أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
401

الأُوليين منها، و كذلك لو علم بأنّه قد خالف الترتيب إمّا بين ظهره و عصره و إمّا بين مغربه و عشائه، سواء كان ذلك بعد خروج الوقتين، أو كان بعد خروج وقت الظهرين فقط.

و الخلاصة: هي أنّه لو كان الجزء أو الشرط ممّا لا يترتّب الأثر على نسيانه، و لا يكون للعلم التفصيلي بنسيانه أثر، لم يكن وقوعه طرفاً للعلم الاجمالي منجّزاً لشي‏ء، سواء كان طرفه في ذلك العلم الاجمالي من سنخه، أو كان ممّا له أثر كالقضاء و سجود السهو، بل حتّى لو كان طرفه ممّا يوجب الاعادة، كما لو علم إجمالًا بأنّه إمّا قد خالف الترتيب بين المغرب و العشاء أو أنّه قد نقص من إحداهما ركوعاً، أو علم إجمالًا بأنّه إمّا قد أخفت في مغربه أو أنّه نقص منها ركوعاً.

و لا يخفى أنّ هذا الذي ذكرناه من أنّ ما جرى فيه حديث «لا تعاد» لا تجب الاعادة بعد تذكّره، لا فرق فيه بين القول بسقوط جزئيته أو شرطيته في حال النسيان، و القول بأنّه و إن كان جزءاً أو شرطاً، إلّا أنّه لا يمكن تداركه باعادة الصلاة لفوات المصلحة، أو لاحتمال أنّ الفاقد يكون في حال النسيان مشتملًا على صلاح يتدارك به صلاح الواجد، فإنّ هذه الاحتمالات لا تضرّ بما كنّا بصدده من كون مفاد «لا تعاد» هو سقوط الاعادة، و لازم ذلك أنّه لو كان طرفاً للعلم الاجمالي لم يكن ذلك العلم الاجمالي مؤثّراً فيما لو كان لا أثر لنسيانه من قضاء أو سجود سهو. نعم هو على الوجه الأوّل يكون جزءاً أو شرطاً علمياً، بخلافه على الاحتمالين الأخيرين.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه بناءً على الوجه الثاني تكون المسألة من قبيل الشكّ في السقوط، لأنّه قد تكلّف بالصلاة، و عند إتيانه بها كانت مقرونة بذلك العلم‏

402

الاجمالي الراجع إلى التردّد بين سقوطها لأجل عدم قابلية التلافي و بين بقاء وجوبها مع إمكان التلافي بالاعادة، كما لو تردّد بين أن يكون قد خالف الترتيب بين الصلاتين أو أنّه قد نقص ركوعاً، و مقتضى أصالة الاشتغال و الشكّ في السقوط هو الاعادة، و لعلّ هذا آت فيما لو كان الطرف ممّا يقضى.

و لكن الذي يهوّن الخطب أنّ ذلك الأصل- أعني أصالة الاشتغال- محكوم بقاعدة الفراغ في جانب الركوع، مع عدم جريانها في ناحية مخالفة الترتيب.

لا يقال: إنّ قاعدة الفراغ و إن لم تجر في ناحية مخالفة الترتيب، إلّا أنّ أصالة الاشتغال جارية في ناحية الشكّ المزبور.

لأنّا نقول: لا مورد في هذه الناحية من الشكّ لأصالة الاشتغال، لأنّه مع الشكّ في مخالفة الترتيب يكون الأمر معلوم السقوط، إمّا بالامتثال بأن قد جاء بها على وفق الترتيب، و إمّا بارتفاع الموضوع بأن جاء بها على خلاف الترتيب، و أيّاً منهما كان يكون الأمر ساقطاً.

ثمّ إنّ هذا الاحتمال- أعني الاحتمال الثاني- احتمال صرف، و هو خلاف ظاهر الأدلّة، فإنّ ظاهرها هو مجرّد عدم الجزئية أو الشرطية في حال النسيان، كما يشهد بذلك وجوب قضاء بعض المنسيات و وجوب سجود السهو للبعض الآخر، و هو ممّا يدلّ على سقوط الجزئية في ذلك الحال، كما يستفاد ذلك من قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من الركوع» (1) مثلًا، فإنّ ظاهره إعطاء الأهمية للركوع دون باقي الأجزاء، و أنّ الشارع يتسامح فيها عند تركها نسياناً، و لو نزّلناها على الاحتمال الثاني كانت هي أعظم من الركوع تأثيراً، و اللَّه العالم‏ (2)

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 5 (مع اختلاف).

(2) 21/ رمضان/ 1374 [منه (قدس سره)‏].

403

[الثاني: حكم تعذّر بعض الأجزاء و الشروط لاضطرار و نحوه من حيث ما تقتضيه القاعدة تارةً و ما يقتضيه الدليل أُخرى‏]

قوله: الأمر الثاني: لو تعذّر أحد القيود الوجودية أو العدمية- إلى قوله- إنّما الإشكال فيما هو الصحيح من الوجهين ... الخ‏ (1).

ملخّص هذا التحرير هو الاشارة إلى أنّ الجزئية و الشرطية و المانعية و بعبارة أُخرى القيدية، هل لا تسقط بالتعذّر بناءً على كونها مطلقة و شاملة للتعذّر و مقتضاه سقوط الأمر بالمقيّد، أو أنّها تسقط بذلك بناءً على اختصاصها بحال التمكّن، و مقتضاه بقاء الأمر بالمقيّد. هذا فيما لا يكون التقييد مأخوذاً من التكليف بالقيد، و أمّا لو كان مأخوذاً منه، فقد قيل بخروجه عن محلّ النزاع، إذ لا ريب في سقوط التكليف بذلك القيد بمجرّد تعذّره، و بسقوط التكليف به تسقط قيديته، فلا بدّ من القول بوجوب الباقي. و عمدة همّ شيخنا (قدس سره) هو مقابلة هذا القول، ببيان أنّ الأجزاء و الشرائط لا يعقل انتزاعها من الأمر النفسي، و إلّا كانت واجباً مستقلًا في واجب، بل لا بدّ أن تكون منتزعة من الأمر الغيري و هو عين الجزئية و الشرطية، فيكون داخلًا في محلّ النزاع.

و أمّا المانعية فتارةً تكون منتزعة عن النهي الغيري بحيث لا يكون في البين حرمة نفسية، فهي أيضاً عين المانعية التي هي عبارة عن اعتبار العدم في الصلاة، و بذلك تكون داخلة في محلّ النزاع، و أُخرى يكون في البين حرمة نفسية، فإن كانت تلك المانعية و تلك الحرمة النفسية معاً معلولين للمفسدة الواقعية، لم يكن سقوط الحرمة النفسية بالتعذّر موجباً لسقوط المانعية، بل بقيت تلك المانعية داخلة في محلّ النزاع. نعم لو كانت المانعية معلولة لنفس تلك الحرمة النفسية، سقطت بسقوطها، و خرجت تلك المسألة عن محلّ النزاع. هذا لو كان النهي بمثل لا تصلّ في الحرير.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 243- 245.

404

و أمّا لو كان بمثل «لا تلبس الحرير في الصلاة»، فإن كان النهي غيرياً مثل:

«لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه»، كان داخلًا في محلّ النزاع، و إن كان النهي نفسياً كان من قبيل الأمر النفسي في ضمن الصلاة، فيكون من قبيل الحرام في ضمن الواجب، و هو لا يوجب المانعية إلّا بنحو مانعية مسألة الاجتماع على القول بالجواز من الجهة الأُولى و الامتناع من الجهة الثانية، أعني عدم إمكان التقرّب بما قارن الحرام و إن كان من مجرّد كونه ظرفاً له.

قوله: و توضيح ذلك: هو أنّ النهي النفسي الذي يقتضي المانعية إمّا أن يكون هو النهي في باب النهي عن العبادة، كالنهي عن الصلاة في الحرير بناءً على أن تكون مانعية الحرير لمكان حرمة لبسه، و إمّا أن يكون هو النهي في باب اجتماع الأمر و النهي ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ مجرّد حرمة لبس الحرير لا يوجب المانعية، و لذا لم يلتزموا بالمانعية في حرمة لباس الشهرة، و حرمة لبس الرجال لباس النساء و بالعكس. أمّا حرمة نفس الصلاة مع لباس الحرير، فإن حملنا النهي عن الصلاة مع الحرير على النهي الغيري، كان ذلك النهي الغيري عبارة أُخرى عن المانعية، لا أنّ لنا في البين حكماً آخر يكون في عرض ذلك النهي، أو يكون معلولًا للنهي المذكور، و حينئذٍ ففي مورد الاضطرار في مثل ذلك، يكون داخلًا في محلّ البحث من أنّ تعذّر القيد هل يوجب سقوط المقيّد أو لا يوجب سقوطه.

و إن حملنا النهي المذكور على النهي النفسي، لم يكن في البين إلّا حرمة الصلاة بلباس الحرير، نظير حرمة الصلاة مع الحيض، من دون أن يكون في البين مانعية شرعية، بل لا يكون في البين إلّا تلك الحرمة النفسية المتعلّقة بنفس‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 244.

405

الصلاة، الموجبة لخروجها عن مدلول الأمر بنحو التخصيص خروجاً واقعياً، و لو تصوّرنا الاضطرار إلى مخالفة ذلك النهي كانت تلك الصلاة خارجة عن دليل النهي، و ذلك‏ (1) لا يوجب دخولها في عموم الأمر، لأنّها حينئذ كسائر الأفعال المحرّمة التي اضطرّ إليها.

و الحاصل: أنّ الخارج هو الصلاة مع الحرير غير المضطرّ إليها، و لا يكون في البين مانعية و لا ممنوعية، و لا يلزم منه كون وجود أحد الضدّين علّة لعدم الآخر، و لا كون عدم أحدهما مقدّمة لوجود الآخر، إلّا إذا كان المدّعى هو كون عدم الأمر معلولًا لوجود النهي، و كون عدم النهي علّة لوجود الأمر، و ذلك مبني على كون وجود أحد الضدّين علّة في عدم الآخر، و كون عدمه علّة في وجود الآخر، و هو خلاف ما حقّقوه في مسألة الضدّ.

نعم، في المقام شي‏ء آخر، و هو أنّ إخراج الصلاة مع الحرير عن عمومات الصلاة يوجب قهراً تقيّد العام بما عداه، كما حقّق في محلّه في باب العموم، و إذا كان مركب الأمر بالصلاة هو الصلاة المقيّدة بعدم الحرير، كان ذلك عبارة أُخرى عن المانعية، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ إخراج الصلاة مع الحرير لا يوجب تقيّد الصلاة بعدم الحرير، بل إنّما يوجب تقيّدها بعدم الصلاة مع الحرير، بمعنى أنّ الباقي تحت العام هو كلّ صلاة غير الصلاة مع الحرير، فيكون القيد هو عدم الصلاة مع الحرير لا عدم الحرير، و ذلك لا يولّد المانعية، و فيه تأمّل، فتأمّل.

و لو قال: لا تلبس الحرير في الصلاة، فإن كان النهي غيرياً كان داخلًا في‏

____________

(1) [في الأصل كانت العبارة هكذا: و ذلك عبارة أُخرى عن بقائها تحت عموم الأمر. و الحاصل أنّ الخارج إلخ، و لكنّ المصنّف (قدس سره) شطب عليها و أبدلها بالعبارة المذكورة أعلاه، فلاحظ].

406

محلّ النزاع، و إن كان النهي نفسياً كان من المحرّم في أثناء الصلاة، و لم يتولّد منه المانعية إلّا بنحو مسألة الاجتماع على القول بالامتناع من الجهة الثانية، بدعوى أنّه لا يمكنه التقرّب بما كان مقروناً بالمحرّم و إن كان خارجاً عنه. و قد حرّرنا تفصيل هذه المباحث في مبحث النهي عن العبادة، فراجعه‏ (1).

و من ذلك يتّضح لك الحال في مسألة الاجتماع على القول بالامتناع من الجهة الأُولى، فإنّ نتيجته هي التعارض و تقديم جانب النهي، لكون العموم فيه شمولياً، و مقتضاه خروج مورد الاجتماع عن حيّز الأمر خروجاً واقعياً. و أمّا بناءً على الجواز من الجهة الأُولى فقد حقّق في محلّه‏ (2) أنّ المسألة تدخل حينئذ في باب التزاحم، و مقتضاه انحصار البطلان بصورة تنجّز النهي، دون موارد عدم تنجّزه من الجهل و النسيان و الاضطرار، و لا معنى لعدم المندوحة إلّا الاضطرار إلى الغصب الموجب لسقوط حرمته.

و من ذلك يعلم أنّه بناءً على الامتناع من الجهة الثانية لا يكون المقام من قبيل التخصيص، أعني خروج مورد الاجتماع عن دليل الوجوب، بل لا يكون في البين إلّا مجرّد تقديم أحد المتزاحمين على الآخر.

و من ذلك كلّه تعرف الخلل فيما أُفيد من قوله: أو أنّ وجود المندوحة لا يقتضي ذلك، بل لا بدّ من تقييد أحد الاطلاقين كما هو المختار الخ‏ (3)، إذ ليس ذلك‏

____________

(1) راجع الحاشية المفصّلة المتقدّمة في المجلّد الرابع من هذا الكتاب في الصفحة: 301 و ما بعدها.

(2) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الرابع من هذا الكتاب في الصفحة: 89 و ما بعدها، و كذا الحواشي السابقة عليها و اللاحقة لها.

(3) فوائد الأُصول 4: 248.

407

- أعني التقييد و التخصيص الواقعي- هو المختار لشيخنا الأُستاذ (قدس سره)، بل هو (قدس سره) يقول ببقاء الاطلاق في كلّ منهما، غايته أنّه يقع بين التكليفين تزاحم في مقام الامتثال، فيلزم تقديم ما هو المقدّم في باب التزاحم، و هو النهي فيما نحن فيه لعدم البدل له، بخلاف الأمر فإنّه له البدل.

