الميزان في تفسير القرآن - ج18

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
391 /
205

(1) -و معنى توفيتهم أعمالهم إعطاؤهم نفس أعمالهم فالآية من الآيات الدالة على تجسم الأعمال، و قيل: الكلام على تقدير مضاف و التقدير و ليوفيهم أجور أعمالهم.

قوله تعالى: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ » إلخ، عرض الماء على الدابة و للدابة وضعه بمرأى منها بحيث إن شاءت شربته، و عرض المتاع على البيع وضعه موضعا لا مانع من وقوع البيع عليه.

و قوله: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ » قيل: المراد بعرضهم على النار تعذيبهم فيها من قولهم: عرض فلان على السيف إذا قتل و هو مجاز شائع.

و فيه أن قوله في آخر السورة « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ قََالُوا بَلى‏ََ وَ رَبِّنََا قََالَ فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ » لا يلائمه تلك الملاءمة حيث فرع ذوق العذاب على العرض فهو غيره.

و قيل: إن في الآية قلبا و الأصل عرض النار على الذين كفروا لأن من الواجب في تحقق معنى العرض أن يكون في المعروض عليه شعور بالمعروض و النار لا شعور لها بالذين كفروا بل الأمر بالعكس ففي الكلام قلب، و المراد عرض النار على الذين كفروا.

و وجهه بعض المفسرين بأن المناسب أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه كما في قولنا: عرضت الماء على الدابة و عرضت الطعام على الضيف، و لما كان الأمر في عرض النار على الذين كفروا بالعكس فإنهم هم المسيرون إلى النار فقلب الكلام رعاية لهذا الاعتبار.

و فيه نظر أما ما ذكر من أن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور و إدراك بالمعروض حتى‏يرغب إليه أو يرغب عنه و النار لا شعور لها ففيه أولا: أنه ممنوع كما يؤيده قولهم: عرضت المتاع على البيع، و قوله تعالى: «إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ» : الأحزاب: 72، و ثانيا: أنا لا نسلم خلو نار الآخرة عن الشعور، ففي الأخبار الصحيحة أن للجنة و النار شعورا و يشعر به قوله:

«يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» : ق: 30، و غيره من الآيات.

و أما ما قيل من أن المناسب تحريك المعروض إلى المعروض عليه فلا نسلم لزومه و لا اطراده فهو منقوض بقوله: «إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» :

XالآيةX، الأحزاب: 72. ـ

206

(1) -على أن في كلامه تعالى ما يدل على الإتيان بالنار إلى الذين كفروا كقوله: «وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ وَ أَنََّى لَهُ اَلذِّكْرى‏ََ» : الفجر: 23.

فالحق أن العرض و هو إظهار عدم المانع من تلبس شي‏ء بشي‏ء معنى له نسبة إلى الجانبين يمكن أخذ كل منهما أصلا معروضا عليه و الآخر فرعا معروضا فتارة تؤخذ النار معروضة على الكافرين بعناية أن لا مانع من عمل صالح أو شفاعة تمنع من دخولهم فيها كقوله تعالى: «وَ عَرَضْنََا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكََافِرِينَ عَرْضاً» : الكهف: 100، و تارة يؤخذ الكفار معروضين للنار بعناية أن لا مانع يمنع النار أن تعذبهم، كما في قوله:

«اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا» : المؤمن: 36، و قوله: « يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ » الآية.

و على هذا فالأشبه تحقق عرضين يوم القيامة: عرض جهنم للكافرين حين تبرز لهم ثم عرضهم على جهنم بعد الحساب‏و القضاء الفصل بدخولهم فيها حين يساقون إليها، قال تعالى: «وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ََ جَهَنَّمَ زُمَراً» : الزمر: 71.

و قوله: « أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا وَ اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهََا » على تقدير القول أي يقال لهم: « أَذْهَبْتُمْ » إلخ، و الطيبات الأمور التي تلائم النفس و توافق الطبع و يستلذ بها الإنسان، و إذهاب الطيبات إنفادها بالاستيفاء لها، و المراد بالاستمتاع بها استعمالها و الانتفاع بها لنفسها لا للآخرة و التهيؤ لها.

و المعنى: يقال لهم حين عرضهم على النار: أنفذتم الطيبات التي تلتذون بها في حياتكم الدنيا و استمتعتم بتلك الطيبات فلم يبق لكم شي‏ء تلتذون به في الآخرة.

و قوله: « فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ بِمََا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمََا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ » تفريع على إذهابهم الطيبات، و عذاب الهون العذاب الذي فيه الهوان و الخزي.

و المعنى: فاليوم تجزون العذاب الذي فيه الهوان و الخزي قبال استكباركم في الدنيا عن الحق و قبال فسقكم و توليكم عن الطاعات، و هما ذنبان أحدهما متعلق بالاعتقاد و هو الاستكبار عن الحق و الثاني متعلق بالعمل و هو الفسق.

207

(1) -

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال*: رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر-فسأل عنها أصحاب النبي فقال علي: لا رجم عليها أ لا ترى أنه يقول: وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً ، وقال: وَ فِصََالُهُ فِي عََامَيْنِ ، و كان الحمل هاهنا ستة أشهر فتركها عمر. قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر. :

أقول: و روى القصة المفيد في الإرشاد، .

و فيه، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال*: تزوج رجل منا امرأة من جهينة-فولدت له تماما لستة أشهر-فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها-فبلغ ذلك عليا فأتاه فقال: ما تصنع؟قال: ولدت تماما لستة أشهر و هل يكون ذلك؟قال علي: أ ما سمعت الله تعالى يقول: وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً -و قال:

حَوْلَيْنِ كََامِلَيْنِ فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟.

فقال عثمان: و الله ما فطنت لهذا. علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، و كان من قولها لأختها: لا تحزني-فو الله ما كشف فرجي أحد قط غيره. قال: فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به-و كان أشبه الناس به. قال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه.

و في التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال*: سأله أبي و أنا حاضر عن قول الله عز و جل: « حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ » قال: الاحتلام.

و في الخصال، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) : إذا بلغ العبد ثلاثا و ثلاثين سنة فقد بلغ أشده، و إذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ منتهاه، فإذا طعن في إحدى و أربعين فهو في النقصان، و ينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع.

أقول: لا تخلو الرواية من إشعار بكون بلوغ الأشد مما يختلف بالمراتب فيكون الاحتلام و هو غالبا في الست عشرة أول مرتبة منها و الثلاث و الثلاثين و هي بعد مضي ست عشرة أخرى المرتبة الثانية، و قد تقدم في نظيره الآية من سورة يوسف بعض أخبار أخر.

208

(1) -و اعلم أنه قد وردت في الآية أخبار تطبقها على الحسين بن علي (ع) و ولادته لستة أشهر و هي من الجري.

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن عبد الله قال"* : إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا-و إن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر و عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أ هرقلية؟إن أبا بكر و الله ما جعلها في أحد من ولده-و لا أحد من أهل بيته-و لا جعلها معاوية إلا رحمة و كرامة لولده.

فقال مروان: أ لست الذي قال لوالديه: أف لكما؟فقال عبد الرحمن: أ لست ابن اللعين-الذي لعن أباك رسول الله ص؟.

قال: و سمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا و كذا؟ كذبت و الله ما فيه نزلت. نزلت في فلان بن فلان.

و فيه، أخرج ابن جرير عن ابن عباس"*: في الذي قال لوالديه أف لكما الآية، قال:

هذا ابن لأبي بكر:

أقول: و روي ذلك أيضا عن قتادة و السدي، و قصة رواية مروان و تكذيب عائشة له مشهورة. قال في روح المعاني بعد رد رواية مروان: و وافق بعضهم كالسهيلي في الأعلام مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن، و على تسليم ذلك لا معنى للتعيير لا سيما من مروان فإن الرجل أسلم و كان من أفاضل الصحابة و أبطالهم، و كان له في الإسلام عناء يوم اليمامة و غيره، و الإسلام يجب ما قبله فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يعير بما كان يقول. انتهى.

و فيه أن الروايات لو صحت لم يكن مناص عن صريح شهادة الآية عليه بقوله:

« أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ -إلى قوله- إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ » و لم ينفع شي‏ء مما دافع عنه به.

و في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا -إلى قوله- وَ اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهََا » قال: أكلتم و شربتم و ركبتم، و هي في بني فلان « فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ » قال: العطش.

و في المحاسن، بإسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه (ع)

209

(1) -قال*: أتي يعني النبي ص بخبيص‏ (1) فأبى أن يأكله-فقيل: أ تحرمه؟فقال: لا و لكني أكره أن تتوق إليه نفسي-ثم تلا الآية « أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا » .

و في المجمع، في الآية و قد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال*: استأذنت على رسول الله ص-فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم-و إنه لمضطجع على حفصة و إن بعضه على التراب-و تحت رأسه وسادة محشوة ليفا-فسلمت عليه ثم‏جلست فقلت: يا رسول الله-أنت نبي الله و صفوته و خيرته من خلقه-و كسرى و قيصر على سرير الذهب و فرش الحرير و الديباج!فقال رسول الله ص: أولئك قوم عجلت طيباتهم-و هي وشيكة الانقطاع، و إنما أخرت لنا طيباتنا. :

أقول: و رواه في الدر المنثور، بطرق عنه .

____________

(1) نوع من الحلواء.

210

(1) -

بيان‏

لما قسم الناس على قسمين و انتهى الكلام إلى الإنذار عقب ذلك بالإشارة إلى قصتين قصة قوم عاد و هلاكهم و معها الإشارة إلى هلاك القرى التي حول مكة و قصة إيمان قوم من الجن صرفهم الله إلى النبي ص فاستمعوا القرآن فآمنوا و رجعوا إلى قومهم منذرين و إنما أورد القصتين ليعتبر بهما من شاء أن يعتبر منهم، و هذه الآيات المنقولة تتضمن أولى القصتين.

قوله تعالى: « وَ اُذْكُرْ أَخََا عََادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقََافِ وَ قَدْ خَلَتِ اَلنُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ‏خَلْفِهِ » إلخ، أخو القوم هو المنسوب إليهم من جهة الأب، و المراد بأخي عاد هود النبي (ع) ، و الأحقاف‏ مسكن قوم عاد و المتيقن أنه في جنوب جزيرة العرب و لا أثر اليوم باقيا منهم، و اختلفوا أين هو؟فقيل: واد بين عمان و مهرة، و قيل رمال بين عمان إلى حضرموت، و قيل: رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن و قيل غير ذلك.

211

(1) -و قوله: « وَ قَدْ خَلَتِ اَلنُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ » النذر جمع نذير و المراد به الرسول على ما يفيده السياق، و أما تعميم بعضهم الندر للرسول و نوابهم من العلماء ففي غير محله.

و فسروا « مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ » بالذين كانوا قبله و « مِنْ خَلْفِهِ » بالذين جاءوا بعده و يمكن العكس بأن يكون المراد بالنذر بين يديه من كانوا في زمانه، و من خلفه من كان قبله، و الأولى على الأول أن يكون المراد بخلو النذر من بين يديه و من خلفه أن يكون كناية عن مجيئه إليهم و إنذاره لهم على فترة من الرسل.

و قوله: « أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اَللََّهَ » تفسير للإنذار و فيه إشارة إلى أن أساس دينه الذي يرجع إليه تفاصيله هو التوحيد.

و قوله: « إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » تعليل لدعوتهم إلى التوحيد، و الظاهر أن المراد باليوم العظيم يوم عذاب الاستئصال لا يوم القيامة يدل على ذلك ما سيأتي من قولهم: « فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا » و قوله: « بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ » و الباقي ظاهر.

قوله تعالى: « قََالُوا أَ جِئْتَنََا لِتَأْفِكَنََا عَنْ آلِهَتِنََا » إلخ، جواب القوم له قبال إنذاره، و قوله: « لِتَأْفِكَنََا عَنْ آلِهَتِنََا » بتضمين‏ الإفك‏ و هو الكذب و الفرية معنى الصرف و المعنى: قالوا أ جئتنا لتصرفنا عن آلهتنا إفكا و افتراء.

و قوله: « فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ » أمر تعجيزي منهم له زعما منهم أنه (ع) كاذب في دعواته آفك في إنذاره.

قوله تعالى: « قََالَ إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ أُبَلِّغُكُمْ مََا أُرْسِلْتُ بِهِ » إلخ، جواب هود عن قولهم ردا عليهم، فقوله: « إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللََّهِ » قصر العلم بنزول العذاب فيه تعالى لأنه من الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله جل شأنه، و هو كناية عن أنه (ع) لا علم له بأنه ما هو؟و لا كيف هو؟و لا متى هو؟و لذلك عقبه بقوله: « وَ أُبَلِّغُكُمْ مََا أُرْسِلْتُ بِهِ » أي إن الذي حملته و أرسلت به إليكم هو الذي أبلغكموه و لا علم لي بالعذاب الذي أمرت بإنذاركم به ما هو؟و كيف هو؟و متى هو؟و لا قدرة لي عليه.

و قوله: « وَ لََكِنِّي أَرََاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ » إضراب عما يدل عليه الكلام من نفيه العلم عن نفسه، و المعنى: لا علم لي بما تستعجلون به من العذاب و لكني أراكم قوما

212

(1) -تجهلون فلا تميزون ما ينفعكم مما يضركم و خيركم من شركم حين تردون دعوة الله و تكذبون بآياته و تستهزءون بما يوعدكم به من العذاب.

قوله تعالى: « فَلَمََّا رَأَوْهُ عََارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قََالُوا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا » إلخ، صفة نزول العذاب إليهم بادئ ظهوره عليهم.

و العارض‏ هو السحاب يعرض في الأفق ثم يطبق السماء و هو صفة العذاب الذي يرجع إليه ضمير « رَأَوْهُ » المعلوم من السياق، و قوله: « مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ » صفة أخرى له، و الأودية جمع الوادي، و قوله: « قََالُوا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا » أي استبشروا ظنا منهم أنه سحاب عارض ممطر لهم فقالوا: هذا الذي نشاهده سحاب عارض ممطر إيانا.

و قوله: « بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهََا عَذََابٌ أَلِيمٌ » رد لقولهم: « هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا » بالإضراب عنه إلى بيان الحقيقة فبين أولا على طريق التهكم أنه العذاب الذي استعجلتم به حين قلتم: « فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ » و زاد في البيان ثانيا بقوله: « رِيحٌ فِيهََا عَذََابٌ أَلِيمٌ » .

و الكلام من كلامه تعالى و قيل: هو كلام لهود النبي (ع) .

قوله تعالى: « تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِأَمْرِ رَبِّهََا فَأَصْبَحُوا لاََ يُرى‏ََ إِلاََّ مَسََاكِنُهُمْ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْقَوْمَ اَلْمُجْرِمِينَ » التدمير الإهلاك، و تعلقه بكل شي‏ء و إن كان يفيد عموم التدمير لكن السياق يخصصه بنحو الإنسان و الدواب و الأموال، فالمعنى: أن تلك الريح ريح تهلك كل ما مرت عليه من إنسان و دواب و أموال.

و قوله: « فَأَصْبَحُوا لاََ يُرى‏ََ إِلاََّ مَسََاكِنُهُمْ » بيان لنتيجة نزول العذاب، و قوله:

« كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْقَوْمَ اَلْمُجْرِمِينَ » إعطاء ضابط كلي في مجازاة المجرمين بتشبيه الكلي بالفرد الممثل به و التشبيه في الشدة أي إن سنتنا في جزاء المجرمين على هذا النحو الذي قصصناه من الشدة فهو كقوله تعالى: «وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» : هود: 102.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ » إلخ، موعظة لكفار مكة مستنتجة من القصة.

213

(1) -و التمكين‏ إقرار الشي‏ء و إثباته في المكان، و هو كناية عن إعطاء القدرة و الاستطاعة في التصرف و «ما» في «فيما» موصولة أو موصوفة و « إِنْ » نافية، و المعنى: و لقد جعلنا قوم هود في الذي-أو في شي‏ء-ما مكناكم معشر كفار مكة و من يتلوكم فيه من بسطة الأجسام و قوة الأبدان و البطش الشديد و القدرة القومية.

و قوله: « وَ جَعَلْنََا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصََاراً وَ أَفْئِدَةً » أي جهزناهم بما يدركون به ما ينفعهم و ما يضرهم و هو السمع و الأبصار و ما يميزون به ما ينفعهم مما يضرهم فيحتالون لجلب النفع و لدفع الضر بما قدروا كما أن لكم ذلك.

و قوله: « فَمََا أَغْنى‏ََ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لاََ أَبْصََارُهُمْ وَ لاََ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِذْ كََانُوا يَجْحَدُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ » ما في « فَمََا أَغْنى‏ََ » نافية لا استفهامية، و « إِذْ » ظرف متعلق بالنفي الذي في قوله: « فَمََا أَغْنى‏ََ » .

و محصل المعنى: أنهم كانوا من التمكن على ما ليس لكم ذلك و كان لهم من أدوات الإدراك و التمييز ما يحتال به الإنسان لدفع المكاره و الاتقاء من الحوادث المهلكة المبيدة لكن لم يغن عنهم و لم ينفعهم هذه المشاعر و الأفئدة شيئا عند ما جحدوا آيات الله فما الذي يؤمنكم من عذاب الله و أنتم جاحدون لآيات الله.

و قيل: معنى الآية: و لقد مكناهم في الذي أو في شي‏ء ما مكناكم فيه من القوة و الاستطاعة و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة ليستعملوها فيما خلقت له و يسمعوا كلمة الحق و يشاهدوا آيات التوحيد و يعتبروا بالتفكر في العبر، و يستدلوا بالتعقل الصحيح على المبدإ و المعاد فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شي‏ء حيث لم يستعملوها فيما يوصل إلى معرفة الله سبحانه، هذا و لعل الذي قدمناه من المعنى أنسب للسياق.

و قد جوزوا في مفردات الآية وجوها لم نوردها لعدم جدوى فيها.

و قد تقدم في نظائر قوله: « سَمْعاً وَ أَبْصََاراً وَ أَفْئِدَةً » أن إفراد السمع-و المراد منه الجمع-لمكان مصدريته في الأصل نظير الضيف و القربان و الجنب، قال تعالى:

«ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ اَلْمُكْرَمِينَ» : الذاريات: 24 و قال: «إِذْ قَرَّبََا قُرْبََاناً» : المائدة: 27، و قال: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» : المائدة: 6. ـ

214

(1) -و قوله: « وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » عطف على قوله: « فَمََا أَغْنى‏ََ عَنْهُمْ » إلخ.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ أَهْلَكْنََا مََا حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْقُرى‏ََ » تذكرة إنذارية متفرعة على العظة التي في قوله: « وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ » إلخ، فهي معطوفة عليه على ما يفيده السياق لا على قوله: « وَ اُذْكُرْ أَخََا عََادٍ » .

و قوله: « وَ صَرَّفْنَا اَلْآيََاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » أي و صيرنا الآيات المختلفة من معجزة أيدنا بها الأنبياء و وحي أنزلناه عليهم و نعم رزقناهموها ليتذكروا بها و نقم ابتليناهم بها ليتوبوا و ينصرفوا عن ظلمهم لعلهم يرجعون من عبادة غير الله سبحانه إلى عبادته.

و الضمير في « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » راجع إلى القرى و المراد بها أهل القرى.

قوله تعالى: « فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُرْبََاناً آلِهَةً » إلخ، ظاهر السياق أن آلهة مفعول ثان لاتخذوا و مفعوله الأول هو الضمير الراجع إلى الموصول و «قربانا» بمعنى ما يتقرب به، و الكلام مسوق للتهكم، و المعنى: فلو لا نصرهم الذين اتخذوهم آلهة حال كونهم متقربا بهم إلى الله كما كانوا يقولون: « مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ » .

و قوله: « بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ » أي ضل الآلهة عن أهل القرى و انقطعت رابطة الألوهية و العبودية التي كانوا يزعمونها و يرجون بذلك أن ينصروهم عند الشدائد و المكاره فالضلال عنهم كناية عن بطلان مزعمتهم.

و قوله: « وَ ذََلِكَ إِفْكُهُمْ وَ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ » مبتدأ و خبر و الإشارة إلى ضلال آلهتهم، و المراد بالإفك أثر الإفك أو بتقدير مضاف، و « مََا » مصدرية، و المعنى:

و ذلك الضلال أثر إفكهم و افترائهم.

و يمكن أن يكون الكلام على صورته من غير تقدير مضاف أو تجوز و الإشارة إلى إهلاكهم بعد تصريف الآيات و ضلال آلهتهم عند ذلك، و محصل المعنى: أن هذا الذي ذكرناه من عاقبة أمرهم هو حقيقة زعمهم أن الآلهة يشفعون لهم و يقربونهم من الله زعمهم الذي أفكوه و افتروه، و الكلام مسوق للتهكم.

215

(1) -

بيان‏

هذه هي القصة الثانية عقبت بها قصة عاد ليعتبر بها قومه (ص) أن اعتبروا،

216

(1) -و فيه تقريع للقوم حيث كفروا به (ص) و بكتابه النازل على لغتهم و هم يعلمون أنها آية معجزة و هم مع ذلك يماثلونه في النوعية البشرية و قد آمن الجن بالقرآن إذ استمعوا إليه و رجعوا إلى قومهم منذرين.

قوله تعالى: « وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْآنَ » إلى آخر الآية الصرف‏ رد الشي‏ء من حالة إلى حالة أو من مكان إلى مكان، و النفر -على ما ذكره الراغب-عدة من الرجال يمكنهم النفر و هو اسم‏جمع يطلق على ما فوق الثلاثة من الرجال و النساء و الإنسان و على الجن كما في الآية و « يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْآنَ » صفة نفر، و المعنى:

و اذكر إذ وجهنا إليك عدة من الجن يستمعون القرآن.

و قوله: « فَلَمََّا حَضَرُوهُ قََالُوا أَنْصِتُوا » ضمير « حَضَرُوهُ » للقرآن بما يلمح إليه من المعنى الحدثي و الإنصات‏ السكوت للاستماع أي فلما حضروا قراءة القرآن و تلاوته قالوا أي بعضهم لبعض: اسكتوا حتى نستمع حق الاستماع.

و قوله: « فَلَمََّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ » ضمير « قُضِيَ » للقرآن باعتبار قراءته و تلاوته، و التولية الانصراف و « مُنْذِرِينَ » حال من ضمير الجمع في « وَلَّوْا » أي فلما أتمت القراءة و فرغ منها انصرفوا إلى قومهم حال كونهم منذرين مخوفين لهم من عذاب الله.

قوله تعالى: « قََالُوا يََا قَوْمَنََا إِنََّا سَمِعْنََا كِتََاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ » إلخ، حكاية دعوتهم قومهم و إنذارهم لهم، و المراد بالكتاب النازل بعد موسى القرآن، و في الكلام إشعار بل دلالة على كونهم مؤمنين بموسى (ع) و كتابه، و المراد بتصديق القرآن لما بين يديه تصديقه التوراة أو جميع الكتب السماوية السابقة.

و قوله: « يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلى‏ََ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ » أي يهدي من اتبعه إلى صراط الحق و إلى طريق مستقيم لا يضل سالكوه عن الحق في الاعتقاد و العمل.

قوله تعالى: « يََا قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ » المراد بداعي الله هو النبي ص قال تعالى: «قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ» : يوسف: 108، و قيل: المراد به ما سمعوه من القرآن و هو بعيد.

217

(1) -و الظاهر أن « مِنْ » في « يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ » للتبعيض، و المراد مغفرة بعض الذنوب و هي التي اكتسبوها قبل الإيمان، قال تعالى: «إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ» : الأنفال: 38.

و قيل: المراد بهذا البعض حقوق الله سبحانه فإنها مغفورة بالتوبة و الإيمان توبة و أما حقوق الناس فإنها غير مغفورة بالتوبة، و رد بأن الإسلام يجب ما قبله.

قوله تعالى: « وَ مَنْ لاََ يُجِبْ دََاعِيَ اَللََّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءُ » إلخ، أي و من لم يؤمن بداعي الله فليس بمعجز لله في الأرض برد دعوته و ليس له من دون الله أولياء ينصرونه و يمدونه في ذلك، و المحصل: أن من لم يجب داعي الله في دعوته فإنما ظلم نفسه و ليس له أن يعجز الله بذلك لا مستقلا و لا بنصرة من ينصره من الأولياء فليس له أولياء من دون الله، و لذلك أتم الكلام بقوله: « أُولََئِكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ » .

قوله تعالى: « أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقََادِرٍ » إلخ، الآية و ما بعدها إلى آخر السورة متصلة بما تقدم من قوله تعالى: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَذْهَبْتُمْ » إلخ، و فيها تتميم القول فيما به الإنذار في هذه السورة و هو المعاد و الرجوع إلى الله تعالى كما أشرنا إليه في البيان المتقدم.

و المراد بالرؤية العلم عن بصيرة، و العي‏ العجز و التعب، و الأول أفصح على ما قيل، و الباء في « بِقََادِرٍ » زائدة لوقوعها موقعا فيه شائبة حيز النفي كأنه قيل: أ ليس الله بقادر.

و المعنى: أ و لم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات و الأرض و لم يعجز عن خلقهن أو لم يتعب بخلقهن قادر على إحياء الموتى-و هو تعالى مبدئ وجود كل شي‏ء و حياته- بلى هو قادر لأنه على كل شي‏ء قدير، و قد أوضحنا هذه الحجة فيما تقدم غير مرة.

قوله تعالى: « وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ » إلى آخر الآية، تأييد للحجة المذكورة في الآية السابقة بالإخبار عما سيجري على منكري المعاد يوم القيامة، و معنى الآية ظاهر.

218

(1) -}قوله تعالى: « فَاصْبِرْ كَمََا صَبَرَ أُولُوا اَلْعَزْمِ مِنَ اَلرُّسُلِ وَ لاََ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ » إلى آخر الآية، تفريع على حقية المعاد على ما دلت عليه الحجة العقلية و أخبر به الله سبحانه و نفي الريب عنه.

و المعنى: فاصبر على جحود هؤلاء الكفار و عدم إيمانهم بذاك اليوم كما صبر أولوا العزم من الرسل و لا تستعجل لهم بالعذاب فإنهم سيلاقون اليوم بما فيه من العذاب و ليس اليوم عنهم ببعيد و إن استبعدوه.

و قوله: « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ » تبيين لقرب اليوم منهم و من حياتهم الدنيا بالإخبار عن حالهم حينما يشاهدون ذلك اليوم فإنهم إذا رأوا ما يوعدون من اليوم و ما هيئ لهم فيه من العذاب كان حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلا ساعة من نهار.

و قوله: « بَلاََغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْفََاسِقُونَ » أي هذا القرآن بما فيه من البيان تبليغ من الله من طريق النبوة فهل يهلك بهذا الذي بلغه الله من الإهلاك إلا القوم الفاسقون الخارجون عن زي العبودية.

و قد أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه ص أن يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل و فيه تلويح إلى أنه (ص) منهم فليصبر كصبرهم، و معنى العزم هاهنا أما الصبر كما قال بعضهم لقوله تعالى: «وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» : الشورى:

43، و إماالعزم على الوفاء بالميثاق المأخوذ من الأنبياء كما يلوح إليه قوله: «وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» : طه: 115، و إما العزم بمعنى العزيمة و هي الحكم و الشريعة.

و على المعنى الثالث و هو الحق الذي تذكره روايات أئمة أهل البيت (ع) هم خمسة: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم و لقوله تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ» : الشورى: 13، و قد مر تقريب معنى الآية.

و عن بعض المفسرين أن جميع الرسل أولوا العزم، و قد أخذ « مِنَ اَلرُّسُلِ »

219

(1) -بيانا لأولي العزم في قوله: « أُولُوا اَلْعَزْمِ مِنَ اَلرُّسُلِ » و عن بعضهم أنهم الرسل الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام (الآية 83-90) لأنه تعالى قال بعد ذكرهم:

« فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ » .

و فيه أنه تعالى قال بعد عدهم: « وَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ وَ إِخْوََانِهِمْ » ثم قال:

« فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ » و لم يقل ذلك بعد عدهم بلا فصل.

و عن بعضهم أنهم تسعة: نوح و إبراهيم و الذبيح و يعقوب و يوسف و أيوب و موسى و داود و عيسى، و عن بعضهم أنهم سبعة: آدم و نوح و إبراهيم و موسى و داود و سليمان و عيسى، و عن بعضهم أنهم ستة و هم الذين أمروا بالقتال: نوح و هود و صالح و موسى و داود و سليمان، و ذكر بعضهم أن الستة هم نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب، و عن بعضهم أنهم خمسة و هم: نوح و هود و إبراهيم و شعيب و موسى، و عن بعضهم‏أنهم أربعة: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، و ذكر بعضهم أن الأربعة هم نوح و إبراهيم و هود و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم أجمعين.

و هذه الأقوال بين ما لم يستدل عليه بشي‏ء أصلا و بين ما استدل عليه بما لا دلالة فيه، و لذا أغمضنا عن نقلها، و قد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب بعض الكلام في أولي العزم من الرسل فراجعه إن شئت.

بحث روائي‏

في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ » الآيات، كان سبب نزول هذه الآيات أن رسول الله ص-خرج من مكة إلى سوق عكاظ، و معه زيد بن حارثة يدعو الناس إلى الإسلام-فلم يجبه أحد و لم يجد أحدا يقبله ثم رجع إلى مكة.

فلما بلغ موضعا يقال له: وادي مجنة (1) تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به

____________

(1) المجنة: محل الجن.

220

(1) -نفر من الجن-فلما سمعوا قراءة رسول الله ص استمعوا له-فلما سمعوا قرآنه قال بعضهم لبعض: « أَنْصِتُوا » يعني اسكتوا « فَلَمََّا قُضِيَ » أي فرغ رسول الله ص من القرآن- « وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ` قََالُوا يََا قَوْمَنََا » إلى آخر الآيات.

فجاءوا إلى رسول الله ص و أسلموا و آمنوا-و علمهم رسول الله ص شرائع الإسلام-فأنزل الله عز و جل على نبيه ص « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ » السورة كلها، فحكى الله قولهم-و ولى عليهم رسول الله ص منهم، و كانوا يعودون إلى رسول الله ص في كل وقت-فأمر رسول الله ص أمير المؤمنين (ع) أن يعلمهم و يفقههم-فمنهم‏مؤمنون و كافرون و ناصبون-و يهود و نصارى و مجوس، و هم ولد الجان.

أقول: و الروايات في قصة هؤلاء النفر من الجن الذين استمعوا إلى القرآن كثيرة مختلفة اختلافا شديدا، و لا سبيل إلى تصحيح متونها بالكتاب أو بقرائن موثوق بها و لذا اكتفينا منها على ما تقدم من خبر القمي و سيأتي نبذ منها في تفسير سورة الجن إن شاء الله تعالى.

و فيه، : سئل العالم (ع) عن مؤمني الجن أ يدخلون الجنة؟فقال: لا، و لكن لله حظائر بين الجنة و النار-يكون فيها مؤمنوا الجن و فساق الشيعة.

أقول: و روي مثله في بعض الروايات الموقوفة من طرق أهل السنة، و رواية القمي مرسلة كالمضمرة فإن قبلت فلتحمل على أدنى مراتب الجنة و عمومات الكتاب تدل على عموم الثواب للمطيعين من الإنس و الجن.

و في الكافي، بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: سادة النبيين و المرسلين خمسة: و هم أولوا العزم من الرسل و عليهم دارت الرحى: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و على جميع الأنبياء.

و فيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي جعفر (ع) قال*: قال رسول الله ص: إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، و ما من نبي مضى إلا و له وصي.

221

(1) -و كان جميع الأنبياء مائة ألف و عشرين ألف نبي: منهم خمسة أولوا العزم:

نوح و إبراهيم و موسى-و عيسى و محمد صلى الله عليه و آله و سلم و عليهم. الحديث.

أقول: كون أولي العزم خمسة مما استفاضت عليه الروايات عن أئمة أهل البيت (ع) فهو مروي عن النبي ص و عن الباقر و الصادق و الرضا (ع) بطرق كثيرة.

و عن روضة الواعظين للمفيد، : قيل للنبي ص: كم بين الدنيا و الآخرة؟قال:

غمضة عين قال الله عز و جل: « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ-لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ بَلاََغٌ » الآية.

222

(1) -

(47) سورة محمد مدنية و هي ثمان و ثلاثون آية (38)

بيان‏

تصف السورة الذين كفروا بما يخصهم من الأوصاف الخبيثة و الأعمال السيئة و تصف الذين آمنوا بصفاتهم الطيبة و أعمالهم الحسنة ثم تذكر ما يعقب صفات هؤلاء

223

(1) -من النعمة و الكرامة و صفات أولئك من النقمة و الهوان و على الجملة فيها المقايسة بين الفريقين في صفاتهم و أعمالهم في الدنيا و ما يترتب عليها في الأخرى، و فيها بعض ما يتعلق بالقتال من الأحكام.

و هي سورة مدنية على ما يشهد به سياق آياتها.

قوله تعالى: « اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ » فسر الصد بالإعراض عن سبيل الله و هو الإسلام كما عن بعضهم، و فسر بالمنع و هو منعهم الناس أن يؤمنوا بما كان النبي ص يدعوهم إليه من دين التوحيد كما عن بعض آخر.

و ثاني التفسيرين أوفق لسياق الآيات التالية و خاصة ما يأمر المؤمنين بقتلهم و أسرهم و غيرهم.

فالمراد بالذين كفروا كفار مكة و من تبعهم في كفرهم و قد كانوا يمنعون الناس عن الإيمان بالنبي ص و يفتنونهم، و صدوهم أيضا عن المسجد الحرام.

و قوله: « أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ » أي جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها التي قصدت بها و هي بالجملة إبطال الحق و إحياء الباطل فالجملة في معنى ما تكرر منه تعالى من قوله: «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» : البقرة: 264، و قد وعد سبحانه بإحياء الحق و إبطال الباطل كما في قوله: «لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ وَ يُبْطِلَ اَلْبََاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ» : الأنفال: 8.

فالمراد من ضلال أعمالهم بطلانها و فسادها دون الوصول إلى الغاية، و عد ذلك ضلالا من الاستعارة بالكناية.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلى‏ََ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » إلخ، ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد بالذين آمنوا إلخ، مطلق من آمن و عمل صالحا فيكون قوله: « وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلى‏ََ مُحَمَّدٍ » تقييدا احترازيا لا تأكيدا و ذكرا لما تعلقت به العناية في الإيمان.

و قوله: « وَ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » جملة معترضة و الضمير راجع إلى ما نزل.

و قوله: « كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ » قال في المجمع: البال‏ الحال و الشأن و البال‏ القلب أيضا يقال: خطر ببالي كذا، و البال لا يجمع لأنه أبهم أخواته من الحال و الشأن انتهى.

224

(1) -و قد قوبل إضلال الأعمال في الآية السابقة بتكفير السيئات و إصلاح البال في هذه الآية فمعنى ذلك هداية إيمانهم و عملهم الصالح إلى غاية السعادة، و إنما يتم ذلك بتكفير السيئات المانعة من الوصول إلى السعادة، و لذلك ضم تكفير السيئات إلى إصلاح البال.

و المعنى: ضرب الله الستر على سيئاتهم بالعفو و المغفرة، و أصلح حالهم في الدنيا و الآخرة أما الدنيا فلأن الدين الحق هو الدين الذي يوافق ما تقتضيه الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، و الفطرة لا تقتضي إلا ما فيه سعادتها و كمالها ففي الإيمان بما أنزل الله من دين الفطرة و العمل به صلاح حال المؤمنين في مجتمعهم الدنيوي، و أما في الآخرة فلأنها عاقبة الحياة الدنيا و إذ كانت فاتحتها سعيدة كانت خاتمتها كذلك قال تعالى: «وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏ََ» : طه: 132.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا اَلْبََاطِلَ وَ أَنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا اَلْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ » إلخ، تعليل لما في الآيتين السابقتين من إضلال أعمال الكفار و إصلاح حال المؤمنين مع تكفير سيئاتهم.

و في تقييد الحق بقوله: « مِنْ رَبِّهِمْ » إشارة إلى أن المنتسب إليه تعالى هو الحق و لا نسبة للباطل إليه و لذلك تولى سبحانه إصلاح بال المؤمنين لما ينتسب إليه طريق الحق الذي اتبعوه، و أما الكفار بأعمالهم فلا شأن له تعالى فيهم و أما انتساب ضلالهم إليه في قوله: « أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ » فمعنى إضلال أعمالهم عدم هدايته لها إلى غايات صالحة سعيدة.

و في الآية إشارة إلى أن الملاك كل الملاك في سعادة الإنسان و شقائه اتباع الحق و اتباع الباطل و السبب في ذلك انتساب الحق إليه تعالى دون الباطل.

و قوله: « كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ » أي يبين لهم أوصافهم على ما هي عليه، و في الإتيان باسم الإشارة الموضوعة للبعيد تفخيم لأمر ما ضربه من المثل.

قوله تعالى: « فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ » إلى آخر الآية، تفريع على ما تقدم في الآيات الثلاث من وصف الفريقين كأنه قيل: إذا كان المؤمنون أهل الحق و الله ينعم عليهم بما ينعم و الكفار أهل الباطل و الله يضل أعمالهم فعلى المؤمنين إذا لقوا

225

(1) -الكفار أن يقتلوهم و يأسروهم ليحيا الحق الذي عليه المؤمنون و تطهر الأرض من الباطل الذي عليه الكفار.

فقوله: « فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ » المراد باللقاء اللقاء في القتال و ضرب الرقاب مفعول مطلق قائم مقام فعله العامل فيه، و التقدير: فاضربوا الرقاب -أي رقابهم-ضربا و ضرب الرقبة كناية عن القتل بالسيف، لأن أيسر القتل و أسرعه ضرب الرقبة به.

و قوله: « حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ » في المجمع: الإثخان‏ إكثار القتل و غلبة العدو و قهرهم و منه أثخنه المرض اشتد عليه و أثخنه الجراح. انتهى. و في المفردات: وثقت به أثق ثقة سكنت إليه و اعتمدت عليه، و أوثقته شددته، و الوثاق‏ -بفتح الواو-و الوثاق‏ -بكسر الواو-اسمان لما يوثق به الشي‏ء. انتهى. و « حَتََّى » غاية لضرب الرقاب، و المعنى: فاقتلوهم حتى إذا أكثرتم القتل فيهم فأسروهم بشد الوثاق و إحكامه فالمراد بشد الوثاق الأسر فالآية في ترتب الأسر فيها على الإثخان في معنى قوله تعالى: «مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ» : الأنفال: 67.

و قوله: « فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً » أي فأسروهم و يتفرع عليه أنكم إما تمنون عليهم منا بعد الأسر فتطلقونهم أو تسترقونهم و إما تفدونهم فداء بالمال أو بمن لكم عندهم من الأسارى.

و قوله: « حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا » أوزار الحرب أثقالها و هي الأسلحة التي يحملها المحاربون و المراد به وضع المقاتلين و أهل الحرب أسلحتهم كناية عن انقضاء القتال.

و قد تبين بما تقدم من المعنى ما في قول بعضهم إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:

«مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ» : الأنفال: 67، لأن هذه السورة متأخرة نزولا عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها.

و ذلك لعدم التدافع بين الآيتين فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإثخان و الآية المبحوث عنها تأمر بالأسر بعد الإثخان.

و كذا ما قيل: إن قوله: « فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ » إلخ، منسوخ بآية السيف‏ «فَاقْتُلُوا

226

(1) -اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» : التوبة: 5، و كأنه مبني على كون العام الوارد بعد الخاص ناسخا له لا مخصصا به و الحق خلافه و تمام البحث في الأصول، و في الآية أيضا مباحث فقهية محلها علم الفقه.

و قوله: « ذََلِكَ » أي الأمر ذلك أي إن حكم الله هو ما ذكر في الآية.

و قوله: « وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ » الضمير للكفار أي و لو شاء الله الانتقام منهم لانتقم منهم بإهلاكهم و تعذيبهم من غير أن يأمركم بقتالهم.

و قوله: « وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ » استدراك من مشية الانتصار أي و لكن لم ينتصر منهم‏بل أمركم بقتالهم ليمتحن بعضكم ببعض فيمتحن المؤمنين بالكفار يأمرهم بقتالهم ليظهر المطيعون من العاصين و يمتحن الكفار بالمؤمنين فيتميز أهل الشقاء منهم ممن يوفق للتوبة من الباطل و الرجوع إلى الحق.

و قد ظهر بذلك أن قوله: « لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ » تعليل للحكم المذكورة في الآية و الخطاب في « بَعْضَكُمْ » لمجموع المؤمنين و الكفار و وجه الخطاب إلى المؤمنين.

و قوله: « وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ » الكلام مسوق سوق الشرط و الحكم عام أي و من قتل في سبيل الله و هو الجهاد و القتال مع أعداء الدين فلن يبطل أعمالهم الصالحة التي أتوا بها في سبيل الله.

و قيل: المراد بقوله: « وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ » شهداء يوم أحد، و فيه أنه تخصيص من غير مخصص و السياق سياق العموم.

قوله تعالى: « سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ » الضمير للذين قتلوا في سبيل الله فالآية و ما يتلوها لبيان حالهم بعد الشهادة أي سيهديهم الله إلى منازل السعادة و الكرامة و يصلح حالهم بالمغفرة و العفو عن سيئاتهم فيصلحون لدخول الجنة.

و إذا انضمت هذه الآية إلى قوله تعالى: «وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» : آل عمران: 169، ظهر أن المراد بإصلاح بالهم إحياؤهم حياة يصلحون بها للحضور عند ربهم بانكشاف الغطاء.

و قال في المجمع، : و الوجه في تكرير قوله: « بََالَهُمْ » أن المراد بالأول أنه أصلح بالهم في الدين و الدنيا، و بالثاني أنه يصلح حالهم في نعيم العقبى فالأول سبب النعيم و الثاني نفس النعيم. انتهى. و الفرق بين ما ذكره من المعنى و ما قدمناه أن قوله‏

227

(1) -تعالى: « وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ » على ما ذكرنا كالعطف التفسيري لقوله: « سَيَهْدِيهِمْ » دون ما ذكره، و قوله الآتي: « وَ يُدْخِلُهُمُ اَلْجَنَّةَ » على ما ذكره كالعطف التفسيري لقوله:

« وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ » دون ما ذكرناه.

قوله تعالى: « وَ يُدْخِلُهُمُ اَلْجَنَّةَ عَرَّفَهََا لَهُمْ » غاية هدايته لهم، و قوله: « عَرَّفَهََا لَهُمْ » حال من إدخاله إياهم الجنة أي سيدخلهم الجنة و الحال أنه عرفها لهم إما بالبيان الدنيوي من طريق الوحي و النبوة و إما بالبشرى عند القبض أو في القبر أو في القيامة أو في جميع هذه المواقف هذا ما يفيده السياق من المعنى.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن علي قال*: سورة محمد آية فينا و آية في بني أمية.

أقول: و روى القمي في تفسيره، عن أبيه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) : مثله .

و في المجمع، : في قوله: « فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ » إلخ: ،

المروي عن أئمة الهدى (ع) : أن الأسارى ضربان: ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال- و الحرب قائمة فهؤلاء يكون الإمام مخيرا بين أن يقتلهم-أو يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يتركهم حتى ينزفوا، و لا يجوز المن و لا الفداء.

و الضرب الآخر الذين يؤخذون-بعد أن وضعت الحرب أوزارها و انقضى القتال- فالإمام مخير فيهم بين المن و الفداء-إما بالمال أو بالنفس و بين الاسترقاق و ضرب الرقاب- فإذا أسلموا في‏الحالين سقط جميع ذلك-و كان حكمهم حكم المسلمين.

أقول: و روي ما في معناه في الكافي عن أبي عبد الله (ع) .

و في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح"*: في قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ » قال: نزل فيمن قتل من أصحاب النبي ص يوم أحد.

أقول: قد عرفت أن الآية عامة، و سياق الاستقبال في قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ » إلخ، إنما يلائم العموم و كون الكلام مسوقا لضرب القاعدة. ـ

228

(1) -و قد روي أن قوله تعالى: « حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ » ناسخ لقوله:

« مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ » الآية، و أيضا أن قوله: « فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » ناسخ لقوله: « فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً » و قد عرفت فيما تقدم عدم استقامة النسخ.

229

(1) -

بيان‏

الآيات جارية على السياق السابق.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اَللََّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدََامَكُمْ » تحضيض لهم على الجهاد و وعد لهم بالنصر إن نصروا الله تعالى فالمراد بنصرهم لله أن يجاهدوا في سبيل الله على أن يقاتلوا لوجه الله تأييدا لدينه و إعلاء لكلمة الحق لا ليستعلوا في الأرض أو ليصيبوا غنيمةأو ليظهروا نجده و شجاعة.

و المراد بنصر الله لهم توفيقه الأسباب المقتضية لظهورهم و غلبتهم على عدوهم كإلقاء الرعب في قلوب الكفار و إدارة الدوائر للمؤمنين عليهم و ربط جاش المؤمنين و تشجيعهم، و على هذا فعطف تثبيت الأقدام على النصر من عطف الخاص على العام و تخصيص تثبيت الأقدام، و هو كناية عن التشجيع و تقوية القلوب، لكونه من أظهر أفراد النصر.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ » ذكر ما يفعل بالكفار عقيب ذكر ما يفعل بالمؤمنين الناصرين لله لقياس حالهم من حالهم.

و التعس‏ هو سقوط الإنسان على وجهه و بقاؤه عليه و يقابله الانتعاش و هو القيام عن السقوط على الوجه فقوله: « فَتَعْساً لَهُمْ » أي تعسوا تعسا و هو ما يتلوه دعاء عليهم نظير قوله: «قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ» : التوبة: 30، «قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ» : عبس:

17، و يمكن أن يكون إخبارا عن تعسهم و بطلان أثر مساعيهم على نحو الكناية فإن الإنسان أعجز ما يكون إذا كان ساقطا على وجهه.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمََالَهُمْ » المراد بما أنزل الله هو القرآن و الشرائع و الأحكام التي أنزلها الله تعالى على نبيه ص و أمر بإطاعتها و الانقياد لها فكرهوها و استكبروا عن اتباعها.

230

(1) -و الآية تعليل مضمون الآية السابقة و المعنى ظاهر.

قوله تعالى: « أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ وَ لِلْكََافِرِينَ أَمْثََالُهََا » التدمير الإهلاك، يقال: دمره الله أي أهلكه، و يقال: دمر الله عليه أي أهلك ما يخصه من نفس و أهل و دار و عقار فدمر عليه أبلغ من دمره كما قيل، و ضمير « أَمْثََالُهََا » للعاقبة أو للعقوبة المدلول عليها بسابق الكلام.

و المراد بالكافرين الكافرون بالنبي ص، و المعنى: و للكافرين بك يا محمد أمثال تلك العاقبة أو العقوبة و إنما أوعدوا بأمثال العاقبة أو العقوبة و لا يحل بهم إلا مثل واحد لأنهم في معرض عقوبات كثيرة دنيوية و أخروية و إن كان لا يحل بهم إلا بعضها، و يمكن أن يراد بالكافرين مطلق الكافرين، و الجملة من باب ضرب القاعدة.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ اَلْكََافِرِينَ لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ » الإشارة بذلك إلى ما تقدم من نصر المؤمنين و مقت الكافرين و سوء عاقبتهم، و لا يصغي إلى ما قيل: إنه إشارة إلى ثبوت عاقبة أو عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء، و كذا ما قيل:

إنه إشارة إلى نصر المؤمنين، و ذلك لأن الآية متعرضة لحال الطائفتين: المؤمنين و الكفار جميعا.

و المولى‏ كأنه مصدر ميمي أريد به المعنى الوصفي فهو بمعنى الولي و لذلك يطلق على سيد العبد و مالكه لأن له ولاية التصرف في أمور عبده، و يطلق على الناصر لأنه يلي التصرف في أمر منصورة بالتقوية و التأييد و الله سبحانه مولى لأنه المالك الذي يلي أمور خلقه في صراط التكوين و يدبرها كيف يشاء، قال تعالى: «مََا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ شَفِيعٍ» : الم السجدة: 4، و قال: «وَ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ» يونس: 30، و هو تعالى مولى لأنه يلي تدبير أمور عباده في صراط السعادة فيهديهم إلى سعادتهم و الجنة و يوفقهم للصالحات و ينصرهم على أعدائهم، و المولوية بهذا المعنى الثانية تختص بالمؤمنين، لأنهم هم الداخلون في‏حظيرة العبودية المتبعون لما يريده منهم ربهم دون الكفار.

و للمؤمنين مولى و ولي هو الله سبحانه كما قال: « ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا » ، و قال: «اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا» : البقرة: 257، و أما الكفار فقد اتخذوا الأصنام أو

231

(1) -أرباب الأصنام أولياء فهم أولياؤهم على ما زعموا كما قال بالبناء على مزعمتهم بنوع من التهكم: «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ» : البقرة: 257، و نفي ولايتهم بالبناء على حقيقة الأمر فقال: « وَ أَنَّ اَلْكََافِرِينَ لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ » ثم نفى ولايتهم مطلقا تكوينا و تشريعا مطلقا فقال: «أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ» : الشورى: 9، و قال: «إِنْ هِيَ إِلاََّ أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ» : النجم: 23.

فمعنى الآية: أن نصره تعالى للمؤمنين و تثبيته أقدامهم و خذلانه الكفار و إضلاله أعمالهم و عقوبته لهم إنما ذلك بسبب أنه تعالى مولى المؤمنين و وليهم، و أن الكفار لا مولى لهم فينصرهم و يهدي أعمالهم و ينجيهم من عقوبته.

و قد تبين بما تقدم ضعف ما قيل: إن المولى في الآية بمعنى الناصر دون المالك و إلا كان منافيا لقوله تعالى: «وَ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ» : يونس: 30، و وجه الضعف ظاهر.

قوله تعالى: « إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَمََا تَأْكُلُ اَلْأَنْعََامُ وَ اَلنََّارُ مَثْوىً لَهُمْ » مقايسة بين الفريقين و بيان أثر ولاية الله للمؤمنين و عدم ولايته للكفار من حيث العاقبة و الآخرة و هي أن المؤمنين يدخلون الجنة و الكفار يقيمون في النار.

و قد أشير في الكلام إلى منشأ ما ذكر من الأثر حيث وصف كلا من الفريقين بما يناسب مآل حاله فأشار إلى صفة المؤمنين بقوله: « اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ » و إلى صفة الكفار بقوله: « يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَمََا تَأْكُلُ اَلْأَنْعََامُ » فأفاد الوصفان بما بينهما من المقابلة أن المؤمنين راشدون في حياتهم الدنيا مصيبون للحق حيث آمنوا بالله و عملوا الأعمال الصالحة فسلكوا سبيل الرشد و قاموا بوظيفة الإنسانية، و أما الكفار فلا عناية لهم بإصابة الحق و لا تعلق لقلوبهم بوظائف الإنسانية، و إنما همهم بطنهم و فرجهم يتمتعون في حياتهم الدنيا القصيرة و يأكلون كما تأكل الأنعام لا منية لهم إلا ذلك و لا غاية لهم وراءه.

فهؤلاء أي المؤمنون تحت ولاية الله حيث يسلكون مسلكا يريده منهم ربهم و يهديهم إليه و لذلك يدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، و أولئك أي الكفار ما لهم من ولي و إنما وكلوا إلى أنفسهم و لذلك كان مثواهم و مقامهم النار.

232

(1) -و إنما نسب دخول المؤمنين الجنات إلى الله نفسه دون إقامة الكفار في النار قضاء لحق الولاية المذكورة فله تعالى عناية خاصة بأوليائه، و أما المنسلخون من ولايته فلا يبالي في أي واد هلكوا.

قوله تعالى: « وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ اَلَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنََاهُمْ فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ » المراد بالقرية أهل القرية بدليل قوله بعد: « أَهْلَكْنََاهُمْ » إلخ، و القرية التي أخرجته (ص) هي مكة.

و في الآية تقوية لقلب النبي ص و تهديد لأهل مكة و تحقير لأمرهم إن الله أهلك قرى كثيرة كل منها أشد قوة من قريتهم و لا ناصر لهم ينصرهم.

قوله تعالى: « أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ » السياق الجاري على قياس حال المؤمنين بحال الكفار يدل على أن المراد بمن كان على بينة من ربه‏هم المؤمنون فالمراد بكونهم على بينة من ربهم كونهم على دلالة بينة من ربهم توجب اليقين على ما اعتقدوا عليه و هي الحجة البرهانية فهم إنما يتبعون الحجة القاطعة على ما هو الحري بالإنسان الذي من شأنه أن يستعمل العقل و يتبع الحق.

و أما الذين كفروا فقد شغفهم أعمالهم السيئة التي زينها لهم الشيطان و تعلقت بها أهواؤهم و عملوا السيئات، فكم بين الفريقين من فرق.

قوله تعالى: « مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ » إلى آخر الآية يفرق بين الفريقين ببيان مآل أمرهما و هو في الحقيقة توضيح ما مر في قوله: « إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا » إلخ من الفرق بينهما فهذه الآية في الحقيقة تفصيل تلك الآية.

فقوله: « مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ » المثل بمعنى الصفة-كما قيل-أي صفة الجنة التي وعد الله المتقين أن يدخلهم فيها، و ربما حمل المثل على معناه المعروف و استفيد منه أن الجنة أرفع و أعلى من أن يحيط بها الوصف و يحدها اللفظ و إنما تقرب إلى الأذهان نوع تقريب بأمثال مضروبة كما يلوح إليه قوله تعالى: «فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» : السجدة: 17.

و قد بدل قوله في الآية السابقة: « اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ » في هذه الآية من قوله: « اَلْمُتَّقُونَ » تبديل اللازم من الملزوم فإن تقوى الله يستلزم الإيمان به و عمل‏

233

(1) -الصالحات من الأعمال.

و قوله: « فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ » أي غير متغير بطول المقام، و قوله: « وَ أَنْهََارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ » كما في ألبان الدنيا، و قوله: « وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ » أي لذيذة للشاربين، و اللذة إما صفة مشبهة مؤنثة وصف للخمر، و إما مصدر وصفت به الخمر مبالغة، و إما بتقدير مضاف أي ذات لذة، و قوله: « وَ أَنْهََارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى » أي خالص من الشمع و الرغوة و القذى و سائر ما في عسل الدنيا من الأذى و العيوب، و قوله: « وَلَهُمْ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ » جمع للتعميم.

و قوله: « وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ » ينمحي بها عنهم كل ذنب و سيئة فلا تتكدر عيشتهم بمكدر و لا ينتغص بمنغص، و في التعبير عنه تعالى بربهم إشارة إلى غشيان الرحمة و شمول الحنان و الرأفة الإلهية.

و قوله: « كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ » قياس محذوف أحد طرفيه أي أ من يدخل الجنة التي هذا مثلها كمن هو خالد في النار و شرابهم الماء الشديد الحرارة الذي يقطع أمعاءهم و ما في جوفهم من الأحشاء إذا سقوه، و إنما يسقونه و هم مكرهون كما في قوله: « وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ » و قيل: قوله: « كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ » إلخ، بيان لقوله في الآية السابقة: « كَمَنْ زُيِّنَ » إلخ، و هو كما ترى.

بحث روائي‏

في المجمع، : في قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ » : قال أبو جعفر (ع) :

كرهوا ما أنزل الله في حق علي (ع) .

و فيه، : في قوله تعالى: « كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ » قيل: هم المنافقون: و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

أقول: و يحتمل أن تكون الروايتان من الجري.

و في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ-وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ » قال: ليس من هو في هذه الجنة الموصوفة-كمن هو في هذه النار كما أن ليس عدو الله كوليه.

234

(1) -

235

(1) -

بيان‏

الآيات جارية على السياق السابق، و فيها تعرض لحال الذين في قلوبهم مرض و المنافقين و من ارتد بعد إيمانه.

قوله تعالى: « وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قََالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ مََا ذََا قََالَ آنِفاً » إلخ، آنفا اسم فاعل منصوب على الظرفية أو لكونه مفعولا فيه، و معناه الساعة التي قبيل ساعتك، و قيل: معناه هذه الساعة و هو على أي حال مأخوذ من الأنف بمعنى الجارحة.

و قوله: « وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ » الضمير للذين كفروا، و المراد باستماعهم إلى النبي ص إصغاؤهم إلى ما يتلوه من القرآن و ما يبين لهم من أصول المعارف و شرائع الدين.

و قوله: « حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ » الضمير للموصول و جمع الضمير باعتبار المعنى كما أن إفراده في « يَسْتَمِعُ » باعتبار اللفظ.

236

(1) -و قوله: « قََالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ مََا ذََا قََالَ آنِفاً » المراد بالذين أوتوا العلم العلماء بالله من الصحابة، و الضمير في « مََا ذََا قََالَ » للنبي ص.

و الاستفهام في قولهم: « مََا ذََا قََالَ آنِفاً » قيل: للاستعلام حقيقة لأن استغراقهم في الكبر و الغرور و اتباع الأهواء ما كان يدعهم أن يفقهوا القول الحق كما قال تعالى:

«فَمََا لِهََؤُلاََءِ اَلْقَوْمِ لاََ يَكََادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» : النساء: 78، و قيل: للاستهزاء، و قيل:

للتحقير كأن القول لكونه مشحونا بالأباطيل لا يرجع إلى معنى محصل، و لكل من المعاني الثلاثة وجه.

و قوله: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ » تعريف لهم، و قوله: « وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ » تعريف بعد تعريف فهو كعطف التفسير، و يتحصل منه أن اتباع الأهواء أمارة الطبع على القلب فالقلب غير المطبوع عليه الباقي على طهارة الفطرة الأصلية لا يتوقف في فهم المعارف الدينية و الحقائق الإلهية.

قوله تعالى: « وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ » المقابلة الظاهرة بين الآية و بين الآية السابقة يعطي أن المراد بالاهتداء ما يقابل الضلال الملازم للطبع على القلب و هو التسليم لما تهدي إليه الفطرة السليمة و اتباع الحق، و زيادة هداهم من الله سبحانه رفعه تعالى درجة إيمانهم، و قد تقدم أن الهدى و الإيمان ذو مراتب مختلفة، و المراد بالتقوى ما يقابل اتباع الأهواء و هو الورع عن محارم الله و التجنب عن ارتكاب المعاصي.

و بذلك يظهر أن زيادة الهدى راجع إلى تكميلهم في ناحية العلم و إيتاء التقوى إلى تكميلهم في ناحية العمل، و يظهر أيضا بالمقابلة أن الطبع على القلوب راجع إلى فقدانهم كمال العلم و اتباع الأهواء راجع إلى فقدانهم العمل الصالح و حرمانهم منه و هذا لا ينافي ما قدمنا أن اتباع الأهواء كعطف التفسيربالنسبة إلى الطبع على القلوب.

قوله تعالى: « فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا » إلخ، النظر هو الانتظار، و الأشراط جمع شرط بمعنى العلامة، و الأصل في معناه الشرط بمعنى ما يتوقف عليه وجود الشي‏ء لأن تحققه علامة تحقق الشي‏ء فأشراط الساعة علاماتها الدالة عليها.

237

(1) -و سياق الآية سياق التهكم كأنهم واقفون موقفا عليهم إما أن يتبعوا الحق فتسعد بذلك عاقبتهم، و إما أن ينتظروا الساعة حتى إذا أيقنوا بوقوعها و أشرفوا عليها تذكروا و آمنوا و اتبعوا الحق أما اتباع الحق اليوم فلم يخضعوا له بحجة أو بموعظة أو عبرة، و أما انتظارهم مجي‏ء الساعة ليتذكروا عنده فلا ينفعهم شيئا فإنها تجي‏ء بغتة و لا تمهلهم شيئا حتى يستعدوا لها بالذكرى و إذا وقعت لم ينفعهم الذكرى لأن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل قال تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ وَ أَنََّى لَهُ اَلذِّكْرى‏ََ ` يَقُولُ يََا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيََاتِي» : الفجر: 24.

مضافا إلى أن أشراطها و علاماتها قد جاءت و تحققت، و لعل المراد بأشراطها خلق الإنسان و انقسام نوعه إلى صلحاء و مفسدين و متقين و فجار المستدعي للحكم الفصل بينهم و نزول الموت عليهم فإن ذلك كله من شرائط وقوع الواقعة و إتيان الساعة، و قيل: المراد بأشراط الساعة ظهور النبي ص و هو خاتم الأنبياء و انشقاق القمر و نزول القرآن و هو آخر الكتب السماوية.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية من المعنى و هي-كما ترى-حجة برهانية في عين أنها مسوقة سوق التهكم.

و عليه فقوله: « بَغْتَةً » حال من الإتيان جي‏ء به لبيان الواقع و ليتفرع عليه قوله الآتي: « فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ » و ليس قيدا للانتظار حتى يفيد أنهم إنما ينتظرون إتيانها بغتة، و لدفع هذا التوهم قيل: « إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً » و لم يقل: إلا أن تأتيهم الساعة بغتة.

و قوله: « فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ » أنى خبر مقدم و « ذِكْرََاهُمْ » مبتدأ مؤخر و « إِذََا جََاءَتْهُمْ » معترضة بينهما، و المعنى: فكيف يكون لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم؟أي كيف ينتفعون بالذكرى في يوم لا ينفع العمل الذي يعمل فيه و إنما هو يوم الجزاء.

و للقوم في معنى جمل الآية و معناها بالجملة أقوال مختلفة تركنا إيرادها من أرادها فليراجع كتبهم المفصلة.

قوله تعالى: « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ » إلخ، قيل: هو متفرع على جميع ما تقدم في السورة من سعادة المؤمنين و شقاوة الكفار

238

(1) -كأنه قيل: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء و شقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله سبحانه فمعنى الأمر بالعلم على هذا هو الأمر بالثبات على العلم.

و يمكن أن يكون تفريعا على ما بينه في الآيتين السابقتين أعني قوله: « وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ -إلى قوله- وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ » من أنه تعالى يطبع على قلوب المشركين و يتركهم و ذنوبهم و يعكس الأمر في الذين اهتدوا إلى توحيده و الإيمان به فكأنه قيل:

إذا كان الأمر على ذلك فاستمسك بعلمك بوحدانية الإله و اطلب مغفرة ذنبك و مغفرة أمتك من المؤمنين بك و المؤمنات حتى لا تكون ممن يطبع الله على قلبه و يحرمه التقوى بتركه و ذنوبه، و يؤيد هذا الوجه قوله في ذيل الآية: « وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْوََاكُمْ » .

فقوله: « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ » معناه على ما يؤيده السياق‏ فاستمسك بعلمك أنه لا إله إلا الله، و قوله: « وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ » تقدم الكلام في معنى الذنب المنسوب إليه (ص) و سيأتي أيضا في تفسير أول سورة الفتح إن شاء الله تعالى.

و قوله: « وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ » أمر بطلب المغفرة للأمة من المؤمنين و المؤمنات و حاشا أن يأمر تعالى بالاستغفار و لا يواجهه بالمغفرة أو بالدعاء و لا يقابله بالاستجابة.

و قوله: « وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْوََاكُمْ » تعليل لما في صدر الآية: « فَاعْلَمْ أَنَّهُ » إلخ، و الظاهر أن‏ المتقلب‏ مصدر ميمي بمعنى الانتقال من حال إلى حال، و كذلك المثوى بمعنى الاستقرار و السكون، و المراد أنه تعالى يعلم كل أحوالكم من متغير و ثابت و حركة و سكون فاثبتوا على توحيده و اطلبوا مغفرته، و احذروا أن يطبع على قلوبكم و يترككم و أهواءكم.

و قيل: المراد بالمتقلب و المثوى التصرف في الحياة الدنيا و الاستقرار في الآخرة و قيل: المتقلب هو التقلب من الأصلاب إلى الأرحام و المثوى السكون في الأرض.

و قيل: المتقلب التصرف في اليقظة و المثوى المنام، و قيل: المتقلب التصرف في المعايش و المكاسب و المثوى الاستقرار في المنازل، و ما قدمناه أظهر و أعم.

قوله تعالى: « وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لاََ نُزِّلَتْ سُورَةٌ » إلى آخر الآية، لو لا تحضيضية أي هلا أنزلت سورة يظهرون بها الرغبة في نزول سورة جديدة تأتيهم‏

239

(1) -بتكاليف جديدة يمتثلونها، و المراد بالسورة المحكمة المبينة التي لا تشابه فيها، و المراد بذكر القتال الأمر به.

و المراد بالذين في قلوبهم مرض، الضعفاء الإيمان من المؤمنين دون المنافقين فإن الآية صريحة في أن الذين أظهروا الرغبة في نزولها هم الذين آمنوا، و لا يعم الذين آمنوا للمنافقين‏ إلا على طريق المساهلة غير اللائقة بكلام الله تعالى فالآية كقوله تعالى في فريق من المؤمنين: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً» : النساء: 77.

و المغشي عليه‏ من الموت هو المحتضر، يقال: غشيه غشاوة إذا ستره و غطاه و غشي على فلان-بالبناء-للمفعول-إذا نابه ما غشي فهمه، و نظر المغشي عليه من الموت إشخاصه ببصره إليك من غير أن يطرف.

و قوله: « فَأَوْلى‏ََ لَهُمْ » لعله خبر لمبتدإ محذوف، و التقدير: أولى لهم ذلك أي حري بهم أن ينظروا كذلك أي أن يحتضروا فيموتوا، و عن الأصمعي أن قولهم:

« أَوْلى‏ََ لَكَ » كلمة تهديد معناه وليك و قارنك ما تكره، و الآية نظيرة قوله تعالى:

«أَوْلى‏ََ لَكَ فَأَوْلى‏ََ ` ثُمَّ أَوْلى‏ََ لَكَ فَأَوْلى‏ََ» : القيامة: 35.

و معنى الآية: و يقول الذين آمنوا هلا أنزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها و أمروا فيها بالقتال و الجهاد رأيت الضعفاء الإيمان منهم ينظرون إليك من شدة الخشية نظر المحتضر فأولى لهم ذلك.

قوله تعالى: « طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذََا عَزَمَ اَلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اَللََّهَ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ » عزم الأمر أي جد و تنجز.

و قوله: « طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ » كأنه خبر لمبتدإ محذوف و التقدير أمرنا-أو أمرهم و شأنهم-أي إيمانهم بنا طاعة واثقونا عليها و قول معروف غير منكر قالوا لنا و هو إظهار السمع و الطاعة كما يحكيه تعالى عنهم بقوله: «آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ -Xإلى أن قال‏X- وَ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا» : البقرة: 285.

و على هذا يتصل قوله بعده: « فَإِذََا عَزَمَ اَلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اَللََّهَ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ » بما قبله اتصالا بينا، و المعنى: أن الأمر هو ما واثقوا الله عليه من قولهم: سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا

240

(1) -فلو أنهم حين عزم الأمر صدقوا الله فيما قالوا و أطاعوه فيما يأمر به و منه أمر القتال لكان خيرا لهم.

و يحتمل أن يكون قوله: « طََاعَةٌ » إلخ، خبرا لضمير عائد إلى القتال المذكور و التقدير القتال المذكور في السورة طاعة منهم و قول معروف فلو أنهم حين عزم الأمر صدقوا الله في إيمانهم و أطاعوه به لكان خيرا لهم. أما كونه طاعة منهم فظاهر، و أما كونه قولا معروفا فلأن إيجاب القتال و الأمر بالدفاع عن المجتمع الصالح لإبطال كيد أعدائه قول معروف يعرفه العقل و العقلاء.

و قيل: إن قوله: « طََاعَةٌ » إلخ، مبتدأ الخبر و التقدير طاعة و قول معروف خير لهم و أمثل، و قيل: مبتدأ خبره « فَأَوْلى‏ََ لَهُمْ » في الآية السابقة فالآية من تمام الآية السابقة، و هو قول ردي، و أردأ منه ما قيل: إن « طََاعَةٌ » إلخ، صفة لسورة في قوله: « فَإِذََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ » و قيل غير ذلك.

قوله تعالى: « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحََامَكُمْ » الخطاب للذين في قلوبهم مرض المتثاقلين في أمر الجهاد في سبيل الله، و قد التفت إليهم بالخطاب لزيادة التوبيخ و التقريع، و الاستفهام للتقرير، و التولي الإعراض و المراد به الإعراض عن كتاب الله والعمل بما فيه و العود إلى الشرك و رفض الدين.

و المعنى: فهل يتوقع منكم أن أعرضتم عن كتاب الله و العمل بما فيه و منه الجهاد في سبيل الله أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم بسفك الدماء و نهب الأموال و هتك الأعراض تكالبا على جيفة الدنيا أي إن توليتم كان المتوقع منكم ذلك.

و قد ظهر بذلك أن الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة: « لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ » و لذا صدر بالفاء.

و قيل: المراد بالتولي التصدي للحكم و الولاية، و المعنى: هل يتوقع منكم إن جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم بسفك الدماء الحرام و أخذ الرشاء و الجور في الحكم هذا، و هو معنى بعيد عن السياق.

قوله تعالى: « أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ََ أَبْصََارَهُمْ » الإشارة إلى المفسدين في الأرض المقطعين للأرحام و قد وصفهم الله بأنه لعنهم فأصمهم و أذهب‏

241

(1) -بسمعهم فلا يسمعون القول الحق و أعمى أبصارهم فلا يرون الرأي الحق فإنها لا تعمي الأبصار و لكن تعمي القلوب التي في الصدور.

قوله تعالى: « أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا » الاستفهام للتوبيخ و ضمير الجمع راجع إلى المذكورين في الآية السابقة، و تنكير « قُلُوبٍ » كما قيل للدلالة على أن المراد قلوب هؤلاء و أمثالهم.

قال في مجمع البيان، : و في هذا دلالة على بطلان قول من قال: لا يجوز تفسير شي‏ء من ظاهر القرآن إلا بخبر و سمع. انتهى.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى‏ََ أَدْبََارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدَى اَلشَّيْطََانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ » الارتداد على الأدبار الرجوع إلى الاستدبار بعد الاستقبال و هو استعارة أريد بها الترك بعد الأخذ، و التسويل تزيين ما تحرض النفس عليه و تصوير القبيح لها في صورة الحسن، و المراد بالإملاء الأمداد أو تطويل الآمال.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قََالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ اَلْأَمْرِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِسْرََارَهُمْ » الإشارة بذلك إلى تسويل الشيطان و إملائه و بالجملة تسلطه عليهم، و المراد بـ « لِلَّذِينَ كَرِهُوا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ » هم الذين كفروا كما تقدم في قوله: «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ ` ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ» : الآية: 9 من السورة.

و قوله: « سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ اَلْأَمْرِ » مقول قولهم و وعد منهم للكفار بالطاعة و هو كما يلوح من تقييد الطاعة ببعض الأمر على نحو الإجمال كلام من لا يقدر على التظاهر بطاعة من يريد طاعته في جميع الأمور لكونه على خطر من التظاهر بالطاعة المطلقة فيسر إلى من يعده أنه سيطيعه في بعض الأمر و فيما تيسر له ذلك ثم يكتم ذلك و يقعد متربصا للدوائر.

و يستفاد من ذلك أن هؤلاء كانوا قوما من المنافقين أسروا إلى الكفار ما حكاه تعالى عنهم و وعدهم الطاعة لهم مهما تيسر لهم ذلك، و يؤيد ذلك قوله تعالى بعد:

« وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِسْرََارَهُمْ » .

و اختلفوا في هؤلاء من هم؟فقيل: هم اليهود قالوا للمنافقين: إن أعلنتم الكفر

242

(1) -نصرناكم، و قيل: هم اليهود أو اليهود و المنافقون قالوا ذلك للمشركين. و يرد على الوجهين جميعا أن موضوع الكلام في الآية المرتدون بعد إيمانهم و اليهود لم يؤمنوا حتى يرتدوا.

و قيل: هم المنافقون وعدوا اليهود النصر كما قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نََافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوََانِهِمُ‏ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاََ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ» : الحشر: 11.

و فيه أن الآية تقبل الانطباق على ذلك كما تقبل الانطباق على اليهود في وعدهم النصر للمشركين على تكلف في صدق الارتداد على كفرهم برسول الله ص بعد تبين رسالته لهم لكن لا دليل من طريق لفظ الآية على ذلك فلعلهم قوم من المنافقين غيرهم.

قوله تعالى: « فَكَيْفَ إِذََا تَوَفَّتْهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبََارَهُمْ » متفرع على ما قبله، و المعنى: هذا حالهم اليوم يرتدون بعد تبين الهدى لهم فيفعلون ما يشاءون فكيف حالهم إذا توفتهم الملائكة و هم يضربون وجوههم و أدبارهم.

قوله تعالى: « ذََلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا مََا أَسْخَطَ اَللََّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوََانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمََالَهُمْ » الظاهر أن المراد بما أسخط الله أهواء النفس و تسويلات الشيطان المستتبعة للمعاصي و الذنوب الموبقة كما قال تعالى: « وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ » ، و قال: « اَلشَّيْطََانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ » .

و السخط و الرضا من صفاته تعالى الفعلية و المراد بهما العقاب و الثواب.

و الإشارة في قوله: « ذََلِكَ » إلى ما ذكر في الآية السابقة من عذاب الملائكة لهم عند توفيهم أي سبب عقابهم أن أعمالهم حابطة لاتباعهم ما أسخط الله و كراهتهم رضوانه، و إذ لا عمل لهم صالحا يشقون بالعذاب.

قوله تعالى: « أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اَللََّهُ أَضْغََانَهُمْ » قال الراغب: الضغن‏ -بكسر الضاد-و الضغن‏ -بضمها-الحقد الشديد و جمعه أضغان انتهى. و المراد بالذين في قلوبهم مرض الضعفاء الإيمان و لعلهم الذين آمنوا أولا على ضعف في إيمانهم ثم مالوا إلى النفاق و ارتدوا بعد الإيمان، فالتدبر الدقيق في تاريخ صدر الإسلام يوضح أن قوما ممن آمن بالنبي ص كانوا على هذه الصفة كما أن قوما منهم آخرين كانوا

243

(1) -منافقين من أول يوم آمنوا إلى آخر عمرهم، و على هذا فعدهم من المؤمنين فيما تقدم بملاحظة بادئ أمرهم.

و المعنى: بل ظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله و لن يظهر أحقادهم للدين و أهله.

قوله تعالى: « وَ لَوْ نَشََاءُ لَأَرَيْنََاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمََاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ أَعْمََالَكُمْ » السيماء العلامة، و المعنى: و لو نشاء لأريناك أولئك المرضى القلوب فلعرفتهم بعلامتهم التي أعلمناهم بها.

و قوله: « وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ » قال الراغب: اللحن‏ صرف الكلام عن سننه الجاري عليه: إما بإزالة الإعراب أو التصحيف و هو المذموم، و ذلك أكثر استعمالا، و أما بإزالته عن التصريح و صرفه إلى تعريض و فحوى، و هو محمود عند أكثر الأدباء من حيث البلاغة. انتهى.

فالمعنى: و لتعرفنهم من جنس قولهم بما يشتمل عليه من الكناية و التعريض، و في جعل لحن القول ظرفا للمعرفة نوع من العناية المجازية.

و قوله: « وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ أَعْمََالَكُمْ » أي يعلم حقائقها و أنها من أي القصود و النيات صدرت فيجازي المؤمنين بصالح أعمالهم و غيرهم بغيرها، ففيه وعد للمؤمنين و وعيد لغيرهم.

قوله تعالى: « وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبََارَكُمْ » البلاء و الابتلاء الامتحان و الاختبار، و الآية بيان علة كتابة القتال على المؤمنين، و هو الاختبار الإلهي ليمتاز به المجاهدون في سبيل الله الصابرون على مشاق التكاليف الإلهية.

و قوله: « وَ نَبْلُوَا أَخْبََارَكُمْ » كان المراد بالأخبار الأعمال من حيث إنها تصدر عن العاملين فيكون إخبارا لهم يخبر بها عنهم، و اختبار الأعمال يمتاز به صالحها من طالحها كما أن اختبار النفوس يمتاز به النفوس الصالحة الخيرة و قد تقدم فيما تقدم أن المراد بالعلم الحاصل له تعالى من امتحان عباده هو ظهور حال العباد بذلك، و بنظر أدق هو علم فعلي له تعالى خارج عن الذات.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ شَاقُّوا اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ

244

(1) -مََا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدى‏ََ لَنْ يَضُرُّوا اَللََّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمََالَهُمْ » المراد بهؤلاء رؤساء الضلال من كفار مكة و من يلحق بهم لأنهم الذين صدوا عن سبيل الله و شاقوا الرسول و عادوه أشد المعاداة بعد ما تبين لهم الهدى.

و قوله: « لَنْ يَضُرُّوا اَللََّهَ شَيْئاً » لأن كيد الإنسان و مكره لا يرجع إلا إلى نفسه و لا يضر إلا إياه و قوله: « وَ سَيُحْبِطُ أَعْمََالَهُمْ » أي مساعيهم لهدم أساس الدين و ما عملوه لإطفاء نور الله، و قيل: المراد إحباط أعمالهم و إبطالها فلا يثابون في الآخرة على شي‏ء من أعمالهم، و المعنى الأول أنسب للسياق لأن فيه تحريض المؤمنين و تشجيعهم على قتال المشركين و تطييب نفوسهم أنهم هم الغالبون كما تفيده الآيات التالية.

بحث روائي‏

في المجمع، : في قوله تعالى: « وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ » إلخ: ، عن الأصبغ بن نباتة عن علي (ع) قال: إنا كنا عند رسول الله ص فيخبرنا بالوحي-فأعيه أنا و من يعيه فإذا خرجنا قالوا: ما ذا قال آنفا.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي عن أنس قال*: قال رسول الله ص: بعثت أنا و الساعة كهاتين، و أشار بالسبابة و الوسطى. :

أقول: و روي هذا اللفظ عنه (ص) بطرق أخرى عن أبي هريرة و سهل بن مسعود .

و فيه، أخرج ابن أبي شيبة و البخاري و مسلم و ابن ماجة و ابن مردويه عن أبي هريرة قال*: كان رسول الله ص يوما بارزا للناس-فأتاه رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل-و لكن سأحدثك عن أشراطها.

إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، و إذا كانت الحفاة العراة رعاء الشاء رءوس الناس-فذاك من أشراطها، و إذا تطاول رعاء الغنم في البنيان-فذاك من أشراطها.

و في العلل، بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي ص في حديث طويل *يقول فيه لعبد الله بن سلام و قد سأله عن مسائل: أما أشراط الساعة-فنارتحشر الناس من المشرق إلى المغرب.

245

(1) -أقول: و لعل المراد به غير ظاهرة، و الأخبار في أشراط الساعة من طرق الشيعة و أهل السنة فوق حد الإحصاء، و قد مرت في آخر الجزء الخامس من الكتاب رواية سلمان عن النبي ص و رواية حمران عن الصادق (ع) و هما روايتان جامعتان في الباب.

و في المجمع، قد صح الحديث بالإسناد عن حذيفة بن اليمان قال: كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي-فقلت: يا رسول الله إني لأخشى-أن يدخلني لساني النار-فقال رسول الله ص: فأين أنت من الاستغفار؟إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و ابن أبي شيبة و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن حبان و ابن مردويه عن الأغر المزني قال*: قال رسول الله ص: إنه ليغان على قلبي، و إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة.

و فيه، : في قوله تعالى: « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ » الآية: أخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ص: إن الرحم معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول:

اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني.

أقول: و الروايات فيها و في صلتها و قطعها كثيرة، و قد مر شطر منها في تفسير أول سورة النساء.

و في المجمع، : في قوله تعالى: « أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ » الآية-أ فلا يتدبرون القرآن فيقضوا ما عليهم من الحق: عن أبي عبد الله و أبي الحسن (ع) .

و في التوحيد، بإسناده إلى محمد بن عمارة قال: سألت الصادق جعفر بن محمد (ع) فقلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عن الله عز و جل-هل له رضى و سخط؟قال: نعم- و ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين-و لكن غضب الله عقابه و رضاه ثوابه.

و في المجمع، ": في قوله تعالى: « وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ » الآية": ، عن أبي سعيد الخدري قال": لحن القول بغضهم علي بن أبي طالب. قال: كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ص-ببغضهم علي بن أبي طالب. ":

قال في المجمع، : و روي مثل ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

و قال: و عن عبادة بن الصامت قال": كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب- فإذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة.

246

(1) -و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال": ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ص-إلا ببغض علي بن أبي طالب.

و في أمالي الطوسي، بإسناده إلى علي (ع) أنه قال: قلت أربعا أنزل الله تعالى تصديقي بها في كتابه، قلت: المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلم ظهر، فأنزل الله:

« وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ » .

بيان‏

لما وصف حال الكفار و أضاف إليه وصف حال الذين في قلوبهم مرض و تثاقلهم في أمر القتال و حال من ارتد منهم بعد، رجع يحذر المؤمنين أن يكونوا أمثالهم‏

247

(1) -فيفاوضوا المشركين و يميلوا إليهم فيتبعوا ما أسخط الله و يكرهوا رضوانه فيبطل أعمالهم بالحبط، و في الآيات موعظة لهم بالترغيب و الترهيب و التطميع و التخويف، و بذلك تختتم السورة.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاََ تُبْطِلُوا أَعْمََالَكُمْ » الآية و إن كانت في نفسها مستقلة في مدلولها مطلقة في معناها حتى استدل الفقهاء بقوله فيها: « وَ لاََ تُبْطِلُوا أَعْمََالَكُمْ » على حرمة إبطال الصلاة بعد الشروع فيها لكنها من حيث وقوعها في سياق الآيات السابقة المتعرضة لأمر القتال، و كذا الآيات اللاحقة الجارية على السياق و خاصة ما في ظاهر قوله: « إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا » إلخ، من التعليل و ما في قوله: « فَلاََ تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى اَلسَّلْمِ » إلخ، من التفريع، و بالجملة الآية بالنظر إلى سياقها تدل على إيجاب طاعة الله سبحانه فيما أنزل من الكتاب و شرع من الحكم و إيجاب طاعة الرسول فيما بلغ عن الله سبحانه، و فيما يصدر من الأمر من حيث ولايته على المؤمنين في المجتمع الديني، و على تحذير المؤمنين من إبطال أعمالهم بفعل ما يوجب حبط أعمالهم كما ابتلي به أولئك الضعفاء الإيمان المائلون إلى النفاق‏ الذين انجر أمر بعضهم أن ارتدوا بعد ما تبين لهم الهدى.

فالمراد بحسب المورد من طاعة الله طاعته فيما شرع و أنزل من حكم القتال، و من طاعة الرسول طاعته فيما بلغ منه و فيما أمر به منه و من مقدماته بما له من الولاية فيه و بإبطال الأعمال التخلف عن حكم القتال كما تخلف المنافقون و أهل الردة.

و قيل: المراد بإبطال الأعمال إحباطها بمنهم على الله و رسوله بإيمانهم كما في قوله تعالى: « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا » ، و قيل. : إبطالها بالرياء و السمعة، و قيل:

بالعجب، و قيل: بالكفر و النفاق، و قيل: المراد إبطال الصدقات بالمن و الأذى كما قال: «لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ» : البقرة: 264، و قيل: إبطالها بالمعاصي، و قيل: بخصوص الكبائر.

و يرد على هذه الأقوال جميعا أن كل واحد منها على تقدير صحته و تسليمه مصداق من مصاديق الآية مع الغض من وقوعها في السياق الذي تقدمت الإشارة إليه، و أما من حيث وقوعها في السياق فلا تشمل إلا القتال كما مر.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ ثُمَّ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ فَلَنْ‏

248

(1) -يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ » ظاهر السياق أنه تعليل لمضمون الآية السابقة فيفيد أنكم لو لم تطيعوا الله و رسوله و أبطلتم أعمالكم باتباع ما أسخط الله و كراهة رضوانه أداكم ذلك إلى اللحوق بأهل الكفر و الصد و لا مغفرة لهم بعد موتهم كذلك أبدا.

و المراد بالصد عن سبيل الله الإعراض عن الإيمان أو منع الناس أن يؤمنوا.

قوله تعالى: « فَلاََ تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى اَلسَّلْمِ وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ وَ اَللََّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمََالَكُمْ » تفريع على ما تقدم، و قوله: « فَلاََ تَهِنُوا » من‏ الوهن‏ بمعنى الضعف و الفتور، و قوله: « وَ تَدْعُوا إِلَى اَلسَّلْمِ » معطوف على « تَهِنُوا » واقع في حيز النهي أي و لا تدعوا إلى السلم، و السلم‏ -بفتح السين-الصلح، و قوله: « وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ » جملة حالية أي لا تفعلوا الصلح، و قوله: « وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ » جملة حالية أي لا تفعلوا ذلك و الحال أنكم الغالبون، و المراد بالعلو الغلبة و هي استعارة مشهورة.

و قوله: « وَ اَللََّهُ مَعَكُمْ » معطوف على « وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ » يبين سبب علوهم و يعلله فالمراد بمعيته تعالى لهم معية النصر دون المعية القيومية التي يشير إليها قوله تعالى:

«وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ» : الحديد: 4.

و قوله: « وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمََالَكُمْ » قال في المجمع: يقال: وتره‏ يتره وترا إذا نقصه و منه الحديث‏ (1) فكأنه وتر أهله و ماله، و أصله القطع و منه الترة القطع بالقتل و منه الوتر المنقطع بانفراده عن غيره. انتهى.

فالمعنى: لن ينقصكم أعمالكم أي يوفي أجرها تاما كاملا، و قيل: المعنى: لن يضيع أعمالكم، و قيل: لن يظلمكم، و المعاني متقاربة.

و معنى الآية: إذا كانت سبيل عدم طاعة الله و رسوله و إبطال أعمالكم هذه السبيل و كان مؤديا إلى الحرمان من مغفرة الله أبدا فلا تضعفوا و لا تفتروا في أمر القتال و لا تدعوا المشركين إلى الصلح و ترك القتال و الحال أنكم أنتم الغالبون و الله ناصركم عليهم و لن ينقصكم شيئا من أجوركم‏ بل يوفيكموها تامة كاملة.

____________

(1) و هو ما عن النبي صلى الله عليه و آله: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله و ماله» عن الجوامع.

249

(1) -و في الآية وعد المؤمنين بالغلبة و الظفر إن أطاعوا الله و رسوله فهي كقوله: «وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» : آل عمران: 139.

قوله تعالى: « إِنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لاََ يَسْئَلْكُمْ أَمْوََالَكُمْ » ترغيب لهم في الآخرة و تزهيد لهم عن الدنيا ببيان حقيقتها و هي أنها لعب و لهو-و قد مر معنى كونها لعبا و لهوا-.

و قوله: « وَ إِنْ تُؤْمِنُوا » إلخ، أي أن تؤمنوا و تتقوا بطاعته و طاعة رسوله يؤتكم أجوركم و لا يسألكم أموالكم بإزاء ما أعطاكم و ظاهر السياق أن المراد بالأموال جميع أموالهم و يؤيده أيضا الآية التالية.

قوله تعالى: « إِنْ يَسْئَلْكُمُوهََا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغََانَكُمْ » الإحفاء الإجهاد و تحميل المشقة، و المراد بالبخل-كما قيل-الكف عن الإعطاء، و الأضغان الأحقاد.

و المعنى: أن يسألكم جميع أموالكم فيجهدكم بطلب كلها كففتم عن الإعطاء لحبكم لها و يخرج أحقاد قلوبكم فضللتم.

قوله تعالى: « هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ » إلى آخر الآية بمنزلة الاستشهاد في بيان الآية السابقة كأنه قيل: إنه إن يسأل الجميع فيحفكم تبخلوا و يشهد بذلك أنكم أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله-و هو بعض أموالكم-فبعضكم يبخل فيظهر به أنه لو سأل الجميع جميعكم بخلتم.

و قوله: « وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمََا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ » أي يمنع الخير عن نفسه فإن الله لا يسأل ما لهم لينتفع هو به بل لينتفع به المنفقون فيما فيه خير دنياهم و آخرتهم فامتناعهم عن إنفاقه امتناع منهم عن خير أنفسهم، و إليه يشير قوله بعده: « وَ اَللََّهُ اَلْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ » و القصران للقلب أي الله هو الغني دونكم و أنتم الفقراء دون الله.

و قوله: « وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ » قيل: عطف على قوله: « وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا » و المعنى: إن تؤمنوا و تتقوا يؤتكم أجوركم و إن تتلوا و تعرضوا يستبدل قوما غيركم بأن يوفقهم للإيمان دونكم ثم لا يكونوا أمثالكم بل يؤمنون و يتقون و ينفقون في سبيل الله.

250

(1) -

بحث روائي‏

في ثواب الأعمال، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله ص: من قال:

سبحان الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، و من قال: الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة، و من قال: لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، و من قال: الله أكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة.

فقال رجل من قريش: يا رسول الله-إن شجرنا في الجنة لكثير. قال: نعم و لكن إياكم أن ترسلوا عليها نارا فتحرقوها، و ذلك أن الله عز و جل يقول: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ-وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاََ تُبْطِلُوا أَعْمََالَكُمْ » .

و في تفسير القمي، : « وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهََا » قال: هي منسوخة بقوله: « فَلاََ تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى اَلسَّلْمِ-وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ وَ اَللََّهُ مَعَكُمْ » .

و في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و الترمذي و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني في الأوسط و البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال*: تلا رسول الله هذه الآية: « وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ-ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ » فقالوا: يا رسول الله-من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا؟فضرب رسول الله ص على منكب سلمان-ثم قال: هذا و قومه، و الذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا- لتناوله رجال من فارس.

أقول: و روي بطرق أخر عن أبي هريرة: مثله. و كذا عن ابن مردويه عن جابر: مثله .

و في المجمع، و روى أبو بصير عن أبي جعفر (ع) قال: « إِنْ تَتَوَلَّوْا » يا معشر العرب « يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ » يعني الموالي.

و فيه، عن أبي عبد الله (ع) قال: قد و الله أبدل خيرا منهم الموالي.

251

(1) -

(48) سورة الفتح مدنية و هي تسع و عشرون آية (29)

بيان‏

مضامين آيات السورة بفصولها المختلفة ظاهرة الانطباق على قصة صلح الحديبية الواقعة في السنة السادسة من الهجرة و ما وقع حولها من الوقائع كقصة تخلف الأعراب‏

252

(1) -و صد المشركين، و بيعة الشجرة على ما تفصله الآثار و سيجي‏ء شطر منها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

فغرض السورة بيان ما امتن الله تعالى على رسوله ص بما رزقه من الفتح المبين في هذه السفرة، و على المؤمنين ممن معه، و مدحهم البالغ، و الوعد الجميل للذين آمنوا منهم و عملوا الصالحات، و السورة مدنية.

قوله تعالى: « إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً » كلام واقع موقع الامتنان، و تأكيد الجملة بإن و نسبة الفتح إلى نون العظمة و توصيفه بالمبين كل ذلك للاعتناء بشأن الفتح الذي يمتن به.

و المراد بهذا الفتح على ما تؤيده قرائن الكلام هو ما رزق الله نبيه ص من الفتح في صلح الحديبية.

و ذلك أن ما سيأتي في آيات السورة من الامتنان على النبي ص و المؤمنين، و مدحهم و الرضا عن بيعتهم و وعدهم الجميل في الدنيا بمغانم عاجلة و آجلة و في الآخرة بالجنة و ذم المخلفين من الأعراب إذ استنفرهم رسول الله ص فلم يخرجوا معه، و ذم المشركين في صدهم النبي ص و من معه، و ذم المنافقين، و تصديقه تعالى رؤيا نبيه ص، و قوله: « فَعَلِمَ مََا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذََلِكَ فَتْحاً قَرِيباً » -و كاد يكون صريحا-كل ذلك معان مرتبطة بخروجه (ص) إلى مكة للحج و انتهاء ذلك إلى صلح الحديبية.

و أما كون هذا الصلح فتحا مبينا رزقه الله نبيه ص فظاهر بالتدبر في لحن آيات السورة في هذه القصة فقد كان خروج النبي و المؤمنين إلى هذه البغية خروجا على خطر عظيم لا يرجى معه رجوعهم إلى المدينة عادة كما يشير إليه قوله تعالى: « بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ََ أَهْلِيهِمْ أَبَداً » و المشركون من صناديد قريش و من يتبعهم على ما لهم من الشوكة و القوة و العداوة مع النبي ص و المؤمنين لم يتوسط بينهم منذ سنين إلا السيف و لم يجمعهم جامع غير معركة القتال كغزوة بدر و أحد و الأحزاب، و لم يخرج مع النبي ص إلا شرذمة قليلون-ألف و أربعمائة-لا قدر لهم عند جموع المشركين و هم في عقر دارهم.

لكن الله سبحانه قلب الأمر للنبي ص و المؤمنين على المشركين فرضوا بما لم‏

253

(1) -يكن مطموعا فيه متوقعا منهم فسألوا النبي ص أن يصالحهم على ترك القتال عشر سنين، و على تأمين كل من القبيلين أتباع الآخر و من لحق به، و على أن يرجع النبي ص إلى المدينة عامة هذا ثم يقدم إلى مكة العام القابل فيخلوا له المسجد و الكعبة ثلاثة أيام.

و هذا من أوضح الفتح رزقه الله نبيه ص و كان من أمس الأسباب بفتح مكة سنة ثمان من الهجرة فقد آمن جمع كثير من المشركين في السنتين بين الصلح و فتح مكة، و فتح في أوائل سنة سبع خيبر و ما والاه و قوي به المسلمون و اتسع الإسلام اتساعا بينا و كثر جمعهم و انتشر صيتهم و أشغلوا بلادا كثيرة، و خرج النبي ص لفتح مكة في عشرة آلاف أو في اثني عشر ألفا، و قد كان خرج إلى حديبية في ألف و أربعمائة على ما تفصله الآثار.

و قيل: المراد بالفتح فتح مكة فالمراد بقوله: « إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ » إنا قضينا لك فتح مكة، و فيه أن القرائن لا تساعده.

و قيل: المراد به فتح خيبر، و معناه-على تقدير نزول السورة عند مرجع النبي ص من الحديبية إلى المدينة-أنا قضينا لك فتح خيبر، و حال هذا القول أيضا كسابقه.

و قيل: المراد به الفتح المعنوي و هو الظفر على الأعداء بالحجج البينة و المعجزات الباهرة التي غلب بها كلمة الحق على الباطل و ظهر الإسلام على الدين كله، و هذا الوجه و إن كان في نفسه لا بأس به لكن سياق الآيات لا يلائمه.

}قوله تعالى: « لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً ` وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ نَصْراً عَزِيزاً » اللام في قوله: « لِيَغْفِرَ » للتعليل على ما هو ظاهر اللفظ فظاهره أن الغرض من هذا الفتح المبين هو مغفرة ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، و من المعلوم أن لا رابطة بين الفتح و بين مغفرة الذنب و لا معنى معقولا لتعليله بالمغفرة.

و قول بعضهم فرارا عن الإشكال: أن اللام المكسورة في « لِيَغْفِرَ » لام القسم و الأصل ليغفرن حذفت نون التوكيد و بقي ما قبلها مفتوحا للدلالة على المحذوف غلط لا شاهد عليه من الاستعمال.

254

(1) -و كذا قول بعض آخر فرارا عن الإشكال: «أن العلة هو مجموع المغفرة و ما عطف عليه من إتمام النعمة و الهداية و النصر العزيز من حيث المجموع فلا ينافي عدم كون البعض أي مغفرة الذنب في نفسه علة للفتح» كلام سخيف لا يغني طائلا فإن مغفرة الذنب لا هي علة أو جزء علة للفتح و لا مرتبطة نوع ارتباط بما عطف عليها حتى يوجه دخولها في ضمن علله فلا مصحح لذكرها وحدها و لا مع العلل و في ضمنها.

و بالجملة هذا الإشكال نعم الشاهد على أن ليس المراد بالذنب في الآية هو الذنب المعروف و هو مخالفة التكليف المولوي، و لا المراد بالمغفرة معناها المعروف و هو ترك العقاب على المخالفة المذكورة فالذنب في اللغة على ما يستفاد من موارد استعمالاته هو العمل الذي له تبعة سيئة كيفما كان، و المغفرة هي الستر على الشي‏ء، و أما المعنيان المذكوران المتبادران من لفظي الذنب و المغفرة إلى أذهاننا اليوم أعني مخالفة الأمر المولوي المستتبع للعقاب و ترك العقاب عليها فإنما لزماهما بحسب عرف المتشرعين.

و قيام النبي ص بالدعوة و نهضته على الكفر و الوثنية فيما تقدم على الهجرة و إدامته ذلك و ما وقع له من الحروب و المغازي مع الكفار و المشركين فيما تأخر عن الهجرة كان عملا منه (ص) ذا تبعة سيئة عند الكفار و المشركين و ما كانوا ليغفروا له ذلك ما كانت لهم شوكة و مقدرة، و ما كانوا لينسوا زهوق ملتهم و انهدام سنتهم و طريقتهم، و لا ثارات من قتل من صناديدهم دون أن يشفوا غليل صدورهم بالانتقام منه و إمحاء اسمه و إعفاء رسمه غير أن الله سبحانه رزقه (ص) هذا الفتح و هو فتح مكة أو فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة فذهب بشوكتهم و أخمد نارهم فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه (ص) من الذنب و آمنه منهم.

فالمراد بالذنب-و الله أعلم-التبعة السيئة التي لدعوته (ص) عند الكفار و المشركين و هو ذنب لهم عليه كما في قول موسى لربه: «وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخََافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» : الشعراء: 14، و ما تقدم من ذنبه هو ما كان منه (ص) بمكة قبل الهجرة، و ما تأخر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجرة، و مغفرته تعالى لذنبه هي سترة عليه بإبطال تبعته بإذهاب شوكتهم و هدم بنيتهم، و يؤيد ذلك ما يتلوه من قوله: « وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ -إلى أن قال- وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ نَصْراً عَزِيزاً » .

و للمفسرين في الآية مذاهب مختلفة أخر: