الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
304

(1) -أقول: أما قوله: ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا «إلخ» ، محصله: أن آيات المؤمنون: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ الآيات تقصر الحل في الأزواج، و المتمتع بها ليست زوجة، فالآيات مانعة من حلية المتعة، أولا و مانعة من شمول قوله: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ الآية لها ثانيا.

فأما أن الآيات تحرم المتعة، فقد أغمض فيه عن كون الآيات مكية، و المتعة كانت دائرة بعد الهجرة في الجملة، فهل كان رسول الله ص يبيح ما حرمه القرآن بإجازته المتعة؟و قوله (ص) حجة بنص القرآن فيعود ذلك إلى التناقض في نفس القرآن، أو أن إباحته كانت ناسخة لآيات الحرمة: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ» الآيات، ثم منع عنها القرآن أو النبي ص فحييت بذلك الآيات بعد موتها، و استحكمت بعد نسخها؟ و هذا أمر لا يقول به، و لا قال به أحد من المسلمين، و لا يمكن أن يقال به.

و هذا في نفسه نعم الشاهد على أن المتمتع بها زوجة، و أن المتعة نكاح، و أن هذه الآيات تدل على كون التمتع تزوجا، و إلا لزم أن تنتسخ بترخيص النبي ص، فالآيات حجة على جواز التمتع دون حرمته.

و بتقرير آخر: آيات المؤمنون و المعارج: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ الآيات، أقوى دلالة على حلية المتعة من سائر الآيات، فمن المتفق عليه بينهم أن هذه الآيات محكمة غير منسوخة و هي مكية، و من الضروري بحسب النقل أن النبي ص رخص في المتعة، و لو لا كون المتمتع بها زوجة كان الترخيص بالضرورة ناسخا للآيات و هي غير منسوخة، فالتمتع زوجية مشرعة فإذا تمت دلالة الآيات على تشريعه فما يدعى من نهي النبي ص عنها فاسد أيضا لمنافاته الآيات، و استلزامه نسخها، و قد عرفت أنها غير منسوخة بالاتفاق.

و كيف كان فالمتمتع بها على خلاف ما ذكره زوجة و المتعة نكاح، و ناهيك في ذلك ما وقع فيما نقلناه من الروايات من تسميته في لسان الصحابة و التابعين بنكاح المتعة حتى في لسان عمر بن الخطاب في الروايات المشتملة على نهيه كرواية البيهقي عن عمر في خطبته، و رواية مسلم عن أبي نضرة، حتى ما وقع من لفظه في رواية كنز العمال عن سليمان بن يسار: «بينوا حتى‏ يعرف النكاح من السفاح» فإن معناه أن المتعة نكاح‏

305

(1) -لا يتبين من السفاح، و أنه يجب عليكم أن تبينوه منه فأتوا بنكاح يبين و يتميز منه، و الدليل على ذلك قوله: بينوا.

و بالجملة كون المتعة نكاحا و كون المتمتع بها زوجة في عرف القرآن و لسان السلف من الصحابة و من تلاهم من التابعين مما لا ينبغي الارتياب فيه، و إنما تعين اللفظان (النكاح و التزويج) في النكاح الدائم بعد نهي عمر، و انتساخ العمل به بين الناس فلم يبق مورد لصدق اللفظين إلا النكاح الدائم، فصار هو المتبادر من اللفظ إلى الذهن كسائر الحقائق المتشرعة.

و من هنا يظهر سقوط ما ذكره بعد ذلك فإن قوله: و قد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة و لوازمها «إلخ» ، يسأل عنه فيه: ما هو المراد بالزوجة؟ أما الزوجة في عرف القرآن فإنهم يعطونها أحكامها من غير استثناء، و أما الزوجة في عرف المتشرعة-كما ذكر-المعروفة في الفقه فإنهم لا يعطونها أحكامها و لا محذور.

و أما قوله: و ذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه أي على الزاني المتمتع قوله تعالى: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ» و هذا تناقض صريح منهم، ففيه أنا ذكرنا في ذيل الآية فيما تقدم أن ظاهرها من جهة شمولها ملك اليمين أن المراد بالإحصان إحصان التعفف دون الازدواج، و لو سلم أن المراد بالإحصان إحصان الازدواج فالآية شاملة لنكاح المتعة، و أما عدم رجم الزاني المتمتع (مع أن الرجم ليس حكما قرآنيا) فإنما هو لبيان أو لتخصيص من السنة كسائر أحكام الزوجية من الميراث و النفقة و الطلاق و العدد.

و توضيح ذلك أن آيات الأحكام إن كانت مسوقة على الإهمال لكونها واردة مورد أصل التشريع فما يطرأ عليها من القيود بيانات من غير تخصيص و لا تقييد، و إن كانت عمومات أو إطلاقات كانت البيانات الواردة في السنة مخصصات أو مقيدات من غير محذور التناقض و المرجع في ذلك علم أصول الفقه.

و هذه الآيات أعني آيات الإرث و الطلاق و النفقة كسائر الآيات لا تخلو من التخصيص و التقييد كالإرث و الطلاق في المرتدة و الطلاق عند ظهور العيوب المجوزة

306

(1) -لفسخ العقد و النفقة عند النشوز فلتخصص بالمتعة، فالبيانات المخرجة للمتعة عن حكم الميراث و الطلاق و النفقة مخصصات أو مقيدات، و تعين ألفاظ التزويج و النكاح و الإحصان و نحو ذلك في الدوام من جهة الحقيقة المتشرعة دون الحقيقة الشرعية فلا محذور أصلا كما توهمه فإذا قال الفقيه مثلا: الزاني المحصن يجب رجمه، و لا رجم في الزاني المتمتع لعدم إحصانه فإنما ذلك لكونه يصطلح بالإحصان على دوام النكاح ذي الآثار الكذائية، و لا ينافي ذلك كون الإحصان في عرف القرآن موجودا في الدائمة و المنقطعة معا، و له في كل منهما آثار خاصة.

و أما نقله عن بعضهم أن الشيعة لا تقول في المتعة بالعدة ففرية بينة فهذه جوامع الشيعة، و هذه كتبهم الفقهية مملوءة بأن عدة المتمتع بها حيضتان، و قد تقدم بعض الروايات في ذلك بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (ع) .

ثم قال: و أما الأحاديث و الآثار المروية في ذلك فمجموعها يدل على أن النبي ص كان يرخص لأصحابه فيها في بعض الغزوات‏ ثم نهاهم عنها ثم رخص فيها مرة أو مرتين ثم نهاهم عنها نهيا مؤبدا.

و أن الرخصة كانت للعلم بمشقة اجتناب الزنا مع البعد من نسائهم فكانت من قبيل ارتكاب أخف الضررين فإن الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحا موقتا، و أقام معها ذلك الزمن الذي عينه فذلك أهون من تصديه للزنا بأية امرأة يمكنه أن يستميلها.

أقول: ما ذكره أن مجموع الروايات تدل على الترخيص في بعض الغزوات ثم النهي ثم الترخيص فيها مرة أو مرتين ثم النهي المؤبد لا ينطبق على ما تقدم من الروايات على ما فيها من التدافع و التطارد فعليك بالرجوع إليها (و قد تقدم أكثرها) حتى ترى أن مجموعها يكذب ما ذكره من وجه الجمع حرفا حرفا.

ثم قال: و يرى أهل السنة أن الرخصة في المتعة مرة أو مرتين يقرب من التدريج في منع الزنا منعا باتا كما وقع التدريج في تحريم الخمر، و كلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية، و لكن فشو الزنا كان في الإماء دون الحرائر.

أقول: أما قوله: إن الرخصة في المتعة نوع من التدرج في منع الزنا فمحصله أن المتعة كانت عندهم من أنواع‏الزنا، و قد كانت كسائر الزنا فاشية في الجاهلية فتدرج

307

(1) -النبي ص في المنع عن الزنا بالرفق ليقع موقع القبول من الناس فمنع عن غير المتعة من أقسامه، و أبقى زنا المتعة فرخص فيه ثم منع ثم رخص حتى تمكن من المنع البات فمنعه منعا مؤبدا.

و لعمري أنه من فضيح اللعب بالتشريعات الدينية الطاهرة التي لم يرد الله بها إلا تطهير هذه الأمة، و إتمام النعمة عليهم.

ففيه أولا: ما تقدم أن نسبة المنع ثم الترخيص ثم المنع ثم الترخيص في المتعة إلى النبي ص مع فرض دلالة آيات سورتي المعارج و المؤمنون: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ» الآيات-و هي مكية-على حرمة المتعة على ما أصر عليه هذا القائل ليس إلا نسبة نسخ الآيات إلى النبي ص بالترخيص ثم نسخ هذا النسخ و أحكام الآيات ثم نسخ الآيات ثم إحكامها و هكذا، و هل هذا إلا نسبة اللعب بكتاب الله إليه (ص) .

و ثانيا: أن الآيات الناهية عن الزنا في كتاب الله تعالى هي قوله في سورة الإسراء: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً وَ سََاءَ سَبِيلاً : «الإسراء: 32» و أي لسان أصرح من هذا اللسان، و الآية مكية واقعة بين آيات المناهي، و كذا قوله: قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ -Xإلى أن قال‏X: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ : «الأنعام: 151» ، كلمة الفواحش جمع محلى باللام واقعة في سياق النهي مفيدة لاستغراق النهي كل فاحشة و زنا، و الآية مكية، و كذا قوله: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ : -الأعراف: 33» ، و الآية أيضا مكية، و كذا قوله:

وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ` فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ : -المؤمنون: 7، المعارج: 31، و السورتان مكيتان، و الآيات تحرم المتعة على قول هذا القائل كما تحرم سائر أقسام الزنا.

فهذه جل الآيات الناهية عن الزنا المحرمة للفاحشة، و جميعها مكية صريحة في التحريم فأين ما ذكره من التدرج في التحريم و المنع؟أو أنه يقول-كما هو اللازم الصريح لقوله بدلالة آيات المؤمنون على الحرمة-: إن الله سبحانه حرمها تحريما باتا، ثم النبي ص تدرج في المنع عملا بالرخصة بعد الرخصة مداهنة لمصلحة الإيقاع موقع القبول، و قد شدد الله تعالى على نبيه ص في هذه الخلة بعينها، قال تعالى: وَ إِنْ كََادُوا

308

(1) -لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنََا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ` وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ` إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنََا نَصِيراً : «الإسراء: 75» .

و ثالثا: أن هذا الترخيص المنسوب إلى النبي ص مرة بعد مرة إن كان ترخيصا من غير تشريع للحل، و الفرض كون المتعة زنا و فاحشة كان ذلك مخالفة صريحة منه (ص) لربه لو كان من عند نفسه، و هو معصوم بعصمة الله تعالى، و لو كان من عند ربه كان ذلك أمرا منه تعالى بالفحشاء، و قد رده تعالى بصريح قوله خطابا لنبيه: قُلْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ XالآيةX: «الأعراف: 28» .

و إن كان ترخيصا مع تشريع للحل لم تكن زنا و فاحشة فإنها سنة مشروعة محدودة بحدود محكمة لا تجامع الطبقات المحرمة كالنكاح الدائم و معها فريضة المهر كالنكاح الدائم، و العدة المانعة عن اختلاط المياه و اختلال الأنساب، و معها ضرورة حاجة الناس إليها فما معنى كونها فاحشة و ليست الفاحشة إلا العمل المنكر الذي يستقبحه المجتمع لخلاعته من الحدود و إخلاله بالمصلحة العامة و منعه عن القيام بحاجة المجتمع الضرورية في حياتهم.

و رابعا: أن القول بكون التمتع من أنواع الزنا الدائرة في الجاهلية اختلاق في التاريخ، و اصطناع لا يرجع إلى مدرك تاريخي، إذ لا عين منه في كتب التاريخ و لا أثر بل هو سنة مبتكرة إسلامية و تسهيل من الله تعالى على هذه الأمة لإقامة أودهم، و وقايتهم من انتشار الزنا و سائر الفواحش بينهم لو أنهم كانوا وفقوا لإقامة هذه السنة و إذا لم تكن الحكومات الإسلامية تغمض في أمر الزنا و سائر الفواحش هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجا بالسنن القانونية، و امتلأت بها الدنيا فسادا و وبالا.

و أما قوله: «و كلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية، و لكن فشو الزنا كان في الإماء دون الحرائر» ظاهرة أن مراده بالفاحشتين الزنا و شرب الخمر، و هو كذلك إلا أن كون الزنا فاشيا في الإماء دون الحرائر مما لا أصل له يركن إليه فإن الشواهد التاريخية المختلفة المتفرقة تؤيد خلاف ذلك كالأشعار التي قيلت في ذلك، و قد تقدم في رواية ابن عباس أن أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأسا إذا لم يكن علينا.

309

(1) -و يدل عليه أيضا مسألة الادعاء و التبني الدائر في الجاهلية فإن الادعاء لم يكن بينهم مجرد تسميةو نسبة بل كان ذلك أمرا دائرا بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدة و القوة بالإلحاق، و يستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزواج منهن، و أما الإماء فهم و لا سيما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهن، و المعاشقة و المغازلة معهن، و إنما كانت شأن الإماء في ذلك أن مواليهن يقيمونهن ذلك المقام اكتسابا و استرباحا.

و من الدليل على ما ذكرناه ما ورد من قصص الإلحاق في السير و الآثار كقصة إلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان، و ما شهد به شاهد الأمر عند ذلك، و غيرها من القصص المنقولة.

نعم ربما يستشهد على عدم فشو الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي ص عند البيعة: و هل الحرة تزني؟لكن الرجوع إلى ديوان حسان، و التأمل فيما هجا به هندا بعد وقعتي بدر و أحد يرفع اللبس و يكشف ما هو حقيقة الأمر.

ثم قال بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث، و رفعه التدافع الواقع بينها على زعمه: و العمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه: أولها: ما علمت من منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح و الطلاق و العدة إن لم نقل لنصوصه، و ثانيها: الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة-إلى أن قال-: و ثالثها: نهي عمر عنها و إشارته بتحريمها على المنبر، و إقرار الصحابة له على ذلك و قد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر، و أنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ.

ثم اختار أن تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه، و إنما كان استنادا إلى التحريم الثابت بنهي النبي ص، و إنما يسند إليه التحريم من جهة أنه مبين للحرمة أو منفذ لها كما يقال: حرم الشافعي النبيذ و أحله أبو حنيفة.

أقول: أما الوجه الأول و الثاني فقد عرفت آنفا و في البيان المتقدم حقيقة القول فيهما بما لا مزيد عليه، و أما الوجه الثالث فتحريم عمر لها سواء كان ذلك باجتهاد منه أو باستناده إلى تحريم النبي ص كما يدعيه هذا القائل، و سواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له و خوفا من تهديده، أو إقرارا له في تحريمه كما ذكره، أو لعدم‏

310

(1) -وقوعه موقع قبول الناس منهم كما يدل عليه الروايات عن علي و جابر و ابن مسعود و ابن عباس فتحريمه و حلفه على رجم مستحلها و فاعلها لا يؤثر في دلالة الآية عليها، و عدم انثلام هذه الحلية بكتاب أو سنة فدلالة الآيات و أحكامها مما لا غبار عليه.