اللهمّ إلّا أن يراد من التقييد في هذا المقام التقييد العقلي الناشئ عن عدم القدرة، باعتبار كون كلّ من التكليفين سالباً لقدرة المكلّف على الآخر، في قبال قول المحقّق الثاني (قدس سره) بالصحّة في مورد الاجتماع من جهة الانطباق القهري، فراجع المسألة في محلّها (1).

و بالجملة: أنّ هذا التحرير لا يخلو عن إجمال أو قصور، و تمام توضيحها في محلّها أعني باب اجتماع الأمر و النهي، فراجعه و تأمّل، هذا ما كنّا نورد به سابقاً.

و لكن لا يخلو عن تأمّل و بحث، و الخلاصة: هي أنّه لا يتصوّر كون المانعية منتزعة عن النهي النفسي مع فرض كونهما عن ملاك واحد، بل حينئذ يكون كلّ منهما في عرض الآخر، و لا يكون سقوط أحدهما موجباً لسقوط الآخر، و يكون الحال في ذلك كما هو الحال في مانعية ما لا يؤكل بالقياس إلى حرمة الأكل.

ثمّ إنّ مثل قوله: لا تصلّ في الحرير، يكون نسبته إلى قوله: صلّ، نسبة المخصّص، فيكون الخروج واقعياً و لا يؤثّر فيه الجهل و الاضطرار، فما معنى قولهم بالصحّة عند الجهل و الاضطرار، إلّا أن يدّعى أنّ خروج الصلاة مع الحرير

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الرابع من هذا الكتاب في الصفحة: 75 و ما بعدها، و كذا راجع الحاشيتين المتقدّمتين في المجلّد الثالث في الصفحة: 136 و ما بعدها و الصفحة: 144 و ما بعدها.

408

عن عموم قوله صلّ، ليس بالخروج الملاكي، أعني أنّها لم تخرج إلّا من جهة النهي عنها، و حيث يسقط النهي بالاضطرار أو الجهل، لا تكون الصلاة المذكورة خارجة عن العموم المذكور. نعم لو كان خروجها خروجاً ملاكياً نظير أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق منهم، لم يمكن الحكم بالصحّة عند الجهل و الاضطرار.

و بعبارة أُخرى: هل الخروج من باب التزاحم أو أنّه من باب التخصيص الواقعي، و عبّر شيخنا (قدس سره) عن الأوّل بكون المانعية منتزعة و ناشئة عن النهي النفسي، و عن الثاني بكونهما معاً ناشئين عن ملاك واحد، فلاحظ و تدبّر.

و لا يخفى أنّ مثل قوله: «لا تصلّ في الحرير» لا بدّ أن يكون النهي فيه ناشئاً عن مفسدة في الصلاة في الحرير، فتكون تلك المفسدة موجبة لعدم تأثير الصلاح في أصل الصلاة، و يكون الخروج خروجاً ملاكياً و خطابياً لا خطابياً فقط، فإنّ ذلك- أعني الخروج الخطابي فقط- إنّما يكون في التزاحم في مقام الامتثال، كما في الأمر بالازالة مع الأمر بالصلاة، و كما في مسألة الاجتماع على القول بالجواز من الجهة الأُولى، بخلاف مثل لا تصلّ في الحرير و نحوه بالقياس إلى عموم الأمر بالصلاة، فإنّ التزاحم تزاحم ملاكي، و يكون في مقام الجعل و التشريع لا في مقام الامتثال.

و هذا الإشكال هو الذي ينبغي التشبّث به في قبال ما أفاده في الكفاية (1) في تصحيح العبادة في مسألة الاجتماع عند الجهل و النسيان و الاضطرار مع قوله بالامتناع من الجهة الأُولى، و أمّا ما أفاده شيخنا (قدس سره)(2) من أنّ لازمه كون عدم أحد الضدّين مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، فيمكن القول بعدم الالتزام بالمقدّمية، بل‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 175.

(2) فوائد الأُصول 4: 245- 246.

409

يكفي فيه مجرّد المقارنة مع فرض كونهما معلولين لعلّتين، فلاحظ.

قوله: إلّا أن يثبت وجوبه بأمر آخر من أصل أو قاعدة على ما سيأتي بيانه ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه مع فرض كون دليل التقييد مطلقاً شاملًا لصورة تعذّر القيد الذي يكون مقتضاه سقوط الأمر بالمقيّد عند تعذّر القيد، يشكل الأمر في الحكم بوجوب الباقي استناداً إلى مثل الاستصحاب أو قاعدة الميسور، فإنّ إطلاق دليل التقييد يكون دليلًا اجتهادياً على ثبوت التقييد في حال تعذّر القيد، فيكون مقدّماً على الاستصحاب بلا شبهة، بل يكون مقدّماً على مفاد قاعدة الميسور، لأنّ مفادها هو أنّ كلّ قيد أو جزء هو ليس بجزء أو قيد في حال تعذّره، فيكون إطلاق دليل التقييد في مثل «لا صلاة إلّا بطهور» أخصّ منه، لاختصاصه بخصوص الطهور فيقدّم على مفاد القاعدة لكونه أخصّ منه.

و قد يقال: إنّه لا منافاة بين إطلاق دليل الجزئية و بين ما يكون مثبتاً لوجوب الباقي، كالاستصحاب أو قاعدة الميسور، فإنّ أقصى ما يدلّ عليه إطلاق دليل الجزئية هو سقوط الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب من الجزء المتعذّر و باقي الأجزاء، أمّا سقوط الأمر بالباقي فلا يقتضيه إطلاق دليل الجزئية، إذ لا ملازمة بين سقوط الأمر بالمجموع و بين سقوط الأمر بالباقي.

و فيه: ما لا يخفى، لوضوح الملازمة بين إطلاق الجزئية لحال تعذّر الجزء و بين سقوط الأمر بالباقي، لأنّ مقتضى الجزئية في حال تعذّر الجزء هو عدم كون الباقي مأموراً به.

و الحاصل: أنّ سقوط الأمر بالمجموع إنّما هو لعدم القدرة عليه بعد فرض‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 250.

410

تعذّر جزئه، و أمّا سقوط الأمر بالباقي فإنّما هو لكون ذلك الجزء في ذلك الحال جزءاً للمأمور به، فإنّ مقتضاه هو أنّ الفاقد ليس بمأمور به. و الحاصل أنّ منطوق إطلاق الجزئية لحال تعذّر الجزء هو ثبوت الجزئية في ذلك الحال، و لازمه هو سقوط الأمر بالباقي، و منطوق قاعدة الميسور هو عدم سقوط الأمر بالباقي، و لازمه عدم تحقّق الجزئية في ذلك الحال، و بذلك يحصل التنافي، لكن حيث كان مفاد لازم القاعدة أعمّ من مفاد منطوق إطلاق دليل الجزئية، كان اللازم تخصيص لازم القاعدة بما هو مورد منطوق إطلاق جزئية مثل الركوع مثلًا.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ مفاد القاعدة و إن كان أعمّ، و كان مفاد إطلاق دليل الجزئية أخصّ، إلّا أنّ مفاد القاعدة مقدّم على مفاد الاطلاق لكونه حاكماً عليه.

و إن شئت قلت: إنّ مقتضى إطلاق الجزئية و إن كان هو ثبوت الجزئية في حال تعذّر الجزء، إلّا أنّ قاعدة الميسور تقول إنّ هذا المأمور به المقيّد بذلك الجزء لا يسقط عند تعذّر جزئه، فهي لا تنفي الجزئية، بل تعترف بها، لكنّها تقول حيث إنّ الباقي هو ميسور من ذلك المركّب التامّ، فلا يسقط بسقوط ذلك المركّب هذا حال لسان القاعدة، و إن كان مرجعه في اللب و الواقع إلى إسقاط الجزئية، إلّا أنّه لمّا كان بلسان الاعتراف بها في ذلك الحال كانت مقدّمة عليه.

و الحاصل: أنّ مفاد القاعدة هو أنّه بعد فرض ثبوت الجزئية و تحقّق مفاد إطلاق الجزئية تقول إنّه لا يكون سقوط الأمر بالمجموع موجباً لسقوط الأمر بالباقي.

و لكن لا يخفى ما في هذا المضمون من التناقض، و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى التفصيل في كيفية تحكيم قاعدة الميسور في مورد إطلاق دليل القيد عند

411

تعرّضه له‏ (1) ص 89 فلاحظه و لاحظ ما علّقناه هناك‏ (2).

قوله: و هذا بخلاف الخطابات الغيرية المتعلّقة بالأجزاء و الشرائط ... الخ‏ (3).

لا يخفى أنّ الأمر المتعلّق بالجزء مثل قوله اركع في الصلاة، إمّا أن نحمله على الواجب في ضمن واجب فيخرج عن محلّ الكلام، و إمّا أن نحمله على الأمر الغيري، فلا يكون إلّا إرشاداً لمدخلية متعلّقه في المأمور به، فإنّا و إن قلنا بكون الجزئية منتزعة إلّا أنّها لا تنتزع من الأمر الغيري، بل إنّما تنتزع من الأمر الضمني الحاصل في ضمن الأمر بالكل، و هذا الأمر الضمني لا يبرز في نفسه إلى الانشاء بقالب مخصوص، بل يكون متحقّقاً في ضمن الأمر بالكل، غايته أنّ ذلك الأمر المتعلّق بالكل ينحلّ إلى أوامر متعدّدة حسب تعدّد الأجزاء، و بذلك صحّ لشيخنا الأُستاذ أن يقول إنّ الأمر الغيري المتعلّق بالجزء لا يكون إلّا إرشاداً إلى مدخليته في المركّب، لكن بعد البناء على أنّ الجزئية منتزعة عن ذلك الأمر الضمني و لو في ضمن الأمر بالكل، يقع الكلام في ذلك الأمر الضمني المفروض تعلّقه بالجزء في ضمن تعلّق الأمر بالكل، فيتوجّه الإشكال بأنّه كيف يمكن أن يكون مطلقاً شاملًا لحال عدم القدرة على متعلّقه.

و لا بدّ من الجواب حينئذ بما أُفيد بقوله: فالقدرة إنّما تكون معتبرة في المجموع لا في الآحاد (4)، على ما تقدّم تفصيله من أنّ القدرة ليست مأخوذة في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 259- 260.

(2) راجع الحاشية الآتية صفحة: 455.

(3) فوائد الأُصول 4: 252.

(4) فوائد الأُصول 4: 253 (مع اختلاف يسير).

412

كلّ واحد من تلك الأوامر الضمنية أخذاً مستقلًا، بل ليس في البين إلّا الأمر بالمجموع، و كون القدرة شرطاً عقلياً في ذلك الأمر المتعلّق بالمجموع، و يكون معنى إطلاق الجزئية هو أنّ منشأ انتزاعها الذي هو ذلك الأمر الضمني غير مقيّد شرعاً بالقدرة، في قبال ما تكون جزئيته بحسب الجعل الشرعي منحصرة بصورة التمكّن منه، أو يكون المراد من الاطلاق هو إطلاق الملاك و إن سقط الخطاب بواسطة عدم القدرة (1)، إلى آخر ما تقدّم في مسألة النسيان‏ (2) فراجع.

و لكن‏ (3) قد يقال: إنّه (قدس سره) بعد أن بنى على [أنّ‏] الجزئية ليست مجعولة ابتداءً، و إنّما تكون منتزعة من تعلّق الأمر النفسي بالمجموع، و أنّ هذا الأمر النفسي و إنّ انحلّ إلى أوامر نفسية ضمنية متعدّدة حسب تعدّد الأجزاء، إلّا أنّه ليس لكلّ من تلك الأوامر النفسية اشتراط بالقدرة على حدة، و إنّما يكون المشروط بالقدرة هو الوجوب النفسي المنبسط على الجميع، فبتعذّره أو تعذّر بعض أجزائه يكون ذلك المجموع غير مقدور، فيسقط الأمر به، و حينئذٍ لو ثبت وجوب الباقي كان ذلك من قبيل المرتبة الثانية لذلك الوجوب.

و هكذا الحال لو دلّ دليل على أنّ ذلك الأمر بالمجموع مشروط بالقدرة على الركوع مثلًا، و أنّه عند تعذّره يسقط الأمر بالمجموع المؤلّف من الركوع و غيره، لكن مع ذلك يكون الأمر بالباقي بحاله، على وجه يكون ذلك الدليل دالًا على أنّ الأمر بالباقي يبقى بحاله، كان لازمه سقوط جزئية الركوع، فلا يكون‏

____________

(1) و في الأوّل تأمّل [منه (قدس سره)‏].

(2) في الصفحة: 349 و ما بعدها.

(3) [هذه المطالب إلى آخر الحاشية كتبها المصنّف (قدس سره) في أوراق منفصلة و أمر بإلحاقها بهذه الحاشية].

413

الساقط إلّا المرتبة الأُولى من ذلك الوجوب، و ذلك كما لو ورد الأمر بالباقي عند تعذّر الركوع مثلًا.

و على كلّ حال، لا يكون سقوط المرتبة الأُولى من ذلك الطلب دالًا على سقوط المرتبة الثانية، و يكون الحاصل أنّ ما يدلّ على كون الركوع جزءاً حتّى في حال تعذّره، كاشف عن أنّ الأمر المتعلّق بالمجموع منه و من غيره ليس مقيّداً شرعاً بالقدرة، و إن كان العقل حاكماً بذلك التقييد، بمعنى أنّه يحكم بسقوط الأمر خطاباً لا ملاكاً، فلا يكون الاطلاق المذكور دالًا إلّا على سقوط المرتبة الأُولى، في قبال ما لو دلّ دليل على كون ذلك الأمر بالمجموع مقيّداً بالقدرة على الركوع فإنّه لو وجد لنا مثل ذلك الدليل كان مقتضاه وجود مرتبة ثانية من ذلك الطلب، و هي الوجوب المتعلّق بما عدا الركوع في مورد تعذّر الركوع، و لو لم يوجد لنا مثل ذلك الدليل الخاصّ لم يكن دالًا على نفي تلك المرتبة الثانية، بل كان من قبيل عدم الدليل عليها، و حينئذٍ يكون باب الرجوع إلى القاعدة أو الاستصحاب منفتحاً، فلا يكون ذلك الاطلاق مانعاً منها.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المرتبة الثانية تعدّ مغايرة للمرتبة الأُولى، فلا يمكن إثباتها بقاعدة الميسور فضلًا عن الاستصحاب فتأمّل، و حينئذٍ يكون المرجع هو أصالة البراءة لا أصالة الاشتغال.

و هنا إشكال، و هو أنّه كيف يتصوّر الاطلاق في الجزئية، و قد ذكرنا في باب النسيان‏ (1) وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: إطلاق الأمر الضمني. لكن قلنا إنّه لا يعقل أن يكون الأمر بالركوع الذي هو الأمر النفسي الضمني شاملًا لحال تعذّره، و يزيده إشكالًا ما أفاده (قدس سره) من‏

____________

(1) في الصفحة: 349 و ما بعدها.

414

أنّه ليس للأمر الضمني قدرة على حدة حتّى يكون مطلقاً أو مقيّداً بالقياس إليها.

الثاني: إطلاق نفس الجزئية، بدعوى أنّها و إن كانت انتزاعية إلّا أنّها لا تخرج بذلك عن كونها حكماً شرعياً قابلًا للاطلاق و التقييد. و فيه تأمّل، لأنّها و إن سلّمنا أنّها من الأحكام الوضعية الشرعية، إلّا أنّها لمّا كانت منتزعة عن التكليف فهي تابعة في الاطلاق و التقييد لمنشإ انتزاعها، فلا يعقل سقوط منشأ انتزاعها مع بقائها بحالها.

الثالث: إطلاق الأمر بالمجموع إطلاقاً ملاكياً، و إن سقط خطاباً بواسطة عدم القدرة على بعض أجزائه، و هذا الاطلاق الملاكي كاشف عن عدم اشتمال الفاقد على الملاك، فيكشف عن عدم وجوب الباقي.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه لمّا كان مشتملًا على الملاك في الجملة و لو بعضه، كان ذلك الملاك كافياً في وجوبه و إن لم يكن وافياً بتمام الملاك، لكن فيه تأمّل، فراجع ما حرّرناه في باب اقتضاء الأوامر الاضطرارية للإجزاء (1).

هذا كلّه لو لم يكن في البين مثل قولهم (عليهم السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (2) ممّا يدلّ على توقّف الملاك على وجود ذلك القيد أو ذلك الجزء، و إلّا كان مثل هذا الدليل دليلًا اجتهادياً على أنّ الأمر بالصلاة ليس له إلّا مرتبة واحدة، و أنّ الصلاة عند تعذّر ذلك القيد ساقطة، فلا يبقى مجال للرجوع إلى أصل البراءة و لا الاشتغال و لا لقاعدة الميسور أو الاستصحاب.

و مع هذا كلّه فالمسألة غير خالية من الإشكال، فإنّا في باب الجزئية

____________

(1) راجع الحاشية المفصّلة المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في الصفحة: 356 و ما بعدها، و كذا راجع الصفحة: 395 و ما بعدها من المجلّد نفسه.

(2) وسائل الشيعة 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

415

و الشرطية لا نقول إلّا بجعل الأمر متعلّقاً بالمجموع، فلا جزئية و لا شرطية إلّا عبارة عمّا ينتزعه العقل من تعلّق الأمر بالمجموع المركّب من الأجزاء و الشرائط، و مقتضى تعلّق الأمر بذلك المجموع هو سقوطه بتعذّر بعضها، و لا يثبت وجوب الباقي إلّا بدليل خاصّ، و على تقديره لا يكون ذلك الوجوب المتعلّق بالباقي إلّا مرتبة ثانية، فلا يمكن إثباتها بالاستصحاب، نعم يمكن إثباتها بقاعدة الميسور، أمّا إطلاق دليل الجزئية أو تقييده، فلا يكون له أساس أصلًا بناءً على ما ذكرناه من أنّه ليس المجعول إلّا الأمر المتعلّق بالمجموع. هذا ما حرّرناه سابقاً على ما علّقناه سابقاً.

و لكن لا يخفى أنّ قوله: فلا إشكال في أنّه ليس في آحاد الخطابات الغيرية ملاك البعث المولوي و إلّا خرجت عن كونها غيرية، بل ملاك البعث المولوي قائم بالمجموع، فالقدرة إنّما تعتبر أيضاً في المجموع لا في الآحاد، و تعذّر البعض يوجب سلب القدرة عن المجموع الخ‏ (1)، صريح في سدّ باب تقييد وجوب الجزء في نفسه مع قطع النظر عن وجوب الكل بالقدرة، و حينئذٍ فلو قلنا إنّه لا معنى للجزئية إلّا ما ينتزع عن التكليف الوارد على الكل، كما هو رأيه و رأي صاحب الكفاية 0 (2) من أنّها- أعني الجزئية- ليست بمجعولة، و إنّما المجعول منشأ انتزاعها الذي هو في الحقيقة عبارة عن الأمر النفسي الضمني الحاصل في ضمن الأمر بالمجموع، لأشكل علينا تصوّر ما تقدّم من الأقسام المتقدّمة، أعني كون القيدية المستفادة من الدليل المنفصل مطلقة تارةً، و مقيّدة بحال القدرة أُخرى، و مجملة ثالثة.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 253.

(2) كفاية الأُصول: 401- 402.

416

نعم، لو قلنا إنّ الجزئية و الشرطية مجعولة بنفسها، صحّ انقسامها إلى هذه الأقسام، أمّا بعد أن قلنا إنّها غير مجعولة، و أنّ المجعول هو منشأ انتزاعها و هو ذلك التكليف النفسي الضمني، فلا محيص من القول بأنّ القابل للاطلاق و التقييد هو منشأ انتزاعها، في قبال إطلاق نفس الأمر بالأصل و إهماله على ما مرّ من الأقسام الأربعة (1)

____________

(1) [وجدنا هنا ورقة منفصلة لم يتّضح لنا موضعها بالدقّة، ارتأينا إدراجها في الهامش‏].

قال في الكفاية]: 369- 370]: الرابع أنّه لو علم بجزئية شي‏ء، أو شرطيته في الجملة، و دار الأمر بين أن يكون جزءاً أو شرطاً مطلقاً و لو في حال العجز عنه، و بين أن يكون جزءاً أو شرطاً في خصوص حال التمكّن منه، فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأوّل، لعدم القدرة حينئذ على المأمور به، لا على الثاني، فيبقى متعلّقاً بالباقي، و لم يكن هناك ما يعيّن أحد الأمرين من إطلاق دليل اعتباره جزءاً أو شرطاً، أو إطلاق دليل المأمور به، مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله، لاستقلّ العقل بالبراءة عن الباقي، فإنّ العقاب على تركه بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان- إلى أن قال- نعم ربما يقال بأنّ قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي- إلى أن قال- كما أنّ وجوب الباقي في الجملة ربما قيل بكونه مقتضى ما يستفاد من قوله (صلى اللَّه عليه و آله): إذا أمرتكم الخ [عوالي اللآلي 4: 58/ 206 (مع اختلاف يسير)، بحار الأنوار 22: 31].

فجعل مورد الاستصحاب و قاعدة الميسور بعد البراءة منحصراً بصورة الاجمال، و قال شيخنا (قدس سره) في هذه الصورة بالبراءة، إلّا إذا قلنا بجريان الاستصحاب. و قال شيخنا (قدس سره) في صورة إطلاق دليل التقييد إنّ مقتضاها سقوط الباقي، إلّا أن يثبت وجوبه بأمر آخر من أصل أو قاعدة على ما سيأتي، و زاد على هذه الصور الأربع ما إذا كانت الجزئية مستفادة من تعلّق الأمر بالمركّب، و أنّ حكمها هو السقوط عند تعذّر بعض الأجزاء، إلّا إذا كان هناك أمر آخر يتعلّق بالباقي بعد سقوط الأمر الأوّل، و سيأتي البحث عنه في المقام الثاني الذي هو بحث عن الاستصحاب و قاعدة الميسور.

قال في الكفاية في مبحث الواجب الموقت: ثمّ إنّه لا دلالة للأمر بالموقّت بوجه على الأمر به في خارج الوقت بعد فوته في الوقت، لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر به. نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت، و كان لدليل الواجب إطلاق، لكان قضية إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت، و كون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله. و بالجملة: التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب، كذلك ربما يكون بنحو تعدّد المطلوب، بحيث كان أصل الفعل و لو في خارج الوقت مطلوباً في الجملة و إن لم يكن بتمام المطلوب، إلّا أنّه لا بدّ في إثبات أنّه بهذا النحو من دلالة، و لا يكفي الدليل على الوقت إلّا فيما عرفت [كفاية الأُصول: 144].

417

و لا بدّ حينئذ في دفع الإشكال من أن يقال: إنّ كلّ ما هو من الأدلّة المنفصلة المتضمّنة لأنّ الركوع مثلًا معتبر في الصلاة، أو أنّه جزء منها، أو قوله: اركع في صلاتك، أو قوله: لا صلاة إلّا بركوع، كلّ هذه الألسنة تومئ إلى مفاد واحد، و هو كون الركوع مأموراً به نفسياً ضمنياً في ضمن الأمر بالصلاة، و حينئذٍ فلو قلنا إنّ الركوع جزء في الصلاة إذا تمكّنت منه و قدرت عليه، كان محصّله هو أنّ كون الركوع مأموراً به في ضمن الأمر بالصلاة مشروط بالقدرة عليه، فلو لم يكن الركوع مقدوراً لم يكن مأموراً به في ضمن الأمر بالصلاة، و كان الأمر بها منبسطاً على ما عداه من أجزائها، على وجه أنّ ملاك الأمر النفسي الضمني الذي هو كونه في حدّ نفسه ذا صلاح، و أنّ صلاح باقي الأجزاء متوقّف على إيجاده في ضمنها، لا يكون موجوداً عند عدم القدرة، كما هو الشأن في كلّ ما يكون من التكاليف مشروطاً شرعاً بالقدرة، من أنّه عند عدم القدرة عليه يكون ملاكه و خطابه ساقطاً، و إذا تحقّق سقوط الأمر الضمني بالركوع خطاباً و ملاكاً عند عدم القدرة عليه، كان‏

418

محصّله وجوب الباقي و عدم توقّف ملاكها على حصوله، و حينئذٍ فتكون الصلاة صحيحة عند عدم الركوع الناشئ عن عدم القدرة عليه.

و يقابل هذا التقييد إطلاق ذلك الدليل الدالّ على جزئية الركوع، الكاشف عن أنّ منشأ انتزاع تلك الجزئية للركوع و هو التكليف الضمني لا يكون مقيّداً بالقدرة، بل يكون شاملًا لمورد القدرة عليه و عدم القدرة عليه، و ليس ذلك عبارة عن شمول الخطاب بالركوع في ضمن الأمر بالصلاة لمن هو غير قادر عليه، لعدم إمكان خطاب غير القادر، بل إنّه عبارة عن كون ملاك ذلك الأمر الضمني بالركوع الذي هو صلاحه و توقّف صلاح البواقي على وجوده مطلقاً شاملًا لمورد القدرة عليه و عدم القدرة، و يكون حال الأمر بالمجموع المنبسط على الركوع و غيره حال بقية الأوامر في كونها غير مقيّدة شرعاً بالقدرة على متعلّقها، و كونها من حيث الملاك مطلقة شاملة للمقدور و غيره، و أنّه لم يسقط بواسطة عدم القدرة إلّا الخطاب، و يكون تقييد ذلك الخطاب بمورد القدرة على متعلّقه تقييداً عقلياً لا شرعياً، و إذا ثبت إطلاق ملاك الأمر الضمني بالركوع، أعني أنّه كان توقّف مصلحة الأجزاء الباقية على وجود الركوع توقّفاً مطلقاً، سواء كان الركوع مقدوراً أو غير مقدور، كان ذلك عبارة أُخرى عن عدم صحّة الصلاة عند عدم الركوع، و لو كان انعدامه لأجل عدم القدرة عليه.

و حينئذٍ لا تكون تلك البواقي مأموراً بها في ذلك الحال، أعني حال عدم القدرة على الركوع، لعدم الصلاح فيها في ذلك الحال، فلا وجه حينئذ لتصوّر أمر جديد متعلّق بها، سواء كان من دليل مستقل أو من قاعدة الميسور.

و بالجملة: أنّه مع قيام الدليل على أنّه لا مصلحة في البواقي عند تعذّر الركوع لا يعقل أن تكون مأموراً بها، سواء كان ذلك بأمر جديد لأجل دليل‏

419

خاصّ، أو كان بابقاء الأمر السابق المتعلّق بها في ضمن تعلّق الأمر بالمجموع منها و من الركوع استناداً إلى استصحاب ذلك الأمر، أو كان بابقاء الأمر بالكل استناداً إلى استصحابه أو إلى قاعدة الميسور بنحو من التسامح، فإنّ هذه الوجوه كلّها إنّما تتصوّر فيما لو كان دليل الجزئية مجملًا مردّداً بين التقييد و الاطلاق المذكورين، أمّا لو كان مطلقاً فقد عرفت حكمها.

و منه يظهر لك الحال فيما لو كان دليل التقييد مقيّداً بحال التمكّن، فإنّه يكون كدليل اجتهادي على وجوب الباقي عند تعذّر القيد، سواء كان دليل المقيّد مطلقاً أو كان مجملًا.

ثمّ لا يخفى أنّ لازم الصورة [الثانية] و هي كون الأمر الضمني بالركوع مطلقاً بالنسبة إلى كونه مقدوراً و كونه غير مقدور، هو كون الأمر المتعلّق بالمجموع مطلقاً من حيث القدرة على الركوع و عدمها، و ذلك واضح.

