الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
354

(1) -بِهِ شَيْئاً ، و علله بقوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ مَنْ كََانَ مُخْتََالاً فَخُوراً ، و ذكر أنه البخيل بماله و المنفق لرئاء الناس، فهم الذين يشركون بالله‏ و لا يعبدونه وحده، ثم قال: وَ مََا ذََا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ أَنْفَقُوا ، و ظهر بذلك أن شركهم عدم إيمانهم باليوم الآخر، و قال تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ بِمََا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسََابِ : «-ص: 26» فبين أن الضلال باتباع الهوى-و كل شرك ضلال-إنما هو بنسيان يوم الحساب، ثم قال: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ : «الجاثية: 23» فبين أن اتباع الهوى عبادة له و شرك به.

فتبين بذلك كله أن التوحيد العملي أن يعمل الإنسان ابتغاء مثوبة الله و هو على ذكر من يوم الحساب الذي فيه ظهور المثوبات و العقوبات، و أن الشرك في العمل أن ينسى اليوم الآخر-و لو آمن به لم ينسه-و أن يعمل عمله لا لطلب مثوبة بل لما يزينه له هواه من التعلق بالمال أو حمد الناس و نحو ذلك، فقد أشخص هذا الإنسان هواه تجاه ربه، و أشرك به.

فالمراد بعبادة الله و الإخلاص له فيها أن يكون طلبا لمرضاته، و ابتغاء لمثوبته لا لاتباع الهوى.

قوله تعالى: «وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً» إلى قوله: «أَيْمََانُكُمْ» الظاهر أن قوله:

إِحْسََاناً مفعول مطلق لفعل مقدر، تقديره: و أحسنوا بالوالدين إحسانا، و الإحسان يتعدى بالباء و إلى معا يقال: أحسنت به و أحسنت إليه، و قوله: وَ بِذِي اَلْقُرْبى‏ََ ، هو و ما بعده معطوف على الوالدين، و ذو القربى‏ القرابة، و قوله: وَ اَلْجََارِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْجََارِ اَلْجُنُبِ قرينة المقابلة في الوصف تعطي أن يكون المراد بالجار ذي القربى الجار القريب دارا، و بالجار الجنب-و هو الأجنبي-الجار البعيد دارا،

و قد روي عن النبي ص: تحديد الجوار بأربعين ذراعا، : و في رواية: أربعون دارا

، و لعل الروايتين ناظرتان إلى الجار ذي القربى و الجار الجنب.

و قوله: و الصاحب بالجنب هو الذي يصاحبك ملازما لجنبك، و هو بمفهومه يعم مصاحب السفر من رفقة الطريق و مصاحب الحضر و المنزل و غيرهم، و قوله: و ابن السبيل هو الذي لا يعرف من حاله إلا أنه سألك سبيل كأنه ليس له من ينتسب إليه إلا السبيل فهو ابنه، و أما كونه فقيرا ذا مسكنة عادما لزاد أو راحلة فكأنه خارج‏

355

(1) -من مفهوم اللفظ، و قوله: و ما ملكت أيمانكم المراد به العبيد و الإماء بقرينة عده في عداد من يحسن إليهم، و قد كثر التعبير عنهم بما ملكته الأيمان دون من ملكته.

قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ مَنْ كََانَ مُخْتََالاً فَخُوراً» المختال‏ التائه المتبختر المسخر لخياله، و منه الخيل للفرس لأنه يتبختر في مشيته، و الفخور كثير الفخر، و الوصفان أعني الاختيال و كثرة الفخر من لوازم التعلق بالمال و الجاه، و الإفراط في حبهما، و لذلك لم يكن الله ليحب المختال الفخور لتعلق قلبه بغيره تعالى، و ما ذكره تعالى في تفسيره بقوله: اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ إلخ و قوله: وَ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ رِئََاءَ اَلنََّاسِ إلخ يبين كون الطائفتين معروضتين للخيلاء و الفخر: فالطائفة الأولى متعلقة القلب بالمال، و الثانية بالجاه و إن كان بين الجاه و المال تلازم في الجملة.

و كان من طبع الكلام أن يشتغل بذكر أعمالهما من البخل و الكتمان و غيرهما لكن بدأ بالوصفين ليدل على السبب في عدم الحب كما لا يخفى.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ» الآية أمرهم الناس بالبخل إنما هو بسيرتهم الفاسدة و عملهم به سواء أمروا به لفظا أو سكتوا فإن هذه الطائفة لكونهم أولي ثروة و مال يتقرب إليهم الناس و يخضعون لهم لما في طباع الناس من الطمع ففعلهم آمر و زاجر كقولهم، و أما كتمانهم ما آتاهم الله من فضله فهو تظاهرهم بظاهر الفاقد المعدم للمال لتأذيهم من سؤال الناس ما في أيديهم، و خوفهم على أنفسهم لو منعوا و خشيتهم من توجه النفوس إلى أموالهم‏، و المراد بالكافرين الساترون لنعمة الله التي أنعم بها، و منه الكافر المعروف لستره على الحق بإنكاره.

قوله تعالى: «وَ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ رِئََاءَ اَلنََّاسِ» ، إلخ أي لمراءاتهم، و في الآية دلالة على أن الرئاء في الإنفاق-أو هو مطلقا-شرك بالله كاشف عن عدم الإيمان به لاعتماد المرائي على نفوس الناس و استحسانهم فعله، و شرك من جهة العمل لأن المرائي لا يريد بعمله ثواب الآخرة، و إنما يريد ما يرجوه من نتائج إنفاقه في الدنيا، و على أن المرائي قرين الشيطان و ساء قرينا.

قوله تعالى: «وَ مََا ذََا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا» الآية، استفهام للتأسف أو التعجب، و في الآية دلالة على أن الاستنكاف عن الإنفاق في سبيل الله ناش من فقدان التلبس بالإيمان بالله و باليوم الآخر حقيقة و إن تلبس به ظاهرا. ـ

356

(1) -و قوله: «وَ كََانَ اَللََّهُ بِهِمْ عَلِيماً» تمهيد لما في الآية التالية من البيان، و الأمس لهذه الجملة بحسب المعنى أن تكون حالا.

قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ» الآية. المثقال‏ هو الزنة، و الذرة هو الصغير من النمل الأحمر، أو هو الواحد من الهباء المبثوث في الهواء الذي لا يكاد يرى صغرا. و قوله: مِثْقََالَ ذَرَّةٍ نائب مناب المفعول المطلق أي لا يظلم ظلما يعدل مثقال ذرة وزنا.

و قوله: وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً ، قرئ برفع حسنة و بنصبها فعلى تقدير الرفع كان تامة، و على تقدير النصب تقديره: و إن تكن المثقال المذكور حسنة يضاعفها، و تأنيث الضمير في قوله: إِنْ تَكُ إما من جهة تأنيث الخبر أو لكسب المثقال التأنيث بالإضافة إلى ذرة.

و السياق يفيد أن تكون الآية بمنزلة التعليل للاستفهام السابق، و التقدير: و من الأسف عليهم أن لم يؤمنوا و لم ينفقوا فإنهم لو آمنوا و أنفقوا و الله عليم بهم لم يكن الله ليظلمهم في مثقال ذرة أنفقوها بالإهمال و ترك الجزاء، و إن تك حسنة يضاعفها. و الله أعلم.

قوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ» الآية. قد تقدم بعض الكلام في معنى الشهادة على الأعمال في تفسير قوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ : «البقرة: 143» من الجزء الأول من هذا الكتاب، و سيجي‏ء بعض آخر في محله المناسب له.

قوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا اَلرَّسُولَ» الآية. نسبة المعصية إلى الرسول يشهد أن المراد بها معصية أوامره (ص) الصادرة عن مقام ولايته لا معصية الله تعالى في أحكام الشريعة، و قوله: لَوْ تُسَوََّى بِهِمُ اَلْأَرْضُ كناية عن الموت بمعنى بطلان الوجود نظير قوله تعالى: وَ يَقُولُ اَلْكََافِرُ يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً : «النبأ: 40» .

و قوله: «وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً» ظاهر السياق أنه معطوف على موضع قوله: يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و فائدته الدلالة بوجه على ما يعلل به تمنيهم الموت‏، و هو أنهم بارزون يومئذ لله لا يخفى عليه منهم شي‏ء لظهور حالهم عليه تعالى بحضور أعمالهم، و شهادة أعضائهم و شهادة الأنبياء و الملائكة و غيرهم عليهم، و الله من ورائهم محيط

357

(1) -فيودون عند ذلك أن لو لم يكونوا و ليس لهم أن يكتموه تعالى حديثا مع ما يشاهدون من ظهور مساوي أعمالهم و قبائح أفعالهم.

و أما قوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ : «المجادلة: 18» فسيجي‏ء إن شاء الله تعالى أن ذلك إنما هو لإيجاب ملكة الكذب التي حصلوها في الدنيا لا للإخفاء و كتمان الحديث يوم لا يخفى على الله منهم شي‏ء.

بحث روائي‏

في تفسير العياشي، *في قوله تعالى: وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً الآية: عن سلام الجعفي عن أبي جعفر (ع) و أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) *: نزلت في رسول الله ص و في علي (ع) .

ثم قال:

و روي مثل ذلك في حديث ابن جبلة. قال*: قال: و روي عن النبي ص: أنا و علي أبوا هذه الأمة.

أقول: و قال البحراني في تفسير البرهان، بعد نقل الحديث: قلت: و روى ذلك صاحب الفائق.

و روى العياشي هذا المعنى عن أبي بصير عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) ، و رواه ابن شهرآشوب عن أبان عن أبي جعفر (ع) . و الذي تعرض له الخبر هو من بطن القرآن بالمعنى الذي بحثنا عنه في مبحث المحكم و المتشابه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، إذ الأب أو الوالد هو المبدأ الإنساني لوجود الإنسان و المربي له، فمعلم الإنسان و مربيه للكمال أبوه فمثل النبي و الولي عليهما أفضل الصلاة أحق أن يكون أبا للمؤمن المهتدي به، المقتبس من أنوار علومه و معارفه من الأب الجسماني الذي لا شأن له إلا المبدئية و التربية في الجسم فالنبي و الولي أبوان، و الآيات القرآنية التي توصي الولد بوالديه تشملهما بحسب الباطن و إن كانت بحسب ظاهرها لا تعدو الأبوين الجسمانيين.

و في تفسير العياشي، أيضا عن أبي صالح عن أبي العباس *في قول الله: وَ اَلْجََارِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْجََارِ اَلْجُنُبِ قال: الذي ليس بينك و بينه قرابة، و الصاحب بالجنب قال:

الصاحب في السفر.

358

(1) -أقول: قوله: الذي ليس بينك، تفسير الجار ذي القربى و الجنب معا و إن أمكن رجوعه إلى الجار الجنب فقط، و قوله: الصاحب في السفر لعله من قبيل ذكر بعض المصاديق.

و فيه، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال*: قال أمير المؤمنين (ع) : في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم على الأفواه فلا تكلم، و تكلمت الأيدي، و شهدت الأرجل، و أنطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا.

و اعلم، أن الأخبار كثيرة من طرق أهل السنة في أن الآيات نازلة في حق اليهود، و هي و إن كان يؤيدها ما ينتهي إليه ذيل الآيات من التعرض لحال أهل الكتاب من اليهود في بخلهم و ولعهم بجمع المال و ادخاره و كذا وسوستهم للمؤمنين و ترغيبهم على الكف عن الإنفاق في سبيل الله و تفتينهم إياهم و إخزائهم لهم، و إفساد الأمر على رسول الله ص لكن الأخبار المذكورة مع ذلك أشبه بالتطبيق النظري منها بنقل السبب في النزول كما هو الغالب في الأخبار الناقلة لأسباب النزول، و لذلك تركنا نقلها على كثرتها.

و اعلم أيضا أن الأخبار الواردة عن النبي و آله (ص) في إحسان الوالدين و ذي القربى و اليتامى و غيرهم من الطوائف المذكورة في الآية فوق حد الإحصاء على معروفيتها و شهرتها، و هو الموجب للإغماض عن إيرادها هاهنا على أن لكل منها وحده مواقع خاصة في القرآن، ذكر ما يخصها من الأخبار هناك أنسب.

359

(1) -}

بيان‏

قد تقدم في الكلام على قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ : «البقرة: 219» ، أن الآيات المتعرضة لأمر الخمر خمس طوائف، و إن ضم هذه الآيات بعضها إلى بعض يفيد أن هذه الآية: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقْرَبُوا» الآية نزلت بعد قوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً : «النحل: 67» ، و قوله: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ : «الأعراف: 33» ، و قبل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ وَ إِثْمُهُمََا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمََا : «البقرة: 219» ، و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصََابُ وَ اَلْأَزْلاََمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ فَاجْتَنِبُوهُ : «المائدة: 90» ، و هذه آخر الآيات نزولا.

و يمكن بوجه أن يتصور الترتيب على خلاف هذا الذي ذكرناه فتكون النازلة أولا آية النحل ثم الأعراف ثم البقرة ثم النساء ثم المائدة فيكون ما يفيده هذا الترتيب من قصة النهي القطعي عن شرب الخمر على خلاف ما يفيده الترتيب السابق فيكون ما في سورة الأعراف نهيا من غير تفسير ثم الذي في سورة البقرة نهيا باتا لكن المسلمين كانوا يتعللون في الاجتناب حتى نهوا عنها نهيا جازما في حال الصلاة في سورة النساء، ثم نهيا مطلقا في جميع الحالات في سورة المائدة و لعلك إن تدبرت في مضامين الآيات رجحت الترتيب السابق على هذا الترتيب، و لم تجوز بعد النهي الصريح الذي في آية البقرة النهي‏ الذي في آية النساء المختص بحال الصلاة فهذه الآية قبل آية البقرة، إلا أن نقول إن النهي عن الصلاة في حال السكر كناية عن الصلاة كسلان كما ورد في بعض الروايات الآتية.

و أما وقوع الآية بين ما تقدمها و ما تأخر عنها من الآيات فهي كالمتخللة المعترضة إلا أن هاهنا احتمالا ربما صحح هذا النحو من التخلل و الاعتراض-و هو غير عزيز في القرآن-و هو جواز أن تتنزل عدة من الآيات ذات سياق واحد متصل منسجم تدريجا في خلال أيام ثم تمس الحاجة إلى نزول آية أو آيات و لما تمت الآيات النازلة على سياق واحد فتقع الآية بين الآيات كالمعترضة المتخللة و ليست بأجنبية بحسب الحقيقة و إنما هي كالكلام بين الكلام لرفع توهم لازم الدفع، أو مس حاجة إلى إيراده نظير قوله تعالى:

360

(1) - بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ` وَ لَوْ أَلْقى‏ََ مَعََاذِيرَهُ ` لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ` إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ` فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ` ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ ` كَلاََّ بَلْ تُحِبُّونَ اَلْعََاجِلَةَ: Xالآيات‏X «القيامة: 20» ، انظر إلى موضع قوله: لاََ تُحَرِّكْ إلى قوله: «بَيََانَهُ» .