و قد أغرب بعض الكتاب حيث ذكر أن المتعة سنة جاهلية لم تدخل في الإسلام قط حتى يحتاج إلى إخراجها منه و في نسخها إلى كتاب أو سنة و ما كان يعرفها المسلمون و لا وقعت إلا في كتب الشيعة.

أقول: و هذا الكلام المبني على الصفح عما يدل عليه الكتاب و الحديث و الإجماع و التاريخ يتم به تحول الأقوال في هذه المسألة تحولها العجيب فقد كانت سنة قائمة في عهد النبي ص ثم نهي عنها في عهد عمر و نفذ النهي عند عامة الناس، و وجه النهي بانتساخ آية الاستمتاع بآيات أخرى أو بنهي النبي عنها و خالف في ذلك عدة من الأصحاب‏ (1) و جم غفير ممن تبعهم من فقهاء الحجاز و اليمن و غيرهم حتى مثل ابن جريح من أئمة الحديث «و كان يبالغ في التمتع حتى تمتع بسبعين امرأة (2) » و مثل مالك أحد أئمة الفقه الأربعة (3) ، هذا، ثم أعرض المتأخرون من أهل التفسير عن دلالة آية الاستمتاع على المتعة، و راموا تفسيرها بالنكاح الدائم، و ذكروا أن المتعة كانت سنة من النبي ص ثم نسخت بالحديث، ثم راموا في هذه الأواخر أنها كانت من أنواع الزنا في الجاهلية رخص فيها النبي ص رخصة بعد رخصة ثم نهى عنها نهيا مؤبدا إلى يوم القيامة، ثم ذكر هذا القائل الأخير: أنها زنا جاهلي محض لا خبر عنها في الإسلام قط إلا ما وقع في كتب الشيعة، و الله أعلم بما يصير إليه حال المسألة في مستقبل الزمان.

____________

(1) و من عجيب الكلام ما ذكره الزجاج في هذه الآية: أن هذه آية غلط فيها قوم غلطا عظيما لجهلهم باللغة، و ذلك أنهم ذكروا أن قوله: «فما استمتعتم به منهن» من المتعة التي قد أجمع أهل العلم أنها حرام، ثم ذكر أن معنى الاستمتاع هو النكاح، و ليتني أدري أن أي فصل من كلامه يقبل الإصلاح؟أرميه أمثال ابن عباس و أبي و غيره بالجهل باللغة؟أم دعواه إجماع أهل العلم على الحرمة؟أم دعواه الخبرة باللغة و قد جعل الاستمتاع بمعنى النكاح؟!.

(2) راجع ترجمة ابن جريح في تهذيب التهذيب و ميزان الاعتدال.

(3) راجع للحصول على هذه الأقوال الكتب الفقهية، و في تفصيل أبحاثها الفقهية و الكلامية ما ألفه أساتذة الفن من القدماء و المتأخرين و خاصة أعلام العصر الحاضر من نظار باحثي الحجج.

311

(1) -

بحث علمي‏ كلام في معنى الابن شرعا.

رابطة النسب-و هي الرابطة التي تربط الفرد من الإنسان بالفرد الآخر من جهة الولادة و جامع الرحم-هي في الأصل رابطة طبيعية تكوينية تكون الشعوب و القبائل، و تحمل الخصال المنبعثة عن الدم‏ فتسريها حسب تسرية الدم، و هي المبدأ للآداب و الرسوم و السنن القومية بما تختلط و تمتزج بسائر الأسباب و العلل المؤثرة.

و للمجتمعات الإنسانية المترقية و غير المترقية نوع اعتناء بها في السنن و القوانين الاجتماعية في الجملة: في نكاح و إرث و غير ذلك، و هم مع ذلك لا يزالون يتصرفون في هذه الرابطة النسبية توسعة و تضييقا بحسب المصالح المنبعثة عن خصوصيات مجتمعهم كما سمعت في المباحث السابقة أن غالب الأمم السالفة كانوا لا يرون للمرأة قرابة رسما و كانوا يرون قرابة الدعي و بنوته، و كما أن الإسلام ينفي القرابة بين الكافر المحارب و المسلم، و يلحق الولد للفراش و غير ذلك.

و لما اعتبر الإسلام للنساء القرابة بما أعطاهن من الشركة التامة في الأموال، و الحرية التامة في الإرادة و العمل على ما سمعت في المباحث السابقة، و صار بذلك الابن و البنت في درجة واحدة من القرابة و الرحم الرسمي، و كذلك الأب و الأم، و الأخ و الأخت، و الجد و الجدة، و العم و العمة، و الخال و الخالة، صار عمود النسب الرسمي متنزلا من ناحية البنات كما كان يتنزل من ناحية البنين، فصار ابن البنت ابنا للإنسان كبنوة ابن الابن و هكذا ما نزل، و كذا صار بنت الابن و بنت البنت بنتين للإنسان على حد سواء، و على ذلك جرت الأحكام في المناكح و المواريث، و قد عرفت فيما تقدم أن آية التحريم «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ» الآية دالة على ذلك.

و قد قصر السلف من باحثينا في هذه المسألة و أشباهها (و هي مسألة اجتماعية و حقوقية) فحسبوها مسألة لغوية يستراح فيها إلى قضاء اللغة، فاشتد النزاع بينهم فيما وضع له لفظ الابن مثلا، فمن معمم و من مخصص، و كل ذلك من الخطإ.

و قد ذكر بعضهم: أن الذي تعرفه اللغة من البنوة ما يجري من ناحية الابن، و أما ابن البنت و كل ما يجري من ناحيتها فللحوق هؤلاء بآبائهم لا بجدهم الأمي‏

312

(1) -لا يعدهم العرب أبناء للإنسان، و أما

قول رسول الله ص للحسنين: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا

و غير ذلك فهذا الإطلاق إطلاق تشريفي، و أنشد في ذلك قول القائل:

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد

و نظيره قول الآخر:

و إنما أمهات الناس أوعية # مستودعات و للأنساب آباء

أقول: و قد اختلط عليه طريق البحث فحسبه بحثا لغويا زعم فيه أن العرب لو وضعت لفظ الابن لما يشمل ابن البنت تغيرت بذلك نتيجة البحث، و هو غفلة عن أن الآثار و الأحكام المترتبة في المجتمعات المختلفة البشرية على الأبوة و البنوة و نحوهما لا تتبع اللغات، و إنما تتبع نوع بنية المجتمع و السنن الدائرة فيها، و ربما تغيرت هذه الأحكام و الآثار بتغيير السنة الاجتماعية في المجتمع مع بقاء اللغة على حالها، و هذا يكشف عن كون البحث اجتماعيا أو عائدا إليه لا لفظيا لغويا.

و أما ما أنشد من الشعر فليس يسوى الشعر في سوق الحقائق شيئا-و ليس إلا زخرفة خيالية و تزويقا وهميا-حتى يستدل بكل ما تقوله شاعر لاغ و لا سيما فيما يداخله القرآن الذي هو قول فصل و ليس بالهزل.

و أما مسألة لحوق الأبناء بآبائهم دون الأجداد من جانب الأمهات فهي على أنها ليست مسألة لفظية لغوية ليست من فروع النسب حتى يستلزم لحوق الابن و البنت بالأب انقطاع نسبهما من جهة الأم، بل من فروع قيمومة الرجل على البيت من حيث الإنفاق، و تربية الأولاد و نحوها.

و بالجملة فالأم تنقل رابطة النسب إلى أولادها من ذكور أو إناث كما ينقلها الأب، و من آثاره البارزة في الإسلام الميراث و حرمة النكاح، نعم هناك أحكام و مسائل أخر لها ملاكات خاصة كلحوق الولد و النفقة و مسألة سهم أولي القربى من السادات و كل تتبع ملاكها الخاص بها.

بحث علمي آخر في حكمة تحريم محرمات النكاح.

النكاح و الازدواج من السنن الاجتماعية التي لم تزل دائرة في المجتمعات الإنسانية

313

(1) -أي مجتمع كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم، و هو في نفسه دليل على كونه سنة فطرية.

على أن من أقوى الدليل على ذلك كون الذكر و الأنثى مجهزين بحسب البنية الجسمانية بوسائل التناسل و التوالد كما ذكرناه مرارا، و الطائفتان (الذكر و الأنثى) في ابتغاء ذلك شرع سواء و إن زيدت الأنثى بجهاز الإرضاع و العواطف الفطرية الملائمة لتربية الأولاد.

ثم إن هناك غرائز إنسانية تنعطف إلى محبة الأولاد، و تقبل قضاء الطبيعة بكون الإنسان باقيا ببقاء نسله، و تذعن بكون المرأة سكنا للرجل و بالعكس، و تحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك و الاختصاص، و تحترم لزوم تأسيس البيت.

و المجتمعات التي تحترم هذه الأصول و الأحكام الفطرية في الجملة لا مناص لها من الإذعان بسنة النكاح على نحو الاختصاص بوجه بمعنى أن لا يختلط الرجال و النساء على نحو يبطل الأنساب و إن فرض التحفظ عن فساد الصحة العامة و قوة التوالد الذي يوجبه شيوع الزنا و الفحشاء.

هذه أصول معتبرة عند جميع الأمم الجارية على سنة النكاح في الجملة سواء خصوا الواحد بالواحد، أو جوزوا الكثير من النساء للواحد من الرجال أو بالعكس أو الكثير منهم للكثير منهن على اختلاف هذه السنن بين الأمم فإنهم مع ذلك يعتبرون النكاح بخاصته التي هي نوع ملازمة و مصاحبة بين الزوجين.

فالفحشاء و السفاح الذي يقطع النسل و يفسد الأنساب أول ما تبغضه الفطرة الإنسانية القاضية بالنكاح، و لا تزال ترى لهذه المباغضة آثارا بين الأمم المختلفة و المجتمعات المتنوعة حتى الأمم التي تعيش على الحرية التامة في الرجال و النساء في المواصلات و المخالطات الشهوية فإنهم متوحشون من هذه الخلاعات المسترسلة، و تراهم يعيشون بقوانين تحفظ لهم أحكام الأنساب بوجه.

و الإنسان مع إذعانه بسنة النكاح لا يتقيد فيه بحسب الطبع، و لا يحرم على نفسه ذا قرابة أو أجنبيا، و لا يجتنب الذكر من الإنسان أما و لا أختا و لا بنتا و لا

314

(1) -غيرهن، و لا الأنثى منه أبا و لا أخا و لا ابنا بحسب الداعية الشهوية فالتاريخ و النقل يثبت نكاح الأمهات و الأخوات و البنات و غيرهن في الأمم العظيمة الراقية و المنحطة، و الأخبار تحقق الزنا الفاشي في الملل المتمدنة اليوم بين الإخوة و الأخوات، و الآباء و البنات و غيرهن فطاغية الشهوة لا يقوم لها شي‏ء، و ما كان بين هذه الأمم من اجتناب نكاح الأمهات و الأخوات و البنات و ما يلحق بهن فإنما هو سنة موروثة ربما انتهت إلى بعض الآداب و الرسوم القومية.

و إنك إذا قايست القوانين المشرعة في الإسلام لتنظيم أمر الازدواج بسائر القوانين و السنن الدائرة في الدنيا و تأملت فيها منصفا وجدتها أدق و أضمن لجميع شئون الاحتياط في حفظ الأنساب و سائر المصالح الإنسانية الفطرية، و جميع ما شرعه من الأحكام في أمر النكاح و ما يلحق به يرجع إلى حفظ الأنساب و سد سبيل الزنا.

فالذي روعي فيه مصلحة حفظ الأنساب من غير واسطة هو تحريم نكاح المحصنات من النساء، و بذلك يتم إلغاء ازدواج المرأة بأكثر من زوج واحد في زمان واحد فإن فيه فساد الأنساب كما أنه هو الملاك في وضع عدة الطلاق بتربص المرأة بنفسها ثلاثة قروء تحرزا من اختلاط المياه.

و أما سائر أصناف النساء المحرم نكاحها و هي أربعة عشر صنفا المعدودة في آيات التحريم فإن الملاك في تحريم نكاحهن سد باب الزنا فإن الإنسان-و هو في المجتمع المنزلي-أكثر ما يعاشر و يختلط و يسترسل و يديم في المصاحبة إنما هو مع هذه الأصناف الأربعة عشر، و دوام المصاحبة و مساس الاسترسال يوجب كمال توجه النفس و ركوز الفكر فيهن بما يهدي إلى تنبه الميول و العواطف الحيوانية و هيجان دواعي الشهوة، و بعثها الإنسان إلى ما يستلذه طبعه، و تتوق له نفسه، و من يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

فكان من الواجب أن لا يقتصر على مجرد تحريم الزنا في هذه الموارد فإن دوام المصاحبة، و تكرر هجوم الوساوس النفسانية و ورود الهم بعد الهم لا يدع للإنسان مجال التحفظ على نهي واحد من الزنا.

بل كان يجب أن تحرم هؤلاء تحريما مؤبدا، و تقع عليه التربية الدينية حتى‏

315

(1) -يستقر في القلوب اليأس التام من بلوغهن و النيل منهن، و يميت ذلك تعلق الشهوة بهن و يقطع منبتها و يقلعها من أصلها، و هذا هو الذي نرى من كثير من المسلمين حتى في المتوغلين في الفحشاء المسترسلين في المنكرات منهم أنهم لا يخطر ببالهم الفحشاء بالمحارم، و هتك ستر الأمهات و البنات، و لو لا ذلك لم يكد يخلو بيت من البيوت من فاحشة الزنا و نحوه.

و هذا كما أن الإسلام سد باب الزنا في غير المحارم بإيجاب الحجاب، و المنع عن اختلاط الرجال بالنساء و النساء بالرجال، و لو لا ذلك لم ينجح النهي عن الزنا في الحجز بين الإنسان و بين هذا الفعال الشنيع فهناك أحد أمرين: إما أن يمنع الاختلاط كما في طائفة، و إما أن يستقر اليأس من النيل بالمرة بحرمة مؤبدة يتربى عليها الإنسان حتى يستوي على هذه العقيدة، لا يبصر مثاله فيما يبصر، و لا يسمعه فيما يسمع فلا يخطر بباله أبدا.

و تصديق ذلك ما نجده من حال الأمم الغربية فإن هؤلاء معاشر النصارى كانت ترى حرمة الزنا، و تعد تعدد الزوجات في تلو الزنا أباحت اختلاط النساء بالرجال فلم تلبث‏ حتى فشا الفحشاء فيها فشوا لا يكاد يوجد في الألف منهم واحد يسلم من هذا الداء، و لا في ألف من رجالهم واحد يستيقن بكون من ينتسب إليه من أولاده من صلبه، ثم لم يمكث هذا الداء حتى سرى إلى الرجال مع محارمهم من الأخوات و البنات و الأمهات، ثم إلى ما بين الرجال و الغلمان ثم الشبان أنفسهم ثم... و ثم... آل الأمر إلى أن صارت هذه الطائفة التي ما خلقها الله سبحانه إلا سكنا للبشر، و نعمة يقيم بها صلب الإنسانية، و يطيب بها عيشة النوع مصيدة يصطاد بها في كل شأن سياسي و اقتصادي و اجتماعي و وسيلة للنيل إلى كل غرض يفسد حياة المجتمع و الفرد، و عادت الحياة الإنسانية أمنية تخيلية، و لعبا و لهوا بتمام معنى الكلمة، و قد اتسع الخرق على الراتق.

هذا هو الذي بنى عليه الإسلام مسألة تحريم المحرمات من المبهمات و غيرها في باب النكاح إلا المحصنات من النساء على ما عرفت.

و تأثير هذا الحكم في المنع عن فشو الزنا و تسربه في المجتمع المنزلي كتأثير حكم الحجاب في المنع عن ظهور الزنا و سريان الفساد في المجتمع المدني على ما عرفت.

و قد تقدم أن قوله تعالى: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ الآية، لا تخلو عن إشارة إلى هذه الحكمة، و يمكن أن تكون الإشارة إليه بقوله تعالى في آخر آيات التحريم: ـ

316

(1) - يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً : «النساء: 28» فإن تحريم هذه الأصناف الأربعة عشر من الله سبحانه تحريما باتا يرفع عن كاهل الإنسان ثقل الصبر على هواهن و الميل إليهن و النيل منهن على إمكان من الأمر، و قد خلق الإنسان ضعيفا في قبال الميول النفسانية، و الدواعي الشهوانية، و قد قال تعالى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ : «يوسف:

28» فإن من‏ أمر الصبر أن يعيش الإنسان مع واحدة أو أكثر من النساء الأجنبيات، و يصاحبهن في الخلوة و الجلوة، و يتصل بهن ليلا و نهارا و يمتلئ سمعه و بصره من لطيف إشاراتهن و حلو حركاتهن حينا بعد حين ثم يصبر على ما يوسوسه نفسه في أمرهن و لا يجيبها في ما تتوق إليه، و الحاجة إحدى الحاجتين الغذاء و النكاح، و ما سواهما فضل يعود إليهما، و كأنه هو الذي‏

أشار إليه (ص) بقوله: «من تزوج أحرز نصف دينه- فليتق الله في النصف الآخر»

(1) .

بيان‏

في الآية شبه اتصال بما سبقتها حيث إنها تتضمن النهي عن أكل المال بالباطل و كانت الآيات السابقة متضمنة للنهي عن أكل مهور النساء بالعضل و التعدي ففي الآية انتقال من الخصوص إلى العموم.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ» إلى قوله: «مِنْكُمْ»

____________

(1) مروية في نكاح الوسائل.

317

(1) - الأكل‏ معروف و هو إنفاد ما يمكن أن يتغذى به بالتقامه و بلعه مثلا، و لما فيه من معنى التسلط و الإنفاد يقال: أكلت النار الحطب شبه فيه إعدام النار الحطب بإحراقه بإنفاد الأكل الغذاء بالتناول و البلع، و يقال أيضا: أكل فلان المال أي تصرف فيه بالتسلط عليه، و ذلك بعناية أن العمدة في تصرف الإنسان في الأشياء هو التغذي بها لأنه أشد ما يحتاج إليه الإنسان في بقائه و أمسه منه، و لذلك سمي التصرف أكلا لكن لا كل تصرف بل التصرف عن تسلط يقطع تسلط الغير على المال بالتملك و نحوه كأنه ينفده ببسط سلطته عليه و التصرف فيه كما ينفد الأكل الغذاء بالأكل.

و الباطل من الأفعال ما لا يشتمل على غرض صحيح عقلائي، و التجارة هي التصرف في رأس المال طلبا للربح على ما ذكره الراغب في مفرداته قال: و ليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ انتهى، فتنطبق على المعاملة بالبيع و الشري.

و في تقييد قوله: «لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ» بقوله: «بَيْنَكُمْ» الدال على نوع تجمع منهم على المال و وقوعه في وسطهم إشعار أو دلالة بكون الأكل المنهي عنه بنحو إدارته فيما بينهم و نقله من واحد إلى آخر بالتعاور و التداول، فتفيد الجملة أعني قوله: لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ ، بعد تقييدها بقوله: بِالْبََاطِلِ النهي عن المعاملات الناقلة التي لا تسوق المجتمع إلى سعادته و نجاحه بل تضرها و تجرها إلى الفساد و الهلاك، و هي المعاملات الباطلة في نظر الدين كالربا و القمار و البيوع الغررية كالبيع بالحصاة و النواة و ما أشبه ذلك.

و على هذا فالاستثناء الواقع في قوله: إِلاََّ أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً عَنْ تَرََاضٍ مِنْكُمْ ، استثناء منقطع جي‏ء به لدفع الدخل فإنه لما نهى عن أكل المال بالباطل-و نوع المعاملات الدائرة في المجتمع الفاسد التي يتحقق بها النقل و الانتقال المالي كالربويات و الغرريات و القمار و أضرابها باطلة بنظر الشرع-كان من الجائز أن يتوهم أن ذلك يوجب انهدام أركان المجتمع و تلاشي أجزائها و فيه هلاك الناس فأجيب عن ذلك بذكر نوع معاملة في وسعها أن تنظم شتات المجتمع، و تقيم صلبه، و تحفظه على استقامته، و هي التجارة عن تراض و معاملة صحيحة رافعة لحاجة المجتمع، و ذلك نظير قوله تعالى: يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ ` إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ : «الشعراء: 89» فإنه لما نفي النفع عن المال و البنين يوم القيامة أمكن أن يتوهم أن لا نجاح يومئذ و لا فلاح فإن معظم ما ينتفع به الإنسان إنما هو المال و البنون فإذا سقطا عن التأثير لم يبق إلا اليأس و الخيبة فأجيب أن هناك‏

318

(1) -أمرا آخرنافعا كل النفع و إن لم يكن من جنس المال و البنين و هو القلب السليم.

و هذا الذي ذكرناه من انقطاع الاستثناء هو الأوفق بسياق الآية و كون قوله:

بِالْبََاطِلِ قيدا أصليا في الكلام نظير قوله تعالى: وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهََا إِلَى اَلْحُكََّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوََالِ اَلنََّاسِ XالآيةX: «البقرة: 188» و على هذا لا تخصص الآية بسائر المعاملات الصحيحة و الأمور المشروعة غير التجارة مما يوجب التملك و يبيح التصرف في المال كالهبة و الصلح و الجعالة و كالأمهار و الإرث و نحوها.

و ربما يقال: إن الاستثناء متصل و قوله: بِالْبََاطِلِ قيد توضيحي جي‏ء به لبيان حال المستثنى منه بعد خروج المستثنى و تعلق النهي، و التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فإنكم إن أكلتموها من غير طريق التجارة كان أكلا بالباطل منهيا عنه كقولك: لا تضرب اليتيم ظلما إلا تأديبا، و هذا النحو من الاستعمال و إن كان جائزا معروفا عند أهل اللسان إلا أنك قد عرفت أن الأوفق لسياق الآية هو انقطاع الاستثناء.

و ربما قيل: إن المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله، و بالتجارة صرفه فيما يرضاه. و ربما قيل: إن الآية كانت تنهى عن مطلق أكل مال الغير بغير عوض، و أنه كان الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية حتى نسخ ذلك بقوله في سورة النور: وَ لاََ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ -Xإلى قوله‏X- أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتََاتاً : «النور: 61» و قد عرفت أن الآية بمعزل عن الدلالة على أمثال هذه المعاني.

و من غريب التفسير ما رام به بعضهم توجيه اتصال الاستثناء مع أخذ قوله: بِالْبََاطِلِ قيدا احترازيا فقال ما حاصله: أن المراد بالباطل أكل المال بغير عوض يعادله فالجملة المستثنى منها تدل على تحريم أخذ المال من الغير بالباطل و من غير عوض ثم استثنى من ذلك التجارة مع كون غالب مصاديقها غير خالية عن الباطل فإن تقدير العوض بالقسطاس المستقيم بحيث يعادل المعوض عنه في القيمة حقيقة متعسر جدا لو لم يكن متعذرا.

فالمراد بالاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر، و ما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته و ترويجها بزخرف القول من غير

319

(1) -غش و لا خداع و لا تغرير كما يقع ذلك كثيرا إلى غير ذلك من الأسباب.

و كل ذلك من باطل التجارة أباحته الشريعة مسامحة و تسهيلا لأهلها، و لو لم يجز ذلك في الدين بالاستثناء لما رغب أحد من أهله في التجارة و اختل نظام المجتمع الديني.

انتهى ملخصا.

و فساده ظاهر مما قدمناه فإن الباطل على ما يعرفه أهل اللغة ما لا يترتب عليه أثره المطلوب منه، و أثر البيع و التجارة تبدل المالين و تغير محل الملكين لرفع حاجة كل واحد من البيعين إلى مال الآخر بأن يحصل كل منهما على ما يرغب فيه و ينال إربه بالمعادلة، و ذلك كما يحصل بالتعادل في القيمتين كذلك يحصل بمقابلة القليل الكثير إذا انضم إلى القليل شي‏ء من رغبة الطالب أو رهبته أو مصلحة أخرى يعادل بانضمامها الكثير، و الكاشف عن جميع ذلك وقوع الرضا من الطرفين، و مع وقوع التراضي لا تعد المبادلة باطلة البتة.

على أن المستأنس بأسلوب القرآن الكريم في بياناته لا يرتاب في أن من المحال أن يعد القرآن أمرا من الأمور باطلا ثم يأمر به و يهدي إليه و قد قال تعالى في وصفه:

يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلى‏ََ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ : -الأحقاف: 30، و كيف يهدي إلى الحق ما يهدي إلى الباطل؟.

على أن لازم هذا التوجيه أن يهتدي الإنسان اهتداء حقا فطريا إلى حاجته إلى المبادلة في الأموال ثم يهتدي اهتداء حقا فطريا إلى المبادلة بالموازنة ثم لا يكون ما يهتدي إليه وافيا لرفع حاجته حقا حتى ينضم إليه شي‏ء من الباطل و كيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى أمر لا يكفي في رفع حاجتها، و لا يفي إلا ببعض شأنها؟و كيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى باطل و هل الفارق بين الحق و الباطل في الأعمال إلا اهتداء الفطرة و عدم اهتدائها؟فلا مفر لمن يجعل الاستثناء متصلا من أن يجعل قوله: بِالْبََاطِلِ قيدا توضيحيا.

و أعجب من هذا التوجيه ما نقل عن بعضهم أن النكتة في هذا الاستثناء المنقطع هي الإشارة إلى أن جميع ما في الدنيا من التجارة و ما في معناها من قبيل الباطل لأنه لا ثبات له و لا بقاء فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير و أبقى انتهى.

320

(1) -و هو خطأ فإنه على تقدير صحته نكتة للاستثناء المتصل لا الاستثناء المنقطع، على أن هذه المعنويات من الحقائق إنما يصح أن يذكر لمثل قوله تعالى: «وَ مََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ : -العنكبوت: 64» و قوله تعالى: مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ : -النحل: 96، و قوله تعالى: قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ : -الجمعة: 11، و أما ما نحن فيه فجريان هذه النكتة توجب تشريع الباطل، و يجل القرآن عن الترخيص في الباطل بأي وجه كان.

قوله تعالى: «وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» ظاهر الجملة أنها نهي عن قتل الإنسان نفسه لكن مقارنتها قوله: لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ ، حيث إن ظاهره أخذ مجموع المؤمنين كنفس واحدة لها مال يجب أن تأكلها من غير طريق الباطل ربما أشعرت أو دلت على أن المراد بالأنفس جميع نفوس المجتمع الديني المأخوذة كنفس واحدة نفس كل بعض هي نفس الآخر فيكون في مثل هذا المجتمع نفس الإنسان نفسه و نفس غيره أيضا نفسه فلو قتل نفسه أو غيره فقد قتل نفسه، و بهذه العناية تكون الجملة أعني قوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ مطلقة تشمل الانتحار-الذي هو قتل الإنسان نفسه- و قتل الإنسان غيره من المؤمنين.

و ربما أمكن أن يستفاد من ذيل الآية أعني قوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً أن المراد من قتل النفس المنهي عنه ما يشمل إلقاء الإنسان نفسه في مخاطرة القتل و التسبيب إلى هلاك نفسه المؤدي إلى قتله، و ذلك أن تعليل النهي عن قتل النفس بالرحمة لهذا المعنى أوفق و أنسب كما لا يخفى، و يزيد على هذا معنى الآية عموما و اتساعا، و هذه الملاءمة بعينها تؤيد كون قوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليلا لقوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فقط.

قوله تعالى: «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ عُدْوََاناً وَ ظُلْماً» الآية العدوان مطلق التجاوز سواء كان جائزا ممدوحا أو محظورا مذموما قال تعالى: فَلاََ عُدْوََانَ إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ : -البقرة: 193، و قال تعالى: «وَ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ وَ لاََ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ : -المائدة: 2، فهو أعم موردا من الظلم، و معناه في الآية تعدي الحدود التي حدها الله تعالى، و الإصلاء بالنار الإحراق بها.

و في الآية من حيث اشتمالها على قوله: «ذََلِكَ» التفات عن خطاب المؤمنين إلى‏

321

(1) -خطاب رسول الله ص تلويحا إلى أن من فعل ذلك منهم-و هم نفس واحدة و النفس الواحدة لا ينبغي لها أن تريد هلاك نفسها-فليس من المؤمنين، فلا يخاطب في مجازاته المؤمنون، و إنما يخاطب فيها الرسول المخاطب في شأن المؤمنين و غيرهم، و لذلك بني الكلام على العموم فقيل: و من يفعل ذلك عدوانا و ظلما فسوف نصليه، و لم يقل: و من يفعل ذلك منكم.

و ذيل الآية أعني قوله. وَ كََانَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيراً يؤيد أن يكون المشار إليه بقوله: ذلك هو النهي عن قتل الأنفس بناء على كون قوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً ناظرا إلى تعليل النهي عن القتل فقط لما من المناسبة التامة بين الذيلين، فإن الظاهر أن المعنى هو أن الله تعالى إنما ينهاكم عن قتل أنفسكم رحمة بكم و رأفة، و إلا فمجازاته لمن قتل النفس بإصلائه النار عليه يسير غير عسير، و مع ذلك فعود التعليل و كذا التهديد إلى مجموع الفقرتين في الآية الأولى أعني النهي عن أكل المال بالباطل و النهي عن قتل النفس لا ضير فيه.

و أما قول بعضهم: إن التعليل و التهديد أو التهديد فقط راجع إلى جميع ما ذكر من المناهي من أول السورة إلى هذه الآية، و كذا قول آخرين: إن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكر من المناهي من قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً XالآيةX (مريم 19) إلى هنا لعدم ذكر جزاء للمناهي الواقعة في هذه الآيات فمما لا دليل على اعتباره.

و تغيير السياق في قوله: فسوف نصليه نارا بالخصوص عن سياق الغيبة الواقع في قوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً إلى سياق التكلم تابع للالتفات الواقع في قوله: «ذََلِكَ» عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول، ثم الرجوع إلى الغيبة في قوله: وَ كََانَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيراً إشعار بالتعليل، أي و ذلك عليه يسير لأنه هو الله عز اسمه.

بحث روائي‏

في المجمع، *في قوله تعالى: بِالْبََاطِلِ -قولان: أحدهما أنه الربا و القمار و البخس و الظلم، قال: و هو المروي عن الباقر (ع) .

322

(1) -

و في نهج البيان، عن الباقر و الصادق (ع) *: أنه القمار و السحت و الربا و الأيمان.

و في تفسير العياشي، عن أسباط بن سالم قال*: كنت عند أبي عبد الله (ع) فجاءه رجل-فقال له: أخبرني عن قول الله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ ، قال: عنى بذلك القمار، و أما قوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ -عنى بذلك الرجل من المسلمين يشد على المشركين وحده-يجي‏ء في منازلهم فيقتل فنهاهم الله عن ذلك‏

أقول: الآية عامة في الأكل بالباطل، و ذكر القمار و ما أشبهه من قبيل عد المصاديق و كذا تفسير قتل النفس بما ذكر في الرواية تعميم للآية لا تخصيص بما ذكر.

و فيه، عن إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين قال*: حدثني الحسن بن زيد عن أبيه عن علي بن أبي طالب (ع) قال: سألت رسول الله ص عن الجبائر تكون على الكسير-كيف يتوضأ صاحبها؟و كيف يغتسل إذا أجنب؟قال: يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة و الوضوء، قلت: فإن كان في برد يخاف على نفسه-إذا أفرغ الماء على جسده؟فقرأ رسول الله ص: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً .

و في الفقيه، قال الصادق (ع) *: من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قال الله تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً-` وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ عُدْوََاناً وَ ظُلْماً-فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نََاراً وَ كََانَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيراً .

أقول: و الروايات كما ترى تعمم معنى قوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية كما استفدناه فيما تقدم، و في معنى ما تقدم روايات أخر.

و في الدر المنثور، أخرج ابن ماجة و ابن المنذر عن ابن سعيد قال*: قال رسول الله ص: إنما البيع عن تراض.

و فيه، أخرج ابن جرير عن ابن عباس*: أن النبي ص باع رجلا ثم قال له: اختر فقال: قد اخترت فقال: هكذا البيع.

و فيه، أخرج البخاري و الترمذي و النسائي عن ابن عمر قال*: قال رسول الله ص: البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما للآخر: اختر.

أقول: قوله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا مروي من طرق الشيعة أيضا، و قوله:

أو يقول أحدهما للآخر: اختر لتحقيق معنى التراضي‏

323

(1) -

بيان‏

الآية غير عادمة الارتباط بما قبلها فإن فيما قبلها ذكرا من المعاصي الكبيرة.

قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ» -إلى قوله: - «سَيِّئََاتِكُمْ» الاجتناب أصله من الجنب و هو الجارحة بني منها الفعل على الاستعارة، فإن الإنسان إذا أراد شيئا استقبله بوجهه و مقاديم بدنه، و إذا أعرض عنه و تركه وليه بجنبه فاجتنبه، فالاجتناب‏ هو الترك، قال الراغب: و هو أبلغ من الترك، انتهى، و ليس إلا لأنه مبني على الاستعارة، و من هذا الباب الجانب و الجنيبة و الأجنبي.

و التكفير من الكفر و هو الستر و قد شاع استعماله في القرآن في العفو عن السيئات و الكبائر جمع كبيرة وصف وضع موضع الموصوف كالمعاصي و نحوها، و الكبر معنى إضافي لا يتحقق إلا بالقياس إلى صغر، و من هنا كان المستفاد من قوله: كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ أن هناك من المعاصي المنهي عنها ما هي صغيرة، فيتبين من الآية: أولا: أن المعاصي قسمان: صغيرة و كبيرة، و ثانيا: أن السيئات في الآية هي الصغائر لما فيها من دلالة المقابلة على ذلك.

نعم العصيان و التمرد كيفما كان كبير و أمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق المربوب في جنب الله عظم سلطانه غير أن القياس في هذا الاعتبار إنما هو بين الإنسان و ربه لا بين معصية و معصية فلا منافاة بين كون كل معصية كبيرة باعتبار و بين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر.

و كبر المعصية إنما يتحقق بأهمية النهي عنها إذا قيس إلى النهي المتعلق بغيرها و لا يخلو قوله تعالى: مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، من إشعار أو دلالة على ذلك، و الدليل على أهمية النهي تشديد الخطاب بإصرار فيه أو تهديد بعذاب من النار و نحو ذلك.

324

(1) - قوله تعالى: «وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً» المدخل‏ بضم الميم و فتح الخاء اسم مكان و المراد منه الجنة أو مقام القرب من الله سبحانه و إن كان مرجعهما واحدا.

كلام في الكبائر و الصغائر و تكفير السيئات‏

لا ريب في دلالة قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ ، الآية على انقسام المعاصي إلى كبائر و صغائر سميت في الآية بالسيئات، و نظيرها في الدلالة قوله تعالى: وَ وُضِعَ اَلْكِتََابُ فَتَرَى اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمََّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا XالآيةX: «الكهف: 49» ، إذ إشفاقهم مما في الكتاب يدل على أن المراد بالصغيرة و الكبيرة صغائر الذنوب و كبائرها.

و أما السيئة فهي بحسب ما تعطيه مادة اللفظ و هيئته هي الحادثة أو العمل الذي يحمل المساءة، و لذلك ربما يطلق لفظها على الأمور و المصائب التي يسوء الإنسان وقوعها كقوله تعالى: وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ XالآيةX: «النساء: 79» ، و قوله تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ XالآيةX: «الرعد: 6» ، و ربما أطلق على نتائج المعاصي و آثارها الخارجية الدنيوية و الأخروية كقوله تعالى: فَأَصََابَهُمْ سَيِّئََاتُ مََا عَمِلُوا، XالآيةX:

«النحل: 34» ، و قوله تعالى: سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئََاتُ مََا كَسَبُوا : «الزمر: 51» ، و هذا بحسب الحقيقة يرجع إلى المعنى السابق، و ربما أطلق على نفس المعصية كقوله تعالى:

وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا XالآيةX: «الشورى: 40» ، و السيئة بمعنى المعصية ربما أطلقت على مطلق المعاصي أعم من الصغائر و الكبائر كقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ‏ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ : «الجاثية: 21» ، إلى غير ذلك من الآيات.

و ربما أطلقت على الصغائر خاصة كقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ الآية، إذ مع فرض اجتناب الكبائر لا تبقى للسيئات إلا الصغائر.

و بالجملة دلالة الآية على انقسام المعاصي إلى الصغائر و الكبائر بحسب القياس الدائر بين المعاصي أنفسها مما لا ينبغي أن يرتاب فيه.

و كذا لا ريب أن الآية في مقام الامتنان، و هي تقرع أسماع المؤمنين بعناية لطيفة

325

(1) - إلهية أنهم إن اجتنبوا البعض من المعاصي كفر عنهم البعض الآخر، فليس إغراء على ارتكاب المعاصي الصغار، فإن ذلك لا معنى له لأن الآية تدعو إلى ترك الكبائر بلا شك، و ارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة لا يعبأ بها و يتهاون في أمرها يعود مصداقا من مصاديق الطغيان و الاستهانة بأمر الله سبحانه، و هذا من أكبر الكبائر بل الآية تعد تكفير السيئات من جهة أنها سيئات لا يخلو الإنسان المخلوق على الضعف المبني على الجهالة من ارتكابها بغلبة الجهل و الهوى عليه، فمساق هذه الآية مساق الآية الداعية إلى التوبة التي تعد غفران الذنوب كقوله تعالى: «قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ` وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ XالآيةX: «الزمر: 54» فكما لا يصح أن يقال هناك: أن الآية تغري إلى المعصية بفتح باب التوبة و تطييب النفوس بذلك فكذا هاهنا بل أمثال هذه الخطابات إحياء للقلوب الآيسة بالرجاء.

و من هنا يعلم أن الآية لا تمنع عن معرفة الكبائر بمعنى أن يكون المراد بها اتقاء جميع المعاصي مخافة الوقوع في الكبائر و الابتلاء بارتكابها فإن ذلك معنى بعيد عن مساق الآية بل المستفاد من الآية أن المخاطبين هم يعرفون الكبائر و يميزون هؤلاء الموبقات من النهي المتعلق بها، و لا أقل من أن يقال: إن الآية تدعو إلى معرفة الكبائر حتى يهتم المكلفون في الاتقاء منها كل الاهتمام من غير تهاون في جنب غيرها فإن ذلك التهاون كما عرفت إحدى الكبائر الموبقة.

و ذلك أن الإنسان إذا عرف الكبائر و ميزها و شخصها عرف أنها حرمات لا يغمض من هتكها بالتكفير إلا عن ندامة قاطعة و توبة نصوح و نفس هذا العلم مما يوجب تنبه الإنسان و انصرافه عن ارتكابها.

و أما الشفاعة فإنها و إن كانت حقة إلا أنك قد عرفت فيما تقدم من مباحثها أنها لا تنفع من استهان بأمر الله سبحانه و استهزأ بالتوبة و الندامة. و اقتراف المعصية بالاعتماد على الشفاعة تساهل و تهاون في أمر الله سبحانه و هو من الكبائر الموبقة القاطعة لسبيل الشفاعة قطعا.

و من هنا يتضح معنى ما تقدم أن كبر المعصية إنما يعلم من شدة النهي الواقع عنها بإصرار أو تهديد بالعذاب كما تقدم. ـ

326

(1) -و مما تقدم من الكلام يظهر حال سائر ما قيل‏ في معنى الكبائر، و هي كثيرة:

منها ما قيل: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه في الآخرة عقابا و وضع له في الدنيا حدا. و فيه أن الإصرار على الصغيرة كبيرة

لقول النبي ص: لا كبيرة مع الاستغفار، و لا صغيرة مع الإصرار.

رواه الفريقان مع عدم وضع حد فيه شرعا، و كذا ولاية الكفار و أكل الربا مع أنهما من كبائر ما نهي عنه في القرآن.

و منها قول بعضهم: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه بالنار في القرآن، و ربما أضاف إليه بعضهم السنة. و فيه أنه لا دليل على انعكاسه كليا.

و منها قول بعضهم: إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين و عدم الاكتراث به قال به إمام الحرمين و استحسنه الرازي. و فيه أنه عنوان الطغيان و الاعتداء و هي إحدى الكبائر و هناك ذنوب كبيرة موبقة و إن لم تقترف بهذا العنوان كأكل مال اليتيم و زنا المحارم و قتل النفس المؤمنة من غير حق.

و منها قول بعضهم: إن الكبيرة ما حرمت لنفسها لا لعارض، و هذا كالمقابل للقول السابق. و فيه أن الطغيان و الاستهانة و نحو ذلك من أكبر الكبائر و هي عناوين‏ طارية، و بطروها على معصية و عروضها لها تصير من الكبائر الموبقة.

و منها قول بعضهم: إن الكبائر ما اشتملت عليه آيات سورة النساء من أول السورة إلى تمام ثلاثين آية، و كان المراد أن قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية إشارة إلى المعاصي المبينة في الآيات السابقة عليه كقطيعة الرحم و أكل مال اليتيم و الزنا و نحو ذلك. و فيه أنه ينافي إطلاق الآية.

و منها قول بعضهم (و ينسب إلى ابن عباس) : كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، و لعله لكون مخالفته تعالى أمرا عظيما، و فيه أنك قد عرفت أن انقسام المعصية إلى الكبيرة و الصغيرة إنما هو بقياس بعضها إلى بعض، و هذا الذي ذكره مبني على قياس حال الإنسان في مخالفته-و هو عبد-إلى الله سبحانه-و هو رب كل شي‏ء-و من الممكن أن يميل إلى هذا القول بعضهم بتوهم كون الإضافة في قوله تعالى: كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، بيانية لكنه فاسد لرجوع معنى الآية حينئذ إلى قولنا: إن تجتنبوا المعاصي جميعا نكفر عنكم سيئاتكم و لا سيئة مع اجتناب المعاصي، و إن أريد تكفير

327

(1) -سيئات المؤمنين قبل نزول الآية اختصت الآية بأشخاص من حضر عند النزول، و هو خلاف ظاهر الآية من العموم، و لو عمت الآية عاد المعنى إلى أنكم إن عزمتم على اجتناب جميع المعاصي و اجتنبتموها كفرنا عنكم سيئاتكم السابقة عليه، و هذا أمر نادر شاذ المصداق أو عديمه لا يحمل عليه عموم الآية لأن نوع الإنسان لا يخلو عن السيئة و اللمم إلا من عصمه الله بعصمته فافهم ذلك.

و منها: أن الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه، و الكبيرة ما يكبر عقابه عن ثوابه، نسب إلى المعتزلة و فيه أن ذلك أمر لا يدل عليه هذه الآية و لا غيرها من آيات القرآن، نعم من الثابت بالقرآن وجود الحبط في بعض المعاصي في الجملة لا في جميعها سواء كان على وفق ما ذكروه أو لا على وفقه، و قد مر البحث عن معنى الحبط مستوفى في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

و قالوا أيضا: يجب تكفير السيئات و الصغائر عند اجتناب الكبائر و لا تحسن المؤاخذة عليها، و هذا أيضا أمر لا تدل الآية عليه البتة.

و منها: أن الكبر و الصغر اعتباران يعرضان لكل معصية، فالمعصية التي يقترفها الإنسان استهانة بأمر الربوبية و استهزاء أو عدم مبالاة به كبيرة، و هي بعينها لو اقترفت من جهة استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة كانت صغيرة مغفورة بشرط اجتناب الكبائر.

و لما كان هذه العناوين الطارية المذكورة يجمعها العناد و الاعتداء على الله أمكن أن يلخص الكلام بأن كل واحدة من المعاصي المنهي عنها في الدين إن أتي بها عنادا و اعتداء فهي كبيرة و إلا فهي صغيرة مغفورة بشرط اجتناب العناد و الاعتداء.

قال بعضهم: إن في كل سيئة و في كل نهي خاطب الله به كبيرة أو كبائر و صغيرة أو صغائر، و أكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي و الأمر و احترام التكليف، و منه الإصرار فإن المصر على الذنب لا يكون محترما و لا مباليا بالأمر و النهي فالله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي الكبائر التي يتضمنها كل شي‏ء تنهون عنه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ أي نكفر عنكم صغيره‏ فلا نؤاخذكم عليه.

و فيه: أن استلزام اقتران كل معصية مقترفة بما يوجب كونها طغيانا و استعلاء

328

(1) -على الله سبحانه صيرورتها معصية كبيرة لا يوجب كون الكبر دائرا مدار هذا الاعتبار حتى لا يكون بعض المعاصي كبيرة في نفسها مع عدم عروض شي‏ء من هذه العناوين عليه، فإن زنا المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية و قتل النفس المحرمة ظلما بالنسبة إلى الضرب كبيرتان عرض لهما عارض من العناوين أم لم يعرض، نعم كلما عرض شي‏ء من هذه العناوين المهلكة اشتد النهي بحسبه و كبرت المعصية و عظم الذنب فما الزنا عن هوى النفس و غلبة الشهوة و الجهالة كالزنا بالاستباحة.

على أن هذا المعنى (أن تجتنبوا في كل معصية كبائرها نكفر عنكم صغائرها) معنى ردي‏ء لا يحتمله قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ الآية بحسب ما لها من السياق على ما لا يخفى لكل من استأنس قليل استيناس بأساليب الكلام.

و منها: ما يتراءى من ظاهر كلام الغزالي على ما نقل عنه‏ (1) من الجمع بين الأقوال و هو أن بين المعاصي بقياس بعضها إلى بعض كبيرة و صغيرة كزنا المحصنة من المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية و إن كانت بعض المعاصي يكبر بانطباق بعض العناوين المهلكة الموبقة عليه كالإصرار على الصغائر، فبذلك تصير المعصية كبيرة بعد ما لم تكن.

فبهذا يظهر أن المعاصي تنقسم إلى صغيرة و كبيرة بحسب قياس البعض إلى البعض بالنظر إلى نفس العمل و جرم الفعل، ثم هي مع ذلك تنقسم إلى القسمين بالنظر إلى أثر الذنب و وباله في إحباطه للثواب بغلبته عليه أو نقصه منه إذا لم يغلبه فيزول الذنب بزوال مقدار يعادله من الثواب فإن لكل طاعة تأثيرا حسنا في النفس يوجب رفعه مقامها و تخلصها من قذارة البعد و ظلمة الجهل كما أن لكل معصية تأثيرا سيئا فيها يوجب خلاف ذلك من انحطاط محلها و سقوطها في هاوية البعد و ظلمة الجهل.

فإذا اقترف الإنسان شيئا من المعاصي و قد هيأ لنفسه شيئا من النور و الصفاء بالطاعة فلا بد من أن يتصادم ظلمة المعصية و نور الطاعة فإن غلبت ظلمة المعصية و وبال الذنب نور الطاعة و ظهرت عليه أحبطته، و هذه هي المعصية الكبيرة، و إن غلبت الطاعة بما لها من النور و الصفاء أزالت ظلمة الجهل و قذارة الذنب ببطلان مقدار

____________

(1) نقله الفخر الرازي في تفسيره عن الغزالي في منتخبات كتاب الإحياء.

329

(1) -يعادل ظلمة الذنب من نور الطاعة، و يبقى الباقي من نورها و صفائها تتنور و تصفو به النفس، و هذا معنى التحابط، و هو بعينه معنى غفران الذنوب الصغيرة و تكفير السيئات، و هذا النوع من المعاصي هي المعاصي الصغيرة.

و أما تكافؤ السيئة و الحسنة بما لهما من العقاب و الثواب فهو و إن كان مما يحتمله العقل في بادي النظر، و لازمه صحة فرض إنسان أعزل لا طاعة له و لا معصية، و لا نور لنفسه و لا ظلمة لكن يبطله قوله تعالى: «فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ» .

انتهى ملخصا.

و قد رده الرازي بأنه يبتني على أصول المعتزلة الباطلة عندنا، و شدد النكير على الرازي في المنار قائلا:

و إذا كان هذا (يعني انقسام المعصية إلى الصغيرة و الكبيرة في نفسها) صريحا في القرآن فهل يعقل أن يصح عن ابن عباس إنكاره؟لا بل روى عبد الرزاق عنه أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟فقال: هي إلى السبعين أقرب، و روى ابن جبير:

أنه قال: هي إلى السبعمائة أقرب، و إنما عزي القول بإنكار تقسيم الذنوب إلى صغائر و كبائر إلى الأشعرية.

و كأن القائلين بذلك منهم أرادوا أن يخالفوا به المعتزلة و لو بالتأويل كما يعلم من كلام ابن فورك فإنه صحح كلام الأشعرية و قال: معاصي الله كلها كبائر، و إنما يقال لبعضها: صغيرة و كبيرة بإضافة (1) ، و قالت المعتزلة: الذنوب على ضربين:

صغائر و كبائر، و هذا ليس بصحيح انتهى، و أول الآية تأويلا بعيدا.

و هل يئول الآيات و الأحاديث لأجل أن يخالف المعتزلة و لو فيما أصابوا فيه؟ لا يبعد ذلك فإن التعصب للمذاهب هو الذي صرف كثيرا من العلماء الأزكياء عن إفادة أنفسهم و أمتهم بفطنتهم، و جعل كتبهم فتنة للمسلمين اشتغلوا بالجدل فيها عن حقيقة الدين، و سترى ما ينقله الرازي عن الغزالي، و يرده لأجل ذلك، و أين الرازي من الغزالي، و أين معاوية من علي. انتهى. و يشير في آخر كلامه إلى ما نقلناه عن الغزالي و الرازي.

____________

(1) أي الإضافة بحسب قصود المعاصي المختلفة لا إضافة بعض المعاصي إلى بعضها في نفسها.

330

(1) -و كيف كان فما ذكره الغزالي و إن كان وجيها في الجملة لكنه لا يخلو عن خلل من جهات.

الأولى: أن ما ذكره من انقسام المعاصي إلى الصغائر و الكبائر بحسب تحابط الثواب و العقاب لا ينطبق دائما على ما ذكره من الانقسام بحسب نفس المعاصي و متون الذنوب في أول كلامه فإن غالب المعاصي الكبيرة المسلمة في نفسها يمكن أن يصادف في فاعله ثوابا كبيرا يغلب عليها و كذا يمكن أن تفرض معصية صغيرة تصادف من الثواب الباقي في النفس ما هو أصغر منها و أنقص، و بذلك يختلف الصغيرة و الكبيرة بحسب التقسيمين فمن المعاصي ما هي صغيرة على التقسيم الأول كبيرة بحسب التقسيم الثاني، و منها ما هي بالعكس فلا تطابق كليا بين التقسيمين.

و الثانية: أن التصادم بين آثار المعاصي و الطاعات و إن كان ثابتا في الجملة لكنه مما لم يثبت كليا من طريق الظواهر الدينية من الكتاب و السنة أبدا. و أي دليل من طريق الكتاب و السنة يدل على تحقق التزايل و التحابط بنحو الكلية بين عقاب المعاصي و ثواب الطاعات؟.

و الذي أجرى تفصيل البحث فيه من الحالات الشريفة النورية النفسانية و الحالات الأخرى الخسيسة الظلمانية كذلك أيضا، فإنها و إن كانت تتصادم بحسب الغالب و تتزايل و تتفانى لكن ذلك ليس على وجه كلي دائمي بل ربما يثبت كل من الفضيلة و الرذيلة في مقامها و تتصالح على البقاء، و تقتسم النفس كأن شيئا منها للفضيلة خاصة، و شيئا منها للرذيلة خاصة، فترى الرجل المسلم مثلا يأكل الربا و لا يلوي عن ابتلاع أموال الناس، و لا يصغي إلى استغاثة المطلوب المستأصل المظلوم، و يجتهد في الصلوات المفروضة، و يبالغ في خضوعه و خشوعه، أو أنه لا يبالي في إهراق الدماء و هتك الأعراض و الإفساد في الأرض و يخلص لله أي إخلاص في أمور من الطاعات و القربات، و هذا هو الذي يسميه علماء النفس اليوم بازدواج الشخصية بعد تعددها و تنازعها، و هو أن تتنازع الميول المختلفة النفسانية و تثور بعضها على بعض بالتزاحم و التعارض، و لا يزال الإنسان في تعب داخلي من ذلك حتى تستقر الملكتان فتزدوجان و تتصالحان و يغيب كل عند ظهور الأخرى و انتهاضها و إمساكها على فريستها كما عرفت من المثال المذكور آنفا. ـ

331

(1) -و الثالثة: أن لازم ما ذكره أن يلغو اعتبار الاجتناب في تكفير السيئات فإن من لا يأتي بالكبائر لا لأنه يكف نفسه عنها مع القدرة و التمايل النفساني عليها بل لعدم قدرته عليها و عدم استطاعته منها فإن سيئاته تنحبط بالطاعات لغلبة ثوابه على الفرض على ما له من العقاب و هو تكفير السيئات فلا يبقى لاعتبار اجتناب الكبائر وجه مرضي.

قال الغزالي في الإحياء: اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة و الإرادة كمن يتمكن من امرأة و من مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر أو لمس فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره، فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا و لكن امتنع لخوف أمر الآخرة فهذا لا يصلح للتكفير أصلا، و كل من لا يشتهي الخمر بطبعه و لو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي و الأوتار نعم من يشتهي الخمر و سماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر و يطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما يمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية، انتهى.

و قال أيضا في محل آخر: كل ظلمة ارتفعت إلى القلب لا يمحوها إلا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها، و المتضادات هي المتناسبات فلذلك ينبغي أن تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكي تضادها فإن البياض يزال بالسواد لا بالحرارة و البرودة و هذا التدريج و التحقيق من التلطف في طريقة المحو، فالرجاء فيه أصدق و الثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات و إن كان ذلك أيضا مؤثرا في المحو، انتهى كلامه.

و كلامه كما ترى يدل على أن المحبط للسيئات هو الاجتناب الذي هو الكف مع أنه غير لازم على هذا القول.

و الكلام الجامع الذي يمكن أن يقال في المقام مستظهرا بالآيات الكريمة هو أن الحسنات و السيئات متحابطة في الجملة غير أن تأثير كل سيئة في كل حسنة و بالعكس بنحو النقص منه أو إفنائه مما لا دليل عليه، و يدل عليه اعتبار حال الأخلاق و الحالات النفسانية التي هي نعم العون في فهم هذه الحقائق القرآنية في باب الثواب و العقاب.

و أما الكبائر و الصغائر من المعاصي فظاهر الآية كما عرفت هو أن المعاصي بقياس‏

332

(1) -بعضها إلى بعض كقتل النفس المحترمة ظلما بالقياس إلى النظر إلى الأجنبية و شرب الخمر بالاستحلال بالقياس إلى شربها بهوى النفس بعضها كبيرة و بعضها صغيرة من غير ظهور ارتباط ذلك بمسألة الإحباط و التكفير بالكلية.

ثم إن الآية ظاهرة في أن الله سبحانه يعد لمن اجتنب الكبائر أن يكفر عنه سيئاته جميعا ما تقدم منها و ما تأخر على ما هو ظاهر إطلاق الآية، و من المعلوم أن الظاهر من هذا الاجتناب أن يأتي كل مؤمن بما يمكنه من اجتناب الكبائر و ما يصدق في مورده الاجتناب من الكبائر لا أن يجتنب كل كبيرة بالكف عنها فإن الملتفت أدنى التفات إلى سلسلة الكبائر لا يرتاب في أنه لا يتحقق في الوجود من يميل إلى جميعها و يقدر عليها عامة أو يندر ندرة ملحقة بالعدم، و تنزيل الآية هذه المنزلة لا يرتضيها الطبع المستقيم.

فالمراد أن من اجتنب ما يقدر عليه من الكبائر و تتوق نفسه إليه منها و هي الكبائر التي يمكنه أن يجتنبها كفر الله سيئاته سواء جانسها أو لم يجانسها.

و أما إن هذا التكفير للاجتناب بأن يكون الاجتناب في نفسه طاعة مكفرة للسيئات كما أن التوبة كذلك أو أن الإنسان إذا لم يقترف الكبائر خلي ما بينه و بين الصغائر و الطاعات الحسنة فالحسنات يكفرن سيئاته، و قد قال الله تعالى: إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئََاتِ : «هود: 114» ، ظاهر الآية (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ الآية) أن للاجتناب دخلا في التكفير، و إلا كان الأنسب بيان أن الطاعات يكفرن السيئات كما في قوله: إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ الآية، أو إن الله سبحانه يغفر الصغائر مهما كانت من غير حاجة إلى سرد الكلام جملة شرطية.

و الدليل على كبر المعصية هو شدة النهي الوارد عنها أو الإيعاد عليها بالنار أو ما يقرب من ذلك سواء كان ذلك في كتاب أو سنة من غير دليل على الحصر.

بحث روائي‏

في الكافي، عن الصادق (ع) *: الكبائر، التي أوجب الله عليها النار.

و في الفقيه، و تفسير العياشي، عن الباقر (ع) *: في الكبائر قال: كل ما أوعد الله عليها النار.

333

(1) -

و في ثواب الأعمال، عن الصادق (ع) *: من اجتنب ما أوعد الله عليه النار-إذا كان مؤمنا كفر الله عنه سيئاته و يدخله مدخلا كريما، و الكبائر السبع الموجبات:

قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف.

أقول: و الروايات من طرق الشيعة و أهل السنة في عد الكبائر كثيرة سيمر بك بعضها و قد عد الشرك بالله فيما نذكر منها إحدى الكبائر السبع إلا في هذه الرواية و لعله (ع) أخرجه من بينها لكونه أكبر الكبائر و يشير إليه قوله: إذا كان مؤمنا.

و في المجمع، : روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه علي بن موسى الرضا عن موسى بن جعفر (ع) قال*: دخل عمرو بن عبيد البصري-على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) ، فلما سلم و جلس تلا هذه الآية:

اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ ثم أمسك، فقال أبو عبد الله: ما أسكتك؟قال:

أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله، قال: نعم يا عمرو أكبر الكبائر الشرك بالله- لقول الله عز و جل: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، و قال: مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللََّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَ مَأْوََاهُ اَلنََّارُ ، و بعده اليأس من روح الله لأن الله يقول: لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ ، ثم الأمن من مكر الله لأن الله يقول: فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ ، و منها عقوق الوالدين لأن الله تعالى‏ جعل العاق جبارا شقيا-في قوله:

وَ بَرًّا بِوََالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبََّاراً شَقِيًّا ، و منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق لأنه يقول:

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا الآية، و قذف المحصنات لأن الله يقول:

إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْغََافِلاََتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ-لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ ، و أكل مال اليتيم لقوله: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً الآية، و الفرار من الزحف لأن الله يقول: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ-فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ مَأْوََاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ ، و أكل الربا لأن الله يقول: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ-إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ ، و يقول: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ ، و السحر لأن الله يقول: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ ، و الزنا لأن الله يقول: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً ` يُضََاعَفْ لَهُ اَلْعَذََابُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ- وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهََاناً ، و اليمين الغموس لأن الله يقول: إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ أَيْمََانِهِمْ‏

334

(1) -ثَمَناً قَلِيلاً-أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ الآية، و الغلول قال الله: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ، و منع الزكاة المفروضة لأن الله يقول: يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ-فَتُكْوى‏ََ بِهََا جِبََاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ الآية، و شهادة الزور و كتمان الشهادة لأن الله يقول:

وَ مَنْ يَكْتُمْهََا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ، و شرب الخمر لأن الله عدل بها عبادة الأوثان، و ترك الصلاة متعمدا و شيئا مما فرض الله تعالى-لأن رسول الله‏ ص يقول: من ترك الصلاة متعمدا فقد برى‏ء من ذمة الله و ذمة رسوله، و نقض العهد و قطيعة الرحم لأن الله يقول: أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ .

قال: فخرج عمرو بن عبيد له صراخ من بكائه و هو يقول: هلك من قال برأيه، و نازعكم في الفضل و العلم.

أقول: و قد روي من طرق أهل السنة ما يقرب منه عن ابن عباس، و يتبين بالرواية أمران.

الأول: أن الكبيرة من المعاصي ما اشتد النهي عنها إما بالإصرار و البلوغ في النهي أو بالإيعاد بالنار، من الكتاب أو السنة كما يظهر من موارد استدلاله (ع) ، و منه يظهر معنى ما مر في (حديث الكافي، : أن الكبيرة ما أوجب الله عليها النار) ، و ما مر في (حديث الفقيه، و تفسير العياشي، : أن الكبيرة ما أوعد الله عليها النار) ، فالمراد بإيجابها و إيعادها أعم من التصريح و التلويح في كلام الله أو حديث النبي ص.

و أظن أن ما نقل في ذلك عن ابن عباس أيضا كذلك فمراده بالإيعاد بالنار أعم من التصريح و التلويح في قرآن أو حديث، و يشهد بذلك ما في (تفسير الطبري، عن ابن عباس قال*: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب) ، و يتبين بذلك أن ما نقل عنه أيضا في (تفسير الطبري، و غيره: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة) ليس خلافا في معنى الكبيرة و إنما هو تكبير للمعاصي جميعا بقياس حقارة الإنسان إلى عظمة ربه كما مر.

و الثاني: أن حصر المعاصي الكبيرة في بعض ما تقدم و ما يأتي من الروايات، أو في ثمانية، أو في تسع كما في بعض الروايات النبوية المروية من طرق السنة، أو في عشرين كما في هذه الرواية أو في سبعين كما في روايات أخرى كل ذلك باعتبار اختلاف‏

335

(1) -مراتب الكبر في المعصية كما يدل عليه ما في الرواية من قوله عند تعداد الكبائر:

و أكبر الكبائر الشرك بالله.

و في الدر المنثور، أخرج البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال*: قال رسول الله ص: اجتنبوا السبع الموبقات-قالوا: و ما هن يا رسول الله؟قال: الشرك بالله، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و السحر، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

و فيه، أخرج ابن حيان و ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال*: كتب رسول الله ص إلى أهل اليمن كتابا-فيه الفرائض و السنن و الديات، و بعث به مع عمرو بن حزم.

قال: و كان في الكتاب-أن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله-و قتل النفس المؤمنة بغير حق، و الفرار يوم الزحف، و عقوق الوالدين، و رمي المحصنة، و تعلم السحر، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم.

و فيه، أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أنس*: سمعت النبي ص يقول: ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ثم تلا هذه الآية: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ الآية.

ـ

336

(1) -

بيان‏

الآيات مرتبطة بما تقدم من أحكام المواريث و أحكام النكاح يؤكد بها أمر الأحكام السابقة، و يستنتج منها بعض الأحكام الكلية التي تصلح بعض الخلال العارضة في المعاشرة بين الرجال و النساء.

قوله تعالى: «وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ» التمني‏ قول الإنسان:

ليت كذا كان كذا، و الظاهر أن التسمية القول بذلك من باب توصيف اللفظ بصفة المعنى، و إنما التمني إنشاء نحو تعلق من النفس نظير تعلق الحب بما تراه متعذرا أو كالمتعذر سواء أظهر ذلك بلفظ أو لم يظهر.

و ظاهر الآية أنها مسوقة للنهي عن تمني فضل و زيادة موجودة ثابتة بين الناس، و أنه ناش عن تلبس بعض طائفتي الرجال‏ و النساء بهذا الفضل، و أنه ينبغي الإعراض عن التعلق بمن له الفضل، و التعلق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده تعالى، و بهذا يتعين أن المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله تعالى كلا من طائفتي الرجال و النساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلق بالطائفتين كلتيهما كمزية الرجال على النساء في عدد الزوجات، و زيادة السهم في الميراث، و مزية النساء على الرجال في وجوب جعل المهر لهن، و وجوب نفقتهن على الرجال.

فالنهي عن تمني هذه المزية التي اختص بها صاحبها إنما هو لقطع شجرة الشر و الفساد من أصلها فإن هذه المزايا مما تتعلق به النفس الإنسانية لما أودعه الله في النفوس‏

337

(1) -من حبها و السعي لها لعمارة هذه الدار، فيظهر الأمر أولا في صورة التمني فإذا تكرر تبدل حسدا مستبطنا فإذا أديم عليه فاستقر في القلب سرى إلى مقام العمل و الفعل الخارجي ثم إذا انضمت بعض هذه النفوس إلى بعض كان ذلك بلوى يفسد الأرض، و يهلك الحرث و النسل.

و من هنا يظهر أن النهي عن التمني نهي إرشادي يعود مصلحته إلى مصلحة حفظ الأحكام المشرعة المذكورة، و ليس بنهي مولوي.

و في نسبة الفضل إلى فعل الله سبحانه، و التعبير بقوله: بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ إيقاظ لصفة الخضوع لأمر الله بإيمانهم به، و غريزة الحب المثارة بالتنبه حتى يتنبه المفضل عليه أن المفضل بعض منه غير مبان.

قوله تعالى: «لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ» ذكر الراغب: أن‏ الاكتساب‏ إنما يستعمل فيما استفاده الإنسان لنفسه، و الكسب‏ أعم مما كان لنفسه أو لغيره، و البيان المتقدم ينتج أن يكون هذه الجملة مبينة للنهي السابق عن التمني و بمنزلة التعليل له أي لا تتمنوا ذلك فإن هذه المزية إنما وجدت عند من يختص بها لأنه اكتسبها بالنفسية التي له أو بعمل بدنه فإن الرجال إنما اختصوا بجواز اتخاذ أربع نسوة مثلا و حرم ذلك على النساء لأن موقعهم في المجتمع الإنساني موقع يستدعي ذلك دون موقع النساء، و خصوا في الميراث بمثل حظ الأنثيين لذلك أيضا، و كذلك النساء خصصن بنصف سهم الرجال و جعل نفقتهن على الرجال و خصصن بالمهر لاستدعاء موقعهن ذلك، و كذلك ما اكتسبته إحدى الطائفتين من المال بتجارة أو طريق آخر هو الموجب للاختصاص، و ما الله يريد ظلما للعباد.

و من هنا يظهر أن المراد بالاكتساب هو نوع من الحيازة و الاختصاص أعم من أن يكون بعمل اختياري كالاكتساب بصنعة أو حرفة أو لا يكون بذلك لكنه ينتهي إلى تلبس صاحب الفضل بصفة توجب له ذلك كتلبس الإنسان بذكورية أو أنوثية توجب له سهما و نصيبا كذا.

و أئمة اللغة و إن ذكروا في الكسب و الاكتساب أنهما يختصان بما يحوزه الإنسان‏

338

(1) -بعمل اختياري كالطلب و نحوه لكنهم ذكروا أن الأصل في معنى‏ الكسب‏ هو الجمع، و ربما جاز أن يقال: اكتسب فلان بجماله الشهرة و نحو ذلك، و فسر الاكتساب في الآية بذلك بعض المفسرين، و ليس من البعيد أن يكون الاكتساب في الآية مستعملا فيما ذكر من المعنى على سبيل التشبيه و الاستعارة.

و أما كون المراد من الاكتساب في الآية ما يتحراه الإنسان بعمله، و يكون المعنى: للرجال نصيب مما استفادوه لأنفسهم من المال بعملهم و كذا النساء و يكون النهي عن التمني نهيا عن تمني ما بيد الناس من المال الذي استفادوه بصنعة أو حرفة فهو و إن كان معنى صحيحا في نفسه لكنه يوجب تضييق دائرة معنى الآية، و انقطاع رابطتها مع ما تقدم من آيات الإرث و النكاح.

و كيف كان فمعنى الآية على ما تقدم من المعنى: و لا تتمنوا الفضل و المزية المالي و غير المالي الذي خص الله تعالى به أحد القبيلين من الرجال و النساء ففضل به بعضكم على بعض فإن ذلك الفضل أمر خص به من خص به لأنه أحرزه بنفسيته في المجتمع الإنساني أو بعمل يده بتجارة و نحوها، و له منه نصيب، و إنما ينال كل نصيبه مما اكتسبه.

قوله تعالى: «وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ» ، الإنعام على الغير بشي‏ء مما عند المنعم لما كان غالبا بما هو زائد لا حاجة للمنعم إليه سمي فضلا، و لما صرف الله تعالى وجوه الناس عن العناية بما أوتي أرباب الفضل من الفضل و الرغبة فيه، و كان حب المزايا الحيوية بل التفرد بها و التقدم فيها و الاستعلاء من فطريات الإنسان لا يسلب عنه حينا صرفهم تعالى إلى نفسه، و وجه وجوههم نحو فضله، و أمرهم أن يعرضوا عما في أيدي الناس، و يقبلوا إلى جنابه، و يسألوا من فضله فإن الفضل بيد الله، و هو الذي‏أعطى كل ذي فضل فضله فله أن يعطيكم ما تزيدون به و تفضلون بذلك على غيركم ممن ترغبون فيما عنده، و تتمنون ما أعطيه.

و قد أبهم هذا الفضل الذي يجب أن يسأل منه بدخول لفظة «مِنْ» عليه، و فيه من الفائدة أولا التعليم بأدب الدعاء و المسألة من جنابه تعالى فإن الأليق بالإنسان المبني على الجهل بما ينفعه و يضره بحسب الواقع إذا سأل ربه العالم بحقيقة ما ينفع خلقه و ما يضرهم، القادر على كل شي‏ء أن يسأله الخير فيما تتوق نفسه إليه، و لا يطنب في تشخيص ما يسأله منه و تعيين الطريق إلى وصوله، فكثيرا ما رأينا من كانت تتوق نفسه إلى حاجة من الحوائج الخاصة كمال أو ولد أو جاه و منزلة أو صحة و عافية و كان‏

339

(1) -يلح في الدعاء و المسألة لأجلها لا يريد سواها ثم لما استجيب دعاؤه، و أعطي مسألته كان في ذلك هلاكه و خيبة سعيه في الحياة.

و ثانيا: الإشارة إلى أن يكون المسئول ما لا يبطل به الحكمة الإلهية في هذا الفضل الذي قرره الله تعالى بتشريع أو تكوين، فمن الواجب أن يسألوا شيئا من فضل الله الذي اختص به غيرهم فلو سأل الرجال ما للنساء من الفضل أو بالعكس ثم أعطاهم الله ذلك بطلت الحكمة و فسدت الأحكام و القوانين المشرعة فافهم.

فينبغي للإنسان إذا دعا الله سبحانه عند ما ضاقت نفسه لحاجة أن لا يسأله ما في أيدي الناس مما يرفع حاجته بل يسأله مما عنده و إذا سأله مما عنده أن لا يعلم لربه الخبير بحاله طريق الوصول إلى حاجته بل يسأله أن يرفع حاجته بما يعلمه خيرا من عنده.

و أما قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً» فتعليل للنهي في صدر الآية أي لا تتمنوا ما أعطاه الله من فضله من أعطاه الله إن الله بكل شي‏ء عليم لا يجهل طريق المصلحة و لا يخطئ في حكمه.

كلام في حقيقة قرآنية

اختلاف القرائح و الاستعدادات في اقتناء مزايا الحياة في أفراد الإنسان مما ينتهي إلى أصول طبيعية تكوينية لا مناص عن تأثيرها في فعلية اختلاف درجات الحياة و على ذلك جرى الحال في المجتمعات الإنسانية من أقدم عهودها إلى يومنا هذا فيما نعلم.

فقد كانت الأفراد القوية من الإنسان يستعبدون الضعفاء و يستخدمونهم في سبيل مشتهياتهم و هوى نفوسهم من غير قيد أو شرط، و كان لا يسع لأولئك الضعفاء المساكين إلا الانقياد لأوامرهم، و لا يهتدون إلا إلى إجابتهم بما يشتهونه و يريدونه منهم لكن القلوب ممتلئة غيظا و حنقا و النفوس متربصة و لا يزال الناس على هذه السنة التي ابتدأت سنة شيوخية و انتهت إلى طريقة ملوكية و إمبراطورية.

حتى إذا وفق النوع الإنساني بالنهضة بعد النهضة على هدم هذه البنية المتغلبة و إلزام أولياء الحكومة و الملك على اتباع الدساتير و القوانين الموضوعة لصلاح المجتمع و سعادته فارتحلت بذلك حكومة الإرادات الجزافية، و سيطرة السنن الاستبدادية ظاهرا و ارتفع‏

340

(1) -اختلاف طبقات الناس و انقسامهم إلى مالك حاكم مطلق العنان و مملوك محكوم مأخوذ بزمامه غير أن شجرة الفساد أخذت في النمو في أرض غير الأرض، و منظر غير منظره السابق، و الثمرة هي الثمرة، و هو تمايز الصفات باختلاف الثروة بتراكم المال عند بعض، و صفارة الكف عند آخر، و بعد ما بين القبيلين بعدا لا يتمالك به المثري الواجد من نفسه إلا أن ينفذ بثروته في جميع شئون حياة المجتمع، و لا المسكين المعدم إلا أن ينهض للبراز و يقاوم الاضطهاد.

فاستتبع ذلك سنة الشيوعية القائلة بالاشتراك في مواد الحياة و إلغاء المالكية، و إبطال رءوس الأموال، و أن لكل فرد من المجتمع أن يتمتع بما عملته يداه و هيأه كماله النفساني الذي اكتسبه فانقطع بذلك أصل الاختلاف بالثروة و الجدة غير أنه أورث من وجود الفساد ما لا يكاد تصيبه رمية السنة السابقة و هو بطلان حرية إرادة الفرد، و انسلاب اختياره، و الطبيعة تدفع ذلك، و الخلقة لا توافقه، و هيهات أن يعيش ما يرغم الطبيعة و يضطهد الخلقة.

على أن أصل الفساد مع ذلك مستقر على قراره فإن الطبيعة الإنسانية لا تنشط إلا لعمل فيه إمكان التميز و السبق، و رجاء التقدم و الفخر و مع إلغاء التمايزات تبطل الأعمال، و فيه هلاك الإنسانية، و قد احتالوا لذلك بصرف هذه التميزات إلى الغايات و المقاصد الافتخارية التشريفية غير المادية، و عاد بذلك المحذور جذعا فإن الإنسان إن لم يذعن بحقيقتها لم يخضع لها، و إن أذعن بها كان حال التمايز بها حال التمايز المادي.

و قد احتالت الديمقراطية لدفع ما تسرب إليها من الفساد بإيضاح مفاسد هذه السنة بتوسعة التبليغ و بضرب الضرائب الثقيلة التي تذهب بجانب عظيم من أرباح المكاسب و المتاجر، و لما ينفعهم ذلك فظهور دبيب الفساد في سنة مخالفيهم لا يسد طريق هجوم الشر على سنتهم أنفسهم‏و لا ذهاب جل الربح إلى بيت المال يمنع المترفين عن إترافهم و مظالمهم، و هم يحيلون مساعيهم لمقاصدهم من تملك المال إلى التسلط و تداول المال في أيديهم فالمال يستفاد من التسلط و وضع اليد عليه و إدارته ما يستفاد من ملكه.

