الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
54

(1) -

بيان‏

الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد أيضا، و هي تتضمن التعرض لأمر آخر عرض لهم، و هو الأسف و الحسرة الواردة في قلوبهم من قتل رجالاتهم و سراة قومهم، و معظم المقتولين كانوا من الأنصار فما قتل من المهاجرين-على ما قيل- إلا أربعة، و هذا يقوي الحدس أن معظم المقاومة كانت من ناحية الأنصار، و أن الهزيمة أسرعت إلى المهاجرين قبلهم.

و بالجملة الآيات تبين ما في هذا الأسف و الحسرة من الخطإ و الخبط، و تعطف على‏

55

(1) -أمر آخر يستتبعه هذا الأسف و التحسر و هو سوء ظنهم برسول الله ص، و أنه هو الذي أوردهم هذا المورد و ألقاهم في هذه التهلكة كما يشير إليه قولهم على ما تلوح إليه هذه الآيات: لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا الآية، و قول المنافقين فيما سيجي‏ء: لَوْ أَطََاعُونََا مََا قُتِلُوا الآية، أي أطاعونا و لم يطيعوا رسول الله ص فهو الذي أهلكهم، فهي تبين أنه (ص) ليس له أن يخون أحدا بل هو رسول منه تعالى شريف النفس كريم المحتد عظيم الخلق يلين لهم برحمة من الله، و يعفو عنهم و يستغفر لهم و يشاورهم في الأمر منه تعالى، و أن الله من به عليهم ليخرجهم من الضلال إلى الهدى.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا» «إلخ» المراد بهؤلاء الذين كفروا ما هو ظاهر اللفظ أعني الكافرين دون المنافقين-كما قيل-لأن النفاق بما هو نفاق ليس منشأ لهذا القول-و إن‏ كان المنافقون يقولون ذلك-و إنما منشؤه الكفر فيجب أن ينسب إلى الكافرين.

و الضرب في الأرض كناية عن المسافرة، و غزي جمع غاز كطالب و طلب و ضارب و ضرب، و قوله: لِيَجْعَلَ اَللََّهُ ذََلِكَ حَسْرَةً ، أي ليعذبهم بها فهو من قبيل وضع المغيا موضع الغاية، و قوله: وَ اَللََّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ ، بيان لحقيقة الأمر التي أخطأ فيها الكافرون القائلون: لو كانوا، و هذا الموت يشمل الموت حتف الأنف و القتل كما هو مقتضى إطلاق الموت وحده على ما تقدم، و قوله: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في موضع التعليل للنهي في قوله: لاََ تَكُونُوا «إلخ» .

و قوله: «مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا» ، قدم فيه الموت على القتل ليكون النشر على ترتيب اللف في قوله: إِذََا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كََانُوا غُزًّى ، و لأن الموت أمر جار على الطبع و العادة المألوفة بخلاف القتل فإنه أمر استثنائي فقدم ما هو المألوف على غيره.

و محصل الآية نهي المؤمنين أن يكونوا كالكافرين فيقولوا لمن مات منهم في خارج بلده أو قومه، و فيمن قتل منهم في غزاة: لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا فإن هذا القول يسوق الإنسان إلى عذاب قلبي و نقمة إلهية و هو الحسرة الملقاة في قلوبهم، مع أنه من الجهل فإن القرب و البعد منهم ليس بمحيي و مميت بل الإحياء و الإماتة من الشئون المختصة بالله وحده لا شريك له فليتقوا الله و لا يكونوا مثلهم فإن الله بما يعملون بصير.

56

(1) -}}قوله تعالى: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ الظاهر أن المراد مما يجمعون هو المال و ما يلحق به الذي هو عمدة البغية في الحياة الدنيا.

و قد قدم القتل هاهنا على الموت لأن القتل في سبيل الله أقرب من المغفرة بالنسبة إلى الموت فهذه النكتة هي الموجبة لتقديم القتل على الموت، و لذلك عاد في الآية التالية:

وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ إلى الترتيب الطبعي بتقديم الموت على القتل لفقد هذه النكتة الزائدة.

قوله تعالى: «فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ» إلى آخر الآية، الفظ هو الجافي القاسي، و غلظ القلب كناية عن عدم رقته و رأفته، و الانفضاض‏ التفرق.

و في الآية التفات عن خطابهم إلى خطاب رسول الله ص، و أصل المعنى:

فقد لان لكم رسولنا برحمة منا، و لذلك أمرناه أن يعفو عنكم و يستغفر لكم و يشاوركم في الأمر و أن يتوكل علينا إذا عزم.

و نكتة الالتفات ما تقدم في أول آيات الغزوة أن الكلام فيه شوب عتاب و توبيخ، و لذلك اشتمل على بعض الأعراض في ما يناسبه من الموارد و منها هذا المورد الذي يتعرض فيه لبيان حال من أحوالهم لها مساس بالاعتراض على النبي ص فإن تحزنهم لقتل من قتل منهم ربما دلهم على المناقشة في فعل النبي ص، و رميه بأنه أوردهم مورد القتل و الاستيصال، فأعرض الله تعالى عن مخاطبتهم و التفت إلى نبيه ص فخاطبه بقوله: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ .

و الكلام متفرع على كلام آخر يدل عليه السياق، و التقدير: و إذا كان حالهم ما تراه من التشبه بالذين كفروا و التحسر على قتلاهم فبرحمة منا لنت لهم و إلا لانفضوا من حولك. و الله أعلم.

و قوله: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ» إنما سيق ليكون إمضاء لسيرته (ص) فإنه كذلك كان يفعل، و قد شاورهم في أمر القتال قبيل يوم أحد، و فيه إشعار بأنه إنما يفعل ما يؤمر و الله سبحانه عن فعله راض.

و قد أمر الله تعالى نبيه ص أن يعفو عنهم فلا يرتب على فعالهم أثر المعصية، و أن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم-و هو تعالى فاعله لا محالة-و اللفظ و إن كان‏

57

(1) -مطلقا لا يختص بالمورد غير أنه لا يشمل موارد الحدود الشرعية و ما يناظرها و إلا لغا التشريع، على أن تعقيبه بقوله: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ لا يخلو عن الإشعار بأن هذين الأمرين إنما هما في ظرف الولاية و تدبير الأمور العامة مما يجري فيه المشاورة معهم.

و قوله: «فَإِذََا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ» ، و إذا أحبك كان وليا و ناصرا لك غير خاذلك، و لذا عقب الآية بهذا المعنى و دعا المؤمنين أيضا إلى التوكل‏}فقال: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللََّهُ فَلاََ غََالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ثم أمرهم بالتوكل بوضع سببه موضعه فقال: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ أي لإيمانهم بالله الذي لا ناصر و لا معين إلا هو.

قوله تعالى: «وَ مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» ، الغل‏ هو الخيانة، قد مر في قوله تعالى:

«مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللََّهُ اَلْكِتََابَ» : آل عمران-79، إن هذا السياق معناه تنزيه ساحة النبي عن السوء و الفحشاء بطهارته، و المعنى: حاشا أن يغل و يخون النبي ربه أو الناس (و هو أيضا من الخيانة لله) و الحال أن الخائن يلقى ربه بخيانته ثم توفى نفسه ما كسبت.

ثم ذكر أن رمي النبي بالخيانة قياس جائر مع الفارق فإنه متبع رضوان الله لا يعدو رضا ربه، و الخائن باء بسخط عظيم من الله و مأواه جهنم و بئس المصير، و هذا هو المراد بقوله: أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَ اَللََّهِ كَمَنْ بََاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللََّهِ الآية.

و يمكن أن يكون المراد به التعريض للمؤمنين بأن هذه الأحوال من التعرض لسخط الله، و الله يدعوكم بهذه المواعظ إلى رضوانه، و ما هما سواء.

ثم ذكر أن هذه الطوائف من المتبعين لرضوان الله و البائين بسخط من الله درجات مختلفة، و الله بصير بالأعمال فلا تزعموا أنه يفوته الحقير من خير أو شر فتسامحوا في اتباع رضوانه أو البوء بسخطه.

قوله تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ» ، في الآية التفات آخر من خطاب المؤمنين إلى تنزيلهم منزلة الغيبة، و قد مر الوجه العام في هذه الموارد من الالتفات و الوجه الخاص بما هاهنا أن الآية مسوقة سوق الامتنان و المن على المؤمنين لصفة إيمانهم و لذا قيل: على المؤمنين، و لا يفيده غير الوصف حتى لو قيل: الذين آمنوا، لأن المشعر

58

(1) -بالعلية-على ما قيل-هو الوصف أو أنه الكامل في هذا الإشعار، و المعنى ظاهر.

و في الآية أبحاث أخر سيأتي شطر منها في المواضع المناسبة لها إن شاء الله العزيز.

بيان‏

الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد، و فيه تعرض لحال عدة من المنافقين خذلوا جماعة المؤمنين عند خروجهم من المدينة إلى أحد، و فيها جواب ما

59

(1) -قالوه في المقتولين، و وصف حال المستشهدين بعد القتل و أنهم منعمون في حضرة القرب يستبشرون بإخوانهم من خلفهم.

قوله تعالى: «أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا» لما نهاهم أن يكونوا كالذين كفروا في التحزن لقتلاهم و التحسر عليهم ببيان أن أمر الحياة و الموت إلى الله وحده لا إليهم حتى يدورا مدار قربهم و بعدهم و خروجهم إلى القتال أو قعودهم عنه رجع ثانيا إلى بيان سببه القريب على ما جرت عليه سنة الأسباب، فبين أن سببه إنما هو المعصية الواقعة يوم أحد منهم و هو معصية الرماة بتخلية مراكزهم، و معصية من تولى منهم عن القتال بعد ذلك، و بالجملة سببه معصيتهم الرسول-و هو قائدهم- و فشلهم و تنازعهم في الأمر و ذلك سبب للانهزام بحسب سنة الطبيعة و العادة.

فالآية في معنى قوله: أ تدرون من أين أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها؟إنما أصابتكم من عند أنفسكم و هو إفسادكم سبب الفتح و الظفر بأيديكم و مخالفتكم قائدكم و فشلكم و اختلاف كلمتكم.

و قد وصفت المصيبة بقوله: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا و هو إشارة إلى مقايسة ما أصابهم الكفار يوم أحد، و هو قتل سبعين رجلا منهم بما أصابوا الكفار يوم بدر و هو مثلا السبعين فإنهم قتلوا منهم يوم بدر سبعين رجلا و أسروا سبعين رجلا.

و في هذا التوصيف تسكين لطيش قلوبهم و تحقير للمصيبة فإنهم أصيبوا من أعدائهم بنصف ما أصابوهم فلا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يجزعوا.

و قيل: إن معنى الآية: أنكم أنفسكم اخترتم هذه المصيبة، و ذلك أنهم اختاروا الفداء من الأسرى يوم بدر، و كان الحكم فيهم القتل، و شرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم فقالوا: رضينا فإنا نأخذ الفداء و ننتفع به، و إذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء.

و يؤيد هذا الوجه بل يدل عليه ما ذيل به الآية أعني قوله: إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ إذ لا تلائم هذه الفقرة الوجه السابق البتة إلا بتعسف، و سيجي‏ء روايته عن أئمة أهل البيت (ع) في البحث الروائي الآتي.

قوله تعالى: «وَ مََا أَصََابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ» إلى آخر الآيتين، الآية الأولى‏

60

(1) -تؤيد ما تقدم أن‏ المراد بقوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ، اختيارهم الفداء من أسرى يوم بدر، و شرطهم على أنفسهم لله ما شرطوا فإصابة هذه المصيبة بإذن الله، و أما الوجه الأول المذكور و هو أن المعنى أن سبب إصابة المصيبة القريب هو مخالفتكم فلا تلاؤم ظاهرا بينه و بين نسبة المصيبة إلى إذن الله و هو ظاهر.

فعلى ما ذكرنا يكون ذكر استناد إصابة المصيبة إلى إذن الله بمنزلة البيان لقوله:

هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ، و ليكون توطئة لانضمام قوله: وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، و بانضمامه يتمهد الطريق للتعرض لحال المنافقين و ما تكلموا به و جوابه و بيان حقيقة هذا الموت الذي هو القتل في سبيل الله.

و قوله: أو ادفعوا أي لو لم تقاتلوا في سبيل الله فادفعوا عن حريمكم و أنفسكم و قوله: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، اللام بمعنى إلى فهذا حالهم بالنسبة إلى الكفر الصريح، و أما النفاق فقد واقعوه بفعلهم ذلك.

و قوله: «يَقُولُونَ بِأَفْوََاهِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» ، ذكر الأفواه للتأكيد و للتقابل بينها و بين القلوب.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطََاعُونََا مََا قُتِلُوا» ، المراد بإخوانهم إخوانهم في النسب و هم القتلى، و إنما ذكر إخوتهم لهم ليكون مع انضمام قوله: و قعدوا أوقع تعيير و تأنيب عليهم فإنهم قعدوا عن إمداد إخوانهم حتى أصابهم ما أصابهم من القتل الذريع، و قوله: قل فادرءوا جواب عن قولهم ذاك، و الدرء : الدفع.

قوله تعالى: «وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً» الآية، و في الآية التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله ص‏، و الوجه فيه ما تكرر ذكره في تضاعيف هذه الآيات، و يحتمل أن يكون الخطاب تتمة الخطاب في قوله:

قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ .

و المراد بالموت بطلان الشعور و الفعل، و لذا ذكرهما في قوله: بَلْ أَحْيََاءٌ «إلخ» حيث ذكر الارتزاق و هو فعل، و الفرح الاستبشار و معهما شعور.

قوله تعالى: فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ الآية، الفرح‏ ضد الحزن و، البشارة و البشرى‏ ما يسرك من الخبر و الاستبشار طلب السرور بالبشرى، و المعنى: أنهم فرحون بما

61

(1) -وجدوه من الفضل الإلهي الحاضر المشهود عندهم، و يطلبون السرور بما يأتيهم من البشرى بحسن حال من لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون.

و من ذلك يظهر أولا أن هؤلاء المقتولين في سبيل الله يأتيهم و يتصل بهم أخبار خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا.

و ثانيا أن هذه البشرى هي ثواب أعمال المؤمنين و هو أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و ليس ذلك إلا بمشاهدتهم هذا الثواب في دارهم التي هم فيها مقيمون فإنما شأنهم المشاهدة دون الاستدلال ففي الآية دلالة على بقاء الإنسان بعد الموت ما بينه و بين يوم القيامة، و قد فصلنا القول فيه في الكلام على نشأة البرزخ في ذيل قوله تعالى: وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتٌ XالآيةX: «البقرة: 154» .

قوله تعالى: «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ» الآية، هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال غيرهم و بحال أنفسهم و الدليل عليه قوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، فإنه بإطلاقه شامل للجميع، و لعل هذه هي النكتة في تكرار الاستبشار و كذا تكرار الفضل فتدبر في الآية.

و قد نكر الفضل و النعمة و أبهم الرزق في الآيات ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب ممكن، و لذا أبهم الخوف و الحزن ليدل في سياق النفي على العموم.

و التدبر في الآيات يعطي أنها في صدد بيان أجر المؤمنين أولا، و أن هذا الأجر رزقهم عند الله سبحانه ثانيا، و أن هذا الرزق نعمة من الله و فضل ثالثا، و أن الذي يشخص هذه النعمة و الفضل هو أنهم لا خوف عليهم و لا هم يحزنون رابعا.

و هذه الجملة أعني قوله: أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون كلمة عجيبة كلما أمعنت في تدبرها زاد في اتساع معناها على لطف و رقة و سهولة بيان، و أول ما يلوح من معناها أن الخوف و الحزن مرفوعان عنهم، و الخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شي‏ء من سعادة الإنسان التي يقدر نفسه واجدة لها، و كذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك، فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم يقع بعد فإذا وقعت زال الخوف و عرض الحزن فلا خوف بعد الوقوع و لا حزن قبله.

فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه‏

62

(1) -النعم في معرض الزوال، و ارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداء و لا بعد الوجدان، فرفعه تعالى مطلق الخوف و الحزن عن الإنسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به و يستلذه‏، و أن لا يكون ذلك في معرض الزوال، و هذا هو خلود السعادة للإنسان و خلوده فيها.

و من هنا يتضح أن نفي الخوف و الحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله فهو سبحانه يقول: وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ : «آل عمران: 198» ، و يقول: وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ : «النحل: 96» فالآيتان تدلان على أن ما عند الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة و لا يعرضها فناء.

و يتضح أيضا أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة و الفضل و هو العطية لكن تقدم في أوائل الكتاب و سيجي‏ء في قوله تعالى: مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ : «النساء: 69» ، أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية، و على ذلك فالمعنى: أن الله يتولى أمرهم و يخصهم بعطية منه.

و أما احتمال أن يكون المراد بالفضل الموهبة الزائدة على استحقاقهم بالعمل، و النعمة ما بحذائه فلا يلائمه قوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فإن الأجر يؤذن بالاستحقاق، و قد عرفت أن هذه الفقرات أعني قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ و قوله:

فَرِحِينَ بِمََا إلخ و قوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ إلخ، و قوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ مآلها إلى حقيقة واحدة.

و في الآيات أبحاث أخر تقدم بعضها في تفسير قوله: وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتٌ : «البقرة: 154» ، و لعل الله يوفقنا لاستيفاء ما يسعنا من البحث فيها في ما سيجي‏ء من الموارد المناسبة إن شاء الله تعالى.

63

(1) -

بيان‏

الآيات مرتبطة بآيات غزوة أحد، و يشعر بذلك قوله: مِنْ بَعْدِ مََا أَصََابَهُمُ اَلْقَرْحُ و قد قال فيها: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ .

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ» الآية الاستجابة و الإجابة بمعنى واحد-كما قيل-و هي أن تسأل شيئا فتجاب بالقبول.

و لعل ذكر الله و الرسول مع جواز الاكتفاء في المقام بذكر أحد اللفظين إنما هو لكونهم في وقعة أحد عصوا الله و الرسول، فأما هو تعالى فقد عصوه بالفرار و التولي و قد نهاهم الله عنه و أمر بالجهاد، و أما الرسول فقد عصوه بمخالفة أمره الذي أصدره على الرماة بلزوم مراكزهم و حين كانوا يصعدون و هو يدعوهم في أخراهم فلم يجيبوا دعوته، فلما استجابوا في هذه الوقعة وضع فيها بحذاء تلك الوقعة استجابتهم لله و الرسول و قوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» ، قصر الوعد على بعض أفراد المستجيبين لأن الاستجابة فعل ظاهري لا يلازم حقيقة الإحسان و التقوى اللذين عليهما مدار الأجر العظيم، و هذا من عجيب مراقبة القرآن في بيانه حيث‏ لا يشغله شأن عن شأن، و من هنا يتبين أن هؤلاء الجماعة ما كانوا خالصين لله في أمره بل كان فيهم من لم يكن محسنا متقيا يستحق عظيم الأجر من الله سبحانه، و ربما يقال: إن «من» في قوله: «مِنْهُمْ» بيانية كما قيل مثله في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ X-إلى أن قال-X: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً

64

(1) -وَ أَجْراً عَظِيماً : «الفتح: 29» ، و هو تأول بما يدفعه السياق.

و يتبين أيضا أن ما يمدحهم به الله سبحانه في قوله: اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إلى آخر الآيات من قبيل وصف البعض المنسوب إلى الكل بعناية لفظية.

}قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» الآية، الناس هو الأفراد من الإنسان من حيث عدم أخذ ما يتميز به بعضهم من بعض، و الناس الأول غير الثاني، فإن الثاني هو العدو الذي كان يجمع الجموع، و أما الأول فهم الخاذلون المثبطون الذين كانوا يقولون ما يقولون ليخذلوا المؤمنين عن الخروج إلى قتال المشركين، فالناس الثاني أريد به المشركون، و الناس الأول أيديهم على المؤمنين و عيونهم فيهم، و ظاهر الآية كونهم عدة و جماعة لا واحدا، و هذا يؤيد كون الآيات نازلة في قصة خروج النبي ص‏ فيمن بقي من أصحابه بعد أحد في أثر المشركين دون قصة بدر الصغرى، و سيجي‏ء القصتان في البحث الروائي الآتي.

و قوله: قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، أي جمعوا جموعهم لقتالكم ثانيا (و الله أعلم) .

و قوله: فَزََادَهُمْ إِيمََاناً ، و ذلك لما في طبع الإنسان أنه إذا نهي عما يريده و يعزم عليه، فإن لم يحسن الظن بمن ينهاه كان ذلك إغراء فأوجب انتباه قواه و اشتدت بذلك عزيمته، و كلما أصر عليه بالمنع أصر على المضي على ما يريده و يقصده، و هذا إذا كان الممنوع يرى نفسه محقا معذورا في فعاله أشد تأثيرا من غيره، و لذا كان المؤمنون كلما لامهم في أمر الله لائم أو منعهم مانع زادوا قوة في إيمانهم و شدة في عزمهم و بأسهم.

و يمكن أن يكون زيادة إيمانهم لتأييد أمثال هذه الأخبار ما عندهم من خبر الوحي أنهم سيؤذون في جنب الله حتى يتم أمرهم بإذن الله و قد وعدهم النصر و لا يكون نصر إلا في نزال و قتال.

و قوله: وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ أي كافينا الله و أصل الحسب من الحساب لأن الكفاية بحساب الحاجة، و هذا اكتفاء بالله بحسب الإيمان دون الأسباب الخارجية الجارية في السنة الإلهية و الوكيل هو الذي يدبر الأمر عن الإنسان، فمضمون الآية يرجع إلى معنى قوله: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ» الطلاق-3، و لذلك عقب قوله: وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ بقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ‏

65

(1) -وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ «إلخ» ليكون تصديقا لوعده تعالى، ثم حمدهم إذ اتبعوا رضوانه فقال: و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم.

كلام في التوكل‏

و حقيقة الأمر أن مضي الإرادة و الظفر بالمراد في نشأة المادة يحتاج إلى أسباب طبيعية و أخرى روحية و الإنسان إذا أراد الورود في أمر يهمه و هيأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج إليه لم يحل بينه و بين ما يبتغيه إلا اختلال الأسباب الروحية كوهن الإرادة و الخوف و الحزن و الطيش و الشره و السفه و سوء الظن و غير ذلك و هي أمور هامة عامة، و إذا توكل على الله سبحانه و فيه اتصال بسبب غير مغلوب البتة و هو السبب الذي فوق كل سبب قويت إرادته قوة لا يغلبها شي‏ء من الأسباب الروحية المضادة المنافية فكان نيلا و سعادة.

و في التوكل على الله جهة أخرى يلحقه أثرا بخوارق العادة كما هو ظاهر قوله:

«وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ» الآية، و قد تقدم شطر من البحث المتعلق بالمقام في الكلام على الإعجاز.

قوله تعالى: «ذََلِكُمُ اَلشَّيْطََانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيََاءَهُ» الآية، ظاهر الآية أن الإشارة إلى الناس الذين قالوا لهم ما قالوا، فيكون هذا من الموارد التي أطلق فيها القرآن الشيطان على الإنسان كما يظهر ذلك من قوله: «مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوََاسِ اَلْخَنََّاسِ ` اَلَّذِي‏ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ ` مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ» : الناس-6، و يؤيده قوله تعالى بعد ذلك: فَلاََ تَخََافُوهُمْ أي الناس القائلين لكم ما قالوا لأن ذلكم الشيطان، و سنبحث في هذا المعنى بما يكشف القناع عن وجه حقيقته إن شاء الله تعالى.

بحث روائي‏

الروايات الواردة في غزوة أحد كثيرة في الغاية، و هي مختلفة اختلافا شديدا في جهات القصة ربما أدت إلى سوء الظن بها، و أكثرها اختلافا ما ورد منها في أسباب‏

66

(1) -نزول كثير من آيات القصة و هي تقرب من ستين آية فإن أمرها عجيب، و لا يلبث الناظر المتأمل فيها دون أن يقضي بأن المذاهب المختلفة أودعت فيها أرواحها لتنطق بلسانها بما تنتفع به، و هذا هو العذر في تركنا إيرادها في هذا البحث فمن أرادها فعليه بجوامع الحديث و مطولات التفاسير.

و

في الدر المنثور، "*أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت‏ «وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ» فقتل منهم يومئذ سبعون منهم أربعة من المهاجرين-منهم حمزة بن عبد المطلب، و مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، و الشماس بن عثمان المخزومي، و عبد الله بن جحش الأسدي، و سائرهم من الأنصار.

أقول: و ظاهر الرواية أن أبا الضحى أخذ الشهداء في الآية بمعنى المقتولين في المعركة، و على ذلك جرى جمهور المفسرين، و قد مر في البيان السابق أن لا دليل عليه من ظاهر الكتاب بل الظاهر أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال.

(

و في تفسير العياشي، : في قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ» الآية، عن الصادق (ع) قال*: إن الله علم بما هو مكونه قبل أن يكونه-و هم ذر و علم من يجاهد ممن لا يجاهد-كما علم أنه يميت خلقه قبل أن يميتهم، و لم ير موتهم و هم أحياء.

أقول: إشارة إلى ما تقدم أنه فرق بين العلم قبل الإيجاد و العلم الفعلي الذي هو الفعل و أن المراد ليس هو العلم قبل الإيجاد.

و في تفسير القمي، عن الصادق (ع) *في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ» الآية: أن المؤمنين لما أخبرهم الله تعالى-بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر في منازلهم في الجنة رغبوا في ذلك-فقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه-فأراهم الله يوم أحد إياه فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم-فذلك قوله: وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ الآية:

أقول: و روي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الحسن و السدي.

و في تفسير القمي، قال (ع) *إن رسول الله ص خرج يوم أحد، و عهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه: إن رسول الله قد قتل، النجا، ـ

67

(1) -فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ إلى قوله:

اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ يقول: إلى الكفر وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً .

و في الدر المنثور، "*أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن الربيع‏ في الآية-قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل و القرح-و تداعوا نبي الله قالوا: قد قتل- و قال أناس منهم: لو كان نبيا ما قتل، و قال أناس من علية أصحاب النبي ص:

قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم-حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، و ذكر لنا أن رجلا من المهاجرين-مر على رجل من الأنصار و هو يتشحط في دمه-فقال: يا فلان أ شعرت أن محمدا قد قتل؟فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فأنزل الله: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ-أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ -يقول: ارتددتم كفارا بعد إيمانكم.

و فيه أخرج ابن جرير عن السدي قال"*: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله ص قد قتل-فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي-فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان-يا قوم إن محمدا قتل فارجعوا إلى قومكم-قبل أن يأتوكم فيقتلوكم- قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل-فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- فشد بسيفه فقاتل حتى قتل-فأنزل الله: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ الآية:

أقول: و روي هذه المعاني بطرق أخر كثيرة.

و في الكافي عن الباقر (ع) *أنه أصاب عليا يوم أحد ستون جراحة-و أن النبي ص أمر أم سليم و أم عطية أن‏ تداوياه-فقالتا إنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان- و قد خفنا عليه، و دخل رسول الله ص و المسلمون يعودونه و هو قرحة واحدة، و جعل يمسحه بيده و يقول: إن رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى و أعذر، فكان القرح الذي يمسحه رسول الله ص يلتئم-فقال علي: الحمد لله إذ لم أفر و لم أول الدبر-فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن-و هو قوله: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ ، و سَنَجْزِي اَلشََّاكِرِينَ .

أقول: يعني شكر الله له ثباته لا قوله: الحمد لله الذي.

68

(1) -

و في تفسير العياشي، عن الصادق (ع) *أنه قرأ: و كأين من نبي قتل معه ربيون كثير، قال: ألوف و ألوف ثم قال: إي و الله يقتلون.

أقول: و روي هذه القراءة و المعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود و غيره،

و روي عن ابن عباس" *أنه سئل عن قوله ربيون قال: جموع.

و في الدر المنثور، " *أخرج عبد بن حميد و ابن أبي حاتم عن مجاهد «مِنْ بَعْدِ مََا أَرََاكُمْ مََا تُحِبُّونَ» قال: نصر الله المؤمنين على المشركين-حتى ركب نساء المشركين على كل صعب و ذلول-ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي ص.

و فيه أخرج ابن إسحاق و ابن راهويه و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في الدلائل عن الزبير قال" *لقد رأيتني مع رسول الله ص- حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم-فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره-فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير-ما أسمعه إلا كالحلم-: لو كان لنا من الأمر شي‏ء ما قتلنا هاهنا فحفظتها منه، و في ذلك أنزل الله: «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً» - إلى قوله: ، مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا» لقول معتب بن قشير:

أقول: و قد روي هذا المعنى عن الزبير بن العوام بطرق كثيرة.

و فيه أخرج ابن مندة في معرفة الصحابة عن ابن عباس" *في قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ الآية، قال: نزلت في عثمان و رافع بن المعلى و حارثة بن زيد":

أقول: و روي ما يقرب منه في عدة طرق عن عبد الرحمن بن عوف و عكرمة و ابن إسحاق و أضيف إليهم في بعضها أبو حذيفة بن عقبة و الوليد بن عقبة و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان.

و على أي حال ذكر عثمان و من عد منهم بأسمائهم من باب ذكر المصداق و إلا فالآية نزلت في جميع من تولى من الأصحاب و عصى رسول الله ص، و الذي يخص عثمان هو أنه و من معه فروا حتى بلغوا الجلعب (جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص) فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله ص‏ فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.

و أما أصحابه عامة فقد تكاثرت الروايات أنهم تولوا عن آخرهم، و لم يبق مع‏

69

(1) -رسول الله منهم إلا رجلان من المهاجرين و سبعة من الأنصار ثم إن المشركين هجموا على رسول الله ص فقتل دون الدفاع عنه الأنصار واحدا بعد واحد حتى لم يبق معه منهم أحد.

و روي أن الذين ثبتوا معه أحد عشر، و روي ثمانية عشر حتى روي ثلاثون، و هو أضعف الروايات.

و لعل هذا الاختلاف بحسب اختلاف اطلاعات الرواة و غير ذلك، و الذي تدل عليه روايات دفاع نسيبة المازنية عنه (ص) أنه لم يكن عنده ساعتئذ أحد، و كان من ثبت منهم و لم ينهزم مشغولا بالقتال، و لم يتفق كلمة الرواة في ذلك على أحد إلا علي (ع) و لعل أبا دجانة الأنصاري سماك بن خرشة كذلك إلا أنه قاتل بسيف رسول الله ص أولا ثم وقى بنفسه رسول الله ص حين جلى عنه أصحابه يدفع عنه النبال بمجنه و بظهره حتى أثخن رضي الله عنه.

و أما بقية أصحابه فمن ملحق به حين ما عرف (ص) و علم أنه لم يقتل، و ملحق به بعد حين، و هؤلاء هم الذين أنزل الله عليهم النعاس غير أن الله تعالى عفا عن الجميع و قد عرفت فيما تقدم من البيان معنى العفو، و ذكر بعض المفسرين أن معنى العفو في هذه الآية صرفه تعالى المشركين عنهم حيث لم يبيدوهم و لم يقتلوهم عن آخرهم.

و في الدر المنثور، أخرج ابن عدي و البيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن‏ عباس قال*: لما نزلت: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ -قال رسول الله ص*: أما إن الله و رسوله لغنيان عنها-و لكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، و من تركها لم يعدم غيا.

و فيه أخرج الطبراني في الأوسط، عن أنس قال*: قال رسول الله ص*: ما خاب من استخار، و لا ندم من استشار.

و في نهج البلاغة، *: من استبد برأيه هلك، و من شاور الرجال شاركها في عقولها.

و فيه، *: الاستشارة عين الهداية، و قد خاطر من استبد برأيه.

و في الصافي، عن النبي ص*: لا وحدة أوحش من العجب، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة.

70

(1) -أقول: و الروايات في المشاورة كثيرة جدا، و موردها ما يجوز للمستشير فعله و تركه بحسب المرجحات، و أما الأحكام الإلهية الثابتة فلا مورد للاستشارة فيها كما لا رخصة في تغييرها لأحد و إلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخا لكلام الله تعالى.

و في المجالس، عن الصادق (ع) *: أن رضا الناس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط- أ لم ينسبوه يوم بدر أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟حتى أظهره الله على القطيفة، و برأ نبيه من الخيانة، و أنزل في كتابه: وَ مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ، الآية.

أقول: و ذكر ذلك القمي في تفسيره، و فيه*: فجاء رجل إلى رسول الله (ع) فقال: إن فلانا غل قطيفة حمراء فاحفرها هنالك-فأمر رسول الله (ع) بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة:

و قد روي هذا المعنى و ما يقرب منه في الدر المنثور بطرق كثيرة

و لعل المراد بكون الآية نزلت فيها كون الآية مشيرة إليها و إلا فسياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة أحد كما تقدم بيانه.

و في تفسير القمي، عن الباقر (ع) *: من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار-ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار.

أقول: و هو استفادة لطيفة من قوله تعالى: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ .

و في تفسير العياشي، *: في قوله تعالى: هُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ اَللََّهِ -عن الصادق (ع) : الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمة، و هم و الله درجات عند الله للمؤمنين، و بولايتهم و مودتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم، و يرفع الله لهم الدرجات العلى، و الذين باءوا بسخط من الله- هم الذين جحدوا حق علي و حق الأئمة منا أهل البيت-فباءوا لذلك بسخط من الله.

أقول: و هو من الجري و الانطباق.

و فيه، عن الرضا (ع) : الدرجة ما بين السماء و الأرض.

و في تفسير العياشي، أيضا*: في قوله تعالى: أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا - عن الصادق (ع) : كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة و أربعين رجلا: قتلوا سبعين رجلا و أسروا سبعين-فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا-فاغتموا

71

(1) -بذلك فنزلت.

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة و الترمذي-و حسنه-و ابن جرير و ابن مردويه عن علي قال*: جاء جبرئيل إلى النبي ص فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، و قد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم-و بين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله ص الناس فذكر ذلك لهم-فقالوا: يا رسول الله عشائرنا و أقوامنا نأخذ فداءهم-فنقوى به على قتال عدونا، و يستشهد منا بعدتهم فليس في ذلك ما نكره-فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر:

أقول: و رواه في المجمع عن علي (ع) ، و أورده القمي في تفسيره.

و في المجمع، في قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ الآيات-عن الباقر (ع) نزلت في شهداء بدر و أحد معا.

أقول: و على ذلك روايات كثيرة رواها في الدر المنثور و غيره و قد عرفت أن معنى الآيات عام شامل لكل من قتل في سبيل الله حقيقة أو حكما و ربما قيل: إن الآيات نازلة في شهداء بئر معونة، و هم سبعون رجلا أو أربعون من أصحاب النبي ص أرسلهم لدعوة عامر بن الطفيل و قومه و كانوا على ذلك الماء فقدموا أبا ملحان الأنصاري إليهم بالرسالة فقتلوه أولا ثم تتابعوا على أصحاب النبي ص فقاتلوهم فقتلوهم جميعا رضي الله عنهم.

و في تفسير العياشي، عن الصادق قال*: هم و الله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة، و استقبلوا الكرامة من الله عز و جل-علموا و استيقنوا أنهم كانوا على الحق و على دين الله عز و جل-فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم-من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين.

أقول: و هو من الجري، و معنى علمهم و استيقانهم بأنهم كانوا على الحق أنهم ينالون ذلك بعين اليقين بعد ما نالوه في الدنيا بعلم اليقين لا أنهم كانوا في الدنيا شاكين مرتابين.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و هناد و عبد بن حميد و أبو داود و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم-و صححه-و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس‏ قال*: قال رسول الله ص*: لما أصيب إخوانكم بأحد-جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر-ترد أنهار

72

(1) -الجنة، و تأكل من ثمارها-و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش-.

فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم-قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، و في لفظ: قالوا: إنا أحياء في الجنة-نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا عن الحرب-فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء-الآيات:

وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا الآية و ما بعدها.

أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة رووها عن أبي سعيد الخدري و عبد الله بن مسعود و أبي العالية و ابن عباس و غيرهم، و في بعضها: في صور طير خضر كرواية أبي العالية، و في بعضها: في طير خضر كرواية أبي سعيد، و في بعضها: كطير خضر كرواية ابن مسعود، و الألفاظ متقاربة.

و قد ورد من طرق أئمة أهل البيت: أن الرواية عرضت عليهم فأنكروها عن النبي ص‏

، و في بعضها: أنهم أولوها، و لا شك-بالنظر إلى الأصول الثابتة المسلمة- في لزوم تأويل الرواية لو لم تطرح.

و الروايات مع ذلك ليست في مقام بيان حالهم في جنة الآخرة بل المراد بها جنة البرزخ و الدليل عليه ما في رواية ابن جرير عن مجاهد قال*: يرزقون من ثمر الجنة و يجدون ريحها و ليسوا فيها، و ما في‏ رواية ابن جرير عن السدي*: أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش فهي ترعى بكرة و عشية في الجنة، و تبيت في القناديل.

و قد عرفت فيما تقدم من البحث في البرزخ أن مضمون هاتين الروايتين إنما يستقيم في جنة الدنيا و هي البرزخ لا في جنة الآخرة.

و في الدر المنثور، "*: في قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ الآية-أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و البيهقي في الدلائل-عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم-قال*: خرج رسول الله ص لحمراء الأسد-و قد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله ص و أصحابه، و قالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم، فبلغه أن النبي ص خرج في أصحاب يطلبهم-فثنى ذلك أبا سفيان و أصحابه، و مر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم، ـ

73

(1) -فلما مر الركب برسول الله ص بحمراء الأسد-أخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله و المؤمنون معه: حسبنا الله و نعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك : اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ الآيات.

أقول: و رواه القمي في تفسيره مفصلا *و فيه أنه (ص) أخرج معه إلى حمراء الأسد-من أصحابه من كان به جراحة، و في بعض الروايات أنه إنما أخرج معه من كان في أحد، و المآل واحد.

و فيه أخرج موسى بن عقبة في مغازيه و البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال"*: إن رسول الله ص‏ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا-فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس فمشوا في الناس يخوفونهم، و قالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل-يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله و رسوله، و خرجوا ببضائع لهم، و قالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و إن لم نلقه ابتعنا بضائعنا، و كان بدر متجرا يوافي كل عام فانطلقوا- حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم، و أخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو و لا أصحابه، و مر عليهم ابن حمام فقال*: من هؤلاء؟قالوا: رسول الله و أصحابه ينتظرون أبا سفيان-و من معه من قريش، فقدم على قريش فأخبرهم فأرعب أبو سفيان-و رجع إلى مكة، و انصرف رسول الله ص إلى المدينة بنعمة من الله و فضل، فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق-و كانت في شعبان سنة ثلاث:

أقول: و رواه من غير هذا الطريق، و رواه في المجمع مفصلا عن الباقر (ع) .

و فيها: أن الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى، و المراد بجيش السويق جيش أبي سفيان فإنه خرج من مكة في جيش من قريش و قد حملوا معهم أحمالا من سويق فنزلوا خارج مكة فاقتاتوا بالسويق ثم رجعوا إلى مكة لما أخذهم الرعب من لقاء المسلمين ببدر، فسماهم الناس جيش السويق تهكما و استهزاء.

و فيه أيضا أخرج النسائي و ابن أبي حاتم و الطبراني بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال"*: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم و لا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله ص بذلك فندب المسلمين فانتدبوا- حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عتبة-شك سفيان-فقال المشركون نرجع قابل‏

74

(1) -فرجع رسول الله ص فكانت تعد غزوة-فأنزل الله: اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ الآية، و قد كان أبو سفيان قال للنبي ص: موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا-فأما الجبان فرجع، و أما الشجاع فأخذ أهبة القتال و التجارة-فأتوه فلم يجدوا به أحدا و تسوقوا فأنزل الله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ الآية.

أقول: و إنما أوردنا هذه الرواية مع مخالفته للاختصار و التلخيص المؤثر في المباحث الروائية بإيراد أنموذج جامع من كل باب ليتبصر الباحث المتأمل أن ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية بمعنى أنهم يروون غالبا الحوادث التاريخية ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول و ربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة أو آيات ذات سياق واحد ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقل و إن أوجب ذلك اختلال نظم الآيات و بطلان سياقها، و هذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول.

و أضف إلى ذلك ما ذكرناه في أول هذا البحث أن لاختلاف المذاهب تأثيرا في لحن هذه الروايات و سوقها إلى ما يوجه به المذاهب الخاصة.

على أن للأجواء السياسية و البيئات الحاكمة في كل زمان أثرا قويا في الحقائق من حيث إخفاؤها أو إبهامها فيجب على الباحث المتأمل أن لا يهمل أمر هذه الأسباب الدخيلة في فهم الحقائق و الله الهادي.

بحث تاريخي‏ فهرس أسامي شهداء أحد.

شهداء المسلمين يوم أحد سبعون رجلا و هاك فهرس أسمائهم:

1-حمزة بن عبد المطلب بن هاشم.

2-عبد الله بن جحش.

3-مصعب بن عمير.

4-شماس بن عثمان و هؤلاء الأربعة هم الشهداء من المهاجرين.

5-عمرو بن معاذ بن النعمان.

6-الحارث بن أنس بن رافع.

75

(1) -7-عمارة بن زياد بن السكن.

8-سلمة بن ثابت بن وقش.

9-عمرو بن ثابت بن وقش.

10-ثابت بن وقش.

11-رفاعة بن وقش.

12-حسيل بن جابر أبو حذيفة اليمان.

13-صيفي بن قيظي.

14-حباب بن قيظي.

15-عباد بن سهل.

16-الحارث بن أوس بن معاذ.

17-إياس بن أوس.

18-عبيد بن التيهان.

19-حبيب بن يزيد بن تيم.

20-يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع.

21-أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد.

22-حنظلة بن أبي عامر و هو غسيل الملائكة.

23-أنيس بن قتادة.

24-أبو حبة بن عمر بن ثابت.

25-عبد الله بن جبير بن النعمان و هو أمير الرماة.

26-أبو سعد خيثمة بن خيثمة.

27-عبد الله بن سلمة.

28-سبيع بن حاطب بن الحارث.

29-عمرو بن قيس.

30-قيس بن عمرو بن قيس.

31-ثابت بن عمرو بن يزيد.

32-عامر بن مخلد.

33-أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو.

76

(1) -34-عمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو.

35-أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت.

36-أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم رسول الله ص.

37-قيس بن مخلد.

38-كيسان عبد لبني النجار.

39-سليم بن الحارث.

40-نعمان بن عبد عمرو.

41-خارجة بن زيد بن أبي زهير.

42-سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير.

43-أوس بن الأرقم.

44-مالك بن سنان من بني خدرة و هو والد أبي سعيد الخدري.

45-سعيد بن سويد.

46-عتبة بن ربيع.

47-ثعلبة بن سعد بن مالك.

48-سقف بن فروة بن البدي.

49-عبد الله بن عمرو بن وهب.

50-ضمرة حليف لبني طريف.

51-نوفل بن عبد الله.

52-عباس بن عبادة.

53-نعمان بن مالك بن ثعلبة.

54-المجدر بن زياد.

55-عبادة بن الحسحاس و قد دفن نعمان و المجدر و عبادة في قبر واحد.

56-رفاعة بن عمرو.

57-عبد الله بن عمرو من بني حرام.

58-عمرو بن الجموح من بني حرام دفنا في قبر واحد.

59-خلاد بن عمرو بن الجموح.

60-أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح.

77

(1) -61-سليم بن عمرو بن حديدة.

62-عنترة مولى سليم.

63-سهل بن قيس بن أبي كعب.

64-ذكوان بن عبد قيس.

65-عبيد بن المعلى.

66-مالك بن تميلة.

67-حارث بن عدي بن خرشة.

68-مالك بن إياس.

69-إياس بن عدي.

70-عمرو بن إياس.

فهؤلاء سبعون رجلا على ما ذكره ابن هشام في سيرة النبي ص‏

78

(1) -

بيان‏

الآيات مرتبطة بما تقدم من الآيات النازلة في غزوة أحد فكأنها و خاصة الآيات الأربع الأول منها تتمة لها لأن أهم ما تتعرض لها تلك الآيات قضية الابتلاء و الامتحان الإلهي لعباده، و على ذلك فهذه الآيات بمنزلة الفذلكة لآيات أحد يبين الله سبحانه فيها أن سنة الابتلاء و الامتحان سنة جارية لا مناص عنها في كافر و لا مؤمن، فالله سبحانه مبتليهما ليخرج ما في باطن كل منهما إلى ساحة الظهور فيتمحض الكافر للنار و يتميز الخبيث من الطيب في المؤمن.

قوله تعالى: «وَ لاََ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسََارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ» إلى آخر الآية تسلية و رفع للحزن ببيان حقيقة الأمر فإن مسارعتهم في الكفر و تظاهرهم على إطفاء نور الله و غلبتهم الظاهرة أحيانا ربما أوجبت أن يحزن المؤمن كأنهم غلبوا الله سبحانه في إرادة إعلاء كلمة الحق لكنه إذا تدبر في قضية الامتحان العام استيقن‏أن الله هو الغالب و أنهم جميعا واقعون في سبيل الغايات يوجهون إليها ليتم لهم الهداية التكوينية و التشريعية إلى غايات أمرهم فالكافر يوجه به بواسطة إشباعه بالعافية و النعمة و القدرة -و هو الاستدراج و المكر الإلهي-إلى آخر ما يمكنه أن يركبه من الطغيان و المعصية، و المؤمن لا يزال يحك به محك الامتحان ليخلص ما في باطنه من الإيمان المشوب بغيره، فيخلص لله أو يخلص شركه فيهبط في مهبط غيره من أولياء الطاغوت و أئمة الكفر.

فمعنى الآية: لا يحزنك الذين يسرعون و لا يزال يشتد سرعتهم في الكفر فإنك إن تحزن فإنما تحزن لما تظن أنهم يضرون الله بذلك و ليس كذلك فهم لا يضرون الله شيئا لأنهم مسخرون لله يسلك بهم في سير حياتهم إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة (و هو آخر حدهم في الكفر) و لهم عذاب أليم فقوله: لاََ يَحْزُنْكَ ، أمر إرشادي، و قوله:

إِنَّهُمْ «إلخ» تعليل للنهي، و قوله: يُرِيدُ اَللََّهُ «إلخ» تعليل و بيان لعدم ضررهم. ـ

79

(1) -}ثم ذكر تعالى نفي ضرر جميع الكافرين بالنسبة إليه أعم من المسارعين في الكفر و غيرهم، و هو كالبيان الكلي بعد البيان الجزئي يصح أن يعلل به النهي (لا يحزنك) و أن يعلل به علته (أنهم لن يضروا «إلخ» ) لأنه أعم يعلل به الأخص، و المعنى:

و إنما قلنا إن هؤلاء المسارعين لا يضرون الله شيئا لأن الكافرين جميعا لا يضرونه شيئا.

قوله تعالى: «وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» ، لما طيب نفس نبيه في مسارعة الكفار في كفرهم إن ذلك في الحقيقة تسخير إلهي لهم لينساقوا إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة عطف الكلام إلى الكفار أنفسهم، فبين‏ أنه لا ينبغي لهم أن يفرحوا بما يجدونه من الإملاء و الإمهال الإلهي فإن ذلك سوق لهم بالاستدراج إلى زيادة الإثم، و وراء ذلك عذاب مهيمن ليس معه إلا الهوان، كل ذلك بمقتضى سنة التكميل.

قوله تعالى: «مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ» «إلخ» ثم عطف الكلام إلى المؤمنين فبين أن سنة الابتلاء جارية فيهم ليتم تكميلهم أيضا فيخلص المؤمن الخالص من غيره، و يتميز الخبيث من الطيب.

و لما أمكن أن يتوهم أن هناك طريقا آخر إلى تمييز الخبيث من الطيب و هو أن يطلعهم على الخبثاء حتى يتميزوا منهم فلا يقاسوا جميع هذه المحن و البلايا التي يقاسونها بسبب اختلاط المنافقين و الذين في قلوبهم مرض بهم فدفع هذا الوهم بأن علم الغيب مما استأثر الله به نفسه فلا يطلع عليه أحدا إلا من اجتبى من رسله فإنه ربما أطلعه عليه بالوحي، و ذلك قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشََاءُ .

ثم ذكر أنه لما لم يكن من الابتلاء و التكميل محيد فآمنوا بالله و رسله حتى تنسلكوا في سلك الطيبين دون الخبثاء، غير أن الإيمان وحده لا يكفي في بقاء طيب الحياة حتى يتم الأجر إلا بعمل صالح يرفع الإيمان إلى الله و يحفظ طيبه، و لذلك قال أولا: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ ثم تممه ثانيا بقوله: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ .

و قد ظهر من الآية أولا: أن قضية تكميل النفوس و إيصالها إلى غايتها و مقصدها من السعادة و الشقاء مما لا محيص عنه.

و ثانيا: أن الطيب و الخباثة في عين أنهما منسوبان إلى ذوات الأشخاص يدوران‏

80

(1) -مدار الإيمان و الكفر اللذين هما أمران اختياريان لهم، و هذا من لطائف الحقائق القرآنية التي تنشعب منها كثير من أسرار التوحيد، و يدل عليها قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ : البقرة 148، إذا انضم إلى قوله: وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ : المائدة 48، و سيجي‏ء إشباع الكلام فيها في قوله تعالى: لِيَمِيزَ اَللََّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ اَلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى‏ََ بَعْضٍ XالآيةX الأنفال 37.

و ثالثا: أن الإيمان بالله و رسله مادة لطيب الحياة و هو طيب الذات، و أما الأجر فيتوقف على التقوى و العمل الصالح، و لذلك ذكر تعالى أولا حديث الميز بين الطيب و الخبيث ثم فرع عليه قوله: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ ، ثم لما أراد ذكر الأجر أضاف التقوى إلى الإيمان فقال: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ .

و بذلك يتبين في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ : «النحل: 97» ، إن الإحياء المذكور ثمرة الإيمان متفرع عليه، و الجزاء بالأجر متفرع على العمل الصالح فالإيمان روح الحياة الطيبة، و أما بقاؤها حتى يترتب عليها آثارها فيحتاج إلى العمل الصالح كالحياة الطبيعية التي تحتاج في تكونها و تحققها إلى روح حيواني، و بقاؤها يحتاج إلى استعمال القوى و الأعضاء، و لو سكنت الجميع بطلت و أبطلت الحياة.

و قد كرر لفظ الجلالة مرات في الآية، و الثلاثة الأواخر من وضع الظاهر موضع المضمر و ليس إلا للدلالة على مصدر الجلال و الجمال في أمور لا يتصف بها إلا هو بألوهيته و هو الامتحان، و الاطلاع على الغيب، و اجتباء الرسل، و أهلية الإيمان به.

قوله تعالى: «وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» الآية، لما بين حال إملاء الكافرين و كان الحال في البخل بالمال و عدم إنفاقه في سبيل الله مثله، فإن البخيل فرح فخور بما يجمعه من المال عطف تعالى الكلام إليهم و بين أنه شر لهم، و في التعبير عن المال بقوله: بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ إشعار بوجه لومهم و ذمهم، و قوله:

سَيُطَوَّقُونَ إلخ في مقام التعليل لكون البخل شرا لهم، و قوله: وَ لِلََّهِ مِيرََاثُ اَلسَّمََاوََاتِ ، الظاهر أنه حال من يوم القيامة، و كذا قوله: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .

81

(1) -و يحتمل على بعد أن يكون قوله: وَ لِلََّهِ مِيرََاثُ حالا من فاعل قوله يبخلون، و قوله: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ حالا منه أيضا أو جملة مستأنفة.

بحث روائي‏

في تفسير العياشي، عن الباقر (ع) *أنه سئل عن‏ الكافر الموت خير له أم الحياة؟ فقال: الموت خير للمؤمن و الكافر-لأن الله يقول: وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرََارِ ، و يقول:

لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ، الآية.

أقول: الاستدلال المذكور في الرواية لا يوافق مذاق أئمة أهل البيت كل الموافقة فإن الأبرار طائفة خاصة من المؤمنين لا جميعهم إلا أن يقال: إن المراد بالأبرار جميع المؤمنين بما في كل منهم من شي‏ء من البر، و روي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود.

82

(1) -

بيان‏

الآيات مرتبط بما قبلها، فقد كانت عامة الآيات السابقة في استنهاض الناس و ترغيبهم على الجهاد في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم، و تحذيرهم عن الوهن و الفشل و البخل فيرتبط بها قول اليهود: إن الله فقير و نحن أغنياء، و تقليبهم الأمر على المسلمين، و تكذيبهم آيات الرسالة، و كتمانهم ما أخذ منهم الميثاق لبيانه، و هذه هي التي تتعرض الآيات لبيانها مع ما فيها من تقوية قلوب المؤمنين على الاستقامة و الصبر و الثبات، و التحريض على الإنفاق في سبيل الله.

قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ» القائلون هم اليهود بقرينة ما في ذيل الكلام من حديث قتلهم الأنبياء و غير ذلك.

83

(1) -و إنما قالوا ذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً XالآيةX: «البقرة: 245» و يشهد بذلك بعض الشهادة اتصاله بالآية السابقة: وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ ، الآية.

أو أنهم قالوا ذلك لما رأوا فقر عامة المؤمنين و فاقتهم، فقالوا ذلك تعريضا بأن ربهم لو كان غنيا لغار لهم و أغناهم فليس إلا فقيرا و نحن أغنياء.

قوله تعالى: «سَنَكْتُبُ مََا قََالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» الآية، المراد بالكتابة الحفظ و التثبيت أو الكتابة في صحائف أعمالهم، و المآل واحد، و المراد بقتل الأنبياء بغير حق القتل على العرفان و العمد دون السهو و الخطإ و الجهالة، و قد قارن الله قولهم هذا بقتلهم الأنبياء لكونه قولا عظيما، و قوله: عَذََابَ اَلْحَرِيقِ ، الحريق‏ النار أو اللهب و قيل: هو بمعنى المحرق.

قوله تعالى: «ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» الآية، أي بما قدمتم أمامكم من العمل و نسب إلى الأيدي لأنها آلة التقديم غالبا، و قوله: وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ عطف على قوله: بِمََا قَدَّمَتْ ، و تعليل للكتابة و العذاب، فلو لم يكن ذلك الحفظ و الجزاء لكان إهمالا لأمر نظام الأعمال و في ذلك ظلم كثير بكثرة الأعمال فيكون ظلاما لعباده تعالى عن ذلك.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ عَهِدَ إِلَيْنََا» الآية، نعت للذين قبله و العهد هو الأمر، و القربان ما يتقرب به من النعم و غيره، و أكل النار كناية عن إحراقها، و المراد بقوله: قَدْ جََاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي ، أمثال زكريا و يحيى من أنبياء بني إسرائيل المقتولين بأيديهم.

قوله تعالى: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ» الآية، تسلية للنبي ص في تكذيبهم له، و الزبر جمع زبور و هو كتاب الحكم و المواعظ، و قد أريد بالزبر و الكتاب المنير مثل كتاب نوح و صحف إبراهيم و التوراة و الإنجيل.

قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ» ، الآية تتضمن الوعد للمصدق و الوعيد للمكذب و قد بدأ فيها بالحكم العام المقضي في حق كل ذي نفس، و التوفية هو الإعطاء الكامل، و قد استدل بعضهم بالآية على ثبوت البرزخ لدلالتها على سبق بعض الإعطاء

84

(1) -و أن الذي في يوم القيامة هو الإعطاء الكامل، و هو استدلال حسن، و الزحزحة هو الإبعاد، و أصله تكرار الجذب بعجلة، و الفوز الظفر بالبغية، و الغرور مصدر غر أو هو جمع غار.

قوله تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوََالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ» الآية، الإبلاء الاختبار، بعد ما ذكر سبحانه جريان البلاء و الإبلاء على المؤمنين، ثم ذكر قول اليهود و هو مما من شأنه أن يوهن عزم المؤمنين أخبرهم بأن هذا الإبلاء الإلهي و الأقاويل المؤذية من أهل الكتاب و المشركين ستتكرر على المؤمنين، و يكثر استقبالها إياهم و قرعها سمعهم فعليهم أن يصبروا و يتقوا حتى يعصمهم ربهم من الزلل و الفشل، و يكونوا أرباب عزم و إرادة، و هذا إخبار قبل الوقوع ليستعدوا لذلك استعدادهم، و يوطنوا عليه أنفسهم.

و قد وضع في قوله: وَ لَتَسْمَعُنَّ إلى قوله: أَذىً كَثِيراً ، الأذى‏ الكثير موضع القول و هو من قبيل وضع الأثر موضع المؤثر مجازا.

قوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ» ، النبذ الطرح، و نبذه وراء ظهره كالمثل يراد به الترك و عدم الاعتناء كما أن قولهم: جعله نصب عينيه كالمثل يراد به الأخذ و اللزوم.

قوله تعالى: «لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمََا أَتَوْا إلى آخر الآيتين، أي بما أنعم عليهم من المال و لازمه حب المال و البخل به، و المفازة النجاة و إنما هلك هؤلاء لأن قلوبهم تعلقت بالباطل فلا ولاية للحق عليهم.

ثم ذكر تعالى حديث ملكه للسماوات و الأرض، و قدرته على كل شي‏ء، و هذان الوصفان يصلحان لتعليل مضامين جميع ما تقدم من الآيات.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن قتادة"*: في قوله: لَقَدْ سَمِعَ اَللََّهُ الآية، قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزل: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً-فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً، قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني.

85

(1) -

و في تفسير العياشي، *: في الآية عن الصادق (ع) قال*: و الله ما رأوا الله حتى يعلموا أنه فقير، و لكنهم رأوا أولياء الله فقراء فقالوا: لو كان غنيا لأغنى أولياءه ففخروا على الله بالغنى.

و في المناقب، عن الباقر (ع) *: هم الذين يزعمون أن الإمام يحتاج إلى ما يحملونه إليه.

أقول: أما الروايتان الأوليان فقد تقدم انطباق مضمونهما على الآية، و أما الثالثة فهي من الجري.

و في الكافي، عن الصادق (ع) قال*: كان بين القائلين و القاتلين خمسمائة عام- فألزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا.

أقول: ما ذكر من السنين لا يوافق التاريخ الميلادي الموجود فارجع إلى ما تقدم من البحث التاريخي.

و في الدر المنثور، " *في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ الآية، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب-قال*: لما توفي النبي ص و جاءت التعزية-جاءهم آت يسمعون حسه و لا يرون شخصه-فقال: السلام عليكم يا أهل البيت و رحمة الله و بركاته-كل نفس ذائقة الموت-و إنما توفون أجوركم يوم القيامة-إن في الله عزاء من كل مصيبة و خلفا من كل هالك، و دركا من كل ما فات فبالله فثقوا، و إياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، فقال علي: هذا الخضر.

و فيه أخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال*: قال رسول الله ص*: لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها-ثم تلا هذه الآية: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنََّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فََازَ .

أقول: و رواه فيه ببعض طرق أخر عن غيره، و اعلم أن هنا روايات كثيرة في أسباب نزول هذه الآيات تركنا إيرادها لظهور كونها من التطبيق النظري.

86

(1) -

87

(1) -}

بيان‏

الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب في هذه السورة، بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه، و التفكر في آياته و الاستجارة بالله من عذاب النار، و سؤال المغفرة و الجنة، و أن الله استجاب لهم و سيرزقهم ما سألوه-هذه عامة حالهم-و أن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاع قليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم، و قد استثنى منهم المتبعين للحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين.

قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» ، كان المراد بالخلق كيفية وجودها و آثارها و أفعالها من حركة و سكون و تغير و تحول فيكون خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار مشتملا على معظم الآيات المحسوسة و قد تقدم بيانها في سورة البقرة (1) . و تقدم أيضا معنى أولي الألباب‏ (2) .

}قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً» «إلخ» أي يذكرون الله في جميع حالاتهم من القيام و القعود و الاضطجاع، و قد مر البحث في معنى الذكر و التفكر، و محصل معنى الآيتين أن النظر في آيات السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار أورثهم ذكرا دائما لله فلا ينسونه في حال، و تفكرا في خلق السموات و الأرض يتذكرون به أن الله سيبعثهم للجزاء فيسألون عندئذ رحمته و يستنجزون وعده.

قوله تعالى: «رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً» ، إنما قيل «هََذََا» مع كون المشار إليه جمعا و مؤنثا إذ الغرض‏ لا يتعلق بتمييز أشخاصها و أسمائها، و الجميع في أنها خلق واحد، و هذا نظير ما حكى الله تعالى من قول إبراهيم: فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي هََذََا أَكْبَرُ : «الأنعام: 78» ، لعدم علمه بعد بحقيقتها و اسمها سوى أنها شي‏ء.

و الباطل ما ليس له غاية يتعلق به الغرض قال تعالى: فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ : «الرعد: 17» و لذلك لما نفوا البطلان عن

____________

(1) تفسير آية: 16 من سورة البقرة

(2) في تفسير الآية السابعة من هذه السورة.

88

(1) -الخلق لاح لهم أن الله سيحشر الناس للجزاء، و أنه تعالى سيجزي هناك الظالمين جزاء خزي و هو النار، و لا راد يرد مصلحة العقاب و إلا لبطل الخلقة، و هذا معنى قولهم:

فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار.

}قوله تعالى: «رَبَّنََا إِنَّنََا سَمِعْنََا مُنََادِياً» ، المراد بالمنادي رسول الله ص، و قوله: أَنْ آمِنُوا . بيان للنداء و أن تفسيرية، و لما ذكروا إيمانهم بالمنادي و هو الرسول و هو يخبرهم بأمور عن الله تعالى يحذرهم من بعضها كالذنوب و السيئات و الموت على الكفر و الذنب، و يرغبهم في بعضها كالمغفرة و الرحمة و تفاصيل الجنة التي وعد الله عباده المؤمنين الأبرار بها سألوا ربهم أن يغفر لهم و يكفر عن سيئاتهم و يتوفاهم مع الأبرار و سألوه‏ أن ينجزهم ما وعدهم من الجنة و الرحمة على ما ضمنه لهم الرسل بإذن الله فقالوا: فَاغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا «إلخ» فقوله تعالى: عَلى‏ََ رُسُلِكَ أي حملته على رسلك و ضمنه عليك الرسل، و قوله: وَ لاََ تُخْزِنََا ، أي بإخلاف الوعد، و لذا عقبه بقوله: إِنَّكَ لاََ تُخْلِفُ اَلْمِيعََادَ .

و قد تبين من الآيات أنهم إنما حصلوا الاعتقاد بالله و اليوم الآخر و بأن لله رسلا بالنظر في الآيات و أما تفاصيل ما جاء به النبي فمن طريق الإيمان بالرسول فهم على الفطرة فيما يحكم به الفطرة، و على السمع و الطاعة فيما فيه ذلك.

قوله تعالى: «فَاسْتَجََابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ» «إلخ» التعبير بالرب و إضافته إليهم يدل على ثوران الرحمة الإلهية و يدل عليه أيضا التعميم الذي في قوله: أَنِّي لاََ أُضِيعُ عَمَلَ عََامِلٍ مِنْكُمْ ، فلا فرق عنده تعالى بين عمل و عمل، و لا بين عامل و عامل.

و على هذا فقوله تعالى في مقام التفريع: فَالَّذِينَ هََاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أُوذُوا «إلخ» في مقام تفصيل صالحات الأعمال لتثبيت ثوابها، و الواو للتفصيل دون الجمع حتى يكون لبيان ثواب المستشهدين من المهاجرين فقط.

و الآية مع ذلك لا تفصل إلا الأعمال التي تندب إليها هذه السورة و تبالغ في التحريض و الترغيب فيها، و هو إيثار الدين على الوطن و تحمل الأذى في سبيل الله و الجهاد.

و الظاهر أن المراد بالمهاجرة ما يشمل المهاجرة عن الشرك و العشيرة و الوطن لإطلاق اللفظ، و لمقابلته قوله: وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ ، و هو هجرة خاصة، و لقوله‏

89

(1) -بعده: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ ، فإن ظاهر السيئات في‏القرآن صغائر المعاصي فهم هاجروا الكبائر بالاجتناب و التوبة، فالمهاجرة المذكورة أعم فافهم ذلك.

}قوله تعالى: «لاََ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ» إلخ، هذا بمنزلة دفع الدخل و التقدير: هذا حال أبرار المؤمنين و هذا أجرهم، و أما ما ترى فيه الكفار من رفاه الحال و ترف الحياة و در المعاش فلا يغرنك ذلك (الخطاب للنبي و المقصود به الناس) لأنه متاع قليل لا دوام له.

قوله تعالى: لََكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلخ، النزل‏ ما يعد للنازل من طعام و شراب و غيرهما، و المراد بهم الأبرار بدليل ما في آخر الآية، و هذا يؤيد ما ذكرناه من أن الآية السابقة دفع دخل.

قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إلخ، المراد أنهم مشاركون للمؤمنين في حسن الثواب، و الغرض منه أن السعادة الأخروية ليست جنسية حتى يمنع منها أهل الكتاب و إن آمنوا بل الأمر دائر مدار الإيمان بالله و برسله فلو آمنوا كانوا هم و المؤمنون سواء.

و قد نفي عن هؤلاء الممدوحين من أهل الكتاب ما ذمهم الله به في سوابق الآيات و هو التفريق بين رسل الله، و كتمان ما أخذ ميثاقهم لبيانه اشتراء بآيات الله‏ثمنا قليلا.

بحث فلسفي و مقايسة بين القرآن و التوراة في أمر النساء

المشاهدة و التجربة تقضيان أن الرجل و المرأة فردان من نوع جوهري واحد، و هو الإنسان فإن جميع الآثار المشهودة في صنف الرجل مشهودة في صنف المرأة من غير فرق، و بروز آثار النوع يوجب تحقق موضوعه بلا شك، نعم يختلف الصنف بشدة و ضعف في بعض الآثار المشتركة و هو لا يوجب بطلان وجود النوعية في الفرد، و بذلك يظهر أن الاستكمالات النوعية الميسورة لأحد الصنفين ميسورة في الآخر، و منها الاستكمالات المعنوية الحاصلة بالإيمان و الطاعات و القربات، و بذلك يظهر عليك أن أحسن كلمة و أجمعها في إفادة هذا المعنى قوله سبحانه: «أَنِّي لاََ أُضِيعُ عَمَلَ عََامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» .

و إذا قايست ذلك إلى ما ورد في التوراة بان لك الفرق بين موقعي الكتابين‏

90

(1) -

ففي سفر الجامعة من التوراة، ": «درت أنا و قلبي لأعلم و لأبحث و لأطلب حكمة و عقلا، و لأعرف الشر أنه جهالة، و الحماقة أنها جنون، فوجدت أمر من الموت المرأة التي هي شباك، و قلبها أشراك، و يداها قيود، إلى أن قال: رجلا واحدا بين ألف-وجدت إما امرأة فبين كل أولئك لم أجد»

و قد كانت أكثر الأمم القديمة لا ترى قبول عملها عند الله سبحانه، و كانت تسمى في اليونان رجسا من عمل الشيطان، و كانت ترى الروم و بعض اليونان أن ليس لها نفس مع كون الرجل ذا نفس مجردة إنسانية، و قرر مجمع فرنسا سنة 586 م‏بعد البحث الكثير في أمرها أنها إنسان لكنها مخلوقة لخدمة الرجل، و كانت في إنجلترا قبل مائة سنة تقريبا لا تعد جزء المجتمع الإنساني، فارجع في ذلك إلى كتب الآراء و العقائد و آداب الملل تجد فيها عجائب من آرائهم.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال*: قال رسول الله ص*: تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله:

أقول: و روي هذا المعنى أيضا بطرق أخرى عن عدة من الصحابة كعبد الله بن سلام و ابن عمر عنه (ص) و الرواية مروية من طرق الشيعة أيضا

و المراد بالتفكر في الله أو في ذات الله على اختلاف الروايات التفكر في كنهه و قد قال تعالى: «وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» : طه-110، و أما صفاته تعالى فالقرآن أعدل شاهد على أنه تعالى يعرف بها، و قد ندب إلى معرفته بها في آيات كثيرة.

و فيه، أخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال*: قال رسول الله ص*: فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة.

أقول: و في بعض الروايات: من عبادة ليلة، و في بعضها: من عبادة سنة، و هو مروي من طرق الشيعة أيضا.

و قد ورد من طرق أهل السنة"*: أن قوله تعالى: فَاسْتَجََابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ، الآية نزلت في أم سلمة-لما قالت للنبي ص-يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشي‏ء- فأنزل الله: فَاسْتَجََابَ لَهُمْ ، الآية.

91

(1) -

و ورد من طرق الشيعة"*: أن قوله: فَالَّذِينَ هََاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا الآية، نزلت في علي (ع) لما هاجر و معه الفواطم: فاطمة بنت أسد، و فاطمة بنت محمد ص، و فاطمة بنت الزبير، ثم لحق بهم في ضجنان أم أيمن و نفر من ضعفاء المؤمنين-فساروا و هم يذكرون الله في جميع أحوالهم-حتى لحقوا بالنبي ص و قد نزلت الآيات.

و ورد من طرق أهل السنة"*: أنها نزلت في المهاجرين‏

، و

ورد أيضا أن قوله:

لاََ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الآيات، نزل حين تمنى بعض المؤمنين ما عليه الكفار من حسن الحال‏

و

ورد أيضا أن قوله: وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ الآية، نزل في النجاشي و نفر من أصحابه لما مات هو فصلى عليه رسول الله ص و هو في المدينة فطعن فيه بعض المنافقين أنه يصلي على من ليس في دينه فأنزل الله: وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ ، الآية.

فهذه جميعا روايات تطبق الآيات على القصص، و ليست بأسباب للنزول حقيقة.

بيان‏

الآية بمنزلة الفذلكة لتفصيل البيان الوارد في السورة، و فيه تخلص منه بأخذ النتيجة و إعطائها.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صََابِرُوا» «إلخ» ، الأوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد، و الصبر في طاعة الله، و الصبر عن معصيته، و على أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله.

و المصابرة هي التصبر و تحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال و يشتد الوصف و يتضاعف تأثيره، و هذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد، و في حال الاجتماع و التعاون بإيصال القوى بعضها ببعض و سنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محله.

92

(1) -قوله تعالى: وَ رََابِطُوا أعم معنى من المصابرة و هي إيجاد الجماعة، الارتباط بين قواهم و أفعالهم في جميع شئون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة و حال الرخاء و لما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا و الآخرة-و إلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا و ليست بحقيقة السعادة-عقب هذه الأوامر بقوله تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني الفلاح التام الحقيقي.

كلام في المرابطة في المجتمع الإسلامي‏

1-الإنسان و الاجتماع:

كون النوع الإنساني نوعا اجتماعيا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك، و لم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ و الآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها و يحكم على هذه الأرض.

و قد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا، XالآيةX: «الحجرات: 13» و قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا : «الزخرف: 32» ، و قال تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ : «آل عمران: 195» ، و قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمََاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً : «الفرقان: 54» ، إلى غير ذلك. (1)

2-الإنسان و نموه في اجتماعه:

الاجتماع الإنساني كسائر الخواص الروحية الإنسانية و ما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تاما كاملا لا يقبل النماء و الزيادة بل هو كسائر الأمور الروحية الإدراكية الإنسانية لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية و المعنوية و على الحقيقة لم يكن من المتوقع أن يستثني هذه الخاصة من بين جميع الخواص الإنسانية فتظهر أول ظهورها تامة كاملة أتم ما يكون و أكمله بل هي كسائر الخواص الإنسانية التي لها ارتباط بقوتي العلم و الإرادة تدريجية الكمال في الإنسان و الذي يظهر من التأمل في حال هذا النوع أن أول ما ظهر من الاجتماع فيه

____________

(1) و ليرجع في دلالة كل واحدة من الآيات إلى المحل المختص بها من هذا التفسير

93

(1) -الاجتماع المنزلي بالازدواج لكون عامله الطبيعي و هو جهاز التناسل أقوى عوامل الاجتماع لعدم تحققه إلا بأزيد من فرد واحد أصلا بخلاف مثل التغذي و غيره ثم ظهرت منه الخاصة التي سميناها في المباحث المتقدمة من هذا الكتاب بالاستخدام و هو توسيط الإنسان غيره في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته و تحميل إرادته عليه ثم برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل و رئيس العشيرة و رئيس القبيلة و رئيس الأمة و بالطبع كان المقدم المتعين من بين العدة أولا أقواهم و أشجعهم ثم أشجعهم، و أكثرهم مالا و ولدا و هكذا حتى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة و السياسة و هذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنية و قيامها على ساقها حتى اليوم و سنستوفي البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز.

و خاصة الاجتماع بتمام أنواعها (المنزلي و غيره) و إن لم تفارق الإنسانية في هذه الأدوار و لو برهة إلا أنها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلا بل كانت تعيش و تنمو بتبع الخواص الأخرى المعني بها للإنسان كالاستخدام و الدفاع و نحو ذلك.

و القرآن الكريم يخبر أن أول ما نبه الإنسان بالاجتماع تفصيلا و اعتنى بحفظه استقلالا نبهته به النبوة قال تعالى: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا : «يونس: 19» ، و قال: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ : «البقرة: 213» ، حيث ينبئ أن الإنسان في أقدم عهوده كان أمة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم حتى ظهرت الاختلافات و بانت المشاجرات فبعث الله الأنبياء و أنزل معهم الكتاب ليرفع به الاختلاف، و يردهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرعة.

و قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ : «الشورى: 13» ، فأنبأ أن رفع الاختلاف من بين الناس و إيجاد الاتحاد في كلمتهم إنما كان في صورة الدعوة إلى إقامة الدين و عدم التفرق فيه فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح.

و الآية-كما ترى-تحكي هذه الدعوة (دعوة الاجتماع و الاتحاد) عن نوح (ع) و هو أقدم الأنبياء أولي الشريعة و الكتاب ثم عن إبراهيم ثم عن موسى ثم عيسى (ع)

94

(1) -و قد كان في شريعة نوح و إبراهيم النزر اليسير من الأحكام، و أوسع هؤلاء الأربعة شريعة موسى‏ و تتبعه شريعة عيسى على ما يخبر به القرآن و هو ظاهر الأناجيل و ليس في شريعة موسى-على ما قيل-إلا ستمائة حكم تقريبا.

فلم تبدأ الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلة صريحة إلا من ناحية النبوة في قالب الدين كما يصرح به القرآن، و التاريخ يصدقه على ما سيجي‏ء.

3-الإسلام و عنايته بالاجتماع:

لا ريب أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسس بنيانه على الاجتماع صريحا و لم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شئونه فانظر-إن أردت زيادة تبصر في ذلك-إلى سعة الأعمال الإنسانية التي تعجز عن إحصائها الفكرة و إلى تشعبها إلى أجناسها و أنواعها و أصنافها ثم انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهية لها و إحاطتها بها و بسط أحكامها عليها ترى عجبا ثم انظر إلى تقليبه ذلك كله في قالب الاجتماع ترى أنه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ.

ثم خذ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقة التي يعتني بها القرآن و هي شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى حتى تعاين النسبة و تعرف المنزلة.

و أما ما لا يعتني به القرآن الكريم من الشرائع كأديان الوثنية و الصابئة و المانوية و الثنوية و غيرها فالأمر فيها أظهر و أجلى.

و أما الأمم المتمدنة و غيرها فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلا أنها كانت تتبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانية من استتباع الاجتماع بالاستخدام، و اجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد و السلطة الملوكية فكان الاجتماع القومي و الوطني و الإقليمي يعيش تحت راية الملك و الرئاسة، و يهتدي بهداية عوامل الوراثة و المكان و غيرهما من غير أن يعتني أمة من هذه الأمم عناية مستقلة بأمره، و تجعله موردا للبحث و العمل، حتى الأمم المعظمة التي كانت لها سيادة الدنيا حينما شرقت شارقة الدين و أخذت في إشراقها و إنارتها أعني إمبراطورية الروم و الفرس فإنها لم تكن إلا قيصرية و كسروية تجتمع أممها تحت لواء الملك و السلطنة و يتبعها الاجتماع في رشده و نموه و يمكث بمكثها.

نعم يوجد فيما ورثوه أبحاث اجتماعية في مسفورات حكمائهم من أمثال سقراط

95

(1) -و أفلاطون و أرسطو و غيرهم إلا أنها كانت أوراقا و صحائف لا ترد مورد العمل، و مثلا ذهنية لا تنزل مرحلة العين و الخارج، و التاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه.

فأول نداء قرع سمع النوع الإنساني و دعي به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الإهمال و حكم التبعية هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة و السلام، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة و طيب العيش مجتمعين، قال تعالى: وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاََ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ : «الأنعام: 153» ، و قال: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا، Xإلى أن قال: X وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ X (يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق و الانشعاب) X وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ` وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ : «آل عمران: 105» ، و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ : «الأنعام: 159» ، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الداعية إلى أصل الاجتماع و الاتحاد.

و قال تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ : «الحجرات: 10» ، و قال: وَ لاََ تَنََازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ : «الأنفال: 46» ، و قال: وَ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ : «المائدة: 2» ، و قال: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ : «آل عمران: 104» إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلامي على الاتفاق و الاتحاد في حيازة منافعها و مزاياها المعنوية و المادية و الدفاع عنه على ما سنوضحه بعض الإيضاح.

4 اعتبار الإسلام رابطة الفرد و المجتمع:

الصنع و الإيجاد يجعل أولا أجزاء ابتدائية لها آثار و خواص ثم يركبها و يؤلف بينها على ما فيها من جهات البينونة فيستفيد منها فوائد جديدة مضافة إلى ما للأجزاء من الفوائد المشهودة فالإنسان مثلا له أجزاء و أبعاض و أعضاء و قوى لها فوائد متفرقة مادية و روحية ربما ائتلفت فقويت و عظمت كثقل كل واحد من الأجزاء و ثقل المجموع و التمكن و الانصراف من جهة إلى جهة و غير ذلك، و ربما لم تأتلف و بقيت على حال التباين و التفرق كالسمع و البصر و الذوق و الإرادة و الحركة إلا أنها جميعا من جهة الوحدة في التركيب تحت سيطرة

96

(1) -الواحد الحادث الذي هو الإنسان-، و عند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كل واحد من أجزائه و هي فوائد جمة من قبيل الفعل و الانفعال و الفوائد الروحية و المادية، و من فوائده حصول كثرة عجيبة في تلك الفوائد في عين الوحدة فإن المادة الإنسانية كالنطفة مثلا إذا استكملت نشأتها قدرت على إفراز شي‏ء من المادة من نفسها و تربيتها إنسانا تاما آخر يفعل نظائر ما كان يفعله أصله و محتده من الأفعال المادية و الروحية فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان و هو واحد، و أفعالها كثيرة عددا واحدة نوعا و هي تجتمع و تأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية فهي مياه كثيرة ذو نوع واحد و هي ذات خواص كثيرة نوعها واحد و كلما جمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصة و عظم الأثر.

و قد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع و هدايتها إلى سعادتها الحقيقة هذا المعنى الحقيقي فيها و لا مناص من اعتباره، قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمََاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً : «الفرقان: 54» ، و قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ : «الحجرات: 13» ، و قال: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ : «آل عمران: 195» .

و هذه الرابطة الحقيقية بين الشخص و المجتمع لا محالة تؤدي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمده الأشخاص من وجودهم و قواهم و خواصهم و آثارهم فيتكون في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود و خواص الوجود و هو ظاهر مشهود، و لذلك اعتبر القرآن للأمة وجودا و أجلا و كتابا و شعورا و فهما و عملا و طاعة و معصية فقال:

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ : «الأعراف: 34» ، و قال: كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا، : «الجاثية: 28» و قال: زَيَّنََّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ «الأنعام: 108» ، و قال: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ : «المائدة: 66» ، و قال: أُمَّةٌ قََائِمَةٌ يَتْلُونَ آيََاتِ اَللََّهِ : «آل عمران: 113» ، و قال: وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جََادَلُوا بِالْبََاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَ‏ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كََانَ عِقََابِ : «غافر: 5» ، و قال:

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذََا جََاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ : «يونس: 47» .

و من هنا ما نرى أن القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك و العظماء، و لم يشتغل المؤرخون بتواريخ الأمم و المجتمعات إلا بعد نزول القرآن فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي و ابن خالدون حتى ظهر التحول الأخير في التاريخ النقلي

97

(1) -بتبديل الأشخاص أمما، و أول من سنه على ما يقال: «أغوست كنت الفرنسي المتوفى سنة 1857 ميلادية» .

و بالجملة لازم ذلك على ما مرت الإشارة إليه تكون قوى و خواص اجتماعية قوية تقهر القوى و الخواص الفردية عند التعارض و التضاد، على أن الحس و التجربة يشهدان بذلك في القوى و الخواص الفاعلة و المنفعلة معا، فهمة الجماعة و إرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات و في الهجمات الاجتماعية لا تقوم لها إرادة معارضة و لا مضادة من واحد من أشخاصها و أجزائها، فلا مفر للجزء من أن يتبع كله و يجري على ما يجري عليه حتى أنه يسلب الشعور و الفكر من أفراده و أجزائه، و كذا الخوف العام و الدهشة العامة كما في موارد الانهزام و انسلاب الأمن و الزلزلة و القحط و الوباء أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة و الأزياء القومية و نحوهما تضطر الفرد على الاتباع و تسلب عنه قوة الإدراك و الفكر.

و هذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع ذلك الاهتمام الذي لا نجد و لن نجد ما يماثله في واحد من الأديان الأخر و لا في سنن الملل المتمدنة (و لعلك لا تكاد تصدق ذلك) ، فإن تربية الأخلاق و الغرائز في الفرد و هو الأصل في وجود المجتمع لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق و الغرائز المعارضة و المضادة القوية القاهرة في المجتمع إلا يسيرا لا قدر له عند القياس و التقدير.

فوضع أهم أحكامه و شرائعه كالحج و الصلاة و الجهاد و الإنفاق و بالجملة التقوي الديني على أساس الاجتماع، و حافظ على ذلك مضافا إلى قوى الحكومة الإسلامية الحافظة لشعائر الدين العامة و حدودها، و مضافا إلى فريضة الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العامة لجميع الأمة بجعل غرض المجتمع الإسلامي-و كل مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك-هي السعادة الحقيقية و القرب و المنزلة عند الله، و هذا رقيب باطني لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان و سره-فضلا عما في ظاهره- و إن خفي على طائفة الدعاة و جماعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هذا هو الذي ذكرنا أن الإسلام تفوق سنة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن و الطرائق.

98

(1) -

5-هل تقبل سنة الإسلام الاجتماعية الإجراء و البقاء

؟و لعلك تقول لو كان ما ذكر من كون نظر الإسلام في تكوين المجتمع الصالح أرقى بناء و أتقن أساسا حتى من المجتمعات التي كونتها الملل المتمدنة المترقية حقا فما باله لم يقبل الإجراء إلا برهة يسيرة ثم لم يملك نفسه دون أن تبدل قيصرية و كسروية-و تحول إمبراطورية أفجع و أشنع أعمالا مما كان قبله بخلاف المدنية الغربية التي تستديم البقاء.

و هذا هو الدليل على كون مدنيتهم أرقى و سنتهم في الاجتماع أتقن و أشد استحكاما، و قد وضعوا سنتهم الاجتماعية و قوانينهم الدائرة على أساس إرادة الأمة و اقتراح الطباع و الميول ثم اعتبروا فيها إرادة الأكثر و اقتراحهم، لاستحالة اجتماع الكل بحسب العادة إرادة، و غلبة الأكثر سنة جارية في الطبيعة مشهودة فإنا نجد كلا من العلل المادية و الأسباب الطبيعية مؤثرة على الأكثر لا على الدوام، و كذا العوامل المختلفة المتنازعة إنما يؤثر منها الأكثر دون الكل و دون الأقل فمن الحري أن يبنى هيكل الاجتماع بحسب الغرض و بحسب السنن و القوانين الجارية فيه على إرادة الأكثر و أما فرضية الدين فليست في الدنيا الحاضرة إلا أمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض و مثالا عقليا غير جائز النيل.

و قد ضمنت المدنية الحاضرة فيما ظهرت فيه من الممالك قوة المجتمع و سعادتها و تهذب الأفراد و طهارتهم من الرذائل و هي الأمور التي لا يرتضيها المجتمع كالكذب و الخيانة و الظلم و الجفاء و الجفاف و نحو ذلك.

و هذا الذي أوردناه محصل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا معاشر الشرقيين و خاصة المحصلين من فضلائنا المتفكرين في المباحث الاجتماعية و النفسية غير أنهم وردوا هذا البحث من غير مورده فاختلط عليهم حق النظر، و لتوضيح ذلك نقول:

أما قولهم: إن السنة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة الجريان في الدنيا على خلاف سنن المدنية الحاضرة في جو الشرائط الموجودة، و معناه أن الأوضاع الحاضرة في الدنيا لا تلائم الأحكام المشرعة في الإسلام‏فهو مسلم لكنه لا ينتج شيئا فإن جميع السنن الدائرة في الجامعة الإنسانية إنما حدثت بعد ما لم تكن و ظهرت في حين لم تكن عامة الأوضاع و الشرائط الموجودة إلا مناقضة له طاردة إياه، فانتهضت و نازعت السنن السابقة المستمرة المتعرقة و ربما اضطهدت و انهزمت في أول نهضتها ثم عادت ثانيا و ثالثا

99

(1) -حتى غلبت و تمكنت و ملكت سيطرتها و ربما بادت و انقرضت إذ لم يساعدها العوامل و الشرائط بعد، و التاريخ يشهد (1) بذلك في جميع السنن الدينية و الدنيوية حتى في مثل الديمقراطية و الاشتراك، و إلى مثله يشير قوله تعالى: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ «: -آل عمران: 137، يشير إلى أن السنة التي تصاحب تكذيب آيات الله لا تنتهي إلى عاقبة حسنة محمودة.

فمجرد عدم انطباق سنة من السنن على الوضع الإنساني الحاضر ليس يكشف عن بطلانه و فساده بل هو من جملة السنن الطبيعية الجارية في العالم لتتميم كينونة الحوادث الجديدة إثر الفعل و الانفعال و تنازع العوامل المختلفة.

و الإسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعي و الاجتماعي و ليس بمستثنى من هذه الكلية، فحاله من حيث التقدم و التأخر و الاستظهار بالعوامل و الشرائط حال سائر السنن و ليس حال الإسلام اليوم-و قد تمكن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون من أفراد البشر و نشب في قلوبهم-بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح و إبراهيم و محمد ص و قد قامت دعوة كل منهم بنفس واحدة و لم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد ثم انبسطت و تعرقت و عاشت و اتصل بعضها ببعض فلم ينقطع حتى اليوم.

و قد قام رسول الله ص بالدعوة و لم يكن معه من يستظهر به يومئذ إلا رجل و امرأة ثم لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد و اليوم يوم العسرة كل العسرة حتى أتاهم نصر الله فتشكلوا مجتمعا صالحا ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح و التقوى و مكثوا برهة على الصلاح الاجتماعي حتى كان من أمر الفتن بعد رسول الله ص ما كان.

و هذا الأنموذج اليسير على قصر عمره و ضيق نطاقه لم يلبث حتى انبسط في أقل

____________

(1) و من أوضح الشواهد أن السنة الديمقراطية بعد الحرب العالمية الأولى (و هي اليوم السنة العالمية المرضية الوحيدة) تحولت في روسيا إلى الشيوعية و الحكومة الاشتراكية ثم لحق لها بعد الحرب العالمية الثانية ممالك أوربا الشرقية و مملكة الصين فخسرت بذلك صفقة الديمقراطية فيما يقرب من نصف المجتمع البشري. و قد أعلنت المجتمعات الشيوعية قبل سنة تقريبا أن قائدها الفقيد «ستالين» كان قد حرف مدى حكومته و هو ثلاثون سنة تقريبا بعد حكومة لينين الحكومة الاشتراكية إلى الحكومة الفردية الاستبدادية و حتى اليوم لا تزال تؤمن به طائفة بعد الكفر، و ترتد عنها طائفة بعد الإيمان، و هي تطوى و تبسط، و هناك نماذج و أمثلة أخرى كثيرة في التاريخ.

100

(1) -من نصف قرن على مشارق الأرض و مغاربها، و حول التاريخ تحويلا جوهريا يشاهد آثاره الهامة إلى يومنا و ستدوم ثم تدوم.

و لا يستطيع أن يستنكف الأبحاث الاجتماعية و النفسية في التاريخ النظري عن الاعتراف بأن المنشأ القريب و العامل التام للتحول المعاصر المشهود في الدنيا هو ظهور السنة الإسلامية و طلوعها و لم يهمل جل الباحثين من أوربا استيفاء البحث عن تأثيرها في جامعة الإنسان إلا لعصبية دينية أو علل سياسية و كيف يسع لباحث خبير-لو أنصف النظر-أن يسمي النهضة المدنية الحديثة نهضة مسيحية و يعد المسيح (ع) قائدها و حامل لوائها و المسيح يصرح‏ (1) بأنه إنما يهتم بأمر الروح و لا يشتغل بأمر الجسم و لا يتعرض لشأن الدولة و السياسة؟و هو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع و التآلف و يتصرف في جميع شئون المجتمع الإنساني و أفراده من غير استثناء فهل هذا الصفح و الإغماض منهم إلا لإطفاء نور الإسلام‏ (وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) و إخماد ناره عن القلوب بغيا و عدوا حتى يعود جنسية لا أثر لها إلا أثر الأنسال المنشعبة.

و بالجملة قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم و طيب حياتهم، و ما هذا شأنه لا يسمى فرضية غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانية، و لا مأيوسا من ولاية أمر الدنيا يوما (مع كون مقصده سعادة الإنسان الحقيقية) و قد تقدم في تفسير قوله: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً : «البقرة: 213» أن البحث العميق في أحوال الموجودات الكونية يؤدي إلى أن النوع الإنساني سيبلغ غايته و ينال بغيته و هي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا و توليه التام أمر المجتمع الإنساني، و قد وعده الله تعالى طبق هذه النظرية في كتابه العزيز قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ : «المائدة: 54» و قال: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاََ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً XالآيةX: «النور: 55» ، و قال: أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ : «الأنبياء:

105» ، إلى غير ذلك من الآيات.

____________

(1) راجع الجزء الثالث في تفسير آية 79-80 من سورة آل عمران.

101

(1) -و هنا جهة أخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم و هي أن الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتباع الحق في النظر و العمل، و الاجتماع المدني الحاضر شعاره اتباع ما يراه و يريده الأكثر، و هذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكون فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقية العقلية بمعنى أن يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله من طريق العبودية بل يكون مقدمة توصل إليها و فيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه، و هي الراحة الكبرى (و إن كنا لا ندركها اليوم حق الإدراك لاختلال التربية الإسلامية فينا) و لذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتباع الحق، و شدد في المنع عما يفسد العقل السليم و ألقى ضمان إجراء الجميع من الأعمال و الأخلاق و المعارف الأصلية إلى عهدة المجتمع مضافا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة والولاية الإسلامية من إجراء السياسات و الحدود و غيرها، و هذا على أي حال لا يوافق طباع العامة من الناس و يدفعه هذا الانغمار العجيب في الأهواء و الأماني الذي نشاهده من كافة المترفين و المعدمين و يسلب حريتهم في الاستلذاذ و التلهي و السبعية و الافتراس إلا بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة و بسط التربية على حد سائر الأمور الراقية التي يحتاج الإنسان في التلبس بها إلى همة قاطعة و تدرب كاف و تحفظ على ذلك مستدام.

و أما غاية الاجتماع المدني الحاضر فهي التمتع من المادة و من الواضح أن هذه تستتبع حياة إحساسية تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحق عند العقل أو لم يوافق بل إنما يتبع العقل فيما لا يخالف غايته و غرضه.

و لذلك كانت القوانين تتبع في وضعها و إجرائها ما يستدعيه هوى أكثرية المجتمع و ميول طباعهم، و ينحصر ضمان الإجراء في مواد القانون المتعلقة بالأعمال، و أما الأخلاق و المعارف الأصلية فلا ضامن لإجرائها بل الناس في التلبس بها و تبعيتها و عدمه إلا أن تزاحم القانون في مسيره فتمنع حينئذ.

و لازم ذلك أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك بما يوافق هواه من رذائل الشهوة و الغضب فيستحسن كثيرا مما كان يستقبحه الدين، و أن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق و المعارف العالية مستظهرا بالحرية القانونية.

و لازم هذا اللازم‏أن يتحول نوع الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي‏

102

(1) -العاطفي فربما كان الفجور و الفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول و الإحساسات و سمي فتوة و بشرا و حسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبان، و بين الرجال و النساء المحصنات أو الأبكار، و بين النساء و الكلاب، و بين الرجال و أولادهم و محارمهم، و ما يجري في الاحتفالات و مجالس الرقص و غير ذلك مما ينقبض عن ذكره لسان المتأدب بأدب الدين.

و ربما كان عاديات الطريق الديني غرائب و عجائب مضحكة عندهم و بالعكس كل ذلك لاختلاف نوع الفكرة و الإدراك باختلاف الطريق و لا يستفاد في هذه السنن الإحساسية من التعقل-كما عرفت-إلا بمقدار ما يسوى به الطريق إلى التمتع و التلذذ فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شي‏ء و لا يمنع منها شي‏ء إلا في صورة المعارضة بمثلها حتى إنك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال «الانتحار» و «دئل» و غيرهما، فللنفس ما تريده و تهواه إلا أن يزاحم ما يريده و يهواه المجتمع!.

إذا تأملت هذا الاختلاف تبين لك وجه أوفقية سنة المجتمع الغربي لمذاق الجامعة البشرية دون سنة المجتمع الديني غير أنه يجب أن يتذكر أن سنة المدنية الغربية وحدها ليست هي الموافقة لطباع الناس حتى تترجح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة في الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانية إلى عصرنا هذا من سنن البداوة و الحضارة تشترك في أن الناس يرجحونها على الدين الداعي إلى الحق في أول ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنية المادية.

و لو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الاجتماع، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلةالدقة الفنية.

و الذي ذكرناه من بناء السنة الإسلامية على اتباع الحق دون موافقة الطبع من أوضح الواضحات في بيانات القرآن قال تعالى: هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ : «التوبة: 33» و قال تعالى: وَ اَللََّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ : «المؤمن: 20» و قال في وصف المؤمنين: وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ : «العصر: 3» و قال: لَقَدْ جِئْنََاكُمْ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كََارِهُونَ : «الزخرف: 78» فاعترف بأن الحق لا يوافق طباع الأكثرين و أهواءهم، ثم رد لزوم موافقة أهواء الأكثرية بأنه يئول إلى الفساد فقال: بَلْ جََاءَهُمْ بِالْحَقِ‏

103

(1) -وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كََارِهُونَ، ` وَ لَوِ اِتَّبَعَ اَلْحَقُّ أَهْوََاءَهُمْ لَفَسَدَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنََاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ : «المؤمنون: 71» و لقد صدق جريان الحوادث و تراكم الفساد يوما فيوما ما بينه تعالى في هذه الآية. و قال تعالى: فَمََا ذََا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاََلُ فَأَنََّى تُصْرَفُونَ : «يونس: 32» و الآيات في هذا المعنى و ما يقرب منه كثيرة جدا و إن شئت زيادة تبصر فيه فراجع سورة يونس فقد كرر فيه ذكر الحق بضعا و عشرين مرة.

و أما قولهم: إن اتباع الأكثر سنة جارية في الطبيعة، فلا ريب أن الطبيعة تتبع الأكثر في آثارها إلا أنها ليست بحيث تبطل أو تعارض وجوب اتباع الحق فإنها نفسها بعض مصاديق الحق فكيف تبطل نفسها توضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور: أحدها أن الأمور الخارجية التي هي أصول عقائد الإنسان العلمية و العملية تتبع في تكونها و أقسام تحولها نظام العلية و المعلولية و هو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء أطبق على ذلك المحصلون من أهل العلم و النظر و شهد به القرآن على ما مر (1) ، فالجريان الخارجي لا يتخلف عن الدوام و الثبات حتى أن الحوادث الأكثرية الوقوع التي هي قياسية هي في أنها أكثرية دائمة ثابتة، مثلا النار التي تفعل السخونة غالبا بالقياس إلى جميع مواردها «سخونتها الغالبية» أثر دائم لها و هكذا، و هذا هو الحق.

و الثاني: أن الإنسان بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمرا واقعيا خارجيا بنحو فهو يتبع الحق بحسب الفطرة حتى أن من ينكر وجود العلم الجازم إذا ألقي إليه قول لا يجد من نفسه التردد فيه خضع له بالقبول.

و الثالث: أن الحق كما عرفت هو الأمر الخارجي الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتبعه في عمله، و أما نظر الإنسان و إدراكه فإنما هو وسيلة يتوسل بها إليه كالمرآة بالنسبة إلى المرئي.

إذا عرفت هذه الأمور تبين لك أن الحقيةو هي دوام الوقوع أو أكثرية الوقوع

____________

(1) في الكلام على الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب‏