الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
404

(1) -إذا أصابهم بفعالهم هذا وباله السيئ ثم جاءوك يحلفون بالله قائلين ما أردنا بالتحاكم إلى غير الكتاب و الرسول إلا الإحسان و التوفيق و قطع المشاجرة بين الخصوم.

قوله تعالى: «أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ» إلخ تكذيب لقولهم فيما اعتذروا به، و لم يذكر حال ما في قلوبهم، و أنه ضمير فاسد لدلالة قوله: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ» على ذلك إذ لو كان ما في قلوبهم غير فاسد كان قولهم صدقا و حقا و لا يؤمر بالإعراض عمن يقول الحق و يصدق في قوله.

و قوله: وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً أي قولا يبلغ في أنفسهم ما تريد أن يقفوا عليه‏ و يفقهوه من مفاسد هذا الصنيع، و أنه نفاق لو ظهر نزل بهم الويل من سخط الله تعالى.

قوله تعالى: «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ بِإِذْنِ اَللََّهِ» ، رد مطلق لجميع ما تقدمت حكايته من هؤلاء المنافقين من التحاكم إلى الطاغوت، و الإعراض عن الرسول، و الحلف و الاعتذار بالإحسان و التوفيق. فكل ذلك مخالفة للرسول بوجه سواء كانت مصاحبة لعذر يعتذر به أم لا، و قد أوجب الله طاعته من غير قيد و شرط فإنه لم يرسله إلا ليطاع بإذن الله، و ليس لأحد أن يتخيل أن المتبع من الطاعة طاعة الله، و إنما الرسول بشر ممن خلق إنما يطاع لحيازة الصلاح فإذا أحرز صلاح من دون طاعته فلا بأس بالاستبداد في إحرازه، و ترك الرسول في جانب، و إلا كان إشراكا بالله، و عبادة لرسوله معه، و ربما كان يلوح ذلك في أمور يكلمون فيها رسول الله ص يقول قائلهم له إذا عزم عليهم في مهمة: أ بأمر من الله أم منك؟.

فذكر الله سبحانه أن وجوب طاعة النبي ص وجوب مطلق، و ليست إلا طاعة الله فإنها بإذنه نظير ما يفيده قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ XالآيةX: «النساء: 80» .

ثم ذكر أنهم لو رجعوا إلى الله و رسوله بالتوبة حين ما خالفوا الرسول بالإعراض لكان خيرا لهم من أن يحلفوا بالله، و يلفقوا أعذارا غير موجهة لا تنفع و لا ترضي رسول الله ص لأن الله سبحانه يخبره بحقيقة الأمر، و ذلك قوله: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جََاؤُكَ إلى آخر الآية.

قوله تعالى: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ إلخ، الشجر -بسكون الجيم- و الشجور : الاختلاط يقال: شجر شجرا و شجورا أي اختلط، و منه التشاجر

405

(1) -و المشاجرة كأن الدعاوي أو الأقوال اختلط بعضها مع بعض، و منه قيل للشجر: شجر لاختلاط غصونها بعضها مع بعض، و الحرج الضيق.

و ظاهر السياق في بدء النظر أنه رد لزعم المنافقين أنهم آمنوا بالنبي ص مع تحاكمهم إلى الطاغوت فالمعنى: فليس كما يزعمون أنهم يؤمنون مع تحاكمهم إلى الطاغوت بل لا يؤمنون حتى يحكموك «إلخ» .

لكن شمول حكم الغاية أعني قوله: حَتََّى يُحَكِّمُوكَ «إلخ» لغير المنافقين، و كذا قوله بعد ذلك: «وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ» إلى قوله: «مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ» يؤيد أن الرد لا يختص بالمنافقين بل يعمهم و غيرهم من جهة أن ظاهر حالهم أنهم يزعمون أن مجرد تصديق ما أنزل من عند الله بما يتضمنه من المعارف و الأحكام إيمان بالله و رسوله و بما جاء به من عند ربه حقيقة، و ليس كذلك‏ بل الإيمان تسليم تام باطنا و ظاهرا فكيف يتأتى لمؤمن حقا أن لا يسلم للرسول حكما في الظاهر بأن يعرض عنه و يخالفه، أو في باطن نفسه بأن يتحرج عن حكم الرسول إذا خالف هوى نفسه، و قد قال الله تعالى لرسوله: لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ : «النساء: 105» .

فلو تحرج متحرج بما قضى به النبي ص فمن حكم الله تحرج لأنه الذي شرفه بافتراض الطاعة و نفوذ الحكم.

و إذا كانوا سلموا حكم الرسول، و لم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم الله قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي و التكويني، و هذا موقف من مواقف الإيمان يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها: التسليم لأمر الله، و يسقط فيه التحرج و الاعتراض و الرد من لسان المؤمن و قلبه، و قد أطلق في الآية التسليم إطلاقا.

و من هنا يظهر أن قوله: فَلاََ وَ رَبِّكَ إلى آخر الآية، و إن كان مقصورا على التسليم لحكم النبي ص بحسب اللفظ لأن مورد الآيات هو تحاكمهم إلى غير رسول الله ص مع وجوب رجوعهم إليه إلا أن المعنى عام لحكم الله و رسوله جميعا، و لحكم التشريع و التكوين جميعا كما عرفت.

بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول الله ص و كل سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى الله و رسوله بأي نحو كان لا يتأتى‏

406

(1) -لمؤمن بالله حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه أو يمله أو يسوءه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه، و قد قال تعالى: وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ : «يوسف: 106» .

قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ» إلى قوله: «مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ» قد تقدم في قوله: وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً نساء 4 إن هذا التركيب يدل على أن الحكم للهيئة الاجتماعية من الأفراد و هو المجتمع، و أن الاستثناء لدفع توهم استغراق الحكم و استيعابه لجميع الأفراد، و لذلك كان هذا الاستثناء أشبه بالمنفصل منه بالمتصل أو هو برزخ بين الاستثنائين: المتصل و المنفصل لكونه ذا جنبتين.

على هذا فقوله «مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ» وارد مورد الإخبار عن حال الجملة المجتمعة أنهم لا يمتثلون الأحكام و التكاليف الحرجية الشاقة التي تماس ما يتعلق به قلوبهم تعلق الحب الشديد كنفوسهم و ديارهم، و استثناء القليل لدفع التوهم.

فالمعنى: و لو أنا كتبنا أي فرضنا عليهم قتل أنفسهم و الخروج من ديارهم و أوطانهم المألوفة لهم ما فعلوه أي لم يمتثلوا أمرنا، ثم لما استشعر أن قوله: ما فعلوه يوهم أن ليس فيهم من هو مؤمن حقا مسلم لحكم الله حقيقة دفع ذلك باستثناء القليل منهم، و لم يكن يشمله الحكم حقيقة لأن الإخبار عن حال المجتمع من حيث إنه مجتمع و لم تكن الأفراد داخلة فيه إلا بتبع الجملة.

و من هنا يظهر أن المراد قتل الجملة الجملة و خروج الجملة و جلاؤهم من جملة ديارهم كالبلدة و القرية دون قتل كل واحد نفسه، و خروجه من داره كما في قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ : «البقرة: 54» ، فإن المقصود بالخطاب هو الجماعة دون الأفراد.

قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مََا يُوعَظُونَ بِهِ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً» في تبديل الكتابة في قوله: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ ، بالوعظ في قوله: مََا يُوعَظُونَ بِهِ إشارة إلى أن هذه الأحكام الظاهرة في صورة الأمر و الفرض ليست إلا إشارات إلى ما فيه صلاحهم و سعادتهم فهي في الحقيقة مواعظ و نصائح يراد بها خيرهم و صلاحهم.

و قوله: لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ أي في جميع ما يتعلق بهم من أولاهم و أخراهم، و ذلك أن خير الآخرة لا ينفك من خير الدنيا بل يستتبعه، و قوله: «وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً» أي‏

407

(1) -لنفوسهم و قلوبهم بالإيمان لأن‏ الكلام فيه، قال تعالى: يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثََّابِتِ XالآيةX: «إبراهيم: 27» .

قوله تعالى: «وَ إِذاً لَآتَيْنََاهُمْ مِنْ لَدُنََّا أَجْراً عَظِيماً» أي حين تثبتوا بالإيمان الثابت، و الكلام في إبهام قوله: «أَجْراً عَظِيماً» كالكلام في إطلاق قوله: «لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ» .

قوله تعالى: «وَ لَهَدَيْنََاهُمْ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً» قد مضى الكلام في معنى الصراط المستقيم في ذيل قوله: اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ : «الحمد: 6» في الجزء الأول من الكتاب.

قوله تعالى: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ» إلى قوله: «حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً» جمع بين الله و الرسول في هذا الوعد الحسن مع كون الآيات السابقة متعرضة لإطاعة الرسول و التسليم لحكمه و قضائه، لتخلل ذكره تعالى بينها في قوله: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ «إلخ» فالطاعة المفترضة طاعته تعالى و طاعة رسوله، و قد بدأ الكلام على هذا النحو في قوله : أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ الآية.

و قوله: فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ ، يدل على اللحوق دون الصيرورة فهؤلاء ملحقون بجماعة المنعم عليهم، و هم أصحاب الصراط المستقيم الذي لم ينسب في كلامه تعالى إلى غيره إلا إلى هذه الجماعة في قوله تعالى: اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ ` صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ : «الحمد: 7» ، و بالجملة فهم‏ ملحقون بهم غير صائرين منهم كما لا يخلو قوله: «وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً» من تلويح إليه، و قد تقدم أن المراد بهذه النعمة هي الولاية.

و أما هؤلاء الطوائف الأربع أعني النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين فالنبيون هم أصحاب الوحي الذين عندهم نبأ الغيب، و لا خبرة لنا من حالهم بأزيد من ذلك إلا من حيث الآثار، و قد تقدم أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال فيما يطلق من لفظ الشهيد في القرآن دون المستشهدين في معركة القتال، و أن المراد بالصالحين هم أهل اللياقة بنعم الله.

و أما الصديقون‏ فالذي يدل عليه لفظه هو أنه مبالغة من الصدق، و من الصدق ما هو في القول، و منه ما هو في الفعل، و صدق الفعل هو مطابقته للقول لأنه حاك عن الاعتقاد فإذا صدق في حكايته كان حاكيا لما في الضمير من غير تخلف، و صدق القول مطابقته لما في الواقع، و حيث كان القول نفسه من الفعل بوجه كان الصادق في فعله لا يخبر إلا عما يعلم صدقه و أنه حق، ففي قوله الصدق الخبري و المخبري جميعا.

408

(1) -فالصديق الذي لا يكذب أصلا هو الذي لا يفعل إلا ما يراه حقا من غير اتباع لهوى النفس، و لا يقول إلا ما يرى أنه حق، و لا يرى شيئا إلا ما هو حق فهو يشاهد حقائق الأشياء، و يقول الحق، و يفعل الحق.

و على ذلك فيترتب المراتب فالنبيون و هم السادة، ثم الصديقون و هم شهداء الحقائق و الأعمال، و الشهداء و هم شهداء الأعمال، و الصالحون و هم المتهيئون للكرامة الإلهية.

و قوله تعالى: «وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً» أي من حيث الرفاقة فهو تمييز، قيل:

و لذلك لم يجمع، و قيل: المعنى: حسن كل واحد منهم رفيقا، و هو حال نظير قوله:

ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً : «الحج: 5» .

قوله تعالى: «ذََلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللََّهِ وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ عَلِيماً» تقديم «ذََلِكَ» و إتيانه بصيغة الإشارة الدالة على البعيد و دخول اللام في الخبر يدل على تفخيم أمر هذا الفضل كأنه كل الفضل، و ختم الآية بالعلم لكون الكلام في درجات الإيمان التي لا سبيل إلى تشخيصها إلا العلم الإلهي.

و اعلم أن في هذه الآيات الشريفة موارد عديدة من الالتفات الكلامي متشابك بعضها مع بعض فقد أخذ المؤمنون في صدر الآيات مخاطبين ثم في قوله: «وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ» كما مر غائبين، و كذلك أخذ تعالى نفسه في مقام الغيبة في صدر الآيات في قوله:

أَطِيعُوا اَللََّهَ الآية، ثم في مقام المتكلم مع الغير في قوله: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ الآية، ثم الغيبة في قوله: بِإِذْنِ اَللََّهِ الآية، ثم المتكلم مع الغير في قوله: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا الآية، ثم الغيبة في قوله: وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ الآية.

و كذلك الرسول أخذ غائبا في صدر الآيات في قوله: وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ الآية، ثم مخاطبا في قوله: ذََلِكَ خَيْرٌ الآية، ثم غائبا في قوله: وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ الآية، ثم مخاطبا في قوله: فَلاََ وَ رَبِّكَ الآية، ثم غائبا في قوله: وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ الآية، ثم مخاطبا في قوله: وَ حَسُنَ أُولََئِكَ الآية، فهذه عشر موارد من الالتفات الكلامي و النكات المختصة بكل مورد مورد ظاهرة للمتدبر.

بحث روائي‏

في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري*: لما أنزل

409

(1) -الله عز و جل على نبيه محمد ص: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ- وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ « قلت: يا رسول الله عرفنا الله و رسوله-فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟فقال (ص) : هم خلفائي يا جابر-و أئمة المسلمين من بعدي: أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر-ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي محمد و كنيي حجة الله في أرضه-و بقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك- الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض و مغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة-لا يثبت فيه على القول بإمامته-إلا من امتحن الله قلبه للإيمان.

قال جابر: فقلت له يا رسول الله-فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته-فقال (ص) إي و الذي بعثني بالنبوة-إنهم يستضيئون بنوره، و ينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس-و إن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله-و مخزون علم الله فاكتمه إلا عن‏ أهله.

أقول: و عن النعماني بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي (ع) ما في معنى الرواية السابقة، و رواها علي بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه (ع) ، و هناك روايات أخر من طرق الشيعة و أهل السنة، و فيها ذكر إمامتهم بأسمائهم من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب ينابيع المودة و كتاب غاية المرام للبحراني و غيرهما.

و في تفسير العياشي، عن جابر الجعفي قال*: سألت أبا جعفر (ع) عن هذه الآية:

«أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» قال: الأوصياء.

أقول: و في تفسير العياشي، عن عمر بن سعيد عن أبي الحسن (ع) *مثله و فيه: علي بن أبي طالب و الأوصياء من بعده.

و عن ابن شهرآشوب*: سأل الحسن بن صالح عن الصادق (ع) عن ذلك-فقال:

الأئمة من أهل بيت رسول الله ص:

أقول: و روى مثله الصدوق عن أبي بصير عن الباقر (ع) *و فيه: قال: الأئمة من ولد علي و فاطمة إلى أن تقوم الساعة.

410

(1) -

و في الكافي، بإسناده عن أبي مسروق عن أبي عبد الله (ع) قال*: قلت له: إنا نكلم أهل الكلام-فنحتج عليهم بقول الله عز و جل: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» فيقولون: نزلت في المؤمنين، و نحتج عليهم بقول الله عز و جل:

«قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ» فيقولون: نزلت في قربى المسلمين قال: فلم أدع شيئا مما حضرني ذكره من هذا و شبهه إلا ذكرته، فقال لي: إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة، قلت: و كيف أصنع؟فقال: أصلح نفسك ثلاثا و أطبه، قال: و صم و اغتسل و ابرز أنت و هو إلى الجبال-فتشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه-ثم أنصفه، و ابدأ بنفسك، و قل: اللهم رب السموات السبع و رب الأرضين السبع-عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم-إن كان أبو مسروق جحد حقا و ادعى باطلا- فأنزل عليه حسبانا من السماء و عذابا أليما، ثم رد الدعوة عليه فقل: و إن جحد حقا و ادعى باطلا-فأنزل عليه حسبانا من السماء و عذابا أليما.

ثم قال لي: فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه، فوالله ما وجدت خلقا يجيبني إليه.

و في تفسير العياشي، عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (ع) *في قوله: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» قال: هي في علي و في الأئمة-جعلهم الله مواضع الأنبياء غير أنهم لا يحلون شيئا و لا يحرمونه.

أقول: و الاستثناء في الرواية هو الذي قدمنا في ذيل الكلام على الآية أنها تدل على أن لا حكم تشريعا إلا لله و رسوله.

و في الكافي، بإسناده عن بريد بن معاوية قال*: تلا أبو جعفر (ع) : أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم-فإن خفتم تنازعا في الأمر-فأرجعوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منكم.

قال: كيف يأمر بطاعتهم و يرخص في منازعتهم-إنما قال ذلك للمارقين الذين قيل لهم: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ .

أقول: الرواية لا تدل على أزيد من كون ما تلاه (ع) تفسير للآية و بيانا للمراد منها، و قد تقدم في البيان السابق توضيح دلالتها على ذلك، و ليس المراد هو القراءة كما ربما يستشعر من قوله: تلا أبو جعفر (ع) .