فلا هؤلاء عالجوا الداء و لا أولئك، و لا دواء بعد الكي، و ليس إلا لأن الذي جعله البشر غاية و بغية لمجتمعه، و هو التمتع بالحياة المادية بوصلة تهدي إلى قطب الفساد، و لن تنقلب عن شأنها أينما حولت، و مهما نصبت. ـ

341

(1) -و الذي يراه الإسلام لقطع منابت هذا الفساد أن حرر الناس في جميع ما يهديهم إليه الفطرة الإنسانية، ثم قرب ما بين الطبقتين برفع مستوى حياة الفقراء بما وضع من الضرائب المالية و نحوها، و خفض مستوى حياة الأغنياء بالمنع عن الإسراف و التبذير و التظاهر بما يبعدهم من حاق الوسط، و تعديل ذلك بالتوحيد و الأخلاق، و صرف الوجوه عن المزايا المادية إلى كرامة التقوى و ابتغاء ما عند الله من الفضل.

و هو الذي يشير إليه قوله تعالى: وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ الآية، و قوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ : «الحجرات: 13» ، و قوله: فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ : «الذاريات: 50» ، و قد بينا فيما تقدم أن صرف وجوه الناس إلى الله سبحانه يستتبع اعتناءهم بأمر الأسباب الحقيقية الواقعية في تحري مقاصدهم الحيوية من غير أن يستتبع البطالة في اكتساب معيشة أو الكسل في ابتغاء سعادة فليس قول القائل: إن الإسلام دين البطالة و الخمود عن ابتغاء المقاصد الحيوية الإنسانية إلا رمية من غير مرمى جهلا، هذا ملخص القول في هذا المقصد، و قد تكرر الكلام في أطرافه تفصيلا فيما تقدم من مختلف المباحث من هذا الكتاب.

بيان‏

قوله تعالى: «وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مَوََالِيَ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» الآية، الموالي‏ جمع مولى، و هو الولي و إن كثر استعماله في بعض المصاديق من الولاية كالمولى لسيد العبد لولايته عليه، و المولى للناصر لولايته على أمر المنصور، و المولى لابن العم لولايته على نكاح بنت عمه، و لا يبعد أن يكون في الأصل مصدرا ميميا أو اسم مكان أريد به الشخص المتلبس به بوجه كما نطلق اليوم الحكومة و المحكمة و نريد بهما الحاكم.

و العقد مقابل الحل، و اليمين مقابل اليسار، و اليمين اليد اليمنى، و اليمين الحلف و له غير ذلك من المعاني.

و وقوع الآية مع قوله قبل: وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ ، في سياق واحد، و اشتمالها على التوصية بإعطاء كل ذي نصيب نصيبه، و أن الله جعل لكل موالي مما ترك الوالدان و الأقربون يؤيد أن تكون الآية أعني قوله: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا إلخ بضميمة الآية السابقة تلخيصا للأحكام و الأوامر التي في آيات الإرث، و وصية إجمالية لما فيها من الشرائع التفصيلية كما كان قوله قبل آيات الإرث: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ الآية تشريعا إجماليا كضرب القاعدة في باب الإرث تعود إليه تفاصيل أحكام الإرث.

342

(1) -و لازم ذلك أن ينطبق من أجمل ذكره من الوراث و المورثين على من ذكر منهم تفصيلا في آيات الإرث، فالمراد بالموالي جميع من ذكر وارثا فيها من الأولاد و الأبوين و الإخوة و الأخوات و غيرهم.

و المراد بالأصناف الثلاث المذكورين في الآية بقوله: اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ الأصناف المذكورة في آيات الإرث، و هم ثلاثة: الوالدان و الأقربون و الزوجان فينطبق قوله: اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ على الزوج و الزوجة.

فقوله: «وَ لِكُلٍّ» أي و لكل واحد منكم ذكرا أو أنثى، جعلنا موالي أي أولياء في الوراثة يرثون ما تركتم من المال، و قوله مِمََّا تَرَكَ ، من فيه للابتداء متعلق بالموالي كأن الولاية نشأت من المال، أو متعلق بمحذوف أي يرثون أو يؤتون مما ترك، و ما ترك هو المال الذي تركه الميت المورث الذي هو الوالدان و الأقربون نسبا و الزوج و الزوجة.

و إطلاق «اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» على الزوج و الزوجة إطلاق كنائي فقد كان دأبهم في المعاقدات و المعاهدات أن يصافحوا فكأن أيمانهم التي يصافحون بها هي التي عقدت العقود، و أبرمت العهود فالمراد: الذين أوجدتم بالعقد سببية الازدواج بينكم و بينهم.

و قوله: «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» الضمير للموالي، و المراد بالنصيب ما بين في آيات الإرث، و الفاء للتفريع، و الجملة متفرعة على قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مَوََالِيَ ، ثم أكد حكمه بإيتاء نصيبهم بقوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً .

و هذا الذي ذكرناه من معنى الآية أقرب المعاني التي ذكروها في تفسيرها، و ربما ذكروا أن المراد بالموالي العصبة دون الورثة الذين هم أولى بالميراث، و لا دليل عليه من جهة اللفظ بخلاف الورثة.

و ربما قيل: إن «من» في قوله مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ ، بيانية و المراد بما الورثة الأولياء، و المعنى: و لكل منكم جعلنا أولياء، يرثونه و هم الذين تركهم و خلفهم الوالدان و الأقربون.

و ربما قيل: إن المراد بـ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ الحلفاء، فقد كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، و حربي حربك، و سلمي سلمك، و ترثني و أرثك، و تعقل عني و أعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف.

343

(1) -و على هذا فالجملة مقطوعة عما قبلها، و المعنى: و الحلفاء آتوهم سدسهم، ثم نسخ ذلك بقوله: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ . و قيل: إن المراد: آتوهم نصيبهم من النصر و العقل و الرفد، و لا ميراث، و على هذه فلا نسخ في الآية.

و ربما قيل: إن المراد بهم الذين آخى بينهم رسول الله ص في المدينة، و كانوا يتوارثون بذلك بينهم ثم نسخ ذلك بآية الميراث.

و ربما قيل: أريد بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية فأمروا في الإسلام أن يوصوا لهم بوصية، و ذلك قوله تعالى: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ .

و هذه معان لا يساعدها سياق الآية و لا لفظها على ما لا يخفى للباحث المتأمل، و لذلك أضربنا عن الإطناب في البحث عما يرد عليها.

قوله تعالى: «اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ وَ بِمََا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوََالِهِمْ» القيم‏ هو الذي يقوم بأمر غيره، و القوام و القيام مبالغة منه.

و المراد بما فضل الله بعضهم على بعض هو ما يفضل و يزيد فيه الرجال بحسب الطبع على النساء، و هو زيادة قوة التعقل فيهم، و ما يتفرع عليه من شدة البأس و القوة و الطاقة على الشدائد من الأعمال و نحوها فإن حياة النساء حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة و اللطافة، و المراد بما أنفقوا من أموالهم ما أنفقوه في مهورهن و نفقاتهن.

و عموم هذه العلة يعطي أن الحكم المبني عليها أعني قوله: «اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ» غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعا فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة و القضاء مثلا اللتين يتوقف عليهما حياة المجتمع، إنما يقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء، و كذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدة و قوة التعقل كل ذلك مما يقوم به الرجال على النساء.

و على هذا فقوله: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ ذو إطلاق تام، و أما قوله بعد:

فَالصََّالِحََاتُ قََانِتََاتٌ «إلخ» الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل و زوجته على ما سيأتي‏ فهو

344

(1) -فرع من فروع هذا الحكم المطلق و جزئي من جزئياته مستخرج منه من غير أن يتقيد به إطلاقه.

قوله تعالى: «فَالصََّالِحََاتُ قََانِتََاتٌ حََافِظََاتٌ لِلْغَيْبِ بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ» المراد بالصلاح معناه اللغوي، و هو ما يعبر عنه بلياقة النفس. و القنوت‏ هو دوام الطاعة و الخضوع.

و مقابلتها لقوله: وَ اَللاََّتِي تَخََافُونَ نُشُوزَهُنَّ إلخ، تفيد أن المراد بالصالحات الزوجات الصالحات، و أن هذا الحكم مضروب على النساء في حال الازدواج لا مطلقا، و أن قوله: قََانِتََاتٌ حََافِظََاتٌ -الذي هو إعطاء للأمر في صورة التوصيف أي ليقنتن و ليحفظن-حكم مربوط بشئون الزوجية و المعاشرة المنزلية، و هذا مع ذلك حكم يتبع في سعته و ضيقه علته أعني قيمومة الرجل على المرأة قيمومة زوجية فعليها أن تقنت له و تحفظه فيما يرجع إلى ما بينهما من شئون الزوجية.

و بعبارة أخرى كما أن قيمومة قبيل الرجال على قبيل النساء في المجتمع إنما تتعلق بالجهات العامة المشتركة بينهما المرتبطة بزيادة تعقل الرجل و شدته في البأس و هي جهات الحكومة و القضاء و الحرب من غير أن يبطل بذلك ما للمرأة من الاستقلال في الإرادة الفردية و عمل نفسها بأن تريد ما أحبت و تفعل ما شاءت من غير أن يحق للرجل أن يعارضها في شي‏ء من ذلك في غير المنكر فلا جناح عليهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف كذلك قيمومة الرجل لزوجته ليست بأن لا تنفذ للمرأة في ما تملكه إرادة و لا تصرف، و لا أن لا تستقل المرأة في حفظ حقوقها الفردية و الاجتماعية، و الدفاع عنها، و التوسل إليها بالمقدمات الموصلة إليها بل معناها أن الرجل إذ كان ينفق ما ينفق من ماله بإزاء الاستمتاع فعليها أن تطاوعه و تطيعه في كل ما يرتبط بالاستمتاع و المباشرة عند الحضور، و أن تحفظه في الغيب فلا تخونه عند غيبته بأن توطئ فراشه غيره، و أن تمتع لغيره من نفسها ما ليس لغير الزوج التمتع منها بذلك، و لا تخونه فيما وضعه تحت يدها من المال، و سلطها عليه في ظرف الازدواج و الاشتراك في الحياة المنزلية.

فقوله: فَالصََّالِحََاتُ قََانِتََاتٌ أي ينبغي أن يتخذن لأنفسهن وصف الصلاح، و إذا كن صالحات فهن لا محالة قانتات، أي يجب أن يقنتن و يطعن أزواجهن إطاعة دائمة فيما أرادوا منهن مما له مساس بالتمتع، و يجب عليهن أن يحفظن جانبهم في جميع ما لهم من الحقوق إذا غابوا.

345

(1) -و أما قوله: «بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ» فالظاهر أن ما مصدرية، و الباء للآلة و المعنى:

أنهن قانتات لأزواجهن حافظات للغيب بما حفظ الله لهم من الحقوق حيث شرع لهم القيمومة، و أوجب عليهن الإطاعة و حفظ الغيب لهم.

و يمكن أن يكون الباء للمقابلة، و المعنى حينئذ: أنه يجب عليهن القنوت و حفظ الغيب في مقابلة ما حفظ الله من حقوقهن حيث أحيا أمرهن في المجتمع البشري، و أوجب على الرجال لهن المهر و النفقة، و المعنى الأول أظهر.

و هناك معان ذكروها في تفسير الآية أضربنا عن ذكرها لكون السياق لا يساعد على شي‏ء منها.

قوله تعالى: «وَ اَللاََّتِي تَخََافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ» ، النشوز العصيان و الاستكبار عن الطاعة، و المراد بخوف النشوز ظهور آياته و علائمه، و لعل التفريع على خوف النشوز دون نفسه لمراعاة حال العظة من بين العلاجات الثلاث المذكورة فإن الوعظ كما أن له محلا مع تحقق العصيان كذلك له محل مع بدو آثار العصيان و علائمه.

و الأمور الثلاثة أعني ما يدل عليه قوله: «فَعِظُوهُنَّ وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ وَ اِضْرِبُوهُنَّ» و إن ذكرت معا و عطف بعضها على بعض بالواو فهي أمور مترتبة تدريجية: فالموعظة، فإن لم تنجح فالهجرة، فإن لم تنفع فالضرب، و يدل على كون المراد بها التدرج فيها أنها بحسب الطبع وسائل للزجر مختلفة آخذة من الضعف إلى الشدة بحسب الترتيب المأخوذ في الكلام، فالترتيب مفهوم من السياق دون الواو.

و ظاهر قوله: وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ أن تكون الهجرة مع حفظ المضاجعة كالاستدبار و ترك الملاعبة و نحوها، و إن أمكن أن يراد من مثل الكلام ترك المضاجعة لكنه بعيد، و ربما تأيد المعنى الأول بإتيان المضاجع بلفظ الجمع فإن المعنى الثاني لا حاجة فيه إلى إفادة كثرة المضجع ظاهرا.

قوله تعالى: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاََ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً» «إلخ» أي لا تتخذوا عليهن علة تعتلون بها في إيذائهن مع إطاعتهن لكم، ثم علل هذا النهي بقوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيًّا كَبِيراً ، و هو إيذان لهم أن مقام ربهم علي كبير فلا يغرنهم ما يجدونه من القوة و الشدة في أنفسهم فيظلموهن بالاستعلاء و الاستكبار عليهن.

346

(1) -}قوله تعالى: «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقََاقَ بَيْنِهِمََا فَابْعَثُوا» ، الشقاق‏ البينونة و العداوة، و قد قرر الله سبحانه‏ بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور و التحكم، و قوله: «إِنْ يُرِيدََا إِصْلاََحاً يُوَفِّقِ اَللََّهُ بَيْنَهُمََا» أي إن يرد الزوجان نوعا من الإصلاح من غير عناد و لجاج في الاختلاف، فإن سلب الاختيار من أنفسهما و إلقاء زمام الأمر إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين.

و أسند التوفيق إلى الله مع وجود السبب العادي الذي هو إرادتهما الإصلاح، و المطاوعة لما حكم به الحكمان لأنه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط الأسباب بالمسببات و هو المعطي لكل ذي حق حقه، ثم تمم الكلام بقوله: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً خَبِيراً ، و مناسبته ظاهرة.

كلام في معنى قيمومة الرجال على النساء

تقوية القرآن الكريم لجانب العقل الإنساني السليم، و ترجيحه إياه على الهوى و اتباع الشهوات، و الخضوع لحكم العواطف و الإحساسات الحادة و حضه و ترغيبه في اتباعه، و توصيته في حفظ هذه الوديعة الإلهية عن الضيعة مما لا ستر عليه، و لا حاجة إلى إيراد دليل كتابي يؤدي إليه فقد تضمن القرآن آيات كثيرة متكثرة في الدلالة على ذلك تصريحا و تلويحا و بكل لسان و بيان.

و لم يهمل القرآن مع ذلك أمر العواطف الحسنة الطاهرة، و مهام آثارها الجميلة التي يتربى بها الفرد، و يقوم بها صلب المجتمع كقوله: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ : -الفتح 29، و قوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً : -الروم 21، و قوله:

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ الأعراف 32، لكنه عدلها بالموافقة لحكم العقل فصار اتباع حكم هذه العواطف و الميول اتباعا لحكم العقل.

و قد مر في بعض المباحث السابقة أن من حفظ الإسلام لجانب العقل و بنائه أحكامه المشرعة على ذلك أن جميع الأعمال و الأحوال و الأخلاق التي تبطل استقامة العقل في حكمه و توجب خبطه في قضائه و تقويمه لشئون المجتمع كشرب الخمر و القمار و أقسام المعاملات الغررية و الكذب و البهتان و الافتراء و الغيبة كل ذلك محرمة في الدين. ـ

347

(1) -و الباحث المتأمل يحدس من هذا المقدار أن من الواجب أن يفوض زمام الأمور الكلية و الجهات العامة الاجتماعية-التي ينبغي أن تدبرها قوة التعقل و يجتنب فيها من حكومة العواطف و الميول النفسانية كجهات الحكومة و القضاء و الحرب-إلى من يمتاز بمزيد العقل و يضعف فيه حكم العواطف، و هو قبيل الرجال دون النساء.

و هو كذلك، قال الله تعالى: «اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ» و السنة النبوية التي هي ترجمان البيانات القرآنية بينت ذلك كذلك، و سيرته (ص) جرت على ذلك أيام حياته‏ فلم يول امرأة على قوم و لا أعطى امرأة منصب القضاء و لا دعاهن إلى غزاة بمعنى دعوتهن إلى أن يقاتلن.

و أما غيرها من الجهات كجهات التعليم و التعلم و المكاسب و التمريض و العلاج و غيرها مما لا ينافي نجاح العمل فيها مداخلة العواطف فلم تمنعهن السنة ذلك، و السيرة النبوية تمضي كثيرا منها، و الكتاب أيضا لا يخلو من دلالة على إجازة ذلك في حقهن فإن ذلك لازم ما أعطين من حرية الإرادة و العمل في كثير من شئون الحياة إذ لا معنى لإخراجهن من تحت ولاية الرجال، و جعل الملك لهن بحيالهن ثم النهي عن قيامهن بإصلاح ما ملكته أيديهن بأي نحو من الإصلاح، و كذا لا معنى لجعل حق الدعوى أو الشهادة لهن ثم المنع عن حضورهن عند الوالي أو القاضي و هكذا.

اللهم إلا فيما يزاحم حق الزوج فإن له عليها قيمومة الطاعة في الحضور، و الحفظ في الغيبة، و لا يمضي لها من شئونها الجائزة ما يزاحم ذلك.

بحث روائي‏

في المجمع، *في قوله تعالى: وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ الآية: أي لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من النعمة و المرأة الحسنى كان لي-فإن ذلك يكون حسدا، و لكن يجوز أن يقول: اللهم أعطني مثله، قال: و هو المروي عن أبي عبد الله (ع) .

أقول: و روى العياشي في تفسيره عن الصادق (ع) *مثله .

في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الباقر و الصادق (ع) *في قوله تعالى: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ ، و في قوله: وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ بِهِ‏

348

(1) -بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ -أنهما نزلتا في علي (ع) .

أقول: و الرواية من باب الجري و التطبيق.

و في الكافي، و تفسير القمي، عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي جعفر (ع) قال*: ليس من نفس إلا و قد فرض الله لها رزقها-حلالا يأتيها في عافية، و عرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئا من الحرام-قاصها به من الحلال الذي فرض لها-و عند الله سواهما فضل كثير، و هو قول الله عز و جل: وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ . :

أقول: و رواه العياشي عن إسماعيل بن كثير رفعه إلى النبي ص ، و روي هذا المعنى أيضا عن أبي الهذيل عن الصادق (ع) ، و روى قريبا منه أيضا القمي في تفسيره عن الحسين بن مسلم عن الباقر (ع) .

و قد تقدم كلام في حقيقة الرزق و فرضه و انقسامه إلى الرزق الحلال و الحرام في ذيل قوله: وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ : «البقرة: 212» ، في الجزء الثاني فراجعه.

و في صحيح الترمذي، عن ابن مسعود قال*: قال رسول الله ص: سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال*: قال رسول الله ص: سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، و إن من أفضل العبادة انتظار الفرج.

و في التهذيب، بإسناده عن زرارة قال*: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: «وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مَوََالِيَ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» ، قال: عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث، و لم يعن أولياء النعمة-فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره إليها.

و فيه، أيضا بإسناده عن إبراهيم بن محرز قال*: سأل أبا جعفر (ع) رجل و أنا عنده قال: فقال رجل لامرأته: أمرك بيدك، قال: أنى يكون هذا و الله يقول:

اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ ؟ليس هذا بشي‏ء.

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال*: جاءت امرأة إلى النبي ص تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ص:

349

(1) -القصاص، فأنزل الله: اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ الآية-فرجعت بغير قصاص:

أقول: و رواه بطرق أخرى عنه (ص)

،

و في بعضها: قال رسول الله ص: أردت أمرا و أراد الله غيره‏

، و لعل المورد كان من موارد النشوز، و إلا فذيل الآية:

«فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاََ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً» ينفي ذلك.

و في ظاهر الروايات إشكال آخر من حيث إن ظاهرها أن قوله (ص) : القصاص بيان للحكم عن استفتاء من السائل لا قضاء فيما لم يحضر طرفا الدعوى، و لازمه أن يكون نزول الآية تخطئة للنبي ص في حكمه و تشريعه و هو ينافي عصمته، و ليس بنسخ فإنه رفع حكم قبل العمل به، و الله سبحانه و إن تصرف في بعض أحكام النبي ص وضعا أو رفعا لكن ذلك إنما هو في حكمه و رأيه في موارد ولايته لا في حكمه فيما شرعه لأمته فإن ذلك تخطئة باطلة.

و في تفسير القمي، *: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) : في قوله: قََانِتََاتٌ يقول: مطيعات.

و في المجمع، *في قوله تعالى: فَعِظُوهُنَّ وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ وَ اِضْرِبُوهُنَّ الآية، :

عن أبي جعفر (ع) قال: يحول ظهره إليها

،

و في معنى الضرب عن أبي جعفر (ع) : أنه الضرب بالسواك.

و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) *في قوله: «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهََا» قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا، و إن شاءا جمعا فإن فرقا فجائز، و إن جمعا فجائز.

أقول: و روي هذا المعنى و ما يقرب منه بعدة طرق أخر فيه و في تفسير العياشي، .

و في تفسير العياشي، عن ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال*: قضى أمير المؤمنين (ع) في امرأة تزوجها رجل، و شرط عليها و على أهلها إن تزوج عليها امرأة-و هجرها أو أتى عليها سرية فإنها طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه، و إن شاء أمسك امرأته و نكح عليها-و تسرى عليها و هجرها إن أتت سبيل ذلك، قال الله في كتابه: «فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ» و قال: «أحل لكم مما ملكت أيمانكم» و قال: «وَ اَللاََّتِي تَخََافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ-وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ‏

350

(1) -وَ اِضْرِبُوهُنَّ-فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاََ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيًّا كَبِيراً» .

و في الدر المنثور، أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية *أنها أتت النبي ص و هو بين أصحابه-فقالت: بأبي أنت و أمي إني وافدة النساء إليك، و أعلم نفسي لك الفداء- أنه ما من امرأة كائنة في شرق و لا غرب-سمعت بمخرجي هذا إلا و هي‏ على مثل رأيي.

إن الله بعثك بالحق إلى الرجال و النساء-فآمنا بك و بإلهك الذي أرسلك، و إنا معشر النساء محصورات مقسورات، قواعد بيوتكم، و مقضي شهواتكم، و حاملات أولادكم، و إنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة و الجماعات، و عيادة المرضى، و شهود الجنائز، و الحج بعد الحج، و أفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، و إن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا-أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، و غزلنا لكم أثوابكم، و ربينا لكم أموالكم‏ (1) ، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟فالتفت النبي ص إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط-أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي ص إليها-ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة-و أعلمي من خلفك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، و طلبها مرضاته، و اتباعها موافقته يعدل ذلك كله، فأدبرت المرأة و هي تهلل و تكبر استبشارا.

أقول: و الروايات في هذا المعنى كثيرة مروية في جوامع الحديث من طرق الشيعة و أهل السنة،

و من أجمل ما روي فيه ما رواه في الكافي، عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (ع) : «جهاد المرأة حسن التبعل»

، و من أجمع الكلمات لهذا المعنى مع اشتماله على أس ما بني عليه التشريع ما في نهج البلاغة،

و رواه أيضا في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن كثير عن الصادق (ع) عن علي عليه أفضل السلام، و بإسناده أيضا عن الأصبغ بن نباتة عنه (ع) في رسالته إلى ابنه: إن المرأة ريحانة، و ليست بقهرمانة.

و ما روي في ذلك عن النبي ص*: «إنما المرأة لعبة من اتخذها فلا يضيعها» و قد كان يتعجب رسول الله ص: كيف تعانق المرأة بيد ضربت بها

،

ففي الكافي، أيضا بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله ص: «أ يضرب

____________

(1) أولادكم ظ.

351

(1) -أحدكم المرأة ثم يظل معانقها؟!»

و أمثال هذه البيانات كثيرة في الأحاديث، و من التأمل فيها يظهر رأي الإسلام فيها.

و لنرجع إلى ما كنا فيه من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية فنقول: يظهر من التأمل فيه و في نظائره الحاكية عن دخول النساء على النبي ص، و تكليمهن إياه فيما يرجع إلى شرائع الدين، و مختلف ما قرره الإسلام في حقهن أنهن على احتجابهن و اختصاصهن بالأمور المنزلية من شئون الحياة غالبا لم يكن ممنوعات من المراودة إلى ولي الأمر، و السعي في حل ما ربما كان يشكل عليهن، و هذه حرية الاعتقاد التي باحثنا فيها في ضمن الكلام في المرابطة الإسلامية في آخر سورة آل عمران.

و يستفاد منه و من نظائره أيضا أولا أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في الإسلام أن تشتغل بتدبير أمور المنزل الداخلية و تربية الأولاد، و هذه و إن كانت سنة مسنونة غير مفروضة لكن الترغيب و التحريض الندبي-و الظرف ظرف الدين، و الجو جو التقوى و ابتغاء مرضاة الله، و إيثار مثوبة الآخرة على عرض الدنيا و التربية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفة و الحياء و محبة الأولاد و التعلق بالحياة المنزلية-كانت تحفظ هذه السنة.

و كان الاشتغال بهذه الشئون و الاعتكاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة في وجودهن يشغلهن عن الورود في مجامع الرجال، و اختلاطهن بهم في حدود ما أباح الله لهن، و يشهد بذلك بقاء هذه السنة بين المسلمين على ساقها قرونا كثيرة بعد ذلك حتى نفذ فيهن الاسترسال الغربي المسمى بحرية النساء في المجتمع فجرت إليهن و إليهم هلاك الأخلاق، و فساد الحياة و هم لا يشعرون، و سوف يعلمون، و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء، و أكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم و لكن كذبوا فأخذوا.

و ثانيا: أن من السنة المفروضة في الإسلام منع النساء من القيام بأمر الجهاد كالقضاء و الولاية.

و ثالثا: أن الإسلام لم يهمل أمر هذه الحرمانات كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل الله دون أن تداركها، و جبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا و فضائل فيها مفاخر حقيقية كما أنه جعل حسن التبعل مثلا جهادا للمرأة، و هذه الصنائع و المكارم أوشك أن لا يكون لها عندنا-و ظرفنا هذا الظرف الحيوي الفاسد-قدر لكن الظرف

352

(1) -الإسلامي الذي يقوم الأمور بقيمها الحقيقية، و يتنافس فيه في الفضائل الإنسانية المرضية عند الله سبحانه، و هو يقدرها حق قدرها يقدر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي ندب إليه، و للزومه الطريق الذي خط له، من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانية و تتوازن أعمالها فلا فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال و السماحة بدماء المهج-على ما فيه من الفضل-على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية، و كذا لا فخار لوال يدير رحى المجتمع الحيوي‏، و لا لقاض يتكي على مسند القضاء، و هما منصبان ليس للمتقلد بهما في الدنيا لو عمل فيما عمل بالحق و جرى فيما جرى على الحق إلا تحمل أثقال الولاية و القضاء، و التعرض لمهالك و مخاطر تهددهما حينا بعد حين في حقوق من لا حامي له إلا رب العالمين و إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ -فأي فخر لهؤلاء على من منعه الدين الورود موردهما، و خط له خطا و أشار إليه بلزومه و سلوكه.

فهذه المفاخر إنما يحييها و يقيم صلبها بإيثار الناس لها نوع المجتمع الذي يربي أجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض، و اختلاف الشئون الاجتماعية و الأعمال الإنسانية بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها مما لا يسع أحدا إنكاره.

هو ذا الجندي الذي يلقي بنفسه في أخطر المهالك، و هو الموت في منفجر القنابل المبيدة ابتغاء ما يراه كرامة و مزيدا، و هو زعمه أن سيذكر اسمه في فهرس من فدى بنفسه وطنه و يفتخر بذلك على كل ذي فخر في عين ما يعتقد بأن الموت فوت و بطلان، و ليس إلا بغية وهمية، و كرامة خرافية، و كذلك ما تؤثره هذه الكواكب الظاهرة في سماء السينماءات و يعظم قدرهن بذلك الناس تعظيما لا يكاد يناله‏ رؤساء الحكومات السامية و قد كان ما يعتورنه من الشغل و ما يعطين من أنفسهن للملإ دهرا طويلا في المجتمعات الإنسانية أعظم ما يسقط به قدر النساء، و أشنع ما يعيرن به، فليس ذلك كله إلا أن الظرف من ظروف الحياة يعين ما يعينه على أن يقع من سواد الناس موقع القبول و يعظم الحقير، و يهون الخطير فليس من المستبعد أن يعظم الإسلام أمورا نستحقرها و نحن في هذه الظروف المضطربة، أو يحقر أمورا نستعظمها و نتنافس فيها فلم يكن الظرف في صدر الإسلام إلا ظرف التقوى و إيثار الآخرة على الأولى‏

353

(1) -

بيان‏

آيات سبع فيها حث على الإحسان و الإنفاق في سبيل الله و وعد جميل عليه، و ذم على تركه إما بالبخل أو بالإنفاق مراءاة للناس.

قوله تعالى: «وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» هذا هو التوحيد غير أن المراد به‏ التوحيد العملي‏ ، و هو إتيان الأعمال الحسنة-و منها الإحسان الذي هو مورد الكلام-طلبا لمرضاة الله و ابتغاء لثواب الآخرة دون اتباع الهوى و الشرك به.

و الدليل على ذلك أنه تعالى عقب هذا الكلام أعني قوله: وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا