الميزان في تفسير القرآن - ج18

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
391 /
55

(1) -

بيان‏

صدر الآيات متصل بحديث الرزق المذكور في قوله: « اَللََّهُ لَطِيفٌ بِعِبََادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ » و قد سبقه قوله: « لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ » و قد تقدمت الإشارة إلى أن من الرزق نعمة الدين التي آتاها الله سبحانه عباده المؤمنين و بهذه العناية دخل الكلام فيه في الكلام على الوحي الذي سيقت لبيانه آيات السورة و انعطف عليه انعطافا بعد انعطاف.

ثم يذكر بعض آيات التوحيد المتعلقة بالرزق كخلق السماوات و الأرض و بث الدواب فيهما و السفائن الجواري في البحر و إيتاء الأولاد الذكور و الإناث أو إحداهما لمن يشاء و جعل من يشاء عقيما.

ثم يذكر أن من الرزق ما آتاهموه في الدنيا و هو متاعها الفاني بفنائها و منه ما يخص المؤمنين في الآخرة و هو خير و أبقى، و ينتقل الكلام من هنا إلى صفات المؤمنين

56

(1) -و حسن عاقبتهم و إلى وصف ما يلقاه الظالمون و هم غيرهم في عقباهم من أهوال القيامة و عذاب الآخرة.

و وراء ذلك في خلال الآيات من إجمال بعض الأحكام و الإنذار و التخويف و الدعوة إلى الحق و حقائق المعارف شي‏ء كثير.

قوله تعالى: « وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ بِعِبََادِهِ‏خَبِيرٌ بَصِيرٌ » القدر مقابل البسط معناه التضييق و منه قوله السابق:

« يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ » و القدر بفتح الدال و سكونها كمية الشي‏ء و هندسته و منه قوله: « وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ » أو جعل الشي‏ء على كمية معينة و منه قوله:

«فَقَدَرْنََا فَنِعْمَ اَلْقََادِرُونَ» : المرسلات: 23.

و البغي‏ الظلم، و قوله: « بِعِبََادِهِ » من وضع الظاهر موضع الضمير، و النكتة فيه الإشارة إلى بيان كونه خبيرا بصيرا بهم و ذلك أنهم عباده المخلوقون له القائمون به فلا يكونون محجوبين عنه مجهولين له، و كذا قوله السابق: « لِعِبََادِهِ » لا يخلو من إشارة إلى بيان إيتاء الرزق و ذلك أنهم عباده و رزق العبد على مولاه.

و معنى الآية: و لو وسع الله الرزق على عباده فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا في الأرض-لما أن من طبع سعة المال الأشر و البطر و الاستكبار و الطغيان كما قال تعالى:

«إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ ` أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ» : العلق: 7-و لكن ينزل ما يشاء من الرزق بقدر و كمية معينة أنه بعباده خبير بصير فيعلم ما يستحقه كل عبد و ما يصلحه من غنى أو فقر فيؤتيه ذلك.

ففي قوله: « وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ » بيان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم، و لا ينافي ذلك‏ما نشاهد من طغيان بعض المثرين و نماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنة أخرى حاكمة على هذه السنة و هي سنة الابتلاء و الامتحان، قال تعالى: «إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ» : التغابن: 15، و سنة أخرى هي سنة المكر و الاستدراج، قال تعالى:

«سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ ` وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» : الأعراف: 183.

فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن يمتحنه‏

57

(1) -الله كما قال: «وَ لِيَبْتَلِيَ اَللََّهُ مََا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مََا فِي قُلُوبِكُمْ» : آل عمران: 154 أو يغير النعمة و يكفر بها فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما يطغيه، قال تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ» : الرعد: 11.

و كما أن إيتاء المال و البنين و سائر النعم الصورية من الرزق المقسوم كذلك المعارف الحقة و الشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها و من حيث الابتلاء بها و التلبس بالعمل بها من الرزق المقسوم.

فلو نزلت المعارف و الأحكام عن آخرها دفعة واحدة-على ما لها من الإحاطة و الشمول لجميع شئون الحياة الإنسانية-لشقت على الناس و لم يؤمن بها إلا الأوحدي منهم لكن الله‏سبحانه أنزلها على رسوله ص تدريجا و على مكث و هيأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض، قال تعالى: «وَ قُرْآناً فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنََّاسِ عَلى‏ََ مُكْثٍ» إسراء: 106.

و كذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم يضرب عليها بالحجاب و بينت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم لم يتحملوها و دفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم لكن الله سبحانه كلمهم في ذلك نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه و سعة صدره كما قال في مثل ضربه في ذلك: «أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا» : الرعد: 17.

و كذلك الأحكام و التكاليف الشرعية لو كلف بجميعها جميع الناس لتحرجوا منها و لم يتحملوها لكنه سبحانه قسمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية لتوجه التكاليف المتنوعة بينهم.

فالرزق بالمعارف و الشرائع من أي جهة فرض كالرزق الصوري مفروض بين الناس مقدر على حسب صلاح حالهم.

قوله تعالى: « وَ هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مََا قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ اَلْوَلِيُّ اَلْحَمِيدُ » القنوط اليأس، و الغيث‏ المطر، قال في مجمع البيان: الغيث ما كان نافعا في وقته، و المطر قد يكون نافعا و قد يكون ضارا في وقته و غير وقته. انتهى. و نشر الرحمة تفريق النعمة بين الناس‏بإنبات النبات و إخراج الثمار التي يكون سببها المطر.

58

(1) -و في الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلق ما بالأرزاق، و يتلوها في هذا المعنى آيات، و تذييل الآية بالاسمين: الولي الحميد و هما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل.

قوله تعالى: « وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَثَّ فِيهِمََا مِنْ دََابَّةٍ » إلخ، البث‏ التفريق، و يقال: بث الريح التراب إذا أثاره، و الدابة كل ما يدب على الأرض فيعم الحيوانات جميعا، و المعنى ظاهر.

و ظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض، و قول بعضهم: إن ما في السموات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود.

و قوله: « وَ هُوَ عَلى‏ََ جَمْعِهِمْ إِذََا يَشََاءُ قَدِيرٌ » إشارة إلى حشر ما بث فيهما من دابة و قد عبر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق، و لا دلالة في قوله: « عَلى‏ََ جَمْعِهِمْ » حيث أتى بضمير أولي العقل على كون ما في السماوات من الدواب أولي عقل كالإنسان لقوله تعالى: «وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» : الأنعام: 38.

و القدير من أسمائه تعالى الحسنى و هو الذي أركزت فيه القدرة و ثبتت، قال الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شي‏ء ما، و إذا وصف الله بهافهي نفي العجز عنه، و محال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى و إن أطلق عليه لفظا بل حقه أن يقال: قادر على كذا، و متى قيل: هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد، و لهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا و يصح أن يوصف بالعجز من وجه و الله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه.

و القدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه و لا ناقصا عنه و لذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى قال: «إنه على ما يشاء قدير» ، و المقتدر يقاربه نحو « عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » لكن قد يوصف به البشر، و إذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير و إذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف و المكتسب للقدرة، انتهى.

و هو حسن غير أن في قوله: إن القدرة إذا وصف بها الله فهي نفي العجز عنه مساهلة ظاهرة فإن صفاته تعالى الذاتية كالحياة و العلم و القدرة لها معان إيجابية هي عين‏

59

(1) -الذات لا معان سلبية حتى تكون الحياة بمعنى انتفاء الموت و العلم بمعنى انتفاء الجهل و القدرة بمعنى انتفاء العجز على ما يقوله الصابئون و لازمه خلو الذات عن صفات الكمال.

فالحق أن معنى قدرته تعالى كونه بحيث يفعل ما يشاء، و لازم هذا المعنى الإيجابي انتفاء مطلق العجز عنه تعالى.

قوله تعالى: « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » المصيبة النائبة تصيب الإنسان كأنهاتقصده، و المراد بما كسبت أيديكم المعاصي و السيئات، و قوله: « وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » أي عن كثير مما كسبت أيديكم و هي السيئات.

و الخطاب في الآية اجتماعي موجه إلى المجتمع غير منحل إلى خطابات جزئية و لازمه كون المراد بالمصيبة التي تصيبهم المصائب العامة الشاملة كالقحط و الغلاء و الوباء و الزلازل و غير ذلك.

فيكون المراد أن المصائب و النوائب التي تصيب مجتمعكم و يصابون بها إنما تصيبكم بسبب معاصيكم و الله يصفح عن كثير منها فلا يأخذ بها.

فالآية في معنى قوله تعالى: «ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمََا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنََّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» : الروم: 41، و قوله: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لََكِنْ كَذَّبُوا» : الأعراف: 96، و قوله: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ» : الرعد: 11، و غير ذلك من الآيات الدالة على أن بين أعمال الإنسان و بين النظام الكوني ارتباطا خاصا فلو جرى المجتمع الإنساني على ما يقتضيه الفطرة من الاعتقاد و العمل لنزلت عليه الخيرات و فتحت عليه البركات و لو أفسدوا أفسد عليهم.

هذا ما تقتضيه هذه السنة الإلهية إلا أن ترد عليه سنة الابتلاء أو سنة الاستدراج و الإملاء فينقلب الأمر، قال تعالى: «ثُمَّ بَدَّلْنََا مَكََانَ اَلسَّيِّئَةِ اَلْحَسَنَةَ حَتََّى عَفَوْا وَ قََالُوا قَدْ مَسَّ آبََاءَنَا اَلضَّرََّاءُ وَ اَلسَّرََّاءُ فَأَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ» : الأعراف: 95.

و يمكن أن يكون الخطاب في الآية عاما منحلا إلى خطابات الأفراد فيكون ما يصاب كل إنسان بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده أو عرضه و ما يتعلق به مستندا إلى معصية أتى بها و سيئة عملها و يعفو الله عن كثير منها. ـ

60

(1) -و كيف كان فالخطاب في الآية لعامة الناس من المؤمن و الكافر و هو الذي يفيده السياق و تؤيده الآية التالية هذا أولا، و المراد بما كسبته الأيدي المعاصي و السيئات دون مطلق الأعمال، و هذا ثانيا، و المصائب التي تصيب إنما هي آثار الأعمال في الدنيا لما بين الأعمال و بينها من الارتباط و التداعي دون جزاء الأعمال و هذا ثالثا.

و بما ذكر يندفع أولا ما استشكل على عموم الآية بالمصائب النازلة على الأنبياء (ع) و هم معصومون لا معصية لهم، المصائب النازلة على الأطفال و المجانين و هم غير مكلفين بتكليف فلا معصية لهم فيجب تخصيص الآية بمصائب الأنبياء و مصائب الأطفال و المجانين.

وجه الاندفاع أن إثبات المعصية لهم في قوله: « فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » دليل على أن الخطاب في الآية لمن يجوز عليه صدورالمعصية فلا يشمل المعصومين و غير المكلفين من رأس فعدم شمول الآية لهم من باب التخصص دون التخصيص.

و ثانيا ما قيل: إن مقتضى الآية مغفرة ذنوب المؤمنين جميعا فإنها بين ما يجزون عليها بإصابة المصائب و ما يعفى عنها.

وجه الاندفاع أن الآية مسوقة لبيان ارتباط المصائب بالمعاصي و كون المعاصي ذوات آثار دنيوية سيئة منها ما يصيب الإنسان و لا يخطئ و منها ما يعفى عنه فلا يصيب لأسباب صارفة و حكم مانعة كصلة الرحم و الصدقة و دعاء المؤمن و التوبة و غير ذلك مما وردت به الأخبار، و أما جزاء الأعمال فالآية غير ناظرة إليه كما تقدم.

على أن الخطاب في الآية يعم المؤمن و الكافر كما تقدمت الإشارة إليه، و لا معنى لتبعضها في الدلالة فتدل على المغفرة في المؤمن و عدمها في الكافر.

و بعد هذا كله فالوجه الأول هو الأوجه.

قوله تعالى: « وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ » ، معنى الآية ظاهر و هي باتصالها بما قبلها تفيد أنكم لا تعجزون الله حتى لا تصيبكم المصائب لذنوبكم و ليس لكم من دونه من ولي يتولى أمركم فيدفع عنكم المصائب و لا نصير ينصركم و يعينكم على دفعها.

قوله تعالى: « وَ مِنْ آيََاتِهِ اَلْجَوََارِ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ » ، الجواري‏ جمع جارية و هي‏

61

(1) -السفينة، و الأعلام‏ جمع علم و هو العلامة و يسمى به الجبل و شبهت السفائن بالجبال لعظمها و ارتفاعها و الباقي ظاهر.

قوله تعالى: « إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوََاكِدَ عَلى‏ََ ظَهْرِهِ » إلخ، ضمير « يَشَأْ » لله تعالى، و ظل بمعنى صار، و « رواكد » جمع راكدة و هي الثابتة في محلها و المعنى: إن يشأ الله يسكن الريح التي تجري بها الجواري فيصرن أي الجواري ثوابت على ظهر البحر.

و قوله: « إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ » أصل‏ الصبر الحبس و أصل الشكر إظهار نعمة المنعم بقول أو فعل، و المعنى: أن فيما ذكر من أمر الجواري من كونها جارية على ظهر البحر بسبب جريان الرياح ناقلة للناس و أمتعتهم من ساحل إلى ساحل لآيات لكل من حبس نفسه عن الاشتغال بما لا يعنيه و اشتغل بالتفكر في نعمه و التفكر في النعمة من الشكر.

و قيل: المراد بكل صبار شكور المؤمن لأن المؤمن لا يخلو من أن يكون في الضراء أو في السراء فإن كان في الضراء كان من الصابرين و إن كان في السراء كان من الشاكرين.

قوله تعالى: « أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمََا كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ » الإيباق‏ الإهلاك، و ضمير التأنيث للجواري و ضمير التذكير للناس، و يوبقهن و يعف معطوفان على « يُسْكِنِ » ، و المعنى: إن يشأ يهلك الجواري بإغراقها بسبب ما كسبوا من السيئات و يعف عن كثير منها أي إن بعضها كاف في اقتضاء الإهلاك و إن عفا عن كثير منها.

و قيل: المراد بإهلاكها إهلاك أهلها إما مجازا أو بتقدير مضاف، و « يُوبِقْهُنَّ » بالعطف على « يُسْكِنِ » في معنى يرسل الرياح العاصفة فيوبقهم، و المعنى: إن‏يشأ يسكن الريح إلخ، و إن يشأ يرسلها فيهلكهم بالإغراق و ينج كثير منهم بالعفو، و المحصل: إن يشأ يسكن الريح أو يرسلها فيهلك ناسا بذنوبهم و ينج ناسا بالعفو عنهم و لا يخفى وجه التكلف فيه.

و قيل: إن « يَعْفُ » عطف على قوله: « يُسْكِنِ اَلرِّيحَ » إلى قوله: « بِمََا كَسَبُوا » و لذا عطف بالواو لا بأو، و المعنى: إن يشأ يعاقبهم بالإسكان أو الإعصاف و إن يشأ يعف عن كثير. و هو في التكلف كسابقه.

62

(1) -}قوله تعالى: « وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ فِي آيََاتِنََا مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ » قيل: هو غاية معطوفة على أخرى محذوفة، و التقدير نحو من قولنا: ليظهر به قدرته و يعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من مفر و لا مخلص، و هذا كثير الورود في القرآن الكريم غير أن المعطوف فيما ورد فيه مقارن للأم الغاية كقوله: «وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا» آل عمران: 140.

و قوله: «وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ» : الأنعام: 75.

و جوز بعضهم أن يكون معطوفا على جزاء الشرط بتقدير إن نحو إن جئتني أكرمك و أعطيك كذا و كذا بنصب أعطيك، و المسألة نحوية خلافيةفليرجع إلى ما ذكروه فيه.

قوله تعالى: « فَمََا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَمَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا » إلخ، تفصيل لما تقدم ذكره من الرزق و تقسيم له إلى ما عند الناس من رزق الدنيا الشامل للمؤمن و الكافر و ما عند الله من رزق الآخرة المختص بالمؤمنين، و فيه تخلص إلى ذكر صفات المؤمنين و ذكر بعض ما يلقاه الظالمون يوم القيامة.

فقوله: « فَمََا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَمَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا » الخطاب للناس على ما يفيده السياق دون المشركين خاصة، و المراد بما أوتيتم من شي‏ء جميع ما أعطيه للناس و رزقوه من النعيم، و إضافة المتاع إلى الحياة للإشارة إلى انقطاعه و عدم ثباته و دوامه، و المعنى:

فكل شي‏ء أعطيتموه مما عندكم متاع تتمتعون به في أيام قلائل.

و قوله: « وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » المراد بما عند الله ما ادخره الله ثوابا ليثيب به المؤمنين، و اللام في « لِلَّذِينَ آمَنُوا » للملك و الظرف لغو، و قيل اللام متعلق بقوله: « أَبْقى‏ََ » و الأول أظهر، و كون ما عند الله خيرا لكونه خالصا من الألم و الكدر و كونه أبقى لكونه أدوم غير منقطع الآخر.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ » عطف على قوله: « لِلَّذِينَ آمَنُوا » و الآية و آيتان بعدها تعد صفات المؤمنين الحسنة و قول بعضهم إنه كلام مستأنف لا يساعد عليه السياق.

و كبائر الإثم المعاصي الكبيرة التي لها آثار سوء عظيمة و قد عد تعالى منها شرب‏

63

(1) -الخمر و الميسر، قال تعالى: «قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ» : البقرة: 219، و الفواحش‏ جمع فاحشة و هي المعصية الشنيعة النكراءو قد عد تعالى منها الزنا و اللواط قال: «وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً» : إسراء: 32، و قال حاكيا عن لوط: «أَ تَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» : النمل: 54.

و قوله: « يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ » و هو في سورة مكية إشارة إلى إجمال ما سيفصل من تشريع تحريم كبائر المعاصي و الفواحش.

و في قوله: « وَ إِذََا مََا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ » إشارة إلى العفو عند الغضب و هو من أخص صفات المؤمنين و لذا عبر عنه بما عبر و لم يقل: و يغفرون إذا غضبوا ففي الكلام جهات من التأكيد و ليس قصرا للمغفرة عند الغضب فيهم.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ » إلخ، الاستجابة هي الإجابة و استجابتهم لربهم إجابتهم لما يكلفهم به من الأعمال الصالحة-على ما يفيده السياق-و ذكر إقامة الصلاة بعدها من قبيل ذكر الخاص بعد العام لشرفه.

على أن الظاهر أن الآيات مكية و لم يشرع يومئذ أمثال الزكاة و الخمس و الصوم و الجهاد، و في قوله: « وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمْ » من الإشارة إلى الإجمال الأعمال الصالحة المشرعة نظير ما تقدم في قوله: « وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ » إلخ، و نظير الكلام جار في الآيات التالية.

و قوله: « وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ » قال الراغب: و التشاور و المشاورة و المشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا أخذته من موضعه و استخرجته منه، قال تعالى: « وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ » و الشورى‏ الأمر الذي يتشاور فيه، قال تعالى: « وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ » انتهى. فالمعنى: الأمر الذي يعزمون عليه شورى بينهم يتشاورون فيه، و يظهر من بعضهم أنه مصدر، و المعنى:

و شأنهم المشاورة بينهم.

و كيف كان ففيه إشارة إلى أنهم أهل الرشد و إصابة الواقع يمعنون في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول فالآية قريبة المعنى من قول الله تعالى: «اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» : الزمر: 18.

64

(1) -و قوله: « وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ » إشارة إلى بذل المال لمرضاة الله.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ » قال الراغب: الانتصار و الاستنصار طلب النصرة. انتهى. فالمعنى: الذين إذا أصاب الظلم بعضهم طلب النصرة من الآخرين و إذا كانوا متفقين على الحق كنفس واحدة فكان الظلم أصاب جميعهم فطلبوا المقاومة قباله و أعدوا عليه النصرة.

و عن بعضهم أن الانتصار بمعنى التناصر نظير اختصم و تخاصم و استبق و تسابق و المعنى عليه ظاهر.

و كيف كان فالمرادمقاومتهم لرفع الظلم فلا ينافي المغفرة عند الغضب المذكورة في جملة صفاتهم فإن المقاومة دون الظلم و سد بابه عن المجتمع لمن استطاعه و الانتصار و التناصر لأجله من الواجبات الفطرية، قال تعالى: «وَ إِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي اَلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ اَلنَّصْرُ» : الأنفال: 72، و قال: «فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ» : الحجرات: 9.

قوله تعالى: « وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا » إلى آخر الآية بيان لما جعل للمنتصر في انتصاره و هو أن يقابل الباغي بما يماثل فعله و ليس بظلم و بغي.

قيل: و سمي الثانية و هي ما يأتي بها المنتصر سيئة لأنها في مقابلة الأولى كما قال تعالى: «فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ» : البقرة: 194، و قال الزمخشري: كلتا الفعلتين: الأولى و جزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ففيه رعاية لحقيقة معنى اللفظ و إشارة إلى أن مجازاة السيئة بمثلها إنما تحمد بشرط المماثلة من غير زيادة.

و قوله: « فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ » وعد جميل على العفو و الإصلاح، و الظاهر أن المراد بالإصلاح إصلاحه أمره فيما بينه و بين ربه، و قيل: المراد إصلاحه ما بينه و بين ظالمةبالعفو و الإغضاء.

و قوله: « إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ » قيل: فيه بيان أنه تعالى لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه و لكن ليعرض المظلوم بذلك لجزيل الثواب، و لحبه تعالى الإحسان و الفضل.

و قيل: المراد أنه لا يحب الظالم في قصاص و غيره بتعديه عما هو له إلى ما ليس هو له. ـ

65

(1) -و الوجهان و إن كانا حسنين في نفسهما لكن سياق الآية لا يساعد عليهما و خاصة مع حيلولة قوله: « فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ » بين التعليل و المعلل.

و يمكن أيضا أن يكون قوله: « إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ » تعليلا لأصل كون جزاء السيئة سيئة من غير نظر إلى المماثلة و المساواة.

قوله تعالى: « وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولََئِكَ مََا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ -إلى قوله- لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ » ضمير « ظُلْمِهِ » راجع إلى المظلوم. و الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله.

الآيات الثلاث تبيين و رفع لبس من قوله في الآية السابقة: « فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ » فمن الجائز أن يتوهم المظلوم أن في ذلك إلغاء لحق انتصاره فبين سبحانه بقوله أولا: « وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولََئِكَ مََا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ » أن لا سبيل على المظلومين و لا مجوز لإبطال حقهم في الشرع الإلهي، و إرجاع ضمير الإفراد إلى الموصول أولا باعتبار لفظه، و ضمير الجمع ثانيا باعتبار معناه.

و بين بقوله ثانيا: « إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ‏وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ » إن السبيل كله على الظالمين في الانتقام منهم للمظلومين، و أكد ذلك ذيلا بقوله:

« أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ » .

و بين بقوله ثالثا: « وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ » إن الدعوة إلى الصبر و العفو ليست إبطالا لحق الانتصار و إنما هي إرشاد إلى فضيلة هي من أعظم الفضائل فإن في المغفرة الصبر الذي هو من عزم الأمور، و قد أكد الكلام بلام القسم أولا و باللام في خبر إن ثانيا لإفادة العناية بمضمونه.

قوله تعالى: « وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ » إلخ، لما ذكر المؤمنين بأوصافهم و أن لهم عند الله رزقهم المدخر لهم و فيه سعادة عقباهم التي هداهم الله إليها التفت إلى غيرهم و هم الظالمون الآيسون من تلك الهداية الموصلة إلى السعادة المحرومون من هذا الرزق الكريم فبين أن الله سبحانه أضلهم لكفرهم و تكذيبهم فلا ينتهون إلى ما عنده من الرزق و لا يسعدهم به و ليس لهم من دونه من ولي حتى يتولى أمرهم‏

66

(1) -و يرزقهم ما حرمهم الله من الرزق، فهم صفر الأكف يتمنون عند مشاهدة العذاب الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فيكونوا أمثال المؤمنين.

فقوله: « وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ » إلخ، من قبيل وضع السبب و هو إضلال الله لهم و عدم ولي آخر يتولى أمرهم فيهديهم و يرزقهم موضع المسبب و هو الهداية و الرزق.

و قوله: « وَ تَرَى اَلظََّالِمِينَ لَمََّا رَأَوُا اَلْعَذََابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى‏ََ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ » إشارة إلى تمنيهم الرجوع إلى الدنيا بعد اليأس عن السعادة و مشاهدة العذاب.

و « تَرَى » خطاب عام وجه إلى النبي ص بما أنه راء و معناه و ترى و يرى كل من هو راء، و فيه إشارة إلى أنهم يتمنون ذلك على رءوس الأشهاد، و المرد هو الرد.

قوله تعالى: « وَ تَرََاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا خََاشِعِينَ مِنَ اَلذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ » ضمير « عَلَيْهََا » للنار للدلالة المقام عليها و خفي الطرف ضعيفة و إنما ينظر من طرف خفي. إلى المكاره المهولة من ابتلي بها فهو لا يريد أن ينصرف فيغفل عنها و لا يجترئ أن يمتلئ بها بصره كالمبصور ينظر إلى السيف، و الباقي ظاهر.

و قوله: « وَ قََالَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اَلْخََاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ » أي إن الخاسرين كل الخسران و بحقيقته هم الذين خسروا أنفسهم بحرمانها عن النجاة و أهليهم بعدم الانتفاع بهم يوم القيامة. و قيل أهلوهم أزواجهم من الحور و خدمهم في الجنة لو آمنوا و لا يخلو من وجه نظرا إلى آيات وراثة الجنة.

و هذا القول المنسوب إلى المؤمنين إنما يقولونه يوم القيامة-و التعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع-لا في الدنيا كما يظهر من بعضهم فليس لاستناده تعالى إلى مقالة المؤمنين في الدنيا وجه في مثل المقام، و ليس القائلون به جميع المؤمنين كائنين من كانوا و إنما هم الكاملون منهم المأذون لهم في الكلام الناطقون بالصواب محضا كأصحاب الأعراف و شهداء الأعمال قال تعالى: «يَوْمَ يَأْتِ لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ» : هود: 105. و قال:

«لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً» : النبأ: 38.

فلا يصغي إلى ما قيل: إن القول المذكور إنما نسب إلى المؤمنين للدلالة على ابتهاجهم بما رزقوا يومئذ من الكرامة و نجوا من الخسران و إلا فالقول قول كل من يتأتى منه القول من أهل الجمع كما أن الرؤية المذكورة قبله رؤية كل من تتأتى منه الرؤية.

67

(1) -و قوله: « أَلاََ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ فِي عَذََابٍ مُقِيمٍ » تسجيل عليهم بالعذاب و أنه دائم غير منقطع، و جوز أن يكون من تمام كلام المؤمنين.

قوله تعالى: « وَ مََا كََانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيََاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ » إلخ، هذا التعبير أعني قوله: « وَ مََا كََانَ لَهُمْ » إلخ، دون أن يقال: و ما لهم من ولي كما قيل أولا للدلالة على ظهور بطلان دعواهم ولاية أوليائهم في الدنيا و أن ذلك كان باطلا من أول الأمر.

و قوله: « وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ » صالح لتعليل صدر الآية و هو كالنتيجة لجميع ما تقدم من الكلام في حال الظالمين في عقباهم، و نوع انعطاف إلى ما سبق من حديث تشريع الشريعة و السبيل بالوحي.

فهو كناية عن أنه لا سبيل إلى السعادة إلا سبيل الله الذي شرعه لعباده من طريق الوحي و الرسالة فمن أضله عن سبيله لكفره و تكذيبه بسبيله فلا سبيل له يهتدي به إلى سعادة العقبى و التخلص من العذاب و الهلاك.

قوله تعالى: « اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اَللََّهِ مََا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ » دعوة و إنذار بيوم القيامة المذكور في الآيات السابقة على ما يعطيه السياق، و قول بعضهم: إن المراد باليوم يوم الموت غير وجيه.

و في قوله: « لاََ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اَللََّهِ » « لاََ » لنفي الجنس و « مَرَدَّ » اسمه و « لَهُ » خبره و « مِنَ اَللََّهِ » حال من « مَرَدَّ » و المعنى، يوم لا رد له من قبل الله أي أنه مقضي محتوم لا يرده الله البتة فهو في معنى ما تكرر في كلامه تعالى من وصف يوم القيامة بأنه لا ريب فيه.

و قد ذكروا للجملة أعني قوله: « يَوْمٌ لاََ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اَللََّهِ » وجوها أخر من الإعراب لا جدوى في نقلها.

و قوله: «مََا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ » الملجأ الملاذ الذي يلتجأ إليه و النكير -كما قيل-مصدر بمعنى الإنكار، و المعنى: ما لكم من ملاذ تلتجئون إليه من الله و ما لكم من إنكار لما صدر منكم لظهور الأمر من كل جهة.

قوله تعالى: « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمََا أَرْسَلْنََاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ » عدول من خطابهم إلى خطاب النبي ص لإعلام أن ما حمله من الأمر إنما هو التبليغ‏

68

(1) -لا أزيد من ذلك فقد أرسل مبلغا لدين الله إن عليه إلا البلاغ و لم يرسل حفيظا عليهم مسئولا عن إيمانهم و طاعتهم حتى يمنعهم عن الإعراض و يتعب نفسه لإقبالهم عليه.

قوله تعالى: « وَ إِنََّا إِذََا أَذَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهََا وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ اَلْإِنْسََانَ كَفُورٌ » الفرح‏ بالرحمة كناية عن الاشتغال بالنعمة و نسيان المنعم، و المراد بالسيئة المصيبة التي تسوء الإنسان إذا أصابته، و قوله: « فَإِنَّ اَلْإِنْسََانَ كَفُورٌ » من وضع‏الظاهر موضع الضمير، و النكتة فيه تسجيل الذم و اللوم عليه بذكره باسمه.

و في الآية استشعار بإعراضهم و توبيخهم بعنوان الإنسان المشتغل بالدنيا فإنه بطبعه حليف الغفلة إن ذكر بنعمة يؤتاها صرفه الفرح بها عن ذكر الله، و إن ذكر بسيئة تصيبه بما قدمت يداه شغله الكفران عن ذكر ربه فهو في غفلة عن ذكر ربه في نعمة كانت أو في نقمة فكاد أن لا تنجح فيه دعوة و لا تنفع فيه موعظة.

قوله تعالى: « لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ » إلى آخر الآيتين، للآيتين نوع اتصال بما تقدم من حديث الرزق لما أن الأولاد المذكورين فيهما من قبيل الرزق.

و قيل: إنهما متصلتان بالآية السابقة حيث ذكر فيها إذاقة الرحمة و إصابة السيئة و إن الإنسان يفرح بالرحمة و يكفر في السيئة فذكر تعالى في هاتين الآيتين أن ملك السماوات و الأرض لله سبحانه يخلق ما يشاء فليس لمن يذوق رحمته أن يفرح بها و يشتغل به و لا لمن أصابته السيئة أن يكفر و يعترض بل له الخلق و الأمر فعلى المرحوم أن يشكر و على المصاب أن يرجع إليه.

و يبعده أنه تعالى لم ينسب السيئة في الآية السابقة إلى نفسه بل إلى تقديم أيديهم فلا يناسبه نسبة القسمين جميعا في هذه الآية إلى مشيته و دعوتهم إلى التسليم لها.

و كيف كان فقوله: « لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ » فيه قصر الملك و السلطنة فيه تعالى على جميع العالم و أن الخلق منوط بمشيته من غير أن يكون هناك أمر يوجب عليه المشية أو يضطره على الخلق.

و قوله: « يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ اَلذُّكُورَ » الإناث‏ جمع أنثى و الذكور و الذكران‏ جمعا ذكر، و ظاهر التقابل أن المراد هبة الإناث فقط لمن يشاء و هبة الذكور

69

(1) -فقط لمن يشاء و لذلك كررت المشية، قيل: وجه تعريف الذكور أنهم المطلوبون لهم المعهودون في أذهانهم و خاصة العرب.

و قوله: « أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرََاناً وَ إِنََاثاً » أي يجمع بينهم حال كونهم ذكرانا و إناثا معا فالتزويج في اللغة الجمع، و قوله: « وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشََاءُ عَقِيماً » أي لا يلد و لا يولد له، و لما كان هذا أيضا قسما برأسه قيده بالمشية كالقسمين الأولين، و أما قسم الجمع بين الذكران و الإناث فإنه بالحقيقة جمع بين القسمين الأولين فاكتفى بما ذكر من المشية فيهما.

و قوله: « إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » تعليل لما تقدم أي أنه عليم لا يزيد ما يزيد لجهل قدير لا ينقص ما ينقص عن عجز.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي عن علي قال*: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة: « وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ » و ذلك أنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا.

أقول: و الآية على هذا مدنية لكن الرواية أشبه بالتطبيق منها بسبب النزول.

و في تفسير القمي، : قوله: « وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ » : قال الصادق (ع) : لو فعل لفعلوا-و لكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض-و استعبدهم بذلك و لو جعلهم أغنياء لبغوا « وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ » مما يعلم أنه يصلحهم في دينهم و دنياهم « إِنَّهُ بِعِبََادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ » .

و في المجمع، روى أنس عن النبي ص *عن جبرئيل عن الله جل ذكره: أن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم و لو صححته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده، و ذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم.

و في تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي حمزة

70

(1) -عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (ع) قال*: إني سمعته يقول: إني أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه. ثم أقبل علينا فقال: ما عاقب الله عبدا مؤمنا-في هذه الدنيا إلا كان الله أحكم و أجود-و أمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة.

ثم قال: و قد يبتلي الله عز و جل المؤمن-بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله- ثم تلا هذه الآية: « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ-وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » و حثا بيده ثلاث مرات.

و في الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال*: أما أنه ليس من عرق يضرب و لا نكبة و لا صداع و لا مرض‏إلا بذنب-و ذلك قول الله عز و جل في كتابه: « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » قال: ثم قال:

و ما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به.

أقول: و روي هذا المعنى بطريق آخر عن مسمع عنه (ع) ،

و روي مثله في الدر المنثور، عن الحسن عن النبي ص و لفظه: لما نزلت هذه الآية « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ-فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » قال رسول الله ص: و الذي نفسي بيده-ما من خدش عود و لا اختلاج عرق و لا نكبة حجر-و لا عثرة قدم إلا بذنب، و ما يعفو الله عنه أكثر.

و في الكافي، أيضا بإسناده عن علي بن رئاب قال*: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز و جل: « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » أ رأيت ما أصاب عليا و أهل بيته (ع) من بعده-أ هو بما كسبت أيديهم و هم أهل بيت طهارة معصومون؟ فقال: إن رسول الله ص كان يتوب إلى الله-و يستغفر في كل يوم و ليلة مائة مرة من غير ذنب-إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها.

و في المجمع، روي عن علي (ع) أنه قال*: قال رسول الله ص: خير آية في كتاب الله هذه الآية. يا على ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلا بذنب، و ما عفا إله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، و ما عاقب عليه في الدنيافهو أعدل من أن يثني على عبده. :

أقول: و رواه في الدر المنثور، عن عدة من أرباب الجوامع عن علي (ع) عنه (ص)

، و فحوى الرواية أن قوله تعالى: « وَ مََا أَصََابَكُمْ » الآية خاص بالمؤمنين و الخطاب‏

71

(1) -لهم و أن مفاده غفران ذنوبهم كافة فلا يعاقبون عليها في برزخ و لا قيامة لأن الآية تقصر الذنوب في مأخوذ به بإصابة المصيبة و معفو عنه و مفاد الرواية نفي المؤاخذة بعد المؤاخذة و نفي المؤاخذة بعد العفو.

فيشكل الأمر أولا: من جهة ما عرفت أن الآية في سياق يفيد عموم الخطاب للمؤمن و الكافر.

و ثانيا: من جهة معارضة الرواية لما ورد في أخبار متكاثرة لعلها تبلغ حد التواتر المعنوي من أن من المؤمنين من يعذب في قبره أو في الآخرة.

و ثالثا: من جهة مخالفة الرواية لظواهر ما دلت من الآيات على أن موطن جزاء الأعمال هي الدار الآخرة كقوله تعالى: «وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ وَ لََكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ» : النحل: 61، و غيره من الآيات الدالة على أن كل مظلمة و معصية مأخوذ بها و أن موطن الأخذ هو ما بعد الموت و في القيامة إلا ما غفرت بالتوبة أو تذهب بحسنة أو بشفاعة في الآخرة أو نحو ذلك.

على أن الآية أعني قوله: « وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » -كما تقدمت الإشارة إليه-غير ظاهرة في كون أصابة المصيبة جزاء للعمل و لا في كون العفو بمعنى إبطال الجزاءو إنما هو الأثر الدنيوي للسيئة يصيب مرة و يمحى أخرى.

فالحري أن تحمل الرواية-لو قبلت-على الأخذ بحسن الظن بالله سبحانه.

و في المجمع، : في قوله تعالى: « وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ » : و

قد روي عن النبي ص أنه قال: ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد.

و في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) *في قوله عز و جل:

« يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثاً » يعني ليس معهن ذكور « وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ اَلذُّكُورَ » يعني ليس معهم أنثى « أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرََاناً وَ إِنََاثاً » أي يهب لمن يشاء ذكرانا و إناثا جميعا-يجمع له البنين و البنات أي يهبهم جميعا لواحد.

و في التهذيب، بإسناده عن الحسين بن علوان عن زيد بن علي عن آبائه عن علي‏

72

(1) - (ع) قال*: أتى النبي ص رجل فقال: يا رسول الله-إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي-فقال رسول الله ص: أنت و مالك من هبة الله لأبيك-أنت سهم من كنانته « يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ اَلذُّكُورَ-` أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرََاناً وَ إِنََاثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشََاءُ عَقِيماً » جازت عتاقة أبيك يتناول والدك من مالك و بدنك-و ليس لك أن تتناول من ماله-و لا من بدنه شيئا إلا بإذنه.

أقول: و هذا المعنى مروي عن الرضا (ع) في جواب مسائل محمد بن سنان في العلل و مروي من طرق أهل السنة عن عائشة عنه (ص) .

بيان‏

تتضمن الآيات آخر ما يفيده سبحانه في تعريف الوحي‏في هذه السورة و هو تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ثم يذكر أنه يوحي إليه (ص) ما يوحي، على هذه الوتيرة و أن ما أوحي إليه منه تعالى لم يكن النبي ص يعلم ذلك من نفسه بل هو نور يهدي به الله من يشاء من عباده و يهدي به النبي ص بإذنه.

73

(1) -قوله تعالى: « وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ » إلخ، قد تقدم البحث عن معنى كلامه تعالى في الجزء الثاني من الكتاب، و إطلاق الكلام على كلامه تعالى و التكليم على فعله الخاص سواء كان إطلاقا حقيقيا أو مجازيا واقع في كلامه تعالى قال: «يََا مُوسى‏ََ إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي وَ بِكَلاََمِي» : الأعراف: 144 و قال: «وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً» النساء: 164، و من مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء (ع) منه تعالى بالوحي.

و على هذا لا موجب لعد الاستثناء في قوله: « إِلاََّ وَحْياً » منقطعا بل الوحي و القسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم عليها إطلاقا حقيقيا أو مجازيا فكل واحد من الوحي و ما كان من وراء حجاب و ما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر.

فقوله: « وَحْياً » -و الوحي‏ الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب-مفعول مطلق نوعي و كذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي، و المعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحي وحيا أو يكون من وراءحجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.

ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام و قد قيد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب، و الرسول الذي يوحي إلى النبي و لم يقيد القسم الأول بشي‏ء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينة تعالى و بين النبي أصلا، و أما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد و هو الحجاب أو الرسول الموحي و كل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه و الحجاب واسطة ليس بموح و إنما الوحي من ورائه.

فتحصل أن القسم الثالث « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ » وحي بتوسط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ ` عَلى‏ََ قَلْبِكَ» : الشعراء: 194، و قال: «قُلْ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ََ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللََّهِ» : البقرة: 97، و الموحي مع ذلك هو الله سبحانه كما قال: «بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ» : يوسف: 3.

74

(1) -و أما قول بعضهم: إن المراد بالرسول في قوله: « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ » هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله: « فَيُوحِيَ » إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي.

و إن القسم الثاني « أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ » وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث و إنما يبتدئ الوحي مما وراءه‏لمكان من، و ليس وراء بمعنى خلف و إنما هو الخارج عن الشي‏ء المحيط به، قال تعالى: «وَ اَللََّهُ مِنْ وَرََائِهِمْ مُحِيطٌ» : البروج: 20، و هذا كتكليم موسى (ع) في الطور، قال تعالى: «فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ» : القصص: 30، و من هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم.

و إن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينة و بين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض.

و لما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة إليه تعالى على اختلافها صح إسناد مطلق الوحي إليه بأي قسم من الأقسام تحقق و بهذه العناية أسند جميع الوحي إليه في كلامه كما قال: «إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ كَمََا أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ» : النساء: 163.

و قال: «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ» : النحل: 43.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة، و للمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل و مشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها من أرادها فليراجع المفصلات.

و قوله: «إنه علي حكيم» تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق و النظام الحاكم فيهم يجل أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضا، و لعلوه و حكمته‏يكلمهم بما اختار من الوحي و ذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى كما قال: «اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ» : طه: 50، و قال: «وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ» النحل: 9، و سعادة الإنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور و العلم في إعلام سعادته و الدلالة إلى سنة الحياة التي تنتهي إليها و لا يكفي في ذلك العقل الذي من شأنه الإخطاء و الإصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي لا يخطئ البتة، و قد فصلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا الكتاب. ـ

75

(1) -}قوله تعالى: « وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ » إلخ، ظاهر السياق كون « كَذََلِكَ » إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من الوحي بأقسامه الثلاث، و يؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه (ص) كما كان يوحى إليه بتوسط جبريل و هو القسم الثالث كان يوحى إليه في المنام و هو من القسم الثاني و يوحى إليه من دون توسط واسطة و هو القسم الأول.

و قيل: الإشارة إلى مطلق الوحي النازل على الأنبياء و هذا متعين على تقدير كون المراد بالروح هو جبريل أو الروح الأمري كما سيأتي.

و المراد بإيحاء الروح-على ما قيل-إيحاء القرآن و أيد بقوله: «و لكن جعلناه نورا» إلخ، و من هنا قيل: إن المراد بالروح القرآن.

لكن يبقى عليه أولا: أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من المعارف و الشرائع التي تتلبس بهاو تدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك و أبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزل إليك بوحينا، و على هذا فلو كان المراد بالروح الموحي القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله: « مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ » لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإيمان زائدا مستغنى عنه.

و ثانيا: أن القرآن و إن أمكن أن يسمى روحا باعتبار إحيائه القلوب بهداه كما قال تعالى: «إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ» : الأنفال: 24، و قال: «أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ» : الأنعام: 122، لكن لا وجه لتقيده حينئذ بقوله: « مِنْ أَمْرِنََا » و الظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمره خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم، قال تعالى: «تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ فِيهََا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» : القدر: 4، و قال: «يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا» : النبأ: 38، و قال: «قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» : إسراء: 85، و قال: «وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ» : البقرة: 87، و قد سمي جبريل الروح الأمين و روح القدس حيث قال: «نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ» : الشعراء: 193، و قال: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ» : النحل: 102.

و يمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام و إن كان هو الاقتصار على ذكر

76

(1) -الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه (ص) بتفاصيل ما في الكتاب من المعارف و الشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه و آثاره الحسنة صح أن يذكر مع‏الكتاب فالمعنى: و كذلك أوحينا إليك كتابا ما كنت تدري ما الكتاب و لا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل و هو إيمانك به.

و عن الثاني أن المعهود من كلامه في معنى الروح و إن كان ذلك لكن حمل الروح في الآية على ذلك المعنى و إرادة الروح الأمري أو جبريل منه يوجب أخذ « أَوْحَيْنََا » بمعنى أرسلنا إذ لا يقال: أوحينا الروح الأمري أو الملك فلا مفر من كون الإيحاء بمعنى الإرسال و هو كما ترى فأخذ الروح بمعنى القرآن أهون من أخذ الإيحاء بمعنى الإرسال و الجوابان لا يخلوان عن شي‏ء.

و قيل: المراد بالروح جبريل فإن الله سماه في كتابه روحا قال: «نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ ` عَلى‏ََ قَلْبِكَ» : الشعراء: 194 و قال: « قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ » .

و قيل: المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على الأنبياء كما قال تعالى: «يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا :

النحل: 2، فالمراد بإيحائه إليه إنزاله عليه.

و يمكن أن يوجه التعبير عن الإنزال بالإيحاء بأن أمره تعالى على ما يعرفه في قوله: «إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ» : يس: 82، هو كلمته، و الروح من أمره كما قال: «قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» : إسراء: 85، فهو كلمته، و هو يصدق ذلك قوله في عيسى بن مريم (ع) : «إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اَللََّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقََاهََا إِلى‏ََ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ» : النساء: 171، و إنزال الكلمة تكليم فلا ضير في التعبير عن إنزال الروح بإيحائه، و الأنبياء مؤيدون بالروح في أعمالهم كما أنهم يوحى إليهم الشرائع به قال تعالى: « وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ » و قد تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى:

«وَ أَوْحَيْنََا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرََاتِ وَ إِقََامَ اَلصَّلاََةِ وَ إِيتََاءَ اَلزَّكََاةِ» : الأنبياء: 73.

و يمكن رفع إشكال كون الإيحاء بمعنى الإنزال و الإرسال بالقول بكون قوله:

« رُوحاً » منصوبا بنزع الخافض و رجوع ضمير «جعلناه» إلى القرآن المعلوم من السياق أو الكتاب و المعنى و كذلك أوحينا إليك القرآن بروح منا ما كنت تدري ما الكتاب‏

77

(1) -و ما الإيمان و لكن جعلنا القرآن أو الكتاب نورا إلخ، هذا و ما أذكر أحدا من المفسرين قال به.

و قوله: « مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ » قد تقدم أن الآية مسوقة لبيان أن ما عنده (ص) الذي يدعو إليه إنما هو من عند الله سبحانه لا من قبل نفسه و إنما أوتي ما أوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية و الشرائع العملية فإن ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة و الوحي، و بعدم درايته بالإيمان عدم تلبسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة و الأعمال الصالحة و قد سمي العمل إيمانا في قوله: «وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ البقرة: 143.

فالمعنى: ما كان عندك قبل وحي الروح الكتاب بما فيه من المعارف و الشرائع و لا كنت متلبسا بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام الاعتقادي و العملي بمضامينه و هذا لا ينافي‏كونه (ص) مؤمنا بالله موحدا قبل البعثة صالحا في عمله فإن الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب و الالتزام بها اعتقادا و عملا و نفي العلم و الالتزام التفصيليين لا يلازم نفي العلم و الالتزام الإجماليين بالإيمان بالله و الخضوع للحق.

و بذلك يندفع ما استدل بعضهم بالآية على أنه (ص) كان غير متلبس بالإيمان قبل بعثته.

و يندفع أيضا ما عن بعضهم أنه (ص) لم يزل كاملا في نفسه علما و عملا و هو ينافي ظاهر الآية أنه ما كان يدري ما الكتاب و لا الإيمان.

و وجه الاندفاع أن من الضروري وجود فرق في حاله (ص) قبل النبوة و بعدها و الآية تشير إلى هذا الفرق، و أن ما حصل له بعد النبوة لا صنع له فيه و إنما هو من الله من طريق الوحي.

و قوله: « وَ لََكِنْ جَعَلْنََاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشََاءُ مِنْ عِبََادِنََا » ضمير « جَعَلْنََاهُ » للروح و المراد بقوله: « مَنْ نَشََاءُ » على تقدير أن يراد بالروح القرآن هو النبي ص و من آمن به فإنهم جميعا مهتدون بالقرآن.

و على تقدير أن يراد به الروح الأمري فالمراد بمن نشاء جميع الأنبياء و من آمن بهم‏

78

(1) -من أممهم فإنه يهدي بالوحي الذي نزل به، الأنبياء و المؤمنين من أممهم و يسدد الأنبياء خاصة و يهديهم إلى الأعمال الصالحة و يشير عليهم بها.

و على هذا تكون الآية في مقام تصديق النبي ص تصدقه في دعواه أن كتابه من عند الله بوحي منه، و تصدقه في دعواه أنه مؤمن بما يدعو إليه فيكون في معنى قوله تعالى: «إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ` عَلى‏ََ صِرََاطٍمُسْتَقِيمٍ ` تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ» : يس: 5.

و قوله: « وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ » إشارة إلى أن الذي يهدي إليه صراط مستقيم و أن الذي يهديه من الناس هو الذي يهديه الله سبحانه، فهدايته (ص) هداية الله.

قوله تعالى: « صِرََاطِ اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ » إلخ، بيان للصراط المستقيم الذي يهدي إليه النبي ص، و توصيفه تعالى بقوله: « اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ » للدلالة على الحجة على استقامة صراطه فإنه تعالى لما ملك كل شي‏ء ملك الغاية التي تسير إليها الأشياء و السعادة التي تتوجه إليها، فكانت الغاية و السعادة هي التي عينها، و كان الطريق إليها و السبيل الذي عليهم أن يسلكوه لنيل سعادتهم هو الذي شرعه و بينه، و ليس يملك أحد شيئا حتى ينصب له غاية و نهاية أو يشرع له إليها سبيلا، فالسعادة التي يدعو سبحانه إليها حق السعادة و الطريق الذي يدعو إليه حق الطريق و مستقيم الصراط.

و قوله: « أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ » تنبيه على لازم ملكه لما في السماوات و ما في الأرض فإن لازمه رجوع أمورهم إليه و لازمه كون السبيل الذي يسلكونه-و هو من جملة أمورهم-راجعا إليه فالصراط المستقيم هو صراطه فالمضارع أعني قوله: « تَصِيرُ » للاستمرار.

و فيه إشعار بلم الوحي و التكليم الإلهي، إذ لما كان مصير الأشياء إليه تعالى كان لكل نوع إليه تعالى سبيل يسلكه و كان عليه تعالى أن يهديه إليه و يسوقه إلى غايته كما قال: «وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ» : النحل: 9، و هو تكليم كل نوع بما يناسب ذاته و هو في الإنسان التكليم المسمى بالوحي و الإرسال.

79

(1) -و قيل: المضارع للاستقبال و المراد مصيرها جميعا إليه يوم القيامة، و قد سيقت الجملة لوعد المهتدين إلى الصراط المستقيم و وعيد الضالين عنه، و أول الوجهين أظهر.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج البخاري و مسلم و البيهقي عن عائشة *أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ص كيف يأتيك الوحي؟قال: أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس-فيفصم عني و قد وعيت عنه ما قال و هو أشده علي، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول:

قالت عائشة: و لقد رأيته ينزل عليه الوحي-في اليوم الشديد البرد فيفصم-و إن جبينه ليتفصد عرقا.

و في التوحيد، بإسناده عن زرارة قال*: قلت لأبي عبد الله (ع) : جعلت فداك- الغشية التي كانت تصيب رسول الله ص إذا نزل عليه الوحي؟قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه و بين الله أحد-ذاك إذا تجلى الله له. قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة و أقبل يتخشع.

و في العلل، بإسناده عن ابن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (ع) قال*: كان جبرئيل إذا أتى النبي ص قعد بين يديه قعدة العبد، و كان لا يدخل حتى يستأذنه.

و في أمالي الشيخ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال*: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله-كان رسول الله ص يقول: قال جبرئيل، و هذا جبرئيل يأمرني-ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه، فقال أبو عبد الله (ع) :

أنه إذا كان الوحي من الله إليه-ليس بينهما جبرئيل-أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، و إذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك-فقال: قال لي جبرئيل و هذا جبرئيل.

و في البصائر، عن علي بن حسان عن ابن بكير عن زرارة قال*: سألت أبا جعفر (ع) من الرسول؟من النبي؟من المحدث؟فقال: الرسول الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه‏

80

(1) -قبلا-فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول، و النبي الذي يؤتى في النوم نحو رؤيا إبراهيم (ع) ، و نحو ما كان يأخذ رسول الله ص من السبات-إذا أتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي، و منهم من يجمع له‏الرسالة و النبوة-فكان رسول الله ص رسولا نبيا-يأتيه جبرئيل قبلا فيكمله و يراه، و يأتيه في النوم، و أما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك-فيحدثه من غير أن يراه-و من غير أن يأتيه في النوم.

أقول: و في معناه روايات أخر.

و في التوحيد، بإسناده عن محمد بن مسلم و محمد بن مروان عن أبي عبد الله (ع) قال*: ما علم رسول الله ص أن جبرئيل من قبل الله إلا بالتوفيق.

و في تفسير العياشي، عن زرارة قال*: قلت لأبي عبد الله (ع) : كيف لم يخف رسول الله ص-فيما يأتيه من قبل الله-أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟قال:

فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا-أنزل عليه السكينة و الوقار-فكان يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه.

و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال*: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله تبارك و تعالى: « وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا-مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ » قال: خلق من خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل-كان مع رسول الله ص يخبره و يسدده، و هو مع الأئمة من بعده.

أقول: و في معناها عدة روايات و في بعضها أنه من الملكوت،

قال في روح المعاني، : و نقل الطبرسي عن أبي جعفر و أبي عبد الله: أن المراد من هذا الروح ملك أعظم من جبرائيل و ميكائيل-كان مع رسول الله ص و لم يصعد إلى السماء

، و هذا القول في غاية الغرابة و لعله لا يصح عن هذين الإمامين. انتهى.

و الذي في مجمع البيان. ، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) قالا: و لم يصعد إلى السماء و إنه لفينا.

انتهى.

و استغرابه فيما لا دليل له على نفيه غريب. على أنه يسلم تسديد هذا الروح لبعض الأمة غير النبي كما هو ظاهر لمن راجع قسم الإشارات من تفسيره.

و في النهج، : و لقد قرن الله به (ص) من لدن كان فطيما-أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم-و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره.

81

(1) -

و في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل و ابن عساكر عن علي قال*: قيل للنبي ص: هل عبدت وثنا قط؟قال: لا. قالوا: فهل شربت خمرا قط؟قال:

لا. و ما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر-و ما كنت أدري ما الكتاب و ما الإيمان، و بذلك نزل القرآن « مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ » .

و في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (ع) في حديث، * و قال في نبيه ص: « وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ » يقول: تدعو.

و في الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال*: سمعته يقول: وقع مصحف في البحر فوجدوه-و قد ذهب ما فيه إلا هذه الآية: « أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ » .

82

(1) -

(43) سورة الزخرف مكية و هي تسع و ثمانون آية (89)

83

(1) -

بيان‏

السورة موضوعة للإنذار كما تشهد به فاتحتها و خاتمتها و المقاصد المتخللة بينهما إلا ما في قوله: « إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ ` يََا عِبََادِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ » إلى تمام ست آيات استطرادية.

تذكر أن السنة الإلهية إنزال الذكر و إرسال الأنبياء و الرسل و لا يصده عن ذلك إسراف الناس في قولهم و فعلهم بل يرسل الأنبياء و الرسل و يهلك المستهزءين بهم و المكذبين لهم ثم يسوقهم إلى نار خالدة.

و قد ذكرت إرسال الأنبياء بالإجمال أولا ثم سمي منهم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (ع) ، و ذكرت من إسراف الكفار أشياء و من عمدتها قولهم بأن لله سبحانه ولدا و أن الملائكة بنات الله ففيها عناية خاصة بنفي الولد عنه تعالى فكررت ذلك و ردته و أوعدتهم بالعذاب، و فيها حقائق متفرقة أخرى.

و السورة مكية بشهادة مضامين آياتها إلا قوله: « وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا » الآية، و لم يثبت كما سيأتي إن شاء الله.

قوله تعالى: « وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ » ظاهره أنه قسم و جوابه قوله: « إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا » إلى آخر الآيتين، و كون القرآن مبينا هو إبانته و إظهاره طريق الهدى كما قال تعالى: «وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» : النحل: 89، أو كونه ظاهرا في نفسه لا يرتاب فيه كما قال: «ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ» : البقرة: 2.

قوله تعالى: « إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » الضمير للكتاب، و « قُرْآناً عَرَبِيًّا » أي مقروا باللغة العربية و « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » غاية الجعل و غرضه.

و جعل رجاء تعقله غاية للجعل المذكور يشهد بأن له مرحلة من الكينونة و الوجود لا ينالها عقول الناس، و من شأن العقل أن ينال كل أمر فكري و إن بلغ من اللطافة و الدقة ما بلغ‏فمفاد الآية أن الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر أجنبي عن العقول البشرية و إنما جعله الله قرآنا عربيا و ألبسه هذا اللباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه، و الرجاء في كلامه تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون المتكلم كما تقدم غير مرة.

84

(1) -}قوله تعالى: « وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » تأكيد و تبيين لما تدل عليه الآية السابقة أن الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقل العقول.

و الضمير للكتاب، و المراد بأم الكتاب اللوح المحفوظ كما قال تعالى: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ` فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» : البروج: 22، و تسميته بأم الكتاب لكونه أصل الكتب السماوية يستنسخ منه غيره، و التقييد بأم الكتاب و « لَدَيْنََا » للتوضيح لا للاحتراز، و المعنى: أنه حال كونه في أم الكتاب لدينا-حالا لازمة-لعلي حكيم، و سيجي‏ء في أواخر سورة الجاثية كلام في أم الكتاب إن شاء الله.

و المراد بكونه عليا على ما يعطه مفاد الآية السابقة أنه رفيع القدر و المنزلة من أن تناله العقول، و بكونه حكيما أنه هناك محكم غير مفصل و لا مجزى إلى سور و آيات و جمل و كلمات كما هو كذلك بعد جعله قرآنا عربيا كما استفدناه من قوله تعالى:

«كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» : هود: 1.

و هذان النعتان أعني كونه عليا حكيماهما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم و الألفاظ أولا و كان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات و الجمل القرآنية، و أما إذا كان الأمر وراء المفاهيم و الألفاظ و كان غير متجز إلى أجزاء و فصول فلا طريق للعقل إلى نيله.

فمحصل معنى الآيتين: أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع و أحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين و إنما أنزلناه بجعله مقروا عربيا رجاء أن يعقله الناس.

فإن قلت: ظاهر قوله: « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » إمكان تعقل الناس هذا القرآن العربي النازل تعقلا تاما فهذا الذي نقرؤه و نعقله إما أن يكون مطابقا لما في أم الكتاب كل المطابقة أو لا يكون، و الثاني باطل قطعا كيف؟و هو تعالى يقول: « وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ » و «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ` فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» : البروج: 22، و «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ` فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ» : الواقعة: 78، فتعين الأول و مع مطابقته لأم الكتاب كل المطابقة ما معنى كون القرآن العربي الذي عندنا معقولا لنا و ما في أم الكتاب عند الله غير معقول لنا.

قلت: يمكن أن تكون النسبة بين ما عندنا و ما في أم الكتاب نسبة المثل و الممثل فالمثل هو الممثل بعينه لكن الممثل له لا يفقه إلا المثل فافهم ذلك.

85

(1) -و بما مر يظهر ضعف الوجوه التي أوردوها في تفسير الوصفين كقول بعضهم: إن المراد بكونه عليا أنه عال في بلاغته مبين لما يحتاج إليه الناس، و قول بعضهم: معناه أنه يعلو كل كتاب بما اختص به من الإعجاز و هو ينسخ الكتب غيره و لا ينسخه كتاب، و قول بعضهم يعني أنه يعظمه الملائكة و المؤمنون.

و كقول بعضهم في معنى « حَكِيمٌ » إنه مظهر للحكمة البالغة، و قول بعضهم معناه أنه لا ينطق إلا بالحكمة و لا يقول إلا الحق و الصواب، ففي توصيفه بالحكيم تجوز لغرض المبالغة. و ضعف هذه الوجوه ظاهر بالتدبر في مفاد الآية السابقة و ظهور أن جعله قرآنا عربيا بالنزول عن أم الكتاب.

قوله تعالى: « أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ » الاستفهام للإنكار، و الفاء للتفريع على ما تقدم، و ضرب الذكر عنهم صرفه عنهم. قال في المجمع: ، و أصل ضربت عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفه عن جهة ضربه بعصا أو سوط ليعدل به إلى جهة أخرى ثم وضع الضرب موضع الصرف و العدل.

انتهى. و الصفح‏ بمعنى الإعراض فصفحا مفعول له، و احتمل أن يكون بمعنى الجانب «و أَنْ كُنْتُمْ » محذوف الجار و التقدير لأن كنتم و هو متعلق بقوله: « أَ فَنَضْرِبُ » .

و المعنى: أ فنصرف عنكم الذكر-و هو الكتاب الذي جعلناه قرآنالتعقلوه- للإعراض عنكم لكونكم مسرفين أو أ فنصرفه عنكم إلى جانب لكونكم مسرفين أي أنا لا نصرفه عنكم لذلك.

}قوله تعالى: « وَ كَمْ أَرْسَلْنََا مِنْ نَبِيٍّ فِي اَلْأَوَّلِينَ ` وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » « كَمْ » للتكثير، و الأولون هم الأمم الدارجة و « مََا يَأْتِيهِمْ » إلخ، حال و العامل فيها « أَرْسَلْنََا » .

و الآيتان و ما يتلوهما في مقام التعليل لعدم صرف الذكر عنهم ببيان أن كونكم قوما مسرفين لا يمنعنا من إجراء سنة الهداية من طريق الوحي فإنا كثيرا ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين و الحال أنه ما يأتيهم من نبي إلا استهزءوا به و انجر الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشا منكم.

فكما كانت عاقبة إسرافهم و استهزائهم الهلاك دون الصرف فكذلك عاقبة إسرافكم ففي الآيات الثلاث كما ترى وعد للنبي ص و وعيد لقومه.

86

(1) -}قوله تعالى: « فَأَهْلَكْنََا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ََ مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ » قال الراغب، :

البطش‏ تناول الشي‏ء بصولة. انتهى و في الآية التفات في قوله: « مِنْهُمْ » من الخطاب إلى الغيبة، و كان الوجه فيه العدول عن خطابهم إلى خطاب النبي ص لعدم اعتبارهم بهذه القصص و العبر و ليكون تمهيدا لقوله بعد: « وَ مَضى‏ََ مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ » و يؤيده قوله بعد: « وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ » خطابا للنبي ص. و معنى قوله: « وَ مَضى‏ََ مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ » و مضى في السور النازلة قبل هذه السورة من القرآن وصف الأمم الأولين و أنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزءون.

قوله تعالى: « وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ » في الآية و ما يتلوها إلى تمام ست آيات احتجاج على ربوبيته تعالى و توحده فيها مع إشارة ما إلى المعاد و تبكيت لهم على إسرافهم مأخوذ من اعترافهم بأنه تعالى هو خالق الكل ثم الأخذ بجهات من الخلق هي بعينها تدبير لأمور العباد كجعل الأرض لهم مهدا و جعله فيها سبلا و إنزال الأمطار فينتج أنه تعالى وحده مالك مدبر لأمورهم فهو الرب لا رب غيره.

و بذلك تبين أن الآية تقدمة و توطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة و قد تقدم في هذا الكتاب مرارا أن الوثنية لا تنكر رجوع الصنع و الإيجاد إليه تعالى وحده و إنما تدعي رجوع أمر التدبير إلى غيره.

قوله تعالى: « اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيهََا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » أي جعل لكم الأرض بحيث تربون فيها كما يربى الأطفال في المهد، و جعل لكم في الأرض سبلا و طرقا تسلكونها و تهتدون بها إلى مقاصدكم.

و قيل: معنى « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » رجاء أن تهتدوا إلى معرفة الله و توحيده في العبادة و الأول أظهر.

و في الكلام التفات إلى خطاب القوم بعد صرف الخطاب عنهم إلى النبي ص و لعل الوجه فيه إظهار العناية بهذا المعنى في الخلقة و هو أن التدبير بعينه من الخلق فاعترافهم‏بكون الخلق مختصا بالله سبحانه و قولهم برجوع التدبير إلى غيره من خلقه من التهافت في القول جهلا فقرعهم بهذا الخطاب من غير واسطة.

87

(1) -}قوله تعالى: « وَ اَلَّذِي نَزَّلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ » قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة و تدبير لا كيف اتفق و الإنشار الإحياء، و الميت مخفف الميت بالتشديد، و توصيف البلدة به باعتبار أنها مكان لأن البلدة أيضا إنما تتصف بالموت و الحياة باعتبار أنها مكان، و الالتفات عن الغيبة إلى التكلم مع الغير في « فَأَنْشَرْنََا » لإظهار العناية.

و لما استدل بتنزيل الماء بقدر و إحياء البلدة الميتة على خلقه و تدبيره استنتج منه أمر آخر لا يتم التوحيد إلا به و هو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى فقال:

« كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ » أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من قبوركم أحياء.

قيل: في التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى و عن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات و تهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال و توضيح منهاج القياس.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوََاجَ كُلَّهََا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْفُلْكِ وَ اَلْأَنْعََامِ مََا تَرْكَبُونَ » قيل: المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر و أنثى و أبيض و أسود و غيرها، و قيل: المراد الزوج من كل شي‏ء فكل ما سوى الله كالفوق و تحت و اليمين و اليسار و الذكر و الأنثى زوج.

و قوله: « وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْفُلْكِ وَ اَلْأَنْعََامِ مََا تَرْكَبُونَ » أي تركبونه، و الركوب‏ إذا نسب إلى الحيوان كالفرس و الإبل تعدى بنفسه فيقال: ركبت الفرس و إذا نسب إلى مثل الفلك و السفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى: « فَإِذََا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ » ففي قوله: « مََا تَرْكَبُونَ » أي تركبونه تغليب لجانب الأنعام.

}قوله تعالى: « لِتَسْتَوُوا عَلى‏ََ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا -إلى قوله- لَمُنْقَلِبُونَ » الاستواء على الظهور الاستقرار عليها، و الضمير في « ظُهُورِهِ » راجع إلى لفظ الموصول في « مََا تَرْكَبُونَ » ، و الضمير في قوله: « إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ » للموصول أيضا فكما يقال: استويت على ظهر الدابة يقال: استويت على الدابة.

و المراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك و الأنعام ذكر النعم التي ينتفع بها الإنسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى‏

88

(1) -مكان و حمل الأثقال قال تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ» : إبراهيم: 32، و قال: «وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا -Xإلى أن قال‏X- وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ إِلى‏ََ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بََالِغِيهِ إِلاََّ بِشِقِّ اَلْأَنْفُسِ» : النحل: 7، أو المراد ذكر مطلق نعمه تعالى‏بالانتقال من ذكر هذه النعم إليه.

و قوله: « وَ تَقُولُوا سُبْحََانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنََا هََذََا وَ مََا كُنََّا لَهُ مُقْرِنِينَ » أي مطيقين و الإقران‏ الإطاقة.

و ظاهر ذكر النعمة عند استعمالها و الانتفاع بها شكر منعمها و لازم ذلك أن يكون ذكر النعمة غير قول: « سُبْحََانَ اَلَّذِي » إلخ، فإن هذا القول تسبيح و تنزيه له عما لا يليق بساحة كبريائه و هو الشريك في الربوبية و الألوهية، و ذكر النعمة شكر -كما تقدم-و الشكر غير التنزيه.

و يؤيد هذا ما ورد عن النبي ص و أئمة أهل البيت (ع) في ما يقال عند الاستواء على المركوب فإن الروايات على اختلافها تتضمن التحميد وراء التسبيح يقول « سُبْحََانَ اَلَّذِي » إلخ.

و روي في الكشاف، عن الحسن بن علي (ع) *أنه رأى رجلا يركب دابة فقال:

سبحان الذي سخر لنا هذا-فقال: أ بهذا أمرتم؟فقال: و بم أمرنا؟قال: إن تذكروا نعمة ربكم.

و قوله: « وَ إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا لَمُنْقَلِبُونَ » أي صائرون شهادة بالمعاد.

89

(1) -

بيان‏

حكاية بعض أقوالهم التي دعاهم إلى القول بها الإسراف و الكفر بالنعم و هو قولهم بالولد و أن الملائكة بنات الله سبحانه، و احتجاجهم على عبادتهم الملائكة و رده عليهم.

قوله تعالى: « وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبََادِهِ جُزْءاً إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ » المراد بالجزء الولد فإن الولادة إنما هي الاشتقاق فالولد جزء من والده منفصل منه متصور بصورته.

و إنما عبر عن الولد بالجزء للإشارة إلى استحالة دعواهم، فإن جزئية شي‏ء من شي‏ء كيفما تصورت لا تتم إلا بتركب في ذلك الشي‏ء و الله سبحانه واحد من جميع الجهات.

و قد بان بما تقدم أن « مِنْ عِبََادِهِ » بيان لقوله: « جُزْءاً » و لا ضير في تقدم هذا النوع من البيان على المبين و لا في جمعية البيان و إفراد المبين.

قوله تعالى: « أَمِ اِتَّخَذَ مِمََّا يَخْلُقُ بَنََاتٍ وَ أَصْفََاكُمْ بِالْبَنِينَ » أي أخلصكم للبنين

90

(1) -فلكم بنون و ليس له إلا البنات و أنتم ترون أن البنت أخس من الابن فتثبتون له أخس الصنفين و تخصون أنفسكم بأشرفهما و هذا مع كونه قولا محالا في نفسه إزراء و إهانة ظاهرة و كفران.

و تقييد اتخاذ البنات بكونه مما يخلق لكونهم قائلين بكون الملائكة-على ربوبيتهم و ألوهيتهم-مخلوقين لله، و الالتفات في الآية إلى خطابهم لتأكيد الإلزام و تثبيت التوبيخ، و التنكير و التعريف في «بنات» و «البنين» للتحقير و التفخيم.

قوله تعالى: « وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمََا ضَرَبَ لِلرَّحْمََنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ » المثل‏ هو المثل و الشبه المجانس للشي‏ء و ضرب الشي‏ء مثلا أخذه مجانسا للشي‏ء «و بِمََا ضَرَبَ لِلرَّحْمََنِ مَثَلاً » الأنثى، و الكظيم‏ المملوء كربا و غيظا.

و المعنى: و حالهم أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى الذي جعلها شبها مجانسا للرحمان صار وجهه مسودا من الغم و هو مملوء كربا و غيظا لعدم رضاهم بذلك و عده عارا لهم لكنهم يرضونه له.

و الالتفات في الآية إلى الغيبة لحكاية شنيع سيرتهم و قبيح طريقتهم للغير حتى يتعجب منه.

قوله تعالى: « أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي اَلْخِصََامِ غَيْرُ مُبِينٍ » أي أ و جعلوا لله سبحانه من ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة و هو في المخاصمة و المحاجة غير مبين لحجته لا يقدر على تقرير دعواه.

و إنما ذكر هذين النعتين لأن المرأة بالطبع أقوى عاطفة و شفقة و أضعف تعقلا بالقياس إلى الرجل و هو بالعكس و من أوضح مظاهر قوة عواطفها تعلقها الشديد بالحلية و الزينة و ضعفها في تقرير الحجة المبني على قوة التعقل.

قوله تعالى: « وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً » إلخ، هذا معنى قولهم: إن الملائكة بنات الله و قد كان يقول به طوائف من عرب الجاهلية و أما غيرهم من الوثنية فربما عدوا في آلهتهم إلهة هي أم إله أو بنت إله لكن لم يقولوا بكون جميع الملائكة إناثا كما هو ظاهر المحكي في الآية الكريمة.

و إنما وصف الملائكة بقوله: « اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ » ردا لقولهم بأنوثتهم لأن الإناث لا يطلق عليهن العباد، و لا يلزم منه اتصافهم بالذكورة بالمعنى الذي يتصف به‏

91

(1) -الحيوان فإن الذكورة و الأنوثة اللتين في الحيوان من لوازم وجوده المادي المجهز للتناسل و توليد المثل، و الملائكة في معزل من ذلك.

و قوله: « أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهََادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ » رد لدعواهم الأنوثة في الملائكة بأن الطريق إلى العلم بذلك الحس و هم لم يروهم حتى يعلموا بها فلم يكونوا حاضرين عند خلقهم حتى يشاهدوا منهم ذلك.

فقوله: « أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ إلخ» استفهام إنكاري‏و وعيد على قولهم بغير علم أي لم يشهدوا خلقهم و ستكتب في صحائف أعمالهم هذه الشهادة عليهم و يسألون عنه يوم القيامة.

قوله تعالى: « وَ قََالُوا لَوْ شََاءَ اَلرَّحْمََنُ مََا عَبَدْنََاهُمْ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَخْرُصُونَ » حجة عقلية داحضة محكية عنهم يمكن أن تقرر تارة لإثبات صحة عبادة الشركاء بأن يقال: لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ما عبدناهم ضرورة لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم فهو لم يشأ ذلك و عدم مشيته عدم عبادتهم إذن في عبادتهم فلا منع من قبله تعالى عن عبادة الشركاء و الملائكة منهم، و هذا المعنى هو المنساق إلى الذهن من قوله في سورة الأنعام: «سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا وَ لاََ حَرَّمْنََا مِنْ شَيْ‏ءٍ» : الأنعام: 148، على ما يعطيه السياق ما قبله و ما بعده.

و تقرر تارة لإبطال النبوة القائلة إن الله يوجب عليكم كذا و كذا و يحرم عليكم كذا كذا بأن يقال لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء و لا نحل و لا نحرم شيئا لم نعبد الشركاء و لم نضع من عندنا حكما لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم و نحل و نحرم أشياء فلم يشأ الله سبحانه منا شيئا، فقول إن الله يأمركم بكذا و ينهاكم عن كذا و بالجملة أنه شاء كذا باطل.

و هذا المعنى هو الظاهر المستفاد من قوله تعالى في سورة النحل: «وَ قََالَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا عَبَدْنََا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ نَحْنُ وَ لاََ آبََاؤُنََا وَ لاََ حَرَّمْنََا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» : النحل: 35، بالنظر إلى السياق.

و قولهم في محكي الآية المبحوث عنها: « لَوْ شََاءَ اَلرَّحْمََنُ‏مََا عَبَدْنََاهُمْ » على ما يفيده سياق الآيات السابقة و اللاحقة مسوق للاحتجاج على المعنى الأول و هو تصحيح‏

92

(1) -عبادتهم للملائكة فيكون في معنى آية سورة الأنعام و أخص منها.

و قوله: « مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ » أي هو منهم قول مبني على الجهل فإنه مغالطة خلطوا فيها بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية و أخذ الأولى مكان الثانية، فمقتضى الحجة أن لا إرادة تكوينية منه تعالى متعلقة بعدم عبادتهم الملائكة و انتفاء تعلق هذا النوع من الإرادة بعدم عبادتهم لهم لا يستلزم انتفاء تعلق الإرادة التشريعية به.

فهو سبحانه لما لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالإرادة التكوينية كانوا مختارين غير مضطرين على فعل أو ترك فأراد منهم بالإرادة التشريعية أن يوحدوه و لا يعبدوا الشركاء، و الإرادة التشريعية لا يستحيل تخلف المراد عنها لكونها اعتبارية غير حقيقية، و إنما تستعمل في الشرائع و القوانين و التكاليف المولوية، و الحقيقة التي تبتني عليها هي اشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة.

و بما تقدم يظهر فساد ما قيل: إن حجتهم مبنية على مقدمتين: الأولى أن عبادتهم للملائكة بمشيته تعالى، و الثانية أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى و قد أصابوا في الأولى و أخطئوا في الثانية حيث جهلوا أن المشية عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا و السخط في شي‏ء من الطرفين.

وجه الفساد: أن مضمون الحجة عدم تعلق المشية على ترك العبادة و عدم تعلق المشية بالترك لا يستلزم تعلق المشية بالفعل بل لازمه الإذن الذي هو عدم المنع من الفعل. ثم إن ظاهر كلامه قصر الإرادة في‏التكوينية و إهمال التشريعية التي عليها المدار في التكاليف المولوية و هو خطأ منه.

و يظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم أن المراد بقولهم: «لو شاء الرحمن ما عبدناهم» الاعتذار عن عبادة الملائكة بتعلق مشية الله بها مع الاعتراف بكونها قبيحة.

و ذلك أنهم لم يكونوا مسلمين لقبح عبادة آلهتهم حتى يعتذروا عنها و قد حكي عنهم ذيلا قولهم: « إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُهْتَدُونَ » .

و قوله: « إِنْ هُمْ إِلاََّ يَخْرُصُونَ » الخرص‏ -على ما يظهر من الراغب-القول على الظن و التخمين، و فسر أيضا بالكذب.

قوله تعالى: « أَمْ آتَيْنََاهُمْ كِتََاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ » ضمير « مِنْ قَبْلِهِ »

93

(1) -للقرآن، و في الآية نفي أن يكون لهم حجة من طريق النقل كما أن في الآية السابقة نفي حجتهم من طريق العقل، و محصل الآيتين أن لا حجة لهم على عبادة الملائكة لا من طريق العقل و لا من طريق النقل فلم يأذن الله فيها.

قوله تعالى: « بَلْ قََالُوا إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُهْتَدُونَ » الأمة الطريقة التي تؤم و تقصد، و المراد بها الدين، و الإضراب عما تحصل من الآيتين، و المعنى: لا دليل لهم على حقية عبادتهم بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على دين و إنا على آثارهم مهتدون أي إنهم متشبثون بتقليد آبائهم فحسب.

قوله تعالى: « وَ كَذََلِكَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا إِنََّا وَجَدْنََا » إلخ، أي إن التشبث بذيل التقليد ليس مما يختص بهؤلاء فقد كان ذلك دأب أسلافهم من الأمم المشركين و ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير و هو النبي إلا تشبث متنعموها بذيل التقليد و قالوا: إنا وجدنا أسلافنا على دين و إنا على آثارهم مقتدون لن نتركها و لن نخالفهم.

و نسبة القول إلى مترفيهم للإشارة إلى أن الإتراف و التنعم هو الذي يدعوهم إلى التقليد و يصرفهم عن النظر في الحق.

قوله تعالى: « قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى‏ََ مِمََّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبََاءَكُمْ » إلخ، القائل هو النذير، و الخطاب للمترفين و يشمل غيرهم بالتبعية، و العطف في « أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ » على محذوف يدل عليه كلامهم، و التقدير أنكم على آثارهم مقتدون و لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟و المحصل: هل أنتم لازمون لدينهم حتى لو كان ما جئتكم به من الدين أهدى منه؟و عد النذير ما جاءهم به أهدى من دينهم مع كون دينهم باطلا لا هدى فيه من باب مجاراة الخصم.

و قوله: « قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ » جواب منهم لقول النذير: « أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ » إلخ و هو تحكم من غير دليل.

قوله تعالى: « فَانْتَقَمْنََا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ » أي تفرع على ذلك الإرسال و الرد بالتقليد و التحكم أنا أهلكناهم بتكذيبهم فانظر كيف كان عاقبة أولئك السابقين من أهل القرى و فيه تهديد لقوم النبي ص.

94

(1) -

95

(1) -

بيان‏

لما انجر الكلام إلى ردهم رسالة الرسول و كفرهم بها تحكما و تشبثهم في الشرك بذيل تقليد الآباء و الأسلاف من غير دليل عقب ذلك بالإشارة إلى قصة إبراهيم (ع) و رفضه تقليد أبيه و قومه و تبريه عما يعبدونه من دون الله سبحانه و استهدائه هدى ربه الذي فطره.

ثم يذكر تمتيعه لهم بنعمه و كفرانهم بها بالكفر بكتاب الله و طعنهم فيه و في رسوله بما هو مردود عليهم. ثم يذكر تبعة الإعراض عن ذكر الله و ما تنتهي إليه من الشقاء و الخسران، و يعطف عليه إياس النبي ص من إيمانهم و تهديدهم بالعذاب و يؤكد الأمر للنبي ص أن يستمسك بالقرآن و إنه لذكر له و لقومه و سوف يسألون عنه، و إن الذي فيه من دين التوحيد هو الذي كان عليه الأنبياء السابقون عليه.

قوله تعالى: « وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَرََاءٌ مِمََّا تَعْبُدُونَ » البراء مصدر من برى‏ء يبرأ فهو بري‏ء فمعنى « إِنَّنِي بَرََاءٌ » إنني: ذو براء أو بري‏ءعلى سبيل المبالغة مثل زيد عدل.

و في الآية إشارة إلى تبري إبراهيم (ع) مما كان يعبده أبوه و قومه من الأصنام

96

(1) -و الكواكب بعد ما حاجهم فيها فاستندوا فيها إلى سيرة آبائهم على ما ذكر في سور الأنعام و الأنبياء و الشعراء و غيرها.

و المعنى: و اذكر لهم إذ تبرأ إبراهيم عن آلهة أبيه و قومه إذ كانوا يعبدونها تقليدا لآبائهم من غير حجة و قام بالنظر وحده.

قوله تعالى: « إِلاَّ اَلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ » أي إلا الذي أوجدني و هو الله سبحانه، و في توصيفه تعالى بالفطر إشارة إلى الحجة على ربوبيته و ألوهيته فإن الفطر و الإيجاد لا ينفك عن تدبير أمر الموجود المفطور فالذي فطر الكل هو الذي يدبر أمرهم فهو الحقيق أن يعبد.

و قوله: « فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ » أي إلى الحق الذي أطلبه، و قيل: أي إلى طريق الجنة، و في هذه الجملة إشارة إلى خاصة أخرى ربوبية و هي الهداية إلى السبيل الحق يجب أن يسلكه الإنسان فإن السوق إلى الكمال من تمام التدبير فعلى الرب المدبر لأمر مربوبه أن يهديه إلى كماله و سعادته، قال تعالى: «رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ» : طه: 50، و قال: «وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ» : النحل: 9، فالرجوع إلى الله بتوحيد العبادة يستتبع الهداية كما قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا» العنكبوت: 69.

و الاستثناء في قوله: « إِلاَّ اَلَّذِي فَطَرَنِي » منقطع لأن الوثنيين لا يعبدون الله كما مر مرارا، فقول بعضهم: إنه متصل، و إنهم كانوا يقولون: الله ربنا مع عبادتهم الأوثان، كما ترى.

قوله تعالى: « وَ جَعَلَهََا كَلِمَةً بََاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » الظاهر أن ضمير الفاعل المستتر في « جَعَلَهََا » لله سبحانه، و الضمير البارز-على ما قيل-لكلمة البراءة التي تكلم بها إبراهيم (ع) و معناها معنى كلمة التوحيد فإن مفاد لا إله إلا الله نفي الآلهة غير الله لا نفي الآلهة و إثبات الإله تعالى‏ (1) و هو ظاهر فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم أن الضمير لكلمة التوحيد المعلوم مما تكلم به إبراهيم (ع) .

و المراد بعقبه ذريته و ولده، و قوله: « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » أي يرجعون من عبادة

____________

(1) و ذلك أن «الله» فيها مرفوع على البدلية لا منصوب على الاستثناء.

97

(1) -آلهة غير الله إلى عبادته تعالى أي يرجع بعضهم-و هم العابدون لغير الله بدعوة بعضهم و هم العابدون لله-إلى عبادته تعالى، و بهذا يظهر أن المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا، و لعل هذا عن استجابة دعائه (ع) إذ يقول: «وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ» : إبراهيم: 35.

و قيل: الضمير في «جعل» لإبراهيم (ع) فهو الجاعل هذه الكلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجعوا إليها، و المراد بجعلها باقية فيهم وصيته لهم بذلك‏كما قال تعالى:

«وَصََّى بِهََا إِبْرََاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يََا بَنِيَّ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ لَكُمُ اَلدِّينَ فَلاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» : البقرة: 132.

و أنت خبير بأن الوصية بكلمة التوحيد لا تسمى جعلا للكلمة باقية في العقب و إن صح أن يقال: أراد بها ذلك لكنه غير جعلها باقية فيهم.

و قيل: المراد أن الله جعل الإمامة كلمة باقية في عقبه و سيجي‏ء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.

و يظهر من الآية أن ذرية إبراهيم (ع) لا تخلو من هذه الكلمة إلى يوم القيامة.

قوله تعالى: « بَلْ مَتَّعْتُ هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ » إضراب عما يفهم من الآية السابقة، و المعنى: أن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد كان هو الغاية المرجوة منهم لكنهم لم يرجعوا بل متعت هؤلاء من قومك و آباءهم فتمتعوا بنعمي « حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ » .

و لعل الالتفات إلى التكلم وحده في قوله: « بَلْ مَتَّعْتُ » للإشارة إلى تفخيم جرمهم و أنهم لا يقصدون في كفرانهم للنعمة و كفرهم بالحق و رمية بالسحر إلا إياه تعالى وحده.

و المراد بالحق الذي جاءهم هو القرآن، و بالرسول المبين محمد ص.

قوله تعالى: « وَ لَمََّا جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ قََالُوا هََذََا سِحْرٌ وَ إِنََّا بِهِ كََافِرُونَ » هذا طعنهم في الحق الذي جاءهم و هو القرآن‏و يستلزم الطعن في الرسول. كما أن قولهم الآتي: « لَوْ لاََ نُزِّلَ » إلخ، كذلك.

98

(1) -}قوله تعالى: « وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » المراد بالقريتين مكة و الطائف، و مرادهم بالعظمة-على ما يفيده السياق-ما هو من حيث المال و الجاه اللذين هما ملاك الشرافة و علو المنزلة عند أبناء الدنيا، و المراد بقوله: « رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » رجل من إحدى القريتين حذف المضاف إيجازا.

و مرادهم أن الرسالة منزلة شريفة إلهية لا ينبغي أن يتلبس به إلا رجل شريف في نفسه عظيم مطاع في قومه، و النبي ص فقير فاقد لهذه الخصلة، فلو كان القرآن الذي جاء به وحيا نازلا من الله فلو لا نزل على رجل عظيم من مكة أو الطائف كثير المال رفيع المنزلة.

و في المجمع، : و يعنون بالرجل العظيم من إحدى القريتين الوليد بن المغيرة من مكة و أبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف. عن قتادة، و قيل: عتبة بن أبي ربيعة من مكة و ابن عبد ياليل من الطائف. عن مجاهد، و قيل: الوليد بن المغيرة من مكة و حبيب بن عمر الثقفي من الطائف. عن ابن عباس. انتهى.

و الحق أن ذلك من تطبيق المفسرين و إنما قالوا ما قالوا على الإبهام و أرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين على ما هو ظاهر الآية.

قوله تعالى: « أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا » إلخ، المراد بالرحمة-على ما يعطيه السياق-النبوة.

و قال الراغب: العيش‏ الحياة المختصة بالحيوان، و هو أخص من الحياة لأن الحياة تقال في الحيوان و في الباري تعالى و في الملك، و يشتق منه المعيشة لما يتعيش به.

انتهى. و قال: التسخير سياقه‏إلى الغرض المختص قهرا-إلى أن قال: و السخري‏ هو الذي يقهر فيتسخر بإرادته. انتهى.

و الآية و الآيتان بعدها في مقام الجواب عن قولهم: « لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ » إلخ، و محصلها أن قولهم هذا تحكم ظاهر ينبغي أن يتعجب منه فإنهم يحكمون فيما لا يملكون. هذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها و يرتزقون و هي رحمة منا لا قدر لها و لا منزلة عندنا و ليست إلا متاعا زائلا نحن نقسمها بينهم و هي خارجة عن مقدرتهم و مشيتهم فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى و هي مفتاح سعادة البشر الدائمة و الفلاح الخالد فيعطونها لمن شاءوا و يمنعونها ممن شاءوا.

99

(1) -فقوله: « أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ » الاستفهام للإنكار، و الالتفات إلى الغيبة في قوله: « رَحْمَتَ رَبِّكَ » و لم يقل: رحمتنا، للدلالة على اختصاص النبي ص بعناية الربوبية في النبوة.

و المعنى: أنهم لا يملكون النبوة التي هي رحمة لله خاصة به حتى يمنعوك منها و يعطوها لمن هووا.

و قوله: « نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا » بيان لوجه الإنكار في الجملة السابقة بأنهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوة بمراحل و لا منزلة له و هو معيشتهم في الحياة الدنيا فنحن قسمناها بينهم فكيف يقسمون ما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدر قدره و هو النبوة التي هي رحمة ربك الخاصة به.

و الدليل على أن الأرزاق و المعايش ليست بيد الإنسان اختلاف أفراده بالغنى و الفقر و العافية و الصحة و في الأولاد و سائر ما يعد من الرزق، و كل يريد أن يقتني منها ما لا مزيد عليه، و لا يكاد يتيسر لأحد منهم جميع ما يتمناه و يرتضيه فلو كان ذلك بيد الإنسان لم يوجد معدم فقير في شي‏ء منها بل لم يختلف اثنان فيها فاختلافهم فيها أوضح دليل على أن الرزق مقسوم بمشية من الله دون الإنسان.

على أن الإرادة و العمل من الإنسان بعض الأسباب الناقصة لحصول المطلوب الذي هو الرزق و وراءهما أسباب كونية لا تحصى خارجة عن مقدرة الإنسان لا يحصل المطلوب إلا بحصولها جميعا و اجتماعها عليه و ليست إلا بيد الله الذي إليه تنتهي الأسباب.

هذا كله في المال و أما الجاه فهو أيضا مقسوم من عند الله فإنه يتوقف على صفات خاصة بها ترتفع درجات الإنسان في المجتمع فيتمكن من تسخير من هو دونه كالفطنة و الدهاء و الشجاعة و علو الهمة و أحكام العزيمة و كثرة المال و العشيرة و شي‏ء من ذلك لا يتم إلا بصنع من الله سبحانه، و ذلك قوله: « وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا » .

فيتبين بمجموع القولين أعني قوله: « نَحْنُ قَسَمْنََا » إلخ، و قوله: « وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ » إلخ، إن القاسم للمعيشة و الجاه بين الناس هو الله سبحانه لا غير، و قوله:

« وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ » أي النبوة خير من المال فكيف يملكون قسمها و هم لا يملكون قسم المال فيما بينهم.

100

(1) -و من الممكن أن يكون قوله: « وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ » عطف تفسير على قوله: « نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ » إلخ، يبين قسم المعيشة بينهم ببيان علل انقسامها في المجتمع الإنساني، بيان ذلك أن كثرة حوائج الإنسان في حياته الدنيا بحيث لا يقدر على رفع جميعها في عيش انفرادي أحوجته إلى الاجتماع مع غيره من الأفراد على طريق الاستخدام و الاستدرار أولا و على طريق التعاون و التعاضد ثانيا كما مر في مباحث النبوة من الجزء الثاني من الكتاب.

فآل الأمر إلى المعاوضة العامة المفيدة لنوع من الاختصاص بأن يعطي كل مما عنده من حوائج الحياة ما يفضل من حاجته و يأخذ به من الغير ما يعادله مما يحتاج إليه فيعطي مثلا ما يفضل من حاجته من الماء الذي عنده و قد حصله و اختص به و يأخذ من غيره ما يزيد على قوته من الغذاء، و لازم ذلك أن يسعى كل فرد بما يستعد له و يحسنه من السعي فيقتني مما يحتاج إليه ما يختص به، و لازم ذلك أن يحتاج غيره إليه فيما عنده من متاع الحياة فيتسخر له فيفيده ما يحتاج إليه كالخباز يحتاج إلى ما عند السقاء من الماء و بالعكس فيتعاونان بالمعاوضة و كالمخدوم يتسخر للخادم لخدمته و الخادم يتسخر للمخدوم لماله و هكذا فكل بعض من المجتمع مسخر لآخرين بما عنده و الآخرون متسخرون له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط لما أن كلا يرتفع على غيره بما يختص به مما عنده بدرجات مختلفة باختلاف تعلق الهمم و القصود به.

و على ما تقدم فالمراد بالمعيشة كل ما يعاش به أعم من المال و الجاه أو خصوص المال و غيره تبع له كما يؤيده قوله ذيلا: « وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمََّا يَجْمَعُونَ » فإن المراد به المال و غيره من لوازم الحياة مقصود بالتبع.

قوله تعالى: « وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً » -إلى قوله- وَ مَعََارِجَ عَلَيْهََا يَظْهَرُونَ » الآية و ما يتلوها لبيان أن متاع الدنيا من مال و زينة لا قدر لها عند الله سبحانه و لا منزلة.

قالوا: المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم مجتمعين على سنة واحدة هي الكفر بالله لو رأوا أن زينة الدنيا بحذافيرها عند الكافر بالله و المؤمن صفر الكف منها مطلقا، و المعارج الدرجات و المصاعد.

و المعنى: و لو لا أن يجتمع الناس على الكفر لو رأوا تنعم الكافرين و حرمان‏

101

(1) -المؤمنين لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و درجات عليها يظهرون لغيرهم.

و يمكن أن يكون المراد بكون الناس أمة واحدة كونهم جميعا على نسبة واحدة تجاه الأسباب العاملة في حظوظ العيش من غير فرق بين المؤمن و الكافر، فمن سعى سعيه للرزق و وافقته الأسباب و العوامل الموصلة الأخرى نال منه مؤمنا كان أو كافرا، و من لم يجتمع له حرم ذلك و قتر عليه الرزق مؤمنا أو كافرا.

و المعنى: لو لا ما أردنا أن يتساوى الناس تجاه الأسباب الموصلة إلى زخارف الدنيا و لا يختلفوا فيها بالإيمان و الكفر لجعلنا لمن يكفر، إلخ.

قوله تعالى: « وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْوََاباً وَ سُرُراً عَلَيْهََا يَتَّكِؤُنَ ` وَ زُخْرُفاً » تنكير « أَبْوََاباً » و « سُرُراً » للتفخيم، و الزخرف‏ الذهب أو مطلق الزينة، قال في المجمع، : الزخرف كمال حسن الشي‏ء و منه قيل للذهب، و يقال: زخرفه زخرفة إذا حسنه و زينه، و منه قيل للنقوش و التصاوير: زخرف،

و في الحديث: أنه (ص) لم يدخل الكعبة-حتى أمر بالزخرف فنحي.

انتهى. و الباقي ظاهر.

قوله تعالى: « وَ إِنْ كُلُّ ذََلِكَ لَمََّا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » « إِنْ » للنفي و « لَمََّا » بمعنى إلا أي ليس كل ما ذكر من مزايا المعيشة إلا متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تدوم.

و قوله: « وَ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » المراد بالآخرة بقرينة المقام الحياة الآخرة السعيدة كان الحياة الآخرة الشقية لا تعد حياة.

و المعنى: أن الحياة الآخرة السعيدة بحكم من الله تعالى و قضاء منه مختصة بالمتقين، و هذا التخصيص و القصر يؤيد ما قدمناه من معنى كون الناس أمة واحدة في الدنيا بعض التأييد.

قوله تعالى: « وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » يقال: عشي‏ يعشى عشا من باب علم يعلم إذا كان ببصره آفة لا يبصر مطلقا أو بالليل فقط، و عشا يعشو عشوا و عشوا من باب نصر ينصر إذا تعامى و تعشى بلا آفة، و التقييض‏ التقدير و الإتيان بشي‏ء إلى شي‏ء، يقال: قيضه له إذا جاء به إليه.

لما انتهى الكلام إلى ذكر المتقين و أن الآخرة لهم عند الله قرنه بعاقبة أمر

102

(1) -المعرضين عن الحق المتعامين عن ذكر الرحمن مشيرا إلى أمرهم من أوله و هو أن تعاميهم عن ذكر الله‏يورثهم ملازمة قرناء الشياطين فيلازمونهم مضلين لهم حتى يردوا عذاب الآخرة معهم.

فقوله: « وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً » أي من تعامى عن ذكر الرحمن و نظر إليه نظر الأعشى جئنا إليه بشيطان، و قد عبر تعالى عنه في موضع آخر بالإرسال فقال: «أَ لَمْ تَرَ أَنََّا أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا» : مريم: 83، و إضافة الذكر إلى الرحمن للإشارة إلى أنه رحمة.

و قوله: « فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » أي مصاحب لا يفارقه.

قوله تعالى: « وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » ضمير «أنهم» للشياطين، و ضمائر الجمع الباقية للعاشين عن الذكر، و اعتبار الجمع نظرا إلى المعنى في « وَ مَنْ يَعْشُ » إلخ، و الصد الصرف، و المراد بالسبيل ما يدعو إليه الذكر من سبيل الله الذي هو دين التوحيد.

و المعنى: و إن الشياطين ليصرفون العاشين عن الذكر و يحسب العاشون أنهم -أي العاشين أنفسهم-مهتدون إلى الحق.

و هذا أعني حسبانهم أنهم مهتدون عند انصدادهم عن سبيل الحق أمارة تقييض القرين و دخولهم تحت ولاية الشيطان فإن الإنسان بطبعه الأولي مفطور على الميل إلى الحق و معرفته إذا عرض عليه ثم إذا عرض عليه فأعرض عنه اتباعا للهوى و دام عليه طبع الله على قلبه و أعمى بصره و قيض له القرين فلم ير الحق الذي تراءى له و طبق الحق الذي‏يميل إليه بالفطرة على الباطل الذي يدعوه إليه الشيطان فيحسب أنه مهتد و هو ضال و يخيل إليه أنه على الحق و هو على الباطل.

و هذا هو الغطاء الذي يذكر تعالى أنه مضروب عليهم في الدنيا و أنه سينكشف عنهم يوم القيامة، قال تعالى: « اَلَّذِينَ كََانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطََاءٍ عَنْ ذِكْرِي -إلى أن قال- قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالاً ` اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» : الكهف: 104، و قال فيما يخاطبه يوم القيامة و معه قرينه: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ» -Xإلى أن قال‏X- «قََالَ قَرِينُهُ رَبَّنََا مََا أَطْغَيْتُهُ وَ لََكِنْ كََانَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ» : ق: 27. ـ

103

(1) -}قوله تعالى: « حَتََّى إِذََا جََاءَنََا قََالَ يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ » « حَتََّى » غاية لاستمرار الفعل الذي يدل عليه قوله في الآية السابقة: « لَيَصُدُّونَهُمْ » و قوله: « يَحْسَبُونَ » أي لا يزال القرناء يصدونهم و لا يزالون يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا الواحد منهم.

و المراد بالمجي‏ء إليه تعالى البعث، و ضمير «جاء» و «قال» راجع إلى الموصول باعتبار لفظه، و المراد بالمشرقين المشرق و المغرب غلب فيه جانب المشرق.

و المعنى: و أنهم يستمرون على صدهم عن السبيل و يستمر العاشون عن الذكر على حسبان أنهم مهتدون في انصدادهم حتى إذا حضر الواحد منهم عندنا و معه قرينه و كشف له عن ضلاله و ما يستتبعه من العذاب الأليم، قال مخاطبا لقرينه متأذيا من صحابته: يا ليت بيني و بينك بعد المشرق و المغرب فبئس القرين أنت.

و يستفاد من السياق أنهم معذبون بصحابة القرناء وراء عذابهم بالنار، و لذا يتمنون التباعد عنهم و يخصونه بالذكر و ينسون سائر العذاب.

قوله تعالى: « وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذََابِ مُشْتَرِكُونَ » الظاهر أنه معطوف على ما قبله من وصف حالهم، و المراد باليوم يوم القيامة، و قوله: « أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذََابِ مُشْتَرِكُونَ » فاعل « لَنْ يَنْفَعَكُمُ » و المراد بضمير جمع المخاطب العاشون عن الذكر و قرناؤهم، و « إِذْ ظَلَمْتُمْ » واقع موقع التعليل.

و المراد-و الله أعلم-أنكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في مصيبة ربما تسليتم بعض التسلي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به فينفعكم ذلك تسليا و تشفيا لكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب فإن اشتراكهم معكم في العذاب و كونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم.

و ذكر بعض المفسرين أن فاعل « لَنْ يَنْفَعَكُمُ » ضمير راجع إلى تمنيهم المذكور في الآية السابقة، و قوله: « إِذْ ظَلَمْتُمْ » أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا باتباعكم إياهم في الكفر و المعاصي، و قوله: « أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذََابِ مُشْتَرِكُونَ » تعليل لنفي النفع و المعنى: و لن ينفعكم تمني التباعد عنكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم و قرناؤكم في العذاب.

و فيه أن فيه تدافعا فإنه أخذ قوله: « إِذْ ظَلَمْتُمْ » تعليلا لنفي نفع التمني أولا

104

(1) -و قوله: « أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذََابِ مُشْتَرِكُونَ » تعليلا له ثانيا و لازم التطابق بين التعليلين أن يذكر ثانيا القضاء على المتمنين التابعين بالعذاب لا باشتراك التابعين و المتبوعين فيه.

و قال بعضهم: معنى الآية أنه لا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لأن لكل واحد منكم و من قرنائكم الحظ الأوفر من العذاب.

و فيه أن ما ذكر من سبب عدم النفع و إن فرض صحيحا في نفسه لكن لا دلالة عليه من جهة لفظ الآية و لا سياق الكلام.

و قال بعضهم: المعنى: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في شدائد الدنيا اشتراكهم فيها لتعاونهم في تحمل أعبائها و تقسمهم لعنائها لأن لكل منكم و من قرنائكم من العذاب ما لا تبلغه طاقته.

و فيه ما في سابقه من الكلام، و رد أيضا بأن الانتفاع بذلك الوجه ليس مما يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه.

قوله تعالى: « أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي اَلْعُمْيَ وَ مَنْ كََانَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ » لما ذكر تقييضه القرناء لهم و تقليبهم إدراكهم بحيث يرون الضلال هدى و لا يقدرون على معرفة الحق فرع عليه أن نبه (ص) أن هؤلاء صم عمي لا يقدر هو على أسماعهم كلمة الحق و هدايتهم إلى سبيل الرشد فلا يتجشم و لا يتكلف في دعوتهم و لا يحزن لإعراضهم، و الاستفهام للإنكار، و الباقي ظاهر.

}قوله تعالى: « فَإِمََّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنََّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ` أَوْ نُرِيَنَّكَ اَلَّذِي وَعَدْنََاهُمْ فَإِنََّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ » المراد بالإذهاب به توفيه (ص) قبل الانتقام منهم، و قيل:

المراد إذهابه بإخراجه من بينهم، و قوله: « فَإِنََّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ » أي لا محالة، و المراد بإراءته ما وعدهم الانتقام منهم قبل توفيه (ص) أو حال كونه بينهم، و قوله: «فإنا عليهم مقتدرون» أي اقتدارنا يفوق عليهم.

و قوله في الصدر: « فَإِمََّا نَذْهَبَنَّ بِكَ » أصله أن نذهب بك زيدت عليه ما و النون للتأكيد، و محصل الآية إنا منتقمون منهم بعد توفيك أو قبلها لا محالة.

قوله تعالى: « فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ » الظاهر أنه تفريع لجميع ما تقدم من أن إنزال الذكر من طريق الوحي و النبوة من سننه تعالى‏