و يدل على ذلك اختلاف اللفظ الموجود في الروايات كما

في تفسير القمي، بإسناده

411

(1) -عن حريز عن أبي عبد الله (ع) قال*: نزلت: «فإن تنازعتم في شي‏ء-فأرجعوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منكم» .

و ما في تفسير العياشي، عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (ع) » و هو رواية الكافي، السابقة) و في الحديث*: ثم قال للناس: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» إيانا عنى خاصة «فإن خفتم تنازعا في‏ الأمر-فارجعوا إلى الله و إلى الرسول و أولي الأمر منكم» هكذا نزلت، و كيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر-و يرخص لهم في منازعتهم-إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ .

و في تفسير العياشي، : في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال*: نزلت (يعني آية أَطِيعُوا اَللََّهَ) ، في علي بن أبي طالب (ع) -قلت له: إن الناس يقولون لنا: فما منعه أن يسمي عليا و أهل بيته في كتابه؟فقال أبو جعفر (ع) : قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة و لم يسم ثلاثا و لا أربعا-حتى كان رسول الله ص هو الذي فسر ذلك (لهم) و أنزل الحج و لم ينزل طوفوا أسبوعا-حتى فسر ذلك لهم رسول الله ص، و الله أنزل: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» تنزلت في علي و الحسن و الحسين (ع) ، و قال في علي من كنت مولاه فعلي مولاه، و قال رسول الله ص:

أوصيكم بكتاب الله و أهل بيتي-إني سألت الله أن لا يفرق بينهما-حتى يوردهما علي الحوض فأعطاني ذلك، و قال: فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلال، و لو سكت رسول الله و لم يبين أهلها-لادعى آل عباس و آل عقيل و آل فلان، و لكن أنزل الله في كتابه: «إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ-وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فكان علي و الحسن و الحسين و فاطمة (ع) تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله ص بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين (ص) -فأدخلهم تحت الكساء في بيت أم سلمة-و قال: اللهم إن لكل نبي ثقلا و أهلا فهؤلاء ثقلي و أهلي، و قالت أم سلمة: أ لست من أهلك؟قال: إنك إلى خير، و لكن هؤلاء ثقلي و أهلي، الحديث:

أقول: و روي في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عنه (ع) مثله مع اختلاف يسير في اللفظ.

و في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير مجاهد*: أنها نزلت في أمير المؤمنين‏

412

(1) -حين خلفه رسول الله ص بالمدينة-فقال: يا رسول الله أ تخلفني على النساء و الصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين-أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟حين قال له:

«اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ» فقال الله: وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ .

قال: علي بن أبي طالب ولاه الله أمر الأمة بعد محمد، و حين خلفه رسول الله ص بالمدينة-فأمر الله العباد بطاعته و ترك خلافه.

و فيه، عنه عن أبانة الفلكي"*: أنها نزلت حين شكا أبو بريدة من علي (ع) ، الخبر.

و في العبقات، عن كتاب ينابيع المودة، للشيخ سليمان بن إبراهيم البلخي عن المناقب عن سليم بن قيس الهلالي عن علي في حديث قال*: و أما أدنى ما يكون به العبد ضالا-أن لا يعرف حجة الله تبارك و تعالى و شاهده على عباده، الذي أمر الله عباده بطاعته، و فرض ولايته.

قال سليم: قلت: يا أمير المؤمنين صفهم لي، قال: الذين قرنهم الله بنفسه و نبيه فقال: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا-أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» فقلت له:

جعلني الله فداك أوضح لي، فقال: الذين قال رسول الله ص في مواضع-و في آخر خطبته يوم قبضه الله عز و جل إليه: إني تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي-إن تمسكتم بهما كتاب الله عز و جل، و عترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا-حتى يردا علي الحوض كهاتين-و جمع بين مسبحتيه-و لا أقول: كهاتين و جمع مسبحته و الوسطى-فتمسكوا بهما و لا تقدموهم فتضلوا.

أقول: و الروايات عن أئمة أهل البيت (ع) في المعاني السابقة كثيرة جدا و قد اقتصرنا فيما نقلناه على إيراد نموذج من كل صنف منها، و على من يطلبها أن يراجع جوامع الحديث.

و أما الذي روي عن قدماء المفسرين فهي ثلاثة أقوال: الخلفاء الراشدون، و أمراء السرايا و العلماء، و ما نقل عن الضحاك أنهم أصحاب النبي ص فهو يرجع إلى القول الثالث فإن اللفظ المنقول منه: أنهم أصحاب رسول الله ص هم الدعاة الرواة، و ظاهره أنه تعليل بالعلم فيرجع إلى التفسير بالعلماء.

و اعلم أيضا أنه قد نقل في أسباب نزول هذه الآيات أمور كثيرة، و قصص مختلفة شتى لكن التأمل فيها لا يدع ريبا في أنها جميعا من قبيل التطبيق‏ النظري من رواتها، و لذلك تركنا إيرادها لعدم الجدوى في نقلها، و إن شئت تصديق ذلك فعليك بالرجوع‏

413

(1) -إلى الدر المنثور، و تفسير الطبري، و أشباههما.

و في محاسن البرقي، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) *في قول الله تعالى:

فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ الآية، قال: التسليم، الرضا، و القنوع بقضائه.

و في الكافي، بإسناده عن عبد الله الكاهلي قال*: قال أبو عبد الله (ع) : لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له، و أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، و حجوا البيت، و صاموا شهر رمضان-ثم قالوا الشي‏ء صنعه الله و صنع رسوله ص: لم صنع هكذا و كذا، و لو صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية:

«فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ-ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمََّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» ثم قال أبو عبد الله (ع) : عليكم بالتسليم.

و في تفسير العياشي، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله (ع) قال*: سمعته يقول: و الله لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له و أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، و حجوا البيت، و صاموا شهر رمضان-ثم قالوا لشي‏ء صنعه رسول الله ص: لم صنع كذا و كذا؟و وجدوا ذلك في أنفسهم لكانوا بذلك مشركين، ثم قرأ: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ-ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً -مما قضى محمد و آل محمد وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً .

أقول: و في معنى الروايتين روايات أخر، و الذي ذكره (ع) تعميم في الآية من جهة الملاك من جهتين: من جهة أن الحكم لا يفرق فيه بين أن يكون حكما تشريعيا أو تكوينيا، و من جهة أن الحاكم بالحكم لا يفرق فيه بين أن يكون هو الله أو رسوله.

و اعلم أن هناك روايات تطبق الآيات أعني قوله: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ إلى آخر الآيات على ولاية علي (ع) أو على ولاية أئمة أهل البيت (ع) ، و هو من مصاديق التطبيق على المصاديق، فإن الله سبحانه و رسوله ص و الأئمة من أهل البيت (ع) مصاديق الآيات و هي جارية فيهم.

و في أمالي الشيخ، بإسناده إلى علي بن أبي طالب (ع) قال*: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ص-فقال: يا رسول الله ما أستطيع فراقك، و إني لأدخل منزلي فأذكرك- فأترك ضيعتي و أقبل حتى أنظر إليك حبا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة فأدخلت الجنة-فرفعت في أعلى عليين فكيف لي بك يا نبي الله؟فنزل: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ-مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ-وَ حَسُنَ‏

414

(1) -أُولََئِكَ رَفِيقاً» -فدعا النبي ص الرجل فقرأها عليه و بشره بذلك.

أقول: و هذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا رواه في الدر المنثور، عن الطبراني و ابن مردويه و أبي نعيم في الحلية و الضياء المقدسي في صفة الجنة و حسنه عن عائشة، و عن الطبراني و ابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس، و عن سعيد بن منصور و ابن المنذر عن الشعبي، و عن ابن جرير عن‏ سعيد بن جبير.

و في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن أنس بن مالك عمن سمى عن أبي صالح عن ابن عباس" *في قوله تعالى: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ-فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ» يعني محمدا-و «اَلصِّدِّيقِينَ» يعني عليا و كان أول من صدق-و «اَلشُّهَدََاءِ» - يعني عليا و جعفرا و حمزة و الحسن و الحسين (ع) .

أقول: و في هذا المعنى أخبار أخر.

و في الكافي، عن الباقر (ع) قال*: أعينونا بالورع-فإنه من لقي الله بالورع كان له عند الله فرحا-فإن الله عز و جل يقول: وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ ، و تلا الآية-ثم قال:

فمنا النبي و منا الصديق و منا الشهداء و الصالحون.

و فيه، عن الصادق (ع) *: المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى الله بشروطه-التي اشترطها عليه-فذلك مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين-و حسن أولئك رفيقا، و ذلك ممن يشفع و لا يشفع له، و ذلك ممن لا يصيبه أهوال الدنيا و و لا أهوال الآخرة، و مؤمن زلت به قدم-فذلك كخامة الزرع كيفما كفأته الريح انكفأ، و ذلك ممن يصيبه أهوال الدنيا و أهوال الآخرة-و يشفع له، و هو على خير.

أقول: في الصحاح: الخامة: الغضة الرطبة من النبات انتهى‏، و يقال: كفأت فلانا فانكفأ أي صرفته فانصرف و رجع، و هو (ع) يشير في الحديث إلى ما تقدم في تفسير قوله: صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ : «الفاتحة: 7» أن المراد بالنعمة الولاية فينطبق على قوله تعالى: أَلاََ إِنَّ أَوْلِيََاءَ اَللََّهِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ ` اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ : «يونس:

63» و لا سبيل لأهوال الحوادث إلى أولياء الله الذين ليس لهم إلا الله سبحانه.

ـ

415

(1) -

بيان‏

الآيات بالنسبة إلى ما تقدمها-كما ترى-بمنزلة ذي المقدمة بالنسبة إلى المقدمة و هي تحث و تستنهض المؤمنين للجهاد في سبيل الله، و قد كانت المحنة شديدة على المؤمنين أيام كانت تنزل هذه الآيات، و هي كأنها الربع الثاني من زمن إقامة رسول الله ص بالمدينة كانت العرب هاجت عليهم من كل جانب لإطفاء نور الله، و هدم ما ارتفع من بناية الدين يغزو رسول الله ص مشركي مكة و طواغيت قريش، و يسري السرايا إلى أقطار الجزيرة، و يرفع قواعد الدين بين المؤمنين، و في داخلهم جمع المنافقين و هم ذو قوة و شوكة، و قد بان يوم أحد أن لهم عددا لا ينقص من نصف عدة المؤمنين بكثير (1) .

و كانوا يقلبون الأمور على رسول الله ص، و يتربصون به الدوائر، و يثبطون المؤمنين و فيهم مرضى القلوب سماعون لهم، و حولهم اليهود يفتنون المؤمنين و يغزونهم

____________

(1) و قد تقدم في أحاديث أحد أن النبي ص خرج إلى أحد في ألف ثم رجع منهم ثلاثمائة من المنافقين مع عبد الله بن أبي، و بقي مع النبي سبعمائة.

416

(1) -و كانت عرب المدينة تحترمهم، و تعظم أمرهم من قديم عهدهم فكانوا يلقون إليهم من باطل القول و مضلات الأحاديث ما يبطل به صادق إرادتهم، و ينتقض به مبرم جدهم، و من جانب آخر كانوا يشجعون المشركين عليهم، و يطيبون نفوسهم في مقاومتهم، و البقاء و الثبات على كفرهم و جحودهم، و تفتين من عندهم من المؤمنين.

فالآيات السابقة كالمسوقة لإبطال كيد اليهود للمسلمين، و إمحاء آثار إلقاءاتهم على المؤمنين، و ما في هذه الآيات من حديث المنافقين هو كتتميم إرشاد المؤمنين، و تكميل تعريفهم حاضر الحال ليكونوا على بصيرة من أمرهم، و على حذر من الداء المستكن الذي دب في داخلهم، و نفذ في جمعهم، و ليبطل بذلك كيد أعدائهم الخارجين المحيطين بهم، و يرتد أنفاسهم إلى صدورهم، و ليتم نور الدين في سطوعه، و الله متم نوره و لو كره المشركون و الكافرون.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً» الحذر بالكسر فالسكون ما يحذر به و هو آلة الحذر كالسلاح، و ربما قيل: إنه مصدر كالحذر بفتحتين، و النفر هو السير إلى جهة مقصودة، و أصله الفزع، فالنفر من محل السير فزع عنه و إلى محل السير فزع إليه، و الثبات‏ جمع ثبة، و هي الجماعة على تفرقة، فالثبات الجماعة بعد الجماعة بحيث تتفصل ثانية عن أولى، و ثالثة عن ثانية، و يؤيد ذلك مقابلة قوله: «فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ» قوله: «أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً» .

و التفريع في قوله: فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ ، على قوله: خُذُوا حِذْرَكُمْ ، بظاهره يؤيد كون المراد بالحذر ما به الحذر على أن يكون كناية عن التهيؤ التام للخروج إلى الجهاد و يكون المعنى: خذوا أسلحتكم أي أعدوا للخروج و اخرجوا إلى عدوكم فرقة فرقة (سرايا) أو اخرجوا إليهم جميعا (عسكرا) .

و من المعلوم أن التهيؤ و الإعداد يختلف باختلاف عدة العدو و قوته فالترديد في قوله: أو انفروا، ليس تخييرا في كيفية الخروج و إنما الترديد بحسب تردد العدو من حيث العدة و القوة أي إذا كان عددهم قليلا فثبة، و إن كان كثيرا فجميعا.

فيئول المعنى-و خاصة}}بملاحظة الآية التالية: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ، -إلى نهيهم عن أن يضعوا أسلحتهم، و ينسلخوا عن الجد و بذل الجهد في أمر الجهاد فيموت عزمهم و يفتقد نشاطهم في إقامة أعلام الحق، و يتكاسلوا أو يتبطئوا أو يتثبطوا في قتال أعداء الله، و تطهير الأرض من قذارتهم.

417

(1) -قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» ، قيل: إن اللام الأولي لام الابتداء لدخولها على اسم إن، و اللام الثانية لام القسم لدخولها على الخبر و هي جملة فعلية مؤكدة بنون التأكيد الثقيلة، و التبطئة و الإبطاء بمعنى، و هو التأخير في العمل.

و قوله: «وَ إِنَّ مِنْكُمْ» ، يدل على أن هؤلاء من المؤمنين المخاطبين في صدر الآية بقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا ، على ما هو ظاهر كلمة «مِنْكُمْ» كما يدل عليه ما سيأتي من قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، فإن الظاهر أن هؤلاء أيضا كانوا من المؤمنين، مع قوله تعالى بعد ذلك: فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ ، و قوله: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ «إلخ» و كذا قوله: فَلْيُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اَلَّذِينَ ، و قوله: وَ مََا لَكُمْ لاََ تُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ ، و قوله: اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ ، كل ذلك تحريض و استنهاض للمؤمنين و فيهم هؤلاء المبطئون على ما يلوح إليه اتصال الآيات.

على أنه ليس في الآيات ما يدل بظاهره على أن هؤلاء المبطئين من المنافقين الذين لم يؤمنوا إلا بظاهر من القول، مع أن في بعض ما حكى الله عنهم دلالة ما على إيمانهم في الجملة كقوله تعالى: فَإِنْ أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قََالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيَّ ، و قوله تعالى: رَبَّنََا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتََالَ «إلخ» .

نعم ذكر المفسرون أن المراد بقوله: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ ، المنافقون، و أن معنى كونهم منهم دخولهم في عددهم، أو اشتراكهم في النسب فهم منهم نسبا أو اشتراكهم مع المؤمنين في ظاهر حكم الشريعة بحقن الدماء و الإرث و نحو ذلك لتظاهرهم بالشهادتين، و قد عرفت‏ أن ذلك تصرف في ظاهر القرآن من غير وجه.

و إنما دعاهم إلى هذا التفسير حسن الظن بالمسلمين في صدر الإسلام (كل من لقي النبي ص و آمن به) و البحث التحليلي فيما ضبطه التاريخ من سيرتهم و حياتهم مع النبي و بعد يضعف هذا الظن، و الخطابات القرآنية الحادة في خصوصهم توهن هذا التقدير.

و لم تسمح الدنيا حتى اليوم بأمة أو عصابة طاهرة تألفت من أفراد طاهرة من غير استثناء مؤمنة واقفة على قدم صدق من غير عثرة قط (إلا ما نقل في حديث الطف) بل مؤمنو صدر الإسلام كسائر الجماعات البشرية فيهم المنافق و المريض قلبه و المتبع هواه و الطاهر سره.

و الذي يمتاز به الصدر الأول من المسلمين هو أن مجتمعهم كان مجتمعا فاضلا يقدمهم رسول الله ص، و يغشاهم نور الإيمان، و يحكم فيهم سيطرة الدين، هذا حال مجتمعهم‏

418

(1) -من حيث إنه مجتمع، و إن كان يوجد بينهم من الأفراد الصالح و الطالح جميعا، و في صفاتهم الروحية الفضيلة و الرذيلة معا و كل لون من ألوان الأخلاق و الملكات.

و هذا هو الذي يذكره القرآن من حالهم، و يبينه من صفاتهم قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ تَرََاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً سِيمََاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ -Xإلى أن قال‏X-: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً : «الفتح: 29» ، فقد بدأ تعالى بذكر صفاتهم و فضائلهم الاجتماعية مطلقة، و ختم بذكر المغفرة و الأجر لأفرادهم مشروطة.

قوله تعالى: «فَإِنْ أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ» أي من قتل أو جرح «قََالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً» حتى أبتلى بمثل ما ابتلي به المؤمنون.

قوله تعالى: «وَ لَئِنْ أَصََابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللََّهِ» من قبيل غنيمة الحرب و نحوها، و الفضل‏ هو المال و ما يماثله، و قوله: لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ، تشبيه و تمثيل لحالهم فإنهم مؤمنون، و المسلمون يد واحدة يربط بعضهم ببعض أقوى الروابط، و هو الإيمان بالله و آياته الذي يحكم على جميع الروابط الأخر من نسب أو ولاية أو بيعة أو مودة لكنهم لضعف إيمانهم لا يرون لأنفسهم أدنى ربط يربطهم بالمؤمنين فيتمنون الكون معهم و الحضور في جهادهم كما يتمنى الأجنبي فضلا ناله أجنبي فيقول أحدهم: يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ، و من علائم ضعف إيمانهم إكبارهم أمر هذه الغنائم، و عدهم حيازة الفضل و المال فوزا عظيما، و كل مصيبة أصابت المؤمنين في سبيل الله من قتل أو جرح أو تعب نقمة.

قوله تعالى: «فَلْيُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اَلَّذِينَ يَشْرُونَ» ، قال في المجمع: يقال شريت أي بعت، و اشتريت أي ابتعت‏، فالمراد بقوله يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي يبيعون حياتهم الدنيا و يبدلونها بالآخرة.

و الآية تفريع على ما تقدم من الحث على الجهاد، و ذم من يبطئ في الخروج إليه ففيها تجديد للحث على القتال في سبيل الله بتذكير أن هؤلاء جميعا مؤمنون، قد شروا بإسلامهم لله تعالى الحياة الدنيا بالآخرة كما قال: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ : «التوبة: 111» ، ثم صرح على فائدة القتال الحسنة و أنها الأجر العظيم على أي حال بقوله: وَ مَنْ يُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ «إلخ» .

فبين أن أمر المقاتل في سبيل الله ينتهي إلى إحدى عاقبتين محمودتين: أن يقتل

419

(1) -في سبيل الله، أو يغلب عدو الله، و له أي حال أجر عظيم، و لم يذكر ثالث الاحتمالين-و هو الانهزام-تلويحا إلى أن المقاتل في سبيل الله لا ينهزم.

و قدم القتل على الغلبة لأن ثوابه أجزل و أثبت فإن المقاتل الغالب على عدو الله و إن كان يكتب له الأجر العظيم إلا أنه على خطر الحبط باقتراف بعض الأعمال الموجبة لحبط الأعمال الصالحة، و استتباع السيئة بعد الحسنة بخلاف القتل إذلا حياة بعده إلا حياة الآخرة فالمقتول في سبيل الله يستوفي أجره العظيم حتما، و أما الغالب في سبيل الله فأمره مراعى في استيفاء أجره.

قوله تعالى: «وَ مََا لَكُمْ لاََ تُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ» «إلخ» عطف على موضع لفظ الجلالة، و الآية تشتمل على حث و تحريض آخر على القتال في لفظ الاستفهام بتذكير أن قتالكم قتال في سبيل الله سبحانه، و هو الذي لا بغية لكم في حياتكم السعيدة إلا رضوانه، و لا سعادة أسعد من قربه، و في سبيل المستضعفين من رجالكم و نسائكم و ولدانكم.

ففي الآية استنهاض و تهييج لكافة المؤمنين و إغراء لهم: أما المؤمنون خالصو الإيمان و طاهرو القلوب فيكفيهم ذكر الله جل ذكره في أن يقوموا على الحق و يلبوا نداء ربهم و يجيبوا داعيه، و أما من دونهم من المؤمنين فإن لم يكفهم ذلك فليكفهم أن قتالهم هذا على أنه قتال في سبيل الله قتال في سبيل من استضعفه الكفار من رجالهم و نسائهم و ذراريهم فليغيروا لهم و ليتعصبوا.

و الإسلام و إن أبطل كل نسب و سبب دون الإيمان إلا أنه أمضى بعد التلبس بالإيمان الأنساب و الأسباب القومية فعلى المسلم أن يفدي عن أخيه المسلم المتصل به بالسبب الذي هو الإيمان، و عن أقربائه من رجاله و نسائه و ذراريه إذا كانوا على الإسلام فإن ذلك يعود بالآخرة إلى سبيل الله‏دون غيره.

و هؤلاء المستضعفون الذين هم أبعاضهم و أفلاذهم مؤمنون بالله سبحانه بدليل قوله: اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنََا «إلخ» ، و هم مع ذلك مذللون معذبون يستصرخون و يستغيثون بقولهم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، و قد أطلق الظلم، و لم يقل: الظالم أهلها على أنفسهم، و فيه إشعار بأنهم كانوا يظلمونهم بأنواع التعذيب و الإيذاء و كذلك كان الأمر.

و قد عبر عن استغاثتهم و استنصارهم بأجمل لفظ و أحسن عبارة فلم يحك عنهم أنهم يقولون: يا للرجال، يا للسراة، يا قوماه، يا عشيرتاه بل حكى أنهم يدعون ربهم‏

420

(1) -و يستغيثون بمولاهم الحق فيقولون: رَبَّنََا أَخْرِجْنََا مِنْ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظََّالِمِ أَهْلُهََا ثم يشيرون إلى النبي ص و إلى من معه من المؤمنين المجاهدين بقولهم: وَ اِجْعَلْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اِجْعَلْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ، فهم يتمنون وليا، و يتمنون نصيرا لكن لا يرضون دون أن يسألوا ربهم الولي و النصير.

كلام في الغيرة و العصبية

انظر إلى هذا الأدب البارع الإلهي الذي أتى به الكتاب العزيز و قسه إلى ما عندنا من ذلك بحسب قضاء الطبع ترى عجبا.

لا شك أن في البنية الإنسانية ما يبعثه إلى الدفاع عما يحترمه و يعظمه كالذراري و النساء و الجاه و كرامة المحتد و نحو ذلك و هو حكم توجبه الفطرة الإنسانية و تلهمه إياه لكن هذا الدفاع ربما كان محمودا إذا كان حقا و للحق، و ربما كان مذموما يستتبع الشقاء و فساد أمور الحياة إذا كان باطلا و على الحق.

و الإسلام يحفظ من هذا الحكم أصله و هو ما للفطرة، و يبطل تفاصيله أولا ثم يوجهه إلى جهة الله سبحانه بصرفه عن كل شي‏ء ثم يعود به إلى موارده الكثيرة فيسبك الجميع في قالب التوحيد بالإيمان بالله فيندب الإنسان أن يتعصب لرجاله و نسائه و ذراريه و لكل حق بإرجاع الجميع إلى جانب الله فالإسلام يؤيد حكم الفطرة، و يهذبه من شوب الأهواء و الأماني الفاسدة و يصفي أمره في جميع الموارد، و يجعلها جميعا شريعة إنسانية يسلكها الإنسان على الفطرة، و يخلصها من ظلمة التناقض إلى نور التوافق و التسالم، فما يدعو إليه الإسلام و يشرعه لا تناقض و لا تضاد بين أجزائه و أطرافه، يشترك جميعها في أنها من شئون التوحيد، و يجتمع كلها في أنها اتباع للحق فيعود جميع الأحكام حينئذ كلية و دائمة و ثابتة من غير تخلف و اختلاف.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» إلى قوله «اَلطََّاغُوتِ» مقايسة بين الذين آمنوا و الذين كفروا من جهة وصف قتالهم، و بعبارة أخرى من جهة نية كل من الطائفتين في قتالهم ليعلم بذلك شرف المؤمنين على الكفار في طريقتهم و أن سبيل المؤمنين ينتهي إلى الله سبحانه و يعتمد عليه بخلاف سبيل الكفار ليكون ذلك محرضا آخر للمؤمنين على قتالهم.

قوله تعالى: «فَقََاتِلُوا أَوْلِيََاءَ اَلشَّيْطََانِ إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطََانِ كََانَ ضَعِيفاً» الذين كفروا لوقوعهم في سبيل الطاغوت خارجون عن ولاية الله فلا مولى لهم إلا ولي الشرك‏

421

(1) -و عبادة غير الله تعالى، و هو الشيطان فهو وليهم، و هم أولياؤه.

و إنما استضعف كيد الشيطان لأنه سبيل الطاغوت الذي يقابل سبيل الله، و القوة لله جميعا فلا يبقى لسبيل الطاغوت الذي هو مكيدة الشيطان إلا الضعف، و لذلك حرض المؤمنين عليهم ببيان ضعف سبيلهم، و شجعهم على قتالهم، و لا ينافي ضعف كيد الشيطان بالنسبة إلى سبيل الله قوته بالنسبة إلى من اتبع هواه، و هو ظاهر.

بحث روائي‏

في المجمع، *في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الآية، قال: سمي الأسلحة حذرا لأنها الآلة التي بها يتقى الحذر: قال: و هو المروي عن أبي جعفر (ع) :

قال:

و روي عن أبي جعفر (ع) *: أن المراد بالثبات السرايا، و بالجميع العسكر.

و في تفسير العياشي، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) *: يا أيها الذين آمنوا- فسماهم مؤمنين و ليس هم بمؤمنين و لا كرامة، قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ- فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً إلى قوله: فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ، و لو أن أهل السماء و الأرض- قالوا: قد أنعم الله علي-إذ لم أكن مع رسول الله ص لكانوا بذلك مشركين، و إذا أصابهم فضل من الله قال: يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فأقاتل في سبيل الله.

أقول: و روى هذا المعنى الطبرسي في المجمع، و القمي في تفسيره عنه (ع) و المراد بالشرك في كلامه (ع) الشرك المعنوي لا الكفر الذي يسلب ظاهر أحكام الإسلام عمن تلبس به، و قد تقدم بيانه.

و فيه، عن حمران عن الباقر (ع) *في قوله تعالى: وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجََالِ الآية- قال: نحن أولئك:

أقول: و رواه أيضا عن سماعة عن الصادق (ع) ، و لفظه: فأما قوله:

وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ الآية، فأولئك نحن، الحديث‏

، و الروايتان في مقام التطبيق و الشكوى من بغي الباغين من هذه الأمة، و ليستا في مقام التفسير.

و في الدر المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس"*: في سورة النساء «خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً» عصبا و فرقا، قال: نسخها: «وَ مََا كََانَ اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» الآية.

أقول: الآيتان غير متنافيتين حتى يحكم بنسخ الثانية للأولى، و هو ظاهر بل لو كان فإنما هو التخصيص أو التقييد. و الحمد لله.