الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
204

(1) -قوله تعالى: إِنَ‏ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا : «البقرة: 26» و لعل هذا مراد من قال من المفسرين إن قوله : إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً ، كلام على الحقيقة دون المجاز و على هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المفسرين: أن قوله: يَأْكُلُونَ أريد به الحال دون الاستقبال بقرينة عطف قوله: وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً عليه و هو فعل دخل عليه حرف الاستقبال فلو كان المراد به حقيقة الأكل-و وقته يوم القيامة-لكان من اللازم أن يقال: سيأكلون في بطونهم نارا و يصلون سعيرا فالحق أن المراد به المعنى المجازي، و أنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في بطنه نارا انتهى ملخصا و هو غفلة عن معنى تجسم الأعمال.

و أما قوله: وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً فهو إشارة إلى العذاب الأخروي، و السعير من أسماء نار الآخرة يقال صلى النار يصلاها صلى و صليا أي احترق بها و قاسى عذابها.

بحث روائي‏

في المجمع، : في قوله تعالى: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ الآية: اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة، و هو المروي عن الباقر (ع) .

أقول: و عن تفسير علي بن إبراهيم أنها منسوخة بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ الآية، و لا وجه له، و قد ظهر في البيان السابق أن الآية بيان كلي لحكم المواريث و لا تنافي بينها و بين سائر آيات الإرث المحكمة حتى يقال بانتساخها بها.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عكرمة"*: في الآية قال: نزلت في أم كلثوم و ابنة أم كحلة أو أم كحلة-و ثعلبة بن أوس و سويد و هم من الأنصار-كان أحدهم زوجها و الآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله-توفي زوجي و تركني و ابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا و لا تنكي عدوا-و يكسب عليها و لا تكتسب، فنزلت: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ الآية.

أقول: و في بعض الروايات عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من الأنصار مات و ترك ابنتين فجاء ابنا عمه و هما عصبته فقالت امرأته تزوجا بهما-و كان بهما دمامة

205

(1) -فأبيا فرفعت الأمر إلى رسول الله ص فنزلت آيات المواريث. الرواية. و لا بأس بتعدد هذه الأسباب كما مر مرارا.

و في المجمع، *: في قوله تعالى: وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‏ََ الآية: اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة قال: و هو المروي عن الباقر (ع) :

و في نهج البيان، للشيباني: أنه مروي عن الباقر و الصادق (ع) .

أقول: و في بعض الروايات أنها منسوخة بآية المواريث، و قد تقدم في البيان المتقدم أنها غير صالحة للنسخ.

و في تفسير العياشي، عن أبي عبد الله و أبي الحسن (ع) *: أن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين: أما إحداهما فعقوبة الآخرة النار، و أما الأخرى فعقوبة الدنيا- قوله: وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعََافاً-خََافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللََّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى:

أقول: و روي مثله في الكافي عن الصادق (ع) ، و في المعاني عن الباقر (ع) .

و فيه، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله (ع) مبتدئا*: من ظلم سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه، قال: فذكرت في نفسي فقلت:

يظلم هو فيسلط على عقبه و عقب عقبه؟فقال لي قبل أن أتكلم: إن الله يقول: وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعََافاً-خََافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللََّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً .

و في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال*: ذكر لنا أن نبي الله ص قال: اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم و المرأة ايتمه ثم أوصى به، و ابتلاه و ابتلى به.

أقول: و الأخبار في أكل مال اليتيم و أنها كبيرة موبقة من طرق الفريقين كثيرة مستفيضة

ـ

206

(1) -

207

(1) -}

بيان‏

قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» الإيصاء و التوصية هو العهد و الأمر، و قال الراغب في مفردات القرآن: الوصية : التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، انتهى.

و في العدول عن لفظ الأبناء إلى الأولاد دلالة على أن حكم السهم و السهمين مخصوص بما ولده الميت بلا واسطة، و أما أولاد الأولاد فنازلا فحكمهم حكم من يتصلون به فلبنت الابن سهمان و لابن البنت سهم واحد إذا لم يكن هناك من يتقدم على مرتبتهم كما أن الحكم في أولاد الإخوة و الأخوات حكم من يتصلون به، و أما لفظ الابن فلا يقضي بنفي الواسطة كما أن الأب أعم من الوالد.

و أما قوله تعالى في ذيل الآية: «آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» فسيجي‏ء أن هناك عناية خاصة تستوجب اختيار لفظ الأبناء على الأولاد.

و أما قوله: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» ففي انتخاب هذا التعبير إشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء فكأنه جعل إرث الأنثى مقررا معروفا و أخبر بأن للذكر مثله مرتين أو جعله هو الأصل في التشريع و جعل إرث الذكر محمولا عليه يعرف بالإضافة إليه، و لو لا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر و إذن لا يفيد هذا المعنى و لا يلتئم السياق معه-كما ترى-هذا ما ذكره بعض العلماء و لا بأس به، و ربما أيد ذلك بأن الآية لا تتعرض بنحو التصريح مستقلا إلا لسهام النساء و إن صرحت بشي‏ء من سهام الرجال فمع ذكر سهامهن معه كما في الآية التالية و الآية التي في آخر السورة.

و بالجملة قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ في محل التفسير لقوله: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ ، و اللام في الذكر و الأنثيين لتعريف الجنس أي إن جنس الذكر يعادل في السهم أنثيين، و هذا إنما يكون إذا كان هناك في الوراث ذكر و أنثى معا فللذكر ضعفا الأنثى سهما و لم يقل: للذكر مثل حظي الأنثى أو مثلا حظ الأنثى ليدل الكلام على سهم الأنثيين إذا انفردتا بإيثار الإيجاز على ما سيجي‏ء.

208

(1) -و على أي حال إذا تركبت الورثة من الذكور و الإناث كان لكل ذكر سهمان و لكل أنثى سهم إلى أي مبلغ بلغ عددهم.

قوله تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ» ظاهر وقوع هذا الكلام بعد قوله: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» إنه على تقدير معطوف عليه محذوف كأنه قيل: هذا إذا كانوا نساء و رجالا فإن كن نساء «إلخ» و هو شائع في الاستعمال و منه قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلََّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ : «البقرة:

196» و قوله: أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ فَمَنْ‏ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ :

«البقرة: 184» .

و الضمير في كن راجع إلى الأولاد في قوله: فِي أَوْلاََدِكُمْ و تأنيث الضمير لتأنيث الخبر، و الضمير في قوله: تَرَكَ راجع إلى الميت المعلوم من سياق الكلام.

قوله تعالى: «وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ» الضمير إلى الولد المفهوم من السياق و تأنيثه باعتبار الخبر و المراد بالنصف نصف ما ترك فاللام عوض عن المضاف إليه.

و لم يذكر سهم الأنثيين فإنه مفهوم من قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فإن ذكرا و أنثى إذا اجتمعا كان سهم الأنثى الثلث للآية و سهم الذكر الثلثين و هو حظ الأنثيين فحظ الأنثيين الثلثان فهذا المقدار مفهوم من الكلام إجمالا و ليس في نفسه متعينا للفهم إذ لا ينافي ما لو كان قيل بعده: و إن كانتا اثنتين فلهما النصف أو الجميع مثلا لكن يعينه السكوت عن ذكر هذا السهم و التصريح الذي في قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين، فإنه يشعر بالتعمد في ترك ذكر حظ الأنثيين.

على أن كون حظهما الثلثين هو الذي عمل به النبي ص‏و جرى العمل عليه منذ عهده (ص) إلى عهدنا بين علماء الأمة سوى ما نقل من الخلاف عن ابن عباس.

و هذا أحسن الوجوه في توجيه ترك التصريح بسهم الأنثيين، قال الكليني رحمه الله في الكافي: إن الله جعل حظ الأنثيين الثلثين بقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ، و ذلك أنه إذا ترك الرجل بنتا و ابنا فللذكر مثل حظ الأنثيين و هو الثلثان فحظ الأنثيين الثلثان، و اكتفى بهذا البيان أن يكون ذكر الأنثيين بالثلثين، انتهى، و نقل مثله عن‏

209

(1) -أبي مسلم المفسر: أنه يستفاد من قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و ذلك أن الذكر مع الأنثى الواحدة يرث الثلثين فيكون الثلثان هما حظ الأنثيين، انتهى و إن كان ما نقل عنهما لا يخلو من قصور يحتاج في التتميم إلى ما أوضحناه آنفا فليتأمل فيه.

و هناك وجوه أخر سخيفة ذكروها في توجيه الآية كقول بعضهم: إن المراد بقوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ ، الاثنتان و ما فوقهما فهذه الجملة تتضمن بيان حظ الأنثيين، و النساء فوق اثنتين جميعا. و مثل قول بعضهم: إن حكم البنتين هاهنا معلوم بالقياس إلى حكم الأختين في آخر آية من السورة حيث ذكرت لهما الثلثين إلى غير ذلك مما يجعل عن أمثالها كلامه تعالى.

قوله تعالى: «وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ» إلى قوله: «فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ» في عطف الأبوين في الحكم على الأولاد دلالة على أن الأبوين يشاركان الأولاد في طبقتهم، و قوله: و ورثه أبواه، أي انحصر الوارث فيهما، و في قوله: فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ «إلخ» بعد قوله: فَإِنْ‏ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ ، دلالة على أن الإخوة واقعة في طبقة ثانية لاحقة لطبقة الأبناء و البنات لا ترث مع وجودهم غير أن الإخوة تحجب الأم عن الثلث.

قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهََا أَوْ دَيْنٍ» أما الوصية فهي التي تندب إليها قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ XالآيةX: «البقرة:

180» و لا ينافي تقدمها في الآية على الدين ما ورد في السنة أن الدين مقدم على الوصية لأن الكلام ربما يقدم فيه غير الأهم على الأهم لأن الأهم لمكانته و قوة ثبوته ربما لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من التأكيد و التشديد، و منه التقديم، و على هذا فقوله: أَوْ دَيْنٍ في مقام الإضراب و الترقي طبعا.

و بذلك يظهر وجه توصيف الوصية بقوله: يوصي بها ففيه دلالة على التأكيد، و لا يخلو مع ذلك من الإشعار بلزوم إكرام الميت و مراعاة حرمته فيما وصى به كما قال تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مََا سَمِعَهُ فَإِنَّمََا إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ XالآيةX: «البقرة: 181» .

قوله تعالى: «آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» الخطاب للورثة أعني لعامة المكلفين من حيث إنهم يرثون أمواتهم، و هو كلام ملقى للإيماء

210

(1) -إلى سر اختلاف السهام في وراثة الآباء و الأبناء و نوع تعليم لهم خوطبوا به بلسان «لا تدرون» و أمثال هذه التعبيرات شائعة في اللسان.

على أنه لو كان الخطاب لغير الورثة أعني للناس‏ من جهة أنهم سيموتون و يورثون آباءهم و أبناءهم لم يكن وجه لقوله: أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فإن الظاهر أن المراد بالانتفاع هو الانتفاع بالمال الموروث و هو إنما يعود إلى الورثة دون الميت.

و تقديم الآباء على الأبناء يشعر بكون الآباء أقرب نفعا من الأبناء، كما في قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّفََا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ : «البقرة: 158» و قد مرت الرواية

عن النبي ص أنه قال: أبدأ بما بدأ الله الحديث.

و الأمر على ذلك بالنظر إلى آثار الرحم و اعتبار العواطف الإنسانية فإن الإنسان أرأف بولده منه بوالديه و هو يرى بقاء ولده بقاء لنفسه دون بقاء والديه فآباء الإنسان أقوى ارتباطا و أمس وجودا به من أبنائه، و إذا بني الانتفاع الإرثي على هذا الأصل كان لازمه أن يذهب الإنسان إذا ورث أباه مثلا بسهم أزيد منه إذا ورث ابنه مثلا و إن كان ربما يسبق إلى الذهن البدوي أن يكون الأمر بالعكس.

و هذه الآية أعني قوله: آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ، نَفْعاً من الشواهد على أنه تعالى بنى حكم الإرث على أساس تكويني خارجي كسائر الأحكام الفطرية الإسلامية.

على أن الآيات المطلقة القرآنية الناظرة إلى أصل التشريع أيضا كقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ : «الروم: 30» تدل على ذلك، و كيف يتصور مع وجود أمثال هذه الآيات أن يرد في الشريعة أحكام إلزامية و فرائض غير متغيرة و ليس لها أصل في التكوين في الجملة.

و ربما يمكن أن يستشم من الآية أعني قوله: آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ إلخ، تقدم أولاد الأولاد على الأجداد و الجدات فإن الأجداد و الجدات لا يرثون مع وجود الأولاد و أولاد الأولاد.

قوله تعالى: «فَرِيضَةً مِنَ اَللََّهِ» إلخ الظاهر أنه منصوب بفعل مقدر و التقدير خذوا أو الزموا و نحو ذلك و تأكيد بالغ أن هذه السهام المذكورة قدمت إليكم و هي مفرزة

211

(1) -معينة لا تتغير عما وضعت عليه.

و هذه الآية متكفلة لبيان سهام الطبقة الأولى و هي الأولاد و الأب و الأم على جميع تقاديرها إما تصريحا كسهم الأب و الأم و هو السدس لكل واحد منهما مع وجود الأولاد، و الثلث أو السدس للأم مع عدمهم على ما ذكر في الآية و كسهم البنت الواحدة و هو النصف، و سهم البنات إذا تفردن و هو الثلثان، و سهم البنين و البنات إذا اجتمعوا و هو للذكر مثل حظ الأنثيين، و يحلق بها سهم البنتين و هو الثلثان كما تقدم.

و إما تلويحا كسهم الابن الواحد فإنه يرث جميع المال لقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و قوله في البنت: وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ ، و كذا الأبناء إذا تفردوا لما يفهم من قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ، أن الأبناء متساوون في السهام، و أمر الآية في إيجازها عجيب.

و اعلم أيضا أن مقتضى إطلاق الآية عدم الفرق في إيراث المال و و إمتاع الورثة بين النبي ص و بين سائر الناس و قد تقدم نظير هذا الإطلاق أو العموم في قوله تعالى:

لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ . الآية، و ما ربما قيل: إن خطابات القرآن العامة لا تشمل النبي ص لجريانها على لسانه فهو مما لا ينبغي أن يصغي إليه.

نعم هاهنا نزاع بين أهل السنة و الشيعة في أن النبي هل يورث أو أن ما تركه صدقة و منشؤه الرواية التي رواها أبو بكر في قصة فدك و البحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب و لذلك نرى التعرض له هاهنا فضلا فليراجع محله المناسب له.

قوله تعالى: «وَ لَكُمْ نِصْفُ مََا تَرَكَ أَزْوََاجُكُمْ» إلى قوله: «تُوصُونَ بِهََا أَوْ دَيْنٍ» المعنى ظاهر، و قد استعمل النصف بالإضافة فقيل: نصف ما ترك، و الربع بالقطع فقيل: و لهن الربع مما تركتم فإن القطع عن الإضافة يستلزم التتميم بمن ظاهره أو مقدرة، و من هذه تفيد معنى الأخذ و الشروع من الشي‏ء و هذا المعنى يناسب كون مدخول من كالجزء التابع من الشي‏ء المبتدأ منه و كالمستهلك فيه، و هذا إنما يناسب ما إذا كان المدخول قليلا أو ما هو كالقليل بالنسبة إلى المبتدأ منه كالسدس و الربع‏

212

(1) -و الثلث من المجموع دون مثل النصف و الثلثين، و لذا قال تعالى: اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ ، و قال:

فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ ، و قال: فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ بالقطع عن الإضافة في جميع ذلك، و قال: وَ لَكُمْ نِصْفُ مََا تَرَكَ ، و قال: فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ بالإضافة، و قال: فَلَهَا اَلنِّصْفُ أي نصف ما ترك فاللام عوض عن المضاف إليه.

قوله تعالى: «وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ» إلى آخر الآية أصل‏ الكلالة مصدر بمعنى الإحاطة، و منه الإكليل لإحاطته بالرأس و منه الكل-بضم الكاف- لإحاطته بالأجزاء، و منه الكل-بفتح الكاف-لنوع إحاطة منه ثقيلة على من هو كل عليه، قال الراغب: الكلالة اسم لما عدا الولد و الوالد من الورثة،

قال: و روي: أن النبي ص سئل عن الكلالة-فقال: من مات و ليس له ولد و لا والد فجعله اسما للميت‏

، و كلا القولين صحيح فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث و الموروث جميعا، انتهى.

أقول: و على هذا فلا مانع من كون كان ناقصة و رجل اسمها و يورث وصفا للرجل و كلالة خبرها و المعنى: و إن كان الميت كلالة للوارث ليس أبا له و لا ابنا. و يمكن أن يكون كان تامة و رجل يورث فاعله و كلالة مصدرا وضع موضع الحال، و يئول المعنى أيضا إلى كون الميت كلالة للورثة، و قال الزجاج على ما نقل عنه: من قرأ يورث -بكسر الراء-فكلالة مفعول، و من قرأ يورث-بفتح الراء-فكلالة منصوب على الحال.

و قوله: غير مضار منصوب على الحال، و المضارة هو الإضرار و ظاهره أن المراد به الإضرار بالدين من قبل الميت كان يعتمل بالدين للإضرار بالورثة و تحريمهم الإرث، أو المراد المضارة بالدين كما ذكروا بالوصية بما يزيد على ثلث المال.

}قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ» إلى آخر الآيتين الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر و ارتفاع التمايز بينهما كحد الدار و البستان، و المراد بها أحكام الإرث و الفرائض المبينة، و قد عظم الله أمرها بما ذكر في الآيتين من الثواب على إطاعته و إطاعة رسوله فيها و العذاب الخالد المهين على المعصية.

كلام في الإرث على وجه كلي‏

هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ إلى آخر الآيتين، و الآية

213

(1) -التي في آخر السورة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ إلى آخر الآية، مع قوله تعالى:

لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ الآية، و مع قوله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ : «الأحزاب: 6، الأنفال: 7» ، خمس آيات أو ست هي الأصل القرآني للإرث في الإسلام و السنة تفسرها أوضح تفسير و تفصيل.

و الكليات المنتزعة المستفادة منها التي هي الأصل في تفاصيل الأحكام أمور:

منها: ما تقدم في قوله: آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ، و يظهر منها أن للقرب و البعد من الميت تأثيرا في باب الإرث، و إذا ضمت الجملة إلى بقية الآية أفادت أن ذلك مؤثر في زيادة السهم و قلته و عظمه و صغره، و إذا ضمت إلى قوله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ أفادت أن الأقرب نسبا في باب الإرث يمنع الأبعد.

فأقرب الأقارب إلى الميت الأب و الأم و الابن و البنت إذ لا واسطة بينهم و بين الميت، و الابن و البنت يمنعان أولاد أنفسهما لأنهم يتصلون به بواسطتهم فإذا فقدت واسطتهم فهم يقومون مقامها.

و تتلوها المرتبة الثانية و هم إخوة الميت و أخواته و جده و جدته فإنهم يتصلون بالميت بواسطة واحدة و هي الأب أو الأم، و أولاد الأخ و الأخت يقومون مقام أبيهم و أمهم، و كل بطن يمنع من بعده من البطون كما مر.

و تتلو هذه المرتبة مرتبة أعمام الميت و أخواله و عماته و خالاته فإن بينهم و بين الميت واسطتين و هما الجد أو الجدة و الأب أو الأم، و الأمر على قيام ما مر.

و يظهر من مسألة القرب و البعد المذكورة أن ذا السببين مقدم على ذي السبب الواحد، و من ذلك تقدم كلالة الأبوين على كلالة الأب فلا ترث معها، و أما كلالة الأم فلا تزاحمها كلالة الأبوين.

و منها: أنه قد اعتبر في الوراث تقدم و تأخر من جهة أخرى فإن السهام ربما اجتمعت فتزاحمت بالزيادة على أصل التركة فمنهم من عين له عند الزحام سهم آخر كالزوج يذهب بالنصف فإذا زاحمه الولد عاد إلى الربع بعينه و مثله الزوجة في ربعها و ثمنها

214

(1) -و كالأم تذهب بالثلث فإذا زاحمها ولد أو إخوة عادت إلى السدس و الأب لا يزول عن سدسه مع وجود الولد و عدمه;و منهم من عين له سهم ثم إذا زاحمه آخر سكت عنه و لم يذكر له سهم بعينه كالبنت و البنات و الأخت و الأخوات يذهبن بالنصف و الثلثين و قد سكت عن سهامهم عند الزحام، و يستفاد منه أن أولئك المقدمين لا يزاحمون و لا يرد عليهم نقص في صورة زيادة السهام على الأصل و إنما يرد ما يرد من النقص على الآخرين المسكوت عن سهامهم عند الزحام.

و منها: أن السهام قد تزيد على المال كما إذا فرض زوج و أخوات من كلالة الأبوين فهناك نصف و ثلثان و هو زائد على مخرج المال، و كذا لو فرض أبوان و بنتان و زوج فتزيد السهام على أصل التركة فإنها سدسان و ثلثان و ربع.

و كذلك قد تزيد التركة على الفريضة كما إذا كانت هناك بنت واحدة أو بنتان فقط و هكذا، و السنة المأثورة التي لها شأن تفسير الكتاب على ما ورد من طرق أئمة أهل البيت (ع) أنه في صورة زيادة السهام على أصل المال يدخل النقص على هؤلاء الذين لم يعين لهم إلا سهم واحد و هم البنات و الأخوات دون غيرهم و هو الأم و الزوج الذين عين الله فرائضهما بحسب تغير الفروض و كذا في صورة زيادة أصل التركة على السهام يرد الزائد على من‏ يدخل عليه النقص في الصورة السابقة كما في بنت و أب فللأب السدس و للبنت نصف المال بالفريضة و الباقي بالرد.

و قد سن عمر بن الخطاب أيام خلافته في صورة زيادة السهام العول و عمل الناس في الصدر الأول في صورة زيادة التركة بالتعصيب و سيجي‏ء الكلام فيهما في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

و منها: أن التأمل في سهام الرجال و النساء في الإرث يفيد أن سهم المرأة ينقص عن سهم الرجل في الجملة إلا في الأبوين فإن سهم الأم قد يربو على سهم الأب بحسب الفريضة و لعل تغليب جانب الأم على جانب الأب أو تسويتهما لكونها في الإسلام أمس رحما بولدها و مقاساتها كل شديدة في حمله و وضعه و حضانته و تربيته، قال تعالى: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً : «الأحقاف: 15» و خروج سهمها عن نصف ما للرجل إلى حد المساواة أو الزيادة تغليب لجانبها قطعا.

215

(1) -و أما كون سهم الرجل في الجملة ضعف سهم المرأة فقد اعتبر فيه فضل الرجل على المرأة بحسب تدبير الحياة عقلا و كون الإنفاق اللازم على عهدته، قال تعالى: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ‏ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ وَ بِمََا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوََالِهِمْ : «النساء: 34» و القوام‏ من القيام و هو إدارة المعاش، و المراد بالفضل‏ هو الزيادة في التعقل فإن حياته حياة تعقلية و حياة المرأة إحساسية عاطفية، و إعطاء زمام المال يدا عاقلة مدبرة أقرب إلى الصلاح من إعطائه يدا ذات إحساس عاطفي و هذا الإعطاء. و التخصيص إذا قيس إلى الثروة الموجودة في الدنيا المنتقلة من الجيل الحاضر إلى الجيل التالي يكون تدبير ثلثي الثروة الموجودة إلى الرجال و تدبير ثلثها إلى النساء فيغلب تدبير التعقل على تدبير الإحساس و العواطف فيصلح أمر المجتمع و تسعد الحياة.

و قد تدورك هذا الكسر الوارد على النساء بما أمر الله سبحانه الرجل بالعدل في أمرها الموجب لاشتراكها مع الرجل فيما بيده من الثلثين فتذهب المرأة بنصف هذين الثلثين من حيث المصرف، و عندها الثلث الذي تتملكه و بيدها أمر ملكه و مصرفه.

و حاصل هذا الوضع و التشريع العجيب أن الرجل و المرأة متعاكسان في الملك و المصرف فللرجل ملك ثلثي ثروة الدنيا و له مصرف ثلثها، و للمرأة ملك ثلث الثروة و لها مصرف ثلثيها، و قد لوحظ في ذلك غلبة روح التعقل على روح الإحساس و العواطف في الرجل، و التدبير المالي بالحفظ و التبديل و الإنتاج و الاسترباح أنسب و أمس بروح التعقل، و غلبة العواطف الرقيقة و الإحساسات اللطيفة على روح التعقل في المرأة، و ذلك بالمصرف أمس و ألصق فهذا هو السر في الفرق الذي اعتبره الإسلام في باب الإرث و النفقات بين الرجال و النساء.

و ينبغي أن يكون زيادة روح التعقل بحسب الطبع في الرجل و مزيته على المرأة في هذا الشأن هو المراد بالفضل الذي ذكره الله سبحانه في قوله عز من قائل: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ الآية، دون الزيادة في البأس و الشدة و الصلابة فإن الغلظة و الخشونة في قبيل الرجال و إن كانت مزية وجودية يمتاز بها الرجل من المرأة و تترتب عليها في المجتمع الإنساني آثار عظيمة في أبواب الدفاع و الحفظ و الأعمال الشاقة و تحمل الشدائد و المحن و الثبات و السكينة في الهزاهز و الأهوال، و هذه شئون ضرورية في الحياة لا يقوم لها قبيل النساء بالطبع.

216

(1) -لكن النساء أيضا مجهزات بما يقابلها من الإحساسات اللطيفة و العواطف الرقيقة التي لا غنى للمجتمع عنها في حياته، و لها آثار هامة في أبواب الأنس و المحبة و السكن و الرحمة و الرأفة و تحمل أثقال التناسل و الحمل و الوضع و الحضانة و التربية و التمريض و خدمة البيوت، و لا يصلح شأن الإنسان بالخشونة و الغلظة لو لا اللينة و الرقة، و لا بالغضب لو لا الشهوة، و لا أمر الدنيا بالدفع لو لا الجذب.

و بالجملة هذان تجهيزان متعادلان في الرجل و المرأة يتعادل بهما كفتا الحياة في المجتمع المختلط المركب من القبيلين، و حاشاه سبحانه أن يحيف في كلامه أو يظلم في حكمه أم يخافون أن يحيف الله عليهم‏ (1) ، و لا يظلم ربك أحدا (2) و هو القائل:

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ : «آل عمران: 195» و قد أشار إلى هذا الالتيام و البعضية بقوله في الآية: بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ .

و قال أيضا: وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ إِذََا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ` وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ : «الروم: 21» فانظر إلى عجيب بيان الآيتين حيث وصف الإنسان (و هو الرجل بقرينة المقابلة) بالانتشار و هو السعي في طلب المعاش، و إليه يعود جميع أعمال اقتناء لوازم الحياة بالتوسل إلى القوة و الشدة حتى ما في المغالبات و الغزوات و الغارات و لو كان للإنسان هذا الانتشار فحسب لانقسم أفراده إلى واحد يكر و آخر يفر.

لكن الله سبحانه خلق النساء و جهزهن بما يوجب أن يسكن إليهن الرجال و جعل بينهم مودة و رحمة فاجتذبن الرجال بالجمال و الدلال و المودة و الرحمة، فالنساء هن الركن الأول و العامل الجوهري للاجتماع الإنساني.

و من هنا ما جعل الإسلام الاجتماع المنزلي و هو الازدواج هو الأصل في هذا الباب قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ : «الحجرات: 13» ، فبدأ بأمر ازدواج الذكر و الأنثى

____________

(1) سورة النور: 50

(2) سورة الكهف: 49.

217

(1) -و ظهور التناسل بذلك ثم بنى عليه الاجتماع الكبير المتكون من الشعوب و القبائل.

و من ذيل الآية يظهر أن التفضيل المذكور في قوله: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ الآية، إنما هو تفضيل في التجهيز بما ينتظم به أمر الحياة الدنيوية أعني المعاش أحسن تنظيم، و يصلح به حال المجتمع إصلاحا جيدا، و ليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقية في الإسلام و هي القربى و الزلفى من الله سبحانه فإن الإسلام لا يعبأ بشي‏ء من الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلا للحياة المادية و إنما هي وسائل يتوسل بها لما عند الله.

فقد تحصل من جميع ما قدمنا أن الرجال فضلوا على النساء بروح التعقل الذي أوجب تفاوتا في أمر الإرث و ما يشبهه لكنها فضيلة بمعنى الزيادة و أما الفضيلة بمعنى الكرامة التي يعتني بشأنها الإسلام فهي التقوى أينما كانت.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي-في سننه من طرق جابر بن عبد الله-قال*: عادني رسول الله ص و أبو بكر في بني سلمة ماشيين- فوجدني النبي ص لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه-ثم رش علي فأفقت فقلت:

ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟فنزلت: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ .

أقول: قد تقدم مرارا أن أسباب النزول المروية لا تأبى أن تتعدد و تجتمع عدة منها في آية، و لا تنافي عدم انحصار عناية الآية النازلة فيها و لا أن يتصادف النزول فينطبق عليها مضمون الآية فلا يضر بالرواية ما فيها من قول جابر: ما تأمرني أن أصنع بمالي يا رسول الله فنزلت «إلخ» ، مع أن قسمة المال لم يكن عليه حتى يجاب بالآية، و أعجب منه‏

ما رواه أيضا عن عبد بن حميد و الحاكم عن جابر قال*: كان رسول الله ص يعودني و أنا مريض-فقلت: كيف أقسم مالي بين ولدي؟فلم يرد علي شيئا و نزلت: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ .

218

(1) -

و فيه، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن السدي قال"*: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، و لا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال-فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، و ترك امرأة له يقال لها: أم كحة-و ترك خمس جوار فجاءت الورثة فأخذوا ماله-فشكت أم كحة ذلك إلى النبي ص-فأنزل الله هذه الآية: فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ-وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ ثم قال في أم كحة: وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمََّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ-فَإِنْ كََانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ .

و فيه، أيضا عنهما عن ابن عباس قال"*: لما نزلت آية الفرائض-التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر و الأنثى و الأبوين-كرهها الناس أو بعضهم و قالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، و تعطى الابنة النصف، و يعطى الغلام الصغير، و ليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، و لا يحوز الغنيمة، و كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية-لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم و يعطونه الأكبر فالأكبر.

أقول: و كان منه‏ التعصيب‏ و هو إعطاء الميراث عصبة الأب إذا لم يترك الميت ابنا كبيرا يطيق القتال، و قد عمل به أهل السنة في الزائد على الفريضة فيما إذا لم يستوعب السهام التركة، و ربما وجد شي‏ء من ذلك في رواياتهم لكن وردت الروايات من طرق أهل البيت (ع) بنفي التعصيب، و أن الزائد على الفرائض يرد على من ورد عليه النقص و هم الأولاد و الإخوة من الأبوين أو الأب، و إلى الأب في بعض الصور، و الذي يستفاد من الآيات يوافق ذلك على ما مر.

و فيه، أخرج الحاكم و البيهقي عن ابن عباس قال"*: أول من أعال الفرائض عمر تدافعت عليه و ركب بعضها بعضا-قال: و الله ما أدري كيف أصنع بكم؟و الله ما أدري أيكم قدم الله و أيكم أخر؟و ما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص!ثم قال ابن عباس: و أيم الله-لو قدم من قدم الله و أخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقيل له: و أيها قدم الله؟قال: كل فريضة لم يهبطها الله من فريضة إلا إلى فريضة-فهذا ما قدم الله، و كل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي-فتلك التي أخر الله فالذي قدم كالزوجين و الأم، و الذي أخر كالأخوات و البنات- فإذا اجتمع من قدم الله و أخر بدئ بمن قدم فأعطي حقه كاملا-فإن بقي شي‏ء كان‏

219

(1) -لهن، و إن لم يبق شي‏ء فلا شي‏ء لهن.

و فيه، أيضا أخرج سعيد بن منصور عن ابن‏عباس قال"*: أ ترون الذي أحصى رمل عالج عددا-جعل في المال نصفا و ثلثا و ربعا؟إنما هو نصفان و ثلاثة أثلاث و أربعة أرباع.

و فيه، أيضا عنه عن عطاء قال"*: قلت لابن عباس: إن الناس لا يأخذون بقولي و لا بقولك-و لو مت أنا و أنت ما اقتسموا ميراثا على ما تقول-قال: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن-ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ما حكم الله بما قالوا.

أقول: و هذا المعنى منقول عن ابن عباس من طرق الشيعة أيضا كما يأتي.

في الكافي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال*: جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض من المواريث-فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم-أ ترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا؟!فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العباس فمن أول من أعال هذه الفرائض؟فقال: عمر بن الخطاب لما التفت عنده الفرائض-و دفع بعضها بعضا قال: و الله ما أدري أيكم قدم الله و أيكم أخر؟و ما أجد شيئا أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص-و أدخل على كل ذي حق حقه فأدخل عليه من عول الفرائض- و أيم الله لو قدم من قدم الله و أخر من أخر الله ما عالت الفريضة، فقال له زفر بن أوس: و أيها قدم و أيها أخر؟فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة-فهذا ما قدم الله‏، و أما ما أخر الله-فكل فريضة إذا زالت عن فرضها-لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر، فأما التي قدم فالزوج له النصف-فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شي‏ء، و الزوجة لها الربع فإذا زالت إلى الثمن لا يزيلها عنه شي‏ء، و الأم لها الثلث-فإذا زالت عنه صارت إلى السدس و لا يزيلها عنه شي‏ء-فهذه الفرائض التي قدم الله عز و جل، و أما التي أخر ففريضة البنات و الأخوات لها النصف و الثلثان-فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر الله، فإذا اجتمع ما قدم الله و ما أخر بدئ بما قدم الله-فأعطي حقه كاملا-فإن بقي شي‏ء كان لمن أخر و إن لم يبق شي‏ء فلا شي‏ء له، فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟فقال: هيبته.

220

(1) -أقول: و هذا القول من ابن عباس مسبوق بقول علي (ع) بنفي العول، و هو مذهب أئمة أهل البيت (ع) كما يأتي.

في الكافي، عن الباقر (ع) في حديث قال*: كان أمير المؤمنين (ع) يقول: إن الذي أحصى رمل عالج-ليعلم أن السهام لا تعول على ستة لو تبصرون وجهها لم تجز ستة.

أقول: في الصحاح: أن‏ عالج‏ موضع بالبادية به رمل، و قوله (ع) : إن السهام لا تعول على ستة أي لا تميل على الستة حتى تغيرها إلى غيرها، و الستة هي السهام المصرح بها في الكتاب و هي: النصف و الثلث و الثلثان و الربع و السدس و الثمن.

و فيه، عن الصادق (ع) قال*: قال أمير المؤمنين (ع) : الحمد لله الذي لا مقدم لما أخر، و لا مؤخر لما قدم، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: يا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها-لو كنتم قدمتم من قدم الله و أخرتم من أخر الله، و جعلتم الولاية و الوراثة حيث جعلها الله ما عال ولي الله، و لا عال سهم من فرائض الله، و لا اختلف اثنان في حكم الله، و لا تنازعت الأمة في شي‏ء من أمر الله-إلا و عند علي علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم و ما فرطتم فيما قدمت أيديكم، و ما الله بظلام للعبيد، و سيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون.

أقول: و توضيح ورود النقص على حظوظ الورثة زيادة على ما مر أن الفرائض المذكورة في كلامه تعالى ست: النصف، و الثلثان، و الثلث، و السدس، و الربع، و الثمن، و هذه السهام قد يجتمع بعضها مع بعض بحيث يحصل التزاحم كما أنه قد يجتمع النصف و السدسان و الربع في الطبقة الأولى كبنت و أب و أم و زوج فتزيد السهام على الأصل، و كذا الثلثان و السدسان و الربع كبنتين و أبوين و زوج فتتزاحم، و كذلك يجتمع النصف و الثلث و الربع و السدس في الطبقة الثانية كأخت و جدين للأب و الأم و زوجة، و كذا الثلثان و الثلث و الربع و السدس كأختين و جدين و زوج.

فإن أوردنا النقص على جميع السهام كان العول، و إن حفظنا فريضة الأبوين و الزوجين و كلالة الأم و هي الثلث و السدس و النصف و الربع و الثمن عن ورود النقص عليها-لأن الله عين هذه السهام و لم يبهمها في حال بخلاف سهام البنت الواحدة فما زادت و الأخت الواحدة لأبوين أو لأب فما زادت و بخلاف سهام الذكر و الأنثى عند

221

(1) -الوحدة و الكثرة-ورد النقص دائما على الأولاد و الإخوة و الأخوات لما مر.

و أما كيفية الرد فليراجع فيها إلى جوامع الحديث و كتب الفقه.

و في الدر المنثور، أخرج الحاكم و البيهقي في سننه عن زيد بن ثابت"*: أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله‏ يقول: فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ -و أنت تحجبها بأخوين؟فقال: إن العرب تسمي الأخوين إخوة.

أقول: و هو المروي عن أئمة أهل البيت (ع) و إن كان المعروف أن الإخوة جمع الأخ و لا يطلق الجمع على ما دون الثلاثة.

و في الكافي، عن الصادق (ع) قال*: لا يحجب الأم عن الثلث-إلا أخوان أو أربع أخوات لأب و أم أو لأب‏

أقول: و الأخبار في ذلك كثيرة و أما الإخوة لأم فإنهم يتقربون بالأم و هي بوجودها تمنعهم، و في أخبار الفريقين أن الإخوة يحجبون الأم و لا يرثون لوجود من يتقدم عليهم في الميراث و هو الأبوان فحجب الإخوة الأم مع عدم إرثهم إنما هو نوع مراعاة لحال الأب من حيث رد الزائد على الفريضة إليه، و منه يعلم وجه عدم حجب الإخوة للأم فإنهم ليسوا عالة للأب.

و في المجمع، *في قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهََا أَوْ دَيْنٍ ، عن أمير المؤمنين (ع) :

أنكم تقرءون في هذه الآية الوصية قبل الدين، و أن رسول الله ص قضى بالدين قبل الوصية:

أقول: و رواه السيوطي في الدر المنثور عن عدة من أرباب الجوامع و التفاسير.

و في الكافي، *في معنى الكلالة عن الصادق (ع) : من ليس بوالد و لا ولد.

و فيه، عنه (ع) *في قوله تعالى: وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً الآية، إنما عنى بذلك الإخوة و الأخوات من الأم خاصة.

أقول: و الأخبار في ذلك كثيرة و قد رواها أهل السنة، و قد استفاضت الروايات بذلك و أن حكم كلالة الأب و الأبوين هو المذكور في الآية الخاتمة للسورة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ الآية.

222

(1) -و من الشواهد على ذلك أن الفرائض المذكورة للكلالة في آخر السورة تربو على ما ذكر لهم في هذه الآية زيادة ضعف أو أزيد، و من المستفاد من سياق الآيات و ذكر الفرائض أنه تعالى يرجح سهم الرجال على النساء في الجملة ترجيح المثلين على المثل أو ما يقرب من ذلك مهما أمكن، و الكلالة إنما يتقرب إلى الميت من جهة الأم و الأب أو أحدهما فالتفاوت المراعى في جانب الأب و الأم يسري إليهم فيترجح لا محالة فرائض كلالة الأبوين أو الأب على كلالة الأم و يكشف بذلك أن القليل لكلالة الأم و الكثير لغيره.

و في المعاني، بإسناده إلى محمد بن سنان*: أن أبا الحسن الرضا (ع) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله-علة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث: لأن المرأة إذا تزوجت أخذت و الرجل يعطي-فلذلك وفر على الرجال-و علة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطى الأنثى-لأن الأنثى من عيال الذكر إن احتاجت، و عليه أن يعولها و عليه نفقتها، و ليس على المرأة أن تعول الرجل-و لا تؤخذ بنفقته إن احتاج فوفر على الرجال لذلك، و ذلك قول الله عز و جل: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ-بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ وَ بِمََا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوََالِهِمْ .

و في الكافي، بإسناده عن الأحول قال*: قال ابن أبي العوجاء: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا و يأخذ الرجال سهمين؟فذكر ذلك بعض أصحابنا لأبي عبد الله (ع) -فقال: إن المرأة ليس عليها جهاد، و لا نفقة، و لا معقلة، فإنما ذلك على الرجال-فلذلك جعل للمرأة سهما واحدا، و للرجل سهمين.

أقول: و الروايات في هذا المعنى كثيرة و قد مر دلالة الكتاب أيضا على ذلك.

بحث علمي في فصول‏

1-ظهور الإرث:

كان الإرث أعني تملك بعض الأحياء المال الذي تركه الميت من أقدم السنن الدائرة في المجتمع الإنساني، و قد خرج عن وسع ما بأيدينا من تواريخ الأمم و الملل الحصول على مبدإ حصوله، و من طبيعة الأمر أيضا ذلك فإنا نعلم بالتأمل في طبيعة الإنسان الاجتماعية أن المال و خاصة لو كان مما لا يد عليه يحن

223

(1) -إليه الإنسان و يتوق إليه نفسه لصرفه في حوائجه، و حيازته و خاصة فيما لا مانع عنه من دءوبه الأولية القديمة، و الإنسان في ما كونه من مجتمعة همجيا أو مدنيا لا يستغني عن اعتبار القرب و الولاية (المنتجين للأقربية و الأولوية) بين أفراد المجتمع الاعتبار الذي عليه المدار في تشكل البيت و البطن و العشيرة و القبيلة و نحو ذلك، فلا مناص في المجتمع من كون بعض الأفراد أولى ببعض كالولد بوالديه و الرحم برحمه، و الصديق بصديقه، و المولى بعبده، و أحد الزوجين بالآخر، و الرئيس بمرءوسه حتى القوي بالضعيف، و إن اختلفت المجتمعات في تشخيص ذلك اختلافا شديدا يكاد لا تناله يد الضبط.

و لازم هذين الأمرين كون الإرث دائرا بينهم من أقدم العهود الاجتماعية.

2-تحول الإرث تدريجيا:

لم تزل هذه السنة كسائر السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية تتحول من حال إلى حال و تلعب بها يد التطور و التكامل منذ أول ظهورها غير أن الأمم الهمجية لما لم تستقر على حال منتظم تعسر الحصول في تواريخهم على تحوله المنتظم حصولا يفيد وثوقا به.

و القدر المتيقن من أمرهم أنهم كانوا يحرمون النساء و الضعفاء الإرث، و إنما كان يختص بالأقوياء و ليس إلا لأنهم كانوا يعاملون مع النساء و الضعفاء من العبيد و الصغار معاملة الحيوان المسخر و السلع و الأمتعة التي ليس لها إلا أن ينتفع بها الإنسان دون أن تنتفع هي بالإنسان‏ و ما في يده أو تستفيد من الحقوق الاجتماعية التي لا تتجاوز النوع الإنساني.

و مع ذلك كان يختلف مصداق القوي في هذا الباب برهة بعد برهة فتارة مصداقه رئيس الطائفة أو العشيرة، و تارة رئيس البيت، و تارة أخرى أشجع القوم و أشدهم بأسا، و كان ذلك يوجب طبعا تغير سنة الإرث تغيرا جوهريا.

و لكون هذه السنن الجارية لا تضمن ما تقترحه الفطرة الإنسانية من السعادة المقترحة كان يسرع إليها التغير و التبدل حتى أن الملل المتمدنة التي كان يحكم بينهم القوانين أو ما يجري مجراها من السنن المعتادة الملية كان شأنهم ذلك كالروم و اليونان، و ما عمر قانون من قوانين الإرث الدائرة بين الأمم حتى اليوم مثل ما عمرت سنة الإرث الإسلامية فقد حكمت في الأمم الإسلامية منذ أول ظهورها إلى اليوم ما يقرب من أربعة عشر قرنا.

224

(1) -

3-الوراثة بين الأمم المتمدنة:

من خواص الروم أنهم كانوا يرون للبيت في نفسه استقلالا مدنيا يفصله عن المجتمع العام و يصونه عن نفوذ الحكومة العامة في جل ما يرتبط بأفراده من الحقوق الاجتماعية، فكان يستقل في الأمر و النهي و الجزاء و السياسة و نحو ذلك.

و كان رب البيت هو معبودا لأهله من زوجة و أولاد و عبيد، و كان هو المالك من بينهم و لا يملك دونه أحد ما دام أحد أفراد البيت، و كان هو الولي عليهم القيم بأمرهم باختياره المطلق النافذ فيهم، و كان هو يعبد رب البيت السابق من أسلافه.

و إذا كان هناك مال يرثه البيت كما إذا مات بعض الأبناء فيما ملكه بإذن رب البيت اكتسابا أو بعض البنات فيما ملكته بالازدواج صداقا و أذن لها رب البيت أو بعض الأقارب فإنما كان يرثه‏ رب البيت لأنه مقتضى ربوبيته و ملكه المطلق للبيت و أهله.

و إذا مات رب البيت فإنما كان يرثه أحد أبنائه أو إخوانه ممن في وسعه ذلك و ورثه الأبناء فإن انفصلوا و أسسوا بيوتا جديدة كانوا أربابها و إن بقوا في بيتهم القديم كان نسبتهم إلى الرب الجديد (أخيهم مثلا) هي النسبة السابقة إلى أبيهم من الورود تحت قيمومته و ولايته المطلقة.

و كذا كان يرثه الأدعياء لأن الادعاء و التبني كان دائرا عندهم كما بين العرب في الجاهلية.

و أما النساء كالزوجة و البنت و الأم فلم يكن يرثن لئلا ينتقل مال البيت بانتقالهن إلى بيوت أخرى بالازدواج فإنهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة من بيت إلى آخر، و هذا هو الذي ربما ذكره بعضهم فقال: إنهم كانوا يقولون بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية و أظن أن مأخذه شي‏ء آخر غير الملك الاشتراكي فإن الأقوام الهمجية المتوحشة أيضا من أقدم الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من المراعي و الأراضي الخصبة و حموه لأنفسهم و كانوا يحاربون عليه و يدفعون عن محمياتهم و هذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذي مالكه هيئة المجتمع الإنساني دون أفراده، و هو مع ذلك لا ينفي أن يملك كل فرد من المجتمع شيئا من هذا الملك العام اختصاصا.

225

(1) -و هذا ملك صحيح الاعتبار غير أنهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره و الاستدرار منه، و قد احترمه الإسلام كما ذكرناه فيما تقدم، قال تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً : «البقرة: 29» فالمجتمع الإنساني و هو المجتمع الإسلامي و من هو تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامي هو المالك لما في يده من الثروة و لذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر من المسلم.

و لهذا النظر آثار و نماذج في بعض الملل الحاضرة حيث لا يرون جواز تملك الأجانب شيئا من الأراضي و الأموال غير المنقولة من أوطانهم و نحو ذلك.

و لما كان البيت في الروم القديم ذا استقلال و تمام في نفسه كان قد استقر فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف و الممالك المستقلة.

و كان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنة في بيوت الروم مع سنتهم في التزويج من منع الازدواج بالمحارم أن القرابة انقسمت عندهم قسمين: أحدهما القرابة الطبيعية و هي الاشتراك في الدم، و كان لازمها منع الازدواج في المحارم و جوازه في غيرهم، و الثاني القرابة الرسمية و هي القانونية و لازمها الإرث و عدمه و النفقة و الولاية و غير ذلك فكان الأبناء أقرباء ذوي قرابة طبيعية و رسمية معا بالنسبة إلى رب البيت و رئيسه و في ما بينهم، أنفسهم و كانت النساء جميعا ذوات قرابة طبيعية لا رسمية فكانت المرأة لا ترث والدها و لا ولدها و لا أخاها و لا بعلها و لا غيرهم. هذه سنة الروم القديم.

و أما اليونان فكان وضعهم القديم في تشكل البيوت قريبا من وضع الروم القديم، و كان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور، و يحرم النساء جميعا من زوجة و بنت و أخت، و يحرم صغار الأولاد و غيرهم غير أنهم كالروميين ربما كانوا يحتالون لإيراث الصغار من أبنائهم و من أحبوها و أشفقوا عليها من زوجاتهم و بناتهم و أخواتهم بحبل متفرقة تسهل الطريق لامتاعهن بشي‏ء من الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها و سيجي‏ء الكلام في أمر الوصية.

و أما الهند و مصر و الصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقا

226

(1) -و حرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية و القيمومة قريبا مما تقدم من سنة الروم و اليونان.

و أما الفرس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم و تعدد الزوجات كما تقدم و يرون التبني، و كانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء و ترث كما يرث الابن و الدعي بالسوية و كانت تحرم بقية الزوجات، و البنت المزوجة لا ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت، و التي لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن، فكانت الزوجات غير الكبيرة و البنت المزوجة محرومات، و كانت الزوجة الكبيرة و الابن و الدعي و البنت غير المزوجة بعد مرزوقين.

و أما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا و الصغار من البنين و يمتعون أرشد الأولاد ممن يركب الفرس و يدفع عن الحرمة، فإن لم يكن فالعصبة.

هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث، ذكرها و تعرض لها كثير من تواريخ آداب الملل و رسومهم و الرحلات و كتب الحقوق و أمثالها من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها.

و قد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين أخرى مختلفة، و على حرمان الصغار و الأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية و القيمومة الدائمة غير المنقطعة.

4-ما ذا صنع الإسلام و الظرف هذا الظرف‏

؟: قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام و القوانين الإنسانية هو الفطرة التي فطر الناس عليها و لا تبديل لخلق الله، و قد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة و الخلقة الثابتة، و قد ألغى إرث الأدعياء حيث يقول تعالى: وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ ذََلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوََاهِكُمْ وَ اَللََّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ ` اُدْعُوهُمْ لِآبََائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللََّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبََاءَهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ مَوََالِيكُمْ : «الأحزاب: 5» .

ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث و أفردها عنوانا مستقلا يعطى به و يؤخذ و إن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا، و ليس ذلك مجرد اختلاف في التسمية

227

(1) -فإن لكل من الوصية و الإرث ملاكا آخر و أصلا فطريا مستقلا، فملاك الإرث هو الرحم و لا نفوذ لإرادة المتوفى فيها أصلا، و ملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد وفاته (و إن شئت قل: حين ما يوصي) في ما يملكه في حياته و احترام مشيته، فلو أدخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية.

و أما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا إرثا فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد الأمرين‏، إما الرحم و إما احترام إرادة الميت بل حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة و هي إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت و ربه أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت و يشفق عليه فكان الإرث على أي حال يبتني على احترام الإرادة و لو كان مبتنيا على أصل الرحم و اشتراك الدم لرزق من المال كثير من المحرومين منه، و حرم كثير من المرزوقين.

ثم إنه بعد ذلك عمد إلى الإرث و عنده في ذلك أصلان جوهريان:

أصل الرحم و هو العنصر المشترك بين الإنسان و أقربائه لا يختلف فيه الذكور و الإناث و الكبار و الصغار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم و إن كان مختلف الأثر في التقدم و التأخر، و منع البعض للبعض من جهة قوته و ضعفه بالقرب من الإنسان و البعد منه، و انتفاء الوسائط و تحققها قليلا أو كثيرا كالولد و الأخ و العم، و هذا الأصل يقضي باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدمة و المتأخرة.

و أصل اختلاف الذكر و الأنثى في نحو وجود القرائح الناشئة عن الاختلاف في تجهيزهما بالتعقل و الإحساسات، فالرجل بحسب طبعه إنسان التعقل كما أن المرأة مظهر العواطف و الإحساسات اللطيفة الرقيقة، و هذا الفرق مؤثر في حياتيهما التأثير البارز في تدبير المال المملوك، و صرفه في الحوائج، و هذا الأصل هو الموجب للاختلاف في السهام في الرجل و المرأة و إن وقعا في طبقة واحدة كالابن و البنت، و الأخ و الأخت في الجملة على ما سنبينه.

و استنتج من الأصل الأول ترتب الطبقات بحسب القرب و البعد من الميت‏لفقدان الوسائط و قلتها و كثرتها فالطبقة الأولى هي التي تتقرب من الميت بلا واسطة و هي الابن و البنت و الأب و الأم، و الثانية الأخ و الأخت و الجد و الجدة و هي تتقرب من‏

228

(1) -الميت بواسطة واحدة و هي الأب أو الأم أو هما معا، و الثالثة العم و العمة و الخال و الخالة، و هي تتقرب إلى الميت بواسطتين.

و هما أب الميت أو أمه و جده أو جدته، و على هذا القياس، و الأولاد في كل طبقة يقومون مقام آبائهم و يمنعون الطبقة اللاحقة و روعي حال الزوجين لاختلاط دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات فلا يمنعهما طبقة و لا يمنعان طبقة.

ثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر و الأنثى في غير الأم و الكلالة المتقربة بالأم بأن للذكر مثل حظ الأنثيين.

و السهام الستة المفروضة في الإسلام (النصف و الثلثان و الثلث و الربع و السدس و الثمن) و إن اختلفت، و كذا المال الذي ينتهي إلى أحد الوراث و إن تخلف عن فريضته غالبا بالرد أو النقص الوارد و كذا الأب و الأم و كلالة الأم و إن تخلفت فرائضهم عن قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين» و لذلك يعسر البحث الكلي الجامع في باب الإرث إلا أن الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر و استخلاف الطبقة المولدة و هم الآباء و الأمهات للطبقة المتولدة و هم الأولاد، و الفريضة الإسلامية في كل من القبيلين أعني الأزواج و الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.

و ينتج هذا النظر الكلي أن الإسلام يرى اقتسام الثروة الموجودة في الدنيا بالثلث و الثلثين فللأنثى ثلث و للذكر ثلثان هذا من حيث التملك لكنه لا يرى نظير هذا الرأي في الصرف للحاجة فإنه يرى نفقة الزوجة على الزوج و يأمر بالعدل المقتضي للتساوي في المصرف و يعطي للمرأة استقلال الإرادة و العمل فيما تملكه من المال لا مداخلة للرجل فيه، و هذه الجهات الثلاث تنتج أن للمرأة أن تتصرف في ثلثي ثروة الدنيا (الثلث الذي تملكها و نصف الثلثين الذين يملكهما الرجل) و ليس في قبال تصرف الرجل إلا الثلث.

5-علام استقر حال النساء و اليتامى في الإسلام:

أما اليتامى فهم يرثون كالرجال الأقوياء، و يربون و ينمي أموالهم تحت ولاية الأولياء كالأب و الجد أو عامة المؤمنين أو الحكومة الإسلامية حتى إذا بلغوا النكاح و أونس منهم الرشد دفعت إليهم أموالهم و استووا على مستوى الحياة المستقلة، و هذا أعدل السنن المتصورة في حقهم. ـ

229

(1) -و أما النساء فإنهن بحسب النظر العام يملكن ثلث ثروة الدنيا و يتصرفن في ثلثيها بما تقدم من البيان، و هن حرات مستقلات فيما يملكن لا يدخلن تحت قيمومة دائمة و لا موقتة و لا جناح على الرجال فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف.

فالمرأة في الإسلام ذات شخصية تساوي شخصية الرجل في حرية الإرادة و العمل من جميع الجهات، و لا تفارق حالها حال الرجل إلا في ما تقتضيه صفتها الروحية الخاصة المخالفة لصفة الرجل الروحية و هي أن لها حياة إحساسية و حياة الرجل‏تعقلية فاعتبر للرجل زيادة في الملك العام ليفوق تدبير التعقل في الدنيا على تدبير الإحساس و العاطفة، و تدورك ما ورد عليها من النقص باعتبار غلبتها في التصرف، و شرعت عليها وجوب إطاعة الزوج في أمر المباشرة و تدورك ذلك بالصداق، و حرمت القضاء و الحكومة و المباشرة للقتال لكونها أمورا يجب بناؤها على التعقل دون الإحساس، و تدورك ذلك بوجوب حفظ حماهن و الدفاع عن حريمهن على الرجال، و وضع على عاتقهم أثقال طلب الرزق و الإنفاق عليها و على الأولاد و على الوالدين و لها حق حضانة الأولاد من غير إيجاب، و قد عدل جميع هذه الأحكام بأمور أخرى دعين إليها كالتحجب و قلة مخالطة الرجال و تدبير المنزل و تربية الأولاد.

و قد أوضح معنى امتناع الإسلام عن إعطاء التدابير العامة الاجتماعية كتدبير الدفاع و القضاء و الحكومة للعاطفة و الإحساس و وضع زمامها في يدها، النتائج المرة التي يذوقها المجتمع البشري إثر غلبة الإحساس على التعقل في عصرنا الحاضر، و أنت بالتأمل في الحروب العالمية الكبرى التي هي من هدايا المدنية الحاضرة، و في الأوضاع العامة الحاكمة على الدنيا، و عرض هذه الحوادث على العقل و الإحساس العاطفي تقف على تشخيص ما منه الإغراء و ما إليه النصح و الله الهادي.

على أن الملل المتمدنة من الغربيين لم يألوا جهدا و لم يقصروا حرصا منذ مئات السنين في تربية البنات مع الأبناء في صف واحد، و إخراج ما فيهن من استعداد الكمال من القوة إلى الفعل، و أنت مع ذلك إذا نظرت في فهرس نوابغ السياسة و رجال القضاء و التقنين و زعماء الحروب و قوادها (و هي الخلال الثلاث المذكورة: الحكومة، القضاء القتال) لم تجد فيه شيئا يعتد به من أسماء النساء و لا عددا يقبل المقايسة إلى المئات و الألوف من الرجال، و هذا في نفسه أصدق شاهد على أن طباع النساء لا تقبل الرشد

230

(1) -و النماء في هذه الخلال التي لا حكومة فيها بحسب الطبع إلا للتعقل و كلما زاد فيها دبيب العواطف زادت خيبة و خسرانا.

و هذا و أمثاله من أقطع الأجوبة للنظرية المشهورة القائلة إن السبب الوحيد في تأخر النساء عن الرجال في المجتمع الإنساني هو ضعف التربية الصالحة فيهن منذ أقدم عهود الإنسانية، و لو دامت عليهن التربية الصالحة الجيدة مع ما فيهن من الإحساسات و العواطف الرقيقة لحقن الرجال أو تقدمن عليهم في جهات الكمال.

و هذا الاستدلال أشبه بالاستدلال بما ينتج نقيض المطلوب فإن اختصاصهن بالعواطف الرقيقة أو زيادتها فيهن هو الموجب لتأخرهن فيما يحتاج من الأمور إلى قوة التعقل و تسلطه على العواطف الروحية الرقيقة كالحكومة و القضاء، و تقدم من يزيد عليهن في ذلك و هم الرجال فإن التجارب القطعية تفيد أن من اختص بقوة صفة من الصفات الروحية فإنما تنجح تربيته فيما يناسبها من المقاصد و المآرب، و لازمه أن تنجح تربية الرجال في أمثال الحكومة و القضاء و يمتازوا عنهن في نيل الكمال فيها، و أن تنجح تربيتهن فيما يناسب العواطف الرقيقة و يرتبط بها من الأمور كبعض شعب صناعة الطب و التصوير و الموسيقى و النسج و الطبخ و تربية الأطفال و تمريض المرضى و أبواب الزينة و نحو ذلك، و يتساوى القبيلان فيما سوى ذلك.

على أن تأخرهن فيما ذكر من الأمور لو كان مستندا إلى الاتفاق و الصدفة كما ذكر لانتقض في بعض هذه الأزمنة الطويلة التي عاش فيها المجتمع الإنساني و قد خمنوها بملايين من السنين‏ كما أن تأخر الرجال فيما يختص من الأمور المختصة بالنساء كذلك و لو صح لنا أن نعد الأمور اللازمة للنوع غير المنفكة عن مجتمعهم و خاصة إذا ناسبت أمورا داخلية في البنية الإنسانية من الاتفاقيات لم يسع لنا أن نحصل على خلة طبيعية فطرية من خلال الإنسانية العامة كميل طباعه إلى المدنية و الحضارة، و حبه للعلم، و بحثه عن أسرار الحوادث و نحو ذلك فإن هذه صفات لازمة لهذا النوع و في بنية أفراده ما يناسبها من القرائح نعدها لذلك صفات فطرية نظير ما نعد تقدم النساء في الأمور الكمالية المستظرفة و تأخرهن في الأمور التعقلية و الأمور الهائلة و الصعبة الشديدة من مقتضى قرائحهن، و كذلك تقدم الرجال و تأخرهم في عكس ذلك.

فلا يبقى بعد ذلك كله إلا انقباضهن من نسبة كمال التعقل إلى الرجال و كمال‏

231

(1) -الإحساس و التعطف إليهن، و ليس في محله فإن التعقل و الإحساس في نظر الإسلام موهبتان إلهيتان مودعتان في بنية الإنسان لمآرب إلهية حقة في حياته لا مزية لإحداهما على الأخرى و لا كرامة إلا للتقوى، و أما الكمالات الأخر كائنة ما كانت فإنما تنمو و تربو إذا وقعت في صراطه و إلا لم تعد إلا أوزارا سيئة.

6-قوانين الإرث الحديثة:

هذه القوانين و السنن و إن خالفت قانون الإرث الإسلامي كما و كيفا على ما سيمر بك إجمالها غير أنها استظهرت في ظهورها و استقرارها بالسنة الإسلامية في الإرث فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا و بين موقفهن من الفرق.

فقد كان الإسلام يظهر أمرا ما كانت الدنيا تعرفه و لا قرعت أسماع الناس بمثله، و لا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين و آبائهم الأولين، و أما هذه القوانين فإنها أبديت و كلف بها أمم حينما كانت استقرت سنة الإسلام في الإرث بين الأمم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون، و من البديهيات في أبحاث النفس أن وقوع أمر من الأمور في الخارج ثم ثبوتها و استقرارها نعم العون في وقوع ما يشابهها و كل سنة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة المجانسة بل الأولى هي المادة المتحولة إلى الثانية فليس لباحث اجتماعي أن ينكر استظهار القوانين الجديدة في الإرث بما تقدمها من الإرث الإسلامي و تحوله إليها تحولا عادلا أو جائرا.

و من أغرب الكلام ما ربما يقال-قاتل الله عصبية الجاهلية الأولى-: أن القوانين الحديثة إنما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة، و أنت قد عرفت ما كانت عليه سنة الروم القديمة في الإرث، و ما قدمته السنة الإسلامية إلى المجتمع البشري و أن السنة الإسلامية متوسطة في الظهور و الجريان العملي بين القوانين الرومية القديمة و بين القوانين الغربية الحديثة و كانت متعرفة متعمقة في مجتمع الملايين و مئات الملايين من النفوس الإنسانية قرونا متوالية متطاولة، و من المحال أن تبقى سدى و على جانب من التأثير في أفكار هؤلاء المقننين.

و أغرب منه أن هؤلاء القائلين يذكرون أن الإرث الإسلامي مأخوذ من الإرث الرومي القديم!.

232

(1) -و بالجملة فالقوانين الحديثة الدائرة بين الملل الغربية و إن اختلفت في بعض الخصوصيات غير أنها كالمطبقة على تساوي الرجال و النساء في سهم الإرث فالبنات و البنون سواء، و الأمهات و الآباء سواء في السهام و هكذا.

و قد رتبت الطبقات في قانون فرنسا على هذا النحو: (1) البنون و البنات (2) الآباء و الأمهات و الإخوة و الأخوات (3) الأجداد و الجدات (4) الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات، و قد أخرجوا علقة الزوجية من هذه الطبقات و بنوها على أساس المحبة و العلقة القلبية و لا يهمنا التعرض لتفاصيل ذلك و تفاصيل الحال في سائر الطبقات من أرادها فليرجع إلى محلها.

و الذي يهمنا هو التأمل في نتيجة هذه السنة الجارية و هي اشتراك المرأة مع الرجل في ثروة الدنيا الموجودة بحسب النظر العام الذي تقدم غير أنهم جعلوا الزوجة تحت قيمومة الزوج لا حق لها في تصرف مالي في شي‏ء من أموالها الموروثة إلا بإذن زوجها، و عاد بذلك المال منصفا بين الرجل و المرأة ملكا، و تحت ولاية الرجل تدبيرا و إدارة!و هناك جمعيات منتهضة يبذلون مساعيهم لإعطاء النساء الاستقلال و إخراجهن من تحت قيمومة الرجال في أموالهن و لو وفقوا لما يريدون كانت الرجال و النساء متساويين من حيث الملك و من حيث ولاية التدبير و التصرف.

7-مقايسة هذه السنن بعضها إلى بعض:

و نحن بعد ما قدمنا خلاصة السنن الجارية بين الأمم الماضية و قرونها الخالية إلى الباحث الناقد نحيل إليه قياس بعضها إلى البعض و القضاء على كل منها بالتمام و النقص و نفعه للمجتمع الإنساني و ضرره من حيث وقوعه في صراط السعادة ثم قياس ما سنه شارع الإسلام إليها و القضاء بما يجب أن يقضى به.

و الفرق الجوهري بين السنة الإسلامية و السنن غيرها في الغاية و الغرض، فغرض الإسلام أن تنال الدنيا صلاحها، و غرض غيره أن تنال ما تشتهيها، و على هذين الأصلين يتفرع ما يتفرع من الروع قال تعالى: وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ََ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ : «البقرة: 216» ، و قال تعالى: وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً : «النساء: 19» .

233

(1) -

8-الوصية:

قد تقدم أن الإسلام أخرج الوصية من تحت الوراثة و أفردها عنوانا مستقلا لما فيها من الملاك المستقل و هو احترام إرادة المالك بالنسبة إلى ما يملكه في حياته، و قد كانت الوصية بين الأمم المتقدمة من طرق الاحتيال لدفع الموصي ماله أو بعض ماله إلى غير من تحكم السنة الجارية بإرثه كالأب و رئيس البيت و لذلك كانوا لا يزالون يضعون من القوانين ما يحدها و يسد بنحو هذا الطريق المؤدي إلى إبطال حكم الإرث و لا يزال يجري الأمر في تحديدها هذا المجرى حتى اليوم.

و قد حدها الإسلام بنفوذها إلى ثلث المال فهي غير نافذة في الزائد عليه، و قد تبعته في ذلك بعض القوانين الحديثة كقانون فرنسا غير أن النظرين مختلفان، و لذلك كان الإسلام يحث عليها و القوانين تردع عنها أو هي ساكتة.

و الذي يفيده التدبر في آيات الوصية و الصدقات و الزكاة و الخمس و مطلق الإنفاق أن في هذه التشريعات تسهيل طريق أن يوضع ما يقرب من نصف رقبة الأموال و الثلثان من منافعها للخيرات و المبرات و حوائج طبقة الفقراء و المساكين لتقرب بذلك الطبقات المختلفة في المجتمع، و يرتفع الفواصل البعيدة من بينهم، و تقام به أصلاب المساكين مع ما في القوانين الموضوعة بالنسبة إلى كيفية تصرف المثرين في ثروتهم من تقريب طبقتهم من طبقة المساكين، و لتفصيل هذا البحث محل آخر سيمر بك إن شاء الله تعالى‏

بيان‏

قوله تعالى: «وَ اَللاََّتِي يَأْتِينَ اَلْفََاحِشَةَ» إلى قوله: «مِنْكُمْ» يقال‏ : أتاه و أتى به‏

234

(1) -أي فعله، و الفاحشة من الفحش و هو الشناعة فهي الطريقة الشنيعة، و قد شاع استعمالها في الزنا، و قد أطلقت في القرآن على‏ اللواط أو عليه و على السحق معا في قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ مََا سَبَقَكُمْ بِهََا مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعََالَمِينَ : «العنكبوت: 28» .

و الظاهر أن المراد بها هاهنا الزنا على ما ذكره جمهور المفسرين، و

رووا: أن النبي ص ذكر عند نزول آية الجلد-أن الجلد هو السبيل الذي جعله الله لهن إذا زنين‏

، و يشهد بذلك ظهور الآية في أن هذا الحكم سينسخ حيث يقول تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ، و لم ينقل إن السحق نسخ حده بشي‏ء آخر، و لا أن هذا الحد أجري على أحد من اللاتي يأتينه و قوله: أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ، يشهد بأن العدد من الرجال.

قوله تعالى: «فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ» إلى آخر الآية رتب‏ الإمساك‏ و هو الحبس المخلد على الشهادة لا على أصل تحقق الفاحشة و إن علم به إذا لم يشهد عليه الشهود و هو من منن الله سبحانه على الأمة من حيث السماحة و الإغماض.

و الحكم هو الحبس الدائم بقرينة الغاية المذكورة في الكلام أعني قوله: حَتََّى يَتَوَفََّاهُنَّ اَلْمَوْتُ ، غير أنه لم يعبر عنه بالحبس و السجن بل بالإمساك لهن في البيوت، و هذا أيضا من واضح التسهيل و السماحة بالإغماض، و قوله: حَتََّى يَتَوَفََّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ، أي طريقا إلى التخلص من الإمساك الدائم و النجاة منه.

و في الترديد إشعار بأن من المرجو أن ينسخ هذا الحكم، و هكذا كان فإن‏ حكم الجلد نسخه فإن من الضروري أن الحكم الجاري على الزانيات في أواخر عهد النبي ص و المعمول به بعده بين المسلمين هو الجلد دون الإمساك في البيوت فالآية على تقدير دلالتها على حكم الزانيات منسوخة بآية الجلد و السبيل المذكور فيها هو الجلد بلا ريب.

قوله تعالى: «وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ فَآذُوهُمََا» ، الآيتان متناسبتان مضمونا و الضمير في قوله: يَأْتِيََانِهََا ، راجع إلى الفاحشة قطعا، و هذا يؤيد كون الآيتين جميعا مسوقتين لبيان حكم الزنا، و على ذلك فالآية الثانية متممة الحكم في الأولى فإن الأولى لم تتعرض إلا لما للنساء من الحكم، و الثانية تبين الحكم فيهما معا و هو الإيذاء فيتحصل من مجموع الآيتين حكم الزاني و الزانية معا و هو إيذاؤهما و إمساك النساء في البيوت. ـ

235

(1) -لكن لا يلائم ذلك قوله تعالى بعد: فَإِنْ تََابََا وَ أَصْلَحََا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمََا ، فإنه لا يلائم الحبس المخلد فلا بد أن يقال: إن المراد بالإعراض الإعراض عن الإيذاء دون الحبس فهو بحاله.

و لهذا ربما قيل تبعا لما ورد في بعض الروايات (و سننقلها) إن الآية الأولى لبيان حكم الزنا في الثيب، و الثانية مسوقة لحكم الأبكار و أن المراد بالإيذاء هو الحبس في الأبكار ثم تخلية سبيلهن مع التوبة و الإصلاح، لكن يبقى أولا الوجه في تخصيص الأولى بالثيبات و الثانية بالأبكار من غير دليل يدل عليه من جهة اللفظ، و ثانيا وجه تخصيص الزانية بالذكر في الآية الأولى، و ذكرهما معا في الآية الثانية:

«وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ» .

و قد عزي إلى أبي مسلم المفسر أن الآية الأولى لبيان حكم السحق بين النساء، و الآية الثانية تبين حكم اللواط بين الرجال، و الآيتان غير منسوختين.

و فساده ظاهر: أما في الآية الأولى فلما ذكرناه في الكلام على قوله: وَ اَللاََّتِي يَأْتِينَ اَلْفََاحِشَةَ مِنْ نِسََائِكُمْ ، و أما في الآية الثانية فلما ثبت في السنة من أن الحد في اللواط القتل،

و قد صح عن النبي ص أنه قال: من عمل منكم عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول‏

، و هذا إما حكم ابتدائي غير منسوخ، و إما حكم ناسخ لحكم الآية، و على أي حال يبطل قوله.

و من الممكن: أن يقال في معنى الآيتين نظرا إلى الظاهر السابق إلى الذهن من الآيتين، و القرائن المحفوف بها الكلام، و ما تقدم من الإشكال فيما ذكروه من المعنى -و الله أعلم-: إن الآية متضمنة لبيان حكم زنا المحصنات ذوات الأزواج، و يدل عليه تخصيص الآية النساء بالذكر دون الرجال، و إطلاق النساء على الأزواج شائع في اللسان و خاصة إذا أضيفت إلى الرجال كما في قوله: نسائكم، قال تعالى: وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً : «النساء: 4» و قال تعالى: مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ : «النساء: 23» .

و على هذا فقد كان الحكم الأولي المؤجل لهن الإمساك في البيوت ثم شرع لهن الرجم، و ليس نسخا للكتاب بالسنة على ما استدل به الجبائي فإن السنخ إنما هو رفع الحكم الظاهر بحسب الدليل في التأبيد، و هذا حكم مقرون بما يشعر بأنه مؤجل‏

236

(1) -سينقطع بانقطاعه و هو قوله: أَوْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً لظهوره في أن هناك حكما سيطلع عليهن، و لو سمي هذا نسخا لم يكن به بأس فإنه غير متضمن لما يلزم نسخ الكتاب بالسنة من الفساد فإن القرآن نفسه مشعر بأن الحكم سيرتفع بانقطاع أمده، و النبي ص مبين لمرادات القرآن الكريم.

و الآية الثانية متضمنة لحكم الزنا من غير إحصان و هو الإيذاء سواء كان المراد به الحبس أو الضرب بالنعال أو التعيير بالقول أو غير ذلك، و الآية على هذا منسوخة بآية الجلد من سورة النور، و أما ما ورد من الرواية في كون الآية متضمنة لحكم الأبكار فمن الآحاد و هي مع ذلك مرسلة ضعيفة بالإرسال، و الله أعلم هذا و لا يخلو مع ذلك من وهن‏ (1) .

قوله تعالى: «فَإِنْ تََابََا وَ أَصْلَحََا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمََا» «إلخ» تقييد التوبة بالإصلاح لتحقيق حقيقة التوبة، و تبيين أنها ليست مجرد لفظ أو حالة مندفعة.

بحث روائي‏

في الصافي، عن تفسير العياشي، عن الصادق (ع) *: في قوله تعالى: وَ اَللاََّتِي يَأْتِينَ اَلْفََاحِشَةَ الآية هي منسوخة، و السبيل هي الحدود.

و فيه، عن الباقر (ع) *: سئل عن هذه الآية فقال: هي منسوخة، قيل: كيف كانت؟قال: كانت المرأة إذا فجرت-فقام عليها أربعة شهود أدخلت بيتا و لم تحدث، و لم تكلم، و لم تجالس، و أوتيت بطعامها و شرابها-حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا، قال: جعل السبيل الجلد و الرجم.

قيل: قوله: و اللذان يأتيانها منكم؟قال: يعني البكر-إذا أتت الفاحشة التي أتتها هذه الثيب، فآذوهما؟قال تحبس. الحديث.

أقول: القصة أعني كون الحكم المجرى عليهن في صدر الإسلام الإمساك في البيوت حتى الوفاة مما رويت بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و غيرهم، و نقل عن السدي أن الحبس في البيوت كان حكما للثيبات، و الإيذاء الواقع في الآية الثانية كان حكما للجواري و الفتيان الذين لم ينكحوا، و قد عرفت ما ينبغي أن يقال في المقام‏

____________

(1) فإن إشعار المنسوخ بالنسخ لا ينافي النسخ (منه)

237

(1) -

بيان‏

مضمون الآيتين لا يخلو عن ارتباط بما تقدمهما من الآيتين فإنه ما قد اختتمتا بذكر التوبة فمن الممكن أن يكون هاتان نزلتا مع تينك، و هاتان الآيتان مع ذلك متضمنتان لمعنى مستقل في نفسه، و هو إحدى الحقائق العالية الإسلامية و التعاليم الراقية القرآنية، و هي حقيقة التوبة و شأنها و حكمها.

قوله تعالى: «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» التوبة هي الرجوع، و هي رجوع من العبد إلى الله سبحانه بالندامة و الانصراف عن الإعراض عن العبودية، و رجوع من الله إلى العبد رحمة بتوفيقه للرجوع إلى ربه أو بغفران ذنبه، و قد مر مرارا أن توبة واحدة من العبد محفوفة بتوبتين من الله سبحانه على ما يفيده القرآن الكريم.

و ذلك أن التوبة من العبد حسنة تحتاج إلى قوة و الحسنات من الله، و القوة لله جميعا فمن الله توفيق الأسباب حتى يتمكن العبد من التوبة و يتمشى له الانصراف عن التوغل في غمرات البعد و الرجوع إلى ربه ثم إذا وفق للتوبة و الرجوع احتاج في التطهر من هذه الألواث، و زوال هذه القذارات، و الورود و الاستقرار في ساحة القرب إلى رجوع آخر من ربه إليه بالرحمة و الحنان و العفو و المغفرة.

238

(1) -و هذان الرجوعان من الله سبحانه هما التوبتان الحافتان لتوبة العبد و رجوعه قال تعالى: ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا : «التوبة: 118» و هذه هي التوبة الأولى، و قال تعالى: فَأُولََئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ : «البقرة: 160» و هذه هي التوبة الثانية، و بين التوبتين منه تعالى توبة العبد كما سمعت.

و أما قوله: عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ ، لفظة على و اللام تفيدان معنى النفع و الضرر كما في قولنا: دارت الدائرة لزيد على عمرو، و كان السباق لفلان على فلان، و وجه إفادة على و اللام‏ معنى الضرر و النفع أن على تفيد معنى الاستعلاء، و اللام معنى الملك و الاستحقاق، و لازم ذلك أن المعاني المتعلقة بطرفين ينتفع بها أحدهما و يتضرر بها الآخر كالحرب و القتال و النزاع و نحوها فيكون أحدهما الغالب و الآخر المغلوب ينطبق على الغالب منهما معنى الملك و على المغلوب معنى الاستعلاء، و كذا ما أشبه ذلك كمعنى التأثير بين المتأثر و المؤثر، و معنى العهد و الوعد بين المتعهد و المتعهد له، و الواعد و الموعود له و هكذا، فظهر أن كون على و اللام لمعنى الضرر و النفع إنما هو أمر طار من ناحية مورد الاستعمال لا من ناحية معنى اللفظ.

و لما كان نجاح التوبة إنما هو لوعد وعده الله عباده فأوجبها بحسبه على نفسه لهم قال هاهنا: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ فيجب عليه تعالى قبول التوبة لعباده لكن لا على أن لغيره أن يوجب عليه شيئا أو يكلفه بتكليف سواء سمي ذلك الغير بالعقل أو نفس الأمر أو الواقع أو الحق أو شيئا آخر، تعالى عن ذلك و تقدس بل على أنه تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التائب منهم و هو لا يخلف الميعاد، فهذا معنى وجوب قبول التوبة على الله فيما يجب، و هو أيضا معنى وجوب كل ما يجب على الله من الفعل.

و ظاهر الآية أولا أنها لبيان أمر التوبة التي لله أعني رجوعه تعالى بالرحمة إلى عبده دون توبة العبد و إن تبين بذلك أمر توبة العبد بطريق اللزوم فإن توبة الله سبحانه إذا تمت شرائطها لم ينفك ذلك من تمام شرائط توبة العبد، و هذا أعني كون الآية في مقام بيان توبة الله سبحانه‏لا يحتاج إلى مزيد توضيح.

و ثانيا: أنها تبين أمر التوبة أعم مما إذا تاب العبد من الشرك و الكفر بالإيمان أو تاب من المعصية إلى الطاعة بعد الإيمان فإن القرآن يسمي الأمرين جميعا بالتوبة قال

239

(1) -تعالى: اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ : «المؤمن: 7» يريد: لِلَّذِينَ آمَنُوا بقرينة أول الكلام فسمى الإيمان توبة، و قال تعالى:

ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ : «التوبة: 118» .

و الدليل على أن المراد هي التوبة أعم من أن تكون من الشرك أو المعصية التعميم الموجود في الآية التالية: و ليست التوبة «إلخ» فإنها تتعرض لحال الكافر و المؤمن معا، و على هذا فالمراد بقوله: يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ ما يعم حال المؤمن و الكافر معا فالكافر كالمؤمن الفاسق ممن يعمل السوء بجهالة إما لأن الكفر من عمل القلب، و العمل أعم من عمل القلب و الجوارح، أو لأن الكفر لا يخلو من أعمال سيئة من الجوارح فالمراد من الذين يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ الكافر و الفاسق إذا لم يكونا معاندين في الكفر و المعصية.

و أما قوله تعالى: بِجَهََالَةٍ فالجهل‏ يقابل العلم بحسب الذات غير أن الناس لما شاهدوا من أنفسهم أنهم يعملون كلا من أعمالهم الجارية عن علم و إرادة، و أن الإرادة إنما تكون عن حب ما و شوق ما سواء كان الفعل مما ينبغي أن يفعل بحسب نظر العقلاء في المجتمع أو مما لا ينبغي أن يفعل لكن من له عقل مميز في المجتمع عندهم لا يقدم على السيئة المذمومة عند العقلاء فأذعنوا بأن من اقترف هذه السيئات المذمومة لهوى نفساني و داعية شهوية أو غضبية خفي عليه وجه العلم، و غاب عنه عقله المميز الحاكم في الحسن و القبيح و الممدوح و المذموم، و ظهر عليه الهوى و عندئذ يسمى حاله في علمه و إرادته «جهالة» في عرفهم و إن كان بالنظر الدقيق نوعا من العلم لكن لما لم يؤثر ما عنده من العلم بوجه قبح الفعل و ذمه في ردعه عن الوقوع في القبح و الشناعة ألحق بالعدم فكان هو جاهلا عندهم حتى إنهم يسمون الإنسان الشاب الحدث السن قليل التجربة جاهلا لغلبة الهوى و ظهور العواطف و الإحساسات النيئة على نفسه، و لذلك أيضا تراهم لا يسمون حال مقترف السيئات إذا لم ينفعل في اقتراف السيئة عن الهوى و العاطفة جهالة بل يسمونها عنادا و عمدا و غير ذلك.

فتبين بذلك أن الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى و ظهور الشهوة و الغضب من غير عناد مع الحق، و من خواص هذا الفعل الصادر عن جهالة أن إذا سكنت ثورة القوى و خمد لهيب الشهوة أو الغضب باقتراف للسيئة أو بحلول مانع أو

240

(1) -بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج عاد الإنسان إلى العلم و زالت الجهالة، و بانت الندامة بخلاف الفعل الصادر عن عناد و تعمد و نحو ذلك فإن سبب صدوره لما لم يكن طغيان شي‏ء من القوى و العواطف و الأميال النفسانية بل أمرا يسمى عندهم بخبث الذات و رداءة الفطرة لا يزول بزوال طغيان القوى و الأميال سريعا أو بطيئا بل دام نوعا بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلا أن يشاء الله.

نعم ربما يتفق أن يرجع المعاند اللجوج عن عناده و لجاجه و استعلائه على الحق فيتواضع للحق و يدخل في ذل العبودية فيكشف ذلك عندهم عن أن عناده كان عن جهالة، و في الحقيقة كل معصية جهالة من الإنسان، و على هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة و العافية.

و من هنا يظهر معنى قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أي إن عامل السوء بجهالة لا يقيم عاكفا على طريقته ملازما لها مدى حياته من غير رجاء في عدوله إلى التقوى و العمل الصالح كما يدوم عليه المعاند اللجوج بل يرجع عن عمله من قريب فالمراد بالقريب العهد القريب أو الزمان القريب و هو قبل ظهور آيات الآخرة و قدوم الموت.

و كل معاند لجوج في عمله إذا شاهد ما يسوؤه من جزاء عمله و وبال فعله ألزمته نفسه على الندامة و التبري من فعله لكنه بحسب الحقيقة ليس بنادم عن طبعه و هداية فطرته بل إنما هي حيلة يحتالها نفسه الشريرة للتخلص من وبال الفعل، و الدليل عليه أنه إذا اتفق تخلصه من الوبال المخصوص عاد ثانيا إلى ما كان عليه من سيئات الأعمال قال تعالى: وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ : «الأنعام: 28» .

و الدليل على أن المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله تعالى في الآية التالية: وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ إلى قوله: قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ .

و على هذا يكون قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ كناية عن‏ المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة.

و يتبين مما مر أن القيدين جميعا أعني قوله: بِجَهََالَةٍ ، و قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ احترازيان يراد بالأول منهما أن لا يعمل السوء عن عناد و استعلاء على الله، و بالثاني منهما

241

(1) -أن لا يؤخر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلا و توانيا و مماطلة إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية فيكون توبته تعالى أيضا قبول هذا الرجوع، و لا معنى للعبودية إلا مع الحياة الدنيوية التي هي ظرف الاختيار و موطن الطاعة و المعصية، و مع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشى معه طاعة أو معصية، قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً «الأنعام 158» و قال تعالى: فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا قََالُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنََا بِمََا كُنََّا بِهِ مُشْرِكِينَ ` فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا سُنَّتَ اَللََّهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبََادِهِ وَ خَسِرَ هُنََالِكَ اَلْكََافِرُونَ : «المؤمن: 85» إلى غير ذلك من الآيات.

و بالجملة يعود المعنى إلى أن الله سبحانه إنما يقبل توبة المذنب العاصي إذا لم يقترف المعصية استكبارا على الله بحيث يبطل منه روح الرجوع و التذلل لله، و لم يتساهل و يتسامح في أمر التوبة تساهلا يؤدي إلى فوت الفرصة بحضور الموت.

و يمكن أن يكون قوله: بِجَهََالَةٍ قيدا توضيحيا، و يكون المعنى: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ و لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم فإنه مخاطرة بالنفس و تعرض لعذاب أليم، أو لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم بكنه المعصية و ما يترتب عليها من المحذور، و لازمه كون قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ إشارة إلى ما قبل الموت لا كناية عن المساهلة في أمر التوبة فإن من‏ يأتي بالمعصية استكبارا و لا يخضع لسلطان الربوبية يخرج على هذا الفرض بقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ لا بقوله: بِجَهََالَةٍ و على هذا لا يمكن الكناية بقوله:

ثُمَّ يَتُوبُونَ عن التساهل و التواني فافهم ذلك، و لعل الوجه الأول أوفق لظاهر الآية.

و قد ذكر بعضهم: أن المراد بقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أن تتحقق التوبة في زمان قريب من وقت وقوع المعصية عرفا كزمان الفراغ من إتيان المعصية أو ما يعد عرفا متصلا به لا أن يمتد إلى حين حضور الموت كما ذكر.

و هو فاسد لإفساده معنى الآية التالية فإن الآيتين في مقام بيان ضابط كلي لتوبة الله سبحانه أي لقبول توبة العبد على ما يدل عليه الحصر الوارد في قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ إلخ و الآية الثانية تبين الموارد التي لا تقبل فيها التوبة، و لم يذكر في‏

242

(1) -الآية إلا موردان هما التوبة للمسي‏ء المتسامح في التوبة إلى حين حضور الموت، و التوبة للكافر بعد الموت، و لو كان المقبول من التوبة هو ما يعد عرفا قريبا متصلا بزمان المعصية لكان للتوبة غير المقبولة مصاديق أخر لم تذكر في الآية.

قوله تعالى: «فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً» الآيتان باسم الإشارة الموضوع للبعيد لا يخلو من إشارة إلى ترفيع قدرهم و تعظيم أمرهم كما يدل قوله:

يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ على المساهلة في إحصاء معاصيهم على خلاف ما في الآية الثانية:

وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ إلخ.

و قد اختير لختم الكلام قوله: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً دون أن يقال: و كان الله غفورا رحيما للدلالة على أن فتح باب التوبة إنما هو لعلمه تعالى بحال العباد و ما يؤديهم إليه ضعفهم و جهالتهم، و لحكمته المقتضية لوضع ما يحتاج إليه إتقان النظام و إصلاح الأمور و هو تعالى لعلمه و حكمته لا يغره ظواهر الأحوال بل يختبر القلوب، و لا يستزله مكر و لا خديعة فعلى التائب من العباد أن يتوب حق التوبة حتى يجيبه الله حق الإجابة.

قوله تعالى: «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ» إلخ في عدم إعادة قوله:

عَلَى اَللََّهِ مع كونه مقصودا ما لا يخفى من التلويح إلى انقطاع الرحمة الخاصة و العناية الإلهية عنهم كما أن إيراد السيئات بلفظ الجمع يدل على العناية بإحصاء سيئاتهم و حفظها عليهم كما تقدمت الإشارة إليه.

و تقييد قوله: يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ بقوله: حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ المفيد لاستمرار الفعل إما لأن المساهلة في المبادرة إلى التوبة و تسويفها في نفسه معصية مستمرة متكررة، أو لأنه بمنزلة المداومة على الفعل، أو لأن المساهلة في أمر التوبة لا تخلو غالبا عن تكرر معاص مجانسة للمعصية الصادرة أو مشابهة لها.

و في قوله: حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ دون أن يقال: حتى إذا جاءهم الموت دلالة على الاستهانة بالأمر و الاستحقار له أي حتى يكون أمر التوبة هينا هذا الهوان سهلا هذه السهولة حتى يعمل الناس ما يهوونه و يختاروا ما يشاءونه و لا يبالون و كلما عرض لأحدهم عارض الموت قال: إني تبت الآن فتندفع مخاطر الذنوب و مهلكة

243

(1) -مخالفة الأمر الإلهي بمجرد لفظ يردده ألسنتهم أو خطور يخطر ببالهم في آخر الأمر.

و من هنا يظهر معنى تقييد قوله: قََالَ إِنِّي تُبْتُ بقوله: اَلْآنَ فإنه يفيد أن حضور الموت و مشاهدة هذا القائل سلطان الآخرة هما الموجبان له أن يقول تبت سواء ذكره أو لم يذكره فالمعنى: إني تائب لما شاهدت الموت الحق و الجزاء الحق، و قد قال تعالى في نظيره حاكيا عن المجرمين يوم القيامة: وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا أَبْصَرْنََا وَ سَمِعْنََا فَارْجِعْنََا نَعْمَلْ صََالِحاً إِنََّا مُوقِنُونَ : «السجدة: 12» .

فهذه توبة لا تقبل من صاحبها لأن اليأس من الحياة الدنيا و هول المطلع هما اللذان أجبراه على أن يندم على فعله و يعزم على الرجوع إلى ربه و لات حين رجوع حيث لا حياة دنيوية و لا خيرة عملية.

قوله تعالى: «وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ» هذا مصداق آخر لعدم قبول التوبة و هو الإنسان يتمادى في الكفر ثم يموت و هو كافر فإن الله لا يتوب عليه فإن إيمانه و هو توبته لا ينفعه يومئذ، و قد تكرر في القرآن الكريم أن الكفر لا نجاة معه بعد الموت، و أنهم لا يجابون و إن سألوا، قال تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولََئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ ` إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اَللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ ` خََالِدِينَ فِيهََا لاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذََابُ وَ لاََ هُمْ يُنْظَرُونَ البقرة:

162، و قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ اِفْتَدى‏ََ بِهِ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ وَ مََا لَهُمْ مِنْ نََاصِرِينَ : -آل عمران:

91، و نفي‏ الناصرين نفي للشفاعة في حقهم كما تقدم في الكلام على الآية في الجزء الثالث من الكتاب.

و تقييد الجملة بقوله: وَ هُمْ كُفََّارٌ يدل على التوبة للعاصي المؤمن إذا مات على المعصية من غير استكبار و لا تساهل فإن التوبة من العبد بمعنى رجوعه إلى عبودية اختيارية و إن ارتفع موضوعها بالموت كما تقدم لكن التوبة منه تعالى بمعنى الرجوع بالمغفرة و الرحمة يمكن أن يتحقق بعد الموت لشفاعة الشافعين، و هذا في نفسه من الشواهد على أن المراد بالآيتين بيان حال توبة الله سبحانه لعباده لا بيان حال توبة العبد إلى الله إلا بالتبع.

244

(1) -قوله تعالى: «أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» اسم الإشارة يدل على بعدهم من ساحة القرب و التشريف، و الاعتاد : و الإعداد أو الوعد.

كلام في التوبة و فيه أبحاث.

التوبة بتمام معناها الوارد في القرآن من التعاليم الحقيقية المختصة بهذا الكتاب السماوي فإن التوبة بمعنى الإيمان عن كفر و شرك و إن كانت دائرة في سائر الأديان الإلهية كدين موسى و عيسى (ع) لكن لا من جهة تحليل حقيقة التوبة، و تسريتها إلى الإيمان بل باسم أن ذلك إيمان.

حتى أنه يلوح من الأصول التي بنوا عليها الديانة المسيحية المستقلة عدم نفع التوبة و استحالة أن يستفيد منها الإنسان كما يظهر مما أوردوه في توجيه الصلب و الفداء، و قد تقدم نقله في‏ الكلام على خلقة المسيح في الجزء الثالث من هذا الكتاب.

هذا و قد انجر أمر الكنيسة بعد إلى الإفراط في أمر التوبة إلى حيث كانت تبيع أوراق المغفرة و تتجر بها، و كان أولياء الدين يغفرون ذنوب العاصين فيما اعترفوا به عندهم!لكن القرآن حلل حال الإنسان بحسب وقوع الدعوة عليه و تعلق الهداية به فوجده بالنظر إلى الكمال و الكرامة و السعادة الواجبة له في حياته الأخروية عند الله سبحانه التي لا غنى له عنها في سيره الاختياري إلى ربه فقيرا كل الفقر في ذاته صفر الكف بحسب نفسه قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَللََّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ : -فاطر: 15، و قال: وَ لاََ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً وَ لاََ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لاََ حَيََاةً وَ لاََ نُشُوراً : الفرقان: 3.

فهو واقع في مهبط الشقاء و منحط البعد و منعزل المسكنة كما يشير إليه قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ` ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ : -التين: 5، و قوله: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ` ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ نَذَرُ اَلظََّالِمِينَ فِيهََا جِثِيًّا : -مريم: 72، و قوله: فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ : -طه 117.

و إذا كان كذلك فوروده منزلة الكرامة و استقراره في مستقر السعادة يتوقف على انصرافه عما هو فيه من مهبط الشقاء و منحط البعد و انقلاعه عنه برجوعه إلى ربه،

245

(1) -و هو توبته إليه في أصل السعادة و هو الإيمان، و في كل سعادة فرعية و هي كل عمل صالح أعني التوبة و الرجوع عن أصل الشقاء و هو الشرك بالله سبحانه، و عن فروعات الشقاء و هي سيئات الأعمال بعد الشرك، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى الله و الانخلاع عن ألواث البعد و الشقاء يتوقف عليها الاستقرار في دار الكرامة بالإيمان، و التنعم بأقسام نعم الطاعات و القربات، و بعبارة أخرى يتوقف القرب من الله و دار كرامته على التوبة من الشرك و من كل معصية، قال تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ : -النور: 31، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى الله تعم التوبتين جميعا بل تعمهما و غيرهما على ما سيجي‏ء إن شاء الله.

ثم إن الإنسان لما كان فقيرا في نفسه لا يملك لنفسه خيرا و لا سعادة قط إلا بربه كان محتاجا في هذا الرجوع أيضا إلى عناية من ربه بأمره، و إعانة منه له في شأنه فيحتاج رجوعه إلى ربه بالعبودية و المسكنة إلى رجوع من ربه إليه بالتوفيق و الإعانة، و هو توبة الله سبحانه لعبده المتقدمة على توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى: ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا : -التوبة: 118، و كذلك الرجوع إلى الله سبحانه يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذنوب و تطهيره من القذارات و ألواث البعد، و هذه هي التوبة الثانية من الله سبحانه المتأخرة عن توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ الآية.

و إذا تأملت حق التأمل وجدت أن التعدد في توبة الله سبحانه إنما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد، و إلا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه إلى عبده بالرحمة، و يكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها و بعدها، و ربما كان مع عدم توبة من العبد كما تقدم استفادة ذلك من قوله: وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ ، و أن قبول الشفاعة في حق العبد المذنب يوم القيامة من مصاديق التوبة و من هذا الباب قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلشَّهَوََاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً» (1) .

و كذلك القرب و البعد لما كانا نسبيين أمكن أن يتحقق البعد في مقام القرب بنسبة بعض مواقفه و مراحله إلى بعض، و يصدق حينئذ معنى التوبة على رجوع بعض المقربين من عباد الله الصالحين من موقفه الذي هو فيه إلى موقف أرفع منه و أقرب إلى ربه، كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء و هم معصومون بنص كلامه كقوله تعالى: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ فَتََابَ عَلَيْهِ : -البقرة: 37، و قوله تعالى:

____________

(1) سورة النساء: آية 27

246

(1) - وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ -Xإلى قوله‏X-: وَ تُبْ عَلَيْنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ : -البقرة: 128، و قوله تعالى: حكاية عن موسى (ع) : سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ : -الأعراف: 143، و قوله تعالى خطابا لنبيه (ص) : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِبْكََارِ المؤمن: 55، و قوله تعالى: لَقَدْ تََابَ اَللََّهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سََاعَةِ اَلْعُسْرَةِ : -التوبة: 117.

و هذه التوبة العامة من الله سبحانه هي التي يدل عليها إطلاق آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى: غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ : -المؤمن: 3، و قوله تعالى: يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ : -الشورى: 25، إلى غير ذلك.

فتلخص مما مر أولا أن نشر الرحمة من الله سبحانه على عبده لمغفرة ذنوبه، و إزالة ظلمة المعاصي عن قلبه-سواء في ذلك الشرك و ما دونه-توبة منه تعالى لعبده و أن رجوع العبد إلى ربه لمغفرة ذنوبه و إزالة معاصيه-سواء في ذلك الشرك و غيره- توبة منه إلى ربه.

و يتبين به أن من الواجب في الدعوة الحقة أن تعتني بأمر المعاصي كما تعتني بأصل الشرك، و تندب إلى مطلق التوبة الشامل للتوبة عن الشرك و التوبة عن المعاصي.

و ثانيا: أن التوبة من الله سبحانه لعبده أعم من المبتدئة و اللاحقة فضل منه كسائر النعم التي يتنعم بها خلقه من غير إلزام و إيجاب يرد عليه تعالى من غيره، و ليس معنى وجوب قبول التوبة عليه تعالى عقلا إلا ما يدل عليه أمثال قوله تعالى: وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ «غافر: 3» و قوله: وَ تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ : «النور: 31» و قوله: إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلتَّوََّابِينَ XالآيةX: «البقرة: 222» و قوله: «فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ» الآية من الآيات المتضمنة لتوصيفه تعالى بقبول التوبة، و النادبة إلى التوبة، الداعية إلى الاستغفار و الإنابة و غيرها المشتملة على وعد القبول بالمطابقة أو الالتزام، و الله سبحانه لا يخلف الميعاد.

و من هنا يظهر أن الله سبحانه غير مجبور في قبول التوبة بل له الملك من غير استثناء يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد فله أن يقبل ما يقبل من التوبة على ما وعد و يرد ما يرد منها كما هو ظاهر قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ ثُمَّ اِزْدََادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ‏

247

(1) - : «آل عمران: 90» و يمكن أن يكون من هذا الباب قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدََادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اَللََّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لاََ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً : «النساء: 137» .

و من عجيب ما قيل في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى في قصة غرق فرعون و توبته‏ ، حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ قََالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرََائِيلَ وَ أَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ ` آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ : «يونس: 91» .

قال ما محصله: أن الآية لا تدل على رد توبته، و ليس في القرآن أيضا ما يدل على هلاكه الأبدي، و أنه من المستبعد عند من يتأمل سعة رحمة الله و سبقتها غضبه أن يجوز عليه تعالى أنه يرد من التجأ إلى باب رحمته و كرامته متذللا مستكينابالخيبة و اليأس، و الواحد منا إذا أخذ بالأخلاق الإنسانية الفطرية من الكرم و الجود و الرحمة ليرحم أمثال هذا الإنسان النادم حقيقة على ما قدم من سوء الفعال فكيف بمن هو أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين و غياث المستغيثين.

و هو مدفوع بقوله تعالى: «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ» الآية، و قد تقدم أن الندامة حينئذ ندم كاذب يسوق الإنسان إلى إظهاره مشاهدته وبال الذنب و نزول البلاء.

و لو كان كل ندم توبة و كل توبة مقبولة لدفع ذلك قوله تعالى حكاية لحال المجرمين يوم القيامة: وَ أَسَرُّوا اَلنَّدََامَةَ لَمََّا رَأَوُا اَلْعَذََابَ : «سبأ: 33» إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الحاكية لندمهم على ما فعلوا و سؤالهم الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا، و الرد عليهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و إنهم لكاذبون.

و إياك أن تتوهم أن الذي سلكه القرآن الكريم من تحليل التوبة على ما تقدم توضيحه تحليل ذهني لا عبرة به في سوق الحقائق، و ذلك أن البحث في باب السعادة و الشقاء و الصلاح و الطلاح الإنسانيين لا ينتج غير ذلك فإنا إذا اعتبرنا حال الإنسان العادي في المجتمع على ما نراه من تأثير التعليم و التربية في الإنسان وجدناه خاليا في نفسه عن الصلاح و الطلاح الاجتماعيين قابلا للأمرين جميعا ثم إذا أراد أن يتحلى بحلية الصلاح، و يتلبس بلباس التقوى‏الاجتماعي لم يمكن له ذلك إلا بتوافق الأسباب على خروجه من

248

(1) -الحال الذي فيه، و ذلك يحاذي التوبة الأولى من الله سبحانه في باب السعادة المعنوية ثم انتزاعه و انصراف نفسه عما هو فيه من رثاث الحال و قيد التثبط و الإهمال و هو توبة بمنزلة التوبة من العبد فيما نحن فيه ثم زوال هيئة الفساد و وصف الرذالة المستولية على قلبه حتى يستقر فيه وصف الكمال و نور الصلاح فإن القلب لا يسع الصلاح و الطلاح معا، و هذا يحاذي قبول التوبة و المغفرة فيما نحن فيه و كذلك يجري في مرحلة الصلاح الاجتماعي الذي يسير فيه الإنسان بفطرته جميع ما اعتبره الدين في باب التوبة من الأحكام و الآثار جريا على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

و ثالثا: أن التوبة كما يستفاد من مجموع ما تقدم من الآيات المنقولة و غيرها إنما هي حقيقة ذات تأثير في النفس الإنسانية من حيث إصلاحها و إعدادها للصلاح الإنساني الذي فيه سعادة دنياه و آخرته و بعبارة أخرى التوبة إنما تنفع-إذا نفعت-في إزالة السيئات النفسانية التي تجر إلى الإنسان كل شقاء في حياته الأولى و الأخرى و تمنعه من الاستقرار على أريكة السعادة، و أما الأحكام الشرعية و القوانين الدينية فهي بحالها لا ترتفع عنه بتوبة كما لا ترتفع عنه بمعصية.

نعم ربما ارتبط بعض الأحكام بها فارتفعت بالتوبة بحسب مصالح الجعل، و هذا غير كون التوبة رافعة لحكم من الأحكام قال تعالى: وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ فَآذُوهُمََا فَإِنْ تََابََا وَ أَصْلَحََا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمََا إِنَّ اَللََّهَ كََانَ تَوََّاباً رَحِيماً : «النساء: 16» ، و قال تعالى:

إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاََفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذََلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيََا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ عَظِيمٌ ` إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : «المائدة: 34» إلى غير ذلك.

و رابعا: أن الملاك الذي شرعت لأجله التوبة على ما تبين مما تقدم هو التخلص من هلاك الذنب و بوار المعصية لكونها وسيلة الفلاح و مقدمة الفوز بالسعادة كما يشير إليه قوله تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ : «النور: 31» ، و من فوائدها مضافة إلى ذلك أن فيها حفظا لروح الرجاء من الانخماد و الركود فإن الإنسان لا يستقيم سيره الحيوي إلا بالخوف و الرجاء المتعادلين حتى يندفع عما يضره و ينجذب إلى ما ينفعه، و لو لا ذلك لهلك، قال تعالى: قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ‏

249

(1) -لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ` وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ : «الزمر: 54» ، و لا يزال الإنسان على ما نعرف من غريزته‏على نشاط من الروح الفعالة و جد في العزيمة و السعي ما لم تخسر صفقته في متجر الحياة، و إذا بدا له ما يخسر عمله و يخيب سعيه و يبطل أمنيته استولى عليه اليأس و انسلت به أركان عمله و ربما انصرف بوجهه عن مسيره آيسا من النجاح خائبا من الفوز و الفلاح، و التوبة هي الدواء الوحيد الذي يعالج داءه، و يحيي به قلبه و قد أشرف على الهلكة و الردى.

و من هنا يظهر سقوط ما ربما يتوهم أن في تشريع التوبة و الدعوة إليها إغراء بالمعصية، و تحريصا على ترك الطاعة، فإن الإنسان إذا أيقن أن الله يقبل توبته إذا اقترف أي معصية من المعاصي لم يخلف ذلك في نفسه أثرا، دون أن تزيد جرأته على هتك حرمات الله و الانغمار في لجج المعاصي و الذنوب، فيدق باب كل معصية قاصدا أن يذنب ثم يتوب.

وجه سقوطه: أن التوبة إنما شرعت مضافا إلى توقف التحلي بالكرامات على غفران الذنوب: للتحفظ على صفة الرجاء و تأثيره حسن أثره، و أما ما ذكر من استلزامه أن يقصد الإنسان كل معصية بنية أن يعصي ثم يتوب، فقد فاته أن التوبة بهذا النعت لا يتحقق معها حقيقة التوبة فإنها انقلاع عن المعصية، و لا انقلاع في هذا الذي يأتي به، و الدليل عليه أنه كان عازما على ذلك قبل المعصية و مع المعصية و بعد المعصية، و لا معنى للندامة (أعني التوبة) قبل تحقق الفعل بل مجموع الفعل و التوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا واحدا مقصودا بقصد واحد مكرا و خديعة يخدع بها رب العالمين‏، و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

و خامسا: أن المعصية و هي الموقف السوء من الإنسان ذو أثر سيئ في حياته لا يتاب منها و لا يرجع عنها إلا مع العلم و الإيقان بمساءتها، و لا ينفك ذلك عن الندم على وقوعها أولا، و الندم‏ تأثر خاص باطني من فعل السيئ. و يتوقف على استقرار هذا، الرجوع ببعض الأفعال الصالحة المنافية لتلك السيئة الدالة على الرجوع و التوبة ثانيا.

و إلى هذا يرجع جميع ما اعتبر شرعا من آداب التوبة كالندم و الاستغفار و التلبس بالعمل الصالح، و الانقلاع عن المعصية إلى غير ذلك مما وردت به الأخبار، و تعرض له كتب الأخلاق.

250

(1) -و سادسا: أن التوبة و هي الرجوع الاختياري عن السيئة إلى الطاعة و العبودية إنما تتحقق في ظرف الاختيار و هو الحياة الدنيا التي هي مستوى الاختيار، و أما فيما لا اختيار للعبد هناك في انتخاب كل من طريقي الصلاح و الطلاح و السعادة و الشقاوة فلا مسرح للتوبة فيه، و قد تقدم ما يتضح به ذلك.

و من هذا الباب التوبة فيما يتعلق بحقوق الناس فإنها إنما تصلح ما يتعلق بحقوق الله سبحانه، و أما ما يتعلق من السيئة بحقوق الناس مما يحتاج في زواله إلى رضاهم فلا يتدارك بها البتة لأن الله سبحانه احترم الناس بحقوق جعلها لهم في أموالهم و أعراضهم و نفوسهم، و عد التعدي إلى أحدهم في شي‏ء من ذلك ظلما و عدوانا، و حاشاه أن يسلبهم شيئا مما جعله لهم من غير جرم صدر منهم، فيأتي هو نفسه بما ينهى عنه و يظلمهم بذلك، و قد قال عز من قائل: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ اَلنََّاسَ شَيْئاً : «يونس: 44» .

إلا أن الإسلام و هو التوبة من الشرك يمحو كل سيئة سابقة و تبعة ماضية متعلقة بالفروع كما يدل عليه‏

قوله (ع) : الإسلام يجب ما قبله‏

، و به تفسر الآيات المطلقة الدالة على غفران السيئات جميعا كقوله تعالى: قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ` وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ : -الزمر: 54.

و من هذا الباب أيضا توبة من سن سنة سيئة أو أضل الناس عن سبيل الحق و قد وردت أخبار أن عليه مثل أوزار من عمل بها أو ضل عن الحق فإن حقيقة الرجوع لا تتحقق في أمثال هذه الموارد لأن العاصي أحدث فيها حدثا له آثار يبقى ببقائها، و لا يتمكن من إزالتها كما في الموارد التي لا تتجاوز المعصية ما بينه و بين ربه عز اسمه.

و سابعا: أن التوبة و إن كانت تمحو ما تمحوه من السيئات كما يدل عليه قوله تعالى: فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى‏ََ فَلَهُ‏ مََا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللََّهِ : -البقرة: 275 على ما تقدم من البيان في الجزء الثاني من هذا الكتاب، بل ظاهر قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صََالِحاً فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً ` وَ مَنْ تََابَ وَ عَمِلَ صََالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللََّهِ مَتََاباً : الفرقان: 71، و خاصة بملاحظة الآية الثانية أن التوبة بنفسها أو بضميمة الإيمان و العمل الصالح توجب تبدل السيئات‏

251

(1) -حسنات إلا أن اتقاء السيئة أفضل من اقترافها ثم إمحائها بالتوبة فإن الله سبحانه أوضح في كتابه أن المعاصي كيفما كانت إنما تنتهي إلى وساوس شيطانية نوع انتهاء ثم عبر عن المخلصين المعصومين عن زلة المعاصي و عثرة السيئات بما لا يعادله كل مدح ورد في غيرهم قال تعالى: قََالَ رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ` إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ ` قََالَ هََذََا صِرََاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ` إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ Xالآيات‏X:

-الحجر: 42، و قال تعالى حكاية عن إبليس أيضا في القصة: وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ : الأعراف: 17.

فهؤلاء من الناس مختصون بمقام العبودية التشريفية اختصاصا لا يشاركهم فيه غيرهم من الصالحين التائبين.

بحث روائي‏

في الفقيه، قال رسول الله ص *في آخر خطبة خطبها: من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: إن السنة لكثيرة و من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال: و إن الشهر لكثير و من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه، ثم قال: و إن اليوم لكثير و من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال: و إن الساعة لكثيرة من تاب و قد بلغت نفسه هذه-و أهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه.

: و سئل الصادق (ع) عن قول الله عز و جل- «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ-حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ» قال: ذلك إذا عاين أمر الآخرة.

أقول: الرواية الأولى رواها في الكافي مسندا عن الصادق (ع) ، و هي مروية من طرق أهل السنة و في معناها روايات أخر.

و الرواية الثانية تفسر الآية و تفسر الروايات الواردة في عدم قبول التوبة عند حضور الموت بأن المراد من حضور الموت العلم به و مشاهدة آيات الآخرة و لا توبة عندئذ، و أما الجاهل بالأمر فلا مانع من قبول توبته، و نظيرها بعض ما يأتي من الروايات.

و في تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال*: إذا بلغت النفس هذه‏

252

(1) --و أهوى بيده إلى حنجرته-لم يكن للعالم توبة، و كانت للجاهل توبة.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري في التاريخ و الحاكم و ابن مردويه عن أبي ذر*: أن رسول الله ص قال: إن الله‏ يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب، قيل و ما وقوع الحجاب؟قال: تخرج النفس و هي مشركة.

و فيه، أخرج ابن جرير عن الحسن قال*: بلغني أن رسول الله ص قال: إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال: و عزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح-فقال الله تبارك و تعالى: و عزتي لا أحول بينه و بين التوبة ما دام الروح فيه.

و في الكافي، عن علي الأحمسي عن أبي جعفر (ع) قال*: و الله ما ينجو من الذنوب إلا من أقر بها، قال: و قال أبو جعفر (ع) : كفى بالندم توبة.

و فيه، بطريقين عن ابن وهب قال*: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله تعالى فستر عليه-فقلت: و كيف يستر عليه؟قال، ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه-ثم يوحي الله إلى جوارحه و إلى بقاع الأرض: أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى الله حين يلقاه-و ليس شي‏ء يشهد عليه بشي‏ء من الذنوب.

و فيه، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال*: يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له-فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة و المغفرة-أما و الله إنها ليست إلا لأهل الإيمان. قلت: فإن عاد بعد التوبة و الاستغفار في الذنوب و عاد في التوبة؟فقال يا محمد بن مسلم أ ترى العبد المؤمن يندم على ذنبه-فيستغفر الله منه و يتوب ثم لا يقبل الله توبته؟قلت: فإن فعل‏ ذلك مرارا يذنب ثم يتوب و يستغفر؟ فقال: كلما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة، و إن الله غفور رحيم يقبل التوبة، و يعفو عن السيئات فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله.

و في تفسير العياشي، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (ع) *: في قوله تعالى:

وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ قال: لهذه الآية تفسير يدل على ذلك التفسير-أن الله لا يقبل من عبد عملا إلا لمن لقيه بالوفاء منه بذلك التفسير، و ما اشترط فيه على المؤمنين-و قال: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ -يعني كل ذنب عمله العبد-و إن كان به عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه، و قد قال في ذلك

253

(1) -يحكي قول يوسف لإخوته‏ «هَلْ عَلِمْتُمْ مََا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جََاهِلُونَ» فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله.

أقول: و الرواية لا تخلو عن اضطراب في المتن و الظاهر أن المراد بالصدر أن العمل إنما يقبل إذا وفى به العبد و لم ينقضه فالتوبة إنما تقبل إذا كانت زاجرة ناهية على الذنب و لو حينا. و قوله: و قال: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ «إلخ» كلام مستأنف أراد به بيان أن قوله: «بِجَهََالَةٍ» قيد توضيحي، و أن في مطلق المعصية جهالة على أحد التفسيرين السابقين في ما تقدم، و قد روي هذا الذيل في المجمع أيضا عنه (ع)

بيان‏

رجوع إلى أمر النساء بذكر بعض آخر مما يتعلق بهن و الآيات مع ذلك مشتملة على قوله: وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ‏