كما أنّ لازم الصورة الأُولى، و هي صورة تقييد الأمر الضمني بالركوع بالقدرة عليه، هو تقييد الأمر بالمجموع منه و من الباقي بتلك القدرة، و لازم ذلك هو سقوط الأمر بذلك المجموع عند عدم القدرة على الركوع، إلّا أنّ ذلك لا ينافي الأمر بما عدا الركوع من ذلك المجموع، بالنظر إلى أنّ صلاحها لا يتوقّف في حال عدم القدرة على الركوع على وجود الركوع، فإنّ كون انتفاء الأمر بالمجموع لأجل انتفاء قيده لا يدلّ على وجوب الباقي، إنّما هو فيما يكون من قيود الأمر بالمجموع الراجعة ابتداءً إلى نفس الأمر بالمجموع، أمّا قيوده الناشئة عن تقيّد انبساطه على الركوع، بأن كان المقيّد هو انبساط الأمر بالمجموع على الركوع، فلا يكون موجباً إلّا لانتفاء انبساطه على الركوع، و إن صحّ لنا أن نقول إنّه قد انتفى الأمر بالمجموع، فإنّه بمعنى أن قد انتفى المجموع من حيث المجموع. و بعبارة

420

أوضح: أنّ المنتفي هو الانبساط على الركوع لا ذات الأمر، فتأمّل.

و الحاصل: أنّ خلاصة التقييد المذكور هو أنّ صلاح الأمر بالمجموع إنّما يتوقّف على وجود الركوع على وجه يقتضي كون الركوع مأموراً به في ضمن الأمر بالمجموع منحصر بصورة التمكّن من إيجاد الركوع، أمّا مع عدم التمكّن منه فلا تكون المصلحة في ذلك المجموع موقوفة على وجود الركوع، بل يكون ذلك المجموع ذا مصلحة في ذلك الحال، أعني حال عدم الركوع الناشئ عن عدم القدرة عليه، فيكون المجموع مأموراً به مع فرض عدم الركوع في ضمنه، و ذلك عبارة أُخرى عن كون الباقي مأموراً به، و ذلك نظير وجوب الركعتين الأخيرتين في ضمن وجوب صلاة الظهر على الحاضر، مع عدم وجوبهما في ضمن ذلك الوجوب على المسافر. و من ذلك يظهر لك أنّ هذه الطريقة لو تمّت فليست هي من قبيل تعدّد المطلوب، بل هي من قبيل تنويع المكلّفين.

و لا يخفى أنّ طريقة تعدّد المطلوب و إن كانت أسهل من هذه الطريقة، إلّا أنّها تتمّ فيما لو كان في البين واجب أصلي يكون هو المطلوب الأوّلي، و يكون باقي الأجزاء و تقيّده بها مطلوباً ثانوياً مقيّداً بالقدرة عليه، دون ما لو كان وجوب كلّ واحد من الأجزاء مقيّداً بالقدرة عليه.

اللهمّ إلّا أن نجعل ما هو المطلوب الأصلي هو آخر درجات صلاة المضطرين، و هي مجرّد النيّة و التوجّه إليه تعالى، و باقي الأجزاء و الشرائط مطلوباً ثانوياً مقيّداً بالقدرة عليه.

ثمّ لا يخفى أنّ لازم طريقة التقييد المزبورة، بل لازم طريقة تعدّد المطلوب أيضاً، هو كون وجوب جميع الأجزاء و الشرائط التي دلّ الدليل على سقوطها بالتعذّر من قبيل ما هو المشروط بالقدرة الشرعية، و حينئذٍ يشكل الأمر فيما لو

421

فرض مزاحمة بعضها لبعض، فما هو المقدّم، و فيما لو زاحمها غيرها من الواجبات الأُخر، مثل ما لو زاحمت إزالة النجاسة عن المسجد مثلًا لبعض تلك الأجزاء، فما هو المقدّم من ذلك، و قد تعرّضنا لذلك في باب التزاحم، و لا يبعد القول بسقوط تلك الأجزاء فيما لو زوحمت بمثل إزالة النجاسة عن المسجد، فيما لو كان الوقت ضيّقاً لا يسعهما، دون ما لو كان وقت الصلاة واسعاً، فإنّ وجوب أجزائها يتحوّل إلى ما بعد هذا الفرد المزاحم على ما أوضحناه في باب التزاحم‏ (1)، فراجع.

و بتقريب أوضح: أنّه إذا لم يكن لنا إلّا مصلحة واحدة قائمة بالمجموع من الأجزاء و الركوع، أو كان لما عدا الركوع مصلحة خاصّة، لكنّها متوقّفة على ضمّ الركوع إليها توقّفاً مطلقاً حتّى في حال عدم القدرة على الركوع، لم يكن لنا في مقام الثبوت إلّا وجوب واحد متعلّق بالمجموع، و لا وجه لوجوب آخر يتعلّق بما عدا الركوع عند عدم التمكّن منه، إلّا إذا كانت هناك مصلحة أُخرى فيما عدا الركوع تحدث عند تحقّق العجز عن الركوع، مع فرض أنّه ليس في المجموع المركّب إلّا مصلحة واحدة قائمة بالمجموع، و هذه الصورة المستثناة هي الصورة الثالثة.

أمّا لو كان لما عدا الركوع مصلحة خاصّة، و كانت تلك المصلحة متوقّفة على وجود الركوع، لكن ذلك التوقّف منحصر بما إذا تمكّن المكلّف من الركوع، أمّا إذا لم يتمكّن منه فلا تكون مصلحة ما عداه متوقّفة على وجوده، كان لنا في مقام الثبوت وجوبان، أوّلي و هو المتعلّق بما عدا الركوع، و ثانوي و هو وجوب المجموع في خصوص حالة التمكّن من الركوع، فيكون الحاصل هو إيجاب ما

____________

(1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 140 و 179 و 273.

422

عدا الركوع، ثمّ إيجاب الصلاة مع الركوع عند التمكّن منه، و هو محصّل تعدّد المطلوب، و يكون وجوب المجموع المركّب من الركوع مشروطاً بالقدرة الشرعية على الركوع.

و لو كان الواقع بالعكس، بأن كانت المصلحة الأوّلية منوطة بالركوع، بمعنى أنّ لنا مصلحة واحدة قائمة بالمجموع المركّب من الركوع، لكن لو عجز عنه كانت هناك مصلحة أُخرى ثانوية قائمة بما عداه، كان محصّله هو وجوب الصلاة مع الركوع، و إذا عجز عنه كان الواجب هو ما عدا الركوع، و في هذه الصورة يمكن القول بأنّ الوجوب الوارد أوّلًا على الصلاة مع الركوع غير مشروط بالقدرة الشرعية، و يكون الوجوب الوارد على ما عداه مشروطاً بالعجز عن الركوع‏ (1).

و قالب الصورة الأُولى هو أن يقول: صلّ مع الركوع مطلقاً، و قالب الصورة الثانية هو صلّ و إن تمكّنت من الركوع فصلّ مع الركوع، على وجه يكون كونها مع الركوع مقيّداً بحال التمكّن منه، و قالب الصورة الثالثة هو صلّ مع الركوع و إن عجزت عنه فصلّ بلا ركوع، هذا هو ما يتصوّر في مقام الثبوت.

و ربما كان الواصل إلينا في مقام الاثبات هو أحد هذه القوالب، و ربما لم يصل إلينا شي‏ء من هذه القوالب، و لكن يكون الواصل إلينا هو قوله: صلّ، مع وجود دليل آخر يقول: إنّ الركوع جزء من الصلاة، أو أنّه واجب في الصلاة، أو نحو ذلك من الأدلّة اللفظية، التي لا يكون محصّلها إلّا الإشارة إلى ذلك الأمر النفسي الضمني الوارد على الركوع في ضمن الأمر الوارد على الصلاة، فإن كان‏

____________

(1) و لا يخفى أنّ في هذه الصورة كما يتأتّى الاحتمال المذكور، فيمكن أن يتأتّى في الصورة الأُخرى أعني القيدية المطلقة، بأن يحتمل عند انتفاء قيد المصلحة الأُولى حدوث مصلحة جديدة [منه (قدس سره)‏].

423

ذلك الدليل مقيّداً بحال التمكّن منه تنزّل على الصورة الثانية التي يكون مقتضاها وجود الأمر بما عداه عند عدم التمكّن، و إن كان مطلقاً نزّلناه على الصورة الأُولى التي يكون مقتضاها عدم وجوب الباقي عند تعذّر الركوع، إلّا إذا دلّ دليل آخر على وجوبه الكاشف عن حدوث مصلحة جديدة تتعلّق بالباقي عند تعذّر الركوع، و مع احتمال ذلك يكون المرجع هو البراءة، و هذه هي الصورة الثالثة المختصّة بما إذا كانت مصلحة المجموع مصلحة واحدة قائمة بالمجموع، فإنّها هي القابلة لاحتمال حدوث مصلحة جديدة تحدث عند العجز عن الركوع، بخلاف الصورة الثانية من صورتي الأُولى، أعني ما لو كان لخصوص ما عدا الركوع مصلحة خاصّة متوقّفة على الركوع توقّفاً مطلقاً، فإنّها لا مجال فيها لاحتمال الأمر بالباقي بعد تعذّر الركوع كي نحتاج فيها إلى أصالة البراءة.

و بالجملة: مع إطلاق الدليل إن نزّلناه على الصورة الأُولى من الصورة الأُولى، كان معه مجال لاحتمال التكليف بالباقي عند تعذّر الركوع، بخلاف ما لو نزّلناه على الثانية منهما، و لو دار الأمر بينهما كان للبراءة مجال أيضاً، و لو كان ذلك الدليل مجملًا كان أيضاً للبراءة مجال، فلاحظ و تدبّر (1)

____________

(1) و لكن يمكن تأتّي هذا الاحتمال حتّى على الثانية، فإنّ مصلحة ما عدا الركوع و إن توقّفت توقّفاً مطلقاً على الركوع، إلّا أنّه من الممكن أن تحدث لما عدا الركوع مصلحة مختصّة بحال تعذّره تكون علّة في إيجابه، و حينئذٍ تستوي الصورتان في هذا الاحتمال، فينفتح باب الرجوع إلى البراءة في كلّ منهما.

و حيث قد ظهر لك أنّه عند كون القيدية مطلقة بكلّ من صورتيها، يحتمل وجوب الباقي بوجوب جديد لمصلحة جديدة حادثة عند تعذّر الركوع مثلًا، فيرجع في ذلك إلى أصالة البراءة، تعرف أنّه عند تردّد الأمر بين كون القيدية مطلقة و كونها مقيّدة بحال التمكّن من الركوع و لم يكن لأصل الأمر إطلاق، يكون وجوب الباقي محتملًا فينفى بالبراءة، و إن كان على تقدير كون القيدية مقيّدة يكون وجوب الباقي غير حادث، بل يكون موجوداً من أوّل الأمر، لكنّا لمّا كنّا نحتمل إطلاق القيدية الملازم لعدم وجوب الباقي من أوّل الأمر، و أنّه لو كان في البين وجوب في الباقي لكان حادثاً، و أنّ ذلك ليس بملازم لاطلاق القيدية، بل كان من باب الاحتمال، كان وجوب الباقي عند التردّد في القيدية بين الاطلاق و التقييد مع فرض عدم إطلاق الأمر الأصلي مردّداً بين كونه موجوداً من أوّل الأمر، و كونه حادثاً بحدوث تعذّر الركوع، و بين العدم بحيث لا يكون موجوداً من أوّل الأمر كما هو قضية تقييد القيدية، و لا حادثاً بحدوث العجز عن الركوع كما هو أحد الاحتمالين في إطلاق القيدية، فأصالة البراءة تنفي كلًا من الاحتمالين أعني احتمال قيدية التقييد و احتمال الحدوث على تقدير إطلاق التقييد، و تعيّن الاحتمال الآخر في إطلاق التقييد، و أنّه عند تعذّر الركوع يسقط الأمر بالمركّب و لا يحدث وجوب جديد للباقي عند تعذّر الركوع. نعم يبقى الكلام في جريان قاعدة الميسور في مورد ثبوت إطلاق دليل التقييد، و سيأتي [في الصفحة: 455] إن شاء اللَّه تعالى الكلام عليه عند تعرّضه له في ص 89 [منه (قدس سره)‏].

424

و توضيح الأقسام: أنّه لو كان لما عدا الركوع مصلحة تخصّه، لكنّها كانت متوقّفة على وجود الركوع توقّفاً مطلقاً، كان مقتضاه الأمر بالصلاة المشتملة على الركوع بقول مطلق، و هذه هي الصورة الأُولى. و إن كان التوقّف المذكور منحصراً بصورة التمكّن من الركوع، كان مقتضاه هو الأمر بالصلاة المشتملة على الركوع إن تمكّن منه، و إلّا كان مأموراً بما عداه، و هذه الصورة الثانية.

و لا مورد للبراءة في هاتين الصورتين. نعم يمكن احتمال ذلك في الصورة الأُولى و لو بعيداً، بأن تكون هناك مصلحة أُخرى في الباقي تحدث عند عدم التمكّن من الركوع، غير تلك المصلحة التي كانت مقيّدة مطلقاً بوجود الركوع.

و أمّا لو لم يكن في البين إلّا مصلحة قائمة بالمجموع، كان مقتضاه الأمر

425

بالمجموع من دون تقييد بالقدرة على الركوع، كما هو الحال في الصورة الأُولى، إلّا أنّه في هذه الصورة التي هي الصورة الثالثة، لا مانع من وجود مصلحة أُخرى تحدث عند العجز عن الركوع، توجب أمراً جديداً متعلّقاً بالصلاة ما عدا الركوع مقيّداً بالعجز عن الركوع، و عند احتمال ذلك يكون المرجع هو البراءة.

و حينئذٍ نقول: لو كان دليل الجزئية مطلقاً نزّلناه على الصورة الأُولى، و يمكن دخول الصورة الثالثة فيه. و لو كان مقيّداً بحال التمكّن من الركوع نزّلناه على الصورة الثانية، و يمكن أن تدخل فيه الثالثة عند حدوث مصلحة جديدة تقتضي إيجاباً جديداً للباقي، فتأمّل.

و الخلاصة في توجيه إطلاق الجزئية و الشرطية، أو تقييدهما بصورة القدرة بناءً على عدم جعل الجزئية و الشرطية و إنكار التقييد في الأوامر الغيرية، بل إنكاره في الأوامر النفسية الضمنية كما يستفاد من قول شيخنا (قدس سره): فالقدرة إنّما تعتبر أيضاً في المجموع لا في الآحاد الخ‏ (1)، هو أن يقال: إنّه لو أُمر المكلّف بالصلاة ثمّ قيل له: صلّ متطهّراً، الذي هو عبارة عن الأمر بالمجموع المركّب من الصلاة و الطهارة لها، فهذا القول- و هو قوله: صلّ متطهّراً- يدلّ على مدخلية الطهارة في ملاك الصلاة على وجه لا ملاك لها و لا يؤمر بها لو كانت فاقدة للطهارة، فلو ألحقه بقوله: إن كنت قادراً على الطهارة، كان ذلك عبارة أُخرى عن أنّه إن لم يكن قادراً على الطهارة لم يكن مأموراً بالصلاة متطهّراً، و سقط ذلك الأمر خطاباً لا ملاكاً، لكن لو جاء بالصلاة فاقدة للطهارة في ذلك الحال أعني في حال تعذّرها، لم تكن خالية من الملاك، لأنّ توقّف ملاكها و توقّف الأمر بها على وجود الطهارة مشروط بالقدرة، فلو كان هناك إطلاق في الأمر الأوّل أعني قوله صلّ، كان كافياً في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 253.

426

وجوب الباقي، و إن لم يكن لنا ذلك الاطلاق، كان المرجع إلى مثل قاعدة الميسور، و لكن يكون ذلك الأمر بالباقي أمراً جديداً، و كذا لو كانت الصلاة في نفسها خالية من الملاك، و كان حدوث الملاك لها بانضمام الطهارة إليها في خصوص كون الطهارة مقدورة، يكون الوجوب للباقي لو قلنا به وجوباً جديداً، و إن أمكن إثباته بقاعدة الميسور بنحو من المسامحة، هذا كلّه لو قال: صلّ متطهّراً إن كنت قادراً على الطهارة، و هذا هو المعبّر عنه بكون دليل التقييد مقيّداً.

و لو جرّده من هذا القيد و اقتصر على مجرّد قوله: صلّ متطهّراً، كانت مدخلية الطهارة في ملاك الصلاة مطلقة، و عند تعذّر الطهارة يسقط الأمر المتعلّق بالصلاة مع الطهارة خطاباً و ملاكاً، و كان مقتضاه عدم وجوب الباقي، لكن لو دلّ دليل على وجوبه فهو وجوب آخر حتّى لو كان من قبيل اختلاف المرتبة، بأن تكون الصلاة في حدّ نفسها ذات صلاح بعشر درجات، لكن إذا وقعت مع الطهارة كانت بعشرين، فهذا الوجوب المتعلّق بالصلاة مع الطهارة الناشئ عن صلاح عشرين يسقط عند تعذّر الطهارة ملاكاً و خطاباً، و يحدث وجوب آخر متعلّق بالصلاة الفاقدة للطهارة.

[كلام مبسوط حول قاعدة الميسور]

و الذي تلخّص: أنّ الأمر بالباقي لا يكون إلّا جديداً، و يكون مبايناً للأمر بالمركّب، غير أنّه بالنظر العرفي يكون بعض مراتبه، على وجه يكون الفاقد ميسوراً للواجد، و لو لاحظنا الدقّة و أنّ الأمر المتعلّق بالفاقد مغاير للأمر المتعلّق بالواجد، و أنّه أمر جديد لا أنّه باقٍ من الأوّل، ينسدّ باب قاعدة الميسور.

و مما ينبغي الالتفات إليه أنّهم قصروا الكلام في هذا المقام على قوله (صلى اللَّه عليه و آله):

«إذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا منه ما استطعتم» (1) و قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لا يسقط الميسور

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 58/ 206 (مع اختلاف يسير)، بحار الأنوار 22: 31.

427

بالمعسور» (1) و قوله (عليه السلام): «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2) و لم يتعرّضوا لقاعدة العسر و الحرج المستفادة من الآية الشريفة بضميمة رواية عبد الأعلى في المرارة على الإصبع، و قوله (عليه السلام): «إنّ هذا و شبهه يعرف من كتاب اللَّه‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (3)» (4) فكانت الآية الشريفة نافية لوجوب الجزء المتعذّر، و مثبتة لوجوب الباقي، كما شرحناه في الفقه فيما علّقناه على العروة في وجوب المسح من الوضوء (5)، فراجع.

قوله: أمّا قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشي‏ء» الخبر ... الخ‏ (6).

روي أنّه (صلى اللَّه عليه و آله) خطب فقال: «إنّ اللَّه كتب عليكم الحجّ، فقام عكاشة و يروى سراقة بن مالك، فقال: في كلّ عام يا رسول اللَّه، فأعرض عنه حتّى أعاد مرّتين أو ثلاثاً، فقال (صلى اللَّه عليه و آله): ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم، و اللَّه لو قلت نعم لوجب، و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتم (ما تركتكم)، و إنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه» (7).

و الظاهر أنّه لا يصحّ أن يكون المراد بالاستطاعة الاستطاعة العقلية، لأنّ قوله: «لو وجب ما استطعتم» الخ، يعطي الملازمة بين الوجوب و عدم‏

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 58/ 205 (مع اختلاف يسير).

(2) عوالي اللآلي 4: 58/ 207.

(3) الحج 22: 78.

(4) وسائل الشيعة 1: 464/ أبواب الوضوء ب 39 ح 5 (مع اختلاف يسير).

(5) مخطوط لم يطبع بعدُ.

(6) فوائد الأُصول 4: 254.

(7) بحار الأنوار 22: 31 (مع اختلاف يسير).

428

الاستطاعة، يعني أنّه لو وجب في كلّ عام مرّة لكان ذلك غير مستطاع، فلو كان المراد من الاستطاعة هنا عدم القدرة العقلية، لم تكن الجملة المذكورة صحيحة، إذ ليس وجوب الحجّ في كلّ عام غير مقدور عقلًا. مضافاً إلى أنّه لا يصحّ ما رتّبه (صلى اللَّه عليه و آله) على عدم الاستطاعة من قوله: «و لو تركتم لكفرتم» فإنّ ترك غير المقدور لا يوجب العصيان فضلًا عن الكفر، فهاتان الجهتان مانعتان من حمل الاستطاعة في هذا المقام على القدرة العقلية، و هما أيضاً مانعتان من حمل الاستطاعة على ما يقابل العسر و الحرج، فإنّ وجوب الحجّ في كلّ عام و إن كان فيه العسر و الحرج بالنسبة إلى بعض المكلّفين، إلّا أنّه لا عسر فيه بالنسبة إلى البعض الآخر، و ذلك كافٍ في عدم صحّة الجملة المتضمّنة لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «و لو وجب ما استطعتم» و هي الجهة الأُولى من الإشكال.

أمّا الجهة الثانية منه، فهي واردة أيضاً على هذا التقدير، لأنّ ترك ما فيه العسر و الحرج لا يكون موجباً للعقاب، لقوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فكيف يصحّ أن يقول (صلى اللَّه عليه و آله): «و لو تركتم لكفرتم» فلا بدّ أن يكون المراد من الاستطاعة في المقام الاستطاعة العرفية، في قبال مشقّة التكليف و إن لم يكن حرجياً، نظير قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لو لا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك» (1) إذ لا يتضمّن الأمر بالسواك إلّا مجرّد مشقّة التكليف، من دون أن يكون في البين بالنسبة إلى غالب المكلّفين تكليف بغير المقدور أو بما فيه العسر و الحرج، و حينئذٍ فيكون محصّل قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لو قلت في كلّ عام لوجب، و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم» هو أنّه لو أوجب عليهم الحجّ في كلّ عام لكان في ذلك مشقّة زائدة على مشقّة التكليف به في العمر مرّة، و لو تركوه لأجل تلك‏

____________

(1) وسائل الشيعة 2: 17/ أبواب السواك ب 3 ح 4.

429

المشقّة غير البالغة حدّ عدم القدرة العقلية، و غير البالغة لحدّ العسر و الحرج، لكان ذلك الترك منجرّاً إلى العصيان و التمرّد و الطغيان، و كان ذلك بالأخرة منتهياً إلى الكفر و الارتداد.

و من ذلك يظهر لك أنّ هذا الحديث الشريف أجنبي عن محلّ البحث بمراحل، و لعلّ المراد من قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «ما استطعتم» هو عدم توطّن نفوسكم على الامتثال، و أنّ نفوسكم لا تطيق الصبر على التكليف الزائد على الاتيان بالفعل مرّة، على حذو قوله: «إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ» (1).

و على كلّ حال، فإنّ «ما» في قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا منه ما استطعتم» إمّا أن تكون موصولة أو ظرفية مصدرية، فإن كانت موصولة كانت مفعولًا لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «فاتوا» و حينئذٍ يتعيّن في «من» أن تكون بيانية أو تبعيضية، و على هذا التقدير لا يستقيم جعلها بمعنى الباء، و ذلك واضح لا يكاد يخفى.

و إن جعلنا لفظ «ما» مصدرية ظرفية، تعيّن في لفظ «من» أن تكون صلة لقوله: «ائتوا» على معنى الباء، و لا يصحّ حينئذ جعلها بيانية، و ذلك واضح.

و أيضاً لا يصحّ جعلها للتبعيض لو حمل الشي‏ء على الكلّ، لأنّ محصّله حينئذ هو أنّه إذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا بعضه ما دمتم مستطيعين، و هذا غير مستقيم، لأنّ التقييد بالاستطاعة إنّما يناسب الأمر بالاتيان بالكلّ، لا الأمر بالاتيان بالبعض. نعم لو حمل الشي‏ء على الكلّي صحّ جعل «من» للتبعيض، ليكون المعنى فاتوا البعض من ذلك الكلّي مدّة استطاعتكم. و الحاصل: أنّ حمل لفظة «من» على التبعيض من حيث الأجزاء لا يجتمع مع حمل لفظة «ما» على الظرفية المصدرية.

و على كلّ حال، لو حملناها على المعنى الثاني أعني كون «ما» مصدرية

____________

(1) محمّد 47: 37.

430

و كون «من» بمعنى الباء، يكون المتحصّل: أنّه إذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا به ما دمتم مستطيعين له، و يكون الحديث أجنبياً عن البحث، و هو أنّه عند تعذّر بعض الأجزاء هل يجب الباقي. و لكن هل فيه دلالة على لزوم تكرار المأمور به ما دام المكلّف مستطيعاً، أو لا دلالة له على ذلك، لا يبعد القول الثاني، إذ لا دلالة فيه على أزيد من لزوم الاتيان بالمأمور به عند الاستطاعة، فيكون وزانه وزان قولك:

ائت بالمأمور به إن كنت مستطيعاً.

و لو منعنا من ذلك و قلنا بأنّ التقييد بالظرفية المصدرية يعطي التكرار بخلاف التقييد بلفظ إن الشرطية، فلا محيص من حمله على المعنى المستفاد من التقييد بإن الشرطية، و لو من جهة الإجماع على عدم وجوب التكرار، بل على عدم استحبابه إلّا في بعض الموارد مثل الحجّ، على أنّه لم يثبت أنّ المتكرّر هو الحجّ الأصلي، أعني حجّة الإسلام، نعم لو حملت لفظة «من» على التبعيض كانت دالّة على لزوم التكرار مدّة الاستطاعة.

و على كلّ حال، أنّ ذلك بحث آخر هو خارج عمّا نحن بصدده، و لا يفرق في هذا الذي ذكرناه بين كون الاستطاعة هي القدرة أو معنى آخر ممّا تقدّم ذكره.

هذا كلّه لو حملنا لفظ «ما» على الظرفية المصدرية، و لو حملناها على الموصول و على كون «من» بيانية، فهذه الجملة في حدّ نفسها و إن كانت صالحة للأفراد كما أنّها صالحة للأجزاء، بأن يكون المراد بالموصول هو الأفراد المستطاعة، أو المراد به هو الأجزاء المستطاعة، لكن المورد موافق للأوّل، و حينئذٍ فلا يمكن إرادة الثاني- أعني الأجزاء- إلّا بجعل المراد بالشي‏ء هو الأعمّ من الكلّي و الكل، و جعل المراد من الموصول هو الأعمّ من الأفراد و الأجزاء، و الظاهر أنّه لا مانع منه، إذ لا يلزم من ذلك استعمال لفظ «من» في معنيين، بل‏

431

هي باقية على معناها الذي هو البيانية للموصول.

لكن هذا كلّه مبني على أنّ المراد من الاستطاعة الاستطاعة الراجعة إلى القدرة، أو الراجعة إلى ما يقابل العسر و الحرج، و قد عرفت فيما تقدّم عدم ملائمته لصدر الحديث، و حينئذٍ لا بدّ أن يكون المراد بهذه الاستطاعة هي تلك الاستطاعة المذكورة في صدر الحديث الشريف، و هي المقابلة لمشقّة التكليف، يعني إذا أمرتكم بشي‏ء فلا تتكلّفوا المشقّة الزائدة على أصل ما يقتضيه التكليف من الاتيان بصرف الطبيعة، فإنّ التكليف بالطبيعة و إن كان فيه مشقّة الاتيان بها في أوّل دفعة، إلّا أنّ الاتيان بها ثانياً مشقّة أُخرى، فيقول (صلى اللَّه عليه و آله): إنّه اذا أمرتكم بشي‏ء فافعلوا ذلك المقدار الذي لا يشتمل على المشقّة الزائدة على المشقّة في أصل التكليف.

و إن شئت قلت: إنّ المراد هو أنّه إذا أمرتكم بشي‏ء فلا تشقّوا على أنفسكم بالتكرار، بل افعلوا المقدار الذي يحصل به صرف الطبيعة، و هو ذلك المقدار المستطاع لكم، يعني الذي لا مشقّة فيه زائدة على أصل مشقّة التكليف بصرف الطبيعة، فإنّ الأمر بصرف الطبيعة فيه مشقّة الإتيان بها، و هذه المشقّة لازمة لكلّ أمر، إلّا أنّكم اقتصروا عليها و لا تتكلّفوا مشقّة أُخرى أي مشقّة التكرار، فسمّى الفعل الأوّل المأتي به مستطاعاً يعني لا مشقّة فيه، و يكون تطبيق الاستطاعة عليه بمعنى عدم المشقّة، من جهة عدم تكلّف المشقّة الأُخرى، [و] الحاصل أنّ هذه الجهة عرفية لسانية يعرفها صاحب الذوق و اللسان، و إن كنت في مقام البيان عاجزاً عن أدائها.

و ليس الحديث الشريف حاكماً بالتكرار كي يتكلّف في جوابه بالحمل على الاستحباب الذي لا يقولون به، إلّا إذا ورد به دليل يعتدّ به لأنّه من قبيل‏

432

الامتثال بعد الامتثال، و يشهد بهذا الذي ذكرناه قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه» في قبال الأمر الذي لا يعطي إلّا مطلوبية صرف الطبيعة، فقد تعرّض (صلى اللَّه عليه و آله) للفرق بين الأمر و النهي، و أنّ الأمر بالشي‏ء لا يلزم إلّا بالاتيان بصرف الطبيعة و لو في ضمن فرد واحد، و لا يقتضي تكلّف المشقّة بالاتيان بباقي الأفراد، بخلاف النهي فإنّه يوجب الامتناع و الاجتناب عن تمام الأفراد، و لم يتعرّض فيه للاستطاعة، إذ لا مشقّة في الترك كما هو واضح.

و من ذلك كلّه يظهر لك الحال فيما لو قلنا بأنّ لفظة «ما» موصولة، و أنّ لفظة «من» تبعيضية، فإنّه بناءً على ذلك يكون المتحصّل أنّه إذا أمرتكم بشي‏ء فاتوا من ذلك الشي‏ء الذي تستطيعونه، يعني الذي هو مصداق صرف الطبيعة، و لا تتكلّفوا المشقّة بالتكرار الزائد على ما يقتضيه تعلّق الأمر بصرف الطبيعة، فلا تشمل المركّب الذي تعذّر بعض أجزائه، إلّا على حمل الاستطاعة على القدرة، و حمل الشي‏ء على الأعمّ من الكلّي ذي الأفراد أو الكل ذي الأجزاء.

و لا يخفى أنّ حمل لفظة «من» على التبعيض يجتمع مع كونها متعلّقة بقوله: «فاتوا» على حذو قوله (عليه السلام): «أنزل الدنيا منزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك» (1) أو كونها متعلّقة بمستقر حال من الموصول. و ينبغي أن يكون هذا الثاني- أعني جعلها متعلّقة بمحذوف حالًا من الموصول- هو المراد من كونها بيانية، إذ ليس المراد بالبيانية هو بيان الجنس نظير قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ» (2) لأنّ ضابط ذلك هو صحّة حذفها و قيام الضمير مقامها و جعل الجملة خبراً للموصول، فيقال: ما في الأرض هو شجر، و هذه لا يتأتّى‏

____________

(1) بحار الأنوار 44: 139/ 6.

(2) لقمان 31: 27.

433

فيها الضابط المذكور، بل المراد من البيانية هو جعل الجار و المجرور حالًا من الموصول مع حفظ التبعيض للفظة من، فيكون محصّله فاتوا الذي تستطيعونه حالة كونه بعض المأمور به لكونه من جملة أفراده.

و يمكن جعلها بيانية صرفة، لانطباق الضابط المذكور عليها، فإنّ الضمير في قوله: «منه» لمّا كان راجعاً إلى المأمور به، صحّ لك أن تقول: إنّ الذي يستطيعونه هو المأمور به، لكون المأمور به هو صرف الطبيعة، و الفرد المستطاع هو عين المأمور به، هذا ما كنّا حرّرناه سابقاً، و الانصاف أنّه تطويل بلا طائل.

و الذي ينبغي أن يقال أوّلًا: إنّ لفظة «ما» في قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «فاتوا منه ما استطعتم» لا يمكن حملها على كونها موصولة، لأنّها حينئذ تكون مفعولًا به لقوله: «فاتوا» و هذا الفعل- و هو الاتيان- يتعدّى بنفسه إلى المأتي إليه، و ربما تعدّى إليه بواسطة إلى، أمّا المأتي به فهو إنّما يتعدّى إليه بالباء، سواء كان جوهراً مثل قولك: أتيت بالكتاب، أو كان فعلًا من الأفعال مثل قولك: أتيت بالصلاة أو بالصيام مثلًا، و لا يتعدّى هذا الفعل إلى المأتي به بنفسه، فلا يقال: أتيت الكتاب أو أتيت الصيام، بمعنى جئت به، و حينئذٍ يكون المتعيّن في لفظة «ما» أن تكون ظرفية مصدرية، و بذلك يبطل‏ (1) كون لفظة «من» بيانية، ويتعيّن حملها على‏

____________

(1) و من ذلك يظهر لك التأمّل في كثير من العبائر التي ظاهرها الجمع بين كون «من» بيانية و كون «ما» ظرفية مصدرية، و من ذلك عبارة الشيخ (قدس سره) حيث يقول في مقام المناقشة في دلالة الحديث المذكور: لاحتمال كون «من» بمعنى الباء أو بيانياً و «ما» مصدرية زمانية [فرائد الأُصول 2: 390].

و لا يخفى أنّ هذا- أعني عدم كون لفظة «ما» موصولة و أنّها ظرفية مصدرية- هو المانع من كون لفظة «من» بيانية، لا أنّ المانع منها هو أنّ الضمير لا يكون بياناً كما في حاشية الأصفهاني [نهاية الدراية 4: 386]، كيف و هو كثير في القرآن و غيره، مثل قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ» و غيره و هو كثير. [منه (قدس سره)‏].

434

معنى الباء إن ثبت ذلك أو على التبعيض. و لو حملناها على معنى الباء تعيّن كون المراد بالشي‏ء هو الكلّي لا الكل، و لو حملناها على التبعيض فهو و إن كان في بادئ النظر يلتئم مع الكل و الكلّي، إلّا أنّه بعد التأمّل لا يلائم الكل، لأنّ المعنى حينئذ: إذا أمرتكم بكلّ ذي أجزاء فاتوا ببعض تلك الأجزاء مدّة استطاعتكم، و من الواضح أنّ التقييد بالاستطاعة إنّما يكون بالنسبة [إلى‏] تمام الكلّ لا بالنسبة إلى بعضه، و حينئذٍ يكون المتعيّن حملها على التبعيض من حيث أفراد الكلّي، و يكون ذلك هو ما يقتضيه لفظ الحديث مع قطع النظر عن مورده.

و يبقى الكلام في دلالته على التكرار. و يمكن دعوى كونه أجنبياً عنه أيضاً، بما احتملناه من كون عدم الاستطاعة في صدر الحديث كناية عن عدم موافقة نفوسهم للزيادة على ما يقتضيه أصل التكليف من المرّة، بمعنى أنّ نفوسهم لا تطيق الصبر على ذلك، فينجرّ ذلك إلى كفرهم و عنادهم، نظير قوله تعالى: «إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ» و حينئذٍ يكون قوله (صلى اللَّه عليه و آله): فاتوا به أو منه ما استطعتم، كناية عن الاكتفاء بالمرّة، التي لا يكون لها أهميّة على وجه تكون نفوسكم لا تطيق الصبر عليها، و يشهد بذلك مقابله و هو «إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه».

لا يقال: إنّ «أتى» تتعدّى إلى المأتي به بنفسها، و لأجل ذلك لو زيدت عليه الهمزة تعدّى إلى مفعولين، مثل: آتاك اللَّه الخير، فإنّ أصله أتيت الخير، بمعنى أتيت بالخير، ثمّ زيدت عليه الهمزة فصيّرت الفاعل و هو المخاطب مفعولًا أوّلًا، و بقي المفعول و هو المأتي به- أعني الخير- مفعولًا ثانياً.

435

لأنّا نقول: لو كان كذلك لكان محصّل الجملة الأصلية أتيت بالخير، فيكون محصّلها بعد دخول الهمزة: إنّ اللَّه جعلك آتياً بالخير، و ليس هذا بمراد، إذ ليس المخاطب هو الآتي، بل الآتي إنّما هو الخير، و المخاطب مأتي إليه، ليكون مفاد الأصل أنّك أتيت بالخير، و يكون مفاده بعد دخول الهمزة أنّ اللَّه جعلك آتياً بالخير، بل الآتي إنّما هو الخير و المخاطب مأتي إليه، و محصّل الأصل أتاك الخير، و محصّله بعد الهمزة أنّ اللَّه جعل الخير آتياً إليك، فهذه الهمزة صيّرت الخير و هو الفاعل في الأصل مفعولًا أوّلًا، و المفعول الأصلي الذي هو المخاطب مفعولًا ثانياً، فكان مقتضى القاعدة تقديمه، لقوله:

و الأصلُ سبقُ فاعلٍ معنىً كَمَن‏* * * مِن «ألبسَن مَن زاركم نسجَ اليَمَن» (1)

لكن قدّم المفعول الأصلي و هو المخاطب لكونه ضميراً، و مهما أمكن الاتّصال لا يجوز العدول عنه إلى الانفصال، و لأجل [ذلك‏] قدّم على المفعول الأوّل في مثل قوله تعالى: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» (2) و أصله ما أتاكموه الرسول، و قدّم المخاطب لكونه أخصّ، كما قال: و قدّم الأخصّ في اتّصال‏ (3)، و كأنّه لمثل هذه الجهات جعل المفعول الأصلي نائباً في مثل‏ «أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» (4)، و إلّا كان مقتضى القاعدة أن يكون نائب الفاعل هو الفاعل في الأصل و هو الكتاب، فلاحظ و تدبّر.

قال في القاموس و تاج العروس: و آتى إليه الشي‏ء- بالمدّ- إيتاء: ساقه‏

____________

(1) شرح ابن عقيل 1: 541.

(2) الحشر 59: 7.

(3) شرح ابن عقيل 1: 106.

(4) الإسراء 17: 71.

436

و جعله يأتي إليه، و آتى فلاناً شيئاً إيتاء: أعطاه إيّاه، و منه قوله تعالى: «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» (1) أراد- و اللَّه أعلم- أُوتيت من كلّ شي‏ء شيئاً، و قوله تعالى:

«وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» (2). و في الصحاح: آتاه أتى به، و منه قوله تعالى: «آتِنا غَداءَنا» (3) أي ائتنا به‏ (4).

و قال في التاج- قبيل هذه العبارة-: و قوله تعالى: «وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى‏» أي لا يتعاطون، انتهى.

قلت: قولهما: و آتى إليه الشي‏ء- بالمدّ- إيتاء: ساقه و جعله يأتي إليه، تصريح بما ذكرناه من أنّ معنى آتاه اللَّه الخير، صيّره و جعله يأتي إليه، غير أنّهما عدّيا آتى إلى المأتي إليه بإلى، لكن الغالب هو تعديته بنفسه، فكان الأنسب على الأغلب أن يقولا: و آتاه الشي‏ء، بدل قولهما: و آتى إليه الشي‏ء، و هذا المعنى هو بعينه المراد في قولهم: آتى فلاناً شيئاً إيتاء، فإنّ المراد ما عرفت من أنّه جعل الشي‏ء آتيا إلى فلان، و ليس المراد هو ما تخيّلاه من أنّه أعطاه إيّاه. و هكذا الحال في قوله تعالى: «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» و كذلك الحال في قوله تعالى: «وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» فإنّ مفعوله الآخر مقدّر، و المراد و اللَّه العالم: يؤتون الفقير الزكاة، أي يجعلونها واصلة إليه، و ليس المراد به يعطون، و إن كان لازمه ذلك.

و على كلّ حال، فليس المراد في قوله تعالى: «يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» أنّهم يؤتون‏

____________

(1) النمل 27: 23.

(2) المائدة 5: 55.

(3) الكهف 18: 62.

(4) القاموس المحيط 4: 297 (لم يَرِد فيه تمام المقطع المذكور). تاج العروس 10: 8 مادّة (أتَى). الصحاح 6: 2262 (أتا).

437

بها، ليكون من تعدية أتى إلى المأتي به بنفسه. و أمّا قوله تعالى: «وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى‏» فليس أيضاً من هذا القبيل، أعني من قبيل تعدية الاتيان إلى المأتي به، بل إنّه من قبيل تعديته إلى المأتي إليه، فإنّ الصلاة في الآية مأتي إليها، و المراد أنّهم لا يأتون إلى الصلاة.

و منه يظهر الحال في قوله تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ» (1) و قوله تعالى:

«وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا» (2) فإنّ المراد في جميع ذلك هو المأتي إليه، تنزيلًا للفاحشة و للبأس منزلة الشي‏ء الموجود الذي يؤتى إليه، و إن كان هو في الحقيقة من المأتي به، كما تضمّنته الآية الأُخرى و هو قوله تعالى: «يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (3) الخ، و منه يظهر لك التأمّل فيما أفاده الأصفهاني في حاشيته على الكفاية ص 298 (4).

لا يقال: إنّ الفعل المأتي به و هو مثل الصلاة لو صحّ تعدية الاتيان إليه على معنى كونه مأتياً إليه، فلِمَ لا تقولون بذلك في قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «فاتوا منه ما استطعتم» على الموصولية، على معنى فاتوا منه إلى ما استطعتم.

لأنّا نقول: إنّ إرادة الاتيان إليه لا يناسب مورد الحديث، لكن يناسب مورد الآية الشريفة، لأنّ المنظور إليه في الآية الشريفة هو حضورهم صلاة الجماعة، فكأنّها شي‏ء موجود و هم لا يأتون إليه إلّا و هم كسالى، لأنّ الغالب في الآية الشريفة هو النظر إلى هذه الجهة، سيّما بمناسبة كونهم كسالى، فإنّه يناسب فرض‏

____________

(1) النساء 4: 15.

(2) الأحزاب 33: 18.

(3) النساء 4: 19.

(4) نهاية الدراية 4: 386.

438

وجود الصلاة و هم يأتونها كسالى، بخلاف مورد الحديث فإنّ مورده هو الاستطاعة و القدرة، فهو إنّما يناسب الاتيان بالمستطاع، لا الاتيان إلى المستطاع، فإنّه ارتكاب تجوّز بلا جهة تدعو إليه، هذا.

مضافاً إلى أنّ ما استطعتم لو كان مأتياً إليه، لكانت صلته هي ما استطعتم الاتيان إليه، أو ما استطعتم إتيانه، لا ما استطعتموه كما هو ظاهر الحديث، فإنّ العائد فيه إلى الموصول هو ضمير مفعول لاستطعتم، و التقدير ما استطعتموه، و لو كان الموصول هو المأتي إليه لكان الحاصل فاتوا إلى الذي استطعتم الاتيان إليه من ذلك الشي‏ء.

و اعلم أنّ صاحب الكفاية استظهر كون «من» تبعيضية، لا بيانية و لا بمعنى الباء، غير أنّه تردّد في كون التبعيض بحسب الأجزاء أو كونه بحسب الأفراد، و جزم بأنّها في الحديث للثاني، لكون مورده هو الأجزاء، فقال: و دلالة الأوّل (و هو حديث ما استطعتم) مبنية على كون «من» تبعيضية لا بيانية و لا بمعنى الباء و ظهورها في التبعيض و إن كان ممّا لا يكاد يخفى، إلّا أنّ كونه بحسب الأجزاء غير واضح، لاحتمال أن يكون بلحاظ الأفراد. و لو سلّم فلا محيص عن أنّه هاهنا بهذا اللحاظ يراد، حيث ورد جواباً عن السؤال عن تكرار الحجّ بعد أمره به، فقد روي الخ‏ (1). و بنحو ذلك صرّح في تحرير السيّد سلّمه اللَّه عن شيخنا (قدس سره)(2)، لكنّه في هذا التحرير (3) بنى على أنّ التبعيض إنّما يلائم إرادة الأجزاء، و أنّ حملها على البيانية أو بمعنى الباء و إن كان بعيداً، إلّا أنّ مورد الحديث يعيّنه بعد فرض أنّه لا

____________

(1) كفاية الأُصول: 370.

(2) أجود التقريرات 3: 536.

(3) فوائد الأُصول 4: 255.

439

يمكن إرادتهما معاً من لفظة «من»، هذا.

و لكنّك قد عرفت أنّها في الحديث لا تكون إلّا للتبعيض، و أنّه فيه لا تكون إلّا للأفراد، مع قطع النظر عن كون ذلك هو مورد الحديث، فلاحظ و تأمّل.

قوله: إذ ليس فيه ما يوجب حمله على الميسور من الأفراد، بل ظاهره أنّ ميسور كلّ شي‏ء لا يسقط بمعسوره‏ (1).

هذا تعريض بما في الكفاية من قوله: حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها، لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد العام بالمعسور منها (2).

و لا يخفى أنّ كون الميسور بحسب الأفراد في قبال كونه بحسب الأجزاء، إن كان المراد به أفراد العام البدلي، فإن كان مع الاختلاف بين الميسور و المعسور في بعض القيود، مثل أن يجب عليه إكرام عالم هاشمي و قد تعذّر عليه إكرام العالم الهاشمي، و كان يمكنه إكرام عالم غير هاشمي، فهذا على تقديره يكون داخلًا في تعذّر الشرط فيما لو كان المأمور به مشروطاً و مقيّداً بقيد خاص و تعذّر عليه الشرط.

و إن كان مع التساوي، بأن كان الواجب عليه إكرام عالم و قد تعذّر عليه إكرام بعض العلماء، مع فرض كون إكرام أحد الباقين ميسوراً، فهذا ليس من الميسور و المعسور، بل إنّه لم يجب عليه إلّا إكرام شخص واحد من العلماء و قد تمكّن منه.

و إن كان المراد من الأفراد أفراد العام المجموعي، بأن كان الواجب عليه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 255.

(2) كفاية الأُصول: 371.

440

إكرام مجموع علماء البلد على نحو العام المجموعي، بحيث يكون موجباً للارتباط بين الاكرامات في مقام الاطاعة و العصيان، فهذا راجع إلى المركّب الارتباطي، غايته أنّ أجزاءه متساوية في الدخول تحت عام واحد، بخلاف باقي المركّبات فإنّ أجزاءها لا ترجع إلى عام واحد. و يبعد كلّ البعد أن يكون محطّ نظر صاحب الكفاية و نظر شيخنا 0 في مقام النفي و الاثبات هذا النحو من الأفراد.

و الظاهر أنّ مرادهما من الأفراد هي أفراد العام الانحلالي، كما إذا وجب عليه إكرام كلّ عالم و لكن تعذّر عليه إكرام بعضهم، و هذه الجهة من التحرير موجودة في كلمات الشيخ (قدس سره)(1)، و لكن ربما يشكل على ذلك بأنّ الأفراد الانحلالية يكون كلّ واحد منها مكلّفاً به تكليفاً مستقلًا، فلا يكون داخلًا تحت القاعدة، إذ لا يتوهّم أحد أنّ تعذّر أحد التكليفين يكون موجباً لسقوط التكليف الآخر، كي يكون صدور هذه الجملة في مقام دفع هذا التوهّم.

و توضيح الحال: أنّه لا ريب في أنّ نفس ما هو ميسور غير ما هو معسور، و إلّا لم يكن ميسور و معسور، و لكن مع ذلك لا بدّ من جهة جامعة توجب توهّم أنّ سقوط المعسور يوجب سقوط الميسور، لتكون الجملة دفعاً لذلك التوهّم كما في أفراد العام الانحلالي، و الجهة الجامعة الموجبة لذلك التوهّم هي دخولها تحت العام، فيتوهّم أنّ مثل أكرم العلماء تكليف واحد، و كما لو وجب الكل المركّب مثلًا من خمسة أجزاء، فكان كلّ واحد من تلك الأجزاء واجباً ضمنياً، فهاتيك الواجبات الضمنية لا يكون معسورها موجباً لسقوط ميسورها، و القدر الجامع بينها الموجب لتوهّم السقوط هو الأمر بالكل.

____________

(1) فرائد الأُصول 2: 392- 393.

441

و بناءً على هذا الوجه يكون الحديث شاملًا للأفراد و الأجزاء، و لا يحتاج في شموله للأجزاء إلى التسامح العرفي، بل يكون الحديث جارياً حتّى لو بقي جزء واحد، لكن الشأن كلّ الشأن في ظهور الحديث في إرادة هذا المعنى، لامكان أن يكون المراد منه هو ورود الميسور و المعسور على شي‏ء واحد يكون له ميسور و معسور، و ذلك أنّه يكون ببعض مراتبه معسوراً و ببعض مراتبه ميسوراً، فالمرتبة الميسورة من ذلك الواجب لا تسقط بسقوط المرتبة المعسورة منه، و حينئذٍ يختصّ مفاده بالمركّبات، فيكون الاختلاف بين ميسور ذلك المركّب و معسوره اختلافاً في المرتبة، فإنّ الأمر بالمركّب له مرتبة عليا و هي الأمر بالكل، و أنزل منها و هي الأمر بالبعض، فإنّه مرتبة من الأمر المتعلّق بالكل، فالأمر واحد و إنّما اختلفت مرتبة المأمور به.

و حينئذٍ يصحّ لنا أن نقول: إنّ ذلك الأمر الواحد أو إنّ ذلك المأمور به الواحد لا يسقط الميسور منه بالمعسور، و هذا إنّما يكون إذا كان أحدهما بحسب النظر العرفي عين الآخر، و أنّه لا اختلاف بينهما إلّا بحسب المرتبة القريبة الموجبة لكون المعسور عين الميسور، بحيث يصدق عليه أنّه ميسور ذلك المركّب، و لا تشمل القاعدة أفراد العام الانحلالي إلّا بعناية وحدة الأمر بالعام، و كون البعض من أفراده مرتبة من مراتب ذلك الأمر بالعام، أو مرتبة من ذلك العام المأمور به، و هذه عناية بعيدة لا يركن إليها إلّا بدليل قوي، و حينئذٍ يكون المتعيّن هو كون هذه الجملة الشريفة مسوقة لبيان أنّ المرتبة الميسورة من المأمور به لا تسقط بسقوط المرتبة المعسورة منه، و ينحصر ذلك بالمركّبات.

و لا يبعد ظهور الجملة في المعنى الأوّل لأنّه هو المنساق منها عرفاً، و أمّا المعنى الثاني فهو محتاج إلى دقّة نظر، على وجه لا يكون هو المنسبق إليه بالنسبة

442

إلى كافّة أهل اللسان، بل يمكن أن يقال: إنّ هذه الجملة لم تكن مسوقة للتشريع أو لبيان حكم شرعي، بل هي بالمواعظ و كلمات الحكمة أشبه منها بمقام التشريع.

و على كلّ حال، لو قلنا إنّ المراد منها هو المعنى الثاني يكون الجامع هو الأمر بالمركّب في الجملة، و يكون المتحصّل أنّه إذا كان لذلك الجامع مرتبة عليا و مرتبة ثانية هي أقلّ منها، و كان الأمر في أوّل الوهلة متعلّقاً بالعليا، تكون قاعدة الميسور موسعة لذلك الأمر، و موجبة لتسريته إلى المرتبة الثانية عند تعذّر المرتبة الأُولى، كما في الأمر بغسل الثوب مثلًا الغسل الموجب لنقاوته التامّة من الأوساخ، فإذا تعذّر ذلك لم يسقط غسله بما هو أقلّ من ذلك و لو بالماء المجرّد، لقوله (عليه السلام): «لا يسقط الميسور بالمعسور» (1) و حينئذٍ تدخل فيه المركّبات التي تعذر بعض أجزائها باعتبار أنّ المرتبة الأُولى من ذلك المركّب هي المركّب التامّ، و المرتبة الثانية هي الفاقد لبعض الأجزاء، و لأجل ذلك لا بدّ من كون الباقي ممّا يصدق عليه ذلك الجامع، بحيث يعدّ أنّه ميسور له.

و هذا التقريب بعينه جارٍ في «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2)، فإنّ الظاهر أنّ كلًا من «ما لا يدرك» و ما «لا يترك» واردان على موضوع واحد يكون هو القدر الجامع، فلا بدّ في موردها من وجود القدر الجامع في البين، و يكون ذا مرتبتين قد تعذّرت الأُولى منهما و لم يمكن إدراكها، فلا يكون تعذّرها و عدم إدراكها موجباً لسقوطه بالمرّة بحيث إنّه يكون ذلك موجباً لتركه بكلّه، فلا بدّ أيضاً من كون الباقي ممّا يصدق عليه في ذلك الحال ذلك القدر الجامع، و غاية ما استفدته من‏

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 58/ 205 (مع اختلاف يسير).

(2) عوالي اللآلي 4: 58/ 207.

443

شيخنا (قدس سره) في وجه ذلك في خصوص قاعدة «ما لا يدرك»، هو أنّه يعتبر في صدقها أن يكون الباقي ممّا أدرك من المركّب، و إذا كان على وجه يعدّ كونه مبايناً له لا يصدق عليه أنّه ممّا أُدرك من ذلك المركّب.

و لكنّ في النفس منه شيئاً، و هو أنّ الشي‏ء الواحد الذي هو نقطة المقابلة بين «ما لا يدرك» و ما «لا يترك»، غير نقطة المقابلة بين الميسور و المعسور، فإنّ الشي‏ء الواحد و لو باعتبار مراتبه قابل للانقسام إلى الميسور و المعسور، و حينئذٍ صحّ لنا أن نقول: إنّ الميسور من ذلك الشي‏ء لا يسقط بسقوط المعسور منه، و هذا بخلاف مفاد «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه»، فإنّ نقطة المقابلة فيه هو المركّب، و لا يلزم أن يكون ذلك المركّب صادقاً على كلّ واحد من الطرفين، إذ ليس مفادها إلّا أنّ ذلك المركّب إذا لم تدركه بتمامه لا تتركه بتمامه، فيكون وزانه وزان أنّ المركّب إذا لم تقدر على تمام أجزائه لا يكون ذلك موجباً لسقوط باقي الأجزاء منه، هذا.

و لكن التحقيق أنّ نقطة المقابلة بينهما واحدة و هي المركّب. نعم إنّ التقابل في «ما لا يدرك» إنّما هو بين الكل و البعض، فإنّ محصّله هو أنّ عدم إدراك الكل بتمامه لا يوجب ترك الكل بتمامه، بحيث تترك جميع أجزائه حتّى الأجزاء المدركة. و حاصل ذلك أنّ عدم التمكّن من الموجبة الكلّية لا يسوّغ السالبة الكلّية، بل تكون السالبة الكلّية ممنوعاً عنها بمقتضى قوله: «لا يترك كلّه»، و إذا كانت السالبة الكلّية ممنوعاً عنها، كان محصّل ذلك هو الأمر بالموجبة الجزئية، فكأنّه قال: لا تتركه كلّه بل ائت ببعضه الذي تدركه و تقدر عليه. فيكون محصّله هو المقابلة بين الكل و البعض، و هو صادق على ما إذا كان الذي يدركه بعضاً من الكل أيّ بعض كان، بخلاف قاعدة الميسور فإنّ المقابلة فيها بين الميسور

444

و المعسور من الشي‏ء الواحد، فلا بدّ في الميسور من كونه مصداقاً لكونه ميسوراً من ذلك الشي‏ء.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ قوله «كلّه» في الفقرتين، و إن كان هو النائب عن الفاعل لا تأكيداً لضمير مستتر في «لا يدرك» و «لا يترك» إلّا أنّه يستفاد منه عرفاً أنّه بمنزلة التأكيد، فكأنّه قال: الشي‏ء الذي لا يكون هو مدركاً كلّه لا يكون هو متروكاً كلّه.

و بعبارة أُخرى: أنّ الشي‏ء الذي كان الموصول كناية عنه يكون محفوظاً في المقامين، بمعنى أنّ الشي‏ء الذي لم يمكن أن يدرك بتمامه لا وجه لتركه بتمامه، فموضوع الحكم بعدم الترك هو ذلك الشي‏ء، فلا بدّ من حفظه، فتأمّل.

و الإنصاف: أنّ العرف يساعد على هذه الجهة التي أفادها (قدس سره)، لكن لا على نحو التضييق في قاعدة الميسور، بل الأمر في قاعدة «ما لا يدرك» أوسع في الجملة من ذلك، و إن لم تكن تلك التوسعة بحدّ توجب شمولها لما إذا لم يبق إلّا الجزء الضعيف الضئيل.

قوله: و المراد من عدم سقوط الميسور عدم سقوطه بما له من الحكم الوجوبي أو الاستحبابي‏- إلى قوله- عن عموم القاعدة ... الخ‏ (1).

هذا إشكال راجع إلى أنّ القاعدة إمّا أن تكون مختصّة بالواجبات، و لا يمكن القول به، و إمّا أن تكون شاملة للمستحبّات فلا بدّ أن يكون مفادها الجامع، فلا تدلّ حينئذ على وجوب الباقي في الواجبات. و تفصيل ذلك: هو أنّ «لا يسقط» قد سلّط على نفس الميسور، فلا بدّ أن يكون نفي سقوطه كناية عن طلبه، فإن كان طلب الباقي وجوبياً اختصّت القاعدة بالواجبات و لم تشمل‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 255.

445

المستحبّات، و إن كان المراد بطلب الباقي المكنّى عنه بعدم السقوط هو مطلق الطلب، شملت المستحبّات، و لكن لا تدلّ في الواجبات على أزيد من أنّ الباقي مطلوب في الجملة، فلا تكون دالّة على وجوبه.

و الجواب عنه: أنّ عدم السقوط لم ينسب إلى نفس الميسور، كي نضطرّ إلى صرف التعبّد الشرعي إلى نفس ذلك العدم و نجعله كناية عن طلب الباقي، بل إنّ عدم السقوط منسوب إلى الباقي باعتبار حكمه، فيكون ذلك- أعني عدم سقوط الحكم- هو مركز التعبّد، لأنّه عبارة عن الحكم ببقاء حكم الميسور، سواء كان ذلك الحكم وجوبياً أو كان استحبابياً، فتكون القضية شاملة للواجبات و المستحبّات، و تكون دالّة على بقاء وجوب الباقي في الواجبات، و على بقاء استحباب الباقي في المستحبّات.

و لا يخفى أنّ نسبة عدم السقوط إلى الميسور باعتبار حكمه لا يتعيّن فيها سلوك طريقة مجاز الحذف، بأن نقول بتقدير الحكم مضافاً إلى الميسور، و نقول إنّ المراد لا يسقط حكم الميسور، بل يمكننا الأخذ بها من دون تقدير على نحو المجاز أو الاستعارة، و أنّ نسبة عدم السقوط إلى الميسور إنّما هي بلحاظ حكمه نظير نفي الضرر لو جعلناه بمعنى الفعل الضرري، فإنّ نفيه حينئذ يكون كناية عن نفي حكمه، و هذا ما يقوله صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّه نفي للحكم بلسان نفي الموضوع.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام، فإنّه (قدس سره) أوّلًا ذكر الإشكال و أجاب عنه بما يرجع إلى أنّ نسبة عدم السقوط إلى الميسور باعتبار حكمه، فيكون كناية عن عدم سقوط حكمه، ثمّ قال: لا أنّها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه و بقائه على عهدة المكلّف كي لا يكون له دلالة على‏

446

جريان القاعدة في المستحبّات على وجه (و هو ما لو جعلناه كناية عن طلب الباقي وجوباً) أو لا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر (و هو ما لو جعلناه كناية عن طلب الباقي بمطلق الطلب) فافهم‏ (1).

فإنّ الترديد بين هذين الوجهين إنّما يكون لو جعلنا مركز التعبّد في نفي سقوط الميسور هو طلب الميسور، بأن يكون نفي سقوطه كناية عن طلبه، و أمّا لو جعلناه كناية عن بقائه على عهدة المكلّف، كان مركز التعبّد هو بقاء حكمه كما قرّرناه في دفع الإشكال.

و بالجملة: أنّ قوله: و بقائه على عهدة المكلّف، لا موقع لها في تقرير هذا الإشكال، بل تكون هي جواباً عنه، هذا. مضافاً إلى أنّ البقاء على العهدة مختصّ بالواجبات، و لعلّ قوله: فافهم، إشارة إلى هاتين الجهتين.

قوله: و أمّا قوله (عليه السلام): «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2) فلا يبعد أيضاً أن يكون المراد من الموصول الأعمّ من الكل و الكلّي ... الخ‏ (3).

لم يتعرّض لشبهة الشمول للمستحبّات، مع أنّ جريانها في هذا الحديث أقوى من جريانها في حديث الميسور، حيث إنّ نفس «لا يترك» حكم شرعي بعدم جواز الترك الذي هو عبارة عن وجوب الفعل، فلا تشمل [إلّا] الواجبات، سواء كانت لفظة «لا» في قوله: «لا يترك» نافية أو ناهية، و قد تعرّض في الكفاية (4) لهذه الشبهة و سجّلها و لم يجب عنها بما أُجيب به عن الشبهة في حديث‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 371- 372.

(2) عوالي اللآلي 4: 58/ 207.

(3) فوائد الأُصول 4: 255.

(4) كفاية الأُصول: 372.

447

الميسور، فراجع.

نعم، في تحرير السيّد سلّمه اللَّه أشار إلى الجواب عنها بنحو الجواب عن الشبهة في حديث الميسور فقال: و أمّا الرواية الثانية فظهورها في عدم سقوط الممكن من الكل بما له من الحكم الاستحبابي أو الوجوبي بتعذّر بعضه في غاية القوّة (1).

و لا يخفى أنّ هذا إنّما يتمّ في حديث الميسور بما عرفت من جعل عدم سقوطه كناية عن عدم سقوط حكمه، و الظاهر أنّه لا يتأتّى في هذا الحديث المقصور على المنع عن الترك و النهي عنه الذي هو عبارة عن وجوب الباقي، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ هذا النهي إرشاد إلى بقاء الحكم، فلاحظ و تدبّر.

قوله: بل ربما يقال بظهوره في خصوص الكل المركّب من الأجزاء و لا يشمل الكلّي، و لكنّه ضعيف، فإنّه لا موجب لاختصاص الموصول بالكل، بل يعمّ الكلّي أيضاً ... الخ‏ (2).

لم يتّضح المراد من الكلّي، فإن كان هو الكلّي المجموعي كان راجعاً إلى المركّب، لكون التكليف حينئذ واحداً، و كأنّه لأجل ذلك قال في الكفاية: و أمّا الثالث فبعد تسليم ظهور كون الكل في المجموعي لا الأفرادي الخ‏ (3)، و إن كان المراد بالكلّي الانحلالي، فلا يخفى أنّه خلاف ظاهر قوله: «كلّه»، فإنّها ظاهرة في المركّب، و يلحق به الكلّي المجموعي.

لكن عبارة السيّد سلّمه اللَّه ظاهرة في المعنى الأوّل، فإنّه قال: و احتمال‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 536.

(2) فوائد الأُصول 4: 255- 256.

(3) كفاية الأُصول: 372.

448

اختصاصها بموارد العام المجموعي حتّى يكون مفادها عدم سقوط الأفراد الممكنة بتعذّر غيرها في غاية البعد، بل شمولها لها إنّما هو باعتبار تعلّق الحكم بالمركّب أيضاً، فإنّ المفروض أنّ متعلّق الحكم فيها هو المجموع المركّب من الأفراد المتعدّدة (1).

و الحاصل: أنّه لا يبعد أن تكون هذه العبائر تعريضاً بما في الكفاية، لكن قد عرفت أنّ عبارته لم تكن بصدد المقابلة بين المركّب و العام المجموعي، و إنّما كانت بصدد المقابلة بين العام المجموعي و العام الأفرادي، و دعوى أنّ حديث «لا يترك» محتمل الاختصاص بالعام الأفرادي، و حينئذٍ يتعيّن الجواب عن مطلب الكفاية بما عرفت من أنّ العام الأفرادي خلاف ظاهر لفظ «كلّه»، فلا يدخل في عموم الحديث فضلًا عن كونه هو المراد، فلاحظ و تأمّل.

قوله: و قيل إنّه يأخذ من بلل سائر الأعضاء أو من ماء آخر ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ فرض الكلام إنّما هو في صورة كون المكلّف غير متمكّن من المسح ببلّة الوضوء لحرّ و نحوه، ففرض الأخذ من بلل سائر الأعضاء خارج عمّا هو محلّ الكلام، فإنّ ذلك- أعني جواز الأخذ من بلل سائر الأعضاء عند الجفاف- ممّا لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال فيما إذا لم توجد البلّة على سائر الأعضاء و كان الهواء حارّاً مثلًا، على وجه لا يمكن أن تبقى بلّة الوضوء على يده و لا على سائر أعضائه، فهل يسقط أصل المسح و لا يجب عليه إلّا الغسلتان، أو أنّ الساقط هو المسح بالبلّة، فلا يلزمه إلّا المسح بيده و لو مع جفافها، أو أنّ الساقط هو كون البلّة بلّة

____________

(1) أجود التقريرات 3: 536.

(2) فوائد الأُصول 4: 257.

449

وضوء، فيأخذ من ماء جديد، أو أنّه لا يشرع له الوضوء في هذه الصورة و ينتقل إلى التيمّم. و المنشأ في هذه الوجوه أو الأقوال هو جريان قاعدة الميسور و تعيين مجراها، أو أنّها لا تجري أصلًا، فيلزمه الانتقال إلى التيمّم.

و الحاصل: أنّ الواجب أوّلًا هو أصل المسح، و أن يكون بالبلّة، و أن تكون البلّة بلّة وضوء، و حيث قد تعذّر الأخير وجب الانتقال إلى ما قبله، و هو المسح بالبلّة و لو من ماء آخر إن صدق عليه أنّه ميسور المسح ببلّة الوضوء، و إلّا وجب الانتقال إلى ما قبله و هو المسح بدون بلّة إن صدق عليه أنّه ميسور المسح ببلّة الوضوء، و إلّا وجب الانتقال إلى ما قبله و هو الوضوء بدون مسح إن صدق عليه أنّه ميسور الوضوء، و إلّا انتقل إلى التيمّم لأنّه على هذا التقدير غير متمكّن من الوضوء. و لا يبعد الأوّل، أعني لزوم المسح بماء جديد و الاكتفاء به، و هو مغنٍ عن الاحتياط فيما قبله، أعني المسح بدون بلّة، إذ يبعد أن يكون جلب بلّة جديدة من ماء آخر مضرّاً بالمسح على تقدير القول بلزوم المسح و سقوط كونه بالبلّة.

و من ذلك يظهر أنّه لو أراد الاحتياط مسح بالماء الجديد ثمّ تيمّم، من دون حاجة إلى تكرار المسح مرّة بيده الجافّة و أُخرى بماء جديد، و لعلّ ما في العروة- و نحوه في الوسيلة (1)- من قوله: و الأحوط المسح باليد اليابسة ثمّ بالماء الجديد ثمّ التيمّم أيضاً (2)، و كتب عليه شيخنا (قدس سره): هذا الاحتياط لا يترك‏ (3)، ناظر إلى‏

____________

(1) وسيلة النجاة: 3/ المبحث الثالث من مباحث الوضوء.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 389 مسألة 31/ فصل: في أفعال الوضوء.

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 389 مسألة 31/ فصل: في أفعال الوضوء.

450

احتمال كون المسح بالماء الجديد مضرّاً على القول بأنّ الساقط هو المسح بالبلّة، فتأمّل.

لكنّه (قدس سره) قال فيما حرّرته عنه: ففي مورد التمكّن من المسح بماء جديد وجهان، وجوب المسح بالماء الجديد، و هو مبني على عدم ركنية ماء الوضوء، و سقوط الوضوء و الانتقال إلى التيمّم، و هو مبني على ركنيته، و لضعف الوجه الثاني قولًا و دليلًا يكون الأوّل هو الأقوى، و لكن لوجود هذا القول- أعني القول بالوجه الثاني- ذكرنا في رسائلنا العملية: أنّ الأحوط هو الجمع و إن كان الاحتياط ضعيفاً، إلّا أنّا ذكرناه تبعاً لجملة من الفقهاء، انتهى.

نعم، لو لم يكن له ماء جديد، يكون الاحتياط بالجمع بين المسح باليد المجرّدة و التيمّم، كما أفاده فيما حرّرته عنه قبل هذه العبارة فراجع‏ (1)، و مع ذلك فلا يبعد أن يكون نظر المحتاطين بالجمع بين الثلاثة- كما في النجاة (2) و العروة- إلى ما ربما يستفاد من المنع عن الأخذ بماء جديد من كونه مبطلًا للوضوء، و لعلّه لأجله قال العلّامة (قدس سره) فيما حكاه عنه في الجواهر عن تحريره: و لو جفّ ماء الوضوء لحرارة الهواء المفرطة جاز البناء، و لا يجوز استئناف ماء جديد للمسح.

و نحوه ما عن النهاية (3).

قال العلّامة (قدس سره) في التحرير في ذيل مسألة الموالاة: و لو جفّ ماء الوضوء

____________

(1) مخطوط لم يطبع بعدُ.

(2) قال في النجاة: و لو فرض عدم إمكان حفظ نداوة الوضوء لشدّة حرّ أو غيره مسح بدونها، و الأحوط المسح بعد ذلك بماء جديد ثمّ التيمّم [منه (قدس سره)، راجع نجاة العباد: 36/ الأوّل من مباحث الوضوء].

(3) جواهر الكلام 2: 194، نهاية الإحكام 1: 49.