الميزان في تفسير القرآن - ج18

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
391 /
155

(1) -وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ لَآيََاتٍ» : آل عمران: 190، و قوله: «وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» : الروم: 22، و نظائرهما كثيرة، و يستفاد من اختلاف التعبير الذي فيها أن معنى كون الشي‏ء فيه آية هو كونه بنفسه آية كما يستفاد من اختلاف التعبير في مثل قوله: « إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ لَآيََاتٍ » ، و قوله: « إِنَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لَآيََاتٍ » الآية، أن المراد من خلق السماوات و الأرض نفسها لا غير.

و العناية في أخذ الشي‏ء ظرفا للآية مع كونه بنفسه آية اعتبار جهات وجوده و إن لوجوده جهة أو جهات كل واحدة منها آية من الآيات و لو أخذت نفس الشي‏ء لم يستقم إلا أخذها آية واحدة كما في قوله تعالى: «وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ» : الذاريات:

20، و لو أخذت الآية نفس الأرض لم يستقم إلا أن يقال: و الأرض آية للموقنين و ضاع المراد و هو أن في وجود الأرض جهات كل واحدة منها آية وحدها.

فمعنى قوله: « إِنَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ » إلخ، إن لوجود السماوات و الأرض جهات دالة على أن الله تعالى هو خالقها المدبر لها وحده لا شريك له فإنها بحاجتها الذاتية إلى من يوجدها و عظمة خلقتها و بداعة تركيبها و اتصال وجود بعضها ببعض و ارتباطه على كثرتها الهائلة و اندراج أنظمتها الجزئية الخاصة بكل واحد تحت نظام عام يجمعها و يحكم فيها تدل على أن لها خالقا هو وحده ربها المدبر أمرها فلو لا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس، و لو لا أن مدبرها واحد لتناقضت النظامات و تدافعت و اختلف التدبير.

و مما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن قوله: « فِي اَلسَّمََاوََاتِ » بتقدير مضاف محذوف و التقدير في خلق السماوات، تكلف من غير ضرورة تدعو إليه.

قوله تعالى: « وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مََا يَبُثُّ مِنْ دََابَّةٍ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » البث‏ التفريق و الإثارة و بثه تعالى للدواب خلقها و تفريقها و نشرها على الأرض كما قال في خلق الإنسان:

«ثُمَّ إِذََا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ» : الروم: 20.

و معنى الآية: و فيكم من حيث وجودكم المخلوق و فيما يفرقه الله من دابة من حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين.

و خلق الإنسان على كونه موجودا أرضيا له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق يغاير خلق السماوات و الأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية

156

(1) -عنصرية تفسد بالموت بالتفرق و التلاشي و أمر آخر وراء ذلك علوي غير مادي لا يفسد بالموت بل يتوفى و يحفظ عند الله، و هو الذي يسميه القرآن بالروح قال تعالى: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» : الحجر: 29، و قال بعد ذكر خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه: «ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ» : المؤمنون: 14 و قال: «قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» : الم السجدة: 11.

فالناظر في خلق الإنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية و كذا الناظر في خلق الدواب و لها نفوس ذوات حياة و شعور و إن كانت دون الإنسان في حياتها و شعورها كما أنها دونه في تجهيزاتها البدنية ففي الجميع آيات لأهل اليقين‏يعرفون بها الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له في ربوبيته و ألوهيته.

قوله تعالى: « وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ » إلى آخر الآية هذا القبيل من الآيات آيات ما بين السماء و الأرض.

و قوله: « وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ » يريد به اختلافهما في الطول و القصر اختلافا منظما باختلاف الفصول الأربعة بحسب بقاع الأرض المختلفة و يتكرر بتكرر السنين يدبر سبحانه بذلك أقوات أهل الأرض و يربيهم بذلك تربية صالحة قال تعالى: «وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ سَوََاءً لِلسََّائِلِينَ» : حم السجدة: 10.

و قوله: « وَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا » المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء هو المطر تسمية للسبب باسم المسبب مجازا أو لأن المطر أيضا من الرزق فإن مياه الأرض من المطر، و المراد بالسماء جهة العلو أو السحاب مجازا، و إحياء الأرض به بعد موتها هو إحياء ما فيها من النبات بالأخذ في الرشد و النمو، و لا يخلو التعرض للإحياء بعد الموت من تلويح إلى المعاد.

و قوله: « وَ تَصْرِيفِ اَلرِّيََاحِ » أي تحويلها و إرسالها من جانب إلى جانب، لتصريفها فوائد عامة كثيرة من أعمها سوق السحب إلى أقطار الأرض و تلقيح النباتات و دفع العفونات و الروائح المنتنة.

و قوله: « آيََاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » أي يميزون بين الحق و الباطل و الحسن و القبيح بالعقل الذي أودعه الله سبحانه فيهم.

و قد خص كل قبيل من الآيات بقوم خاص فخصت آية السماوات و الأرض‏

157

(1) -بالمؤمنين و آية الإنسان و سائر الحيوان بقوم يوقنون، و آية اختلاف الليل و النهار و الأمطار و تصريف الرياح بقوم يعقلون.

و لعل الوجه في ذلك أن آية السماوات و الأرض تدل بدلالة بسيطة ساذجة على أنها لم توجد نفسها بنفسها و لا عن اتفاق و صدفة بل لها موجد أوجدها مع ما لها من الآثار و الأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود فخالقها خالق الجميع و رب الكل، و الإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج و المؤمنون بجميع طبقاتهم يفهمون ذلك و ينتفعون به.

و أما أنه خلق الإنسان و سائر الدواب التي لها حياة و شعور فإنها من حيث أرواحها و نفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة و هو المسمى بالملكوت و قد خص القرآن كمال إدراكه و مشاهدته بأهل اليقين كما قال: «وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ» : الأنعام: 75.

و أما آية اختلاف الليل و النهار و الأمطار المحيية للأرض و تصريف الرياح فإنها لتنوع أقسامها و تعدد جهاتها و ارتباطها بالأرض و الأرضيات و كثرة فوائدها و سعة منافعها تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق و لا تنال بالفهم البسيط الساذج و لذلك خصت بقوم يعقلون و الآيات آيات لجميع الناس لكن لما كان المنتفع بها بعضهم خصت بهم.

و قد عبر عن أهل اليقين و العقل بقوم يوقنون و بقوم يعقلون و عن أهل الإيمان بالمؤمنين لأن بساطة آية أهل الإيمان تفيد أن المراد بالإيمان أصله و هو ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف بخلاف آيتي أهل اليقين و العقل فإنهما لدقتهما و علو منالهما تدركان شيئا فشيئا فناسبتا التعبير بالفعل المضارع‏الدال على الاستمرار التجددي.

و قيل في وجه ما في الآيات الثلاث من الترتيب بين أهلها حيث ذكر أولا أهل الإيمان ثم الإيقان ثم العقل أنه على ترتيب الترقي فإن الإيقان مرتبة خاصة في الإيمان فهو بعد الإيمان و العقل مدار الإيمان و الإيقان و نعني العقل المؤيد بنور البصيرة فبسببه يخلص اليقين من اعتراء الشكوك من كل وجه و في استحكامه كل خير. و روعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث. (1)

____________

(1) هذا الوجه مستفاد من الكشاف، و ما يتلوه لصاحب الكشف، و الوجه الأخير للرازي في التفسير الكبير.

158

(1) -و فيه أن مقتضى ما وصفه من أمر العقل وقوعه قبل الثاني بل قبل أول المراتب على أن ما ذكره من إمكان اعتراء الشكوك على اليقين مما لا سبيل إلى تصوره.

و قيل في وجه الترتيب: أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن السماوات و الأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه فيجب أن تذكر قبله، و كذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد أن يكون جامعا أي إن الثالث و هو المعلول يتوقف في معرفته على ذكر علته الغائية قبله.

و فيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الآيات دون مراتب الصفات الثلاث أعني الإيمان و الإيقان و العقل. على أن الثالث أيضا كالأول من أسباب تكون الحيوان فيجب أن يتقدم على الثاني، و بوجه آخر الثاني علة غائية للأول فيجب أن يتقدم على الأول كما تقدم على الثالث.

و قيل: إن السبب في ترتيب هذه الفواصل أنه قيل: إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل، و إن كنتم لستم بمؤمنين و كنتم من طلاب الجزم و اليقين فافهموا هذه الدلائل، و إن كنتم لستم بمؤمنين و لا موقنين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل.

و فيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الصفات الثلاث دون أقسام الآيات الثلاثة على أن لازمه أن لا يختص شي‏ء من الآيات الثلاث بواحدة من الصفات الثلاث بل يكون الجميع للجميع و السياق لا يساعد عليه على أن ظاهر كلامه أنه فسر اليقين بالجزم و هو العلم فلا يبقى للعقل إلا الحكم الظني و لا يعبأ به في المعارف الاعتقادية.

قوله تعالى: « تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللََّهِ وَ آيََاتِهِ يُؤْمِنُونَ » الإيمان‏ بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملا فلو لم يلتزم لم يكن إيمانا و إن كان هناك علم، قال تعالى: «وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ» : النمل: 14، و قال:

«وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ» : الجاثية: 23.

و الآيات هي العلامات الدالة فآيات الله الكونية هي الأمور الكونية الدالة بوجودها الخارجي على كونه تعالى واحدا في الخلق متصفا بصفات الكمال منزها عن كل نقص و حاجة، و الإيمان بهذه الآيات هو الإيمان بدلالتها عليه تعالى و لازمه الإيمان به‏

159

(1) -تعالى كما تدل هي عليه.

و الآيات القرآنية آيات له تعالى بما تدل على الآيات الكونية الدالة عليه سبحانه أو على معارف اعتقادية أو أحكام عملية أو أخلاق يرتضيها الله سبحانه و يأمر بها فإن مضامينها دالة عليه و من عنده، و الإيمان بهذه الآيات أيضا إيمان بدلالتها و يلزمه الإيمان بمدلولها.

و الآيات المعجزة أيضا إما آيات كونية و دلالتها دلالة الآيات الكونية و إما غير كونية كالقرآن في إعجازه و مرجع دلالتها إلى دلالة الآيات الكونية.

و قوله: « تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ » الإشارة إلى الآيات القرآنية المتلوة عليه (ص) ، و يمكن أن تكون إشارة إلى الآيات الكونية المذكورة في الآيات الثلاث السابقة بعناية الاتحاد بين الدال و المدلول.

و قوله: « فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللََّهِ وَ آيََاتِهِ يُؤْمِنُونَ » قيل: هو من قبيل قولك:

أعجبني زيد و كرمه، و إنما أعجبك كرمه و المعنى بحسب النظر الدقيق أعجبني كرم زيد و زيد من حيث كرمه، فمعنى الآية فبأي حديث بعد آيات الله يعني الآيات القرآنية يؤمنون؟يعني إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فبأي حديث بعده يؤمنون؟.

و قيل: الكلام بتقدير حديث أي إذا لم يؤمنوا فبأي حديث بعد حديث الله و آياته يؤمنون، و الأنسب على هذا المعنى أن يكون‏المراد بالآيات الآيات الكونية و لذا قال الطبرسي بعد ذكر هذا المعنى: و الفرق بين الحديث الذي هو القرآن و بين الآيات أن الحديث قصص يستخرج منه عبر تبيين الحق من الباطل، و الآيات هي الأدلة الفاصلة بين الصحيح و الفاسد. انتهى و أول الوجهين ألطف.

قوله تعالى: « وَيْلٌ لِكُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ » الويل و الهلاك، و الأفاك مبالغة من الإفك‏ و هو الكذب، و الأثيم‏ من الإثم بمعنى المعصية و المعنى: ليكن الهلاك على كل كذاب ذي معصية.

قوله تعالى: « يَسْمَعُ آيََاتِ اَللََّهِ تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا » إلخ صفة لكل أفاك أثيم، و « ثُمَّ » للتراخي الرتبي و تفيد معنى الاستبعاد، و الإصرار على الفعل ملازمته و عدم الانفكاك عنه. ـ

160

(1) -و المعنى: يسمع آيات الله-و هي آيات القرآن-تقرأ عليه ثم يلازم الكفر و الحال أنه مستكبر لا يتواضع للحق كأن لم يسمع تلك الآيات فبشره بعذاب أليم.

قوله تعالى: « وَ إِذََا عَلِمَ مِنْ آيََاتِنََا شَيْئاً اِتَّخَذَهََا هُزُواً » إلخ، ظاهر السياق أن ضمير «اتخذها» للآيات، و جعل الهزء متعلقا بالآيات دون ما علم منها يفيد كمال جهله، و المعنى: و إذا علم ذلك الأفاك الأثيم المصر المستكبر بعض آياتنا استهزأ بآياتنا جميعا.

و قوله: « أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ » أي مذل مخز، و توصيف العذاب بالإهانة مقابلة لاستكبارهم و استهزائهم، و الإشارة بأولئك إلى كل أفاك، و قيل في الآية بوجوه أخر أعرضنا عنها لعدم الجدوى فيها.

قوله تعالى: « مِنْ وَرََائِهِمْ جَهَنَّمُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْهُمْ مََا كَسَبُوا شَيْئاً وَ لاََ مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْلِيََاءَ » إلخ، لما كانوا مشتغلين بالدنيا معرضين عن الحق غير ملتفتين إلى تبعات أعمالهم جعلت جهنم وراءهم مع أنها قدامهم و هم سائرون نحوها متوجهون إليها.

و قيل: وراءهم بمعنى قدامهم قال في المجمع، : وراء اسم يقع على القدام و الخلف فما توارى عنك فهو وراءك خلفك كان أو أمامك. انتهى و في قوله: «من ورائهم جهنم» قضاء حتم.

و قوله: « وَ لاََ يُغْنِي عَنْهُمْ مََا كَسَبُوا شَيْئاً » المراد بما كسبوا ما حصلوه في الدنيا من مال و نحوه، و تنكير « شَيْئاً » للتحقير أي و لا يغني عنهم يوم الحساب ما كسبوه من مال و جاه و أنصار في الدنيا شيئا يسيرا حقيرا.

و قوله: « وَ لاََ مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْلِيََاءَ » « مََا » مصدرية و المراد بالأولياء أرباب الأصنام الذين اتخذوهم أربابا آلهة و زعموا أنهم لهم شفعاء أو الأصنام.

و قوله: « وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ » تأكيد لوعيدهم و قد أوعدهم الله سبحانه أولا بقوله: « وَيْلٌ لِكُلِّ أَفََّاكٍ » إلخ، و ثانيا بقوله: « فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ » و ثالثا بقوله:

« أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ » و رابعا بقوله: « مِنْ وَرََائِهِمْ جَهَنَّمُ » إلخ، و خامسا بقوله:

« وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ » ، و وصف عذابهم في خلالها بأنه أليم مهين عظيم.

قوله تعالى: « هََذََا هُدىً وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذََابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ »

161

(1) -الإشارة بقوله: « هََذََا هُدىً » إلى القرآن و وصفه بالهدى‏للمبالغة نحو زيد عدل و الرجز -كما قيل-أشد العذاب و أصله الاضطراب.

و الآية في مقام الرد لما رموا به القرآن و عدوه مهانا بالهزء و السخرية و خلاصة وعيد من كفر بآياته.

قوله تعالى: « اَللََّهُ اَلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ اَلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ اَلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ » إلخ، لما ذكر سبحانه حال الأفاكين من الاستكبار عن الإيمان بالآيات إذا تليت عليهم و الاستهزاء بما علموا منها و أوعدهم أبلغ الإيعاد بأشد العذاب رجع إليهم بخطاب الجميع ممن يؤمن و يكفر، و ذكر بعض آيات ربوبيته التي فيها من عظيم عليهم و ليس في وسعهم إنكارها فذكر أولا تسخير البحر لهم ثم ما في السماوات و الأرض جميعا ففيها آيات لا يكفر بها إلا من انسلخ عن الفطرة الإنسانية و نسي التفكر الذي هو من أجلى خواص الإنسان.

فقوله: « اَللََّهُ اَلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ اَلْبَحْرَ » اللام في « لَكُمُ » للغاية أي سخر لأجلكم البحر بأن خلقه على نحو يحمل الفلك و يقبل أن تجري فيه فينتفع به الإنسان، و يمكن أن تكون للتعدية فيكون الإنسان يسخر البحر بإذن الله.

و قوله: « لِتَجْرِيَ اَلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ » غاية لتسخير البحر، و جريان الفلك فيه بأمره، هو إيجاد الجريان بكلمة كن فآثار الأشياء كنفس الأشياء منسوبة إليه تعالى و قوله: « وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ » أي و لتطلبوا بركوبه عطيته تعالى و هو رزقه.

و قوله: « وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » أي رجاء أن تشكروه تعالى قبال هذه النعمة التي هي تسخير البحر.

قوله تعالى: « وَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ » إلخ، هذا من الترقي بعطف العام على الخاص، و الكلام في « لَكُمْ » كالكلام في مثله في الآية السابقة، و قوله: « جَمِيعاً » تأكيد لما في السماوات و الأرض أو حال منه.

و قوله: « سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً » معنى تسخيرها للإنسان أن أجزاء العالم المشهود تجري على نظام واحد يحكم فيها و يربط بعضها ببعض و يربط

162

(1) -الجميع بالإنسان فينتفع في حياته من علويها و سفليها و لا يزال المجتمع البشري يتوسع في الانتفاع بها و الاستفادة من توسيطها و التوسل بشتاتها في الحصول على مزايا الحياة فالكل مسخر له.

و قوله: « مِنْهُ » من للابتداء، و الضمير لله تعالى و هو حال مما في السماوات و الأرض، و المعنى: سخر لكم ما في السماوات و الأرض جميعا حال كونه مبتدأ منه حاصلا من عنده فذوات الأشياء تبتدئ منه بإيجاده لها من غير مثال سابق و كذلك خواصها و آثارها بخلقه و من خواصها و آثارها ارتباط بعضها ببعض و هو النظام الجاري فيها المرتبط بالإنسان قال تعالى: «اَللََّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» : الروم: 11، و قال:

«إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ» : البروج: 13.

و قد ذكروا لقوله: « مِنْهُ » معاني أخر لا يخلو شي‏ء منها عن التكلف تركنا التعرض لها.

و قوله: « إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » وجه تعلقها بالتفكر ظاهر.

163

(1) -

بيان‏

لما ذكر آيات الوحدانية و أشار فيها بعض الإشارة إلى المعاد و كذا إلى النبوة في ضمن ذكر تنزيل الكتاب و إيعاد المستكبرين المستهزءين به ذكر في هذه الآيات تشريع الشريعة للنبي ص، و توسل إلى ذلك بمقدمتين تربطانه بما تقدم من الكلام إحداهما دعوة المؤمنين إلى أن يكفوا عن التعرض لحال الكفار الذين لا يرجون أيام الله فإن الله مجازيهم لأن الأعمال مسئول عنها صالحة أو طالحة، و هذا هو السبب لتشريع الشريعة، و الثانية: أن إنزال الكتاب و الحكم و النبوة ليس ببدع فقد آتى الله بني إسرائيل الكتاب و الحكم و النبوة و آتاهم البينات التي لا يبقى معها في دين الله ريب لمرتاب إلا أن علماءهم اختلفوا فيه بغيا منهم و سيقضي الله بينهم.

ثم ذكر سبحانه تشريع الشريعة له و أمره باتباعها و نهاه عن اتباع أهواء الجاهلين.

قوله تعالى: « قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ أَيََّامَ اَللََّهِ » إلخ، أمر منه تعالى لنبيه (ص) أن يأمر المؤمنين أن يغفروا للكفار فيصير تقدير الآية: قل لهم:

اغفروا يغفروا فهي‏كقوله تعالى: «قُلْ لِعِبََادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ» إبراهيم: 31.

و الآية مكية واقعة في سياق الآيات السابقة الواصفة لحال المستكبرين المستهزءين بآيات الله المهددة لهم بأشد العذاب و كان المؤمنين بالنبي ص كانوا إذا رأوا هؤلاء المستهزءين يبالغون في طعنهم و إهانتهم للنبي و استهزائهم بآيات الله لم يتمالكوا أنفسهم دون أن يدافعوا عن كتاب الله و من أرسله به و يدعوهم إلى رفض ما هم فيه و الإيمان مع كونهم ممن حقت عليهم كلمة العذاب كما هو ظاهر الآيات السابقة، فأمر الله سبحانه نبيه ص أن يأمرهم بالعفو و الصفح عنهم و عدم التعرض لحالهم فإن وبال أعمالهم‏

164

(1) -سيلحق بهم و جزاء ما كسبوه سينالهم.

و على هذا فالمراد بالمغفرة في قوله: « قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا » الصفح و الإعراض عنهم بترك مخاصمتهم و مجادلتهم، و المراد بالذين لا يرجون أيام الله هم الذين ذكروا في الآيات السابقة فإنهم لا يتوقعون لله أياما لا حكم فيها و لا ملك إلا له تعالى كيوم الموت و البرزخ و يوم القيامة و يوم عذاب الاستئصال.

و قوله: « لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ » تعليل للأمر بالمغفرة أو للأمر بالأمر بالمغفرة و محصله ليصفحوا عنهم و لا يتعرضوا لهم، فلا حاجة إلى ذلك لأن الله سيجزيهم بما كانوا يكسبون فتكون الآية نظيرة قوله: «وَ ذَرْنِي وَ اَلْمُكَذِّبِينَ أُولِي اَلنَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ` إِنَّ لَدَيْنََا أَنْكََالاً وَ جَحِيماً» : المزمل: 12، و قوله: «ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» الأنعام: 91 و قوله: «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُواحَتََّى يُلاََقُوا يَوْمَهُمُ اَلَّذِي يُوعَدُونَ» : المعارج: 42، و قوله: «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلاََمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» : الزخرف: 89.

و معنى الآية: مر الذين آمنوا أن يعفوا و يصفحوا عن أولئك المستكبرين المستهزءين بآيات الله الذين لا يتوقعون أيام الله ليجزيهم الله بما كانوا يكسبون و يوم الجزاء يوم من أيامه أي ليصفحوا عن هؤلاء المنكرين لأيام الله حتى يجزيهم بأعمالهم في يوم من أيامه.

و في قوله: « لِيَجْزِيَ قَوْماً » وضع الظاهر موضع الضمير، و كان مقتضى الظاهر أن يقال: ليجزيهم، و النكتة فيه مع كون « قَوْماً » نكرة غير موصوفة تحقير أمرهم و عدم العناية بشأنهم كأنهم قوم منكرون لا يعرف شخصهم و لا يهتم بشي‏ء من أمرهم.

و بما تقدم من تقرير معنى الآية تتصل الآية و ما بعدها بما قبلها و تندفع الإشكالات التي أوردوها عليها و اهتموا بالجواب عنها، و يظهر فساد المعاني المختلفة التي ذكروها لها و من أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.

قوله تعالى: « مَنْ عَمِلَ صََالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسََاءَ فَعَلَيْهََا ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » في موضع التعليل لقوله: « لِيَجْزِيَ قَوْماً » إلخ، و لذا لم يعطف و ليس من الاستئناف في شي‏ء.

و محصل المعنى: ليجزيهم الله بما كسبوا فإن الأعمال لا تذهب سدى و بلا أثر

165

(1) -بل من عمل صالحا انتفع به و من أساء العمل تضرر به ثم إلى ربكم ترجعون فيجزيكم حسب أعمالكم إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ آتَيْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ » إلخ، لما بين أن للأعمال آثارا حسنة أو سيئة تلحق صاحبيها أراد التنبيه على تشريع شريعة للنبي ص إذ كان على الله سبحانه أن يهدي عباده إلى ما فيه خيرهم و سعادتهم كما قال تعالى: «وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ وَ مِنْهََا جََائِرٌ» : النحل: 9.

فنبه على ذلك بقوله الآتي: « ثُمَّ جَعَلْنََاكَ عَلى‏ََ شَرِيعَةٍ مِنَ اَلْأَمْرِ » إلخ، و قدم على ذلك الإشارة إلى ما آتى بني إسرائيل من الكتاب و الحكم و النبوة و رزقهم من الطيبات و تفضيلهم و إيتائهم البينات ليؤذن به أن الإفاضة الإلهية بالشريعة و النبوة و الكتاب ليست ببدع لم يسبق إليه بل لها نظير في بني إسرائيل و هم بمرآهم و مسمعهم.

فقوله: « وَ لَقَدْ آتَيْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ » المراد بالكتاب التوراة المشتملة على شريعة موسى (ع) و أما الإنجيل فلا يتضمن الشريعة و شريعته شريعة التوراة، و أما زبور داود فهي أدعية و أذكار، و يمكن أن يراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة و الإنجيل و الزبور كما قيل لكن يبعده أن الكتاب لم يطلق في القرآن إلا على ما يشتمل على الشريعة.

و المراد بالحكم بقرينة ذكره مع الكتاب ما يحكم و يقضي به الكتاب من وظائف الناس كما يذكره قوله تعالى: «وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ» : البقرة: 213، و قال في التوراة: «يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتََابِ اَللََّهِ» : المائدة: 44، فالحكم من لوازم الكتاب كما أن النبوة من لوازمه.

و المراد بالنبوة معلوم و قد بعث الله من بني إسرائيل جما غفيرا من الأنبياء كما في الأخبار و قص في كتابه جماعة من رسلهم.

و قوله: « وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ » أي طيبات الرزق و من ذلك المن و السلوى.

و قوله: « وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ » إن كان المراد جميع العالمين فقد فضلوا من بعض الجهات ككثرة الأنبياء المبعوثين و المعجزات الكثيرة الظاهرة من أنبيائهم، و إن كان المراد عالمي زمانهم فقد فضلوا من جميع الجهات. ـ

166

(1) -}قوله تعالى: « وَ آتَيْنََاهُمْ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْأَمْرِ » إلى آخر الآية المراد بالبينات الآيات البينات التي تزيل كل شك و ريب و تمحوه عن الحق و يشهد بذلك تفريع قوله: « فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ » .

و المراد بالأمر قيل: هو أمر الدين، و « مِنَ » بمعنى في و المعنى: و أعطيناهم دلائل بينة في أمر الدين و يندرج فيه معجزات موسى (ع) .

و قيل: المراد به أمر النبي ص و المعنى: آتيناهم آيات من أمر النبي و علامات مبينةلصدقه كظهوره في مكة و مهاجرته منها إلى يثرب و نصرة أهله و غير ذلك مما كان مذكورا في كتبهم.

و قوله: « فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » يشير إلى أن ما ظهر بينهم من الاختلاف في الدين و اختلاط الباطل بالحق لم يكن عن شبهة أو جهل و إنما أوجدها علماؤهم بغيا و كان البغي دائرا بينهم.

و قوله: « إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » إشارة إلى أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى و سيؤثر أثره و يقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم.

قوله تعالى: « ثُمَّ جَعَلْنََاكَ عَلى‏ََ شَرِيعَةٍ مِنَ اَلْأَمْرِ فَاتَّبِعْهََا وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ » الخطاب للنبي ص و يشاركه فيه أمته، و الشريعة طريق ورود الماء و الأمر أمر الدين، و المعنى: بعد ما آتينا بني إسرائيل ما آتينا جعلناك على طريقة خاصة من أمر الدين الإلهي و هي الشريعة الإسلامية التي خص الله بها النبي ص و أمته.

و قوله: « فَاتَّبِعْهََا » إلخ، أمر للنبي ص باتباع ما يوحى إليه من الدين و أن لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الإلهي.

و يظهر من الآية أولا: أن النبي ص مكلف بالدين كسائر الأمة.

و ثانيا: أن كل حكم عملي لم يستند إلى الوحي الإلهي و لم ينته إليه فهو هوى من أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم.

قوله تعالى: « إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً » إلخ، تعليل للنهي عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، و الإغناء من شي‏ء رفع الحاجة إليه، و المحصل: أن لك إلى الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو و الذريعة إلى ذلك اتباع دينه لا غير فلا

167

(1) -يغني عنك هؤلاء الذين اتبعت أهواءهم شيئا من الأشياء إليها الحاجة أو لا يغني شيئا من الإغناء.

و قوله: « وَ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ » الذي يعطيه السياق أنه تعليل آخر للنهي عن اتباع أهواء الجاهلين، و أن المراد بالظالمين المتبعون لأهوائهم المبتدعة و بالمتقين المتبعون لدين الله.

و المعنى: أن الله ولي الذين يتعبون دينه لأنهم متقون و الله وليهم، و الذين يتبعون أهواء الجهلة ليس هو تعالى وليا لهم بل بعضهم أولياء بعض لأنهم ظالمون و الظالمون بعضهم أولياء بعض فاتبع دين الله يكن لك وليا و لا تتبع أهواءهم حتى يكونوا أولياء لك لا يغنون عنك من الله شيئا.

و تسمية المتبعين لغير دين الله بالظالمين هو الموافق لما يستفاد من قوله: «أَنْ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ ` اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كََافِرُونَ» الأعراف: 45.

168

(1) -

169

(1) -

بيان‏

لما أشار إلى جعل النبي ص على شريعة من الأمر و هو تشريع الشريعة الإسلامية أشار في هذه الآيات إلى أنها بصائر للناس يبصرون بها ما يجب عليهم أن يسلكوه من سبيل الحياة الطيبة في الدنيا و تتلوها سعادة الحياة الآخرة، و هدى و رحمة لقوم يوقنون بآيات الله.

و أشار إلى أن الذي يدعو مجترحي السيئات أن يستنكفوا عن التشرع بالشريعة إنكارهم المعاد فيحسبون أنهم و المتشرعون‏بالدين سواء في الحياة و الممات و أن لا أثر للتشرع بالشريعة فلا ثمرة للعمل الصالح الذي تهدي إليه الشريعة إلا إتعاب النفس بالتقيد من غير موجب. فبرهن تعالى على بطلان حسبانهم بإثبات المعاد ثم أردفه بوصف المعاد و ما يثيب به الصالحين يومئذ و ما يعاقب به الطالحين أهل الجحود و الاجرام، و عند ذلك تختتم السورة بالتحميد و التسبيح.

قوله تعالى: « هََذََا بَصََائِرُ لِلنََّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » الإشارة بهذا إلى الأمر المذكور الذي هو الشريعة أو إلى القرآن بما يشتمل على الشريعة، و البصائر جمع بصيرة و هي الإدراك المصيب للواقع، و المراد بها ما يبصر به، و إنما كانت الشريعة بصائر لأنها تتضمن أحكاما و قوانين كل منها يهدي إلى واجب العمل في سبيل السعادة.

و المعنى: هذه الشريعة المشرعة أو القرآن المشتمل عليها وظائف عملية يتبصر بكل منها الناس و يهتدون إلى السبيل الحق و هو سبيل الله و سبيل السعادة، فقوله بعد ذكر تشريع الشريعة: « هََذََا بَصََائِرُ لِلنََّاسِ » كقوله بعد ذكر آيات الوحدانية في أول السورة: « هََذََا هُدىً وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا » إلخ.

و قوله: « وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » أي دلالة واضحة و إفاضة خير لهم، و المراد بقوم يوقنون: الذين يوقنون بآيات الله الدالة على أصول المعارف فإن المعهود في‏

170

(1) -القرآن تعلق الإيقان بالأصول الاعتقادية.

و تخصيص الهدى و الرحمة بقوم يوقنون مع التصريح بكونه بصائر للناس لا يخلو من تأييد لكون المراد بالهدى الوصول إلى المطلوب دون مجرد التبصر، و بالرحمة الرحمة الخاصة بمن‏اتقى و آمن برسوله بعد الإيمان بالله، قال تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ» الحديد: 28، و قال: «ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ` اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ -Xإلى أن قال‏X- وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» : البقرة: 4، و للرحمة درجات كثيرة تختلف سعة و ضيقا ثم للرحمة الخاصة بأهل الإيمان أيضا مراتب مختلفة باختلاف مراتب الإيمان فلكل مرتبة من مراتبه ما يناسبها منها.

و أما الرحمة بمعنى مطلق الخير الفائض منه تعالى فإن القرآن بما يشتمل على الشريعة رحمة للناس كافة كما أن الرسول المبعوث به رحمة لهم جميعا، قال تعالى: «وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ» : الأنبياء: 107، و قد أوردنا بعض الكلام في هذا المعنى في بعض المباحث السابقة.

قوله تعالى: « أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ » إلخ، قال في الجمع، : الاجتراح‏ الاكتساب، يقال:

جرح و اجترح و كسب و اكتسب و أصله من الجراح لأن لذلك تأثيرا كتأثير الجراح.

قال: و السيئة الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها باستحقاق الذم عليها. انتهى.

و الجعل‏ بمعنى التصيير، و قوله: « كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ » في محل المفعول الثاني للجعل، و التقدير كائنين كالذين آمنوا، إلخ.

و جزم الزمخشري في الكشاف على كون الكاف في « كَالَّذِينَ » اسما بمعنى‏المثل هو مفعول ثان لقوله: « نَجْعَلَهُمْ » ، و قوله: « سَوََاءً » بدلا منه.

و قوله: « سَوََاءً » بالنصب على القراءة الدائرة و هو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي مستويا أو متساويا، و قوله: « مَحْيََاهُمْ » مصدر ميمي و فاعل « سَوََاءً » و ضميره راجع إلى مجموع المجترحين و المؤمنين، و « مَمََاتُهُمْ » معطوف على « مَحْيََاهُمْ » و حاله كحاله.

و الآية مسوقة سوق الإنكار و « أَمْ » منقطعة، و المعنى: بل أ حسب و ظن الذين يكتسبون السيئات أن نصيرهم مثل الذين آمنوا و عملوا الصالحات مستويا محياهم

171

(1) -و مماتهم أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك و موتهم كموتهم فيكون الإيمان و التشرع بالدين لغوا لا أثر له في حياة و لا موت و يستوي وجوده و عدمه.

و قوله: « سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ » رد لحسبانهم المذكور و حكمهم بالمماثلة بين مجترحي السيئات و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و مساءة الحكم كناية عن بطلانه.

فالفريقان لا يتساويان في الحياة و لا في الممات.

أما أنهما لا يتساويان في الحياة فلأن الذين آمنوا و عملوا الصالحات في سلوكهم مسلك الحياة على بصيرة من أمرهم و هدى و رحمة من ربهم كما ذكره سبحانه في الآية السابقة و المسي‏ء صفر الكف، من ذلك و قال تعالى في موضع آخر: «فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدََايَ فَلاََ يَضِلُّ وَ لاََ يَشْقى‏ََ ` وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» : طه: 124، و قال في موضع آخر: «أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمََاتِ لَيْسَ بِخََارِجٍ مِنْهََا» : الأنعام: 122.

و أما أنهما لا يتساويان في الممات فلأن الموت كما ينطق به البراهين الساطعة ليس انعداما للشي‏ء و بطلانا للنفس الإنسانية كما يحسبه المبطلون بل هو رجوع إلى الله سبحانه و انتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة التي هي دار البقاء و عالم الخلود يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة و نعمة و غيره في شقاء و عذاب.

و قد أشار سبحانه إليه فيما تقدم من كلامه بقوله: « كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ » و قوله: « ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » و غير ذلك، و سيتعرض له بقوله: « وَ خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ » إلخ.

و الآية من حيث تركيب ألفاظها و المعنى المتحصل منها من معارك الآراء بين المفسرين و قد ذكروا لها محامل كثيرة و الذي يعطيه السياق و يساعد عليه هو ما قدمناه و لا كثير فائدة في التعرض لوجوه أخر ذكروها فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.

قوله تعالى: « وَ خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ » الظاهر أن المراد بالسماوات و الأرض مجموع العالم المشهود و الباء في « بِالْحَقِّ » للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا و لعبا و هو أن يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه.

و قوله: « وَ لِتُجْزى‏ََ » إلخ، عطف على « بِالْحَقِّ » و الباء في قوله: « بِمََا كَسَبَتْ »

172

(1) -للتعدية أو للمقابلة أي لتجزى مقابل ما كسبت إن كان طاعة فالثواب و إن كان معصية فالعقاب، و قوله: « وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ » حال من كل نفس أي و لتجزى كل نفس بما كسبت بالعدل.

فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا و خلق الله السماوات و الأرض بالحق و بالعدل فكون الخلق بالحق يقتضي أن يكون وراء هذا العالم عالم آخر يخلد فيه الموجودات و كون الخلق بالعدل يقتضي أن تجزى كل نفس ما تستحقه بكسبها فالمحسن يجزى جزاء حسنا و المسي‏ء يجزى جزاء سيئا و إذ ليس ذلك في هذه النشأة ففي نشأة أخرى.

و بهذا البيان يظهر أن الآية تتضمن حجتين على المعاد إحداهما ما أشير إليه بقوله:

« وَ خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ » و يسلك من طريق الحق، و الثانية ما أشير إليه بقوله: « وَ لِتُجْزى‏ََ » إلخ، و يسلك من طريق العدل.

فتئول الحجتان إلى ما يشتمل عليه قوله: «وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنََّارِ ` أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ» : _ص: 28.

و الآية بما فيها من الحجة تبطل حسبانهم أن المسي‏ء كالمحسن في الممات فإن حديث المجازاة بالثواب و العقاب على الطاعة و المعصية يوم القيامة ينفي تساوي المطيع و العاصي في الممات، و لازم ذلك إبطال حسبانهم أن المسي‏ء كالمحسن في الحياة فإن ثبوت المجازاة يومئذ يقتضي وجوب الطاعة في الدنيا و المحسن على بصيرة من الأمر في حياته يأتي بواجب العمل و يتزود من يومه لغده بخلاف المسي‏ء العائش في عمى و ضلال فليسا بمتساويين.

قوله تعالى: « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ » إلى آخر الآية ظاهر السياق أن قوله: « أَ فَرَأَيْتَ » مسوق للتعجيب أي أ لا تعجب ممن حاله هذا الحال؟ و المراد بقوله: « اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ » حيث قدم « إِلََهَهُ » على « هَوََاهُ » إنه يعلم أن له إلها يجب أن يعبده-و هو الله سبحانه-لكنه يبدله من هواه و يجعل هواه مكانه فيعبده فهو كافر بالله سبحانه على علم منه، و لذلك عقبه بقوله: « وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ » أي أنه ضال عن السبيل و هو يعلم.

و معنى اتخاذ الإله العبادة و المراد بها الإطاعة فإن الله سبحانه عد الطاعة عبادة كما في قوله: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ أَنْ لاََ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطََانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ` وَ أَنِ‏

173

(1) -اُعْبُدُونِي» : يس: 61، و قوله: «اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ» التوبة: 31، و قوله: «وَ لاََ يَتَّخِذَ بَعْضُنََا بَعْضاً أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ» : آل عمران: 64.

و الاعتبار يوافقه إذ ليست العبادة إلا إظهار الخضوع و تمثيل أن العابد عبد لا يريد و لا يفعل إلا ما أراده و رضيه معبوده فمن أطاع شيئا فقد اتخذه إلها و عبده فمن أطاع هواه فقد اتخذ إلهه هواه و لا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته.

فقوله: « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ » أي أ لا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته و اتباعه و هو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده و يطيعه لكنه يجعل معبوده و مطاعه هو هواه.

و قوله: « وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ » أي هو ضال بإضلال منه تعالى يضله به مجازاة لاتباعه الهوى حال كون إضلاله مستقرا على علم هذا الضال، و لا ضير في اجتماع الضلال مع العلم بالسبيل و معرفته كما في قوله تعالى: «وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ» : النمل:

14 و ذلك أن العلم لا يلازم الهدى و لا الضلال يلازم الجهل بل الذي يلازم الهدى هو العلم مع التزام العالم بمقتضى علمه فيتعقبه الاهتداء و أما إذا لم يلتزم العالم بمقتضى علمه لاتباع منه للهوى فلا موجب لاهتدائه بل هو الضلال و إن كان معه علم.

و أما قول بعضهم: إن المراد بالعلم هو علمه تعالى و المعنى: و أضله الله على علم منه تعالى بحاله فبعيد عن السياق.

و قوله: « وَ خَتَمَ عَلى‏ََ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً » كالعطف التفسيري لقوله: « وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ » و الختم‏ على السمع و القلب هو أن لا يسمع الحق و لا يعقله، و جعل الغشاوة على البصر هو أن لا يبصر الحق من آيات الله و محصل الجميع: أن لا يترتب على السمع و القلب و البصر أثرها و هو الالتزام بمقتضى ما ناله من الحق إذا أدركه لاستكبار من نفسه و اتباع للهوى، و قد عرفت أن الضلال عن السبيل لا ينافي العلم به إذا لم يكن هناك التزام بمقتضاه.

و قوله: « فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللََّهِ » الضمير لمن اتخذ إلهه هواه و التفريع على ما تحصل من حاله أي إذا كان حاله هذا الحال و قد أضله الله على علم إلخ، فمن يهديه من بعد الله سبحانه فلا هادي دونه قال تعالى: «قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ» : البقرة: 120 و قال: «وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ» : المؤمن: 33.

174

(1) -و قوله: « أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ » أي أ فلا تتفكرون في حاله فتتذكروا أن هؤلاء لا سبيل لهم إلى الهدى مع اتباع الهوى فتتعظوا.

قوله تعالى: « وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » إلى آخر الآية، قال الراغب: الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ وجوده إلى انقضائه، و على ذلك قوله تعالى: « هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ » ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، و هو خلاف الزمان فإن الزمان يقع على المدة القليلة و الكثيرة. انتهى.

و الآية على ما يعطيه السياق-سياق الاحتجاج على الوثنيين المثبتين للصانع المنكرين للمعاد-حكاية قول المشركين في إنكار المعاد لا كلام الدهريين الناسبين للحوادث وجودا و عدما إلى الدهر المنكرين للمبدإ و المعاد جميعا إذا لم يسبق لهم ذكر في الآيات السابقة.

فقولهم: « مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا » الضمير للحياة أي لا حياة لنا إلا حياتنا الدنيا لا حياة وراءها فلا وجود لما يدعيه الدين الإلهي من البعث و الحياة الآخرة، و هذا هو القرينةالمؤيدة لأن يكون المراد بقوله: « نَمُوتُ وَ نَحْيََا » يموت بعضنا و يحيا بعضنا الآخر فيستمر بذلك بقاء النسل الإنساني بموت الأسلاف و حياة الأخلاف و يؤيد ذلك بعض التأييد قوله بعده: « وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » المشعر بالاستمرار.

فالمعنى: و قال المشركون: ليست الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نعيش بها في الدنيا فلا يزال يموت بعضنا و هم الأسلاف و يحيى آخرون و هم الأخلاف و ما يهلكنا إلا الزمان-الذي بمروره يبلى كل جديد و يفسد كل كائن و يميت كل حي-فليس الموت انتقالا من دار إلى دار منتهيا إلى البعث و الرجوع إلى الله.

و لعل هذا كلام بعض الجهلة من وثنية العرب و إلا فالعقيدة الدائرة بين الوثنية هي التناسخ و هو أن نفوس غير أهل الكمال إذا فارقت الأبدان تعلقت بأبدان أخرى جديدة فإن كانت النفس المفارقة اكتسبت السعادة في بدنها السابق تعلقت ببدن جديد تتنعم فيه و تسعد، و إن كانت اكتسبت الشقاء في البدن السابق تعلقت ببدن لاحق تشقى فيه و تعذب جزاء لعملها السيئ و هكذا، و هؤلاء لا ينكرون استناد أمر الموت كالحياة إلى وساطة الملائكة. ـ

175

(1) -و لهذا أعني كون القول بالتناسخ دائرا بين الوثنية ذكر بعض المفسرين أن المراد بالآية قولهم بالتناسخ، و المعنى: « مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا » فلسنا نخرج من الدنيا أبدا « نَمُوتُ » عن حياة دنيا « وَ نَحْيََا » بعد الموت بالتعلق ببدن جديد و هكذا « وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » .

و هذا لا يخلو من وجه لكن لا يلائمه قولهم المنقول ذيلا: « وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » إلا أن يوجه بأن مرادهم من نسبة الإهلاك إلى الدهر كون الدهر وسيلة يتوسل بها الملك الموكل على الموت إلى الإماتة، و كذا لا تلائمه حجتهم المنقولة ذيلا: « اِئْتُوا بِآبََائِنََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » الظاهرة في أنهم يرون آباءهم معدومين باطلي الذوات.

و ذكر في معنى الآية وجوه أخر لا يعبأ بها كقول بعضهم: المعنى نكون أمواتا لا حياة فيها و هو قبل ولوج الروح ثم نحيا بولوجها على حد قوله تعالى: «وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ» : البقرة: 28.

و قول بعضهم: المراد بالحياة بقاء النسل مجازا، و المعنى: نموت نحن و نحيا ببقاء نسلنا. إلى غير ذلك مما قيل.

و قوله: « وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ » أي إن قولهم ذلك المشعر بإنكار المعاد قول بغير علم و إنما هو ظن يظنونه و ذلك أنهم لا دليل لهم يدل على نفي المعاد مع ما هناك من الأدلة على ثبوته.

قوله تعالى: « وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ مََا كََانَ حُجَّتَهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اِئْتُوا بِآبََائِنََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » تأكيد لكون قولهم بنفي المعاد و حصر الحياة في الحياة الدنيا قولا بغير علم.

و المراد بالآيات البينات الآيات المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد و كونها بينات وضوح دلالتها على ثبوته بلا شك، و تسمية قولهم: « اِئْتُوا بِآبََائِنََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » مع كونه اقتراحا جزافيا بعد قيام الحجة إنما هو من باب التهكم فإنه من قبيل طلب الدليل على المطلوب بعد قيام الدليل عليه فكأنه قيل: ما كانت حجتهم إلا اللاحجة.

و المعنى: و إذا تتلى على هؤلاء المنكرين للمعاد آياتنا المشتملة على الحجج المثبتة للمعاد و الحال أنها واضحات الدلالة على ثبوته ما قابلوها إلا بجزاف من القول و هو طلب الدليل على إمكانه بإحياء آبائهم الماضين.

176

(1) -}}قوله تعالى: « قُلِ اَللََّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ لاََ رَيْبَ فِيهِ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ -إلى قوله- وَ اَلْأَرْضِ » ما ذكر من اقتراحهم الحجة على مطلوب قامت عليه الحجة و إن كان اقتراحا جزافيا لا يستدعي شيئا من الجواب لكنه سبحانه أمر نبيه ص أن يجيبهم بإثبات إمكانه الذي كانوا يستبعدونه.

و محصله: أن الذي يحييكم لأول مرة ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة الذي لا ريب فيه هو الله سبحانه و لله ملك السماوات و الأرض يحكم فيها ما يشاء و يتصرف فيها كيفما يريد فله أن يحكم برجوع الناس إليه و يتصرف فيكم بجمعكم إلى يوم القيامة و القضاء بينكم ثم الجزاء، و الباقي ظاهر.

قوله تعالى: « وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ اَلْمُبْطِلُونَ » قال الراغب: الخسر و الخسران انتقاص رأس المال و ينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، و إلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، قال تعالى: « تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خََاسِرَةٌ » و يستعمل ذلك في المقتنيات الخارجيةكالمال و الجاه في الدنيا و هو الأكثر، و في المقنيات النفسية كالصحة و السلامة و العقل و الإيمان و الثواب و هو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين.

قال: و كل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلق بالمقتنيات المالية و التجارات البشرية.

و قال: و الإبطال يقال في إفساد الشي‏ء و إزالته سواء كان ذلك الشي‏ء حقا أو باطلا قال تعالى: « لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ وَ يُبْطِلَ اَلْبََاطِلَ » و قد يقال فيمن يقول شيئا لا حقيقة له نحو « وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ مُبْطِلُونَ » ، و قوله تعالى:

« خَسِرَ هُنََالِكَ اَلْمُبْطِلُونَ » أي الذين يبطلون الحق. انتهى.

و الأشبه أن يكون المراد بقيام الساعة فعلية ما يقع فيها من البعث و الجمع و الحساب و الجزاء و ظهوره، و بذلك صح جعل الساعة مظروفا لليوم و هما واحد، و الأشبه أن يكون قوله: « يَوْمَئِذٍ » تأكيدا لقوله: « يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ » .

و المعنى: و يوم تقوم الساعة و هي يوم الرجوع إلى الله يومئذ يخسر المبطلون الذين أبطلوا الحق و عدلوا عنه.

قوله تعالى: « وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا » إلخ، الجثو البروك على‏الركبتين كما أن الجذو البروك على أطراف الأصابع.

177

(1) -و الخطاب عام لكل من يصح منه الرؤية و إن كان متوجها إلى النبي ص و المراد بالدعوة إلى الكتاب الدعوة إلى الحساب على ما ينطق به الكتاب بإحصائه الأعمال بشهادة قوله بعده: « اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » .

و المعنى: و ترى أنت و غيرك من الرائين كل أمة من الأمم جالسة على الجثو جلسة الخاضع الخائف كل أمة منهم تدعى إلى كتابها الخاص بها و هي صحيفة الأعمال و قيل لهم: « اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » .

و يستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتابا خاصا بهم كما أن لكل إنسان كتابا خاصا به قال تعالى: «وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً» : إسراء: 13.

قوله تعالى: « هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » قال في الصحاح: و نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته كله بمعنى، و النسخة اسم المنتسخ منه. انتهى، و قال الراغب: النسخ‏ إزالة الشي‏ء بشي‏ء يتعقبه كنسخ الشمس الظل و نسخ الظل الشمس و الشيب الشباب-إلى أن قال-و نسخ الكتاب نقل صورته المجردة إلى كتاب آخر و ذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى كاتخاذ نقش الخاتم في شموع كثيرة، و الاستنساخ التقدم بنسخ الشي‏ء و الترشح للنسخ. انتهى.

و مقتضى ما نقل أن المفعول الذي يتعدى إليه الفعل في قولنا: استنسخت الكتاب هو الأصل المنقول منه، و لازم ذلك‏أن تكون الأعمال في قوله: « إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » كتابا و أصلا و إن شئت فقل: في أصل و كتاب يستنسخ و ينقل منه و لو أريد به ضبط الأعمال الخارجية القائمة بالإنسان بالكتابة لقيل: إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون إذ لا نكتة تستدعي فرض هذه الأعمال كتابا و أصلا يستنسخ، و لا دليل على كون «يستنسخ» بمعنى يستكتب كما ذكره بعضهم.

و لازم ذلك أن يكون المراد بما تعملون هو أعمالهم الخارجية بما أنها في اللوح المحفوظ فيكون استنساخ الأعمال استنساخ ما يرتبط بأعمالهم من اللوح المحفوظ و تكون‏

178

(1) -صحيفة الأعمال صحيفة الأعمال و جزء من اللوح المحفوظ، و يكون معنى كتابة الملائكة للأعمال تطبيقهم ما عندهم من نسخة اللوح على الأعمال.

و هذا هو المعنى الذي وردت به الرواية من طرق الشيعة عن الصادق (ع) و من طرق أهل السنة عن ابن عباس، و سيوافيك في البحث الروائي التالي.

و على هذا فقوله: « هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ » من كلامه تعالى لا من كلام الملائكة، و هو من خطابه تعالى لأهل الجمع يوم القيامة يحكيه لنا فيكون في معنى:

«و يقال لهم هذا كتابنا» إلخ.

و الإشارة بهذا-على ما يعطيه السياق-إلى صحيفة الأعمال و هي بعينها إشارة إلى اللوح المحفوظ على ما تقدم و إضافة الكتاب إليه تعالى نظرا إلى أنه صحيفة الأعمال من جهة أنه مكتوب بأمره تعالى و نظرا إلى أنه اللوح المحفوظ من جهة التشريف و قوله: « يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ » أي يشهد على ما عملتم و يدل عليه دلالة واضحة ملابسا للحق.

و قوله: « إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » تعليل لكون الكتاب ينطق عليهم بالحق أي إن كتابنا هذا دال على عملكم بالحق من غير أن يتخلف عنه لأنه اللوح المحفوظ المحيط بأعمالكم بجميع جهاتها الواقعية.

و لو لا أن الكتاب يريهم أعمالهم بنحو لا يداخله شك و لا يحتمل منهم التكذيب لكذبوه، قال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً» : آل عمران: 30.

و للقوم في الآية أقوال أخر:

منها ما قيل: إن الآية من كلام الملائكة لا من كلام الله و معنى الاستنساخ الكتابة و المعنى: هذا أي صحيفة الأعمال كتابنا معشر الملائكة الكاتبين للأعمال يشهد عليكم بالحق إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون.

و فيه أن كونه من كلام الملائكة بعيد من السياق على أن كون الاستنساخ بمعنى مطلق الكتابة لم يثبت لغة.

و منها: أن الآية من كلام الله، و الإشارة بهذاإلى صحيفة الأعمال، و قيل: إلى اللوح المحفوظ، و الاستنساخ بمعنى الاستكتاب مطلقا.

179

(1) -}قوله تعالى: « فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْمُبِينُ » تفصيل حال الناس يومئذ بحسب اختلافهم بالسعادة و الشقاء و الثواب و العقاب، و السعداء المثابون هم الذين آمنوا و عملوا الصالحات، و الأشقياء المعاقبون هم الذين كفروا من المستكبرين المجرمين.

و المراد بالرحمة الإفاضة الإلهية تسعد من استقر فيها و منها الجنة، و الفوز المبين‏ الفلاح الظاهر، و الباقي واضح.

قوله تعالى: « وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آيََاتِي تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَ كُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ » المراد بالذين كفروا المتلبسون بالكفر عن تكذيب و جحود بشهادة قوله: « أَ فَلَمْ تَكُنْ آيََاتِي تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ » إلخ.

و الفاء في « أَ فَلَمْ تَكُنْ » للتفريع فتدل على مقدر متفرع عليه هو جواب لما، و التقدير: فيقال لهم أ لم تكن آياتي تتلى عليكم، و المراد بالآيات الحجج الإلهية الملقاة إليهم عن وحي و دعوة، و المجرم هو المتلبس بالأجرام و هو الذنب.

و المعنى: و أما الذين كفروا جاحدين للحق مع ظهوره فيقال لهم توبيخا و تقريعا:

أ لم تكن حججي تقرأ و تبين لكم في الدنيا فاستكبرتم عن قبولها و كنتم قوما مذنبين.

قوله تعالى: « وَ إِذََا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا قُلْتُمْ مََا نَدْرِي مَا اَلسََّاعَةُ » إلخ، المراد بالوعد الموعود و هو ما وعده الله بلسان رسله من البعث و الجزاء فيكون قوله: « وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا » من عطف التفسير، و يمكن أن يراد بالوعد المعنى المصدري.

و قولهم: « مََا نَدْرِي مَا اَلسََّاعَةُ » معناه أنه غير مفهوم لهم و الحال أنهم أهل فهم و دراية فهو كناية عن كونه أمرا غير معقول و لو كان معقولا لدروه.

و قوله: « إِنْ نَظُنُّ إِلاََّ ظَنًّا وَ مََا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ » أي ليست مما نقطع به و نجزم بل نظن ظنا لا يسعنا أن نعتمد عليه، ففي قولهم: « مََا نَدْرِي مَا اَلسََّاعَةُ » إلخ، غب ما تليت عليهم من الآيات البينة أفحش المكابرة مع الحق.

قوله تعالى: « وَ بَدََا لَهُمْ سَيِّئََاتُ مََا عَمِلُوا وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » إضافة السيئات إلى ما عملوا بيانية أو بمعنى من، و المراد بما عملوا جنس ما عملوا أي‏

180

(1) -ظهر لهم أعمالهم السيئة أو السيئات من أعمالهم فالآية في معنى قوله: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» : آل عمران: 30.

فالآية من الآيات الدالة على تمثل الأعمال، و قيل: إن في الكلام حذفا و التقدير:

و بدا لهم جزاء سيئات ما عملوا.

و قوله: « وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » أي و حل بهم العذاب الذي‏كانوا يسخرون منه في الدنيا إذا أنذروا به بلسان الأنبياء و الرسل.

قوله تعالى: « وَ قِيلَ اَلْيَوْمَ نَنْسََاكُمْ كَمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا وَ مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ » النسيان كناية عن الإعراض و الترك فنسيانه تعالى لهم يوم القيامة إعراضه عنهم و تركه لهم في شدائده و أهواله، و نسيانهم لقاء يومهم ذاك في الدنيا إعراضهم عن تذكره و تركهم التأهب للقائه، و الباقي ظاهر.

قوله تعالى: « ذََلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً وَ غَرَّتْكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا » إلخ، الإشارة بقوله: « ذََلِكُمْ » إلى ما ذكر من عقابهم من ظهور السيئات و حلول العذاب و الهزء السخرية التي يستهزأ بها و الباء للسببية.

و المعنى: ذلكم العذاب الذي يحل بكم بسبب أنكم اتخذتم آيات الله سخرية تستهزءون بها و بسبب أنكم غرتكم الحياة الدنيا فأخلدتم إليها و تعلقتم بها.

و قوله: « فَالْيَوْمَ لاََ يُخْرَجُونَ مِنْهََا وَ لاََ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » صرف الخطاب عنهم إلى النبي ص، و يتضمن الكلام خلاصة القول فيما يصيبهم من العذاب يومئذ و هو الخلود في النار و عدم قبول العذر منهم.

و الاستعتاب‏ طلب العتبى و الاعتذار، و نفي الاستعتاب كناية عن عدم قبول العذر.

قوله تعالى: « فَلِلََّهِ اَلْحَمْدُ رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ رَبِّ اَلْأَرْضِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ » تحميد له تعالى بالتفريع على ما تقدم في السورة من كونه خالق السماوات و الأرض و ما بينهما و المدبر لأمر الجميع و من بديع تدبيره خلق الجميع بالحق المستتبع ليوم الرجوع إليه و الجزاء بالأعمال و هو المستدعي لجعل الشرائع التي تسوق إلى السعادة و الثواب و يتعقبه الجمع ليوم‏الجمع ثم الجزاء و استقرار الجميع على الرحمة و العدل بإعطاء كل شي‏ء ما يستحقه فلم يدبر إلا تدبيرا جميلا و لم يفعل إلا فعلا محمودا فله الحمد كله. ـ

181

(1) -و قد كرر «الرب» فقال: رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ رَبِّ اَلْأَرْضِ ثم أبدل منهما قوله:

« رَبِّ اَلْعََالَمِينَ » ليأتي بالتصريح بشمول الربوبية للجميع فلو جي‏ء برب العالمين و اكتفي به أمكن أن يتوهم أنه رب المجموع لكن للسماوات خاصة رب آخر و للأرض وحدها رب آخر كما ربما قال بمثله الوثنية، و كذا لو اكتفي بالسماوات و الأرض لم يكن صريحا في ربوبيته لغيرهما، و كذا لو اكتفي بإحداهما.

قوله تعالى: « وَ لَهُ اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ » الكبرياء على ما عن الراغب: الترفع عن الانقياد، و عن ابن الأثير: العظمة و الملك و في المجمع، السلطان القاهر و العظمة القاهرة و العظمة و الرفعة.

و هي على أي حال أبلغ معنى من الكبر و تستعمل في العظمة غير الحسية و مرجعه إلى كمال وجوده و لا تناهي كماله.

و قوله: « وَ لَهُ اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ » أي له الكبرياء في كل مكان فلا يتعالى عليه شي‏ء فيهما و لا يستصغره شي‏ء و تقديم الخبر في « لَهُ اَلْكِبْرِيََاءُ » يفيد الحصر كما في قوله: « فَلِلََّهِ اَلْحَمْدُ » .

و قوله: « وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ أي الغالب غير المغلوب فيما يريد من خلق و تدبير في الدنيا و الآخرة و الباني خلقه و تدبيره على الحكمة و الإتقان.

بحث روائي‏

في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ » قال: نزلت في قريش كلما هووا شيئا عبدوه.

و في الدر المنثور، أخرج النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس قال"*: كان الرجل من العرب يعبد الحجر-فإذا رأى أحسن منه أخذه و ألقى الآخر-فأنزل الله « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ » .

و في المجمع، في قوله تعالى: « وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » و

قد روي في الحديث عن النبي ص أنه قال: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر.

أقول: قال الطبرسي بعد إيراد الحديث: و تأويله أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون‏

182

(1) -الحوادث المجحفة و البلايا النازلة إلى الدهر فيقولون: فعل الدهر كذا، و كانوا يسبون الدهر

فقال (ص) : إن فاعل هذه الأمور هو الله فلا تسبوا فاعلها

انتهى. و يؤيد هذا الوجه الرواية التالية.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أبي هريرة قال*: قال رسول الله ص: قال الله تبارك و تعالى: لا يقل ابن آدم يسب الدهر- يا خيبة الدهرفإني أنا الدهر-أرسل الليل و النهار فإذا شئت قبضتهما.

و في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ » الآية: ،

حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن « ن وَ اَلْقَلَمِ » قال: إن الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد-ثم قال لنهر في الجنة: كن مدادا فجمد النهر-و كان أشد بياضا من الثلج و أحلى من الشهد. ثم قال للقلم: اكتب. قال: يا رب ما أكتب؟قال: اكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة-فكتب القلم في رق أشد بياضا من الفضة-و أصفى من الياقوت. ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم على فم القلم-فلن ينطق أبدا.

فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها-أ و لستم عربا؟فكيف لا تعرفون معنى الكلام؟و أحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب-أ و ليس إنما ينسخ من كتاب آخر من الأصل؟و هو قوله: « إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » .

أقول:

قوله (ع) : فكتب القلم في رق إلخ،

تمثيل للوح المكتوب فيه الحوادث بالرق و الرق‏ ما يكتب فيه شبه الكاغد-على ما ذكره الراغب-و قد تقدم الحديث عنه (ع) أن القلم ملك و اللوح ملك، و قوله: فجعله في ركن العرش تمثيل للعرش بعرش الملك ذي الأركان و القوائم و قوله: ثم ختم على فم القلم «إلخ» كناية عن كون ما كتب في الرق قضاء محتوما لا يتغير و لا يتبدل، و قوله: أ و لستم عربا «إلخ» ، إشارة إلى ما تقدم توضيحه في تفسير الآية.

و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال"*: إن الله خلق النون و هو الدواة و خلق القلم-فقال: اكتب؟قال: ما أكتب-قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول-بر أو فاجر أو رزق مرزوق حلال أو حرام-ثم ألزم كل شي‏ء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا و مقامه فيها كم، و خروجه منها كيف؟.

183

(1) -ثم جعل على العباد حفظة و على الكتاب خزانا تحفظه-ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم-فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر و انقضى الأجل-أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم-فيقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا-فيرجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.

قال ابن عباس: أ لستم قوما عربا؟تسمعون الحفظة يقولون: « إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » و هل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟.

أقول: و الخبر كما ترى يجعل الآية من كلام الملائكة الحفظة.

و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس": في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أم الكتاب-ما يعمل بنو آدم-فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب.

و عن كتاب سعد السعود لابن طاووس، قال بعد ذكر الملكين الموكلين بالعبد: و في رواية: أنهما إذا أرادا النزول صباحا و مساء-ينسخ لهماإسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ-فيعطيهما ذلك فإذا صعدا صباحا و مساء بديوان العبد-قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما-حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه.

و في المجمع، ": في قوله تعالى: « وَ لَهُ اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ » -و

في الحديث يقول الله: الكبرياء ردائي و العظمة إزاري-فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في نار جهنم.

أقول: و رواه في الدر المنثور، عن مسلم و أبي داود و ابن ماجة و غيرهم عن أبي هريرة عن النبي ص .

184

(1) -

(46) سورة الأحقاف مكية و هي خمس و ثلاثون آية (35)

185

(1) -

بيان‏

غرض السورة إنذار المشركين الرادين للدعوة إلى الإيمان بالله و رسوله بالمعاد بما فيه من أليم العذاب لمنكريه المعرضين عنه، و لذلك تفتتح الكلام بإثبات المعاد:

« مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ » ثم يعود إليه عودة بعد عودة كقوله:

« وَ إِذََا حُشِرَ اَلنََّاسُ » ، و قوله: « وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ » ، و قوله: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ » ، و قوله: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ » ، و قوله في مختتم السورة: « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ بَلاََغٌ » الآية.

و فيها احتجاج على الوحدانية و النبوة، و إشارة إلى هلاك قوم هود و هلاك القرى التي حول مكة و إنذارهم بذلك، و إنباء عن حضور نفر من الجن عند النبي ص و استماعهم القرآن و إيمانهم به و رجوعهم إلى قومهم منذرين لهم.

186

(1) -و السورة مكية كلها إلا آيتين اختلف فيهما سنشير إليهما في البحث الروائي الآتي إن شاء الله، قوله تعالى: « أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ » إلخ، و قوله: « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ » الآية.

}قوله تعالى: « حم ` تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ » تقدم تفسيره.

قوله تعالى: « مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى » إلخ، المراد بالسماوات و الأرض و ما بينهما مجموع العالم المشهود علوية و سفلية، و الباء في « بِالْحَقِّ » للملابسة، و المراد بالأجل المسمى ما ينتهي إليه أمد وجود الشي‏ء، و المراد به في الآية الأجل المسمى لوجود مجموع العالم و هو يوم القيامة الذي تطوى‏ (1) فيه السماء كطي السجل للكتب و تبدل الأرض‏ (2) غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار.

و المعنى: ما خلقنا العالم المشهود بجميع أجزائه العلوية و السفلية إلا ملابسا للحق له غاية ثابتة و ملابسا لأجل معين لا يتعداه وجوده و إذا كان له أجل معين يفنى عند حلوله و كانت مع ذلك له غاية ثابتة فبعد هذا العالم عالم آخر هو عالم البقاء و هو المعاد الموعود، و قد تكرر الكلام فيما تقدم في معنى كون الخلق بالحق.

و قوله: « وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمََّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ » المراد بالذين كفروا هم المشركون بدليل الآية التالية لكن ظاهر السياق أن المراد بكفرهم كفرهم بالمعاد، و « مََا » في « عَمََّا » مصدرية أو موصولة و الثاني هو الأوفق للسياق و المعنى: و المشركون الذين كفروا بالمعاد عما أنذروا به-و هو يوم القيامة بما فيه من أليم العذاب لمن أشرك بالله- معرضون منصرفون.

قوله تعالى: « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ » إلى آخر الآية « أَ رَأَيْتُمْ » بمعنى أخبروني و المراد بما تدعون من دون الله الأصنام التي كانوا يدعونها و يعبدونها و إرجاع ضمائر أولي العقل إليها بعد لكونهم ينسبون إليه أفعال أولي العقل و حجة الآية و ما بعدها مع ذلك تجري في كل إله معبود من دون الله.

____________

(1) إشارة إلى الآية 104 فيه من سورة الأنبياء.

(2) إشارة إلى الآية 48 من سورة إبراهيم.

187

(1) -و قوله: « أَرُونِي مََا ذََا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ » أروني بمعنى أخبروني و « مََا » اسم استفهام و « ذََا » بعده زائدة و المجموع مفعول « خَلَقُوا » و من الأرض متعلق به.

و قوله: « أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمََاوََاتِ » أي شركة في خلق السماوات فإن خلق شي‏ء من السماوات و الأرض هو المسئول عنه.

توضيح ذلك أنهم و إن لم ينسبوا إليها إلا تدبير الكون و خصوا الخلق به سبحانه كما قال تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ» : الزمر: 38، و قال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ» : الزخرف: 87، لكن لما كان الخلق لا ينفك عن التدبير أوجب ذلك أن يكون لمن له سهم من التدبير سهم في الخلق و لذلك أمر تعالى نبيه ص أن يسألهم عما لأربابهم الذين يدعون من دون الله من النصيب في خلق الأرض أو في خلق السماوات فلا معنى للتدبير في الكون من غير خلق.

و قوله: « اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » الإشارة بهذا إلى القرآن، و المراد بكتاب من قبل القرآن كتاب سماوي كالتوراة نازل من عند الله يذكر شركة آلهتهم في خلق السماوات أو الأرض.

و الأثارة على ما ذكره الراغب مصدر بمعنى النقل و الرواية قال: و أثرت العلم رويته آثره أثرا و أثارة و أثرة و أصله تتبعت أثره انتهى. و عليه فالأثارة في الآية مصدر بمعنى المفعول أي شي‏ء منقول من علم يثبت أن لآلهتهم شركة في شي‏ء من السماوات و الأرض، و فسره غالب المفسرين بمعنى البقية و هو قريب مما تقدم.

و المعنى: ائتوني للدلالة على شركهم لله في خلق شي‏ء من الأرض أو في خلق السماوات بكتاب سماوي من قبل القرآن يذكر ذلك أو بشي‏ء منقول من علم أو بقية من علم أورثتموها يثبت ذلك إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم شركاء لله سبحانه.

قوله تعالى: « وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ مَنْ لاََ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ » إلخ، الاستفهام إنكاري، و تحديد عدم استجابتهم الدعوة بيوم القيامة لما أن يوم القيامة أجل مسمى للدنيا و الدعوة مقصورة في الدنيا و لا دنيا بعد قيام الساعة.

و قوله: « وَ هُمْ عَنْ دُعََائِهِمْ غََافِلُونَ » صفة أخرى من صفات آلهتهم مضافة إلى صفة عدم استجابتهم و ليس تعليلا لعدم الاستجابة فإن عدم استجابتهم معلول كونهم‏

188

(1) -لا يملكون لعبادهم شيئا قال تعالى: «قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً» : المائدة: 76.

بل هي صفة مضافة إلى صفة مذكورة لتكون توطئة و تمهيدا لما سيذكره في الآية التالية من عداوتهم لهم و كفرهم بعبادتهم يوم القيامة فهم في الدنيا غافلون عن دعائهم و سيطلعون عليه يوم القيامة فيعادونهم و يكفرون بعبادتهم.

و في الآية دلالة على سراية الحياة و الشعور في الأشياء حتى الجمادات فإن الأصنام من الجماد و قد نسب إليها الغفلة و الغفلة من شئون ذوي الشعور لا تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر.

قوله تعالى: « وَ إِذََا حُشِرَ اَلنََّاسُ كََانُوا لَهُمْ أَعْدََاءً وَ كََانُوا بِعِبََادَتِهِمْ كََافِرِينَ » الحشر إخراج الشي‏ء من مقره بإزعاج، و المراد بعث الناس من قبورهم و سوقهم إلى المحشر يوم القيامة فيومئذ يعاديهم آلهتهم و يكفرون بشرك عبادهم بالتبري منهم كما قال تعالى: «وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ» : فاطر: 14، و قال حكاية عنهم: «تَبَرَّأْنََا إِلَيْكَ مََا كََانُوا إِيََّانََا يَعْبُدُونَ» : القصص: 63، و قال: «فَكَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ إِنْ كُنََّا عَنْ عِبََادَتِكُمْ لَغََافِلِينَ» : يونس: 29.

و في سياق الآيتين تلويح إلى أن هذه الجمادات التي لا تظهر لنا في هذه النشأة أن لها حياة لعدم ظهور آثارها سيظهر في النشأة الآخرة أن لها حياة و تظهر آثارها و قد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: «قََالُوا أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» : الم السجدة: 21.

قوله تعالى: « وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ هََذََا سِحْرٌ مُبِينٌ » الآية و التي بعدها مسوقتان للتوبيخ، و المراد بالآيات البينات آيات القرآن تتلى عليهم، ثم بدلها من الحق الذي جاءهم حيث قال: « لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ » -و كان مقتضى الظاهر أن يقال: «لها» للدلالة على أنها حق جاءهم لا مسوغ لرميها بأنها سحر مبين و هم يعلمون أنها حق مبين فهم متحكمون مكابرون للحق الصريح.

قوله تعالى: « أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً » إلخ، « أَمْ » منقطعة أي بل يقولون افترى القرآن على الله في دعواه أنه كلامه.

189

(1) -و قوله: « قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً » أي إن افتريت القرآن لأجلكم أخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب على الافتراء و لستم تقدرون على دفع عذابه عني فكيف أفتريه عليه لأجلكم، و المحصل أني على يقين من أمر الله و أعلم أنه يأخذ المفترى عليه أو يعاجل في عقوبته و أنكم لا تقدرون على دفع ما يريده فكيف أفتري عليه فأعرض نفسي على عذابه المقطوع لأجلكم؟أي لست بمفتر عليه.

و يتبين بذلك أن جزاء الشرط في قوله: « إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي » إلخ، محذوف و قد أقيم مقامه ما يجري مجرى ارتفاع المانع، و التقدير: إن افتريته أخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب‏و لا مانع من قبلكم يمنع عنه، و ليس من قبيل وضع المسبب موضع السبب كما قيل.

و قوله: « هُوَ أَعْلَمُ بِمََا تُفِيضُونَ فِيهِ » الإفاضة في الحديث الخوض فيه و « بِمََا » موصولة يرجع إليه ضمير «فيه» أو مصدرية و مرجع الضمير هو القرآن، و المعنى:

الله سبحانه أعلم بالذي تخوضون فيه من التكذيب برمي القرآن بالسحر و الافتراء على الله أو المعنى: هو أعلم بخوضكم في القرآن.

و قوله: « كَفى‏ََ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ » احتجاج ثان على نفي الافتراء و أول الاحتجاجين قوله: « إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً » و قد تقدم بيانه آنفا، و معنى الجملة: أن شهادة الله سبحانه في كلامه بأنه كلامه و ليس افتراء مني يكفي في نفي كوني مفتريا به عليه، و قد صدق سبحانه هذه الدعوى بقوله: «لََكِنِ اَللََّهُ يَشْهَدُ بِمََا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ» : النساء: 166، و ما في معناه من الآيات، و أما أنه كلامه فيكفي في ثبوته آيات التحدي.

و قوله: « وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ » تذييل الآية بالاسمين الكريمين للاحتجاج على نفي ما يتضمنه تحكمهم الباطل من نفي الرسالة كأنه قيل: إن قولكم: « اِفْتَرََاهُ » يتضمن دعويين: دعوى عدم كون هذا القرآن من كلام الله و دعوى بطلان الرسالة-و الوثنيون ينفونها مطلقا-أما الدعوى الأولى فيدفعه أولا: أنه إن افتريته فلا تملكون، إلخ، و ثانيا: أن الله يكفيني شهيدا على كونه كلامه لا كلامي.

و أما الدعوى الثانية فيدفعها أن الله سبحانه غفور رحيم، و من الواجب في حكمته أن يعامل خلقه بالمغفرة و الرحمة و لا تشملان إلا التائبين الراجعين إليه الصالحين‏

190

(1) -لذلك و ذلك بأن يهديهم إلى صراط يقربهم منه سلوكه فتشملهم مغفرته و رحمته بحط السيئات و الاستقرار في دار السعادة الخالدة، و كونه واجبا في حكمته لأن فيهم صلاحية هذا الكمال و هو الجواد الكريم، قال تعالى: «وَ مََا كََانَ عَطََاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً» : إسراء:

20، و قال: «وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ» : النحل: 9، و السبيل إلى هذه الهداية هي الدعوة من طريق الرسالة فمن الواجب في الحكمة أن يرسل إلى الناس رسولا يدعوهم إلى سبيله الموصلة إلى مغفرته و رحمته.

قوله تعالى: « قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » إلخ، البدع‏ ما كان غير مسبوق بالمثل من حيث صفاته أو من حيث أقواله و أفعاله و لذا فسره بعضهم بأن المعنى: ما كنت أول رسول أرسل إليكم لا رسول قبلي، و قيل:

المعنى: ما كنت مبدعا في أقوالي و أفعالي لم يسبقني إليها أحد من الرسل.

و المعنى الأول لا يلائم السياق و لا قوله المتقدم: « وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ » بالمعنى الذي تقدم توجيهه فثاني المعنيين هو الأنسب، و عليه فالمعنى: لست‏أخالف الرسل السابقين في صورة أو سيرة و في قول أو فعل بل أنا بشر مثلهم في من آثار البشرية ما فيهم و سبيلهم في الحياة سبيلي.

و بهذه الجملة يجاب عن مثل ما حكاه الله من قولهم: «مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ` أَوْ يُلْقى‏ََ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهََا» : الفرقان: 8.

و قوله: « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » نفي لعلم الغيب عن نفسه فهو نظير قوله: «وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ اَلْخَيْرِ وَ مََا مَسَّنِيَ اَلسُّوءُ» : الأعراف: 188، و الفرق بين الآيتين أن قوله: « وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ » إلخ، نفي للعلم بمطلق الغيب و استشهاد له بمس السوء و عدم الاستكثار من الخير، و قوله: « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » نفي للعلم بغيب خاص و هو ما يفعل به و بهم من الحوادث التي يواجهونها جميعا، و ذلك أنهم كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة لو كان هناك نبي يجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب ذا قدرة مطلقة غيبية كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن فأمر (ص) أن يعترف-مصرحا به-أنه لا يدري ما يفعل به و لا بهم فينفي عن‏

191

(1) -نفسه العلم بالغيب، و أن ما يجري عليه و عليهم من الحوادث خارج عن إرادته و اختياره و ليس له في شي‏ء منها صنع بل يفعله به و بهم غيره و هو الله سبحانه.

فقوله: « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي عنه القدرة على شي‏ء مما يصيبه و يصيبهم مما هو تحت أستار الغيب.

و نفي الآية العلم بالغيب عنه (ص) لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله: «ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» آل عمران: 44، يوسف: 102، و قوله: «تِلْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهََا إِلَيْكَ» هود: 49، و قوله: «عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً ` إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ» الجن: 27 و من هذا الباب قول المسيح (ع) : «وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمََا تَأْكُلُونَ وَ مََا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ» : آل عمران: 49، و قول يوسف (ع) لصاحبي السجن: «لاََ يَأْتِيكُمََا طَعََامٌ تُرْزَقََانِهِ إِلاََّ نَبَّأْتُكُمََا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمََا» : يوسف: 37.

وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه و عن سائر الأنبياء (ع) إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب بحيث يستعمله في جلب كل نفع و دفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب و هذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل بإذن من الله تعالى و أمر، قال تعالى: «قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً» : الإسراء: 93، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات، و قال: «قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَاَللََّهِ وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» : العنكبوت: 50، و قال: «وَ مََا كََانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ فَإِذََا جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ» : المؤمن: 78.

و يشهد بذلك قوله بعده متصلا به: « إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ » فإن اتصاله بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب، و المعنى: أني ما أدري شيئا من هذه الحوادث بالغيب من قبل نفسي و إنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك.

و قوله: « وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ » تأكيد لجميع ما تقدم في الآية من قوله: « مََا كُنْتُ بِدْعاً » إلخ، و « وَ مََا أَدْرِي » إلخ، و قوله: « إِنْ أَتَّبِعُ » إلخ.

192

(1) -

بحث فلسفي و دفع شبهة

تظافرت الأخبار من طرق أئمة أهل البيت أن الله سبحانه علم النبي ص و الأئمة (ع) علم كل شي‏ء، و فسر ذلك في بعضها أن علم النبي ص من طريق الوحي و أن علم الأئمة (ع) ينتهي إلى النبي ص.

و أورد عليه أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر الناس فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها على ما يرشد إليه الأسباب الظاهرية و يهدي إليه السبل العادية فربما أصابوا مقاصدهم و ربما أخطأ بهم الطريق فلم يصيبوا، و لو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبدا فالعاقل لا يترك سبيلا يعلم يقينا أنه مصيب فيه و لا يسلك سبيلا يعلم يقينا أنه مخطئ فيه.

و قد أصيبوا بمصائب ليس من الجائز أن يلقي الإنسان نفسه في مهلكتها لو علم بواقع الأمر كما أصيب النبي ص يوم أحد بما أصيب، و أصيب علي (ع) في مسجد الكوفة حين فتك به المرادي لعنه الله، و أصيب الحسين (ع) فقتل في كربلاء، و أصيب سائر الأئمة بالسم، فلو كانوا يعلمون ما سيجري عليهم كان ذلك من إلقاء النفس في التهلكة و هو محرم، و الإشكال كما ترى مأخوذ من الآيتين: « وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ اَلْخَيْرِ » « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » .

و يرده أنه مغالطة بالخلط بين العلوم العادية و غير العادية فالعلم غير العادي بحقائق الأمور لا أثر له في تغيير مجرى الحوادث الخارجية.

توضيح ذلك أن أفعالنا الاختيارية كما تتعلق بإرادتنا كذلك تتعلق بعلل و شرائط أخرى مادية زمانية و مكانية إذا اجتمعت عليها تلك العلل و الشرائط و تمت بالإرادة تحققت العلة التامة و كان تحقق الفعل عند ذلك واجبا ضروريا إذ من المستحيل تخلف المعلول عن علته التامة.

فنسبة الفعل و هو معلول إلى علته التامة نسبة الوجوب و الضرورة كنسبة جميع الحوادث إلى عللها التامة، و نسبته إلى إرادتنا و هي جزء علته نسبة الجواز و الإمكان.

فتبين أن جميع الحوادث الخارجية و منها أفعالنا الاختيارية واجبة الحصول في‏

193

(1) -الخارج واقعة فيها على صفة الضرورة و لا ينافي ذلك كون أفعالنا الاختيارية ممكنة بالنسبة إلينا مع وجوبها على ما تقدم.

فإذا كان كل حادث و منها أفعالنا الاختيارية بصفة الاختيار معلولا له علة تامة يستحيل معها تخلفه عنها كانت الحوادث‏سلسلة منتظمة يستوعبها الوجوب لا يتعدى حلقة من حلقاتها موضعها و لا تتبدل من غيرها و كان الجميع واجبا من أول يوم سواء في ذلك ما وقع في الماضي و ما لم يقع بعد، فلو فرض حصول علم بحقائق الحوادث على ما هي عليها في متن الواقع لم يؤثر ذلك في إخراج حادث منها و إن كان اختياريا عن ساحة الوجوب إلى حد الإمكان.

فإن قلت: بل يقع هذا العلم اليقيني في مجرى أسباب الأفعال الاختيارية كالعلم الحاصل من الطرق العادية فيستفاد منه فيما إذا خالف العلم الحاصل من الطرق العادية فيصير سببا للفعل أو الترك حيث يبطل معه العلم العادي.

قلت: كلا فإن المفروض تحقق العلة التامة للعلم العادي مع سائر أسباب الفعل الاختياري فمثله كمثل أهل الجحود و العناد من الكفار يستيقنون بأن مصيرهم مع الجحود إلى النار و مع ذلك يصرون على جحودهم لحكم هواهم بوجوب الجحود و هذا منهم هو العلم العادي بوجوب الفعل، قال تعالى في قصة آل فرعون: «وَجَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ» : النمل: 14.

و بهذا يندفع ما يمكن أن يقال: لا يتصور علم يقيني بالخلاف مع عدم تأثيره في الإرادة فليكشف عدم تأثيره في الإرادة عن عدم تحقق علم على هذا الوصف.

وجه الاندفاع: أن مجرد تحقق العلم بالخلاف لا يستوجب تحقق الإرادة مستندة إليه و إنما هو العلم الذي يتعلق بوجوب الفعل مع التزام النفس به كما مر في جحود أهل الجحود و إنكارهم الحق مع يقينهم به و مثله الفعل بالعنايةفإن سقوط الواقف على جذع عال، منه على الأرض بمجرد تصور السقوط لا يمنع عنه علمه بأن في السقوط هلاكه القطعي.

بيان‏

و قد أجاب بعضهم عن أصل الإشكال بأن للنبي ص و الأئمة (ع)

194

(1) -تكاليف خاصة بكل واحد منهم فعليهم أن يقتحموا هذه المهالك و إن كان ذلك منا إلقاء النفس في التهلكة و هو حرام، و إليه إشارة في بعض الأخبار.

و أجاب بعضهم عنه بأن الذي ينجز التكاليف من العلم هو العلم من الطرق العادية و أما غيره فليس بمنجز، و يمكن توجيه الوجهين بما يرجع إلى ما تقدم.

قوله تعالى: « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ » إلخ، ضمائر « كََانَ » و « بِهِ » و « مِثْلِهِ » على ما يعطيه السياق للقرآن، و قوله: « وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ » إلخ، معطوف على الشرط و يشاركه في الجزاء، و المراد بمثل القرآن مثله من حيث مضمونه في المعارف الإلهية و هو كتاب التوراة الأصلية التي نزلت على موسى (ع) ، و قوله: « فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ » أي فآمن الشاهد الإسرائيلي المذكور بعد شهادته.

و قوله: « إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ » تعليل للجزاء المحذوف دال عليه، و الظاهر أنه أ لستم ضالين لا ما قيل: إنه أ لستم ظلمتم لأن التعليل بعدم هداية الله الظالمين إنما يلائم ضلالهم لا ظلمهم و إن كانوا متصفين بالوصفين جميعا.

و المعنى: قل للمشركين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله و الحال أنكم كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما في القرآن من المعارف فآمن هو و استكبرتم أنتم أ لستم في ضلال؟فإن الله لا يهدي القوم الظالمين.

و الذي شهد على مثله فآمن على ما في بعض الأخبار هو عبد الله بن سلام من علماء اليهود، و الآية على هذا مدنية لا مكية لأنه ممن آمن بالمدينة، و قول بعضهم: من الجائز أن يكون التعبير بالماضي في قوله: « وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ » لتحقق الوقوع و القصة واقعة في المستقبل سخيف لأنه لا يلائم كون الآية في سياق الاحتجاج فالمشركون ما كانوا ليسلموا للنبي ص صدقه فيما يخبرهم به من الأمور المستقبلة.

و في معنى الآية أقوال أخر منها أن المراد ممن شهد على مثله فآمن هو موسى (ع) شهد على التوراة فآمن به و إنما عدلوا عن المعنى السابق إلى هذا المعنى للبناء على كون الآية مكية، و أنه إنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة.

و فيه أولا: عدم الدليل على كون الآية مكية و لتكن القصة دليلا على كونها مدنية، و ثانيا: بعد أن يجعل موسى الكليم (ع) قرينا لهؤلاء المشركين الأجلاف‏

195

(1) -يقاسون به فيقال ما محصله: أن موسى (ع) آمن بالكتاب النازل عليه و أنتم استكبرتم عن الإيمان بالقرآن فسخافته ظاهرة.

و مما قيل إن المثل في الآية بمعنى نفس الشي‏ء كما قيل في قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» : الشورى: 11، و هو في البعد كسابقه.

قوله تعالى: « وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ » إلى آخر الآية قيل: اللام في قوله: « لِلَّذِينَ آمَنُوا » للتعليل أي لأجل إيمانهم و يئول إلى معنى في، و ضمير «كان» و «إليه» للقرآن من جهة الإيمان به.

و المعنى: و قال الذين كفروا في الذين آمنوا-أي لأجل إيمانهم-: لو كان الإيمان بالقرآن خيرا ما سبقونا-أي المؤمنون-إليه.

و قال بعضهم: إن المراد بالذين آمنوا بعض المؤمنين و بالضمير العائد إليه في قوله: «سبقونا» البعض الآخر، و اللام متعلق بقال و المعنى: و قال الذين كفروا لبعض المؤمنين لو كان خيرا ما سبقنا البعض من المؤمنين و هم الغائبون إليه، و فيه أنه بعيد من سياق الآية.

و قال آخرون: إن المراد بالذين آمنوا المؤمنون جميعا لكن في قوله: مََا سَبَقُونََا التفاتا و الأصل ما سبقتمونا و هو في البعد كسابقه و ليس خطاب الحاضرين بصيغة الغيبة من الالتفات في شي‏ء.

و قوله: « وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هََذََا إِفْكٌ قَدِيمٌ » ضمير «به» للقرآن و كذا الإشارة بهذا إليه و الإفك الافتراء أي و إذ لم يهتدوا بالقرآن لاستكبارهم عن الإيمان به فسيقولون أي الذين كفروا هذا أي القرآن إفك و افتراء قديم، و قولهم: هذا إفك قديم كقولهم: أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ .

قوله تعالى: « وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ إِمََاماً وَ رَحْمَةً وَ هََذََا كِتََابٌ مُصَدِّقٌ لِسََاناً عَرَبِيًّا » إلخ، الظاهر أن قوله: « وَ مِنْ قَبْلِهِ » إلخ، جملة حالية و المعنى: فسيقولون هذا إفك قديم و الحال أن كتاب موسى حال كونه إماما و رحمة قبله أي قبل القرآن و هذا القرآن‏كتاب مصدق له حال كونه لسانا عربيا ليكون منذرا للذين ظلموا و هو بشرى للمحسنين فكيف يكون إفكا.

196

(1) -و كون التوراة إماما و رحمة هو كونها بحيث يقتدي بها بنو إسرائيل و يتبعونها في أعمالهم و رحمة للذين آمنوا بها و اتبعوها في إصلاح نفوسهم.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا » إلى آخر الآية المراد بقولهم ربنا الله إقرارهم و شهادتهم بانحصار الربوبية في الله سبحانه و توحده فيها، و باستقامتهم ثباتهم على ما شهدوا به من غير زيغ و انحراف و التزامهم بلوازمه العملية.

و قوله: « فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ » أي ليس قبالهم مكروه محتمل يخافونه من عقاب محتمل، و لا مكروه محقق يحزنون به من عقاب أو هول، فالخوف إنما يكون من مكروه ممكن الوقوع، و الحزن من مكروه محقق الوقوع، و الفاء في قوله: « فَلاََ خَوْفٌ » إلخ، لتوهم معنى الشرط فإن الكلام في معنى من قال ربنا الله ثم استقام فلا خوف إلخ.

قوله تعالى: « أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ » المراد بصحابة الجنة ملازمتها، و قوله: « خََالِدِينَ فِيهََا » حال مؤكدة لمعنى الصحابة.

و المعنى: أولئك الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ملازمون للجنة حال كونهم خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من الطاعات و القربات.

بحث روائي‏

في الكافي، بإسناده عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله تعالى:

« اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ-إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » قال: عنى بالكتاب التوراة و الإنجيل «و أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ » فإنما عنى بذلك علم أوصياء الأنبياء.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن النبي ص * « أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ » قال: الخط.

أقول: لعل المراد بالخط كتاب مخطوط موروث من الأنبياء أو العلماء الماضين لكن في بعض ما روي في تفسير قوله: « أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ » أنه حسن الخط و في بعض آخر أنه جودة الخط و هو أجنبي من سياق الاحتجاج الذي في الآية.

197

(1) -

و في العيون، في باب مجلس الرضا مع المأمون عنه (ع) حدثني أبي عن جدي عن آبائه عن الحسين بن علي (ع) قال: اجتمع المهاجرون و الأنصار إلى رسول الله ص-فقالوا: إن لك يا رسول الله مئونة في نفقتك-و فيمن يأتيك من الوفود، و هذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارا مأجورا-أعط ما شئت و احكم ما شئت من غير حرج.

قال: فأنزل الله تعالى إليه الروح الأمين-فقال: يا محمد « قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً- إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ » يعني أن تودوا قرابتي من بعدي، فخرجوا فقال المنافقون: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه-إلا ليحثنا على قرابته من بعده، و إن هو إلا شي‏ء افتراه في مجلسه-و كان ذلك من قولهم عظيما.

فأنزل الله عز و جل هذه الآية « أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ-فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمََا تُفِيضُونَ فِيهِ-كَفى‏ََ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ » فبعث إليهم النبي ص فقال: هل من حدث؟فقالوا: إي و الله يا رسول الله-لقد قال بعضنا كلاما غليظا كرهناه-فتلا عليهم رسول الله ص الآية فبكوا و اشتد بكاؤهم- فأنزل الله تعالى: « وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ-وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئََاتِ وَ يَعْلَمُ مََا تَفْعَلُونَ » .

و في الدر المنثور، أخرج أبو داود في ناسخه من طريق عكرمة عن ابن عباس" *في قوله: « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » قال: نسختها هذه‏ (1) الآية التي في الفتح- فخرج إلى الناس فبشرهم بالذي غفر له-ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.

فقال رجل من المؤمنين: هنيئا لك يا نبي الله-قد علمنا الآن ما يفعل بك فما ذا يفعل بنا؟فأنزل الله في سورة الأحزاب « وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ فَضْلاً كَبِيراً » و قال: « لِيُدْخِلَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ-جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا-وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ-وَ كََانَ ذََلِكَ عِنْدَ اَللََّهِ فَوْزاً عَظِيماً » فبين الله ما به يفعل و بهم.

أقول: الرواية لا تخلو من شي‏ء:

____________

(1) يريد قوله تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر» الفتح. 2.

198

(1) -أما أولا: فلما تقدم بيانه في تفسير الآية أعني قوله: « وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ » أنها أجنبية عن العلم بالغيب الذي هو من طريق الوحي بدلالة صريحة من القرآن فلا ينفي بها العلم بالمغفرة من طريق الوحي حتى تنسخها آية سورة الفتح.

و أما ثانيا: فلأن ظاهر الرواية أن الذنب الذي تصرح بمغفرته آية سورة الفتح هو الذنب بمعنى مخالفة الأمر و النهي المولويين و سيأتي في تفسير سورة الفتح-إن شاء الله تعالى-أن الذنب في الآية لغير هذا المعنى.

و أما ثالثا: فلأن الآيات الدالة على دخول المؤمنين الجنة كثيرة جدا في مكية السور و مدنيتها و لا تدل آيتا سورة الأحزاب على أزيد مما يدل عليه سائر الآيات فلا وجه لتخصيصهما بالدلالة على‏دخول المؤمنين الجنة و شمول المغفرة لهم.

على أن سورة الأحزاب نازلة قبل سورة الفتح بزمان.

و فيه، أخرج أبو يعلى و ابن جرير و الطبراني و الحاكم و صححه بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي قال*: انطلق النبي ص و أنا معه حتى دخلنا على كنيسة اليهود- يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم.

فقال لهم رسول الله ص: أروني اثني عشر رجلا منكم-يشهدون أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله-يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء-الغضب الذي عليه- فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد فثلث فلم يجبه أحد-فقال:

أبيتم فوالله لأنا الحاشر و أنا العاقب-و أنا المقفي آمنتم أو كذبتم.

ثم انصرف و أنا معه حتى كدنا أن نخرج-فإذا رجل من خلفه فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمونني فيكم يا معشر اليهود؟فقالوا: و الله لا نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله-و لا أفقه منك و لا من أبيك و لا من جدك، فقال:

إني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه-في التوراة و الإنجيل، قالوا: كذبت ثم ردوا عليه و قالوا شرا، فقال رسول الله ص: كذبتم لن يقبل منكم قولكم.

فخرجنا و نحن ثلاث: رسول الله ص-و أنا و ابن سلام فأنزل الله: « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ-وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ- إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ » .

أقول: و في نزول الآية في عبد الله بن سلام روايات أخرى من طرق أهل السنة

199

(1) -غير هذه الرواية، و سياق الآية و خاصة قوله: « مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ » لا يلائم كون الخطاب فيها لبني إسرائيل، و قد عد الإنجيل في الرواية من كتبهم و ليس من كتبهم و اليهود لا يصدقونه.

و في بعض الروايات أن الآية نزلت في ابن يامين من علمائهم حين شهد و أسلم فكذبته اليهود، و الإشكال السابق على حاله.

200

(1) -

بيان‏

لما قسم الناس في قوله: « لِيُنْذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُحْسِنِينَ » إلى ظالمين و محسنين و أشير فيه إلى أن للظالمين ما يخاف و يحذر و للمحسنين ما يسرالإنسان و يبشر به عقب ذلك في هذا الفصل من الآيات بتفصيل القول فيه، و أن الناس بين قوم تائبين إلى الله مسلمين له و هم الذين يتقبل أحسن أعمالهم و يتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، و قوم خاسرين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس.

و مثل الطائفة الأولى بمن كان مؤمنا بالله مسلما له بارا بوالديه يسأل الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم عليه و على والديه و العمل الصالح و إصلاح ذريته، و الطائفة الثانية بمن كان عاقا لوالديه إذا دعواه إلى الإيمان بالله و اليوم الآخر فيزجرهما و يعد ذلك من أساطير الأولين.

قوله تعالى: « وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً » إلى آخر الآية، الوصية على ما ذكره الراغب هو التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ و التوصية تفعيل من الوصية قال تعالى: «وَ وَصََّى بِهََا إِبْرََاهِيمُ بَنِيهِ» : البقرة: 132، فمفعوله الثاني الذي يتعدى إليه بالباء من قبيل الأفعال، فالمراد بالتوصية بالوالدين التوصية بعمل يتعلق بهما و هو الإحسان إليهما.

و على هذا فتقدير الكلام: و وصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا.

و في إعراب: « إِحْسََاناً » أقوال أخر كقول بعضهم: إنه مفعول مطلق على تضمين «وصينا» معنى أحسنا، و التقدير: وصينا الإنسان محسنين إليهما إحسانا، و قول بعضهم: إنه صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان، و قول بعضهم:

هو مفعول له، و التقدير: وصيناه بهما لإحساننا إليهما، إلى غير ذلك مما قيل.

و كيف كان فبر الوالدين و الإحسان إليهما من الأحكام العامة المشرعة في جميع‏

201

(1) -الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى: «قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً» : الأنعام: 151، و لذلك قال: « وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ » فعممه لكل إنسان.

ثم عقبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله و وضعه و فصاله إشعارا بملاك الحكم و تهييجا لعواطفه و إثارة لغريزة رحمته و رأفته فقال: « حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً » أي حملته أمه حملا ذا كره أي مشقة و ذلك لما في حمله من الثقل، و وضعته وضعا ذا كره و ذلك لما عنده من ألم الطلق.

و أما قوله: « وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً » فقد أخذ فيه أقل مدة الحمل و هو ستة أشهر، و الحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع، قال تعالى: «وَ اَلْوََالِدََاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاََدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كََامِلَيْنِ» : البقرة: 233، و قال: «وَ فِصََالُهُ فِي عََامَيْنِ» : لقمان: 14.

و الفصال‏ التفريق بين الصبي و بين الرضاع، و جعل العامين ظرفا للفصال بعناية أنه في آخر الرضاع و لا يتحقق إلا بانقضاء عامين.

و قوله: « حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً » بلوغ الأشد بلوغ زمان من العمر تشتد فيه قوى الإنسان، و قد مر نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في تفسير قوله: «وَ لَمََّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنََاهُ حُكْماً وَ عِلْماً» : يوسف: 22، و بلوغ الأربعين ملازم عادة لكمال العقل.

و قوله: « قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ » الإيزاع‏ الإلهام، و هذا الإلهام ليس بإلهام علم يعلم به الإنسان ما جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله: «وَ نَفْسٍ وَ مََا سَوََّاهََا ` فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا» الشمس: 8، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث و الدعوة الباطنية إلى فعل الخير و شكر النعمة و بالجملة العمل الصالح.

و قد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعم النعم الظاهرية كالحياة و الرزق و الشعور و الإرادة، و الباطنية كالإيمان بالله و الإسلام و الخشوع له و التوكل عليه و التفويض إليه ففي قوله: « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ » إلخ، سؤال أن يلهمه الثناء عليه بإظهار نعمته قولا و فعلا: أما قولا فظاهر، و أما فعلا فباستعمال هذه النعم‏

202

(1) -استعمالا يظهر به أنها لله سبحانه أنعم بها عليه و ليست له من قبل نفسه و لازمه ظهور العبودية و المملوكية من هذا الإنسان في قوله و فعله جميعا.

و تفسير النعمة بقوله: « اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ » يفيد شكره من قبل نفسه على ما اختص به من النعمة و من قبل والديه فيما أنعم به عليهما فهو لسان ذاكر لهما بعدهما.

و قوله: « وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ » عطف على قوله: « أَنْ أَشْكُرَ » إلخ، سؤال متمم لسؤال الشكر على النعم فإن الشكر يحلي ظاهر الأعمال، و الصلاحية التي يرتضيها الله تعالى تحلي باطنها و تخلصها له تعالى.

و قوله: « وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي » الإصلاح في الذرية إيجاد الصلاح فيهم و هو من الله سبحانه توفيقهم للعمل الصالح و ينجر إلى إصلاح نفوسهم، و تقييد الإصلاح بقوله:

«لي» للدلالة على أن يكون إصلاحهم بنحو ينتفع هو به أي أن يكون ذريته له في بره و إحسانه كما كان هو لوالديه.

و محصل الدعاء سؤال أن يلهمه الله شكر نعمته و صالح العمل وأن يكون بارا محسنا بوالديه و يكون ذريته له كما كان هو لوالديه، و قد تقدم‏ (1) غير مرة أن شكر نعمه تعالى بحقيقة معناه هو كون العبد خالصا لله فيئول معنى الدعاء إلى سؤال خلوص النفس و صلاح العمل.

و قوله: « إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ » أي الذين يسلمون الأمر لك فلا تريد شيئا إلا أرادوه بل لا يريدون إلا ما أردت.

و الجملة في مقام التعليل لما يتضمنه الدعاء من المطالب، و يتبين بالآية حيث ذكر الدعاء و لم يرده بل أيده بما وعد في قوله: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ » إلخ، إن التوبة و الإسلام لله سبحانه إذا اجتمعا في العبد استعقب ذلك الهامة تعالى بما يصير به العبد من المخلصين-بفتح اللام-ذاتا و المخلصين-بكسر اللام-عملا أما إخلاص الذات فقد تقدمت الإشارة إليه آنفا، و أما إخلاص العمل فلأن العمل لا يكون صالحا لقبوله

____________

(1) تفسير الآية 144 من سورة آل عمران و الآية 17 من سورة الأعراف.

203

(1) -تعالى مرفوعا إليه إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم، قال تعالى: «أَلاََ لِلََّهِ اَلدِّينُ اَلْخََالِصُ» : الزمر: 3.

قوله تعالى: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا وَ نَتَجََاوَزُ عَنْ سَيِّئََاتِهِمْ فِي أَصْحََابِ اَلْجَنَّةِ » إلخ، التقبل أبلغ من القبول، و المراد بأحسن ما عملوا طاعاتهم من الواجبات و المندوبات فإنها هي المقبولة المتقبلة و أما المباحات فإنها و إن كانت ذات حسن لكنها ليست بمتقبلة، كذا ذكر في مجمع البيان و هو تفسير حسن و يؤيده مقابلة تقبل أحسن ما عملوا بالتجاوز عن السيئات فكأنه قيل: إن أعمالهم طاعات من الواجبات و المندوبات و هي أحسن أعمالهم فنتقبلها و سيئات فنتجاوز عنها و ما ليس بطاعة ولا حسنة فلا شأن له من قبول و غيره.

و قوله: « فِي أَصْحََابِ اَلْجَنَّةِ » متعلق بقوله: « نَتَجََاوَزُ » أي نتجاوز عن سيئاتهم في جملة من نتجاوز عن سيئاتهم من أصحاب الجنة، فهو حال من ضمير « عَنْهُمْ » .

و قوله: « وَعْدَ اَلصِّدْقِ اَلَّذِي كََانُوا يُوعَدُونَ » أي يعدهم الله بهذا الكلام وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه إلى هذا الحين بلسان الأنبياء و الرسل، أو المراد أنه ينجز لهم بهذا التقبل و التجاوز يوم القيامة وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه في الدنيا.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي » لما ذكر الإنسان الذي تاب إلى الله و أسلم له و سأله الخلوص و الإخلاص و بر والديه و إصلاح أولاده له قابله بهذا الإنسان الذي يكفر بالله و رسوله و المعاد و يعق والديه إذا دعواه إلى الإيمان و أنذراه بالمعاد.

فقوله: « وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا » الظاهر أنه مبتدأ في معنى الجمع و خبره قوله بعد: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ » إلخ، و «أف» كلمة تبرم يقصد بها إظهار التسخط و التوجع و « أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ » الاستفهام للتوبيخ، و المعنى: أ تعدانني أن أخرج من قبري فأحيا و أحضر للحساب أي أ تعدانني المعاد « وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي » أي و الحال أنه هلكت أمم الماضون العائشون من قبلي و لم يحي منهم أحد و لا بعث.

و هذا على زعمهم حجة على نفي المعاد و تقريره أنه لو كان هناك إحياء و بعث لأحيي بعض من هلك إلى هذا الحين و هم فوق حد الإحصاء عددا في أزمنة طويلة لا

204

(1) -أمد لها و لا خبر عنهم و لا أثر و لم يتنبهوا أن القرون السالفة لو عادوا كما يقولون كان ذلك بعثا لهم و إحياء في الدنيا و الذي وعده الله سبحانه هو البعث للحياة الآخرة و القيام لنشأة أخرى غير الدنيا.

و قوله: « وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ » الاستغاثة طلب الغوث من الله أي و الحال أن والديه يطلبان من الله أن يغيثهما و يعينهما على إقامة الحجة و استمالته إلى الإيمان و يقولان له: ويلك آمن بالله و بما جاء به رسوله و منه وعده تعالى بالمعاد إن وعد الله بالمعاد من طريق رسله حق.

و منه يظهر أن مرادهما بقولهما: « آمِنْ » هو الأمر بالإيمان بالله و رسوله فيما جاء به من عند الله، و قولهما: « إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ » المراد به المعاد، و تعليل الأمر بالإيمان به لغرض الإنذار و التخويف.

و قوله: « فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ » الإشارة بهذا إلى الوعد الذي ذكراه و أنذراه به أو مجموع ما كانا يدعوانه إليه و المعنى: فيقول هذا الإنسان لوالديه ليس هذا الوعد الذي تنذرانني به أو ليس هذا الذي تدعوانني إليه إلا خرافات الأولين و هم الأمم الأولية الهمجية.

قوله تعالى: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ » إلخ، تقدم بعض الكلام فيه في تفسير الآية 25 من سورة حم السجدة.

قوله تعالى: « وَ لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا » إلى آخر الآية أي لكل من المذكورين و هم المؤمنون البررة و الكافرون الفجرة منازل و مراتب مختلفة صعودا و حدورا فللجنة درجات و للنار دركات.

و يعود هذا الاختلاف إلى اختلافهم في أنفسهم و إن كان ظهوره في أعمالهم و لذلك قال: « لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا » فالدرجات لهم و منشؤها أعمالهم.

و قوله: « وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمََالَهُمْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ » اللام للغاية و الجملة معطوفة على غاية أو غايات أخرى محذوفة لم يتعلق بذكرها غرض، و إنما جعلت غاية لقوله: « لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ » لأنه في معنى و جعلناهم درجات، و المعنى: جعلناهم درجات لكذا و كذا و ليوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون.