكن لنفرض أنّه قد أتى به في حال العذر إمّا لكونه من قبيل النسيان، أو لأنّه أقدم [على‏] ذلك من باب الاحتياط، أو أنّه إقدام مجرّد و قد تأتّت منه نيّة القربة.

فنقول: إنّ ذلك إمّا أن يكون بعد خروج الوقت بأن كان العذر مستوعباً للوقت، و إمّا أن يكون قبل خروجه. و بعبارة أُخرى الكلام تارةً من حيث القضاء، و أُخرى من حيث الاعادة.

أمّا الكلام من حيث القضاء، فإن قلنا بأنّه بأمر جديد، فلا محصّل للرجوع إلى البراءة في جزئية ذلك الجزء في حال تعذّره، بل يكون المرجع هو أصالة البراءة من القضاء، و إن قلنا إنّه بالأمر السابق، كان الكلام فيه عين الكلام في الاعادة.

و ملخّص الكلام في الاعادة: هو أنّه بعد ارتفاع العذر يكون المكلّف مردّداً بين كونه قد أتى بما كلّف به، و هو الفاقد إن كانت الجزئية مختصّة بحال القدرة على وجه يكون العذر مسقطاً لها، أو أنّه قبل هذا لم يكلّف بشي‏ء، و الآن قد توجّه إليه التكليف بالتامّ إن كانت الجزئية مطلقة، و بناءً على ذلك لا حاجة إلى البراءة عن الجزئية في حال العذر، بل يجري في حقّه أصالة البراءة من توجّه‏

357

التكليف إليه بالتامّ بعد ارتفاع العذر.

نعم، على تقدير إطلاق الجزئية لو اكتفينا بالملاك الثابت في حال العذر في وجوب التامّ عليه بعد ارتفاع العذر، أو قلنا في خصوص النسيان بأنّه ملحق بالجهل في عدم كونه مسقطاً للتكليف الواقعي، نحتاج إلى أصالة البراءة عن الجزئية في حال العذر.

لكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) أفاد أنّه لا يمكن الرجوع إلى البراءة، لأنّ الجزئية لو كانت مطلقة يكون تكليفه منحصراً في التامّ المفروض كونه متمكّناً منه و لو في آخر الوقت، لأنّ تعذّر الفرد في أوّل الوقت يوجب صرف التكليف و انحصار المكلّف به في باقي الأفراد التامّة المتمكّن منها في آخر الوقت، فعند دوران الأمر في الجزئية بين الاطلاق و التقييد، تكون المسألة من قبيل الشكّ في إسقاط التكليف بذلك الفاقد الذي قد أتى به في حال العذر.

و حاصله: أنّه لو كانت الجزئية مقيّدة يكون المكلّف به هو القدر الجامع بين الفاقد في حال العذر و الواجد بعد ارتفاع العذر، و على تقدير كونها مطلقة يكون المكلّف به منحصراً في الواجد بعد ارتفاع العذر، فهو يعلم بأنّه قد اشتغلت ذمّته بالمكلّف به، و لكنّه يشكّ في أنّه هل كان تكليفه على النحو الأوّل، فيكون ذلك الفاقد التي أتى به مسقطاً لما قد اشتغلت به ذمّته، أو أنّه كان على النحو الثاني فلا يكون ذلك الفاقد مسقطاً له، و يكون القدر المتيقّن ممّا هو مبرئ لذمّته منحصراً بالتامّ المتمكّن منه بعد ارتفاع العذر.

و فيه تأمّل، لأنّ هذه المسألة لا تزيد على مسألة الأقل و الأكثر، غايته أنّ في أصل مسألة الأقل و الأكثر على تقدير كون المكلّف به هو الأقل، يكون كلّ من الواجد و الفاقد فردين للمكلّف به عرضيين، و في هذه المسألة يكونان فردين‏

358

طوليين، فكما أنّه في تلك المسألة نقول إنّ أصالة البراءة عن اعتبار ذلك الجزء الزائد تثبت التخيير بين الفاقد له و الواجد، و يكون بمقتضى أصالة البراءة كلّ منهما مبرئاً لذمّته، فكذلك نقول هنا: إنّ أصالة البراءة من الجزئية في حال العذر تثبت التخيير بين الفاقد لذلك الجزء في حال التعذّر و الواجد له بعد ارتفاع العذر، و يكون الاتيان بكلّ منهما في محلّه مبرئاً للذمّة.

لكنّه (قدس سره) قد نظر إلى أنّ الجزئية هنا قد ثبتت في الجملة، و صار المكلّف مكلّفاً بالواجد في الجملة، لكن نشكّ في كيفية ثبوتها، و أنّها هل ثبتت على نحو يكون الفاقد في حال العذر مسقطاً لذلك التكليف، أو أنّها ثبتت على نحو يكون ذلك الفاقد في ذلك الحال غير مسقط له، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّه لو كان في أوّل الوقت قادراً بمقدار أداء الصلاة، ثمّ طرأ العذر و أتى بالفاقد، ثمّ ارتفع العذر و قد بقي من الوقت مقدار أداء الصلاة التامّة، يكون جريان الاستصحاب فيه مبنياً على ما ذكرناه من الملاك، أو دعوى إلحاق النسيان بالجهل، و إلّا فبناءً على الوجه الأوّل و هو دعوى كون النسيان بمنزلة التعذّر، و عدم الاكتفاء بالملاك، بحيث يكون العاجز عن الجزء غير مكلّف به حال تعذّره و لو كانت الجزئية مطلقة، يشكل إجراء الاستصحاب المذكور، لعدم اتّصال زمان الشكّ و هو الزمان المتأخّر بزمان اليقين و هو الزمان الأوّل، لانفصاله عنه بالزمان المتوسّط الذي هو زمان العذر، فتأمّل.

[حول جريان حديث الرفع في المقام‏]

قوله: فلا محيص من رفع اليد عمّا يقتضيه الظاهر الأوّلي بتأويل المصدر بمعنى المفعول، و جعل النسيان بمعنى المنسي، فيكون المرفوع نفس الفعل الصادر عن المكلّف نسياناً بأن يفرض ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه بعد أن امتنع حمل النسيان المشتمل عليه حديث الرفع على ما

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 223- 224.

359

هو ظاهره من المعنى المصدري للنسيان، يمكن أن يحمل على أحد وجهين:

الأوّل هو حمله على إرادة المنسي، و الآخر حمله على إرادة الصادر نسياناً.

و ظاهر صدر العبارة هو الأوّل، و لكن ذيلها و هو قوله: فيكون، لا يتفرّع عليه، بل إنّما يصحّ تفريعه على إرادة المعنى الثاني.

ثمّ إنّ تقريب الاستدلال على سقوط الجزئية في حال النسيان بحديث رفع النسيان إن كان مبنياً على الوجه الأوّل، ليكون المراد أنّ المرفوع هو الجزء المنسي و رفعه برفع جزئيته، لم يتوجّه عليه إلّا أنّ الجزء المتروك نسياناً لا يعقل تسلّط الرفع عليه ليكون رفعه برفع آثاره، بل لا بدّ في جريان الرفع من كون المرفوع أمراً محقّقاً في نفسه، ليكون رفعه مع فرض كونه محقّقاً في نفسه كناية عن رفع آثاره.

أمّا ما أُفيد من الايراد ثانياً و ثالثاً فعلى الظاهر أنّه غير متوجّه على هذا التقدير، لأنّا إذا صحّحنا رفع الجزء المنسي و جعلنا رفعه كناية عن رفع أثره الذي هو الوجوب الضمني المعبّر عنه بالجزئية، كان محصّله أنّ جزئية السورة مثلًا مرفوعة في حال نسيانها، فيكون ذلك عبارة أُخرى عن أنّ جزئيتها التي هي عبارة عن وجوبها الضمني مختصّة بحال الذكر، فيكون حاله حال ما دلّ على تقييد الجزئية بحال الذكر، بل هو هو بعينه، و لا فرق في سقوط الجزئية بذلك بين النسيان المستوعب و غير المستوعب، و الارتباطية لا تنافي الحكم بسقوط جزئية بعض الأجزاء لبعض الطوارئ و العوارض.

و إن كان الاستدلال المزبور مبنياً على الوجه الثاني الذي هو عبارة عن كون المراد بالنسيان هو الصادر من المكلّف نسياناً، سواء كان هو الفعل أو الترك، فقد تقدّم في مباحث حديث الرفع أنّه يمكن تصحيح نسبة الرفع إلى الترك الصادر نسياناً، برفع أثره الذي هو الحرمة فيما نحن فيه، المفروض كونها ملازمة

360

لوجوب الجزء أو أنّها عينه، فينتهي الأمر بالأخرة إلى رفع جزئية الجزء المنسي، فلا يتوجّه عليه إلّا ما أُفيد ثانياً من عدم تأتّيه في النسيان غير المستوعب.

نعم، أفاد شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في ذلك المبحث أنّ حديث الرفع لا يجري في نفس الترك إذا كان ممّا يترتّب عليه الأثر، فراجع ذلك المبحث و تأمّل فيه و فيما علّقناه عليه‏ (1).

و توضيح هذا المبحث: هو أنّ الشيخ (قدس سره) أورد على نفسه بطريق «إن قلت» ما محصّله: أنّه يمكن الاستناد في الحكم بالاجزاء إلى حديث رفع النسيان، بدعوى أنّ جزئية السورة المنسية مرتفعة حال النسيان. و أجاب عنه: بأنّ جزئية السورة ليست من الأحكام المجعولة لها شرعاً، بل هي ككلّية الكل، و إنّما المجعول الشرعي وجوب الكل، و الوجوب مرتفع حال النسيان بحكم الرواية، و وجوب الاعادة بعد التذكّر مترتّب على الأمر الأوّل، لا على ترك السورة (2).

و شيخنا الأُستاذ (قدس سره)(3) أجاب عن هذا الإشكال بوجوه ثلاثة مرتّبة، و المرتبة الثالثة من تلك الأجوبة هي هذا الذي أجاب به الشيخ (قدس سره)، و ملخّص ما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) من المراتب هو أوّلًا: أنّه بعد تعذّر حمل النسيان في الحديث الشريف على معناه المصدري، لو أردنا تطبيقه فيما نحن فيه على نفس المنسي الذي هو السورة مثلًا، ليكون المحصّل هو رفع السورة المنسية و رفعها برفع حكمها، لم يكن ذلك ممكناً، لعدم إمكان تسليط الرفع على الشي‏ء المعدوم، لأنّه إنّما يصحّ‏

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد السابع من هذا الكتاب، الصفحة: 148 و ما بعدها.

(2) فرائد الأُصول 2: 366- 367.

(3) فوائد الأُصول 4: 225- 227.

361

تسليطه على الموجود، ليكون رفعه كناية عن رفع حكمه، أمّا المعدوم فلا يعقل نسبة الرفع إليه.

و يمكن المناقشة فيه: بأنّ ما أُفيد من أنّه لا بدّ في صحّة الرفع من كونه متوجّهاً إلى ما هو موجود، إنّما يتمّ في الأشياء التي يكون الأثر الشرعي مترتّباً على وجودها مثل الأكل نسياناً في نهار رمضان بالقياس إلى الأثر الشرعي المترتّب عليه، أعني وجوب الكفّارة. أمّا الأفعال التي تكون واجبة على المكلّف و لو وجوباً ضمنياً، فإنّ رفعها يكون كناية عن رفعها عن عاتق المكلّف، و هو عبارة أُخرى عن رفع الالزام بها، و في الحقيقة أنّ السورة بعد فرض وجوبها و لو ضمنياً على المكلّف يكون لها وجود في عالم التشريع، و يكون رفعها في عالم التشريع رفعاً لوجوبها.

فالأولى في الجواب هو أن يقال: إنّ الظاهر من النسيان المذكور في الحديث الشريف هو الكناية عن الفعل الصادر نسياناً، أو الترك الصادر نسياناً، لا الفعل المنسي، لأنّ ذلك هو مقتضى سياق بقية أخوات هذه الفقرة الشريفة، أعني ما أُكرهوا عليه و ما اضطرّوا إليه، فإنّها كناية عن الفعل الذي يكون صادراً عن إكراه أو اضطرار، فلا بدّ أن يكون المراد من النسيان هو الفعل الصادر نسياناً، لا الفعل المنسي.

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد هذه المرتبة أفاد ما حاصله: أنّا لو سلّمنا أنّ المراد رفع الجزء المنسي، لم يكن ذلك موجباً لرفع الجزئية في حال النسيان، إلّا إذا كان النسيان مستوعباً لتمام الوقت، فإنّه حينئذ يصحّ أن يقال: إنّ ما هو المجعول جزءاً و هو السورة في تمام الوقت قد صارت منسية، فتكون جزئيتها مرفوعة. أمّا إذا لم يكن النسيان مستوعباً لتمام الوقت فلا وجه لسقوط الجزئية، لأنّ المنسي إنّما هو

362

السورة في أوّل الوقت، و ليست هي بنفسها جزءاً أو مأموراً بها بالأمر الضمني، بل الجزء و المأمور به بالأمر الضمني إنّما هو طبيعة السورة في مجموع الوقت، و مع فرض التذكّر في أثناء الوقت لا تكون طبيعة السورة في مجموع الوقت منسية كي [يكون‏] رفعها موجباً لرفع الجزئية التي هي عبارة عن الأمر الضمني.

و يمكن التأمّل فيه: بأنّ الشارع إذا رفع السورة في حال النسيان عن عاتق المكلّف، كان ذلك عبارة أُخرى عن اختصاص جزئيتها و مدخليتها في المركّب بخصوص حال الذكر، فيكون رفع جزئية السورة في حال النسيان كتخصيص واقعي وارد على ما دلّ على جزئيتها، و يكون وزانه وزان ما لو كان الدليل الدالّ على جزئيتها من أوّل الأمر مقيّداً بخصوص حال الذكر.

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد هذه المرتبة أورد بما أورده الشيخ (قدس سره) و حاصله: أنّه لو سلّمنا أنّ المراد هو رفع الجزء المنسي، و أغضينا النظر عن أنّ ذلك لا يوجب رفع الجزئية في النسيان غير المستوعب، بل قلنا إنّ رفع النسيان مصحّح لرفع الجزء المنسي حتّى لو كان النسيان غير مستوعب للوقت، لم يكن ذلك موجباً لرفع الجزئية، بل لم يكن موجباً إلّا لرفع وجوب الكل، سواء كان النسيان مستوعباً للوقت أو لم يكن مستوعباً له.

و توضيح هذا الجواب على ما حرّرته عنه (قدس سره) هو أن يقال: إنّه بعد فرض شمول حديث رفع النسيان لرفع أثر الفعل المنسي، و بعد تسليم أنّ أثر الجزء المنسي هو الجزئية ليكون رفعه رفعاً للجزئية حتّى لو كان النسيان غير مستوعب للوقت، نقول: إنّ ذلك لا يوجب رفع الجزئية فقط، بل يكون موجباً لرفع وجوب الكل، لأنّ نسيان الجزء الارتباطي يوجب نسيان الكل المفروض كونه مركّباً منه، فيكون حاصل رفع النسيان حينئذ هو رفع ذلك التكليف المتعلّق بالكل‏

363

لأجل نسيانه بنسيان بعض أجزائه، و هذا من الواضحات التي يحكم بها العقل من دون حاجة إلى حديث رفع النسيان.

و الفرق بين هذه المسألة أعني مسألة نسيان الجزء، و مسألة الجهل به، هو أنّ تلك المسألة لمّا كان تعلّق التكليف فيها بالجزء المشكوك مجهولًا، و كان تعلّقه بالباقي معلوماً، فحديث الرفع يكون موجباً لانفصال الجزء المشكوك عن المركّب، و ينحل الارتباط بين الجزء المشكوك و بين الباقي، بخلاف هذه المسألة فإنّ الكلام فيها بعد فرض عموم الجزئية و شمولها لحال النسيان نتكلّم في أنّ حديث رفع النسيان بعد التنزّل المتقدّم، يكون موجباً لرفع الجزئية عن الجزء المنسي. و غير خفي أنّه بعد فرض العلم بتعلّق التكليف بالجزء المنسي، و كون جعل الجزئية له شاملًا لحال النسيان، يكون نسيان الجزء المفروض الجزئية في حال النسيان موجباً لنسيان المركّب بتمامه.

و الحاصل: أنّه بعد فرض شمول الجزئية لحال النسيان، لا يكون حديث رفع النسيان موجباً لانفصال الجزء المنسي عن الباقي، و لا تنحل به الارتباطية، و إذا لم يكن الحديث الشريف موجباً لحل الارتباطية، فأقصاه أن يرفع التكليف بتمام المركّب الذي نسي بنسيان بعض أجزائه، انتهى.

و فيه تأمّل، لأنّ مقتضى دليل الجزئية و إن كان شاملًا لحال النسيان، إلّا أنّ حديث رفع النسيان بعد البناء على أنّ المراد به رفع الجزء المنسي المكنّى به عن رفع الجزئية، يكون وزانه وزان التقييد و التخصيص لدليل الجزئية باخراج مورد النسيان عن دليل الجزئية، و حينئذٍ فالعمدة في الجواب هو ما أشرنا إليه أوّلًا، من أنّ الظاهر من رفع النسيان هو رفع ما كان صادراً في حال النسيان، لا رفع الشي‏ء الذي كان منسياً.

364

ثمّ لو سلّمنا أنّ مفاده هو رفع الجزء المنسي ليكون محصّله هو رفع جزئيته إذا كان متعلّقاً للنسيان، و يكون وزانه وزان التقييد لدليل الجزئية، لم يكن ذلك موجباً لرفع الجزئية بمطلق النسيان، بل يمكن أن يكون الموجب لرفع الجزئية هو نسيان الجزء بقول مطلق، أعني به نسيانه في تمام الوقت، و بهذا الأخير نجيب لو أرجعنا نسيان الجزء إلى عدم القدرة عليه، و أدخلنا المسألة في «ما لا يطيقون»، فإنّه لا يبعد أن يكون ما هو مطاق في بعض الوقت خارجاً عن عموم ما لا يطيقون و إن كان غير مطاق في بعض الوقت.

ثمّ لو أغضينا النظر عن ذلك لكان لنا أن نجيب ثالثاً بأنّ مثل رفع النسيان و رفع ما لا يطيقون و رفع ما اضطرّوا إليه، لا يكون موجباً لسقوط التكليف خطاباً و ملاكاً، و إلّا لكانت جميع التكاليف مشروطة بالقدرة الشرعية، بل أقصى ما في هذه العناوين هو أنّها توجب سقوط الخطاب فقط دون الملاك، فلا يكون حالها إلّا حال القدرة العقلية، التي قد عرفت أنّ انتفاءها لا يوجب انحصار التكليف بموردها خطاباً و ملاكاً.

و حينئذٍ فلا يكون رفع النسيان و لا رفع ما لا يطيقون إلّا كحكم العقل بعدم صحّة تكليف العاجز مع بقاء ملاك التكليف بالنسبة إليه بحاله، و أنّه إن كان مستوعباً للوقت كان موجباً لسقوط التكليف بالمركّب خطاباً، و إن لم يكن مستوعباً للوقت كان موجباً لانحصار المكلّف به فيما يكون بعد ارتفاع العذر.

و لعلّ هذه المراتب الثلاث التي ذكرناها هي المراد بما أفاده الأُستاذ (قدس سره)، و نحن معاشر المحرّرين حرّرناها على الوجه السالف الذكر الذي قد عرفت توجّه الإشكال عليه، فراجع و تأمّل.

365

قوله: و لكن يمكن أن يقال: إنّ مقام الامكان الثبوتي غير مقام الصدق العرفي، و لا إشكال في صدق الزيادة عرفاً على الوجود الثاني ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الزيادة إنّما هي الزيادة على ذات المأمور به، و الظاهر أنّها صادقة على الزيادة صدقاً حقيقياً حتّى فيما أُخذ بشرط لا، نعم إن صدقها عليه مقرون بانتفاء الشرط و هو القيد العدمي، بخلاف صدقها فيما أُخذ لا بشرط، فإنّه لا يقترن بانتفاء الشرط المذكور، إذ لم يكن العدم قيداً فيه، و إنّما تصدق الزيادة عليه باعتبار حصول الامتثال بأوّل وجود من الطبيعة، فيكون الوجود الثاني زائداً على أصل الامتثال، و مقتضاه عدم صدق الزيادة فيما لو كانا عرضيين، بخلاف ما أُخذ فيه عدد خاص مثل سجدتين أو إعطاء درهمين، فإنّ الزيادة تصدق و لو بالعرضيين في مورد إمكان العرضيين، كما لو أعطى ثلاثة دراهم دفعة واحدة، لكن يبقى الكلام فيما به يحصل الامتثال في الدفعيات.

ثمّ لا يخفى أنّه ربما كان المطلوب صرف الطبيعة، و لم يكن الاتيان بالأكثر من واحد مشتملًا على الزيادة، بل يكون الجميع امتثالًا واحداً كما حرّر ذلك في تصوّر التخيير بين الأقل و الأكثر.

ثمّ لا يخفى أنّ غالب أجزاء الصلاة إنّما هي من باب العدد الخاصّ، كالركوع الواحد في كلّ ركعة، و السجدتين في كلّ ركعة، و التشهّد الوسط و الأخير، و السلام و الفاتحة و السورة، و هكذا في عدد الركعات. نعم في ذكر الركوع و السجود لم يعتبر العدد، و إنّما اعتبر صرف الوجود لا بشرط، أو أنّه من باب التخيير بين الأقل و الأكثر، و هكذا الحال في التسبيح في الثالثة و الرابعة.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 230.

366

أمّا ما لم يعتبر فيه العدد الخاص، بل اعتبر صرف الوجود لا بشرط، فقد عرفت الكلام فيه و أنّه يتحقّق فيه الزيادة على الامتثال، لكنّه لا يضرّ، لعدم أخذه بشرط لا.

و أمّا ما اعتبر فيه العدد الخاص فلا إشكال في تحقّق الزيادة فيه، سواء كان عدمها معتبراً في الجزء من باب شرط الجزء، أو أنّه لم يعتبر في الجزء و إنّما اعتبر في الكل فيكون من باب شرط الكل، أو لم يكن عدمها معتبراً لا في الجزء و لا في الكل، بل أُخذ كلّ من الجزء و الكل لا بشرط بالنسبة إلى تلك الزيادة، ففي جميع هذه الصور تتحقّق الزيادة حتّى فيما لو أُخذ الجزء بشرط لا بالقياس إلى تلك الزيادة، فإنّه و إن أوجب انعدام الجزء المأمور به لانعدام شرطه‏ (1) إلّا أنّه إنّما أوجبه بالزيادة التي كان الجزء مشروطاً و مقيّداً بعدمها، فليس انعدام شرط الجزء في ذلك مثل انعدام الطمأنينة في الركوع مثلًا، فإنّ انعدام ذلك الشرط لا يكون إلّا انعداماً للواجب بما أنّه واجب، من دون زيادة على ذاته.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ ذلك الركوع الفاقد للطمأنينة يكون زائداً في المجموع المركّب الذي هو مجموع الصلاة، لكونه أجنبياً عنها، بخلاف انعدام الشرط فيما نحن فيه، فإنّ فيه هذه الجهة، و فيه أيضاً زيادة خارجية، و هي الركوع الثاني مثلًا بعد فرض كون الركوع مأخوذاً بشرط لا بالنسبة إلى الثاني، و حينئذٍ يكون الركوع الأوّل زيادة لكونه أجنبياً عن أجزاء الصلاة، كما أنّ الركوع الثاني أيضاً زيادة، و مع هاتين الزيادتين يكون أيضاً من باب نقص الجزء المعتبر.

و أمّا لو كان عدم الثاني أو الثالث معتبراً في الكل لا في الجزء، بأن كان العدم‏

____________

(1) كما أفاده في الكفاية في التنبيه الثالث من تنبيهات الأقل و الأكثر بقوله: و إلّا لم يكن من زيادته الخ [منه (قدس سره) راجع كفاية الأُصول: 368].

367

شرطاً في الكل، فلا إشكال في أنّ الاتيان به أيضاً يكون زيادة في ذلك المركّب، بل و كذلك فيما لو لم يؤخذ العدم قيداً في الجزء و لا في الكل، فإنّه تتحقّق الزيادة بالاتيان به، غايته أنّها لا تفسد الجزء و لا الكل، بخلاف ما لو أُخذ العدم قيداً في الجزء أو قيداً في الكل، فإنّه يوجب الفساد. أمّا قيد الكل فواضح، و أمّا قيد الجزء فلأنّه موجب لانعدام الجزء الواجب كما عرفت.

نعم، يمكن الحصول على الجزء الواجب بالاتيان به ثالثاً لو لم تكن الصلاة التي هي المركّب مقيّدة بعدم ذينك الباطلين، فإنّ الثاني باطل في نفسه و مبطل للأوّل، فيبقى الأمر بالجزء بحاله.

إلّا أن يقال: إنّه لا يمكن تلافي الجزء، لأنّ المفروض أنّه مقيّد بعدم الزيادة، و كلّما زاد كان فاقداً بحيث كان الركوع مقيّداً بالوحدة، فإنّه حينئذ لا يمكن التلافي، و هذا بخلاف مسألة تكبيرة الإحرام في كون الثالثة صحيحة، لأنّها بعد بطلان الاثنتين تكون الثالثة هي ابتداء الصلاة، فلاحظ و تأمّل. هذا فيما كان من سنخ أجزاء الصلاة.

و أمّا ما لم يكن من سنخها، فتحقّق الزيادة فيه موقوفة على قصد الجزئية، سواء كان عدمه معتبراً في المجموع أو لم يكن عدمه معتبراً فيه، و يكون البطلان و عدمه منوطاً بذلك، فإن أُخذ عدمه في المركّب كان موجباً للبطلان، لأنّ محصّله هو المانعية، سواء كان المانع هو ذاته أو كان المانع هو ذاته بقصد الجزئية، و إن لم يؤخذ عدمه في المركّب لا يكون موجباً للبطلان. و على أيّ حال، يكون صدق الزيادة متوقّفاً على قصد الجزئية.

هذا كلّه فيما لو كان الجزء عدداً خاصّاً كالسجدتين و عدد الركعات.

أمّا ما لو كان الجزء هو صرف الطبيعة، فقد عرفت أنّه يصدق بأوّل وجود،

368

و حينئذٍ يكون الوجود الثاني زائداً كما أفاده شيخنا فيما نقله عنه السيّد في التحرير بقوله: و يرد عليه أوّلًا الخ‏ (1)، و مثاله في الصلاة ذكر الركوع و السجود بل الفاتحة و السورة، بناءً على أنّ الجزء هو الطبيعة منهما كما أفاده شيخنا، بل الركوع لو قلنا إنّ الجزء هو صرف طبيعة الركوع. و هكذا الحال في التشهّد.

و مثاله في غير الصلاة غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين في باب الوضوء.

و بالجملة: لا إشكال في كون الثاني زيادة، بناءً على أنّ الجزء هو صرف الطبيعة. نعم إنّه بحسب القاعدة الأوّلية لا يكون مبطلًا لعدم أخذه بشرط لا. نعم لو بنى على جزئية الثاني جهلًا أو تشريعاً، كان داخلًا فيما حرّره في الكفاية في التنبيه الثالث، فراجع.

و كما أنّه خارج عن الأخذ بشرط لا، فهل هو خارج عن الأخذ لا بشرط بحيث يكون أخذ الجزء من باب صرف الطبيعة قسماً ثالثاً مقابلًا للقسمين المذكورين، كما أفاده شيخنا (قدس سره) في التحرير المشار إليه، أو أنّه لا يخرج عنهما؟

الظاهر الثاني، فإنّ صرف الطبيعة من غسل الوجه مثلًا يمكن أن يكون مأخوذاً بشرط لا، كما يمكن أن يكون مأخوذاً لا بشرط، فإنّ صرف طبيعة غسل الوجه المنطبق قهراً على أوّل وجود يمكن أن يقيّد بشرط لا بالنسبة على صرف الوجود، و يمكن أن لا يقيّد بذلك، بحيث يكون أخذ صرف الوجود لا بشرط من ناحية الزائد على صرف الوجود، و على أي حال يكون الوجود الثاني زائداً. نعم في أخذه لا بشرط لو أمكن الاتيان به في ضمن فردين عرضاً و دفعة واحدة لا يكون أحدهما زائداً، بخلاف ما لو أخذناه بشرط لا.

____________

(1) أجود التقريرات 3: 524.

369

نعم، يمكن أن يقال: إنّ أخذ الجزء هو صرف الطبيعة عبارة أُخرى عن كونه لا بشرط، و لا يتأتّى فيه أخذه بشرط لا. و على أيّ حال فليس أخذ الجزء من باب صرف الطبيعة خارجاً عن كلّ من الاعتبارين، غايته أنّ المحقّق فيه هو الثاني أعني أخذه لا بشرط.

ثمّ إنّ هذا إنّما هو بالنسبة إلى نفس الجزء، و أمّا المجموع المركّب فيمكن أن يكون مقيّداً بشرط لا، و إن كان الجزء نفسه مأخوذاً من باب لا بشرط و من باب صرف الطبيعة، فلاحظ و تأمّل.

[الكلام في بطلان العمل بالزيادة عمداً أو سهواً]

قوله: و ربما يتمسّك لعدم مانعية الزيادة باستصحاب الصحّة الثابتة قبل فعل الزيادة، فلا تجري أصالة البراءة، لحكومة الاستصحاب عليها ... الخ‏ (1).

يمكن أن يقال: إنّ هذا الاستصحاب ليس بحاكم على البراءة، بل هي حاكمة عليه، لأنّ مورد جريان البراءة من مانعية الزائد إنّما هو قبل الاتيان به، لأنّ المكلّف قبل أن يقدم على الاتيان بالزائد يشكّ في كونه ممنوعاً عنه و منهياً عنه بالنهي المانعي، و إن شئت فقل: إنّه يشكّ في أنّه يجب عليه تركه، و بعد جريان البراءة في ذلك يكون المركّب محكوماً بالصحّة، على ما تقدّم في كيفية انحلال العلم الاجمالي بين الأقل و الأكثر باجراء البراءة في الأكثر من أنّه يوجب الاكتفاء بما عدا المشكوك، و ذلك هو معنى الصحّة. أمّا الاستصحاب المذكور فلا موقع له إلّا بعد الاتيان بالزائد المشكوك المانعية، و حيث إنّه قد أُزيلت مانعيته بالبراءة قبل الإقدام عليه، فلا يبقى لنا شكّ في بقاء صحّة ما مضى من الاجزاء كي نركن في ذلك الشكّ إلى استصحاب الصحّة، فتكون البراءة في المقام حاكمة على‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 232.

370

استصحاب الصحّة. بل إنّ هذه الحكومة جارية حتّى لو أنّهما وردا في آن واحد، بأن أتى بذلك الزائد سهواً، فإنّ أصالة البراءة من تقيّد الأجزاء بعدم تلك الزيادة و لو السهوية تحقّق لنا صحّة تلك الأجزاء التي طرأتها الزيادة المذكورة، و بذلك يرتفع موضوع استصحاب الصحّة حتّى في موارد احتمال مانعية الشي‏ء القهري.

و لم أعثر فعلًا على من التفت إلى هذا الإشكال في أصالة الصحّة بمعنى استصحاب الصحّة، فتأمّل.

لا يقال: إنّ الزيادة السهوية لا تجري البراءة من المنع عنها، لعدم كونها اختيارية.

لأنّا نقول: تجري البراءة في تقيّد الأجزاء بعدمها، بمعنى كون المطلوب هو الأجزاء الخاصّة، أعني المجرّدة من الزيادة و لو السهوية، نظير كون المطلوب هو الأجزاء المتّصفة بكونها إلى القبلة مثلًا، أو بعدم الحدث في أثنائها، و نحو ذلك ممّا يكون نفس الفعل غير اختياري غير المنافي لكون التقيّد اختيارياً.

لا يقال: في الزيادة السهوية يجري حديث رفع النسيان حتّى لو ثبت كون الزيادة مانعة.

لأنّا نقول: إنّ كلامنا في الزيادة السهوية ممحّض لما لم يعلم مانعية الزيادة، و حينئذٍ يكون حديث «رفع ما لا يعلمون» بالنسبة إلى احتمال مانعية الزيادة حاكماً على حديث رفع النسيان، كما أنّه حاكم على استصحاب الصحّة، و حينئذٍ يكون مورد استصحاب الصحّة لو قلنا بجريانه و أغضينا النظر عمّا يأتي فيه من الإشكال منحصراً في الشبهات الموضوعية، بأن حصل له الشكّ بأنّه أتى بالمانع المعلوم المانعية في المورد الذي لا تجري فيه أصالة عدم الاتيان بذلك المانع، أو ندّعي أنّ أصالة عدم الاتيان بذلك المانع لا تثبت الصحّة، فلاحظ و تأمّل.

371

لا يقال: إنّ البراءة إنّما تجري قبل وقوع ما تجري فيه، أمّا بعد وقوعه فلا مورد فيه للبراءة، و الزيادة السهوية بعد أن وقعت لا محصّل للبراءة عن التقيّد بعدمها.

لأنّا نقول: بعد أن صرفنا البراءة إلى نفس تقيّد المركّب بعدم الزيادة، كانت البراءة جارية فيه و لو بعد الوقوع، و أثرها هو عدم وجوب إعادة ذلك المركّب، أ لا ترى أنّه لو صلّى مستدبراً للمصحف مثلًا ثمّ شكّ في مانعية ذلك الاستدبار، فإنّه تجري البراءة في مانعيته، و يكون أثرها هو صحّة تلك الصلاة و عدم إعادتها.

و هكذا لو صلّى بلا عمامة، و حصل له الشكّ في كون التعمّم شرطاً، فإنّه تجري البراءة من شرطيته، و أثرها هو صحّة ما مضى من صلواته التي كانت بلا تعمّم.

و الذي تلخّص ممّا فصّلناه: هو أنّ أصالة البراءة في موارد الشكّ في مانعية الشي‏ء زيادة كان أو غيرها، حاكمة على استصحاب الصحّة، و هذا هو الذي أشرنا إلى أنّه لم نعثر على من صرّح به. نعم إنّ ما أفاده شيخنا (قدس سره) في مقام الردّ على استصحاب الجزء الصوري في موارد الشكّ في قاطعية الشي‏ء بقوله: و أمّا ثالثاً الخ‏ (1)، كافٍ في التصريح به، بل إنّ فيه زيادة هي كون الاستصحاب مثبتاً، فلاحظه و تأمّل فيه، فإنّ فيه الكفاية فيما أردناه من الحكومة.

و لا يخفى أنّ هذه الجملة- أعني حكومة استصحاب الصحّة لو جرى على أصالة البراءة- لم أعثر عليها فيما حرّرته عن شيخنا (قدس سره) في هذا المقام على ما فيه من التطويل، كما أنّها لم توجد في تحريرات السيّد سلّمه اللَّه في مبحث استصحاب الصحّة من تنبيهات الاستصحاب، فراجع.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 236.

372

قوله: و لا يخفى ما فيه، فإنّه إن أُريد من الصحّة الأثر المترتّب على الاتيان بالمأمور به، فهذا المعنى من الصحّة لا يكاد يثبت إلّا بعد الفراغ من المأمور به بما له من الأجزاء و الشرائط ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه قد حرّر في بعض مباحث الأوامر (2) النزاع بين العلمين السيّد العلّامة الشيرازي (قدس سره) و السيّد العلّامة السيّد محمّد الأصفهاني (قدس سره) في أنّ الامتثال في المركّبات الارتباطية هل يكون تدريجياً، و يكون ذلك بالنسبة إلى الأجزاء السابقة مشروطاً بالعنوان المنتزع من الأجزاء اللاحقة و هو عنوان التعقّب، أو أنّ الامتثال لا يكون إلّا دفعياً و هو عند الفراغ من الجزء الأخير. اختار الأوّل الأوّل، و الثاني الثاني، و حينئذٍ فلو أخذنا الصحّة في هذا المقام بمعنى تحقّق الامتثال، فهذا لا يمكن استصحابه في الأثناء. أمّا على الثاني فواضح، و أمّا على الأوّل فلأنّ امتثال الأمر المتعلّق بالجزء و إن كان متحقّقاً في الواقع عند الفراغ منه إذا كان واقعاً واجداً لقيد التعقّب بباقي الأجزاء، إلّا أنّه لمّا لم يكن ذلك متحقّقاً لدينا لم يكن لنا طريق إلى استصحابه.

و بذلك ظهر لك صحّة ما أفاده (قدس سره) من عدم إمكان الاستصحاب في الأثناء و أنّه لا يثبت الصحّة الفعلية إلّا عند الفراغ من العمل على كلّ من المسلكين المذكورين.

أمّا استصحاب الصحّة التأهّلية التي هي عبارة عن القضية القائلة بأنّ هذا الجزء لو لحقه باقي الأجزاء و الشرائط لكان صحيحاً، فقد أورد عليه شيخنا (قدس سره) أوّلًا: بأنّه راجع إلى الاستصحاب التعليقي. و ثانياً: بأنّه قطعي حتّى بعد انضمام ما

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 232.

(2) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب صفحة: 15 و ما بعدها.

373

يشكّ في مانعيته أو ما يقطع بمانعيته، لأنّ النقص إنّما هو في ناحية المعلّق عليه، مثلًا لو فرغ من السجدتين الأخيرتين نقول: ما تقدّم من الأجزاء لو انضمّ إليه باقي الأجزاء لكان موجباً لحصول الامتثال، فلو أنّه أوجد المانع الذي هو قطعي المانعية بعد الفراغ من السجدتين، لم يكن ذلك مضرّاً بتلك القضية القائلة إنّه لو انضمّ باقي الأجزاء و الشرائط إلى ما تقدّم من الأجزاء لكان الامتثال حاصلًا بها، غايته أنّ المعلّق عليه لم يحصل.

و هكذا فيما لو ألحق السجدتين بسجدة ثالثة المفروض كونها مشكوكة المانعية، لأنّ الشكّ لم يكن واقعاً في تلك القضية التعليقية التي هي عبارة عن الصحّة التأهّلية، بل كان الشكّ واقعاً في ناحية تحقّق المعلّق عليه، و هو انضمام باقي الأجزاء و الشرائط.

و لا يخفى أنّ هذا الايراد (1) إنّما يتّجه لو قلنا إنّ تلك الأجزاء التي أتينا بها لو لحقها التشهّد و التسليم بما نعلمه من الشرائط لكانت مسقطة للأمر، فهذه القضية قبل لحوق السجدة الثالثة تكون قطعية يقينية، و بعد لحوقها تكون نفس تلك القضية مشكوكة، لا أنّ الشكّ في ناحية المعلّق عليه، بل كانت نفس القضية التعليقية مشكوكة. و الظاهر أنّ ذلك هو مراد المستدل بالاستصحاب المذكور.

نعم، يتوجّه عليه: أنّ مجرّد لحوق ما علم من الأجزاء و الشرائط لا يوجب تحقّق الصحّة بالنسبة إلى ما سبق، إذ مع تخلّل ما يحتمل مانعيته تكون الصحّة فيما سبق مجهولة لا متيقّنة، و لو أُغضي النظر عن ذلك لقلنا إنّ المعلّق عليه في تلك القضية التعليقية هو باقي الأجزاء و الشرائط الواقعية، ليكون محصّل القضية هو أنّ تلك الأجزاء السابقة لو لحقها كافّة ما يعتبر واقعاً من الأجزاء و الشرائط

____________

(1) [المقصود بهذا الإيراد هو استصحاب الصحّة التأهّلية لا الإيراد عليه، فلاحظ].

374

و عدم الموانع‏ (1)، فإنّه حينئذ يتمّ ما أُفيد من بقائها يقينية حتّى بعد طروّ المانع المعلوم المانعية، أمّا لو كان المعلّق عليه هو باقي الأجزاء و الشرائط و الموانع المعلومة الاعتبار، بحيث نقول إنّ ذلك المتيقّن قبل الاتيان بالسجدة الثالثة و هو كون تلك الأجزاء لو لحقها التشهّد و التسليم لكانت محقّقة للامتثال، إن كان حكماً على تلك الأجزاء بقول مطلق حتّى لو لحقتها السجدة الثالثة، لم يعقل تعلّق الشكّ بوجوده بعد لحوق السجدة الثالثة، بل كان محصّله هو أنّ الثالثة ليست بمانعة. و إن كان حكماً عليها بشرط عدم لحوق الثالثة، لم يعقل تعلّق الشكّ بعدمه بعد الثالثة، بل كان مقطوع العدم. و إن شككنا في أنّ موضوعه هل هو الأوّل أو أنّه الثاني، كان بعد لحوق السجدة الثالثة من قبيل الشكّ في بقاء الموضوع.

و إن شئت فقل: إنّ المكلّف عند ما بلغ إلى الفراغ من السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة، و زاد عليها سجدة ثالثة، لو قال إنّ تلك الأجزاء السابقة إلى السجدة الثانية لو لحقها التشهّد و التسليم، لكانت متمّمة للصلاة، أو لكان الأمر بها ساقطاً، أو لحصل الغرض، أو نحو ذلك ممّا يعبّر به عن الصحّة، إنّ المشار إليه بقوله تلك الأجزاء، إن كان هو ما عدا السجدة الثالثة، بمعنى أنّ تلك الأجزاء لو بقيت بحالها و لحقها التشهّد و التسليم من دون السجدة الثالثة لتمّت الصلاة، فهذه القضية متيقّنة، و لا يدخلها الشكّ حتّى لو علمنا أنّ السجدة الثالثة مفسدة لها، و إن كان المشار إليه هو تلك الأجزاء، سواء أتبعها بالسجدة الثالثة أو لم يتبعها بها، لو لحقها التشهّد و التسليم لتمّت الصلاة، فهذه القضية مشكوكة من أوّل الأمر، و لم تكن متيقّنة في وقت من الأوقات.

____________

(1) [هكذا في الأصل فلاحظ].

375

و لكن هذا الإشكال هو عين الإشكال في استصحاب الحكم التعليقي، فإنّك لو أشرت إلى العنب و قلت إنّه لو غلى لتنجّس، إن كان المشار إليه هو نفس العنب بلا أن يتبدّل إلى الزبيبية، فهذه القضية متيقّنة أبداً و لا يدخلها الشكّ، و إن كان المشار إليه هو العنب و لو لحقته الزبيبية لم تكن القضية المذكورة متيقّنة.

و لا يخفى أنّ هذا الإشكال جارٍ فيما لو كان الحكم تخييرياً أيضاً كالحلّية فيقال: إنّ المشار إليه بقولنا هذا حلال، إن كان هو نفس العنب بلا أن يتبدّل إلى الزبيبية، كانت القضية المذكورة متيقّنة إلى الأبد، و إن كان المشار إليه هو الذات و إن تبدّلت صورتها إلى الزبيبية، فهذه القضية مشكوكة من أوّل الأمر، و لم تكن متيقّنة في وقت من الأوقات. و هكذا الحال فيما لو علمنا أنّ زيداً غير المرتكب لشي‏ء من الصغيرة و الكبيرة يجوز الصلاة خلفه ثمّ إنّه قد ارتكب الصغيرة.

و نظيره فيما نحن فيه من الصحّة غير المعلّقة ما لو كان الزائد في الآخر مثل السلام الثاني، و مثل مسح الرجل اليسرى ثانياً في باب الوضوء، فإنّ قولنا تلك الأجزاء السابقة على المسح الثاني للرجل اليسرى كانت صحيحة قبل المسح الثاني، إن كان المشار إليه هو نفس تلك الأجزاء المجرّدة عن المسح الثاني بقيد تجرّدها عنه، كانت القضية متيقّنة أبداً، و إن كان المشار إليه هو الأجزاء المذكورة و إن لحقها المسح الثاني، كانت القضية مشكوكة من أوّل الأمر، و السرّ في جميع [ذلك‏] هو أنّ وصف الصحّة مشكوك الموضوع من أوّل الأمر، هل موضوعه هو الأجزاء لا بشرط، أو هو الأجزاء بشرط لا.

و إن شئت فقل: إنّ شكّنا لم يكن في بقاء وصف الصحّة، بل إنّه إنّما يكون في أنّ المجعول له وصف الصحّة هل هو الأجزاء بقيد عدم لحوق الزيادة المذكورة، سواء كانت في الأوّل كالمضمضة قبل إجراء الوضوء مثلًا، أو كانت في‏

376

الوسط، أو كانت في الآخر، أو هو الأجزاء غير مقيّدة بالقيد المذكور، و ذلك عبارة أُخرى عن أنّ الجزء أو المركّب هل مأخوذ بالنسبة إلى تلك الزيادة بشرط لا، أو أنّه مأخوذ لا بشرط.

و هذا الإشكال عين الإشكال في الاستصحاب التعليقي، بل هو عينه في استصحاب الحكم و لو منجّزاً فيما لو شكّ في بقائه عند تبدّل صفة من الصفات التي يحتمل كونها قيداً في الموضوع، و لئن أمكن الجواب عنه هناك بالتسامح العرفي فلا يمكن الجواب بذلك عنه فيما نحن فيه، فلاحظ و تأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ الصلاة لها نحو وحدة اعتبارية، و هي بذلك اللحاظ يمكن جريان استصحاب البقاء فيها فيما لو شكّ في أنّه هل فرغ منها كما هو الشأن في جميع الأُمور التدريجية، و حينئذٍ فيمكن أن يقال: كما صحّ أن يقال إنّ المكلّف بعدُ في الصلاة و لم يخرج منها، نظراً إلى أنّها تتحقّق بمجرّد الشروع، و أنّ الشكّ في الفراغ يكون عبارة عن الشكّ في بقائها، فكذلك يمكن أن يقال إنّ هذه الصلاة قد تحقّقت بمجرّد الشروع فيها، و عند طروّ ما شكّ في مانعيته يحصل الشكّ في بقاء صحّة مجموع الصلاة.

و الحاصل: أنّ الصلاة بمجرّد الشروع فيها تكون بحسب النظر العرفي قد تحقّقت بتمامها، و هذه المانعية تكون منسوبة إلى المجموع. و لكن ذلك التسامح لو تمّ فأقصى ما فيه هو أن تكون الزيادة بمنزلة الزيادة في الآخر، التي قد عرفت الحال فيها، فلاحظ و تأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ استصحاب الصحّة لو سلم من جميع هذه الإشكالات، فهو غير سالم من إشكال آخر، و هو أنّه لا معنى للصحّة إلّا التمامية و إسقاط الأمر، و هذه الأُمور ليست بنفسها شرعية و لا يترتّب عليها أثر شرعي، فلا يمكن أن‏

377

تكون مورداً للاستصحاب.

قوله: و لكن مع ذلك كلّه للنظر فيه مجال، أمّا أوّلًا ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ ما نقله (قدس سره) عن الشيخ (قدس سره) في إثبات الجزء الصوري يرجع إلى أمرين: الأوّل إطلاق القاطع على مثل الالتفات. و الثاني كونه مبطلًا لو كان قد وقع في أثناء السكوتات، و لم يتعرّض شيخنا (قدس سره) للجواب عن الأوّل، و لعلّه لوضوح الجواب عنه بأنّ مجرّد التعبير بالقاطع لا يدلّ على وجود الهيئة الاتّصالية المعبّر عنها بالجزء الصوري، بل هو من باب المسامحة و التجوّز في التعبير.

قوله (قدس سره): أمّا أوّلًا، فلأنّ مجرّد تعلّق النواهي الغيرية ... الخ‏ (2).

لعلّ حاصله: أنّ مجرّد كون الشي‏ء مفسداً حتّى لو وقع في حال السكوت لا يدلّ على القاطعية الحقيقية، بل أقصى ما في ذلك هو توسعة المانعية لما إذا وقع في حال السكوت، و من ذلك الزيادة لو قلنا إنّها مانعة، فإنّها لا بدّ أن لا تكون واقعة في أثناء الأفعال الصلاتية.

قوله: و قوله (عليه السلام): «و إذا استيقن أنّه زاد في المكتوبة فليستقبل صلاته» ... الخ‏ (3).

قال المرحوم الحاج آغا رضا الهمداني (قدس سره)- بعد ذكر هذه الرواية عن التهذيب خالية من لفظة ركعة-: هكذا رواه في المدارك‏ (4) و غيره، و لكن في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 235.

(2) فوائد الأُصول 4: 235.

(3) فوائد الأُصول 4: 238.

(4) مدارك الأحكام 4: 220.

378

الوسائل رواه عن الكليني (رحمه اللَّه) باسناده (و هو: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أُذينة) عن زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال:

«إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها، و استقبل صلاته استقبالًا إذا كان قد استيقن يقيناً» (1) ثمّ قال: محمّد بن الحسن باسناده عن محمّد ابن يعقوب مثله، فالظاهر أنّ لفظة «ركعة» فيما رووه عن الشيخ ساقطة (2) انتهى ما أفاده المرحوم الحاج آغا رضا (قدس سره).

لكن راجعت الوافي‏ (3) فوجدته يرويها عن الكافي عن الثلاثة- و هم علي ابن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير- عن ابن أُذينة عن زرارة و بكير عن أبي جعفر (عليه السلام) خالية من لفظة «ركعة»، ثمّ راجعت الكافي فوجدت هذه الرواية بهذا السند و المتن، يعني خالية من لفظة «ركعة» في باب «من سها في الأربع و الخمس و لم يدر زاد أم نقص أو استيقن أنّه زاد» (4)، و فيما قبل هذا الباب و هو باب «السهو في الركوع» ذكر أيضاً هذه الرواية مشتملة على لفظة «ركعة» (5)، و هي بعين ذلك السند، سوى أنّ تلك كانت عن زرارة و بكير ابني أعين، و هذه كانت عن زرارة فقط، و أمّا التهذيب فقد نقلها عن الكليني بهذا السند إلى زرارة و بكير ابني أعين مع إسقاط لفظ «الركعة» (6)

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 231/ أبواب الخلل في الصلاة ب 19 ح 1.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 535 (الطبعة القديمة).

(3) الوافي 8: 964/ باب السهو في أعداد الركعات ح 25 [7500].

(4) الكافي 3: 354/ 2.

(5) الكافي 3: 348/ 3.

(6) التهذيب 2: 194/ 763.

379

قوله: و ما دلّ على صحّة الصلاة بزيادة السجدة الواحدة سهواً ... الخ‏ (1).

في الوافي: التهذيب: سعد عن ابن عيسى عن علي بن الحكم عن أبان عن‏ (2). الفقيه: منصور بن حازم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة، فقال (عليه السلام): لا يعيد صلاة من سجدة، و يعيدها من ركعة» (3) التهذيب: سعد عن ابن عيسى عن محمّد بن خالد عن ابن فضّال عن مروان بن مسلم عن عبيد بن زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن رجل شكّ فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة، فسجد أُخرى ثمّ استيقن أنّه زاد سجدة، فقال: لا و اللَّه، لا يفسد الصلاة زيادة سجدة. و قال (عليه السلام): لا يعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة» (4).

و الرواية الأُولى و إن كان متنها مطلقاً شاملًا لكلّ من الزيادة و النقيصة، إلّا أنّها لمّا كان موردها هو الزيادة كانت نصّاً في بيان حكم الزيادة، كصدر الرواية الثانية، و بذلك تكون أخصّ من الرواية السابقة الدالّة على لزوم الاعادة لمطلق الزيادة، إلّا أنّ مقتضى ذلك هو خروج السجدة فقط دون باقي الأجزاء غير الركنية.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 240.

(2) [أي عن منصور بن حازم‏].

(3) الوافي 8: 933/ 7426، التهذيب 2: 156/ 610، الفقيه 1: 346/ 1009، وسائل الشيعة 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

(4) الوافي 8: 933/ 7427، التهذيب 2: 156/ 611، وسائل الشيعة 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 3.

380

و ما أُفيد بقوله: بعد القطع بعدم الفرق في الأجزاء الغير الركنية بين السجدة الواحدة و غيرها (1)، قابل للمناقشة، فالأولى أن يسلك في الجمع بين قوله (عليه السلام):

«إذا استيقن» (2) و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (3) الطريقة التي سلكها في الجمع بين قوله (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الاعادة» (4) و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» و تلك الطريقة هي طريقة الحكومة بأن يقال: إنّ قوله (عليه السلام):

«إذا استيقن أنّه زاد في المكتوبة» يشمل الركن و غيره، و يختصّ بالزيادة، و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة» الخ يشمل الزيادة و النقيصة، و يختصّ بالأجزاء غير الركنية، لأنّ الركن القابل للزيادة و هو الركوع و السجود داخل في المستثنى منه، و بعد تحقّق العموم من وجه بينهما نقدّم حديث «لا تعاد» على رواية من استيقن للحكومة المذكورة، و تكون هذه الطريقة- أعني طريقة الحكومة- جارية في كلا الروايتين، أعني رواية «من زاد» و رواية «إذا استيقن»، غايته أنّ عموم «من زاد» أوسع لكونه شاملًا للعمد، لكن ذلك لا دخل له بكيفية الجمع، لأنّ مورد المعارضة إنّما هو الزيادة السهوية في غير الأركان، و هو حاصل في كلا الروايتين، ثمّ بعد تنقيح العموم من وجه نقدّم حديث «لا تعاد» للحكومة المذكورة، و لا بأس حينئذ بجعل ما دلّ على عدم بطلان الصلاة بزيادة السجدة مؤيّداً لذلك الجمع، بدعوى عدم الفرق بين السجدة و غيرها من الأجزاء غير الركنية، فتأمّل.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 240.

(2) وسائل الشيعة 8: 231/ أبواب الخلل في الصلاة ب 19 ح 1.

(3) وسائل الشيعة 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 5.

(4) وسائل الشيعة 8: 231/ أبواب الخلل في الصلاة ب 19 ح 2.

381

قوله في الحاشية: في إمكان تعلّق الطلب بكلّ من الجزء الصوري و القواطع نوع خفاء، فتأمّل‏ (1).

لعلّ منشأ الإشكال هو أنّ الجزء الصوري مسبّب عن عدم القواطع، فإمّا أن يتعلّق الطلب بالسبب، و إمّا أن يتعلّق بالمسبّب. و لا يمكن تعلّق الطلب بكلّ منهما، لأنّ تعلّق الطلب بأحدهما يوجب لغوية طلب الآخر. ثمّ إن كانت هذه السببية شرعية، كان الأصل الجاري في الاتيان بالقاطع حاكماً على استصحاب الجزء الصوري، و إن لم تكن شرعية تعيّن الرجوع إلى الأصل فيما هو المطلوب منهما شرعاً، فلاحظ و تأمّل.

قوله: لحكومة الحديث على أدلّة الأجزاء و الشرائط ... الخ‏ (2).

ربما يتأمّل في الحكومة المذكورة، فإنّ حديث «لا تعاد» إنّما يحكم على الأدلّة الأوّلية الدالّة على الجزئية و الشرطية. و أمّا الأدلّة التي يكون مفادها الاعادة صريحاً مثل أدلّة الاعادة بالزيادة ففيه تأمّل، بل الظاهر هو التعارض، لأنّ أحد الدليلين يقول أعد و الآخر يقول لا تعد.

و هناك إشكال آخر: و هو دعوى اختصاص حديث «لا تعاد» بخصوص النقص و لا يشمل الزيادة، و حينئذٍ يكون مقتضى القواعد هو البطلان بالزيادة سواء كانت عمدية أو كانت سهوية، إلّا ما أخرجه الدليل مثل زيادة السجدة الواحدة سهواً (3)، و لا يعارضه ما ورد في تعليل النهي عن العزائم‏ (4)، لأنّه ظاهر في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 236.

(2) فوائد الأُصول 4: 239.

(3) و هو ما تقدّم في الصفحة: 379.

(4) وسائل الشيعة 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

382

العمد.

كما أنّه لا يعارضه ما دلّ على وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة (1) من جهة دلالته الالتزامية على الصحّة في مورد الزيادة، لعدم سياقه إلّا من جهة وجوب سجود السهو المستدعي للصحّة التي لا بدّ لها من مأخذ، و الحاصل: أنّ مفاده هو وجوب سجود السهو فارغاً عن الصحّة، فكأنّه أوجبها بعد الفراغ عن الصحّة، فلا ينافيه ما يدلّ على البطلان. نعم لا بدّ في تصحيحه و إخراجه عن اللغوية من ثبوت الصحّة في مورد الزيادة في الجملة، و تمام الكلام في مبحث الخلل.

فقد تلخّص لك: أنّ حديث «لا تعاد» إن كان شاملًا لكلّ من الزيادة و النقيصة كان معارضاً لما دلّ على لزوم الاعادة بالزيادة، و مورد المعارضة هو الزيادة السهوية فيما عدا ما هو داخل في أحد الخمسة، و لا يكون الحديث حاكماً على تلك الأدلّة. و إن قلنا إنّه مختصّ بالنقيصة و لا يشمل الزيادة كان الأمر أشكل، لأنّ الحديث حينئذ أجنبي عمّا دلّ على البطلان بالزيادة.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ مرجع الزيادة إلى النقص في الشرط، بمعنى الإخلال بالقيد العدمي أعني عدم الزيادة، فيكون مقتضى الحديث أنّه لو سها و أتى بالزيادة فقد أخلّ بذلك القيد العدمي إخلالًا سهوياً، فيدخل في حديث «لا تعاد».

لكن لا يخفى أنّه لو سلّمنا هذا التكلّف، لكان ما دلّ على البطلان و الإعادة بالزيادة دالًا على البطلان و الإعادة بذلك النقص العدمي أيضاً، و حينئذٍ يقع التعارض بينه و بين الحديث من هذه الناحية، أعني ناحية نقص ذلك القيد

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 251/ أبواب الخلل في الصلاة ب 32 ح 3.

383

العدمي.

نعم يمكن أن يقال: إنّه بعد التعارض المذكور أعني تعارض العموم، يكون الحكم هو التساقط و الرجوع إلى ما تقتضيه الأُصول العملية، و هي البراءة من تقيّد الصلاة بذلك القيد العدمي في خصوص مورد المعارضة، أعني الزيادة السهوية في غير ما هو داخل في المستثنى الذي هو الركوع و السجود، و نحتاج في الحكم بالبطلان في مورد زيادة غيرهما إلى الدليل الخاصّ، فلاحظ و تأمّل.

و لا يخفى أنّ هذا الذي ذكرناه من منع حكومة حديث «لا تعاد» على ما دلّ صريحاً على وجوب الاعادة بالزيادة، لا يفرق فيه بين أن يكون وجه الحكومة هو ما أفاده شيخنا (قدس سره) من كونه نافياً للجزئية بلسان نفي لازمها الذي هو الاعادة في مورد ينحصر أثر الجزئية بالاعادة، أو يكون الوجه في الحكومة هو كون الحديث ناظراً إلى الأدلّة الأوّلية كما قيل، أو يكون الوجه في الحكومة هو الالتزام بتعدّد مراتب الصلاة كما في المستمسك ج 5 ص 242 (1)، أو يكون الوجه هو غير ذلك ممّا ذكر في وجه تقديم الحديث على الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لأصل الجزئية و الشرطية، فإنّ جميع هذه الوجوه إنّما تتأتّى بالنسبة إلى الأدلّة الأوّلية، دون ما يكون متّحداً في الرتبة مع حديث «لا تعاد» ممّا يكون لسانه وجوب الاعادة، حتّى بناءً على أنّ الوجه هو تعدّد مراتب الصلاة، فإنّهما يتعارضان في مرتبة فوت المصلحة الكاملة، فالحديث يقول لا تعد لأنّه بعد فوات تلك المرتبة الكاملة لا يمكن التدارك، و حديث وجوب الاعادة عند الزيادة يقول أعد، و مفاده حينئذ هو بقاء المجال لاستيفاء ما فات.

نعم، من يدّعي تقدّم الحديث على تلك الأدلّة لمجرّد أنّ الأصحاب قدّموه‏

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 7: 385/ فصل في الخلل الواقع في الصلاة.

384

يمكنه الالتزام في المقام بتقديمه على أدلّة البطلان بالزيادة، لعين تلك الجهة و هي تقديم الأصحاب، إلّا أنّ ذلك ممنوع كبرى و صغرى، إذ لا وجه لكون تقديم الأصحاب موجباً للتقديم، مضافاً إلى المنع من تقديم الأصحاب في خصوص ما نحن فيه، فلاحظ و تأمّل.

لا يقال: بعد البناء على رجوع الزيادة إلى نقص الشرط أعني قيد عدم الزيادة، لا يكون حديث «لا تعاد» أعمّ من وجه من الرواية القائلة «من استيقن أنّه زاد» بل يكون الحديث منحصراً بالنقص غير الركني، و مفاد الرواية هو النقص الشامل للركن و غيره، فيكون المقدّم حديث «لا تعاد» لكونه أخصّ مطلقاً.

لأنّا نقول: إنّ ذلك لا يخرجهما عن العموم من وجه، فإنّ النقص تارةً يكون نقصاً مجرّداً، و أُخرى يكون نقصاً مقروناً بالزيادة، و كلاهما داخلان في حديث «لا تعاد»، غايته أنّ ذلك مختصّ بغير الأركان. أمّا مفاد الرواية فهو النقص المقرون بالزيادة لكنّه شامل للركن و غير الركن. و إن شئت فقل: إنّ الرواية متعرّضة لخصوص نقص الشرط الذي هو عدم الزيادة، سواء كان المعدوم ركناً أو غيره، و الحديث يشمل كلّ نقص سواء كان نقص الأجزاء أو نقص الشرائط الوجودية أو العدمية، لكنّه يختصّ بما عدا الأركان، فتكون النسبة بينهما عموماً من وجه.

قوله: و أمّا لو قصد بها الجزئية، سواء كان ذلك للجهل بالحكم أو للتشريع، ففي بطلان الصلاة و عدمه وجهان، أقواهما البطلان لصدق الزيادة على ذلك، فيندرج فيما تقدّم من أدلّة الزيادة (1).

مراده بذلك الزيادة العمدية. و الظاهر أنّ الزيادة في هذا القسم منحصرة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 240- 241.

385

بالزيادة العمدية، و هي منحصرة بما ذكره من الجهل و التشريع، و لا يتصوّر الزيادة السهوية فيما نحن فيه ممّا يكون تحقّق الزيادة فيه متوقّفاً على قصد الجزئية، كما أنّ العمد فيه منحصر بصورة الجهل أو التشريع.

و لا يخفى أنّ رواية «من زاد في صلاته» (1) تشمل كلًا من صورتي الجهل و التشريع، لأنّ كلًا منهما زيادة عمدية قد دلّت الرواية الشريفة على البطلان بها و إن خرجت عنها الزيادة السهوية لمعارضة حديث «لا تعاد» أو حكومته عليها في خصوص الزيادة السهوية، على ما مرّ تفصيل الكلام فيه.

قوله: فما في بعض الكلمات من أنّ الزيادة التشريعية لا تقتضي البطلان واضح الفساد ... الخ‏ (2).

كأنّ ذلك تعريض بما في الكفاية من قوله في الثالث من تنبيهات مسألة الأقل و الأكثر: الثالث أنّه ظهر ممّا مرّ حال زيادة الجزء إذا شكّ في اعتبار عدمها شرطاً أو شطراً في الواجب، مع عدم اعتباره في جزئيته، و إلّا لم يكن من زيادته بل من نقصانه، و ذلك لاندراجه في الشكّ في دخل شي‏ء فيه جزءاً أو شرطاً، فيصحّ لو أتى به مع الزيادة عمداً تشريعاً أو جهلًا قصوراً أو تقصيراً أو سهواً، و إن استقلّ العقل لو لا النقل بلزوم الاحتياط، لقاعدة الاشتغال ... الخ‏ (3).

و لكن لا يخفى أنّه إنّما حكم بعدم الفساد في الزيادة العمدية و لو تشريعاً،

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 231/ أبواب الخلل في الصلاة ب 19 ح 2.

(2) فوائد الأُصول 4: 241.

(3) كفاية الأُصول: 368- 369.

386

نظراً إلى الأصل أعني أصالة البراءة من تقيّد الصلاة بعدم الزيادة، سواء كانت سهوية أو عمدية جهلية أو تشريعية. و هذا المقدار مسلّم في الجملة لو لم يكن في التشريع جهة أُخرى موجبة للفساد، و هي ما أشار إليها شيخنا (قدس سره) بقوله: هذا إذا لم يقصد الامتثال بمجموع الزائد و المزيد فيه، و إلّا فلا إشكال في البطلان لعدم قصد امتثال الأمر. و أشار إليه في الكفاية بقوله: نعم لو كان عبادة و أتى به كذلك على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه، لكان باطلًا مطلقاً أو في صورة عدم دخله فيه الخ.

و بالجملة: بعد غض النظر عن الدليل الاجتهادي الدالّ على البطلان بالزيادة العمدية في خصوص الصلاة، و هو حديث «من زاد في صلاته» الخ، لكانت الزيادة العمدية الجهلية أو التشريعية غير موجبة للفساد استناداً إلى أصالة البراءة من تقيّد المركّب بعدم تلك الزيادة، و كلام الكفاية ناظر إلى ذلك، لأنّ كلامه عام لكلّ مركّب، و لا خصوصية فيه للصلاة و نحوها، بل إنّ كلامه يشمل حتّى المركّبات التوصّلية، و لأجل ذلك قال: نعم لو كان عبادة الخ.

و حينئذٍ يكون ذلك- أعني النظر إلى الجهة العامّة- هو عذر صاحب الكفاية في عدم تعرّضه لحديث «من زاد» و مقابلته بحديث «لا تعاد» و استنتاجه من ذلك مبطلية الزيادة العمدية، فإنّ ذلك كلّه خاصّ بالصلاة من العبادات، و صاحب الكفاية أراد أن يجعل محلّ نظره في هذا المبحث أُصولياً صرفاً.

و لكن مع ذلك كلّه كان على صاحب الكفاية (قدس سره) التنبيه على خصوصية باب الصلاة و الأدلّة الواردة فيها، كما صنعه في الجملة في التنبيه الثاني، لكن الأمر في ذلك سهل لأنّه تحريري لا علمي، فتأمّل.

387

قول صاحب الكفاية (قدس سره): نعم، لو كان عبادة و أتى به كذلك، على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه، لكان باطلًا مطلقاً أو في صورة عدم دخله فيه‏ (1).

وجه البطلان مطلقاً هو أنّه لم يكن قصده الامتثال على كلّ حال، و وجه الصحّة فيما لو اتّفق أنّ الواقع كذلك، هو ما أشار إليه بقوله: لعدم قصور الامتثال في هذه الصورة (2)، يعني بها صورة دخله فيه المستفادة من مقابلها الموجبة للبطلان و هي صورة عدم دخله فيه، هذا لو قرئت بالقاف، و قد صحّحت في بعض النسخ بالتاء، فلا بدّ أن يكون المراد حينئذ بالصورة هي صورة عدم دخله فيه.

ثمّ إنّه لو لم ينكشف الحال، و غاية ما عنده أنّه كان جاهلًا بجزئية الاستعاذة و لكنّه شرع و جعلها جزءاً و قصد امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب منها، على وجه لو لم تكن الاستعاذة جزءاً لما أقدم على الامتثال، فكان بعد الفراغ يحتمل أنّ الاستعاذة جزء في الواقع فتكون صلاته صحيحة، أو ليست بجزء فتكون فاسدة، فليس المرجع حينئذ هو البراءة، بل اللازم هو الاحتياط بالاعادة لما أفاده بقوله:

مع استقلال العقل بلزوم الاعادة مع اشتباه الحال لقاعدة الاشتغال.

قوله: و أمّا لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أيّ حال كان صحيحاً (3).

ظاهره أنّه صحيح حتّى لو تبيّن في الواقع أنّ الاستعاذة ليست بجزء، فإنّه لو

____________

(1) كفاية الأُصول: 369.

(2) المصدر المتقدّم [المذكور في النسخ المطبوعة حديثاً هو: قصد الامتثال، نعم في نسخة حقائق الأُصول: تصوّر الامتثال، و في طبعة بغداد القديمة: قصور الامتثال‏].

(3) المصدر المتقدّم.

388

صادف الواقع فقد حكم بالصحّة حتّى لو كان من قصده التقييد في الامتثال، و وجه الحكم بالصحّة في الصورة المفروضة هو ما أشار إليه بقوله: فإنّ تشريعه في تطبيق المأتي به مع المأمور به، و هو لا ينافي قصده الامتثال و التقرّب به على كلّ حال الخ، و هو لا يخلو عن تأمّل، إذ لا يخرج بذلك عن كونه تشريعاً في الامتثال.

قوله: و إن كانت من سنخها، فإن كانت من سنخ الأقوال- كالقراءة و التسبيح- فيعتبر في صدق الزيادة عليها قصد الجزئية بها، و إلّا كان ذلك من الذكر و القرآن الغير المبطل ... (1).

كونه غير مبطل واضح، لكن هل لأجل دلالة الدليل على عدم البطلان بزيادته، و حينئذٍ يلزم إثبات ذلك بالدليل، و هو المخصّص لقوله (عليه السلام): «من زاد»، لكن لازم ذلك عدم البطلان حتّى لو قصد الجزئية جهلًا بالحكم لا تشريعاً. أو لأنّه ليس من الزيادة، أو لأنّه من قبيل التخيير بين الأقل و الأكثر كما قيل في ذكر الركوع و السجود، بل قيل بذلك في التسبيحات في الثالثة و الرابعة. لا يبعد الأوّل، لأنّ الظاهر صدق الزيادة عليه و إن لم يقصد به الجزئية، خصوصاً فيما لو قرأ آيات بين الحمد و السورة مثلًا.

و قال السيّد سلّمه اللَّه في تحريراته عن شيخنا (قدس سره): فإنّه مع قصد الجزئية يكون مبطلًا للعبادة من جهة صدق الزيادة، لا مع عدمه، فإنّ العبادة بالقياس إلى بقيّة الأذكار مأخوذة لا بشرط، فلا يتحقّق عنوان الزيادة الموجبة للبطلان الخ‏ (2)، و ظاهره تحقّق الزيادة، لكنّها لا تكون مبطلة، لأنّه مأخوذ فيها لا بشرط، و إن كان ربما يخالف ذلك قوله: من جهة صدق الزيادة لا مع عدمه، فإنّه ظاهر في أنّه لو

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 241.

(2) أجود التقريرات 3: 525.

389

لم يقصد الجزئية لا يكون من الزيادة، و في ذلك تأمّل تقدّم الكلام فيه‏ (1)، و أنّه تصدق الزيادة فيما أُخذ لا بشرط بل فيما أُخذ من باب صرف الوجود، غايته أنّه ربما يدّعى أنّ أخذه من حيث صرف الوجود ملازم لأخذه لا بشرط، الموجب لعدم البطلان بالزيادة لا لعدم صدق الزيادة، فراجع و تأمّل.

نعم، ربما لا تصدق الزيادة على ما يأتي به من القرآن و الدعاء في أثناء الأجزاء، كأن يقرأ سورة من القرآن بين السجدتين، أو يدعو الدعاء الفلاني بعد السجدتين قبل القيام، و نحو ذلك.

ثمّ إنّ هذا كلّه في القرآن و الأذكار التي هي من غير أجزاء الصلاة، أمّا لو أتى بما هو الجزء الاستحبابي منها في غير موضعه، كما لو أتى بالتكبيرات الانتقالية في غير موضعها، بأن كبّر أو قال سمع اللَّه لمن حمده في أثناء الهوي أو النهوض، أو كرّر ذلك في موضعه بأن قال سمع اللَّه لمن حمده في محلّها مرّتين، و كذلك الحال فيما لو أتى بما هو الواجب منها في غير موضعه، كما لو سبّح في حال القيام إلى الأُولى أو الثانية، أو قرأ في حال القيام إلى الثالثة أو الرابعة، أو تشهّد على الأُولى أو الثالثة، أو كرّر ذلك في موضعه بأن تشهّد على الثانية مرّتين، أو قرأ الفاتحة في الأُولى أو الثانية مرّتين، فهل يعتبر في صدق الزيادة عليه قصد الجزئية، أو أنّه يتحقّق كونه زيادة و إن لم يقصد به، كلّ ذلك محل تأمّل.

و لو قلنا بصدق الزيادة في ذلك من دون قصد الجزئية، أشكل الحكم بالصحّة، لعموم أدلّة الزيادة، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ تعمّد الاتيان بهذه الأقوال لا يخرج عن أحد أمرين: قصد الجزئية، أو القرآن أو الذكر المطلق، كما لا يبعد تنزيل عبارة هذا التحرير على هذا التوجيه، و حينئذٍ نقول: إنّ الأوّل نلتزم بالبطلان‏

____________

(1) في الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 365 و ما بعدها.

390

فيه بخلاف الثاني، لعمومات أدلّة الاستحباب في القرآن و الذكر على كلّ حال، و إن صدق عليه الزيادة. بل يمكن أن يقال: إنّه مع قصد مطلق القرآن و الذكر المطلق يكون نظير ما يأتي من الأفعال أعني قصد الخلاف الموجب لخروجه عن الزيادة، فلا يكون موجباً للبطلان إلّا مع الدليل، كما في سجدة التلاوة.

نعم، يبقى الإشكال في التكبيرات الانتقالية في غير موضعها، كما لو كبّر في حال الهوي مثلًا، فإنّه يقصد به الجزئية، و كذلك الحال لو تشهّد في كلّ ركعة معتقداً وجوبه، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في كونه زيادة، و ينبغي فيه الحكم بالبطلان، إلّا بتخريجه على الخطأ في التطبيق، بأن يكون قاصداً بذلك الأمرَ الموجود، لكنّه يعتقد جهلًا أنّه الأمر بالجزء الاستحبابي أو الوجوبي، و هو في الواقع أمر بمطلق التكبير أو مطلق الذكر.

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه في الأجزاء المستحبّة كلّه مبني على تصوّر كون بعض أجزاء الواجب مستحبّاً، بأن يكون جزءاً من الفرد، أمّا بناءً على إنكار ذلك، و أنّه لا يعقل كونه جزءاً من فرد الطبيعة مستحبّاً مع عدم كونه جزءاً في الطبيعة، فيكون البحث في زيادة هذا النحو من المستحبّات ساقطاً، لأنّها حينئذ تكون مطلوبة استحباباً في ظرف الصلاة.

قوله: و لكن يظهر من التعليل الوارد- إلى قوله- أنّ السجود زيادة في المكتوبة- إلى قوله- فيكون المنهي عنه في باب الزيادة معنى أعمّ من الزيادة العرفية ... الخ‏ (1).

الأولى أن يقال: إنّ التعليل مجمل فيقتصر على مورده من سجدة التلاوة، إذ لو أخذنا بهذه التوسعة التي أفادها، و هي أنّ المنهي عنه و المانع هو الأعمّ من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 242.

391

الزيادة العرفية، فهل يقتصر فيه على ما هو من سنخ الأفعال، أو نسريه إلى ما يكون من سنخ الأقوال، كما يظهر من تسريته إلى الصلاة في ضمن الصلاة و ادّعاء خروجه باعتبار الاستقلالية، و أنّ هذه التوسعة فيما لا يكون له استقلال، و حينئذٍ يكون شاملًا لما يكون من سنخ الأقوال فيما لو أتى بها المكلّف قاصداً بها عدم الجزئية، بل كان قاصداً بها مطلق الدعاء و القرآنية، كما وجّهنا به عبارته السابقة في زيادتها العمدية عند عدم الجزئية، فإنّها بناءً على هذه التوسعة تكون زيادة بجعل الشارع فتكون مبطلة، و حينئذٍ يشكل الأمر في ذلك و فيما تقدّم من أنّه لو جاء بالتشهّد مثلًا في كلّ ركعة عن جهل بالحكم متخيّلًا أنّه جزء واجب في كلّ ركعة، حتّى لو نزّلناه على الخطأ في التطبيق، بل حتّى لو جاء به قاصداً للأمر الاستحبابي المطلق، فإنّ أقصى ما يحصل من تنزيله على الخطأ في التطبيق أنّه يكون امتثالًا للأمر الاستحبابي المطلق، و هذا لا ينفع في الحكم بالصحّة، لأنّه لا يخرج بذلك عن كونه زيادة بجعل الشارع نظراً إلى التوسعة المذكورة.

و بالجملة: لا بدّ من أحد أمرين: الأوّل: دعوى اختصاص هذه التوسعة بخصوص الأفعال فلا تشمل الأقوال. و الثاني: أنّها و إن شملت الأقوال إلّا أنّا ندّعي أنّ زيادة الأقوال لا تبطل، لأنّها قرآن و دعاء، و أنّه معتبر في الصلاة لا بشرط، و يكون ذلك مخصّصاً لأدلّة بطلان الصلاة بالزيادة العمدية.

قوله: و أمّا فوات الموالاة فلا ضير فيه إذا كان ذلك لأجل تحصيل واجب أهمّ ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ مجرّد مزاحمة الموالاة بما هو أهمّ لا يوجب إلّا اندراجه في غير المقدور، و من الواضح أنّ مجرّد عدم القدرة على الشرط لا يوجب الاكتفاء

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 243.

392

بما كان فاقداً له، بل يكون مبنياً على المسألة الآتية من أنّ تعذّر الشرط هل يوجب سقوطه أو أنّه يوجب سقوط المشروط من أصله، و حينئذٍ فلا بدّ من إتمام المطلب بحديث «لا تعاد» كما أفاده (قدس سره) في الفقه‏ (1) و غيره من أنّ محصّله هو سقوط الجزئية و الشرطية فيما إذا لم يكن الأمر بهما ممكناً و لم يكن للجزئية و الشرطية محصّل إلّا وجوب الاعادة، و بذلك يتمّ المطلوب و هو الاكتفاء بما كان فاقداً للموالاة، إذ لا معنى للأمر بالموالاة في هذا المورد إلّا لزوم الاعادة الناشئ عن بقاء الأمر بما هو مشروط بالموالاة.

و قد كنت فيما سبق حرّرت تأمّلًا على هذا الذي أفاده في تقريب جريان حديث «لا تعاد» في صورة تعذّر بعض الأجزاء و الشرائط أو نسيانها، و حاصل ذلك: أنّ الاعادة ليست من الواجبات الشرعية، بل هي ناشئة عن جعل شرعي، و ذلك المجعول هو الجزئية و الشرطية، إذ لو لم يكن المنسي أو المتعذّر بواسطة المزاحمة جزءاً أو شرطاً، لما وجبت الاعادة، فلا بدّ أن تكون الجزئية و الشرطية منتزعة من جهة أُخرى غير الأمر بالاعادة، و تلك الجهة هي الأمر بالشرط أو الجزء، أو نقول: إنّ الجزئية و الشرطية مجعولان ابتداءً.

و كلاهما لا يمكن الالتزام به. أمّا الأوّل، فلأنّه مستلزم لعدم شمول حديث «لا تعاد» للمورد، لأنّ المفروض حينئذ هو توجّه التكليف بالجزء أو الشرط، فلا يكون اعتباره منحصراً بالاعادة كي يكون داخلًا في حديث «لا تعاد» بناءً على مسلكه (قدس سره) فيه من أنّ محصّله هو أنّه إذا لم يكن للجزئية و الشرطية محصّل إلّا الاعادة كانت ساقطة، و لأجل ذلك أخرج صورة الجهل، لأنّ الجاهل يكون مأموراً بالجزء و الشرط، فلا ينحصر معنى الجزئية في حقّه بالاعادة كي يكون‏

____________

(1) كتاب الصلاة (للعلّامة الآملي) 1: 303.

393

داخلًا في حديث «لا تعاد». و أمّا الثاني، فهو خلاف مسلكه (قدس سره)(1)، فإنّه لا يقول بجعل الجزئية و الشرطية، هذا.

و يمكن الجواب عن هذا التأمّل بما مرّ سابقاً (2) في الناسي، و أنّه يمكن في حقّه إطلاق الجزئية و الشرطية بأحد الأنحاء الثلاثة المذكورة في ذلك المقام، و يكون ذلك المقدار من الاطلاق مصحّحاً لتحقّق الجزئية في حقّه، و لكن لمّا لم يمكن خطابه بالجزء كان داخلًا في من لم يكن للجزئية أثر في حقّه إلّا لزوم الاعادة، فيدخل في مفاد حديث «لا تعاد»، و هذا بخلاف العامد و الجاهل فإنّه مخاطب بنفس الجزء، غايته أنّ الجاهل لو كان جهله عن قصور يكون معذوراً، و ذلك لا ينافي كونه مخاطباً.

و قد ذكر في العروة فروعاً متشابهة لا بأس بالاشارة إليها:

منها: ما ذكره في ص 39 طبع بيروت: فيما لو علم في أثناء الصلاة بسبق النجاسة، أنّه يعيد في سعة الوقت، و مع العلم بحدوثها في الأثناء أو الشكّ في السبق يعيد إن لم يتمكّن من إزالتها في أثناء الصلاة (3).

و منها: فيما لو كان مضطرّاً إلى الصلاة مع النجاسة و ارتفع العذر في الأثناء، يعيد في سعة الوقت، مع تقييده في الحاشية بعدم التمكّن من الازالة في الأثناء (4).

و منها: ما في مسألة الاضطرار إلى السجود على النجس، أنّه لا يجب الاعادة، لكن في الحاشية قيّده (قدس سره) بما إذا سجد جهلًا أو نسياناً، فالاحتياط بالاعادة

____________

(1) ذكر ذلك في موارد متعدّدة منها ما في فوائد الأُصول 4: 392 و ما بعدها.

(2) في الصفحة: 349 و ما بعدها.

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 197/ فصل: الصلاة في النجس.

(4) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 208/ مسألة (11).

394

لا يترك‏ (1).

و منها: ص 262 من أنّ ناسي ستر العورة ابتداءً أو بعد انكشافها في الأثناء الأقوى صحّة صلاته، و كذا لو كان الترك غفلة (2).

و منها: ص 282 من أنّه إذا فقد ما يصحّ السجود عليه في أثناء الصلاة قطعها في سعة الوقت، و في ضيقه يسجد على ثوبه القطن الخ‏ (3). و لو سجد على ما لا يصحّ السجود عليه، إن كان بعد رفع الرأس مضى، و إن كان قبله جرّ جبهته إن أمكنه ذلك، و إلّا قطع الصلاة في سعة الوقت، و في الضيق أتمّ على ما تقدّم‏ (4) و نظير ذلك في مسألة (10) ص 332 (5). و في ص (411) في حاشية مسألة (10):

لو كان (يعني ما سجد عليه سهواً) نجساً، فالاحتياط لا يترك كما تقدّم‏ (6).

و منها: ما ذكروه‏ (7) من أنّه لو عجز عن القيام في أثناء الصلاة انتقل إلى ما يمكنه من الجلوس، حتّى لو كان الوقت واسعاً و أنّه لو قطعها و أخّرها يمكنه‏

____________

(1) العبارة لا تخلو عن قصور، لكن المراد يتّضح بمراجعة العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 209 مسألة (12، 13).

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 324/ مسألة (12) فصل: في الستر و الساتر.

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 397/ مسألة (27) فصل: في مسجد الجبهة.

(4) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 397 مسألة (28).

(5) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 563.

(6) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 3: 213.

(7) ذكره السيّد (رحمه اللَّه) في العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 488/ فصل: في القيام مسألة (25).

395

القيام، و قد ذكره المرحوم الحاج آغا رضا الهمداني (قدس سره)(1)، و تعرّض للفرق بينه و ما لو كان العذر حاصلًا قبل الصلاة، حيث إنّهم قد أوجبوا الاتمام في الأوّل و الانتظار في الثاني بما هو قابل للمناقشة، و لم يستدلّ للفرق بجريان حديث «لا تعاد» في الأوّل.

و الحاصل: أنّه بناءً على مسلك الأُستاذ (قدس سره) في حديث «لا تعاد» ينبغي أن يكون جميع هذه الفروع مجرى حديث «لا تعاد» ما عدا ما لو علم في أثناء الصلاة بسبق النجاسة أو علم بحدوثها في الأثناء، فإنّ المنشأ فيه هو النصوص الخاصّة أو الاجماعات. أمّا الفروع الباقية و هي مسألة الاضطرار إلى السجود على النجس و ارتفاع العذر في الأثناء، و مسألة ما لو سجد على النجس جهلًا بالموضوع أو نسياناً، و مسألة ما لو فقد في أثناء الصلاة ما يصحّ السجود عليه، و ما لو سجد على ما لا يصحّ السجود عليه جهلًا بالموضوع، كلّ هذه الموارد و أمثالها ينبغي أن يقال فيها بالصحّة لحديث «لا تعاد»، و على الظاهر أنّه ليس في البين نصوص خاصّة.

و أمّا ما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في درس الأُصول في أثناء الكلام على مزاحمة الجزم بالنيّة لحرمة الابطال، من تقسيم الشروط و جملة من الأجزاء إلى ما له البدل و ما ليس له البدل، و كون أدلّة الجزئية و الشرطية حاكمة على حرمة الابطال، حيث إنّها إنّما تتمّ فيما لو كان إتمام العمل بأجزائه و شرائطه ممكناً، فهو و إن كان في نفسه قوياً متيناً، إلّا أنّه لا ينفع في الجهة التي نحن فيها من التمسّك بحديث «لا تعاد»، بناءً على ما أفاده (قدس سره) من أنّ مفاد الحديث الشريف هو أنّه لو لم يكن للجزئية أو الشرطية محصّل إلّا الإعادة، يكون حديث «لا تعاد» مسقطاً

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) 12: 81 و ما بعدها.

396

للاعادة الملازم لاسقاط الجزئية و الشرطية، و بذلك حكّم (قدس سره) هذا الحديث الشريف على أدلّة الأجزاء و الشرائط.

و بالجملة: بناءً على ما أفاده (قدس سره) في معنى الحديث الشريف، ينبغي أن يقال بسقوط الشرطية و الجزئية في الأمثلة المزبورة.

لا يقال: لعلّ الوجه في عدم التمسّك بحديث «لا تعاد» في أمثال هذه المقامات، هو كون الظاهر منه هو خصوص صورة وقوع الخلل بالجزء أو الشرط دون ما لم يكن واقعاً و قد اضطرّ إلى تركه في أثناء الصلاة. و بعبارة أُخرى المستفاد من الحديث الشريف هو الاغتفار فيما مضى من الخلل دون ما يأتي.

لأنّا نقول: بعد فرض كون مفاده هو عدم لزوم الاعادة للجزء أو الشرط الذي لا محصّل لجزئيته أو شرطيته إلّا الإعادة، لا يفرق حينئذ في الخلل بين ما مضى و ما يأتي. و يشهد لذلك استدلاله (قدس سره)(1) بهذا الحديث الشريف على كون ما ورد من لزوم الاتيان بصلاة الآيات المضيّقة في ضمن الصلاة اليومية الموسّعة وارداً على طبق القاعدة، و أنّ الخلل في الصلاة اليومية من جهة فوات الموالاة بين أجزائها مغتفر بحديث «لا تعاد»، و لا ريب في كون ذلك من قبيل الخلل المستقبل لا الماضي.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مفاد الحديث الشريف و إن كان هو ما تقدّم ذكره من عدم لزوم الاعادة لأجل الجزء أو الشرط الذي لا محصّل لجزئيته أو شرطيته إلّا الاعادة، لكن بعد فرض ظهور الحديث الشريف في عدم لزوم الاعادة لترك الجزء أو الشرط الذي تحقّق تركه، يكون حاصله هو عدم لزوم الاعادة للجزء أو الشرط الذي تحقّق تركه و لم يكن لجزئيته أو شرطيته أثر إلّا الإعادة، فيكون‏

____________

(1) كتاب الصلاة (للعلّامة الآملي) 3: 6- 7.

397

الحديث الشريف منحصراً بما مضى من الخلل دون ما يأتي. نعم يبقى الإشكال في شموله للموالاة الفائتة في الاتيان بصلاة الآيات في ضمن الصلاة اليومية.

و يمكن الجواب عنه: بأنّ شمول الحديث الشريف لذلك إنّما هو بالنظر إلى ما بعد الفراغ من صلاة الآيات، و لا ريب حينئذ في كون الموالاة ممّا تحقّق فوتها، و هذا لا ينافي تسويغ الشروع بصلاة الآيات، إذ لا ريب في لزوم الاتيان بها لكونها أهمّ لتضيّق وقتها، غاية الأمر يقع الكلام في أنّه بعد الاتيان بها هل تبطل الصلاة اليومية لفوات الموالاة بين أجزائها أو أنّه لا تبطل، فيمكن حينئذ أن يقال بعدم البطلان، لأنّه لا معنى لشرطية الموالاة الفائتة في ذلك الحال إلّا لزوم إعادة الصلاة من جهتها، و حديث «لا تعاد» وافٍ بعدم لزوم الاعادة من هذه الجهة الملازم لسقوط شرطيتها في ذلك الحال. و أمّا من جهة الزيادة في الصلاة اليومية، فقد حقّق في محلّه عدم انطباق الزيادة على مثل صلاة الآيات، التي يكون لها وجود استقلالي في حدّ نفسها يكون حافظاً لصورتها النوعية، و إن كان في أثناء صلاة أُخرى، فتأمّل جيّداً.

و ربما يشكل فيما لو كان عاصياً في أمر الصلاة الحادث في أثناء الأُخرى بناءً على صحّة الترتّب، بأن يقال له: إن عصيت صلاة الآية فأتمّ الصلاة اليومية، فلا ينحصر مفاد شرطية الموالاة بالاعادة كي يجري فيه حديث «لا تعاد».

و يمكن الالتزام بذلك على تقدير العصيان، فيلزمه إتمام صلاته و الموالاة في أفعالها، و إنّما نقول بالسقوط في الرتبة السابقة على العصيان أعني رتبة توجّه الأمر بصلاة الآية، فإنّه في تلك الرتبة لا يكون معنى لوجوب الموالاة إلّا وجوب الاعادة.

ثمّ إنّ ما بنى عليه الجماعة من عدم سقوط الموالاة، و أنّ سقوطها في مورد

398

النصّ خاصّة و هو صلاة الآية، ينبغي القول بأنّه لا يجوز له قراءة دعاء كميل أو السحر بين السجدتين، أو بعد رفع الرأس من الركوع، لكونه مفوّتاً للموالاة كالصلاة في ضمن الصلاة (1).

فائدة لا بأس بالحاقها بهذه المباحث و هي: أنّ كلّ جزء أو شرط جرى فيه حديث «لا تعاد»، كان مقتضاه هو صحّة الصلاة مع نسيانه و عدم وجوب إعادتها، و لكن ربما قام الدليل على أنّ الجزء الفلاني كالسجدة الواحدة و كالتشهّد يكون لنسيانه أثر شرعي آخر غير بطلان الصلاة، و ذلك الأثر هو وجوب قضائه بعد الصلاة مع سجود السهو، أو هو مجرّد وجوب سجود السهو له، كما في نسيان الفاتحة إن قلنا بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة من الأجزاء، و هذا النحو من الأجزاء لو وقع نسيانه طرفاً في العلم الاجمالي لما هو له أثر أيضاً، كان ذلك العلم الاجمالي مؤثّراً في ناحية ذلك الأثر أعني قضاء ذلك الجزء، أو مجرّد سجود السهو له مع الأثر الآخر الذي لطرفه، و لكن لا يكون وقوعه طرفاً لذلك العلم الاجمالي موجباً لإعادة الصلاة لو كان الطرف الآخر مثله، كما لو علم إجمالًا بنسيان التشهّد أو نسيان سجدة واحدة، إلّا إذا كان ذلك الطرف الآخر ممّا يوجب الاعادة، كما لو علم بنسيان التشهّد أو الركوع، على بحث في مثل ذلك ممّا تردّد

____________

(1) ربما أشكل على ما أفاده (قدس سره) في ص 80 [فوائد الأُصول 4: 235- 236] بقوله أوّلًا و ثانياً: بأنّه لا معنى للجزء إلّا ما تعلّق به الأمر في ضمن المجموع، و المفروض أنّ الجزء الصوري موجود فيكون جزءاً من المأمور به. ثمّ إنّه بعد الاعتراف بكونه جزءاً ينبغي الاعتراف بكونه مأموراً به، و قد تعرّض شيخنا (قدس سره) لذلك في مسألة اللباس [في رسالة الصلاة في المشكوك: 400 و ما بعدها]، و أوضحناه فيما حرّرناه عنه في هذه المسألة، فراجع [منه (قدس سره)‏].

399

المتروك سهواً بين الركن و غيره.

أمّا إذا فرضنا أنّ ذلك الجزء أو ذلك الشرط الذي جرى فيه حديث «لا تعاد» لم يقم دليل على وجوب قضائه و لا سجود السهو له، كما في نسيان الفاتحة لو قلنا بعدم وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة، بل حصرناه في موارد خاصّة، فإنّه لا أثر لوقوعه طرفاً للعلم الاجمالي المردّد بين نسيان القراءة و نسيان السجدة الواحدة، و مثل هذه الأجزاء و الشرائط كما لا أثر للعلم بنسيانها بعد الفراغ، فكذلك لا أثر للشكّ في ذلك بعد الفراغ، فلا تجري فيها قاعدة الفراغ كي تتعارض مع قاعدة الفراغ في السجدة الواحدة في المثال المذكور، و من هذا القبيل ما لو علم بعد الفراغ أنّه قدّم السورة على الفاتحة، أو علم إجمالًا إمّا بذلك أو بترك سجدة واحدة.

و الحاصل: أنّ جميع ما يجري فيه حديث «لا تعاد» ممّا لا أثر لنسيانه من قضائه بعد الصلاة أو سجود السهو، نصطلح عليه بأنّه جزء أو شرط علمي أو ذكري، و لا أثر لوقوعه طرفاً للعلم الاجمالي، و كذلك ما يكون أثر نسيانه مجرّد سجود السهو، فإنّه أيضاً جزء علمي أو ذكري و إن ترتّب الأثر على وقوعه طرفاً للعلم الاجمالي بتنجيز سجود السهو له.

نعم، ما يكون أثر نسيانه قضاءه بعد الصلاة، يمكننا القول بأنّه جزء واقعي لا علمي، غايته أنّ محلّه تبدّل من أثناء الصلاة إلى ما بعدها، و حينئذٍ تنحصر فائدة جريان حديث «لا تعاد» في هذا النحو من الأجزاء بهذه الجهة، و هي تبدّل محلّه لا سقوط جزئيته، فيكون مرجع حديث «لا تعاد» فيه إلى إسقاط شرطية كونه في أثناء الصلاة.

لا يقال: إنّه بناءً على ذلك لو لم يتذكّره إلى أن مات ينبغي القول ببطلان‏

400

صلاته، و هو بعيد.

لأنّا نقول: لا بُعد في ذلك، و هو نظير من نسي الركوع و لم يذكر ذلك حتّى مات، بل هو نظير ما لو نسي الصلاة في وقتها و لم يتذكّر حتّى مات. نعم أثر ذلك كلّه هو وجوب القضاء عنه لو علم وليّه بذلك، إن قلنا بوجوب القضاء على الولي في أمثال ذلك ممّا لم يكن متنجّزاً على الميّت.

و يمكن القول بعدم بطلان الصلاة حتّى مع عدم الموت، إذ لا يكون المطلوب منه إلّا ذلك الجزء. نعم هناك جهة أُخرى و هي أنّه بناءً على كونه جزءاً قد تأخّر، هل يكون وقوع المنافي بينه و بين الصلاة مبطلًا أو لا يكون ذلك مخلًّا، هذا كلّه لو قلنا إنّه جزء تأخّر.

و أمّا لو قلنا بأنّه تكليف جديد نظير سجود السهو، فلا ينبغي الريب حينئذ في كونه جزءاً علمياً، فإنّ وجوب قضائه بعد الصلاة لا ينافي عدم كونه جزءاً منها، و ما أشبه هذه المسألة بمسألة كون القضاء تابعاً للأداء و كونه بأمر جديد، فلاحظ.

و على أيّ حال، أنّ ما لا أثر للعلم التفصيلي بنسيانه، فلا أثر للعلم الاجمالي بنسيانه أو نسيان السجدة الواحدة، فهو من أظهر مصاديق الشرط أو الجزء العلمي. و من هذا القبيل الترتيب بين الفريضتين حيث إنّه لا أثر للعلم التفصيلي بنسيانه، فلا أثر للعلم الاجمالي المردّد بين نسيانه و نسيان السجدة الواحدة، و من الواضح أنّ العلم الاجمالي لا يكون أقوى في التنجيز من العلم التفصيلي.

و إن شئت فقل: بعد فرض أنّه لا أثر لتركه نسياناً، فأيّ أثر يكون هذا العلم الاجمالي منجّزاً له. و من هذا القبيل ما لو علم إجمالًا بأنّه إمّا قد أخفت في قراءة العشاء أو ترك سجدة واحدة منها، أو أنّه علم إجمالًا بأنّه قد أخفت في إحدى‏