و على هذا فلا حاجة إلى التكلف في بيان وجه ارتباط الآية بما قبلها، و ارتباط ما بعدها بها، على أن القرآن إنما نزل نجوما، و لا موجب لهذا الارتباط إلا في السور النازلة دفعة أو الآيات الواضحة الاتصال الكاشف ذلك عن الارتباط بينها.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» إلى قوله: «مََا تَقُولُونَ» المراد بالصلاة المسجد، و الدليل عليه قوله: وَ لاََ جُنُباً إِلاََّ عََابِرِي سَبِيلٍ ، و المقتضي لهذا التجوز قوله حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ إذ لو قيل: لا تقربوا المسجد و أنتم سكارى لم يستقم تعليله بقوله:

«حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ» أو أفاد التعليل معنى آخر غير مقصود مع أن المقصود إفادة أنكم في حال الصلاة تواجهون مقام العظمة و الكبرياء و تخاطبون رب العالمين فلا يصلح لكم أن تسكروا و تبطلوا عقولكم برجس الخمر فلا تعلموا ما تقولون، و هذا المعنى كما ترى-يناسب النهي عن اقتراب الصلاة لكن الصلاة لما كانت أكثر ما تقع تقع في المسجد جماعة-على السنة-و كان من القصد أن تذكر أحكام الجنب في دخوله المسجد أوجز في المقال و سبك الكلام على ما ترى.

و على هذا فقوله: حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ في مقام التعليل للنهي عن شرب الخمر بحيث يبقى سكرها إلى حال دخول الصلاة أي نهيناكم عنه لغاية أن تعلموا ما تقولون و ليس غاية للحكم بمعنى أن لا تقربوا إلى أن تعلموا ما تقولون فإذا علمتم ما تقولون فلا بأس.

قوله تعالى: «وَ لاََ جُنُباً إِلاََّ عََابِرِي سَبِيلٍ» إلى آخر الآية سيأتي الكلام في الآية في تفسير قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ : «المائدة: 6» .

بحث روائي‏

في تفسير العياشي، عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن (ع) *في قول الله: «لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ-وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ» قال: هذا قبل أن تحرم الخمر.

أقول: ينبغي أن تحمل الرواية على أن المراد بتحريم الخمر توضيح تحريمها، و إلا

361

(1) -فهي مخالفة للكتاب فإن آية الأعراف تحرم الخمر بعنوان أنه إثم صريحا، و آية البقرة تصرح بأن في الخمر إثما كبيرا فقد حرمت الخمر في مكة قبل الهجرة لكون سورة الأعراف مكية و لم يختلف أحد في أن هذه الآية (آية النساء) مدنية، و مثل هذه الرواية عدة روايات من طرق أهل السنة تصرح بكون الآية نازلة قبل تحريم الخمر، و يمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى كون المراد بالآية عن الصلاة كسلان.

و فيه، عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال*: لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا-و لا متثاقلا فإنها من خلل النفاق-فإن الله نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة- و هم سكارى يعني من النوم.

أقول: قوله: فإنها من خلل النفاق استفاد (ع) ذلك من قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا ، فالمتمرد عن هذا الخطاب منافق غير مؤمن، و قوله: يعني من النوم يحتمل أن يكون من كلام الراوي و يحتمل أن يكون من كلامه (ع) و يكون تفسيرا للآية من قبيل بطن القرآن، و يمكن أن يكون من الظهر.

و قد وردت روايات أخر في تفسيره بالنوم رواها العياشي في تفسيره عن الحلبي في روايتين، و الكليني في الكافي بإسناده عن زيد الشحام عن الصادق (ع) ، و بإسناده عن زرارة عن الباقر (ع) ، و روى هذا المعنى أيضا البخاري في صحيحة عن أنس عن رسول الله ص.

ـ

362

(1) -

363

(1) -

بيان‏

آيات متعرضة لحال أهل الكتاب، و تفصيل لمظالمهم و خياناتهم في دين‏الله، و أوضح ما تنطبق على اليهود، و هي ذات سياق واحد متصل، و الآية الأخيرة: «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا» الآية، و إن ذكر بعضهم أنها مكية، و استثناها في آيتين من سورة النساء المدنية، و هي هذه الآية، و قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ XالآيةX: «النساء: 176» على ما في المجمع لكن الآية ظاهرة الارتباط بما قبلها من الآيات، و كذا آية الاستفتاء فإنها في الإرث، و قد شرع في المدينة.

قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ» الآية، قد تقدم في الكلام على الآيات (36 42) أنها مرتبطة بعض الارتباط بهذه الآيات، و قد سمعت القول في نزول تلك الآيات في حق اليهود.

و بالجملة يلوح من هذه الآيات أن اليهود كانوا يلقون إلى المؤمنين المودة و يظهرون لهم النصح فيفتنونهم بذلك، و يأمرونهم بالبخل و الإمساك عن الإنفاق ليمنعوا بذلك سعيهم عن النجاح، و جدهم في التقدم و التعالي، و هذا لازم كون تلك الآيات نازلة في حق اليهود أو في حق من كان يسار اليهود و يصادقهم ثم تنحرف عن الحق بتحريفهم، و يميل إلى حيث يميلونه فيبخل ثم يأمر بالبخل.

و هذا هو الذي يستفاد من قوله: وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا اَلسَّبِيلَ ` وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدََائِكُمْ إلى آخر الآية.

فمعنى الآيتين-و الله أعلم-أن ما نبينه لكم تصديق ما بيناه لكم من حال الممسك عن الإنفاق في سبيل الله بالاختيال و الفخر و البخل و الرئاء إنك ترى اليهود الذين‏

364

(1) -أوتوا نصيبا من الكتاب أي حظا منه لا جميعه كما يدعون لأنفسهم يشترون الضلالة و يختارونها على الهدى، و يريدون أن تضلوا السبيل فإنهم و إن لقوكم ببشر الوجه، و ظهروا لكم في زي الصلاح، و اتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم، و استصوبته قلوبكم‏ لكنهم ما يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة، و الله أعلم منكم بأعدائكم، و هم أعداؤكم فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة و إلقاءاتهم المزخرفة و أنتم تقدرون أنهم أولياؤكم و أنصاركم، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة، و نصرتهم المرجوة و كفى بالله وليا، و كفى بالله نصيرا، فأي حاجة مع ولايته و نصرته إلى ولايتهم و نصرتهم.

قوله تعالى: «مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ» إلى قوله: «فِي اَلدِّينِ» «من» في قوله: مِنَ اَلَّذِينَ ، بيانيه، و هو بيان لقوله في الآية السابقة: اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ ، أو لقوله: بِأَعْدََائِكُمْ ، و ربما قيل: إن قوله: مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا خبر لمبتدإ محذوف و هو الموصوف المحذوف لقوله يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ ، و التقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون، أو من الذين هادوا من يحرفون، قالوا: و حذف الموصوف شائع كقول ذي الرمة:

فظلوا و منهم دمعه سابق له # و آخر يشني دمعة العين بالمهل‏

يريد: و منهم قوم دمعه أو و منهم من دمعه و قد وصف الله تعالى هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه، و ذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم و التأخير و الإسقاط و الزيادة كما ينسب إلى التوراة الموجودة، و إما بتفسير ما ورد عن موسى (ع) في التوراة و عن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق كما أولوا ما ورد في رسول الله ص من بشارات التوراة، و من قبل أولوا ما ورد في المسيح (ع) من البشارة، و قالوا: إن الموعود لم يجي‏ء بعد، و هم ينتظرون قدومه إلى اليوم.

و من الممكن أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى بقوله:

وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا ، فتكون هذه الجمل معطوفة على قوله: يُحَرِّفُونَ ، و يكون المراد حينئذ من تحريف الكلم عن مواضعه استعمال القول بوضعه في غير المحل الذي ينبغي أن‏

365

(1) -يوضع فيه، فقول القائل: سمعنا من حقه أن يوضع في موضع الطاعة فيقال: سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا لا أن يقال: سمعنا و عصينا، أو يوضع: سمعنا موضع التهكم و الاستهزاء، و كذا قول القائل: اسمع ينبغي أن يقال فيه: اسمع أسمعك الله لا أن يقال: اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي لا أسمعك الله و راعنا، و هو يفيد في لغة اليهود معنى اسمع غير مسمع.

و قوله: «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ» أصل اللي الفتل أي يميلون بألسنتهم فيظهرون الباطل من كلامهم في صورة الحق، و الإزراء و الإهانة في صور التأدب و الاحترام فإن المؤمنين كانوا يخاطبون رسول الله ص حين ما كانوا يكلمونه بقولهم:

راعنا يا رسول الله، و معناه: أنظرنا و اسمع منا حتى نوفي غرضنا من كلامنا، فاغتنمت اليهود ذلك فكانوا يخاطبون رسول الله ص بقولهم: راعنا و هم يريدون به ما عندهم من المعنى المستهجن غير الحري بمقامه (ص) فذموا به في هذه الآية، و هو قوله تعالى:

«يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ» ثم فسره بقوله: «وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ» ثم عطف عليه كعطف التفسير قوله: «وَ رََاعِنََا» ثم ذكر أن هذا الفعال المذموم منهم لي بالألسن، و طعن في الدين فقال: «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ» و المصدران في موضع الحال و التقدير: لاوين بألسنتهم، و طاعنين في الدين.

قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ» كون هذا القول منهم و هو مشتمل على أدب الدين، و الخضوع للحق خيرا و أقوم مما قالوه (مع اشتماله على اللي و الطعن المذمومين و لا خير فيه و لا قوام) مبني على مقايسة الأثر الحق الذي في هذا الكلام الحق على ما يظنونه من الأثر في كلامهم و إن لم يكن له ذلك بحسب الحقيقة، فالمقايسة بين الأثر الحق و بين الأثر المظنون حقا، و المعنى: أنهم لو قالوا: سمعنا و أطعنا، لكان فيه من الخير و القوام أكثر مما يقدرون في أنفسهم لهذا اللي و الطعن فالكلام يجري مجرى قوله تعالى: وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا وَ تَرَكُوكَ قََائِماً قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ الجمعة: 11.

قوله تعالى: «وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً» تأييس للسامعين من أن تقول اليهود سمعنا و أطعنا فإنه كلمة إيمان و هؤلاء ملعونون لا يوفقون للإيمان، و لذلك قيل: لو أنهم قالوا، الدال على التمني المشعر بالاستحالة.

و الظاهر أن الباء في قوله: «بِكُفْرِهِمْ» للسببية دون الآية، فإن الكفر يمكن‏

366

(1) -أن يزاح بالإيمان فهو لا يوجب بما هو كفر لعنة تمنع عن الإيمان منعا قاطعا لكنهم لما كفروا (و سيشرح الله تعالى في آخر السورة حال كفرهم) لعنهم الله بسبب ذلك لعنا ألزم الكفر عليهم إلزاما لا يؤمنون بذلك إلا قليلا فافهم ذلك.

و أما قوله: فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً فقد قيل: إن «قَلِيلاً» حال، و التقدير: إلا و هم قليل أي لا يؤمنون إلا في حال هم قليل، و ربما قيل: إن «قَلِيلاً» صفة لموصوف محذوف، و التقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، و هذا الوجه كسابقه لا بأس به لكن يجب أن يزاد فيه أن اتصاف الإيمان بالقلة إنما هو من قبيل الوصف بحال المتعلق أي إيمانا المؤمن به قليل.

و أما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد به قليل الإيمان في مقابل كاملة، و ذكر أن المعنى: فلا يؤمنون إلا قليلا من الإيمان لا يعتد به إذ لا يصلح عمل صاحبه، و لا يزكي نفسه، و لا يرقي عقله فقد أخطأ، فإن الإيمان إنما يتصف بالمستقر و المستودع، و الكامل و الناقص في درجات و مراتب مختلفة، و أما القلة و تقابلها الكثرة فلا يتصف بهما، و خاصة في مثل القرآن الذي هو أبلغ الكلام.

على أن المراد بالإيمان المذكور في الآية إما حقيقة الإيمان القلبي في مقابل النفاق أو صورة الإيمان التي ربما يطلق عليها الإسلام، و اعتباره على أي معنى من معانيه، و الاعتناء به في الإسلام مما لا ريب فيه، و الآيات القرآنية ناصة فيه، قال تعالى:

وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ََ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاََمَ لَسْتَ مُؤْمِناً : «النساء: 94» ، مع أن الذي يستثني الله تعالى منه قوله: وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ ، كان يكفي فيه أقل درجات الإيمان أو الإسلام الظاهري بحفظهم الظاهر بقولهم: سمعنا و أطعنا كسائر المسلمين.

و الذي أوقعه في هذا الخطإ ما توهمه أن لعنه تعالى إياهم بكفرهم لا يجوز أن يتخلف عن التأثير بإيمان بعضهم فقدر أن القلة وصف الإيمان و هي ما لا يعتد به من الإيمان حتى يستقيم قوله: «لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ» ، و قد غفل عن أن هذه الخطابات و ما تشتمل عليه من صفات الذم و المؤاخذات و التوبيخات كل ذلك متوجهة إلى المجتمعات من حيث الاجتماع، فالذي لحقه اللعن و الغضب و المؤاخذات العامة الأخرى إنما هو المجتمع اليهودي من حيث إنه مجتمع مكون فلا يؤمنون و لا يسعدون و لا يفلحون، و هو كذلك إلى هذا اليوم و هم على ذلك إلى يوم القيامة. ـ

367

(1) -و أما الاستثناء فإنما هو بالنسبة إلى الأفراد، و خروج بعض الأفراد من الحكم المحتوم على المجتمع ليس نقضا لذلك الحكم، و المحوج إلى هذا الاستثناء أن الأفراد بوجه هم المجتمع فقوله: «فَلاََ يُؤْمِنُونَ» حيث نفي فيه الإيمان عن الأفراد-و إن كان ذلك نفيا عنهم من حيث جهة الاجتماع-و كان يمكن فيه أن يتوهم أن الحكم شامل لكل واحد واحد منهم بحيث لا يتخلص منه أحد استثني فقيل: إِلاََّ قَلِيلاً فالآية تجري مجرى قوله تعالى: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيََارِكُمْ مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ : -النساء: 66.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا» إلخ‏ الطمس‏ محو أثر الشي‏ء، و الوجه‏ ما يستقبلك من الشي‏ء و يظهر منه، و هو من الإنسان الجانب المقدم الظاهر من الرأس و ما يستقبلك منه، و يستعمل في الأمور المعنوية كما يستعمل في الأمور الحسية، و الأدبار جمع دبر بضمتين و هو القفا، و المراد بأصحاب السبت قوم من اليهود كانوا يعدون في السبت فلعنهم الله و مسخهم، قال تعالى: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كََانَتْ حََاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتََانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لاََ يَسْبِتُونَ لاََ تَأْتِيهِمْ : -الأعراف: 163، و قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ ` فَجَعَلْنََاهََا نَكََالاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهََا وَ مََا خَلْفَهََا : -البقرة: 66.

و قد كانت الآيات السابقة-كما عرفت-متعرضة لحال اليهود أو لحال طائفة من اليهود، و انجر القول إلى أنهم بإزاء ما خانوا الله و رسوله، و أفسدوا صالح دينهم ابتلوا بلعنة من الله لحق جمعهم، و سلبهم التوفيق للإيمان إلا قليلا فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب-على ما يفيده قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ -و دعاهم إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، و أوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا و استكبروا من غير عذر من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه.

و ذلك ما ذكره بقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلى‏ََ أَدْبََارِهََا ، فطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدها الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المترقبة و المرجوة لكن لا المحو الذي يوجب فناء الوجوه و زوالها و بطلان آثارها بل محوا يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها فهي تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر عليها لكن لما كانت منصوبة إلى الأقفية و مردودة على الأدبار لا تقصد

368

(1) -إلا ما خلفته وراءها، و لا تمشي إليه إلا القهقرى.

و هذا الإنسان-و هو بالطبع و الفطرة متوجه نحو ما يراه خيرا و سعادة لنفسه- كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه، و صلاحا لدينه أو لدنياه لم ينل إلا شرا و فسادا، و كلما بالغ في التقدم زاد في التأخر، و ليس يفلح أبدا.

و أما لعنهم كلعن أصحاب السبت فظاهره المسخ على ما تقدم من آيات أصحاب السبت التي تخبر عن مسخهم قردة.

و على هذا فلفظة «أَوْ» في قوله: أَوْ نَلْعَنَهُمْ ، على ظاهرها من إفادة الترديد، و الفرق بين الوعيدين أن الأول أعني الطمس يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير الخلقة إلا في بعض كيفياتها، و الثاني أعني اللعن كلعن أصحاب السبت يوجب تغيير المقصد بتغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة.

فهؤلاء إن تمردوا عن الامتثال-و سوف يتمردون على ما تفيده خاتمة الآية- كان لهم إحدى سخطتين: إما طمس الوجوه، و أما اللعن كلعن أصحاب السبت لكن الآية تدل على أن هذه السخطة لا تعمهم جميعهم حيث قال. «وُجُوهاً» فأتى بالجمع المنكر، و لو كان المراد هو الجميع لم ينكر، و لتنكير الوجوه و عدم تعيينه نكتة أخرى هي أن المقام لما كان مقام الإيعاد و التهديد، و هو إيعاد للجماعة بشر لا يحلق إلا ببعضهم كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار و التخويف لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد واحد من القوم فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب البئيس، و هذه الصناعة شائعة في اللسان في مقام التهديد و التخويف.

و في قوله تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ ، حيث أرجع فيه ضمير «هم» الموضوع لأولي العقل إلى قوله: «وُجُوهاً» كما هو الظاهر تلويحا أو تصريحا بأن المراد بالوجوه الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم، و بذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس الوجوه و ردها على أدبارها تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية كما قال به بعضهم، و يقوى بذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل النفوس من حال استقامة الفكر، و إدراك الواقعيات على واقعيتها إلى حال الاعوجاج و الانحطاط الفكري بحيث لا يشاهد حقا إلا أعرض عنه و اشمأز منه، و لا باطلا إلا مال إليه و تولع به.

369

(1) -و هذا نوع من التصرف الإلهي مقتا و نقمة نظير ما يدل عليه قوله تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ : «الأنعام: 110» .

فتبين مما مر أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس يوجب تغيير طباعها من مطاوعة الحق و تجنب الباطل إلى اتباع الباطل و الاحتراز عن الحق في باب الإيمان بالله و آياته كما يؤيده صدر الآية: آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ إلخ، و كذا تبين أن المراد باللعن المذكور فيها المسخ.

و ربما قيل: إن المراد بالطمس تحويل وجوه قوم إلى أقفيتهم و يكون ذلك في آخر الزمان أو يوم القيامة، و فيه: أن قوله: «أَوْ نَلْعَنَهُمْ» ينافي ذلك كما تقدم بيانه.

و ربما قيل: إن المراد بالطمس الخذلان الدنيوي فلا يزالون على ذلة و نكبة لا يقصدون غاية ذات سعادة إلا بدلها الله عليهم سرابا لا خير فيه، و فيه: أنه و إن كان لا يبعد كل البعد لكن صدر الآية-كما تقدم-ينافيه.

و ربما قيل: إن المراد به إجلاؤهم و ردهم ثانيا إلى حيث خرجوا منه، و قد أخرجوا من الحجاز إلى أرض الشام و فلسطين، و قد جاءوا منهما، و فيه أن صدر الآية بسياقه يؤيد غير ذلك كما عرفته.

نعم من الممكن أن يقال: إن المراد به تقليب أفئدتهم، و طمس وجوه باطنهم من الحق إلى نحو الباطل فلا يفلحون بالإيمان بالله و آياته، ثم إن الدين الحق لما كان هو الصراط الذي لا ينجح إنسان في سعادة حياته الدنيا إلا بركوبه و الاستواء عليه، و ليس للناكب عنه إلا الوقوع في كانون الفساد، و السقوط في مهابط الهلاك، قال تعالى:

ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمََا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنََّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا : «الروم:

41» ، و قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ، وَ لََكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنََاهُمْ : «الأعراف: 96» و لازم هذه الحقيقة أن طمس الوجوه عن المعارف الحقة الدينية طمس لها عن حقائق سعادة الحياة الدنيا بجميع أقسامها فالمحروم من سعادة الدين‏ محروم من سعادة الدنيا من استقرار الحال و تمهد الأمن و سؤدد الاستقلال و الملك، و كل ما يطيب به العيش، و يدر به ضرع العمل‏

370

(1) -اللهم إلا على قدر ما نسرب المواد الدينية في مجتمعهم و على هذا فلا بأس بالجمع بين الوجوه المذكورة جلها أو كلها.

قوله تعالى: «وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً» إشارة إلى أن الأمر لا محالة واقع، و قد وقع على ما ذكره الله في كتابه من لعنهم و إنزال السخط عليهم، و إلقاء العداوة و البغضاء بينهم إلى يوم القيامة، و غير ذلك في آيات كثيرة.

قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ» ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل للحكم المذكور في الآية السابقة أعني قوله: آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ إلخ، فيعود المعنى إلى مثل قولنا: فإنكم إن لم تؤمنوا به كنتم بذلك مشركين، و الله لا يغفر أن يشرك به فيحل عليكم غضبه و عقوبته فيطمس وجوهكم بردها على أدبارها أو يلعنكم فنتيجة عدم المغفرة هذه ترتب آثار الشرك الدنيوية من طمس أو لعن عليه.

و هذا هو الفرق بين مضمون هذه الآية، و قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاََلاً بَعِيداً : «النساء: 116» ، فإن هذه الآية (آية 48) ، تهدد بآثار الشرك الدنيوية، و تلك (آية 116) ، تهدد بآثاره الأخروية، و ذلك بحسب‏الانطباق على المورد و إن كانتا بحسب الإطلاق كلتاهما شاملتين لجميع الآثار.

و مغفرته سبحانه و عدم مغفرته لا يقع شي‏ء منهما وقوعا جزافيا بل على وفق الحكمة، و هو العزيز الحكيم، فأما عدم مغفرته للشرك فإن الخلقة إنما تثبت على ما فيها من الرحمة على أساس العبودية و الربوبية، قال تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ : «الذاريات: 56» ، و لا عبودية مع شرك، و أما مغفرته لسائر المعاصي و الذنوب التي دون الشرك فلشفاعة من جعل له الشفاعة من الأنبياء و الأولياء و الملائكة و الأعمال الصالحة على ما مر تفصيله في بحث الشفاعة في الجزء الأول من هذا الكتاب.

و أما التوبة فالآية غير متعرضة لشأنها من حيث خصوص مورد الآية لأن موردها عدم الإيمان و لا توبة معه، على أن التوبة يغفر معها جميع الذنوب حتى الشرك، قال تعالى: قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ` وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ : «الزمر: 54» . ـ

371

(1) -و المراد بالشرك في الآية ما يعم الكفر لا محالة فإن الكافر أيضا لا يغفر له البتة و إن لم يصدق عليه المشرك بعنوان التسمية بناء على أن‏ أهل الكتاب لا يسمون في القرآن مشركين و إن كان كفرهم بالقرآن و بما جاء به النبي شركا منهم أشركوا به (راجع تفسير آية 221 من البقرة) ، و إذا لم يؤمن أهل الكتاب بما نزل الله مصدقا لما معهم فقد كفروا به، و أشركوا ما في أيديهم بالله سبحانه فإنه شي‏ء لا يريده الله على الصفة التي أخذوه بها فالمؤمن بموسى (ع) إذا كفر بالمسيح (ع) فقد كفر بالله و أشرك به موسى، و لعل ما ذكرناه هو النكتة لقوله تعالى: أَنْ يُشْرَكَ بِهِ دون أن يقول: المشرك أو المشركين.

و قوله تعالى: «لِمَنْ يَشََاءُ» تقييد للكلام لدفع توهم أن لأحد من الناس تأثيرا فيه تعالى يوجب به عليه المغفرة فيحكم عليه تعالى حاكم أو يقهره قاهر، و تعليق الأمور الثابتة في القرآن على المشيئة كثير و الوجه في كلها أو جلها دفع ما ذكرناه من التوهم كقوله تعالى: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ : «هود: 108» .

على أن من الحكمة ألا يغفر لكل مذنب ذنبه و إلا لغا الأمر و النهي، و بطل التشريع، و فسد أمر التربية الإلهية، و إليه الإشارة بقوله: لِمَنْ يَشََاءُ ، و من هنا يظهر أن كل واحد من المعاصي لا بد أن لا يغفر بعض أفراده و إلا لغا النهي عنه، و هذا لا ينافي عموم لسان آيات أسباب المغفرة فإن الكلام في الوقوع دون الوعد على وجه الإطلاق، و من المعاصي ما يصدر عمن لا يغفر له بشرك و نحوه.

فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر الشرك من كافر و لا مشرك، و يغفر سائر الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح، و ليس هو تعالى مقهورا أن يغفر كل ذنب من هذه الذنوب لكل مذنب بل له أن يغفر و له أن لا يغفر، كل ذلك لحكمة.

قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ» قال الراغب: أصل‏ الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى-إلى أن قال-: و تزكية الإنسان نفسه ضربان: أحدهما:

بالفعل و هو محمود، و إليه قصد بقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى ، و الثاني بالقول كتزكيته لعدل غيره، و ذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، و قد نهى الله تعالى عنه فقال: فَلاََ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، و نهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا و شرعا، و لهذا قيل‏

372

(1) -لحكيم: ما الذي لا يحسن و إن كان حقا؟فقال: مدح الرجل نفسه، انتهى كلامه.

و لما كانت الآية في ضمن الآيات المسرودة للتعرض لحال أهل الكتاب كان الظاهر أن هؤلاء المزكين لأنفسهم هم أهل الكتاب أو بعضهم، و لم يوصفوا بأهل الكتاب لأن العلماء بالله و آياته لا ينبغي لهم أن يتلبسوا بأمثال هذه الرذائل فالإصرار عليها انسلاخ عن الكتاب و علمه.

و يؤيده ما حكاه الله تعالى عن اليهود من قولهم: نَحْنُ أَبْنََاءُ اَللََّهِ وَ أَحِبََّاؤُهُ : «المائدة: 18» ، و قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً : «البقرة: 80» و زعمهم الولاية كما في قوله تعالى: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ هََادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيََاءُ لِلََّهِ مِنْ دُونِ اَلنََّاسِ : «الجمعة: 6» ، فالآية تكني عن اليهود، و فيها استشهاد لما تقدم ذكره في الآيات السابقة من استكبارهم عن الخضوع للحق و اتباعه، و الإيمان بآيات الله سبحانه، و استقرار اللعن الإلهي فيهم، و أن ذلك من لوازم إعجابهم بأنفسهم و تزكيتهم لها.

قوله تعالى: «بَلِ اَللََّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشََاءُ وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً» إضراب عن تزكيتهم لأنفسهم، و رد لهم فيما زكوه، و بيان أن ذلك من شئون الربوبية يختص به تعالى فإن الإنسان و إن أمكن أن يتصف بفضائل، و يتلبس بأنواع الشرف و السؤدد المعنوي غير أن اعتناءه بذلك و اعتماده عليه لا يتم إلا بإعطائه لنفسه استغناء و استقلالا و هو في معنى دعوى الألوهية و الشركة مع رب العالمين، و أين الإنسان الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و الاستغناء عن الله سبحانه في خير أو فضيلة؟ و الإنسان في نفسه و في جميع شئون نفسه، و الخير الذي يزعم أنه يملكه، و جميع أسباب ذلك الخير، مملوك لله سبحانه محضا من غير استثناء، فما ذا يبقى للإنسان؟.

و هذا الغرور و الإعجاب الذي يبعث الإنسان إلى تزكية نفسه هو العجب الذي هو من أمهات الرذائل، ثم لا يلبث هذا الإنسان المغرور المعتمد على نفسه دون أن يمس غيره فيتولد من رذيلته هذه رذيلة أخرى، و هي رذيلة التكبر و يتم تكبره في صورة الاستعلاء على غيره من عباد الله فيستعبد به عباد الله سبحانه، و يجري به كل ظلم و بغي بغير حق و هتك محارم الله و بسط السلطة على دماء الناس و أعراضهم و أموالهم.

و هذا كله إذا كان الوصف وصفا فرديا و أما إذا تعدى الفرد و صار خلقا اجتماعيا

373

(1) -و سيرة قومية فهو الخطر الذي فيه هلاك النوع و فساد الأرض، و هو الذي يحكيه تعالى عن اليهود إذ قالوا: لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ : «آل عمران: 75» .

فما كان لبشر أن يذكر لنفسه من الفضيلة ما يمدحها به سواء كان صادقا فيما يقول أو كاذبا لأنه لا يملك ذلك لنفسه لكن الله سبحانه لما كان هو المالك لما ملكه، و المعطي الفضل لمن يشاء و كيف يشاء كان له أن يزكي من شاء تزكية عملية بإعطاء الفضل و إفاضة النعمة، و أن يزكي من يشاء تزكية قولية يذكره بما يمتدح به، و يشرفه بصفات الكمال كقوله في آدم و نوح: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً : «آل عمران: 33» ، و قوله في إبراهيم و إدريس: إِنَّهُ كََانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا : «مريم: 41، 56» ، و قوله في يعقوب:

وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمََا عَلَّمْنََاهُ : «يوسف: 68» ، و قوله في يوسف: إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ : «يوسف:

24» ، و قوله في حق موسى: إِنَّهُ كََانَ مُخْلَصاً وَ كََانَ رَسُولاً نَبِيًّا : «مريم: 51» ، و قوله في حق عيسى: وَجِيهاً فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ : «آل عمران: 45» ، و قوله في سليمان و أيوب: نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوََّابٌ : «-ص: 30، 44» ، و قوله في محمد ص:

إِنَّ وَلِيِّيَ اَللََّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتََابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى اَلصََّالِحِينَ : «الأعراف: 196» ، و قوله:

وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ : «القلم: 4» ، و كذا قوله تعالى في حق عدة من الأنبياء ذكرهم في سور الأنعام و مريم و الأنبياء و الصافات و_ص و غيرها.

و بالجملة فالتزكية لله سبحانه حق لا يشاركه فيه غيره إذ لا يصدر عن غيره إلا من ظلم و إلى ظلم، و لا يصدر عنه تعالى إلا حقا و عدلا يقدر بقدره لا يفرط و لا يفرط، و لذا ذيل قوله: بل الله يزكي من يشاء بقوله-و هو في معنى التعليل-: وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً .

و قد تبين مما مر أن تزكيته تعالى و إن كانت مطلقة تشمل التزكية العملية و التزكية القولية لكنها تنطبق بحسب مورد الكلام على التزكية القولية.

قوله تعالى: «وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً» الفتيل‏ فعيل بمعنى المفعول من الفتل و هو اللي قيل: المراد به ما يكون في شق النواة، و قيل: هو ما في بطن النواة،

و قد ورد في روايات عن أئمة أهل البيت (ع) : أنه النقطة التي على النواة، و النقير ما في ظهرها، و القطمير قشرها

، و قيل: هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ، و كيف كان هو كناية عن الشي‏ء الحقير الذي لا يعتد به.

و قد بان بالآية الشريفة أمران: أحدهما: أن ليس لصاحب الفضل أن يعجبه‏

374

(1) -فضله و يمدح نفسه بل هو مما يختص به تعالى فإن ظاهر الآية أن الله يختص به أن يزكي كل من جاز أن يتلبس بالتزكية فليس لغير صاحب الفضل أيضا أن يزكيه إلا بما زكاه الله به، و ينتج ذلك أن الفضائل هي التي مدحها الله و زكاها فلا قدر لفضل لا يعرفه الدين و لا يسميه فضلا، و لا يستلزم ذلك أن تبطل آثار الفضائل عند الناس فلا يعرفوا لصاحب الفضل فضله، و لا يعظموا قدره بل هي شعائر الله و علائمه، و قد قال تعالى:

وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعََائِرَ اَللََّهِ فَإِنَّهََا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ : «الحج: 32» ، فعلى الجاهل أن يخضع للعالم و يعرف له قدره فإنه من اتباع الحق و قد قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ : «الزمر: 9» ، و إن لم يكن للعالم أن يتبجح بعلمه و يمدح نفسه، و الأمر في جميع الفضائل الحقيقية الإنسانية على هذا الحال.

و ثانيهما: أن ما ذكره بعض باحثينا، و اتبعوا في ذلك ما ذكره المغاربة أن من الفضائل الإنسانية الاعتماد بالنفس أمر لا يعرفه الدين، و لا يوافق مذاق القرآن، و الذي يراه القرآن في ذلك هو الاعتماد بالله و التعزز بالله قال تعالى: اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ : «آل عمران: 173» ، و قال: أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً : «البقرة: 165» ، و قال: إِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً : «يونس: 65» ، إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى: «اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ» ، إلخ فتزكيتهم أنفسهم ببنوة الله و حبه و ولايته و نحو ذلك افتراء على الله إذ لم يجعل الله لهم ذلك، على أن أصل التزكية افتراء و إن كانت عن صدق فإنه-كما تقدم بيانه-إسناد شريك إلى الله و ليس له في ملكه شريك قال تعالى: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي اَلْمُلْكِ : «الإسراء: 111» .

و قوله: وَ كَفى‏ََ بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي لو لم يكن في التزكية إلا أنه افتراء على الله لكفى في كونه إثما مبينا، و التعبير بالإثم‏ و هو الفعل المذموم الذي يمنع الإنسان من نيل الخيرات و يبطئها-هو المناسب لهذه المعصية لكونه من إشراك الشرك و فروعه، يمنع نزول الرحمة، و كذا في شرك الكفر الذي يمنع المغفرة كما وقع في الآية السابقة:

وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدِ اِفْتَرى‏ََ إِثْماً عَظِيماً بعد قوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .

}قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطََّاغُوتِ» ، الجبت و الجبس‏ كل ما لا خير فيه، و قيل: و كل ما يعبد من دون الله سبحانه،

375

(1) -و الطاغوت‏ مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيرا بمعنى الفاعل، و قيل: هو كل معبود من دون الله، و الآية تكشف عن وقوع واقعة قضى فيها بعض أهل الكتاب للذين كفروا على الذين آمنوا بأن سبيل المشركين أهدى من سبيل المؤمنين، و ليس عند المؤمنين إلا دين التوحيد المنزل في القرآن المصدق لما عندهم، و لا عند المشركين إلا الإيمان بالجبت و الطاغوت فهذا القضاء اعتراف منهم بأن للمشركين نصيبا من الحق، و هو الإيمان بالجبت و الطاغوت الذي نسبه الله تعالى إليهم ثم لعنهم الله بقوله: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ الآية.

و هذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول أن مشركي مكة طلبوا من أهل الكتاب أن يحكموا بينهم و بين المؤمنين فيما ينتحلونه من الدين فقضوا لهم على المؤمنين، و سيأتي الرواية في ذلك في البحث الروائي الآتي.

و قد ذكر كونهم ذوي نصيب من الكتاب ليكون أوقع في وقوع الذم و اللوم عليهم فإن إيمان علماء الكتاب بالجبت و الطاغوت و قد بين لهم الكتاب أمرهما أشنع و أفظع.

قوله تعالى: «أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ» إلى قوله: «نَقِيراً» النقير فعيل بمعنى المفعول و هو المقدار اليسير الذي يأخذه الطير من الأرض بنقر منقاره، و قد مر له معنى آخر في قوله: وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً الآية.

و قد ذكروا أن «أَمْ» في قوله: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ ، منقطعة و المعنى: بل أ لهم نصيب من الملك، و الاستفهام إنكاري أي ليس لهم ذلك.

و قد جوز بعضهم أن تكون «أم» متصلة، و قال: إن التقدير: أ هم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك؟و رد بأن حذف الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر، و لا ضرورة في القرآن، و الظاهر أن أم متصلة و أن الشق المحذوف ما يدل عليه الآية السابقة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ الآية، و التقدير: أ لهم كل ما حكموا به من حكم أم لهم نصيب من الملك أم يحسدون الناس؟و على هذا تستقيم الشقوق و تترتب، و يتصل الكلام في سوقه.

و المراد بالملك‏ هو السلطنة على الأمور المادية و المعنوية فيشمل ملك النبوة و الولاية و الهداية و ملك الرقاب و الثروة، و ذلك أنه هو الظاهر من سياق الجمل السابقة و اللاحقة فإن الآية السابقة تومئ إلى دعواهم أنهم يملكون القضاء و الحكم على المؤمنين، و هو

376

(1) -مسانخ للملك على الفضائل المعنوية و ذيل الآية: «فَإِذاً لاََ يُؤْتُونَ اَلنََّاسَ نَقِيراً» يدل على ملك الماديات أو ما يشمل ذلك فالمراد به الأعم من ملك الماديات و المعنويات.

فيئول معنى الآية إلى نحو قولنا: أم لهم نصيب من الملك الذي أنعم الله به على نبيه بالنبوة و الولاية و الهداية و نحوه، و لو كان لهم ذلك لم يؤتوا الناس أقل القليل الذي لا يعتد به لبخلهم و سوء سريرتهم، فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزََائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ اَلْإِنْفََاقِ : -الإسراء: 100.

قوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» و هذا آخر الشقوق الثلاثة المذكورة، و وجه الكلام إلى اليهود جوابا عن قضائهم على المؤمنين بأن دين المشركين أهدى من دينهم.

و المراد بالناس على ما يدل عليه هذا السياق هم الذين آمنوا، و بما آتاهم الله من فضله هو النبوة و الكتاب و المعارف الدينية، غير أن ذيل الآية: فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ «إلخ» ، يدل على أن هذا الذي أطلق عليه الناس من آل إبراهيم، فالمراد بالناس حينئذ هو النبي ص، و ما انبسط على غيره من هذا الفضل المذكور في الآية فهو من طريقه و ببركاته العالية، و قد تقدم في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرََاهِيمَ XالآيةX: -آل عمران: 33» ، إن آل إبراهيم هو النبي و آله.

و إطلاق الناس على المفرد لا ضير فيه فإنه على نحو الكناية كقولك لمن يتعرض لك و يؤذيك: لا تتعرض للناس، و ما لك و للناس؟تريد نفسك أي لا تتعرض لي.

قوله تعالى: «فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ» الجملة إيئاس لهم في حسدهم، و قطع لرجائهم زوال هذه النعمة، و انقطاع هذا الفضل بأن الله قد أعطى آل إبراهيم من فضله ما أعطى، و آتاهم من رحمته ما آتى فليموتوا بغيظهم فلن ينفعهم الحسد شيئا.

و من هنا يظهر أن المراد بآل إبراهيم إما النبي و آله من أولاد إسماعيل أو مطلق آل إبراهيم من أولاد إسماعيل و إسحاق حتى يشمل النبي ص الذي هو المحسود عند اليهود بالحقيقة، و ليس المراد بآل إبراهيم بني إسرائيل من نسل إبراهيم فإن الكلام على هذا التقدير يعود تقريرا لليهود في حسدهم النبي أو المؤمنين لمكان النبي ص فيهم‏

377

(1) -فيفسد معنى الجملة كما لا يخفى.

و قد ظهر أيضا كما تقدمت الإشارة إليه أن هذه الجملة: فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ «إلخ» تدل على أن الناس المحسودين هم من آل إبراهيم، فيتأيد به أن المراد بالناس النبي ص و أما المؤمنون به فليسوا جميعا من ذرية إبراهيم، و لا كرامة لذريته من المؤمنين على غيرهم حتى يحمل الكلام عليهم، و لا يوجب مجرد الإيمان و اتباع ملة إبراهيم تسمية المتبعين بأنهم آل إبراهيم، و كذا قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هََذَا اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا XالآيةX: «آل عمران: 68» لا يوجب تسمية الذين آمنوا بآل إبراهيم‏لمكان الأولوية فإن في الآية ذكرا من الذين اتبعوا إبراهيم، و ليسوا يسمون آل إبراهيم قطعا، فالمراد بآل إبراهيم النبي أو هو و آله (ص) و إسماعيل جده و من في حذوه.

قوله تعالى: «وَ آتَيْنََاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» قد تقدم أن مقتضى السياق أن يكون المراد بالملك ما يعم الملك المعنوي الذي منه النبوة و الولاية الحقيقية على هداية الناس و إرشادهم و يؤيده أن الله سبحانه لا يستعظم الملك الدنيوي لو لم ينته إلى فضيلة معنوية و منقبة دينية، و يؤيد ذلك أيضا أن الله سبحانه لم يعد فيما عده من الفضل في حق آل إبراهيم النبوة و الولاية إذ قال: فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ ، فيقوى أن يكون النبوة و الولاية مندرجتين في إطلاق قوله: و آتيناهم ملكا عظيما.

قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ» الصد الصرف و قد قوبل الإيمان بالصد لأن اليهود ما كانوا ليقنعوا على مجرد عدم الإيمان بما أنزل على النبي ص دون أن يبذلوا مبلغ جهدهم في صد الناس عن سبيل الله و الإيمان بما نزله من الكتاب، و ربما كان الصد بمعنى الإعراض و حينئذ يتم التقابل من غير عناية زائدة.

قوله تعالى: «وَ كَفى‏ََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» تهديد لهم بسعير جهنم في مقابل ما صدوا عن الإيمان بالكتاب و سعروا نار الفتنة على النبي ص و الذين آمنوا معه.

ثم بين تعالى كفاية جهنم في أمرهم بقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا إلى آخر الآية و هو بيان في صورة التعليل، ثم عقبه بقوله: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إلى آخر الآية ليتبين الفرق بين الطائفتين: مَنْ آمَنَ بِهِ، و مَنْ صَدَّ عَنْهُ ، و يظهر أنهما في قطبين‏

378

(1) -متخالفين من سعادة الحياة الأخرى و شقائها: دخول الجنات و ظلها الظليل، و إحاطة سعير جهنم و الاصطلاء بالنار-أعاذنا الله-و معنى الآيتين واضح.

قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا وَ إِذََا حَكَمْتُمْ» إلخ الفقرة الثانية من الآية: «وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» ظاهره الارتباط بالآيات السابقة عليها فإن البيان الإلهي فيها يدور حول حكم اليهود للمشركين بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين، و قد وصفهم الله تعالى في أول بيانه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب و الذي في الكتاب هو تبيين آيات الله و المعارف الإلهية، و هي أمانات مأخوذ عليها الميثاق أن تبين للناس، و لا تكتم عن أهله.

و هذا الذي ذكر من القرائن يؤيد أن يكون المراد بالأمانات ما يعم الأمانات المالية و غيرها من المعنويات كالعلوم و المعارف الحقة التي من حقها أن يبلغها حاملوها أهلها من الناس.

و بالجملة لما خانت اليهود الأمانات الإلهية المودعة عندهم من العلم بمعارف التوحيد و آيات نبوة محمد ص فكتموها و لم يظهروها في واجب وقتها، ثم لم يقنعوا بذلك حتى جاروا في الحكم بين المؤمنين و المشركين فحكموا للوثنية على التوحيد فآل أمرهم فيه إلى اللعن الإلهي و جر ذلك إياهم إلى عذاب السعير فلما كان من أمرهم ما كان، غير سبحانه سياق الكلام من التكلم إلى الغيبة فأمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها، و بالعدل في الحكم فقال: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ «إلخ» .

