الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
254

(1) -فِيهِ خَيْراً كَثِيراً فإنه أصل قرآني لحياة المرأة الاجتماعية.

قوله تعالى «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ» إلى قوله: «كَرْهاً» كان أهل الجاهلية-على ما في التاريخ و الرواية-يعدون نساء الموتى من التركة-إذا لم تكن المرأة أما للوارث-فيرثونهن مع التركة فكان أحد الوراث يلقي ثوبا على زوجة الميت و يرثها فإن شاء تزوج بها من غير مهر بل بالوراثة و إن كره نكاحها حبسها عنده فإن شاء زوجها من غيره فانتفع بمهرها، و إن شاء عضلها و منعها النكاح و حبسها حتى تموت فيرثها إن كان لها مال.

و الآية و إن كان ظاهرها أنها تنهى عن سنة دائرة بينهم، و هي التي ذكرناها من إرث النساء فتكون مسوقة للردع عن هذه السنة السيئة على ما ذكره بعض المفسرين إلا أن قوله في ذيل الجملة: «كَرْهاً» لا يلائم ذلك سواء أخذ قيدا توضيحيا أو احترازيا.

فإنه لو كان قيدا توضيحيا أفاد أن هذه الوراثة تقع دائما على كره من النساء و ليس كذلك، و هو ظاهر، و لو كان قيدا احترازيا أفاد أن النهي إنما هو إذا كانت الوراثة على كره من النساء دون ما إذا كان على رضى منهن، و ليس كذلك.

نعم الكره أمر متحقق في العضل عن الازدواج طمعا في ميراثهن دائما أو غالبا بعد القبض عليهن بالإرث فالظاهر أن الآية في مقام الردع عن هذا الإرث على كره و أما نكاحهن بالإرث فالمتعرض للنهي عنه قوله تعالى فيما سيأتي: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ الآية و أما تزويجهن من الغير و الذهاب بمهرهن فينهى عنه مثل قوله تعالى: وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ : «النساء: 32» و يدل على الجميع قوله تعالى:

فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ : «البقرة: 234» .

و أما قوله بعد: وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا «إلخ» فهو غير هذا العضل عن الازدواج للذهاب بالمال إرثا لما في تذييله بقوله: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ من الدلالة على أن المراد به الذهاب ببعض المهر الذي آتاه الزوج العاضل دون المال الذي امتلكته من غير طريق هذا المهر. و بالجملة الآية تنهى عن وراثة أموال النساء كرها منهن دون وراثة أنفسهن فإضافة الإرث إلى النساء إنما هي بتقدير الأموال أو يكون مجازا عقليا.

قوله تعالى: «وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا» إلى قوله: «مُبَيِّنَةٍ» إما معطوف على‏

255

(1) -قوله: تَرِثُوا و التقدير: و لا أن تعضلوهن و إما نهي معطوف على قوله: لاََ يَحِلُّ لَكُمْ لكونه في معنى النهي‏. و العضل‏ هو المنع و التضييق و التشديد. و الفاحشة الطريقة الشنيعة كثر استعمالها في الزنا. و المبينة المتبينة، و قد نقل عن سيبويه أن أبان و استبان و بين و تبين بمعنى واحد، تتعدى و لا تتعدى يقال: أبان الشي‏ء و استبان و بين و تبين و يقال: أبنت الشي‏ء و استبنته و بينته و تبينته.

و الآية تنهى عن التضييق عليهن بشي‏ء من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شي‏ء من الصداق لفك عقدة النكاح و التخلص من ضيق العيشة فالتضييق بهذا القصد محرم على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها و يضيق عليها لتفارقه بالبذل، و الآية لا تنافي الآية الأخرى في باب البذل: وَ لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمََّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاََّ أَنْ يَخََافََا أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ : «البقرة: 229» و إنما هو التخصيص. تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة، و أما البذل الذي في آية البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما فلا تخصص بها هذه الآية.

قوله تعالى: «وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» إلى آخر الآية المعروف‏ هو الأمر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه و يجهلوه، و حيث قيد به الأمر بالمعاشرة كان المعنى الأمر بمعاشرتهن المعاشرة المعروفة بين هؤلاء المأمورين.

و المعاشرة التي يعرفها الرجال و يتعارفونها بينهم أن‏ الواحد منهم جزء مقوم للمجتمع يساوي سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الإنساني لغرض التعاون و التعاضد العمومي النوعي فيتوجه على كل منهم من التكليف أن يسعى بما في وسعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع فيقتني ما ينتفع به فيعطي ما يستغني عنه و يأخذ ما يحتاج إليه فلو عومل واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة و ليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية فيؤخذ تابعا ينتفع به و لا ينتفع هو بشي‏ء يحاذيه، و هذا هو الاستثناء.

و قد بين الله تعالى في كتابه إن الناس جميعا-رجالا و نساء-فروع أصل واحد إنساني، و أجزاء و أبعاض لطبيعة واحدة بشرية، و المجتمع في تكونه محتاج

256

(1) -إلى هؤلاء كما هو محتاج إلى أولئك على حد سواء كما قال تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ : النساء: 25» .

و لا ينافي ذلك اختصاص كل من الطائفتين بخصلة تختص به كاختصاص الرجال بالشدة و القوة نوعا، و اختصاص النساء بالرقة و العاطفة طبعا فإن الطبيعة الإنسانية في حياتها التكوينية و الاجتماعية جميعا تحتاج إلى بروز الشدة و ظهور القوة كما تحتاج إلى سريان المودة و الرحمة، و الخصلتان جميعا مظهرا الجذب و الدفع العامين في المجتمع الإنساني.

فالطائفتان متعادلتان وزنا و أثرا كما أن أفراد طائفة الرجال متساوية في الوزن و التأثير في هذه البنية المكونة مع اختلافهم في شئونهم الطبيعية و الاجتماعية من قوة و ضعف، و علم و جهل، و كياسة و بلادة، و صغر و كبر، و رئاسة و مرءوسية، و مخدومية و خادمية، و شرف و خسة و غير ذلك.

فهذا هو الحكم الذي ينبعث من ذوق المجتمع المتوسط الجاري على سنة الفطرة من غير انحراف، و قد قوم الإسلام أود الاجتماع الإنساني و أقام عوجه فلا مناص من أن يجري فيه حكم التسوية في المعاشرة و هو الذي نعبر عنه بالحرية الاجتماعية، و حرية النساء كالرجال، و حقيقتها أن الإنسان بما هو إنسان ذو فكر و إرادة له أن يختار ما ينفعه على ما يضره مستقلا في اختياره ثم إذا ورد المجتمع كان له أن يختار ما يختار-ما لم يزاحم سعادة المجتمع الإنساني-مستقلا في ذلك من غير أن يمنع عنه أو يتبع غيره من غير اختيار.

و هذا كما عرفت لا ينافي اختصاص بعض الطبقات أو بعض الأفراد من طبقة واحدة بمزايا أو محروميته عن مزايا كاختصاص الرجال في الإسلام بالقضاء و الحكومة و الجهاد و وجوب نفقتهن على الرجال و غير ذلك، و كحرمان الصبيان غير البالغين عن نفوذ الإقرار و المعاملات و عدم توجه التكاليف إليهم و نحو ذلك فجميع ذلك خصوصيات أحكام تعرض الطبقات و أشخاص المجتمع من حيث اختلاف أوزانهم في المجتمع بعد اشتراكهم جميعا في أصل الوزن الإنساني الاجتماعي الذي ملاكه أن الجميع إنسان ذو فكر و إرادة.

و لا تختص هذه المختصات بشريعة الإسلام المقدسة بل توجد في جميع القوانين‏

257

(1) -المدنية بل في جميع السنن الإنسانية حتى الهمجية قليلا أو كثيرا على اختلافها، و الكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: وَ عََاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ على ما تبين.

و أما قوله تعالى: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» فهو من قبيل إظهار الأمر المعلوم في صورة المشكوك المحتمل اتقاء من تيقظ غريزة التعصب في‏المخاطب نظير قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلِ اَللََّهُ وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ` قُلْ لاََ تُسْئَلُونَ عَمََّا أَجْرَمْنََا وَ لاََ نُسْئَلُ عَمََّا تَعْمَلُونَ : «سبأ: 25» .

فقد كان المجتمع الإنساني يومئذ (عصر نزول القرآن) لا يوقف النساء في موقفها الإنساني الواقعي، و يكره ورودها في المجتمع ورود البعض المقوم بل المجتمعات القائمة على ساقها يومئذ بين ما يعدهن طفيليات خارجة لاحقة ينتفع بوجودها، و ما يعدهن إنسانا ناقصا في الإنسانية كالصبيان و المجانين إلا أنهن لا يبلغن الإنسانية أبدا فيجب أن يعشن تحت الإتباع و الاستيلاء دائما، و لعل قوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ، حيث نسب الكراهة إلى أنفسهن دون نكاحهن إشارة إلى ذلك.

قوله تعالى: «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ» إلى آخر الآية، الاستبدال‏ استفعال بمعنى طلب البدل، و كأنه بمعنى إقامة زوج مقام زوج أو هو من قبيل التضمين بمعنى إقامة امرأة مقام أخرى بالاستبدال، و لذلك جمع بين قوله ، أَرَدْتُمُ و بين قوله:

اِسْتِبْدََالَ إلخ مع كون الاستبدال مشتملا على معنى الإرادة و الطلب، و على هذا فالمعنى:

وَ إِنْ أَرَدْتُمُ أن تقيموا زوجا مقام أخرى بالاستبدال.

و البهتان‏ ما بهت الإنسان أي جعله متحيرا، و يغلب استعماله في الكذب من القول و هو في الأصل مصدر، و قد استعمل في الآية في الفعل الذي هو الأخذ من المهر، و هو في الآية حال من الأخذ و كذا قوله: إِثْماً ، و الاستفهام إنكاري.

و المعنى: إن أردتم أن تطلقوا بعض أزواجكم و تتزوجوا بأخرى مكانها فلا تأخذوا من الصداق الذي آتيتموها شيئا و إن كان ما آتيتموها مالا كثيرا، و ما تأخذونه قليلا جدا.

258

(1) -}قوله تعالى: «وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ» إلى آخر الآية، الاستفهام للتعجيب، و الإفضاء هو الاتصال بالمماسة، و أصله الفضاء بمعنى السعة.

و لما كان هذا الأخذ إنما هو بالبغي و الظلم، و مورده مورد الاتصال و الاتحاد أوجب ذلك صحة التعجب حيث إن الزوجين يصيران بسبب ما أوجبه الازدواج من الإفضاء و الاقتراب كشخص واحد، و من العجيب أن يظلم شخص واحد نفسه و يؤذيها أو يؤذي بعض أجزائه بعضا.

و أما قوله: «وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً» فالظاهر أن المراد بالميثاق الغليظ هو العلقة التي أبرمها الرجل بالعقد و نحوه، و من لوازمها الصداق الذي يسمى عند النكاح و تستحقه المرأة من الرجل.

و ربما قيل: إن المراد بالميثاق الغليظ العهد المأخوذ من الرجل للمرأة من إمساك بمعروف أو تسريح‏بإحسان على ما ذكره الله تعالى، و ربما قيل: إن المراد به حكم الحلية المجعول شرعا في النكاح، و لا يخفى بعد الوجهين جميعا بالنسبة إلى لفظ الآية.

بحث روائي‏

في تفسير العياشي، عن هاشم بن عبد الله عن السري البجلي قال"*: سألته عن قوله:

وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مََا آتَيْتُمُوهُنَّ قال: فحكى كلاما ثم قال: كما يقول- النبطية إذا طرح عليها الثوب عضلها فلا تستطيع تزويج غيره، و كان هذا في الجاهلية.

و في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) *: في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً ، فإنه كان في الجاهلية في أول ما أسلموا من قبائل العرب-إذا مات حميم الرجل و له امرأة-ألقى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه-الذي كان أصدقها يرث نكاحها كما يرث ماله، فلما مات أبو قيس بن الأسلت-ألقى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه، و هي كبيشة بنت معمر بن معبد فورث نكاحها، ثم تركها لا يدخل بها و لا ينفق عليها، فأتت رسول الله ص فقالت: يا رسول الله-مات أبو قيس بن الأسلت فورث محصن ابنه نكاحي-فلا يدخل علي، و لا ينفق علي، و لا يخلي سبيلي فألحق بأهلي-فقال رسول الله ص: ارجعي

259

(1) -إلى بيتك-فإن يحدث الله في شأنك شيئا أعلمتك فنزل: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ‏آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ-إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ سََاءَ سَبِيلاً ، فلحقت بأهلها، و كانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن-كما ورث نكاح كبيشة غير أنه ورثهن من الأبناء- فأنزل الله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً .

أقول: آخر الرواية لا يخلو عن اضطراب في المعنى و قد وردت هذه القصة و نزول الآيات فيها في عدة من روايات أهل السنة أيضا، غير أن الروايات أو معظمها تذكر نزول قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا الآية في القصة، و قد عرفت في البيان السابق عدم مساعدة السياق على ذلك.

و مع ذلك فتحقق القصة و ارتباط الآيات بوجه بها و بالعادة الجارية فيما بينهم عند النزول في الجملة لا ريب فيه، فالمعول في ذلك ما قدمناه في البيان السابق.

و في المجمع، *: في قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ الآية-قال: الأولى حمل الآية على كل معصية، قال: و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

و في تفسير البرهان، عن الشيباني*: الفاحشة يعني الزنا، و ذلك إذا اطلع الرجل منها على فاحشة فله أخذ الفدية-و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله ص قال*: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمة الله، و إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، و لهن عليكم‏ رزقهن و كسوتهن بالمعروف.

و فيه، أخرج ابن جرير عن ابن عمر أن رسول الله ص قال*: يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمة الله، و لكم عليهن حق، و من حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، و لا يعصينكم في معروف-و إذا فعلن ذلك فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف.

أقول: و قد تقدم ما يتبين به معنى هذه الروايات.

و في الكافي، و تفسير العياشي، عن أبي جعفر (ع) *: في قوله تعالى: وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً قال: الميثاق الكلمة التي عقد بها النكاح الرواية.

و في المجمع، قال*: الميثاق الغليظ هو العقد المأخوذ على الزوج حالة العقد-من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

260

(1) -أقول: و هذا المعنى منقول عن عدة من مفسري السلف كابن عباس و قتادة و أبي مليكة، و الآية لا تأباه بالنظر إلى أن ذلك حكم يصدق عليه أنه ميثاق مأخوذ على الرجال للنساء، و إن كان الأظهر أن يكون المراد هو العقد المجرى حين الازدواج.

و في الدر المنثور، أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال*: قال عمر": لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك قال: و لم؟قالت: لأن الله يقول: وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً الآية، فقال عمر: امرأة أصابت و رجل أخطأ":

أقول: و رواه أيضا عن عبد الرزاق و ابن المنذر عن عبد الرحمن السلمي، و أيضا عن سعيد بن منصور و أبي يعلى بسند جيد عن مسروق‏

، و فيه أربعمائة درهم مكان أربعين أوقية، و أيضا عن سعيد بن منصور و عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني، و الروايات متقاربة المعنى.

و فيه، أخرج ابن جرير عن عكرمة"*: في قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ ، قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت-خلف على أم عبيد بنت ضمرة كانت تحت الأسلت أبيه، و في الأسود بن خلف و كان خلف على بنت أبي طلحة-بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار-و كانت عند أبيه خلف، و في فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد -كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية، و في منظور بن رباب و كان خلف على مليكة ابنة خارجة-و كانت عند أبيه رباب بن سيار.

و فيه، أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال*: كان الرجل إذا توفي عن امرأة-كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء-إن لم تكن أمه أو ينكحها من شاء، فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن-فورث نكاح امرأته و لم ينفق عليها و لم يورثها من المال شيئا-فأتت النبي ص فذكرت ذلك له، فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا فنزلت: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ الآية، و نزلت: لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً .

أقول: و قد تقدم ما يدل على ذلك من روايات الشيعة.

و فيه، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس قال"*: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب-و الجمع بين الأختين-فأنزل الله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ‏

261

(1) -مِنَ اَلنِّسََاءِ و أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ

:

أقول: و في معناه أخبار أخر.

262

(1) -

بيان‏

آيات محكمة تعد محرمات النكاح و ما أحل من نكاح النساء، و الآية السابقة عليها المبينة لحرمة نكاح ما نكح الآباء و إن كانت بحسب المضمون من جملتها إلا أن ظاهر سياقها لما كان من تتمة السياق السابق أوردناها في جملة الآيات السابقة مع كونها بحسب المعنى ملحقة بها.

و بالجملة جملة الآيات متضمنة لبيان كل محرم نكاحي من غير تخصيص أو تقييد، و هو الظاهر من قوله تعالى بعد تعداد المحرمات: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ الآية، و لذلك لم يختلف أهل العلم في الاستدلال بالآية على حرمة بنت الابن و البنت و أم الأب أو الأم و كذا على حرمة زوجة الجد بقوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ الآية، و به يستفاد نظر القرآن في تشخيص الأبناء و البنات بحسب التشريع على ما سيجي‏ء إن شاء الله.

قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ» هؤلاء هن المحرمات بحسب النسب و هي سبعة أصناف، و الأم‏ من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو بواسطة، كوالدة الأب أو الأم فصاعدة، و البنت‏ من اتصل نسبها بالإنسان بسبب ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة، و كبنت الابن و البنت فنازلة و الأخت‏ من اتصل نسبها بالإنسان من جهة ولادتهما معا من الأب أو الأم أو منهما جميعا بلا واسطة، و العمة أخت

263

(1) -الأب و كذا أخت الجد من جهة الأب أو الأم، و الخالة أخت الأم، و كذا أخت الجدة من جهة الأب أو الأم.

و المراد بتحريم الأمهات و ما يتلوها من الأصناف حرمة نكاحهن على ما يفيده الإطلاق من مناسبة الحكم و الموضوع، كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ : «المائدة: 3» أي أكلهما، و قوله تعالى: فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ : «المائدة: 26» أي سكنى‏ الأرض، و هذا مجاز عقلي شائع، هذا.

و لكنه لا يلائم ما سيأتي من قوله تعالى: «إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» فإنه استثناء من الوطء دون علقة النكاح على ما سيجي‏ء، و كذا قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ على ما سيجي‏ء، فالحق أن المقدر هو ما يفيد معنى الوطء دون علقة النكاح، و إنما لم يصرح تأدبا و صونا للسان على ما هو دأب كلامه تعالى.

و اختصاص الخطاب بالرجال دون أن يقال: حرم عليهن أبناؤهن «إلخ» ، أو يقال مثلا: لا نكاح بين المرأة و ولدها «إلخ» ، لما أن الطلب و الخطبة بحسب الطبع إنما يقع من جانب الرجال فحسب.

و توجيه الخطاب إلى الجمع مع تعليق الحرمة بالجمع كالأمهات و البنات «إلخ» ، تفيد الاستغراق في التوزيع، أي حرمت على كل رجل منكم أمه و بنته، إذ لا معنى لتحريم المجموع على المجموع، و لا لتحريم كل أم و بنت لكل رجل مثلا على كل رجل لأوله إلى تحريم أصل النكاح‏، فمآل الآية إلى أن كل رجل يحرم عليه نكاح أمه و بنته و أخته «إلخ» .

قوله تعالى: «وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضََاعَةِ» شروع في بيان المحرمات بالسبب، و هي سبع ست منها ما في هذه الآية، و سابعتها ما يتضمنه قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ الآية.

و الآية بسياقها تدل على جعل الأمومة و البنوة بين المرأة و من أرضعته و كذا الإخوة بين الرجل و أخته من الرضاعة حيث أرسل الكلام فيها إرسال المسلم فالرضاعة تكون الروابط النسبية بحسب التشريع، و هذا مما يختص بالشريعة الإسلامية على ما ستجي‏ء الإشارة إليه.

264

(1) -

و قد صح عن النبي ص فيما رواه الفريقان أنه قال: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب‏

و لازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف، و هي الأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة و بنت الأخ و بنت الأخت، سبعة أصناف.

و أما ما به يتحقق الرضاع و ما له في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم و الكيف و المدة و ما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه، و البحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب، و أما قوله: وَ أَخَوََاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضََاعَةِ فالمراد به الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع أمه إياها بلبن أبيه و هكذا.

قوله تعالى: «وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ» سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولا بهن أو غير مدخول بهن فإن النساء إذا أضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج، و الدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ الآية.

قوله تعالى: «وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ» إلى قوله: «فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ» الربائب‏ جمع الربيبة و هي بنت زوجة الرجل من غيره لأن تدبير أمر من مع المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها و يربيها في العادة الغالبة و إن لم يكن كذلك دائما.

و كذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب و إن لم يجر الأمر عليه دائما، و لذلك قيل: إن قوله: اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ قيد مبني على الغالب فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم يكن، فالقيد توضيحي لا احترازي.

و من الممكن أن يقال: إن قوله: اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ ، إشارة إلى ما يستفاد من حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب و السبب على ما سيجي‏ء البحث عنه، و هو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل و بين هؤلاء الأصناف من النساء و المصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل و البيوت فلو لا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا (على ما سيجي‏ء بيانه) .

فيكون قوله: «اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ» مشيرا إلى أن الربائب لكونهن غالبا في حجوركم و في صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم و حكمته.

265

(1) -و كيفما كان ليس قوله: اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ قيدا احترازيا يتقيد به التحريم حتى تحل الربيبة لرابها إذا لم تكن في حجره كالبنت الكبيرة يتزوج الرجل بأمها، و الدليل على ذلك المفهوم المصرح به في قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ» حيث ذكر فيه ارتفاع قيد الدخول لكون الدخول دخيلا في التحريم، و لو كان الكون في الحجور مثله لكان من اللازم ذكره، و هو ظاهر.

و قوله: فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ أي في أن تنكحوهن حذف إيثارا للاختصار لدلالة السياق عليه.

قوله تعالى: «وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ» الحلائل جمع حليلة قال في المجمع: و الحلائل‏ جمع الحليلة، و هي بمعنى محللة مشتقة من الحلال و الذكر حليل، و جمعه أحلة كعزيز و أعزة سميا بذلك لأن كل واحدة منهما يحل له مباشرة صاحبه، و قيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش، انتهى.

و المراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلا واسطة أو بواسطة ابن أو بنت، و تقييده بقوله: «اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ» احتراز عن حليلة من يدعى ابنا بالتبني دون الولادة.

قوله تعالى: «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» المراد به بيان تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية فهو أوجز عبارة و أحسنها في تأدية المراد، و إطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد، فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الأختين ثم يتزوج بالأخرى بعد طلاق الأولي أو موتها و من الدليل عليه السيرة القطعية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي ص.

و أما قوله: «إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» فهو كنظيره المتقدم في قوله: «وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» ناظر إلى ما كان معمولا به بين عرب الجاهلية من الجمع بين الأختين، و المراد به بيان العفو عما سلف من عملهم بالجمع بين الأختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شي‏ء من ذلك في زمان النزول بنكاح سابق فإن الآية تدل على منعه لأنه جمع بين الأختين بالفعل كما يدل عليه أيضا ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله: «وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ» الآية حيث فرق النبي ص بعد نزول‏

266

(1) -الآية بين الأبناء و بين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية.

و رفع التحريم-و هو الجواز-عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل، و العفو عنه من حيث نفس العمل المنقضي و إن كان لغوا لا أثر له لكنه لا يخلو عن الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده‏ كطهارة المولد و اعتبار القرابة مع الاستيلاد و نحو ذلك.

و بعبارة أخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين الأختين إذا ماتتا مثلا أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما لكن يصح رفع الإلغاء و التحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد من حيث الحكم بطهارة مولدهم، و وجود القرابة بينهم و بين آبائهم المولدين لهم و سائر قرابات الآباء، المؤثر ذلك في الإرث و النكاح و غير ذلك.

و على هذا فقوله: «إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع و من هنا يظهر أن الاستثناء متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون.

و يمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن يختص بقوله: «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ» فإن العرب و إن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجمع بين الأختين، و لم تكن تقترف نكاح الأمهات و البنات و سائر ما ذكرت في الآية إلا أن هناك أمما كانت تنكح أقسام المحارم كالفرس و الروم و سائر الأمم المتمدنة و غير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه، و الإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم فيحكم بطهارة مولدهم، و يعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق، هذا، لكن الوجه الأول أظهر.

قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً» تعليل راجع إلى الاستثناء، و هو من الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب و المعاصي.

قوله تعالى: «وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» المحصنات‏ بفتح الصاد اسم مفعول من‏ الإحصان و هو المنع، و منه الحصن الحصين أي المنيع يقال:

أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها و امتنعت عن الفجور، قال تعالى: اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا : «التحريم: 12» أي عفت و يقال: أحصنت المرأة-بالبناء للفاعل و المفعول-

267

(1) -إذا تزوجت فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير زوجها، و يقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ذلك من الزنا لأن ذلك كان فاشيا في الإماء.

و الظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون الأول و الثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة أو غيرها، و سواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج، أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضا مثلهن ثم ارتكاب التقييد بالتزويج فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.

فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات و هي التي تحت حبالة التزويج، و هو عطف على موضع أمهاتكم، و المعنى: و حرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت مزوجة ذات بعل.

و على هذا يكون قوله: «إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» رفعا لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته و زوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها.

و أما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بقوله: «إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف فالمراد بالملك ملك الاستمتاع و التسلط على المباشرة ففيه أولا أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات العفائف دون المزوجات و قد عرفت ما فيه، و ثانيا أن المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى، و هو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع و نحوه.

و كذا ما ذكره بعض آخر أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيات إذا كن ذوات أزواج من الكفار، و أيد ذلك‏

بما روي عن‏ أبي سعيد الخدري*: أن الآية نزلت في سبي أوطاس-حيث أصاب المسلمون نساء المشركين، و كانت لهن أزواج في دار الحرب-فلما نزلت نادى منادي رسول الله ص: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرأن.

268

(1) -و فيه مضافا إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص، فالمصير إلى ما ذكرناه.

قوله تعالى: «كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ» أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم و قد ذكر المفسرون أن قوله: «كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ» منصوب مفعولا مطلقا لفعل مقدر، و التقدير: كتب الله كتابا عليكم ثم حذف الفعل و أضيف المصدر إلى فاعله و أقيم مقامه، و لم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف العمل لا يتقدم معموله عليه، هذا.

قوله تعالى: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير أولي العقل‏، و كذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر، و كذا قوله بعده: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ ، أن يكون المراد بالموصول و اسم الإشارة هو المقدر في قوله: حرمت عليكم أمهاتكم، المتعلق به التحريم من الوطء و النيل أو ما هو من هذا القبيل، و المعنى: و أحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم، و هو النيل بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين، و حينئذ يستقيم بدلية قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ ، من قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ كل الاستقامة.

و قد ورد عن المفسرين في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة كقول بعضهم:

إن معنى قوله: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» : أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم، و قول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس و هي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح، و قول بعض آخر: إن المعنى أحل لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، و قول بعض آخر: معناها أحل لكم ما وراء ذات المحارم و الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين.

و هذه وجوه سخيفة لا دليل على شي‏ء منها من قبل اللفظ في الآية، على أنها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أولي العقل، و لا موجب له كما عرفت آنفا، على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية، فالحق أن الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين.

قوله تعالى: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» بدل أو عطف بيان‏

269

(1) -من قوله: «مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء و مباشرتهن، و ذلك أن الذي يشمله قوله: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» من المصداق ثلاثة: النكاح و ملك اليمين و السفاح و هو الزنا فبين بقوله: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ» إلخ، المنع عن السفاح و قصر الحل‏ في النكاح و ملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال و هو في النكاح المهر و الأجرة-ركن من أركانه-و في ملك اليمين الثمن-و هو الطريق الغالب في تملك الإماء-فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء و نيلهن بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحا من غير سفاح أو إنفاقها في ثمن الجواري و الإماء.

و من هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» إحصان العفة دون إحصان التزوج و إحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين و لا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج، و ليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله، و كفها عما حرم الله من الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان و فطرته.

و بما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ» ، بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها، و التقدير لتبتغوا، أو إرادة أن تبتغوا.

و ذلك أن مضمون قوله: أَنْ تَبْتَغُوا ، بوجه عين ما أريد بقوله: «مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله، و هو ظاهر.

و كذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء و صبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها، و هي غرض تكوين البيت و إيجاد النسل و الولد، و بالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد و التناسل، هذا.

و إني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.

270

(1) -و أحد الباحثين و هو البحث عن الملاك عقلي، و الآخر و هو البحث عن الحكم الشرعي و ما له من الموضوع و المتعلق و الشرائط و الموانع لفظي يتبع في السعة و الضيق البيان اللفظي من الشارع، و إنا لا نشك أن جميع الأحكام المشرعة تتبع مصالح و ملاكات حقيقية، و حكم النكاح الذي هو أيضا أحدها يتبع في تشريعه مصلحة واقعية و ملاكا حقيقيا، و هو التوالد و التناسل، و نعلم أن نظام الصنع و الإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله، ثم احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البنية الإنسانية بجهاز التناسل الذي يفصل أجزاء منه فيربيه و يكونه إنسانا جديدا يخلف الإنسان القديم فتمتد به سلسلة النوع من غير انقطاع، و احتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل و الإنتاج بإيداع القوة الشهوانية التي يحن بها أحد القبيلين -الذكر و الأنثى-من الأفراد إلى الآخر، و ينجذب بها كل إلى صاحبه بالوقوع عليه و النيل، ثم كمل ذلك بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة.

و في عين أن نظام الخلقة بالغ أمره و واجد غرضه الذي هو بقاء النوع لسنا نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرية بين الذكر و الأنثى و لا أصنافها موصلة إلى غرض الخلقة دائما بل إنما هي مقدمة غالبية، فليس كل ازدواج مؤديا إلى ظهور الولد، و لا كل عمل تناسلي كذلك، و لا كل ميل إلى هذا العمل يؤثر هذا الأثر، و لا كل رجل أو كل امرأة، و لا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى الذواق فالاستيلاد، فالجميع أمور غالبية.

فالتجهز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج طلبا للنسل من طريق الشهوة، و العقل المودوع فيه يضيف إلى ذلك التحرز و حفظ النفس عن الفحشاء المفسد لسعادة العيش، الهادم لأساس البيوت، القاطع للنسل.

و هذه المصلحة المركبة أعني مصلحة الاستيلاد و الأمن من دبيب الفحشاء هي الملاك الغالبي الذي بني عليه تشريع النكاح في الإسلام غير أن الأغلبية من أحكام الملاك، و أما الأحكام المشرعة لموضوعاتها فهي لا تقبل إلا الدوام.

فليس من الجائز أن يقال: إن النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض و الملاك المذكور وجودا و عدمافلا يجوز نكاح إلا بنية التوالد، و لا يجوز نكاح العقيم‏

271

(1) -و لا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة، و لا يجوز نكاح الصغيرة، و لا يجوز نكاح الزاني و لا يجوز مباشرة الحامل، و لا مباشرة من غير إنزال، و لا نكاح من غير تأسيس بيت، و لا يجوز... و لا يجوز....

بل النكاح سنة مشروعة بين قبيلي الذكر و الأنثى لها أحكام دائمية، و قد أريد بهذه السنة المشروعة حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت فلا معنى لجعل سنة مشروعة تابعة لتحقق الملاك وجودا و عدما، و المنع عما لا يتحقق به الملاك من أفراده أو أحكامه.

قوله تعالى: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» كان الضمير في قوله: «بِهِ» راجع إلى ما يدل عليه قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ «و هو النيل أو ما يؤدي معناه، فيكون «مََا» للتوقيت، و قوله «مِنْهُنَّ» متعلقا بقوله: «اِسْتَمْتَعْتُمْ» و المعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهن فآتوهن أجورهن فريضة.

و يمكن أن يكون ما موصولة، و استمتعتم صلة لها، و ضمير به راجعا إلى الموصول و قوله «مِنْهُنَّ» بيانا للموصول، و المعنى: و من استمتعتم به من النساء «إلخ» .

و الجملة أعني قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ «إلخ» تفريع لما تقدمها من الكلام-لمكان الفاء-تفريع البعض على الكل أو تفريع الجزئي على الكلي بلا شك فإن ما تقدم من الكلام أعني قوله «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» كما تقدم بيانه شامل لما في النكاح و ملك اليمين، فتفريع قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عليه يكون من تفريع الجزء على الكل أو تفريع بعض الأقسام الجزئية على المقسم الكلي.

و هذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى كقوله عز من قائل:

أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ XالآيةX: «البقرة: 184» و قوله:

فَإِذََا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ XالآيةX: «البقرة: 196» و قوله‏ لاََ إِكْرََاهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطََّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ XالآيةX «البقرة: 256» إلى غير ذلك.

و المراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك فإن الآية مدنية نازلة

272

(1) -في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي ص بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها، و هذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك-و قد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك-سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي و مسمع منه لا شك فيه، و كان اسمه هذا الاسم و لا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ فلا مناص من كون قوله: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» محمولا عليه مفهوما منه هذا المعنى كما أن سائر السنن و العادات و الرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشي‏ء من تلك الأسماء بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بهامن غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية.

و ذلك كالحج و البيع و الربا و الربح و الغنيمة و سائر ما هو من هذا القبيل فلم يمكن لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده، و هكذا، و كذلك ما أتى به النبي ص من الموضوعات الشرعية ثم شاع الاستعمال حتى عرفت بأساميها الشرعية كالصلاة و الصوم و الزكاة و حج التمتع و غير ذلك لا مجال بعد تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو المتشرعية فيها.

فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة أو لم نقل فإنما هو أمر آخر.

و جملة الأمر أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة، و هو المنقول عن القدماء من مفسري الصحابة و التابعين كابن عباس و ابن مسعود و أبي بن كعب و قتادة و مجاهد و السدي و ابن جبير و الحسن و غيرهم‏، و هو مذهب أئمة أهل البيت (ع) .

و منه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية أن المراد بالاستمتاع هو النكاح فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها هذا، و ربما ذكر بعضهم أن السين و التاء في استمتعتم للتأكيد، و المعنى: تمتعتم. ـ

273

(1) -و ذلك لأن تداول نكاح المتعة (بهذا الاسم) و معروفيته بينهم لا يدع مجالا لخطور هذا المعنى اللغوي بذهن المستمعين.

على أن هذا المعنى على تقدير صحته و انطباق معنى الطلب على المورد أو كون استمتعتم بمعنى تمتعتم، لا يلائم الجزاء المترتب عليه أعني قوله: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» ، فإن المهر يجب بمجرد العقد، و لا يتوقف على نفس التمتع و لا على طلب التمتع الصادق على الخطبة و إجراء العقد و الملاعبة و المباشرة و غير ذلك، بل يجب نصفه بالعقد و نصفه الآخر بالدخول.

على أن الآيات النازلة قبل هذه الآية قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر على جميع تقاديره، فلا وجه لتكرار بيان الوجوب، و ذلك كقوله تعالى: وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً XالآيةX: «النساء 4» ، و قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً فَلاََ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً، Xالآيتان‏X: «النساء: 20» ، و قوله تعالى لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ مََا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ X-إلى أن قال-X: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مََا فَرَضْتُمْ Xالآيتان‏X: «البقرة: 237» .

و ما احتمله بعضهم أن الآية أعني قوله: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» مسوقة للتأكيد يرد عليه أن سياق ما نقل من الآيات و خاصة سياق ذيل قوله: «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ» الآيتين أشد و آكد لحنا من هذه الآية فلا وجه لكون هذه مؤكدة لتلك.

و أما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية المؤمنون: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، ` فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ : «المؤمنون: 7» ، و قيل منسوخة بآية العدة: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ : «الطلاق: 1» وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ XالآيةX: «البقرة: 228» ، حيث إن انفصال الزوجين إنما هو بطلاق و عدة و ليسا في نكاح المتعة، و قيل: منسوخة بآيات الميراث: وَ لَكُمْ نِصْفُ مََا تَرَكَ أَزْوََاجُكُمْ‏

274

(1) - XالآيةX: «النساء: 12» ، حيث لا إرث في نكاح المتعة، و قيل منسوخة بآية التحريم:

«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ» الآية، فإنها في النكاح، و قيل: منسوخة بآية العدد: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ XالآيةX: «النساء: 3» ، و قيل: منسوخة بالسنة نسخها رسول الله ص عام خيبر، و قيل: عام الفتح، و قيل: في حجة الوداع، و قيل: أبيحت متعة النساء ثم حرمت مرتين أو ثلاثا، و آخر ما وقع و استقر عليه من الحكم الحرمة.

أما النسخ بآية المؤمنون، ففيه أنها لا تصلح للنسخ، فإنها مكية و آية المتعة مدنية، و لا تصلح المكية لنسخ المدنية، على أن عدم كون المتعة نكاحا و المتمتع بها زوجة ممنوع، و ناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار النبوية، و في كلمات السلف من الصحابة و التابعين من تسميتها نكاحا، و الإشكال عليه بلزوم التوارث و الطلاق و غير ذلك سيأتي الجواب عنه.

و أما النسخ بسائر الآيات كآية الميراث و آية الطلاق و آية العدد ففيه أن النسبة بينها و بين آية المتعة ليست نسبة الناسخ و المنسوخ، بل نسبة العام و المخصص أو المطلق و المقيد، فإن آية الميراث مثلا تعم الأزواج جميعا من كل دائم و منقطع و السنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها، و هو المنقطع من تحت عمومها، و كذلك القول في آية الطلاق و آية العدد، و هو ظاهر، و لعل القول بالنسخ ناش من عدم التمييز بين النسبتين.

نعم ذهب بعض الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات و النفي إلى أن العام ناسخ للخاص. لكن هذا مع ضعفه على ما بين في محله غير منطبق على مورد الكلام، و ذلك لوقوع آيات الطلاق (و هي العام) في سورة البقرة، و هي أول سورة مدنية نزلت قبل سورة النساء المشتملة على آية المتعة، و كذلك آية العدد واقعة في سورة النساء متقدمة على آية المتعة، و كذلك آية الميراث واقعة قبل آية المتعة في سياق واحد متصل في سورة واحدة فالخاص أعني آية المتعة متأخر عن العام على أي حال.

و أما النسخ بآية العدة فبطلانه أوضح فإن حكم العدة جار في المنقطعة كالدائمة و إن اختلفتا مدة فيئول إلى التخصيص أيضا دون النسخ.

و أما النسخ بآية التحريم فهو من أعجب‏ ما قيل في هذا المقام أما أولا فلأن مجموع‏

275

(1) -الكلام الدال على التحريم و الدال على حكم نكاح المتعة كلام واحد مسرود متسق الأجزاء متصل الأبعاض فكيف يمكن تصور تقدم ما يدل على المتعة ثم نسخ ما في صدر الكلام لذيله؟، و أما ثانيا فلأن الآية غير صريحة و لا ظاهرة في النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه، و إنما هي في مقام بيان أصناف النساء المحرمة على الرجال ثم بيان جواز نيل غيرها بنكاح أو بملك يمين، و نكاح المتعة نكاح على ما تقدم، فلا نسبة بين الأمرين بالمباينة حتى يئول إلى النسخ.

نعم ربما قيل: إن قوله تعالى: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوََالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» حيث قيد حلية النساء بالمهر و بالإحصان من غير سفاح، و لا إحصان في النكاح المنقطع-و لذلك لا يرجم الرجل المتمتع إذا زنا لعدم كونه محصنا- يدفع كون المتعة مراده بالآية.

لكن يرد عليه ما تقدم أن المراد بالإحصان في قوله «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» هو إحصان العفة دون إحصان التزوج لكون الكلام بعينه شاملا لملك اليمين كشموله النكاح، و لو سلم أن المراد بالإحصان هو إحصان التزوج عاد الأمر إلى تخصيص الرجم في زنا المحصن بزنا المتمتع المحصن بحسب السنة دون الكتاب فإن حكم الرجم غير مذكور في الكتاب من أصله.

و أما النسخ بالسنة ففيه-مضافا إلى‏ بطلان هذا القسم من النسخ من أصله لكونه مخالفا للأخبار المتواترة الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب و طرح ما خالفه، و الرجوع إلى الكتاب-ما سيأتي في البحث الروائي.

قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ « ، الطول‏ الغنى و الزيادة في القدرة، و كلا المعنيين يلائمان الآية، و المراد بالمحصنات الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات، و هذا بعينه يشهد على أن ليس المراد بها العفائف، و إلا لم تقابل بالفتيات بل بها و بغير العفائف، و ليس المراد بها ذوات الأزواج إذ لا يقع عليها العقد و لا المسلمات و إلا لاستغنى عن التقييد بالمؤمنات.

و المراد بقوله «فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» ما ملكته أيمان المؤمنين غير من يريد الازدواج و إلا فتزوج الإنسان بملك يمين نفسه باطل غير مشروع، و قد نسب ملك‏

276

(1) -اليمين إلى المؤمنين و فيهم المريد للتزوج بعد الجميع واحدا غير مختلف لاتحادهم في الدين، و اتحاد مصالحهم و منافعهم كأنهم شخص واحد.

و في تقييد المحصنات و كذا الفتيات بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوج غير المؤمنات من كتابية و مشركة، و لهذا الكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله العزيز في أوائل سورة المائدة.

و محصل معنى الآية أن من لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته على تحمل أثقال المهر و النفقة فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من غير أن يتحرج من فقدان القدرة على الحرائر، و يعرض نفسه على خطرات الفحشاء و معترض الشقاء.

فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم، و الآية في سياق التنزل أي إن لم يمكنكم كذا فيمكنكم كذا، و إنما قصر الكلام في صورة التنزل على بعض أفراد المنزل عنه أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز لكون النكاح الدائم هو المتعارف المتعين بالطبع في نظر الإنسان المريد تأسيس البيت و إيجاد النسل و تخليف الولد، و نكاح المتعة تسهيل ديني خفف الله به عن عباده لمصلحة سد طريق الفحشاء، و قطع منابت الفساد.

و سوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن و خاصة في مقام تشريع الأحكام و القوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ : «البقرة: 185» ، مع أن العذر لا ينحصر في المرض و السفر، و قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ََ أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ أَوْ جََاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغََائِطِ أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مََاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً : «النساء: 43» ، و الأعذار و قيود الكلام كما ترى مبنية على الغالب المعروف، إلى غير ذلك من الآيات.

هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم‏، و لا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزل و التوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم، و كون قوله:

فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ، غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهمه بعضهم، لأن هذا التنزل و التوسعة واقع بطرفيه (المنزل عنه و المنزل إليه) في نفس هذه الآية أعني قوله: ـ

277

(1) - وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً «إلخ» .

على أن الآية بلفظها لا تأبى عن الحمل على مطلق النكاح الشامل للدائم و المنقطع كما سيتضح بالكلام على بقية فقراتها.

قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» لما كان الإيمان المأخوذ في متعلق الحكم أمرا قلبيا لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب، و ربما أوهم تعليقا بالمتعذر أو المتعسر، و أوجب تحرج المكلفين منه، بين تعالى أنه هو العالم بإيمان عباده المؤمنين و هو كناية عن أنهم إنما كلفوا الجري على الأسباب الظاهرية الدالة على الإيمان كالشهادتين و الدخول في جماعة المسلمين و الإتيان بالوظائف العامة الدينية، فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه.

و في هداية هؤلاء المكلفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص و قصور آخر في الوقوع موقع التأثير و القبول، و هو أن عامة الناس يرون لطبقة المملوكين من العبيد و الإماء هوانا في الأمر و خسة في الشأن و نوع ذلة و انكسار فيوجب ذلك انقباضهم و جماح نفوسهم من الاختلاط بهم و المعاشرة معهم و خاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي و امتزاج باللحم و الدم.

فأشار سبحانه بقوله: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» إلى حقيقة صريحة يندفع بالتأمل فيها هذا التوهم الفاسد فالرقيق إنسان كما أن الحر إنسان لا يتميزان في ما به يصير الإنسان واجدا لشئون الإنسانية، و إنما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة يستقيم بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس، و لا عبرة بهذه التميزات عند الله، و الذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله، فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية التي تبعدهم عن حقائق المعارف المتضمنة سعادتهم و فلاحهم، فإن الخروج عن مستوى الطريق المستقيم، و إن كان حقيرا في بادي أمره لكنه لا يزال يبعد الإنسان من صراط الهداية حتى يورده أودية الهلكة.

و من هنا يظهر أن الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط و التنزل، أعني قوله: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» ، إنما هو جرى في الكلام على مجرى الطبع و العادة، و ليس إلزاما للمؤمنين‏

278

(1) -على الترتيب بمعنى أن يتوقف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة على نكاح الحرة بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك خاطبهم أن لو لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يقدموا على نكاح الفتيات من غير انقباض، و نبه مع ذلك على أن الحر و الرق من نوع واحد بعض أفراده يرجع إلى بعض.

و من هنا يظهر أيضا فساد ما ذكره بعضهم في قوله تعالى في ذيل الآية: «وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» أن المعنى و صبركم عن نكاح الإماء مع العفة خير لكم من نكاحهن لما فيه من الذل و المهانة و الابتذال، هذا، فإن قوله: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» ينافي ذلك قطعا.

قوله تعالى: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» إلى قوله: «أَخْدََانٍ» المراد بالمحصنات‏ العفائف فإن ذوات البعولة لا يقع عليهن نكاح، و المراد بالمسافحات ما يقابل متخذات الأخدان، الأخدان‏ جمع خدن بكسر الخاء و هو الصديق، يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و الجمع، و إنما أتى به بصيغة الجمع للدلالة على الكثرة نصا، فمن يأخذ صديقا للفحشاء لا يقنع بالواحد و الاثنين فيه لأن النفس لا تقف على حد إذا أطيعت فيما تهواه.

و بالنظر إلى هذه المقابلة قال من قال: إن المراد بالسفاح الزنا جهرا و باتخاذ الخدن الزنا سرا، و قد كان اتخاذ الخدن متداولا عند العرب حتى عند الأحرار و الحرائر لا يعاب به مع ذمهم زنا العلن لغير الإماء.

فقوله «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطا بأن يكون بإذن مواليهن فإن زمام أمرهن إنما هو بيد الموالي لا غير، و إنما عبر عنهم بقوله «أَهْلِهِنَّ» جريا على ما يقتضيه قوله قبل: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» فالفتاة واحدة من أهل بيت مولاها و مولاها أهلها.

و المراد بإتيانهن أجورهن بالمعروف توفيتهن مهور نكاحهن‏ و إتيان الأجور إياهن إعطاؤها مواليهن، و قد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس و مماطلة و إيذاء.

قوله تعالى: «فَإِذََا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفََاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ مِنَ اَلْعَذََابِ» قرئ أحصن بضم الهمزة بالبناء للمفعول و بفتح الهمزة بالبناء للفاعل، و هو الأرجح.

الإحصان في الآية إن كان هو إحصان الازدواج كان أخذه في الشرط المجرد

279

(1) -كون مورد الكلام في ما تقدم ازدواجهن، و ذلك أن الأمة تعذب نصف عذاب الحرة إذا زنت سواء كانت محصنة بالازدواج أو لا من غير أن يؤثر الإحصان فيها شيئا زائدا.

و أما إذا كان إحصان الإسلام كما قيل-و يؤيده قراءة فتح الهمزة-تم المعنى من غير مئونة زائدة، و كان عليهن إذا زنين نصف عذاب الحرائر سواء كن ذوات بعولة أو لا.

و المراد بالعذاب هو الجلد دون الرجم لأن الرجم لا يقبل الانتصاف و هو الشاهد على أن المراد بالمحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية. و اللام للعهد فمعنى الآية بالجملة أن الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة و هو الزنا فعليهن نصف حد المحصنات غير ذوات الأزواج، و هو جلد خمسين سوطا.

و من الممكن أن يكون المراد بالإحصان إحصان العفة، و تقريره أن الجواري يومئذ لم يكن لهن الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهن من الأعمال بما لهن من اتباع أوامر مواليهن و خاصة في الفاحشة و الفجور و كانت الفاحشة فيهن-لو اتفقت-بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهن و الاستدرار من عرضهن كما يشعر به النهي الوارد في قوله تعالى: وَ لاََ تُكْرِهُوا فَتَيََاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغََاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً : «النور: 33» فالتماسهن الفجور و اشتغالهن بالفحشاء باتخاذها عادة و مكسبا كان فيما كان بأمر مواليهن من دون أن يسع لهن الاستنكاف و التمرد، و إذا لم يكرههن الموالي على الفجور فالمؤمنات منهن على ظاهر تقوى الإسلام، و عفة الإيمان، و حينئذ إن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، و هو قوله تعالى: فَإِذََا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفََاحِشَةٍ «إلخ» .

و من هنا يظهر أن لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى و ذلك أنهن إذا لم يحصن و لم يعففن كن مكرهات من قبل مواليهن مؤتمرات لأمرهم كما لا مفهوم لقوله تعالى: وَ لاََ تُكْرِهُوا فَتَيََاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغََاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً : «النور: -33» حيث إنهن إن لم يردن التحصن لم يكن موضوع لإكراههن من قبل الموالي لرضاهن بذلك فافهم. ـ

280

(1) -قوله تعالى: «ذََلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنْكُمْ» العنت‏ الجهد و الشدة و الهلاك، و كان المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق و جهد شهوة النكاح و فيه هلاك الإنسان. و الإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية، و عليه فمعنى قوله «وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم. و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شي‏ء منهما من سابق سياق الآية و الله أعلم.

و كيف كان فكون الصبر خيرا إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء إنما هو لما فيه من حقوق مواليهن و في أولادهن على ما فصل في الفقه، و إن كان المراد الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر من تهذيب النفس و تهيئة ملكة التقوى فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه، و الله غفور رحيم يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده و يرحمهم برحمته.

قوله تعالى: «يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» إلى آخر الآية، بيان و إشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث و المصالح التي تترتب عليها إذا عمل بها فقوله:

يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم و عقباكم، و ما في ذلك من المعارف و الحكم و على هذا فمعمول قوله: لِيُبَيِّنَ محذوف للدلالة على فخامة أمره و عظم شأنه، و يمكن أن يكون قوله: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ، و قوله: وَ يَهْدِيَكُمْ متنازعين في قوله، سُنَنَ اَلَّذِينَ .

قوله تعالى: «وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أي طرق حياة السابقين من الأنبياء و الأمم الصالحة، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله، الحائزين به سعادة الدنيا و الآخرة، و المراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في الجملة لا سننهم بتفاصيلها و جميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإخوة بالأخوات في سنة آدم، و الجمع بين الأختين: في سنة يعقوب (ع) ، و قد جمع (ع) بين الأختين ليا أم يهودا و راحيل أم يوسف على ما في بعض الأخبار، هذا.

و هنا معنى آخر قيل به، و هو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على الحق أو على الباطل، يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق و باطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها و تدعوا الباطل.

281

(1) -و هذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعملة في هذا المعنى، و إنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ : «القصص: 56» و قوله: إِنََّا هَدَيْنََاهُ اَلسَّبِيلَ إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً : «الإنسان: 3» و الأوفق بمذاق القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين و القصص و نحو ذلك.

نعم لو جعل قوله يبين و قوله: وَ يَهْدِيَكُمْ متنازعين في قوله: «سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و قوله: وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أيضا راجعا إليه، و آل المعنى إلى أن الله يبين لكم سنن الذين من قبلكم، و يهديكم إلى الحق منها، و يتوب عليكم فيما ابتليتم به من باطلها كان له وجه فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين و الحق و الباطل منها، و التوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة.

قوله تعالى: «وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة و الرحمة، و تشريع الشريعة، و بيان الحقيقة، و الهداية إلى طريق الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه كما أن قبول توبة العبد و رفع آثار المعصية توبة.

و تذييل الكلام بقوله: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ليكون راجعا إلى جميع فقرات الآية، و لو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهرا أن يقال: وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ» إلخ، كان تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله: «وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلشَّهَوََاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً» إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط، إذ لو ضم قوله: وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ «إلخ» إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: وَ اَللََّهُ يُرِيدُ «إلخ» أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات و لغا المعنى قطعا.

و المراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان المحارم، و إلغاء تأثير الأنساب و الأسباب، و استباحة الزنا و المنع عن الأخذ بما سنة الله من السنة القويمة.

قوله تعالى: «يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً» كون الإنسان‏

282

(1) -ضعيفا لما ركب الله فيه القوى الشهوية التي لا تزال تنازعه في ما تتعلق به من المشتهيات، و تبعثه إلى غشيانها فمن الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مََا وَرََاءَ ذََلِكُمْ» و هو النكاح و ملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم، و زادهم تخفيفا منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح و ما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق و نفقة و غير ذلك.

و ربما قيل: إن المراد به إباحة نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفا. و فيه:

أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولا به بينهم قبل الإسلام على كراهة و ذم، و الذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة و النفرة ببيان أن الأمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما، و أن الرقية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة و المعاشرة.

و ظاهر الآيات-بما لا ينكر-أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه الأمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأمة، و المراد به ما ذكرناه.

و على هذا فتعليل التخفيف بقوله: «وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً» مع كونه وصفا مشتركا بين جميع الأمم-هذه الأمة و الذين من قبلهم-و كون التخفيف مخصوصا بهذه الأمة إنما هو من قبيل ذكر المقتضي العام و السكوت عما يتم به في تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع الإنسان سببا مقتضيا للتخفيف لو لا المانع لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف و انبساط الرحمة في سائر الأمم حتى وصلت النوبة إليكم فعمتكم الرحمة، و ظهرت فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور و شرع فيكم حكم التخفيف و قد حرمت الأمم السابقة من ذلك كما يدل عليه قوله: رَبَّنََا وَ لاََ تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْراً كَمََا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنََا «البقرة: 286» ، و قوله: هُوَ اِجْتَبََاكُمْ وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ : «الحج: 78» .

و من هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الأمة.

283

(1) -

بحث روائي‏

عن النبي ص: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب‏

،

و عنه (ص) : الرضاع لحمة كلحمة النسب.

و في الدر المنثور، أخرج مالك و عبد الرزاق عن عائشة قالت"*: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات-فنسخن بخمس معلومات-فتوفي رسول الله ص و هن فيما يقرأ من القرآن.

أقول: و روي فيه عنها ما يقرب منه بطرق أخرى، و هي من روايات التحريف مطروحة بمخالفة الكتاب.

و فيه أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و البيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ص قال*: إذا نكح الرجل المرأة-فلا يحل له‏ أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل، و إذا تزوج الأم فلم يدخل بها-ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة.

أقول: و هذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (ع) ، و هو مذهبهم و هو المستفاد من الكتاب كما مر في البيان المتقدم‏

و قد روي من طرق أهل السنة عن علي (ع) *: أن أم الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت، و أنها بمنزلة الربيبة، و أن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج أمها-لم يحرم عليه نكاحها

، و هذه أمور يدفعها المروي عنهم (ع) من طرق الشيعة.

و في الكافي، بإسناده عن منصور بن حازم قال*: كنت عند أبي عبد الله (ع) - فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة-فماتت قبل أن يدخل بها أ يتزوج بأمها؟فقال أبو عبد الله (ع) : قد فعله رجل منا فلم ير به بأسا، فقلت جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي (ع) -في هذا في المشيخة (1) التي أفتاه ابن مسعود أنه لا بأس به بذلك.

____________

(1) لعل الصحيح: الشمخي لما في بعض أخبار أهل السنة أنه كان رجلا من بني شمخ، أو الصحيح في الشمخية التي أفتى ابن مسعود.

284

(1) -ثم أتى عليا (ع) فسأله فقال له علي (ع) : من أين يأخذها؟ (1) فقال من قول الله عز و جل: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ-فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ ، فقال علي (ع) : إن هذه مستثناة و هذه مرسلة، فقال أبو عبد الله (ع) للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي (ع) ؟.

فلما قمت ندمت و قلت: أي شي‏ء صنعت؟يقول: قد فعله رجل منا و لم ير به بأسا، و أقول أنا: قضى علي (ع) فيها!فلقيته بعد ذلك و قلت: جعلت فداك- مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما تقول فيها؟فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا (ع) قضى فيها، و تسألني ما تقول فيها؟.

أقول: و قصة قضائه (ع) في فتوى ابن مسعود على‏

ما رواه في الدر المنثور، عن سنن البيهقي و غيره*: أن رجلا من بني شمخ تزوج امرأة و لم يدخل بها-ثم رأى أمها فأعجبته-فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها-ثم يتزوج أمها ففعل و ولدت له أولادا، ثم أتى ابن مسعود المدينة فقيل له لا تصلح-فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: أنها عليك حرام ففارقها.

لكن لم ينسب القول فيه إلى علي (ع) بل ذكر: أنه سأل عنه أصحاب النبي ص، و في لفظ: أنه سأل عنه عمر و في بعض الروايات: فأخبر أنه ليس كما قال، و أن الشرط في الربائب.

و في الإستبصار، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه*: أن عليا (ع) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي‏ دخلتم بهن-في الحجور و غير الحجور سواء، و الأمهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل، فحرموا و أبهموا ما أبهم الله.

أقول: و قد عزي إليه (ع) في بعض الروايات من طرق أهل السنة اشتراط الحجور في حرمة الربائب لكن الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (ع) تدفعه، و هو الموافق لما يستفاد من الآية كما تقدم.

و المبهمات‏ من البهمة و هي كون الشي‏ء ذا لون واحد لا يختلط به لون آخر و

____________

(1) نسخة الوافي: من أين أخذ بها.

285

(1) -لا يختلف في لونه سمي به من طبقات النساء المحرمة من كانت حرمة نكاحها مرسلة غير مشروطة، و هي الأمهات و البنات و الأخوات و العمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت و ما كان من الرضاعة، و أمهات النساء، و حلائل الأبناء.

و فيه، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال*: سألته عن الرجل تكون له الجارية فيصيب منها، أ له أن ينكح ابنتها؟قال: لا هي كما قال الله تعالى: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ .

و في تفسير العياشي، عن أبي عون قال سمعت أبا صالح الحنفي قال*: قال علي (ع) ذات يوم: سلوني، فقال ابن الكوا أخبرني عن بنت الأخت من الرضاعة، و عن المملوكتين الأختين، فقال: إنك لذاهب في التيه سل عما يعنيك أو ينفعك، فقال ابن الكوا إنمانسألك عما لا نعلم-و أما ما نعلم فلا نسألك عنه، ثم قال: أما الأختان المملوكتان أحلتهما آية و حرمتهما آية، و لا أحله و لا أحرمه، و لا أفعله أنا و لا واحد من أهل بيتي.

و في التهذيب، بإسناده عن معمر بن يحيى بن سالم قال*: سألنا أبا جعفر (ع) - عما يروي الناس عن أمير المؤمنين (ع) عن أشياء-لم يكن يأمر بها و لا ينهى إلا نفسه و ولده-فقلت: كيف يكون ذلك؟قال: قد أحلتها آية و حرمتها آية أخرى، فقلنا:

الأول أن يكون إحداهما نسخت الأخرى-أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟فقال:

قد بين لهم إذ نهى نفسه و ولده، قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس؟قال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنين ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله و الحق كله.

أقول: و الرواية المنقولة عنه (ع) هي التي نقلت عنه (ع) من طرق أهل السنة كما رواه في الدر المنثور، عن البيهقي و غيره عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين، أحلتهما آية، و حرمتهما آية، و لا آمر و لا أنهى، و لا أحل و لا أحرم، و لا أفعله أنا و لا أهل بيتي.

و روي فيه، أيضا عن قبيصة بن ذؤيب*: أن رجلا سأله (ع) عن ذلك فقال: لو كان إلي من الأمر شي‏ء-ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.

و في التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال*: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

286

(1) -إذا كانت عند الإنسان الأختان المملوكتان فنكح إحداهما-ثم بدا له في الثانية فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى-حتى تخرج الأولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فإن وهبها لولده يجزيه.

و في الكافي، و تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم قال*: سألت أبا جعفر (ع) عن قوله عز و جل: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ -قال: هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمته-فيقول له: اعتزل امرأتك و لا تقربها-ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها- فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح.

و في تفسير العياشي، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما (ع) *: في قول الله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ قال: هن ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم-إن كنت زوجت أمتك غلامك نزعتها منه إذا شئت، فقلت أ رأيت إن زوج غير غلامه؟قال ليس له أن ينزع حتى تباع، فإن باعها صار بضعها في يد غيره-فإن شاء المشتري فرق، و إن شاء أقر.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و أبو داود و الترمذي-و حسنه-و ابن ماجة عن فيروز الديلمي*: أنه أدركه الإسلام و تحته أختان، فقال له النبي ص: طلق أيتهما شئت.

و فيه، أخرج ابن عبد البر في الاستذكار عن إياس بن عامر قال*: سألت علي بن أبي طالب-فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني-اتخذت إحداهما سرية و ولدت لي أولادا- ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟قال: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى.

ثم قال: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك-ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد-أو قال: إلا الأربع، و يحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب:

أقول: و رواه بطرق أخر غير هذا الطريق عنه.

و في صحيحي البخاري و مسلم، عن أبي هريرة قال*: قال رسول الله ص: لا يجمع بين المرأة و عمتها، و لا بين المرأة و خالتها.

287

(1) -أقول: و هذا المعنى مروي بغير الطريقين من طرق أهل السنة، لكن المروي من طرق أئمة أهل البيت خلاف ذلك، و الكتاب يساعده.

و في الدر المنثور، أخرج الطيالسي و عبد الرزاق و الفريابي و ابن أبي شيبة و أحمد و عبد بن حميد و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطحاوي و ابن حيان و البيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري*: أن رسول الله ص بعث يوم حنين جيشا إلى أوطاس-فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم و أصابوا لهم سبايا-فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ص-تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين-فأنزل الله في ذلك: «وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن:

أقول: و روي ذلك عن الطبراني عن ابن عباس.

و فيه، أخرج عبد بن حميد عن عكرمة*: أن هذه الآية التي في سورة النساء:

«وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» -نزلت في امرأة يقال لها معاذة، و كانت تحت شيخ من بني سدوس-يقال له: شجاع بن الحارث، و كان معها ضرة لها قد ولدت لشجاع أولادا رجالا، و أن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر، فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له: احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير، فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله ص فقال: يا رسول الله و أفضل العرب، إني خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتولت و ألطت بالذنب، و هي شر غالب لمن غلب، رأت غلاما واركا على قتب، لها و له أرب، فقال رسول الله ص: علي علي، فإن كان الرجل كشف بها ثوبا فارجموها، و إلا فردوا إلى الشيخ امرأته، فانطلق مالك بن شجاع و ابن ضرتها فطلبها فجاء بها، و نزلت بيتها.

أقول: و قد مر مرارا أن أمثال هذه الأسباب المروية للنزول و خاصة فيما كانت متعلقة بأبعاض الآيات و أجزائها تطبيقات من الرواة و ليست بأسباب حقيقية.

في الفقيه، *سئل الصادق (ع) عن قول الله عز و جل: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلنِّسََاءِ قال:

هن ذوات الأزواج‏، فقيل: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، قال هن العفائف:

288

(1) -أقول: و رواه العياشي أيضا عنه (ع) .

و في المجمع، *في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً -أي من لم يجد منكم غنى قال: و هو المروي عن أبي جعفر (ع) :

و في الكافي، عن الصادق (ع) قال*: لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عز و جل: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ، و الطول‏ المهر، و مهر الحرة اليوم مهر الأمة أو أقل.

أقول: الغنى أحد مصاديق الطول كما تقدم، و الرواية لا تدل على أزيد من الكراهة.

و في التهذيب، بإسناده عن أبي العباس البقباق قال*: قلت لأبي عبد الله (ع) :

يتزوج الرجل الأمة بغير علم أهلها؟قال: هو زنا، إن الله تعالى يقول: فانكحوهن بإذن أهلهن.

و فيه، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال*: سألت الرضا (ع) يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟قال: نعم إن الله عز و جل يقول: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ .

و في تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال*: سألته عن قول الله في الإماء «فَإِذََا أُحْصِنَّ» ما إحصانهن؟قال: يدخل بهن، قلت: فإن لم يدخل بهن ما عليهن حد؟قال: بلى.

و فيه، عن حريز قال*: سألته عن المحصن فقال: الذي عنده ما يغنيه.

و في الكافي، بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال*: قضى أمير المؤمنين (ع) في العبيد و الإماء-إذا زنا أحدهم أن يجلد خمسين جلدة-إن كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا، و لا يرجم و لا ينفى.

و فيه، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (ع) *عن عبد مملوك قذف حرا-قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله عز و جل-فإنه يضرب نصف الحد.

قلت: الذي من حقوق الله عز و جل ما هو؟قال: إذا زنا أو شرب خمرا، ـ

289

(1) -فهذا من الحقوق التي يضرب عليها نصف الحد.

و في التهذيب، بإسناده عن بريد العجلي عن أبي جعفر (ع) *: في الأمة تزني قال:

تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال*: المسافحات المعلنات بالزنا المتخذات أخدان ذات الخليل الواحد، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا-و يستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، و أما ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل الله: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ .

أقول: و الروايات فيما تقدم من المعاني كثيرة اقتصرنا منها على أنموذج يسير.

بحث آخر روائي‏

في الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال*: سألت أبا جعفر (ع) عن المتعة، فقال:

نزلت في القرآن: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً-وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ .

و فيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) ، قال*: إنما نزلت: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى-فآتوهن أجورهن فريضة:

أقول: و روى هذه القراءة العياشي عن أبي جعفر (ع) ، و رواها الجمهور بطرق عديدة عن أبي بن كعب و عبد الله بن عباس‏

كما سيأتي*: و لعل المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظي.

و فيه، بإسناده عن زرارة قال*: جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر (ع) - فقال له: ما تقول في متعة النساء؟فقال: أحلها الله في كتابه و على لسان نبيه-فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا-و قد حرمها عمر و نهى عنها؟ فقال: و إن كان فعل. فقال: إني أعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئا حرمه عمر.

قال: فقال له: فأنت على قول صاحبك، و أنا على قول رسول الله ص،

290

(1) -فهلم ألاعنك أن القول ما قال رسول الله ص، و أن الباطل ما قال صاحبك، فأقبل عبد الله بن عمير فقال: أ يسرك أن نساءك و بناتك و أخواتك و بنات عمك يفعلن؟قال: فأعرض عنه أبو جعفر (ع) حين ذكر نساءه و بنات عمه.

و فيه، بإسناده عن أبي مريم عن أبي عبد الله (ع) قال*: المتعة نزل بها القرآن و جرت بها السنة من رسول الله ص.

و فيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال*: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله (ع) عن المتعة. فقال: أي المتعتين تسأل؟قال: سألتك عن متعة الحج-فأنبئني عن متعة النساء أ حق هي؟فقال: سبحان الله أ ما قرأت كتاب الله عز و جل: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً -فقال: و الله كأنها آية لم أقرأها قط.

و في تفسير العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال*: قال جابر بن عبد الله عن رسول الله ص -أنهم غزوا معه فأحل لهم المتعة و لم يحرمها، و كان علي يقول: لو لا ما سبقني به ابن الخطاب-يعني عمر-ما زنى إلا شقي‏ (1) . و كان ابن عباس يقول: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى-فآتوهن أجورهن فريضة، و هؤلاء يكفرون بها، و رسول الله ص أحلها و لم يحرمها.

و فيه، عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) *في المتعة قال: نزلت هذه الآية: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً-وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ . قال: لا بأس بأن تزيدها و تزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، يقول:

استحللتك بأجل آخر برضى منها. و لا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها، و عدتها حيضتان.

و عن الشيباني ، *في قوله تعالى: «وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ» :

عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا*: هو أن يزيدها في الأجرة، و تزيده في الأجل.

____________

(1) و في نسخة: إلا الأشقى‏

291

(1) -أقول: و الروايات في المعاني السابقة مستفيضة أو متواترة عن أئمة أهل البيت (ع) ، و إنما أوردنا طرفا منها، و على من يريد الاطلاع عليها جميعا أن يراجع جوامع الحديث.

(1)

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال": كان متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته، و لا يحفظ متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى-أنه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه، و تصلح له ضيعته، و كان يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» نسختها: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ ، و كان الإحصان بيد الرجل يمسك متى شاء، و يطلق متى شاء.

و في مستدرك الحاكم، بإسناده عن أبي نضرة قال": قرأت على ابن عباس: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ، قال ابن عباس: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فقلت: ما نقرؤها كذلك فقال ابن عباس: و الله‏لأنزلها الله كذلك:

أقول: و رواه في الدر المنثور، عنه و عن عبد بن حميد و ابن جرير و ابن الأنباري في المصاحف.

و في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن قتادة قال": في قراءة أبي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.

و في صحيح الترمذي، عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال": إنما كانت المتعة في أول الإسلام-كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة-فيتزوج المرأة بقدر ما يرى-أنه يقيم فيحفظ له متاعه و يصلح له شيئه-حتى إذا نزلت الآية: «إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ» -قال ابن عباس فكل فرج سوى هذين فهو حرام.

أقول: و لازم الخبر أنها نسخت بمكة لأن الآية مكية.

و في مستدرك الحاكم، عن عبد الله بن أبي مليكة": سألت عائشة رضي الله عنها عن متعة النساء-فقالت: بيني و بينكم كتاب الله. قال: و قرأت هذه الآية:

____________

(1) أخبار في قراءة: إلى أجل مسمى.

292

(1) - وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ-أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا.

و في الدر المنثور ، (1) أخرج أبو داود في ناسخه و ابن المنذر و النحاس من طريق عطاء عن ابن عباس"*: في قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً -قال:

نسختها: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّاَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍاَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ-إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ .

و فيه، أخرج أبو داود في ناسخه و ابن المنذر و النحاس و البيهقي عن سعيد بن المسيب قال"*: نسخت آية الميراث المتعة.

و فيه، أخرج عبد الرزاق و ابن المنذر و البيهقي عن ابن مسعود قال"*: المتعة منسوخة نسخها الطلاق و الصدقة و العدة و الميراث.

و فيه، أخرج عبد الرزاق و ابن المنذر عن علي قال*: نسخ رمضان كل صوم، و نسخت الزكاة كل صدقة، و نسخ المتعة الطلاق و العدة و الميراث، و نسخت الضحية كل ذبيحة.

و فيه، أخرج عبد الرزاق و أحمد و مسلم عن سبرة الجهني‏ (2) قال"*: أذن لنا رسول الله ص عام فتح مكة في متعة النساء-فخرجت أنا و رجل من قومي، و لي عليه فضل في الجمال، و هو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد، إما بردي فخلق، و إما برد ابن عمي فبرد جديد غض-حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة- فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟قالت: و ما تبذلان؟فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال: إن برد هذا خلق، و بردي جديد غض فتقول: و برد هذا لا بأس به، ثم استمتعت منها، فلم نخرج حتى حرمها رسول الله ص.

و فيه، أخرج مالك و عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و البخاري و مسلم و الترمذي

____________

(1) جملة من الأخبار الدالة على نسخ آية المتعة بالكتاب.

(2) جملة من الأخبار الدالة على نسخ المتعة بالنسبة.

293

(1) -و النسائي و ابن ماجة عن علي بن أبي طالب*: أن رسول الله ص نهى عن متعة النساء يوم خيبر، و عن أكل لحوم الحمر الإنسية.

و فيه، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و مسلم عن سلمة بن الأكوع قال"* رخص لنا رسول الله ص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام-ثم نهى عنها بعدها.

و في شرح ابن العربي، لصحيح الترمذي، عن إسماعيل عن أبيه عن الزهري"*: أن سبرة روى أن النبي ص نهى عنها في حجة الوداع‏

،

أخرجه أبو داود قال: و قد رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه"*: فذكر فيه: أنه كان في حجة الوداع بعد الإحلال، و أنه كان بأجل معلوم، و قد قال الحسن: إنها في عمرة القضاء.

و فيه، عن الزهري"*: أن النبي ص جمع المتعة في غزوة تبوك.

أقول: و الروايات كما ترى تختلف في تشخيص زمان نهيه (ص) بين قائلة أنه كان قبل الهجرة، و قائلة بأنه بعد الهجرة بنزول آيات النكاح و الطلاق و العدة و الميراث أو بنهي النبي ص عام خيبر أو زمن عمرة القضاء أو عام أوطاس أو عام الفتح أو عام تبوك أو بعد حجة الوداع، و لذا حمل على تكرر النهي عنها مرات عديدة، و إن كلا من الروايات تحدث عن مرة منها لكن جلالة بعض رواتها كعلي و جابر و ابن مسعود مع ملازمتهم للنبي ص و خبرتهم بالخطير و اليسير من سيرته تأبى أن يخفى عليهم نواهيه (ص) .

و في الدر المنثور، أخرج البيهقي عن علي قال*: نهى رسول الله ص عن المتعة و إنما كانت لمن لم يجد-فلما نزل النكاح و الطلاق-و العدة و الميراث بين الزوج و المرأة نسخت.

و فيه، أخرج النحاس عن علي بن أبي طالب*: أنه قال لابن عباس: إنك رجل تائه إن رسول الله ص نهى عن المتعة.

و فيه، أخرج البيهقي عن أبي ذر قال"*: إنما أحلت لأصحاب رسول الله ص المتعة ثلاثة أيام-ثم نهى عنه رسول الله ص.

و في صحيح البخاري، عن أبي جمرة قال"*: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها-فقال له مولى له: إنما كان ذلك و في النساء قلة و الحال شديد، فقال ابن عباس نعم.

294

(1) -

و في الدر المنثور، أخرج البيهقي عن عمر"*: أنه خطب فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة، و قد نهى رسول الله ص عنها لا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته.

و فيه، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و مسلم عن سبرة قال*: رأيت رسول الله ص قائما بين الركن و الباب و هو يقول: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع- ألا و إن الله حرمها إلى يوم القيامة-فمن كان عنده منهن شي‏ء فليخل سبيلها، و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا.

و فيه، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال"*: و الله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام- أذن لهم رسول الله ص فيها، ما كانت قبل ذلك و لا بعد.

(1)

و في تفسير الطبري، عن مجاهد": فما استمتعتم به منهن قال: يعني نكاح المتعة.

و فيه، عن السدي": في الآية قال: هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى-فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، و هي منه بريئة، و عليها أن تستبرئ ما في رحمها، و ليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه.

و في صحيحي البخاري و مسلم، و رواه في الدر المنثور، عن عبد الرزاق و ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال": كنا نغزو مع رسول الله ص و ليس معنا نساؤنا، فقلنا:

أ لا نستخصي؟فنهانا عن ذلك، و رخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُحَرِّمُوا طَيِّبََاتِ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكُمْ .

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة عن نافع": أن ابن عمر سئل عن المتعة فقال:

حرام-فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها، قال فهلا ترمرم بها في زمان عمر.

و في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر و الطبراني و البيهقي من طريق سعيد بن جبير قال": قلت لابن عباس: ما ذا صنعت؟ذهب الركاب بفتياك، و قالت فيه الشعراء، قال: و ما قالوا: قلت: قالوا:

أقول للشيخ لما طال مجلسه # يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟

هل لك في رخصة الأطراف آنسة # تكون مثواك حتى مصدر الناس؟

____________

(1) جملة من الأخبار الدالة على قول بعض الصحابة و التابعين عن المفسرين بجواز المتعة.

295

(1) -فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، لا و الله ما بهذا أفتيت، و لا هذا أردت، و لا أحللتها إلا للمضطر، و لا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة و الدم و لحم الخنزير.

و فيه، أخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال"*: سألت ابن عباس عن المتعة أ سفاح هي أم نكاح؟فقال: لا سفاح و لا نكاح، قلت: فما هي؟قال: هي المتعة كما قال الله، قلت: هل لها من عدة؟قال: عدتها حيضة، قلت: هل يتوارثان قال: لا.

و فيه، أخرج عبد الرزاق و ابن المنذر، من طريق عطاء عن ابن عباس قال"*: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد، و لو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي، قال: و هي التي في سورة النساء: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى كذا و كذا-من الأجل على كذا و كذا، قال: و ليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، و إن تفرقا فنعم و ليس بينهما نكاح، و أخبر: أنه سمع ابن عباس:

أنه يراها الآن حلالا.

و في تفسير الطبري، و رواه في الدر المنثور، عن عبد الرزاق و أبي داود في ناسخه عن الحكم*: أنه سئل عن هذه الآية أ منسوخة؟قال: لا، و قال علي: لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.

(1)

و في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله قال*: كنا نستمتع بالقبضة من التمر و الدقيق الأيام-على عهد رسول الله ص و أبي بكر-حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث:

أقول: و نقل عن جامع الأصول، لابن الأثير و زاد المعاد لابن القيم و فتح الباري لابن حجر و كنز العمال، .

و في الدر المنثور، أخرج مالك و عبد الرزاق عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت"*: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فزعا، فقال: هذه المتعة، و لو كنت تقدمت فيها لرجمت:

أقول: و نقل عن الشافعي في كتاب الأم و البيهقي في السنن الكبرى.

____________

(1) جملة من الأخبار الدالة على نهي عمر عن المتعة.

296

(1) -

و عن كنز العمال، عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنة أبي خيثمة"*: أن رجلا قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إن العزبة قد اشتدت علي-فابغيني امرأة أتمتع معها، قالت: فدللته على امرأة-فشارطها و أشهدوا على ذلك عدولا، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب، فأرسل إلي فسألني أ حق ما حدثت؟قلت: نعم-قال: فإذا قدم فآذنيني، فلما قدم أخبرته فأرسل إليه-فقال:

ما حملك على الذي فعلته؟قال: فعلته مع رسول الله ص-ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله-ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهيا، فقال عمر: أما و الذي نفسي بيده-لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح.

و في صحيح مسلم، و مسند أحمد، عن عطاء"*: قدم جابر بن عبد الله‏ معتمرا فجئناه في منزله-فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة-فقال: استمتعنا على عهد رسول الله ص و أبي بكر و عمر، و في لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه.

و عن سنن البيهقي، عن نافع عن عبد الله بن عمر"*: أنه سئل عن متعة النساء-فقال:

حرام أما إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه-لو أخذ فيها أحدا لرجمه بالحجارة.

و عن مرآة الزمان، لابن الجوزي": كان عمر رضي الله عنه يقول: و الله لا أوتي برجل أباح المتعة إلا رجمته.

و في بداية المجتهد، لابن رشد عن جابر بن عبد الله"*: تمتعنا على عهد رسول الله ص و أبي بكر-و نصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس.

و في الإصابة، أخرج ابن الكلبي"*: أن سلمة بن أمية بن خلف الجمحي-استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي-فولدت له فجحد ولدها، فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة.

و عن زاد المعاد، عن أيوب"*: قال عروة لابن عباس: أ لا تتقي الله ترخص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية-فقال عروة: أما أبو بكر و عمر فلم يفعلا، فقال ابن عباس: و الله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن النبي ص، و تحدثونا عن أبي بكر و عمر.

297

(1) -أقول: و أم عروة أسماء بنت أبي بكر تمتع منها الزبير بن العوام فولدت له عبد الله بن الزبير، و عروة.

و في المحاضرات، للراغب"*: عير عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة- فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها و بين أبيك؟فسألها فقالت: ما ولدتك إلا في المتعة.

و في صحيح مسلم، عن مسلم القري قال"*: سألت ابن عباس عن المتعة فرخص فيها، و كان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله رخص فيها-فادخلوا عليها فاسألوها، قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء- فقالت: قد رخص رسول الله فيها.

أقول: و شاهد الحال المحكي يشهد أن السؤال عنها كان في متعة النساء و تفسره الروايات الأخر أيضا.

و في صحيح مسلم، عن أبي نضرة قال"*: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت-فقال:

ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ص، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما:

أقول: و رواه البيهقي في السنن، على ما نقل‏

،

و روي هذا المعنى في صحيح مسلم، في مواضع ثلاث بألفاظ مختلفة، و في بعضها (قال جابر) *: فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموا الحج و العمرة كما أمر الله، و انتهوا عن نكاح هذه النساء، لا أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته.

و روى هذا المعنى البيهقي في سننه و في أحكام القرآن، للجصاص و في كنز العمال، و في الدر المنثور، و في تفسير الرازي، و مسند الطيالسي،

و في تفسير القرطبي، عن عمر"*: أنه قال في خطبة: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ع) ، و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما: متعة الحج و متعة النساء.

أقول: و خطبته هذه مما تسالم عليه أهل النقل، و أرسلوه إرسال المسلمات كما عن تفسير الرازي، و البيان و التبيين، و زاد المعاد، و أحكام القرآن، و الطبري، و ابن عساكر و غيرهم.

298

(1) -

و عن المستبين، للطبري عن عمر: أنه قال"*: ثلاث كن على عهد رسول الله ص- أنا محرمهن و معاقب عليهن: متعة الحج، و متعة النساء، و حي على خير العمل في الأذان.

و في تاريخ الطبري، عن عمران بن سوادة قال"*: صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان و سورة معها، ثم انصرف و قمت معه، فقال: أ حاجة؟قلت: حاجة، قال: فالحق، قال: فلحقت فلما دخل أذن لي-فإذا هو على سرير ليس فوقه شي‏ء، فقلت: نصيحة، فقال: مرحبا بالناصح غدوا و عشيا، قلت، عابت أمتك أربعا، قال: فوضع رأس درته في ذقنه، و وضع أسفلها في فخذه، ثم قال: هات، قلت: ذكروا أنك حرمت العمرة في أشهر الحج-و لم يفعل ذلك رسول الله ص، و لا أبو بكر رضي الله عنه، و هي حلال، قال: هي حلال؟لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم- فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم، و هو بهاء من بهاء الله، و قد أصبت.

قلت: و ذكروا أنك حرمت متعة النساء، و قد كانت رخصة من الله، نستمتع بقبضة و نفارق عن ثلاث، قال: إن رسول الله ص أحلها في زمان ضرورة-ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحدا من المسلمين عمل بها و لا عاد إليها-فالآن من شاء نكح بقبضة، و فارق عن ثلاث بطلاق. و قد أصبت.

قال: قلت: و أعتقت الأمة-إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها، قال:

ألحقت حرمة بحرمة، و ما أردت إلا الخير، و أستغفر الله، قلت: و تشكو منك نهر الرعية، و عنف السياق، قال: فشرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال:

أنا زميل محمد-و كان زامله في غزوة قرقرة الكدر-فوالله إني لأرتع‏فأشبع، و أسقي فأروي، و أنهز اللفوث، و أزجر العروض، و أذب قدري، و أسوق خطوي، و أضم العنود، و ألحق القطوف، و أكثر الزجر، و أقل الضرب، و أشهر العصا، و أدفع باليد لو لا ذلك لأعذرت.

قال: فبلغ ذلك معاوية فقال: كان و الله عالما برعيتهم:

أقول: و نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، عن ابن قتيبة.

هذه عدة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء، و الناظر المتأمل الباحث يرى ما فيها من التباين و التضارب، و لا يتحصل للباحث في مضامينها غير أن عمر بن

299

(1) -الخطاب أيام خلافته حرمها و نهى عنها لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث، و ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، و أما حديث النسخ بالكتاب أو السنة فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصل، على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المجري للمنع، المقرر حرمة العمل و حد الرجم لمن فعل-هذا أولا-.

و أنها كانت سنة معمولا بها في زمن النبي في الجملة بتجويز منه (ص) : إما إمضاء و إما تأسيسا، و قد عمل بها من أصحابه من لا يتوهم في حقه السفاح كجابر بن عبد الله، و عبد الله بن مسعود، و الزبير بن العوام، و أسماء بنت أبي بكر، و قد ولدت بها عبد الله بن الزبير-و هذا ثانيا-.

و إن في الصحابة و التابعين من كان يرى إباحتها كابن مسعود و جابر و عمرو بن حريث و غيرهم، و مجاهد و السدي و سعيد بن جبير و غيرهم-و هذا ثالثا-.

و هذا الاختلاف الفاحش بين الروايات هو المفضي للعلماء من الجمهور بعد الخلاف فيها من حيث أصل الجواز و الحرمة أولا، إلى الخلاف في نحو حرمتها و كيفية منعها ثانيا و ذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة ربما أنهي إلى خمسة عشر قولا.

و إن للمسألة جهات من البحث لا يهمنا إلا الورود من بعضها، فهناك بحث كلامي دائر بين الطائفتين: أهل السنة و الشيعة، و بحث آخر فقهي فرعي ينظر فيها إلى حكم المسألة من حيث الجواز و الحرمة، و بحث آخر تفسيري من حيث النظر في قوله تعالى:

فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً الآية: هل مفاده تشريع نكاح المتعة؟ و هل هو بعد الفراغ عن دلالته على ذلك منسوخ بشي‏ء من الآيات كآية المؤمنون أو آيات النكاح و التحريم و الطلاق و العدة و الميراث؟و هل هو منسوخ بسنة نبوية؟و هل هو على تقدير تشريعه يشرع حكما ابتدائيا أو حكما إمضائيا؟إلى غير ذلك.

و هذا النحو الثالث من البحث هو الذي نعقبه في هذا الكتاب، و قد تقدم خلاصة القول في ذلك فيما تقدم من البيان، و نزيده الآن توضيحا بإلفات النظر إلى بعض ما قيل في المقام على دلالة الآية على نكاح المتعة و تسنينها، ذلك بما ينافي ما مر في البيان المتقدم.

300

(1) -قال بعضهم بعد إصراره على أن الآية إنما سيقت لبيان إيفاء المهر في النكاح الدائم: و ذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة ، و هو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر مثلا، و استدلوا على ذلك بقراءة شاذة رويت عن أبي و ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهم، و بالأخبار و الآثار التي رويت في المتعة.

قال: فأما القراءة فهي شاذة لم تثبت قرآنا، و قد تقدم أن ما صحت فيه الرواية من مثل هذا آحادا فالزيادة فيه من قبيل التفسير، و هو فهم‏لصاحبه، و فهم الصحابي ليس حجة في الدين لا سيما إذا كان النظم و الأسلوب يأباه كما هنا، فإن المتمتع بالنكاح الموقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة بل يكون قصده الأول المسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه و منعها من التنقل في زمن الزنا، فإنه لا يكون فيه شي‏ء ما من إحصان المرأة التي توجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حذفت بصوالجة # فتلقاها رجل رجل‏

أقول: أما قوله: إنهم استدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود و غيره فكل مراجع يراجع كلامهم يرى أنهم لم يستدلوا بها استدلالهم بحجة معتبرة قاطعة كيف و هم لا يرون حجية القراءات الشاذة حتى الشواذ المنقولة عن أئمتهم، فكيف يمكن أن يستدلوا بما لا يرونه حجة على من لا يراه حجة؟فهل هذا إلا أضحوكة؟!.

بل إنما هو استدلال بقول من قرأ بها من الصحابة بما أنه قول منهم بكون المراد بالآية ذلك، سواء كان ذلك منهم قراءة مصطلحة، أو تفسيرا دالا على أنهم فهموا من لفظ الآية ذلك.

و ذلك ينفعهم من جهتين: إحداهما: أن عدة من الصحابة قالوا بما قال به هؤلاء المستدلون، و قد قال به-على ما نقل-جم غفير من صحابة النبي ص و التابعين، و يمكن المراجع في الحصول على صحة ذلك أن يراجع مظانه.

و الثانية: أن الآية دالة على ذلك و يدل على ذلك قراءة هؤلاء من الصحابة كما يدل ما ورد عنهم في نسخ الآية أيضا أنهم تسلموا دلالتها على نكاح المتعة حتى رأوا نسخها أو رووا نسخها، و هي روايات كثيرة تقدمت عدة منها، فالشيعة يستفيدون من روايات النسخ كما يستفيدون من القراءة الشاذة المذكورة على حد سواء من دون أن‏

301

(1) -يقولوا بحجية القراءة الشاذة كما لا يلزمهم القول بوقوع النسخ، و إنما يستفيدون من الجميع من جهة الدلالة على أن هؤلاء القراء و الرواة كانوا يرون دلالة الآية على نكاح المتعة.

و أما قوله: لا سيما إذا كان النظم و الأسلوب يأباه كما هنا، فكلامه يعطي أنه جعل المراد من المسافحة مجرد سفح الماء و صبه-أخذا بالأصل اللغوي المشتق منه- ثم جعله أمرا منوطا بالقصد، و لزمه أن الازدواج الموقت بقصد قضاء الشهوة و صب الماء سفاح لا نكاح، و قد غفل عن أن الأصل اللغوي في النكاح أيضا هو الوقاع، ففي لسان العرب: قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب الوطء و لازم ما سلكه أن يكون النكاح أيضا سفاحا، و يختل به المقابلة بين النكاح و السفاح.

على أن لازم القول بأن قصد صب الماء يجعل الازدواج الموقت سفاحا أن يكون النكاح الدائم بقصد قضاء الشهوة و صب الماء سفاحا، و هل يرضى رجل مسلم أن يفتي بذلك؟فإن قال: بين النكاح الدائم و المؤجل في ذلك فرق، فإن النكاح الدائم موضوع بطبعه على قصد الإحصان بالازدواج و إيجاد النسل، و تشكيل البيت بخلاف النكاح المؤجل. فهذا منه مكابرة، فإن جميع ما يترتب على النكاح الدائم من الفوائد كصون النفس عن الزنا، و التوقي عن اختلال الأنساب، و إيجاد النسل و الولد، و تأسيس البيت يمكن أن يترتب على النكاح المؤجل، و يختص بأن فيه نوع تسهيل و تخفيف على هذه الأمة، يصون به نفسه من لا يقدر على النكاح الدائم لفقره أو لعدم قدرته على نفقة الزوجة، أو لغربة، أو لعوامل مختلفة أخر تمنعه عن النكاح الدائم.

و كذا كل ما يترتب على النكاح المؤجل-مما عده ملاكا للسفاح-كقصد صب الماء و قضاء الشهوة فإنه جائز الترتب على النكاح الدائم، و دعوى أن النكاح الدائم بالطبع موضوع للفوائد السابقة، و نكاح المتعة موضوع بالطبع لهذه المضار اللاحقة- على أن تكون مضارا-دعوى واضحة الفساد.

و إن قال: إن نكاح المتعة لما كان سفاحا كان زنا يقابل النكاح رد عليه: بأن السفاح الذي فسره بصب الماء أعم من الزنا، و ربما شمل النكاح الدائم و لا سيما إذا كان بقصد صب الماء.

و أما قوله: فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه إلخ، فمن عجيب الكلام،

302

(1) -و ليت شعري ما الفرق الفارق بين الرجل و المرأة في ذلك حتى يكون الرجل المتمتع يمكنه أن يحصن نفسه بنكاح المتعة من الزنا، و تكون المرأة لا يصح منها هذا القصد؟ و هل هذا إلا مجازفة.

و أما ما أنشده من الشعر في بحث حقيقي يتعرض لكشف حقيقة من الحقائق الدينية التي تتفرع عليها آثار هامة حيوية دنيوية و أخروية لا يستهان بها-سواء كان نكاح المتعة محرما أو مباحا-.

فما ذا ينفع الشعر و هو نسيج خيالي، الباطل أعرف عنده من الحق، و الغواية أمس به من الهداية.

و هلا أنشده في ذيل ما مر من الروايات، و لا سيما في ذيل قول عمر في رواية الطبري المتقدم: «فالآن من شاء نكح بقبضة و فارق عن ثلاث بطلاق» .

و هل لهذا الطعن غرض يتوجه إليه إلا الله و رسوله في أصل‏ تشريع هذا النوع من النكاح تأسيسا أو إمضاء و قد كان دائرا بين المسلمين في أول الإسلام بمرأى من النبي ص و مسمع بلا شك؟.

فإن قال: إنه (ص) إنما أذن فيه لقيام الضرورة عليه من شمول الفقر و إكباب الفاقة على عامة المسلمين، و عروض الغزوات كما يظهر من بعض الروايات المتقدمة.

قلنا: مع فرض تداوله في أول الإسلام بين الناس و شهرته باسم نكاح المتعة و الاستمتاع لا مناص من الاعتراف بدلالة الآية على جوازه مع إطلاقها، و عدم صلاحية شي‏ء من الآيات و الروايات على نسخها فالقول بارتفاع إباحته تأول في دلالة الآية من غير دليل.

سلمنا أن إباحته كانت بإذن من النبي ص لمصلحة الضرورة لكنا نسأل أن هذه الضرورة هل كانت في زمن النبي ص أشد و أعظم منها بعده، و لا سيما في زمن الراشدين، و قد كان يسير جيوش المسلمين إلى مشارق الأرض و مغاربها بالألوف بعد الألوف من الغزاة؟و أي فرق بين أوائل خلافة عمر و أواخرها من حيث تحول هذه الضرورة من فقر و غزوة و اغتراب في الأرض و غير ذلك؟و ما هو الفرق بين الضرورة و الضرورة؟.

و هل الضرورة المبيحة اليوم و في جو الإسلام الحاضر أشد و أعظم أو في زمن

303

(1) -النبي ص و النصف الأول من عهد الراشدين؟و قد أظل الفقر العام على بلاد المسلمين، و قد مصت حكومات الاستعمار و الدول القاهرة المستعلية و الفراعنة من أولياء أمور المسلمين كل لبن في ضرعهم، و حصدوا الرطب من زرعهم و اليابس.

و قد ظهرت الشهوات في مظاهرها، و ازينت بأحسن زينتها و أجملها، و دعت إلى اقترافها بأبلغ دعوتها و لا يزال الأمر يشتد، و البلية تعم البلاد و النفوس، و شاعت الفحشاء بين طبقات الشبان من المتعلمين و الجنديين و عملة المعامل، و هم الذين يكونون المعظم من سواد الإنسانية، و نفوس المعمورة.

و لا يشك شاك و لن يشك في أن الضرورة الموقعة لهم في فحشاء الزنا و اللواط و كل انخلاع شهواني عمدتها العجز من تهيئة نفقة البيت، و المشاغل الموقتة المؤجلة المانعة من اتخاذ المنزل و النكاح الدائم بغربة أو خدمة أو دراسة و نحو ذلك. فما بال هذه الضرورات تبيح في صدر الإسلام-و هي أقل و أهون عند القياس-نكاح المتعة لكنها لا تقوم للإباحة في غير ذلك العهد و قد أحاطت البلية و عظمت الفتنة؟.

ثم قال: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا كقوله عز و جل في صفة المؤمنين: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ` فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ : «المؤمنون: 7» أي المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم، و هذه الآيات لا تعارض الآية التي نفسرها يعني قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ الآية، بل هي بمعناها فلا نسخ، و المرأة المتمتع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف، كما قال الله تعالى: و قد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة و لوازمها، فلا يعدونها من الأربع اللواتي يحل للرجل أن يجمع بينها مع عدم الخوف من الجور بل يجوزون للرجل أن يتمتع بالكثير من النساء، و لا يقولون برجم الزاني المتمتع إذ لا يعدونه محصنا، و ذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه قوله تعالى في المستمتعين: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» و هذا تناقض صريح منهم.

و نقل عنهم بعض المفسرين: أن المرأة المتمتع بها ليس لها إرث و لا نفقة و لا طلاق و لا عدة، و الحاصل أن القرآن بعيد من هذا القول، و لا دليل في هذه الآية و لا شبه دليل عليه البتة.