و الذي وسعنا به معنى تأدية الأمانات و العدل في الحكم هو الذي يقضي به السياق على ما عرفت، فلا يرد عليه أنه عدول عن ظاهر لفظ الأمانة و الحكم فإن المتبادر في مرحلة التشريع من مضمون الآية وجوب رد الأمانة المالية إلى صاحبها، و عدل القاضي و هو الحكم في مورد القضاء الشرعي، و ذلك أن التشريع المطلق لا يتقيد بما يتقيد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه بل القرآن مثلا يبين وجوب رد الأمانة على الإطلاق، و وجوب العدل في الحكم على الإطلاق فما كان من ذلك راجعا إلى الفقه من الأمانة المالية و القضاء في المرافعات راجعه فيه الفقه، و ما كان غير ذلك استفاد منه فن أصول المعارف، و هكذا.

379

(1) -

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال"*: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود-إذا كلم رسول الله ص لوى لسانه، و قال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام و عابه فأنزل الله فيه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ يَشْتَرُونَ اَلضَّلاََلَةَ إلى قوله: فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً .

و فيه، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن السدي"*: في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ الآية-قال: نزلت في مالك بن الصيف، و رفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع.

و فيه، أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله ص رؤساء من أحبار اليهود-منهم عبد الله بن سوريا، و كعب بن أسد-فقال لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله و أسلموا-فوالله إنكم لتعلمون إن الذي جئتكم به لحق-فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله فيهم: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا الآية.

أقول: ظاهر الآيات الشريفة على ما تقدم في البيان السابق و إن كان نزولها في اليهود من أهل الكتاب إلا أن ما نقلناه من سبب النزول لا يزيد على أنه حكم تطبيقي كغالب نظائره من الأخبار الحاكية لأسباب النزول، و الله أعلم.

و في تفسير البرهان، عن النعماني بإسناده عن جابر عن الباقر (ع) في حديث طويل يصف فيه خروج السفياني، و فيه قال*: و ينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء: يا بيداء أبيدي بالقوم فيخسف بهم-فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر-يحول الله وجوههم إلى أقفيتهم، و هم من كلب، و فيهم نزلت هذه الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ-آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ-مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلى‏ََ أَدْبََارِهََا الآية:

أقول: و رواه عن المفيد أيضا بإسناده عن جابر عن الباقر (ع) في نظير الخبر في قصة السفياني.

380

(1) -

و في الفقيه، بإسناده عن ثوير عن أبيه*: أن عليا (ع) قال: ما في القرآن آية أحب إلي من قوله عز و جل: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ :

أقول: و رواه في الدر المنثور عن الفريابي و الترمذي و حسنه عن علي.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال *لما نزلت: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ الآية-فقام رجل فقال: و الشرك يا نبي الله؟فكره ذلك النبي ص فقال: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية.

و فيه، أخرج ابن المنذر عن أبي مجاز قال*: لما نزلت هذه الآية: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا الآية-قام النبي ص على المنبر فتلاها على الناس-فقام إليه رجل فقال: و الشرك بالله؟فسكت-مرتين أو ثلاثا-فنزلت هذه الآية: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ- وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ -فأثبتت هذه في الزمر، و أثبتت هذه في النساء.

أقول: و قد عرفت فيما تقدم أن آية الزمر ظاهرة بحسب ما تتعقبه من الآيات في المغفرة بالتوبة، و لا ريب أن التوبة يغفر معها كل ذنب حتى الشرك، و أن آية النساء موردها غير مورد التوبة فلا تنافي بين الآيتين مضمونا حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصصة للأخرى.

و في المجمع، عن الكلبي"*: في الآية: نزلت في المشركين وحشي و أصحابه، و ذلك أنه لما قتل حمزة، و كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك، فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو و أصحابه-فكتبوا إلى رسول الله ص: أنا قد ندمنا على الذي صنعناه، و ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول و أنت بمكة: وَ اَلَّذِينَ لاََ يَدْعُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ-وَ لاََ يَقْتُلُونَ اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللََّهُ إِلاََّ بِالْحَقِّ-وَ لاََ يَزْنُونَ الآيتان، و قد دعونا مع الله إلها آخر، و قتلنا النفس التي حرم الله، و زنينا، فلو لا هذه لاتبعناك- فنزلت الآية: إِلاََّ مَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صََالِحاً الآيتين-فبعث بهما رسول الله ص إلى وحشي و أصحابه، فلما قرأهما كتبوا إليه: أن هذا شرط شديد-نخاف أن لا نعمل عملا صالحا- فلا نكون من أهل هذه الآية-فنزلت: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ الآية-فبعث بها إليهم فقرءوها فبعثوا إليه: أنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته-فنزلت: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ-لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ-إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً -فبعث بها إليهم فلما قرءوها

381

(1) -دخل هو و أصحابه في الإسلام، و رجعوا إلى رسول الله ص فقبل منهم، ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟فلما أخبره قال: ويحك غيب شخصك عني-فلحق وحشي: بعد ذلك بالشام، و كان بها إلى أن مات:

أقول: و قد ذكر هذه الرواية الرازي في تفسيره عن ابن عباس‏

و التأمل في موارد هذه الآيات التي تذكر الرواية أن رسول الله ص كان يراجع بها وحشيا لا يدع للمتأمل شكا في أن الرواية موضوعة قد أراد واضعها أن يقدر أن وحشيا و أصحابه مغفور لهم و إن ارتكبوا من المعاصي كل كبيرة و صغيرة فقد التقط آيات كثيرة من مواضع مختلفة من القرآن فالاستثناء من موضع، و المستثنى من موضع مع أن كلا منها واقعة في محل محفوفة بأطراف لها معها ارتباط و اتصال، و للمجموع سياق لا يحتمل التقطيع و التفصيل فقطعها ثم رتبها و نضدها نضدا يناسب هذه المراجعة العجيبة بين النبي ص و بين وحشي.

و لقد أجاد بعض المفسرين حيث قال بعد الإشارة إلى الرواية: كأنهم يثبتون أن الله سبحانه كان يداعب وحشيا.

فواضع الرواية لم يرد إلا أن يشرف وحشيا بمغفرة محتومة مختومة لا يضره معها أي ذنب أذنب و أي فظيعة أتى بها، و عقب ذلك ارتفاع المجازاة على المعاصي، و لازمه ارتفاع التكاليف عن البشر على ما يراه النصرانية بل أشنع فإنهم إنما رفعوا التكاليف بتفدية مثل عيسى المسيح، و هذا يرفعه اتباعا لهوى وحشي.

و وحشي هذا هو عبد لابن مطعم قتل حمزة بأحد ثم لحق مكة ثم أسلم بعد أخذ الطائف، و قال له النبي ص: غيب شخصك عني فلحق بالشام و سكن حمصا و اشتغل في عهد عمر بالكتابة في الديوان، ثم أخرج منه لكونه يدمن الخمر، و قد جلد لذلك غير مرة، ثم مات في خلافة عثمان، قتله الخمر على ما روي.

روى ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال"*: خرجت أنا و عبد الله بن عدي بن الخيار-فمررنا بحمص و بها وحشي، فقلنا: لو أتيناه و سألناه عن قتله حمزة كيف قتله، فلقينا رجلا و نحن نسأل عنه فقال: إنه رجل قد غلبت عليه الخمر- فإن تجداه صاحيا تجداه رجلا عربيا-يحدثكما ما شئتما من حديث، و إن تجداه على‏

382

(1) -غير ذلك فانصرفا عنه، قال: فأقبلنا حتى انتهينا إليه، الحديث‏

، و فيه ذكر كيفية قتله حمزة يوم أحد.

و في المجمع، روى مطرف بن شخير عن عمر بن الخطاب قال"*: كنا على عهد رسول الله ص-إذا مات الرجل منا على كبيرة-شهدنا بأنه من أهل النار-حتى نزلت الآية فأمسكنا عن الشهادات.

و في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال*: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال": شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم فسمعتهم يقولون: مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً إلى آخر الآية-فقال المهاجرون و الأنصار: قد أوجب له النار-فلما نزلت: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ-وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ قالوا:

ما شاء الله، يصنع الله ما يشاء.

أقول: و روي ما يقرب من الروايتين عن ابن عمر بغير واحد من الطرق، و هذه الروايات لا تخلو من شي‏ء فلا نظن بعامة أصحاب رسول الله ص أن يجهلوا أن هذه الآية: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لا تزيد في مضمونها على آيات الشفاعة شيئا كما تقدم بيانه، أو أن يغفلوا عن أن معظم آيات الشفاعة مكية كقوله تعالى في سورة الزخرف:

وَ لاََ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ : «الزخرف: 86» ، و مثلها آيات الشفاعة الواقعة في سورة يونس، و الأنبياء، و طه، و سبأ، و النجم، و المدثر كلها آيات مكية تثبت الشفاعة على ما مر بيانه، و هي عامة لجميع الذنوب و مقيدة في جانب المشفوع له بالدين المرضي و هو التوحيد و نفي الشريك و في جانب الله تعالى بالمشيئة، فمحصل مفادها شمول المغفرة لجميع الذنوب إلا الشرك على مشيئة من الله، و هذا بعينه مفاد هذه الآية: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ» .

و أما الآيات التي توعد قاتل النفس المحترمة بغير حق. و آكل الربا، و قاطع الرحم بجزاء النار الخالد كقوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا XالآيةX: «النساء: 93» ، و قوله في الربا: وَ مَنْ عََادَ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ : «البقرة: 275» ، و قوله في قاطع الرحم: أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ : «الرعد: 25» ، و غير ذلك من الآيات فهذه الآيات إنما توعد بالشر و تنبئ عن جزاء النار، و أما كونه جزاء محتوما لا يقبل التغيير و الارتفاع فلا صراحة لها فيه.

383

(1) -و بالجملة لا يترجح آية «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ» على آيات الشفاعة بأمر زائد في مضمونها يمهد لهم ما ذكروه.

فليس يسعهم أن يفهموا من آيات الكبائر تحتم النار حتى يجوز لهم الشهادة على مرتكبها بالنار، و لا يسعهم أن يفهموا من آية المغفرة (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إلخ) أمرا ليس يفتهم من آيات الشفاعة حتى يوجب لهم القول بنسخها أو تخصيصها أو تقييدها آيات الكبائر.

و يومئ إلى ذلك ما ورد في بعض هذه الروايات، و هو

ما رواه في الدر المنثور، عن ابن الضريس و أبي يعلى و ابن المنذر و ابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال*: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر-حتى سمعنا من نبينا (ص) : إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ-وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ ، و قال: إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا-ثم نطقنا بعد و رجونا.

فظاهر الرواية أن الذي فهموه من آية المغفرة فهموا مثله من حديث الشفاعة لكن يبقى عليه سؤال آخر، و هو أنه ما بالهم فهموا جواز مغفرة الكبائر من حديث الشفاعة، و لم يكونوا يفهمونه من آيات الشفاعة المكية على كثرتها و دلالتها و طول العهد؟ما أدري!.

و في الدر المنثور، " *في قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ -إلى قوله:

سَبِيلاً ": أخرج البيهقي في الدلائل و ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال"*: لما كان من أمر النبي ص-ما كان اعتزل كعب بن الأشرف و لحق بمكة و كان بها، و قال:

لا أعين عليه و لا أقاتله، فقيل له بمكة: يا كعب أ ديننا خير أم دين محمد و أصحابه؟ قال: دينكم خير و أقدم، و دين محمد حديث، فنزلت فيه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ الآية.

أقول: و في سبب نزول الآية روايات على وجوه مختلفة أسلمها ما أوردناه غير أن الجميع تشترك في أصل القصة و هو أن بعضا من اليهود حكموا لقريش على النبي ص بأن دينهم خير من دينه.

و في تفسير البرهان، *في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية: عن الشيخ في أماليه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (ع) *: أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ‏

384

(1) -عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ -قال: نحن الناس.

و في الكافي، بإسناده عن بريد عن الباقر (ع) في‏حديث*: «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» -نحن الناس المحسودون، الحديث.

أقول: و هذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (ع) مستفيضا بطرق كثيرة مودعة في جوامع الشيعة كالكافي، و التهذيب، و المعاني، و البصائر، و تفسيري القمي و العياشي، و غيرها.

و في معناها من طرق أهل السنة ما عن ابن المغازلي يرفعه إلى محمد بن علي الباقر (ع) *في قوله تعالى» : أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» -قال:

نحن الناس و الله.

و ما في الدر المنثور، عن ابن المنذر و الطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس"*: في قوله: «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ» قال: نحن الناس دون الناس: ، و قد روي فيه أيضا تفسير الناس برسول الله ص عن عكرمة و مجاهد و مقاتل و أبي مالك‏

، و قد مر فيما قدمناه من البيان: أن الظاهر كون المراد بالناس رسول الله ص و أهل بيته ملحقون به.

و في تفسير العياشي، عن حمران عن الباقر (ع) * «فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ» قال: النبوة، «وَ اَلْحِكْمَةَ» قال: الفهم و القضاء، «و مُلْكاً عَظِيماً» قال: الطاعة.

أقول: المراد بالطاعة الطاعة المفترضة على ما ورد في سائر الأحاديث، و الأخبار في هذه المعاني أيضا كثيرة، و في بعضها تفسير الطاعة المفترضة بالإمامة و الخلافة كما في الكافي بإسناده عن بريد عن الباقر (ع) .

و في تفسير القمي، *في قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا الآية-قال: الآيات أمير المؤمنين و الأئمة (ع) .

أقول: و هو من الجري.

و في مجالس الشيخ، بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال*: كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمد (ع) -لما قدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء و كان ملحدا- فقال: ما تقول في هذه الآية: «كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا لِيَذُوقُوا

385

(1) -اَلْعَذََابَ» ؟هب هذه الجلود عصت فعذبت فما بال الغير؟قال أبو عبد الله (ع) : ويحك هي هي و هي غيرها، قال: اعقلني هذا القول، فقال له: أ رأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها-ثم صب عليها الماء و جبلها-ثم ردها إلى هيئتها الأولى أ لم تكن هي هي و هي غيرها؟فقال: بلى أمتع الله بك:

أقول: و رواه في الإحتجاج، أيضا عن حفص بن غياث عنه (ع) ، و القمي في تفسيره مرسلا

: و يعود حقيقة الجواب إلى أن وحدة المادة محفوظة بوحدة الصورة فبدن الإنسان كأجزاء بدنه باق على وحدته ما دام الإنسان هو الإنسان و إن تغير البدن بأي تغير حدث فيه.

و في الفقيه، قال*: سئل الصادق (ع) عن قول الله عز و جل- لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ قال: الأزواج المطهرة اللاتي‏ لا يحضن و لا يحدثن.

و في تفسير البرهان، *في قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ الآية: عن محمد بن إبراهيم النعماني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال*:

سألته عن قول الله عز و جل: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا-وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ فقال: أمر الله الإمام أن يؤدي الأمانة إلى الإمام الذي بعده، ليس له أن يزويها عنه، أ لا تسمع قوله: «وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ-إِنَّ اَللََّهَ نِعِمََّا يَعِظُكُمْ بِهِ» هم الحكام يا زرارة، أنه خاطب بها الحكام:

أقول: و صدر الحديث مروي بطرق كثيرة عنهم (ع)

، و ذيله يدل على أنه من باب الجري، و أن الآية نازلة في مطلق الحكم و إعطاء ذي الحق حقه فينطبق على مثل ما تقدم سابقا.

و في معناه ما في الدر المنثور، عن سعيد بن منصور و الفريابي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال*: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله-و أن يؤدي الأمانة-فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له-و أن يطيعوا و أن يجيبوا إذا دعوا

ـ

386

(1) -

387

(1) -

بيان‏

الآيات-كما ترى-غير عادمة الارتباط بما تقدمها من الآيات فإن آيات السورة آخذة من قوله تعالى: وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ، كأنها مسوقة لترغيب الناس في الإنفاق في سبيل الله، و إقامة صلب طبقات المجتمع و أرباب الحوائج من المؤمنين و ذم الذين يصدون الناس عن القيام بهذا المشروع الواجب، ثم الحث على إطاعة الله و إطاعة الرسول و أولي الأمر، و قطع منابت الاختلاف و التجنب عن التشاجر و التنازع، و إرجاعه إلى الله و رسوله لو اتفق، و التحرز عن النفاق، و لزوم التسليم لأوامر الله و رسوله و هكذا إلى أن تنتهي إلى الآيات النادبة إلى الجهاد المبينة لحكمه أو الآمرة بالنفر في سبيل الله، فجميع هذه الآيات مجهزة للمؤمنين للجهاد في سبيل الله، و منظمة لنظام أمورهم في داخلهم، و ربما تخللها آية أو آيتان بمنزلة الاعتراض في الكلام لا يخل باتصال الكلام كما تقدم الإيماء إليه في قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ نساء: 43.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» لما فرغ من الندب إلى عبادة الله وحده لا شريك له و بث الإحسان بين طبقات المؤمنين و ذم من يعيب هذا الطريق المحمود أو صد عنه صدودا عاد إلى أصل المقصود بلسان آخر يتفرع عليه فروع أخر، بها يستحكم أساس المجتمع الإسلامي و هو التحضيض و الترغيب في أخذهم‏ بالائتلاف و الاتفاق، و رفع كل تنازع واقع بالرد إلى الله و رسوله.

و لا ينبغي أن يرتاب في أن قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ ، جملة سيقت تمهيدا و توطئة للأمر برد الأمر إلى الله و رسوله عند ظهور التنازع، و إن كان مضمون الجملة أساس جميع الشرائع و الأحكام الإلهية.

فإن ذلك ظاهر تفريع قوله: فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ ،

388

(1) -ثم العود بعد العود إلى هذا المعنى بقوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ إلخ، و قوله: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ بِإِذْنِ اَللََّهِ إلخ، و قوله: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ إلخ.

و لا ينبغي أن يرتاب في أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلا إطاعته في ما يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف و الشرائع، و أما رسوله ص فله حيثيتان:

إحداهما: حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربه من غير كتاب، و هو ما يبينه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب و ما يتعلق و يرتبط بها كما قال تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ : -النحل 44، و الثانية: ما يراه من صواب الرأي و هو الذي يرتبط بولايته الحكومة و القضاء قال تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ : -النساء 105، و هذا هو الرأي الذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، و هو الذي كان (ص) يحكم به في عزائم الأمور، و كان الله سبحانه أمره في اتخاذ الرأي بالمشاورة فقال: «وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذََا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ : آل عمران 159، فأشركهم به في المشاورة و وحده في العزم.

إذا عرفت هذا علمت أن لإطاعة الرسول معنى و لإطاعة الله سبحانه معنى آخر و إن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته كما قال:

«وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ بِإِذْنِ اَللََّهِ» فعلى الناس أن يطيعوا الرسول فيما يبينه بالوحي، و فيما يراه من الرأي.

و هذا المعنى (و الله أعلم) هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ ، لا ما ذكره المفسرون: أن التكرار للتأكيد فإن القصد لو كان متعلقا بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: و أطيعوا الله و الرسول أدل عليه و أقرب منه فإنه كان يفيد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه و أن الإطاعتين واحدة، و ما كل تكرار يفيد التأكيد.

و أما أولوا الأمر فهم-كائنين من كانوا-لا نصيب لهم من الوحي، و إنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم و قولهم، و لذلك لما ذكر وجوب الرد و التسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله و الرسول فقال:

فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ، و ذلك أن المخاطبين بهذا الرد هم المؤمنون المخاطبون بقوله في صدر الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ‏

389

(1) -آمَنُوا ، و التنازع تنازعهم بلا ريب‏، و لا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أولي الأمر مع افتراض طاعتهم بل هذا التنازع هو ما يقع بين المؤمنين أنفسهم، و ليس في أمر الرأي بل من حيث حكم الله في القضية المتنازع فيها بقرينة الآيات التالية الذامة لمن يرجع إلى حكم الطاغوت دون حكم الله و رسوله، و هذا الحكم يجب الرجوع فيه إلى أحكام الدين المبينة المقررة في الكتاب و السنة، و الكتاب و السنة حجتان قاطعتان في الأمر لمن يسعه فهم الحكم منهما، و قول أولي الأمر في أن الكتاب و السنة يحكمان بكذا أيضا حجة قاطعة فإن الآية تقرر افتراض الطاعة من غير أي قيد أو شرط، و الجميع راجع بالآخرة إلى الكتاب و السنة.

و من هنا يظهر أن ليس لأولي الأمر هؤلاء-كائنين من كانوا-أن يضعوا حكما جديدا، و لا أن ينسخوا حكما ثابتا في الكتاب و السنة، و إلا لم يكن لوجوب إرجاع موارد التنازع إلى الكتاب و السنة و الرد إلى الله و الرسول معنى على ما يدل عليه قوله:

وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاََلاً مُبِيناً : -الأحزاب 36، فقضاء الله هو التشريع و قضاء رسوله إما ذلك و إما الأعم، و إنما الذي لهم أن يروا رأيهم في موارد نفوذ الولاية، و أن يكشفوا عن حكم الله و رسوله في القضايا و الموضوعات العامة.

و بالجملة لما لم يكن لأولي الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع‏، و لا عندهم إلا ما لله و رسوله من الحكم أعني الكتاب و السنة لم يذكرهم الله سبحانه ثانيا عند ذكر الرد بقوله: فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ ، فلله تعالى إطاعة واحدة، و للرسول و أولي الأمر إطاعة واحدة، و لذلك قال: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ .

و لا ينبغي أن يرتاب في أن هذه الإطاعة المأمور بها في قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ ، إطاعة مطلقة غير مشروطة بشرط، و لا مقيدة بقيد و هو الدليل على أن الرسول لا يأمر بشي‏ء، و لا ينهى عن شي‏ء يخالف حكم الله في الواقعة و إلا كان فرض طاعته تناقضا منه تعالى و تقدس و لا يتم ذلك إلا بعصمة فيه (ص) .

و هذا الكلام بعينه جار في أولي الأمر غير أن وجود قوة العصمة في الرسول لما قامت عليه الحجج من جهة العقل و النقل في حد نفسه من غير جهة هذه الآية دون أولي

390

(1) -الأمر ظاهرا أمكن أن يتوهم متوهم أن أولي الأمر هؤلاء لا يجب فيهم العصمة و لا يتوقف عليها الآية في استقامة معناها.

بيان ذلك أن الذي تقرره الآية حكم مجعول لمصلحة الأمة يحفظ به مجتمع المسلمين من تسرب الخلاف و التشتت فيهم و شق عصاهم فلا يزيد على الولاية المعهودة بين الأمم و المجتمعات، تعطي للواحد من الإنسان افتراض الطاعة و نفوذ الكلمة، و هم يعلمون أنه ربما يعصي و ربما يغلط في حكمه، لكن إذا علم بمخالفته القانون في حكمه لا يطاع فيه، و ينبه فيما أخطأ، و فيما يحتمل خطؤه ينفذ حكمه و إن كان مخطئا في الواقع و لا يبالي بخطئه فإن مصلحة حفظ وحدة المجتمع و التحرز من تشتت الكلمة مصلحة يتدارك بها أمثال هذه الأغلاط و الاشتباهات.

و هذا حال أولي الأمر الواقع في الآية في افتراض طاعتهم فرض الله طاعتهم، على المؤمنين فإن أمروا بما يخالف الكتاب و السنة فلا يجوز ذلك منهم و لا ينفذ حكمهم

لقول رسول الله ص: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»

و قد روى هذا المعنى الفريقان و به يقيد إطلاق الآية، و أما الخطأ و الغلط فإن علم به رد إلى الحق و هو حكم الكتاب و السنة، و إن احتمل خطؤه نفذ فيه حكمه كما فيما علم عدم خطإه، و لا بأس بوجوب القبول و افتراض الطاعة فيما يخالف الواقع هذا النوع لأن مصلحة حفظ الوحدة في الأمة و بقاء السؤدد و الأبهة تتدارك بها هذه المخالفة، و يعود إلى مثل ما تقرر في أصول الفقه من حجية الطرق الظاهرية مع بقاء الأحكام الواقعية على حالها، و عند مخالفة مؤداها للواقع تتدارك المفسدة اللازمة بمصلحة الطريق.

و بالجملة طاعة أولي الأمر مفترضة و إن كانوا غير معصومين يجوز عليهم الفسق و الخطأ فإن فسقوا فلا طاعة لهم، و إن أخطئوا ردوا إلى الكتاب و السنة إن علم منهم ذلك، و نفذ حكمهم فيما لم يعلم ذلك، و لا بأس بإنفاذ ما يخالف حكم الله في الواقع دون الظاهر رعاية لمصلحة الإسلام و المسلمين، و حفظا لوحدة الكلمة.

و أنت بالتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط هذه الشبهة من أصلها، و ذلك أن هذا التقريب من الممكن أن نساعده في تقييد إطلاق الآية في صورة الفسق بما ذكر من قول النبي ص: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» و ما يؤدي هذا المعنى من الآيات القرآنية كقوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ : «الأعراف: 28» ، و ما في هذا

391

(1) -المعنى من الآيات.

و كذا من الممكن بل الواقع أن يجعل شرعا نظير هذه الحجية الظاهرية المذكورة كفرض طاعة أمراء السرايا الذين كان ينصبهم عليهم رسول الله ص، و كذا الحكام الذين كان يوليهم على البلاد كمكة و اليمن أو يخلفهم بالمدينة إذا خرج إلى غزاة، و كحجية قول المجتهد على مقلده و هكذا لكنه لا يوجب تقيد الآية فكون مسألة من المسائل صحيحة في نفسه أمر و كونها مدلولا عليها بظاهر آية قرآنية أمر آخر.

فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء، و لم تقيده بقيد و لا شرط، و ليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله «وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» إلى مثل قولنا: و أطيعوا أولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم، و إن علمتم خطأهم فقوموهم بالرد إلى الكتاب و السنة فما هذا معنى قوله: وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ .

مع أن الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة كقوله في الوالدين: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جََاهَدََاكَ لِتُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ فَلاََ تُطِعْهُمََا XالآيةX: «العنكبوت: 8» فما باله لم يظهر شيئا من هذه القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين، و إليها تنتهي عامة أعراق السعادة الإنسانية.

على أن الآية جمع فيها بين الرسول و أولي الأمر، و ذكر لهما معا طاعة واحدة فقال: وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ، و لا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شي‏ء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلا أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي تقييد، و لازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما اعتبر في جانب رسول الله ص من غير فرق.

ثم إن المراد بالأمر في أولي الأمر هو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم على ما يؤيده قوله تعالى: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ : «آل عمران:

159» ، و قوله في مدح المتقين: وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ : «الشورى: 38» ، و إن كان من الجائز بوجه أن يراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه بعيد.

و قد قيد بقوله: «مِنْكُمْ» و ظاهره كونه ظرفا مستقراأي أولي الأمر كائنين‏

392

(1) -منكم و هو نظير قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ : «الجمعة: 2» ، و قوله في دعوة إبراهيم: رَبَّنََا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ : «البقرة: 129» ، و قوله:

رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيََاتِي : «الأعراف: 35» ، و بهذا يندفع ما ذكره بعضهم:

أن تقييد أولي الأمر بقوله: «مِنْكُمْ» يدل على أن الواحد منهم إنسان عادي مثلنا و هم منا و نحن مؤمنون من غير مزية عصمة إلهية.

ثم إن أولي الأمر لما كان اسم جمع يدل على كثرة جمعية في هؤلاء المسمين بأولي الأمر فهذا لا شك فيه لكن يحتمل في بادئ النظر أن يكونوا آحادا يلي الأمر و يتلبس بافتراض الطاعة واحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى جميعهم بحسب اللفظ، و الأخذ بجامع المعنى، كقولنا: صل فرائضك و أطع سادتك و كبراء قومك.

و من عجيب الكلام ما ذكره الرازي: أن هذا المعنى يوجب حمل الجمع على المفرد، و هو خلاف الظاهر، و قد غفل عن أن هذا استعمال شائع في اللغة، و القرآن ملي‏ء به كقوله تعالى: فَلاََ تُطِعِ اَلْمُكَذِّبِينَ : «القلم: 8» ، و قوله: فَلاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ : «الفرقان:

52» ، و قوله: إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا : «الأحزاب: 67» ، و قوله: وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ : «الشعراء: 151» ، و قوله: حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ : «البقرة: 238» ، و قوله: وَ اِخْفِضْ جَنََاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ : «الحجر: 88» ، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة بالإثبات و النفي، و الإخبار و الإنشاء.

و الذي هو خلاف الظاهر من حمل الجمع على المفرد هو أن يطلق لفظ الجمع و يراد به واحد من آحاده لا أن يوقع حكم على الجمع بحيث ينحل إلى أحكام متعددة بتعدد الآحاد، كقولنا: أكرم علماء بلدك أي أكرم هذا العالم، و أكرم ذاك العالم، و هكذا.

و يحتمل أيضا أن يكون المراد بأولي الأمر-هؤلاء الذين هم متعلق افتراض الطاعة-الجمع من حيث هو جمع أي الهيئة الحاصلة من عدة معدودة كل واحد منهم من أولي الأمر، و هو أن يكون‏ صاحب نفوذ في الناس، و ذا تأثير في أمورهم كرؤساء الجنود و السرايا و العلماء و أولياء الدولة، و سراة القوم، بل كما ذكره في المنار هم أهل الحل و العقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء و الرؤساء في الجيش و المصالح العامة كالتجارة و الصناعات و الزراعة و كذا رؤساء العمال و الأحزاب، و مديرو الجرائد المحترمة، و رؤساء تحريرها!فهذا معنى كون أولي الأمر هم أهل الحل و العقد، و هم الهيئة الاجتماعية

393

(1) -من وجوه الأمة لكن الشأن في تطبيق مضمون تمام الآية على هذا الاحتمال.

الآية دالة-كما عرفت-على عصمة أولي الأمر و قد اضطر إلى قبول ذلك القائلون بهذا المعنى من المفسرين.

فهل المتصف بهذه العصمة أفراد هذه الهيئة فيكون كل واحد واحد منهم معصوما فالجميع معصوم إذ ليس المجموع إلا الآحاد؟لكن من البديهي أن لم يمر بهذه الأمة يوم يجتمع فيه جماعة من أهل الحل و العقد كلهم معصومون على إنفاذ أمر من أمور الأمة و من المحال أن يأمر الله بشي‏ء لا مصداق له في الخارج، أو أن هذه العصمة-و هي صفة حقيقية-قائمة بتلك الهيئة قيام الصفة بموصوفها و إن كانت الأجزاء و الأفراد غير معصومين بل يجوز عليهم من الشرك و المعصية ما يجوز على سائر أفراد الناس فالرأي الذي يراه الفرد يجوز فيه الخطأ و أن يكون‏ داعيا إلى الضلال و المعصية بخلاف ما إذا رأته الهيئة المذكورة لعصمتها؟و هذا أيضا محال و كيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري بصفة حقيقية أعني اتصاف الهيئة الاجتماعية بالعصمة.

أو أن عصمة هذه الهيئة ليست وصفا لأفرادها و لا لنفس الهيئة بل حقيقته أن الله يصون هذه الهيئة أن تأمر بمعصية أو ترى رأيا فتخطئ فيه، كما أن الخبر المتواتر مصون عن الكذب، و مع ذلك ليست هذه العصمة بوصف لكل واحد من المخبرين و لا للهيئة الاجتماعية بل حقيقته أن العادة جارية على امتناع الكذب فيه، و بعبارة أخرى هو تعالى يصون الخبر الذي هذا شأنه عن وقوع الخطإ فيه و تسرب الكذب عليه، فيكون رأي أولي الأمر مما لا يقع فيه الخطأ البتة و إن لم يكن آحادهم و لا هيئتهم متصفة بصفة زائدة بل هو كالخبر المتواتر مصون عن الكذب و الخطإ و ليكن هذا معنى العصمة في أولي الأمر، و الآية لا تدل على أزيد من أن رأيهم غير خابط بل مصيب يوافق الكتاب و السنة، و هو من عناية الله على الأمة،

و قد روي عن النبي ص أنه قال: لا تجتمع أمتي على خطإ.

أما الرواية فهي أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الأمة على خطإ، و لا تنفي اجتماع أهل الحل و العقد منهم على خطإ، و للأمة معنى و لأهل الحل و العقد معنى آخر، و لا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الأول‏، و كذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الأمة بل تنفي الاجتماع على خطإ، و بينهما فرق.

394

(1) -و يعود معنى الرواية إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الأمة بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: إما كلهم أو بعضهم و لو معصوم واحد، فيوافق ما دل من الآيات و الروايات على أن دين الإسلام و ملة الحق لا يرتفع من الأرض بل هو باق إلى يوم القيامة، قال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ : «الأنعام:

89» و قوله: وَ جَعَلَهََا كَلِمَةً بََاقِيَةً فِي عَقِبِهِ : «الزخرف: 28» و قوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ : «الحجر: 9» و قوله: وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ ` لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ : «فصلت: 42» إلى غير ذلك من الآيات.

و ليس يختص هذا بأمة محمد بل الصحيح من الروايات تدل على خلافه، و هي الروايات الواردة من طرق شتى عن النبي ص الدالة على افتراق اليهود على إحدى و سبعين فرقة و النصارى على اثنتين و سبعين فرقة، و المسلمين على ثلاث و سبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة، و قد نقلنا الرواية في المبحث الروائي الموضوع في ذيل قوله تعالى:

وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً : «آل عمران: 103» .

و بالجملة لا كلام على متن الرواية إن صح سندها فإنها أجنبية عن مورد الكلام، و إنما الكلام في معنى عصمة أهل الحل و العقد من الأمة لو كان هو المراد بقوله: وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ .

ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل و العقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي؟ هذه العصابة التي شأنها الحل و العقد في الأمور غير مختصة بالأمة المسلمة بل كل أمة من الأمم العظام بل الأمم الصغيرة بل القبائل و العشائر لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة و تأثير في الأمور العامة، و أنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية و ما في عصرنا من الأمم و الأجيال وجدت موارد كثيرة اجتمعت أهل الحل و العقد منهم في مهام الأمور و عزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا و ربما أخطئوا، فالخطأ و إن كان في الآراء الفردية أكثر منه في الآراء الاجتماعية لكن الآراء الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا فهذا التاريخ و هذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق و موارد كثيرة جدا:

فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل و العقد في الإسلام مصونا عن الخطإ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة

395

(1) -للعادة، و يكون حينئذ كرامة باهرة تختص بها هذه الأمة تقيم صلبهم، و تحفظ حماهم و تقيهم من كل شر يدب في جماعتهم و وحدتهم و بالآخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم، و يعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الأمة العملية نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية فكان من اللازم أن يبين القرآن حدوده و سعة دائرته، و يمتن الله به كما أمتن بالقرآن و بمحمد ص، و يبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما بين لنبيه ذلك، و أن يوصي به النبي ص أمته، و لا سيما أصحابه الكرام و هم الذين صاروا بعده أهلا للحل و العقد، و تقلدوا ولاية أمور الأمة، و أن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الأمر ما حقيقتها، و ما حدها و ما سعة دائرة عملها، و هل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الأمور العامة لجميع الأمة الإسلامية؟أو تنعقد في كل جمعية إسلامية جمعية أولي الأمر فيحكم في نفوسهم و أعراضهم و أموالهم؟.

و لكان من اللازم أن يهتم به المسلمون و لا سيما الصحابة فيسألوا عنه و يبحثوا فيه، و قد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالأهلة، و ما ذا ينفقون، و الأنفال قال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ» و «يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ» و «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ» فما بالهم لم يسألوا؟أو أنهم سألوا ثم لعبت به الأيدي فخفي علينا؟فليس الأمر مما يخالف هوى أكثرية الأمة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالإعراض فالترك حتى ينسى.

و لكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات و الفتن الواقعة بعد ارتحال النبي ص حينا بعد حين، فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين و لا أثر في احتجاجاتهم و مناظراتهم، و قد ضبطها النقلة بكلماتها و حروفها، و لا توجد في خطاب و لا كتاب؟و لم تظهر بين قدماء المفسرين من الصحابة و التابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي و بعض من بعده!.

حتى أن الرازي أورد على هذا الوجه بعد ذكره: بأنه مخالف للإجماع المركب فإن الأقوال في معنى أولي الأمر لا تجاوز أربعة: الخلفاء الراشدون، و أمراء السرايا، و العلماء و الأئمة المعصومون، فالقول الخامس خرق للإجماع، ثم أجاب بأنه في الحقيقة راجع إلى القول الثالث فأفسد على نفسه ما كان أصلحه فهذا كله يقضي بأن الأمر لم يكن بهذه المثابة، و لم يفهم منه أنه عطية شريفة و موهبة عزيزة من معجزات الإسلام و كراماته الخارقة لأهل الحل و العقد من المسلمين.

396

(1) -أو يقال: إن هذه العصمة لا تنتهي إلى عامل خارق للعادة بل الإسلام بنى تربيته العامة على أصول دقيقة تنتج هذه النتيجة: أن أهل الحل و العقد من الأمة لا يغلطون فيما اجتمعوا عليه، و لا يعرضهم الخطأ فيما رأوه.

و هذا الاحتمال مع كونه باطلا من جهة منافاته للناموس العام و هو أن إدراك الكل هو مجموع إدراكات الأبعاض، و إذا جاز الخطأ على كل واحد واحد جاز على الكل يرد عليه أن رأي أولي الأمر بهذا المعنى لو اعتمد في صحته و عصمته على مثل هذا العامل غير المغلوب لم يتخلف عن أثره فإلى أين تنتهي هذه الأباطيل و الفسادات التي ملأت العالم الإسلامي؟.

و كم من منتدى إسلامي بعد رحلة النبي ص اجتمع فيه أهل الحل و العقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقا يهديهم إليه رأيهم فلم يزيدوا إلا ضلالا و لم يزد إسعادهم المسلمين إلا شقاء و لم يمكث الاجتماع الديني بعد النبي ص دون أن عاد إلى إمبراطورية ظالمة حاطمة!فليبحث الباحث الناقد في الفتن الناشئة منذ قبض رسول الله ص و ما استتبعته من دماء مسفوكة، و أعراض مهتوكة، و أموال منهوبة، و أحكام عطلت و حدود أبطلت!ثم ليبحث في منشئها و محتدها، و أصولها و أعراقها هل تنتهي الأسباب العاملة فيها إلا إلى ما رأته أهل الحل و العقد من الأمة ثم حملوا ما رأوه على أكتاف الناس؟.

فهذا حال هذا الركن الركين الذي يعتمد عليه بناية الدين أعني رأي أهل الحل و العقد لو كان هو المراد بأولي الأمر المعصومين في رأيهم.

فلا مناص على القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل و العقد من أن نقول بجواز خطئهم و إنهم على حد سائر الناس يصيبون و يخطئون غير أنهم لما كانوا عصابة فاضلة خبيرة بالأمور مدربين مجربين يقل خطؤهم جدا، و أن الأمر بوجوب طاعتهم مع كونهم ربما يغلطون و يخطئون من باب المسامحة في موارد الخطإ نظرا إلى المصلحة الغالبة في مداخلتهم فلو حكموا بما يغاير حكم الكتاب و السنة، و يطابق ما شخصوه من مصلحة الأمة بتفسير حكم من أحكام الدين بغير ما كان يفسر سابقا أو تغيير حكم بما يوافق صلاح الوقت أو طبع الأمة أو وضع حاضر الدنيا كان هو المتبع، و هو الذي يرتضيه الدين لأنه لا يريد إلا سعادة المجتمع و رقية في اجتماعه كما هو الظاهر المتراءى من سير الحكومات الإسلامية في صدر الإسلام و من دونهم فلم يمنع حكم من الأحكام الدائرة في زمن النبي ص‏

397

(1) -و لم يقض على سيرة من سيره و سننه إلا علل ذلك بأن الحكم السابق يزاحم حقا من حقوق الأمة، و أن صلاح حال الأمة في إنفاذ حكم جديد يصلح شأنهم، أو سن سنة حديثة توافق آمالهم في سعادة الحياة، و قد صرح بعض الباحثين‏ (1) أن الخليفة له أن يعمل بما يخالف صريح الدين حفظا لصلاح الأمة.

و على هذا فيكون حال الملة الإسلامية حال سائر المجتمعات الفاضلة المدنية في أن فيها جمعية منتخبة تحكم على قوانين المجتمع على حسب ما تراه و تشاهده من مقتضيات الأحوال، و موجبات الأوضاع.

و هذا الوجه أو القول-كما ترى-قول من يرى أن الدين سنة اجتماعية سبكت في قالب الدين، و ظهرت في صورته فهو محكوم بما يحكم على متون الاجتماعات البشرية و هياكلها بالتطور في أطوار الكمال التدريجي، و مثال عال لا ينطبق إلا على حياة الإنسان الذي كان يعيش في عصر النبوة و ما يقاربه.

فهي حلقة متقضية من حلق هذه السلسلة المسماة بالمجتمع الإنساني لا ينبغي أن يبحث عنها اليوم إلا كما يبحث علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) عن السلع المستخرجة من تحت أطباق الأرض.

و الذي يذهب إلى مثل هذا القول لا كلام لنا معه في هذه الآية: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ الآية، فإن القول يبتني على أصل مؤثر في جميع الأصول و السنن المأثورة من الدين من معارف أصلية و نواميس أخلاقية و أحكام فرعية و لو حمل على هذا ما وقع من الصحابة في زمن النبي و في مرض موته ثم الاختلافات التي صدرت منهم و ما وقع من تصرف الخلفاء في بعض الأحكام و بعض سير النبي ص ثم في زمن معاوية و من تلاه من الأمويين ثم العباسيين ثم الذين يلونهم و الجميع أمور متشابهة أنتج نتيجة باهتة.

و من أعجب الكلام المتعلق بهذه الآية ما ذكره بعض المؤلفين أن قوله تعالى:

«أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» لا يدل على شي‏ء مما ذكره المفسرون على اختلاف أقوالهم.

____________

(1) صاحب فجر الإسلام فيه.

398

(1) -أما أولا فلأن فرض طاعة أولي الأمر كائنين من كانوالا يدل على فضل و مزية لهم على غيرهم أصلا كما أن طاعة الجبابرة و الظلام واجبة علينا في حال الاضطرار اتقاء من شرهم، و لن يكونوا بذلك أفضل منا عند الله سبحانه.

و أما ثانيا فلأن الحكم المذكور في الآية لا يزيد على سائر الأحكام التي تتوقف فعليتها على تحقق موضوعاتها نظير وجوب الإنفاق على الفقير و حرمة إعانة الظالم فليس يجب علينا أن نوجد فقيرا حتى ننفق عليه أو ظالما حتى لا نعينه.

و الوجهان اللذان ذكرهما ظاهرا الفساد، مضافا إلى أن هذا القائل قدر أن المراد بأولي الأمر في الآية الحكام و السلاطين و قد تبين فساد هذا الاحتمال.

أما الوجه الأول فلأنه غفل عن أن القرآن مملوء من النهي عن طاعة الظالمين و المسرفين و الكافرين، و من المحال أن يأمر الله مع ذلك بطاعتهم ثم يزيد على ذلك فيقرن طاعتهم بطاعة نفسه و رسوله، و لو فرض كون هذه الطاعة طاعة تقية لعبر عنها بإذن و نحو ذلك كما قال تعالى: إِلاََّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقََاةً : «آل عمران: 28» ، لا بالأمر بطاعتهم صريحا حتى يستلزم كل محذور شنيع.

و أما الوجه الثاني فهو مبني على الوجه الأول من معنى الآية أما لو فرض افتراض طاعتهم لكونهم ذا شأن في الدين كانوا معصومين لما تقدم تفصيلا، و محال أن يأمر الله بطاعة من لا مصداق له، أو له مصداق اتفاقي في آية تتضمن أس أساس المصالح الدينية و حكما لا يستقيم بدونه حال المجتمع الإسلامي أصلا، و قد عرفت‏ أن الحاجة إلى أولي الأمر عين الحاجة إلى الرسول و هي الحاجة إلى ولاية أمر الأمة و قد تكلمنا فيه في بحث المحكم و المتشابه.

و لنرجع إلى أول الكلام في الآية:

ظهر لك من جميع ما قدمناه أن لا معنى لحمل قوله تعالى: «وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» على جماعة المجمعين من أهل الحل و العقد، و هي الهيئة الاجتماعية بأي معنى من المعاني فسرناه فليس إلا أن المراد بأولي الأمر آحاد من الأمة معصومون في أقوالهم مفترض طاعتهم فتحتاج معرفتهم إلى تنصيص من جانب الله سبحانه من كلامه أو بلسان نبيه فينطبق على ما روي من طرق أئمة أهل البيت (ع) أنهم هم. ـ

399

(1) -و أما ما قيل: إن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أو أمراء السرايا أو العلماء المتبعون في أقوالهم و آرائهم فيدفع ذلك كله أولا: أن الآية تدل على عصمتهم و لا عصمة في هؤلاء الطبقات بلا إشكال إلا ما تعتقده طائفة من المسلمين في حق علي (ع) ، و ثانيا: أن كلا من الأقوال الثلاث قول من غير دليل يدل عليه.

و أما ما أورد على كون المراد به أئمة أهل البيت المعصومين (ع) :

أولا: إن ذلك يحتاج إلى تعريف صريح من الله و رسوله، و لو كان ذلك لم يختلف في أمرهم اثنان بعد رسول الله ص.

و فيه: أن ذلك منصوص عليه في الكتاب و السنة كآية الولاية و آية التطهير و غير ذلك، و سيأتي بسط الكلام فيها، و

كحديث السفينة: «مثل أهل‏ بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق»

و حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي-ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا»

و قد مر في بحث المحكم و المتشابه في الجزء الثالث من الكتاب، و كأحاديث أولي الأمر المروية من طرق الشيعة و أهل السنة، و سيجي‏ء بعضها في البحث الروائي التالي.

و ثانيا: أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم فإنها من دون معرفتهم تكليف بما لا يطاق و إذا كانت مشروطة فالآية تدفعه لأنها مطلقة.

و فيه: أن الإشكال منقلب على المستشكل فإن الطاعة مشروطة بالمعرفة مطلقا، و إنما الفرق أن أهل الحل و العقد يعرف مصداقهم على قوله من عند أنفسنا من غير حاجة إلى بيان من الله و رسوله، و الإمام المعصوم يحتاج معرفته إلى معرف يعرفه، و لا فرق بين الشرط و الشرط في منافاته الآية.

على أن المعرفة و إن عدت شرطا لكنها ليست من قبيل سائر الشروط فإنها راجعة إلى تحقق بلوغ التكليف فلا تكليف من غير معرفة به و بموضوعه و متعلقه، و ليست راجعة إلى التكليف و المكلف به، و لو كانت المعرفة في عداد سائر الشرائط كالاستطاعة في الحج‏، و وجدان الماء في الوضوء مثلا لم يوجد تكليف مطلق أبدا إذ لا معنى لتوجه التكليف إلى مكلف سواء علم به أو لم يعلم.

و ثالثا: أنا في زماننا هذا عاجزون عن الوصول إلى الإمام المعصوم و تعلم العلم‏

400

(1) -و الدين منه، فلا يكون هو الذي فرض الله طاعته على الأمة إذ لا سبيل إليه.

و فيه: أن ذلك مستند إلى نفس الأمة في سوء فعالها و خيانتها على نفسها لا إلى الله و رسوله فالتكليف غير مرتفع كما لو قتلت الأمة نبيها ثم اعتذرت أنها لا تقدر على طاعته، على أن الإشكال مقلوب عليه فإنا لا نقدر اليوم على أمة واحدة في الإسلام ينفذ فيها ما استصوبته لها أهل الحل و العقد منها.

و رابعا: أن الله تعالى يقول: «فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ» ، و لو كان المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى الإمام.

و فيه: أن جوابه تقدم فيما مر من البيان، و المراد بالرد الرد إلى الإمام بالتقريب الذي تقدم.

و خامسا: أن القائلين بالإمام المعصوم يقولون: إن فائدة اتباعه إنقاذ الأمة من ظلمة الخلاف، و ضرر التنازع و التفرق و ظاهر الآية يبين حكم التنازع مع وجود أولي الأمر، و طاعة الأمة لهم كأن يختلف أولو الأمر في حكم بعض النوازل و الوقائع، و الخلاف و التنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند القائلين به لأنه عندهم مثل الرسول ص‏ فلا يكون لهذا الزيادة فائدة على رأيهم.

و فيه: أن جوابه ظاهر مما تقدم أيضا فإن التنازع المذكور في الآية إنما هو تنازع المؤمنين في أحكام الكتاب و السنة دون أحكام الولاية الصادرة عن الإمام في الوقائع و الحوادث، و قد تقدم أن لا حكم إلا لله و رسوله فإن تمكن المتنازعون من فهم الحكم من الكتاب و السنة كان لهم أن يستنبطوه منهما، أو يسألوا الإمام عنه و هو معصوم في فهمه، و إن لم يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن يسألوا عنه الإمام، و ذلك نظير ما كان لمن يعاصر رسول الله ص كانوا يتفقهون فيما يتمكنون منه أو يسألون عنه رسول الله ص، و يسألونه فيما لا يتمكنون من فهمه بالاستنباط.

فحكم أولي الأمر في الطاعة حكم الرسول على ما يدل عليه الآية، و حكم التنازع هو الذي ذكره في الآية سواء في ذلك حضور الرسول كما يدل عليه الآيات التالية، و غيبته كما يدل عليه الأمر في الآية بإطلاقه، فالرد إلى الله و الرسول المذكور في الآية

401

(1) -مختص بصورة تنازع المؤمنين كما يدل عليه قوله: تَنََازَعْتُمْ ، و لم يقل: فإن تنازع أولو الأمر، و لا قال: فإن تنازعوا، و الرد إلى الله و الرسول عند حضور الرسول هو سؤال الرسول عن حكم المسألة أو استنباطه من الكتاب و السنة للمتمكن منه، و عند غيبته أن يسأل الإمام عنه أو الاستنباط كما تقدم بيانه، فلا يكون قوله: فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ «إلخ» زائدا من الكلام مستغنى عنه كما ادعاه المستشكل.

فقد تبين من جميع ما تقدم: أن المراد بأولي الأمر في الآية رجال من الأمة حكم الواحد منهم في العصمة و افتراض الطاعة حكم الرسول ص، و هذا مع ذلك لا ينافي عموم مفهوم لفظ أولي الأمر بحسب اللغة، و إرادته من اللفظ فإن قصد مفهوم من المفاهيم من اللفظ شي‏ء و إرادة المصداق الذي ينطبق عليه المفهوم شي‏ء آخر، و ذلك كما أن مفهوم الرسول معنى عام كلي و هو المراد من اللفظ في الآية لكن المصداق المقصود هو الرسول محمد ص.

قوله تعالى: «فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ» إلى آخر الآية تفريع على الحصر المستفاد من المورد فإن قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ «إلخ» حيث أوجب طاعة الله و رسوله، و هذه الطاعة إنما هي في المواد الدينية التي تتكفل رفع كل اختلاف مفروض، و كل حاجة ممكنة لم يبق مورد تمس الحاجة الرجوع إلى غير الله و رسوله، و كان معنى الكلام: أطيعوا الله، و لا تطيعوا الطاغوت، و هو ما ذكرناه من الحصر.

و توجه الخطاب إلى المؤمنين كاشف عن أن المراد بالتنازع هو تنازعهم بينهم لا تنازع مفروض بينهم و بين أولي الأمر، و لا تنازع مفروض بين أولي الأمر فإن الأول أعني التنازع بينهم و بين أولي الأمر لا يلائم افتراض طاعة أولي الأمر عليهم، و كذا الثاني أعني التنازع بين أولي الأمر فإن افتراض الطاعة لا يلائم التنازع الذي أحد طرفيه على الباطل، على أنه لا يناسب كون الخطاب متوجها إلى المؤمنين في قوله: فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ .

و لفظ الشي‏ء و إن كان يعم كل حكم و أمر من الله و رسوله و أولي الأمر كائنا ما كان لكن قوله بعد ذلك: فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ يدل على أن المفروض هو النزاع‏

402

(1) -في شي‏ء ليس لأولي الأمر الاستقلال و الاستبداد فيه‏من أوامرهم في دائرة ولايتهم كأمرهم بنفر أو حرب أو صلح أو غير ذلك، إذ لا معنى لإيجاب الرد إلى الله و الرسول في هذه الموارد مع فرض طاعتهم فيها.

فالآية تدل على وجوب الرد في نفس الأحكام الدينية التي ليس لأحد أن يحكم فيها بإنفاذ أو نسخ إلا الله و رسوله، و الآية كالصريح في أنه ليس لأحد أن يتصرف في حكم ديني شرعه الله و رسوله، و أولو الأمر و من دونهم في ذلك سواء.

و قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ ، تشديد في الحكم و إشارة إلى أن مخالفته إنما تنتشئ من فساد في مرحلة الإيمان فالحكم يرتبط به ارتباطا فالمخالفة تكشف عن التظاهر بصفة الإيمان بالله و رسوله، و استبطان للكفر، و هو النفاق كما يدل عليه الآيات التالية.

و قوله: ذََلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً أي الرد عند التنازع أو إطاعة الله و رسوله و أولي الأمر، و التأويل هو المصلحة الواقعية التي تنشأ منها الحكم ثم تترتب على العمل و قد تقدم البحث عن معناه في ذيل قوله تعالى: وَ اِبْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ XالآيةX: «آل عمران: 7» في الجزء الثالث من الكتاب.

قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» إلى آخر الآية الزعم‏ هو الاعتقاد بكذا سواء طابق الواقع أم لا، بخلاف‏ العلم‏ فإنه الاعتقاد المطابق للواقع، و لكون‏ الزعم يستعمل في الاعتقاد في موارد لا يطابق الواقع ربما يظن أن عدم مطابقة الواقع مأخوذ في مفهومه و ليس كذلك، و الطاغوت مصدر بمعنى الطغيان كالرهبوت و الجبروت و الملكوت غير أنه ربما يطلق و يراد به اسم الفاعل مبالغة يقال:

طغى الماء إذا تعدى ظرفه لوفوره و كثرته، و كان استعماله في الإنسان أولا على نحو الاستعارة ثم ابتذل فلحق بالحقيقة و هو خروج الإنسان عن طوره الذي حده له العقل أو الشرع، فالطاغوت‏ هو الظالم الجبار، و المتمرد عن وظائف عبودية الله استعلاء عليه تعالى و هكذا، و إليه يعود ما قيل: إن الطاغوت كل معبود من دون الله.

و قوله: بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، بمنزلة أن يقال: بما أنزل الله على رسله، و لم يقل: آمنوا بك و بالذين من قبلك لأن الكلام في وجوب الرد إلى كتاب الله و حكمه و بذلك يظهر أن المراد بقوله: «وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الأمر في الكتب السماوية

403

(1) -و الوحي النازل على الأنبياء: محمد و من قبله (ص) .

و قوله: أَ لَمْ تَرَ إلخ، الكلام بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: ما وجه ذكر قوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ «إلخ» فقيل: أ لم تر إلى تخلفهم من الطاعة حيث يريدون التحاكم إلى الطاغوت؟و الاستفهام للتأسف و المعنى: من الأسف ما رأيته أن بعض الناس، و هم معتقدون أنهم مؤمنون بما أنزل إليك من الكتاب و إلى سائر الأنبياء و الكتب السماوية إنما أنزلت لتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، و قد بينه الله تعالى لهم بقوله: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ : «البقرة: 213» يتحاكمون عند التنازع إلى الطاغوت و هم أهل الطغيان و المتمردون عن دين الله المتعدون على الحق، و قد أمروا في هذه الكتب أن يكفروا بالطاغوت، و كفى في منع التحاكم إليهم أنه إلغاء لكتب الله و إبطال لشرائعه.

و في قوله «وَ يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاََلاً بَعِيداً ، دلالة على أن تحاكمهم إنما هو بإلقاء الشيطان و إغوائه، و الوجهة فيه الضلال البعيد.

قوله تعالى: «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا» إلى آخر الآية، تعالوا بحسب الأصل أمر من التعالي و هو الارتفاع، و صد عنه‏ يصد صدودا أي أعرض، و قوله: إِلى‏ََ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ إِلَى اَلرَّسُولِ ، بمنزلة أن يقال: إلى حكم الله و من يحكم به، و في قوله: يَصُدُّونَ عَنْكَ ، إنما خص الرسول بالإعراض مع أن الذي دعوا إليه هو الكتاب‏ و الرسول معا لا الرسول وحده لأن الأسف إنما هو من فعل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل الله فهم ليسوا بكافرين حتى يتجاهروا بالإعراض عن كتاب الله بل منافقون بالحقيقة يتظاهرون بالإيمان بما أنزل الله لكنهم يعرضون عن رسوله.

و من هنا يظهر أن الفرق بين الله و رسوله بتسليم حكم الله و التوقف في حكم الرسول نفاق البتة.

قوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ» إلخ إيذان بأن هذا الإعراض و الانصراف عن حكم الله و رسوله، و الإقبال إلى غيره و هو حكم الطاغوت سيعقب مصيبة تصيبهم لا سبب لها إلا هذا الإعراض عن حكم الله و رسوله، و التحاكم إلى الطاغوت، و قوله: ثُمَّ جََاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ ، اه حكاية لمعذرتهم أنهم ما كانوا يريدون بركونهم إلى حكم الطاغوت سوء، و المعنى-و الله أعلم-: فإذا كان حالهم هذا الحال كيف صنيعهم‏