الميزان في تفسير القرآن - ج18

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
391 /
305

(1) -

بيان‏

تتضمن السورة مسائل من شرائع الدين بها تتم الحياة السعيدة للفرد و يستقر النظام الصالح الطيب في المجتمع منها ما هو أدب جميل للعبد مع الله سبحانه و مع رسوله كما في الآيات الخمس في مفتتح السورة، و منها ما يتعلق بالإنسان مع أمثاله من حيث وقوعهم في المجتمع الحيوي، و منها ما يتعلق بتفاضل الأفراد و هو من أهم ما ينتظم به الاجتماع المدني و يهدي الإنسان إلى الحياة السعيدة و العيش الطيب الهني‏ء و يتميز به دين الحق من غيره من السنن الاجتماعية القانونية و غيرها و تختتم السورة بالإشارة إلى حقيقة الإيمان و الإسلام و امتنانه تعالى بما يفيضه من نور الإيمان.

و السورة مدنية بشهادة مضامين آياتها سوى ما قيل في قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ » الآية و سيجي‏ء.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » بين يدي الشي‏ء أمامه و هو استعمال شائع مجازي أو استعاري و إضافته إلى الله و رسوله معا لا إلى الرسول دليل على أنه أمر مشترك بينه تعالى و بين رسوله و هو مقام الحكم الذي يختص بالله سبحانه و برسوله بإذنه كما قال تعالى: «إِنِ‏

306

(1) -اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ» : يوسف: 40، و قال: «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ بِإِذْنِ اَللََّهِ» النساء: 64.

و من الشاهد على ذلك تصدير النهي بقوله: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا » و تذييله بقوله: « وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » الظاهر في أن المراد بما بين يدي الله و رسوله هو المقام الذي يربط المؤمنين المتقين بالله و رسوله و هو مقام الحكم الذي يأخذون منه أحكامهم الاعتقادية و العملية.

و بذلك يظهر أن المراد بقوله: « لاََ تُقَدِّمُوا » تقديم شي‏ء ما من الحكم قبال حكم الله و رسوله إما بالاستباق إلى قول قبل أن يأخذوا القول فيه من الله و رسوله أو إلى فعل قبل أن يتلقوا الأمر به من الله و رسوله لكن تذييله تعالى النهي بقوله: « إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » يناسب تقديم القول دون تقديم الفعل و دون الأعم الشامل للقول و الفعل و إلا لقيل: إن الله سميع بصير ليحاذي بالسميع القول و بالبصير الفعل كما يأتي تعالى في كثير من موارد الفعل بمثل قوله: «وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» : الحديد: 4، فمحصل المعنى: أن لا تحكموا فيما لله و لرسوله فيه حكم إلا بعد حكم الله و رسوله أي لا تحكموا إلا بحكم الله و رسوله و لتكن عليكم سمة الاتباع و الاقتفاء.

لكن بالنظر إلى أن كل فعل و ترك من الإنسان لا يخلو من حكم له فيه و كذلك العزم و الإرادة إلى فعل أو ترك يدخل الأفعال و التروك و كذا إرادتها و العزم عليها في حكم الاتباع، و يفيد النهي عن التقديم بين يدي الله و رسوله النهي عن المبادرة و الإقدام إلى قول لم يسمع من الله و رسوله، و إلى فعل أو ترك أو عزم و إرادة بالنسبة إلى شي‏ء منهما قبل تلقي الحكم من الله و رسوله فتكون الآية قريبة المعنى من قوله تعالى في صفة الملائكة: «بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ ` لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» : الأنبياء: 27.

و هذا الاتباع المندوب إليه بقوله: « لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ » هو الدخول في ولاية الله و الوقوف في موقف العبودية و السير في مسيرها بجعل العبد مشيته تابعة لمشية الله في مرحلة التشريع كما أنها تابعة لها في مرحلة التكوين قال تعالى: «وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ» : الإنسان: 30، و قال: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ» : آل عمران:

68، و قال: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ» : الجاثية: 19.

و للقوم في قوله تعالى: « لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ » وجوه‏

307

(1) -منها: أن التقديم بمعنى التقدم فهو لازم و معنى « لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ » لا تعجلوا بالأمر و النهي دون الله و رسوله و لا تقطعوا بالأمر و النهي دون الله و رسوله، و ربما قيل: إن التقديم في الآية بمعناه المعروف لكنه مستعمل بالإعراض عن متعلقاته كقوله: «يُحْيِي وَ يُمِيتُ» : الحديد: 2، فيئول المعنى إلى مجرد كون شي‏ء قدام شي‏ء فيرجع إلى معنى التقدم.

و اللفظ مطلق يشمل التقدم في قول أو فعل حتى التقدم على النبي ص في المشية و الجلسة، و التقدم بالطاعات الموقتة قبل وقتها و غير ذلك.

و منها: أن المراد النهي عن التكلم قبل رسول الله ص أي إذا كنتم في مجلسه و سئل عن شي‏ء فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب هو أولا.

و منها: أن المعنى: لا تسبقوه بقول أو فعل حتى يأمركم به.

و منها: أن المعنى: لا تقدموا أقوالكم و أفعالكم على قول النبي ص و فعله و لا تمكنوا أحدا يمشي أمامه.

و الظاهر أن تفسير « لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ » بالنهي عن التقديم بين يدي رسول‏ الله ص فقط في هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة مبني على حملهم ذكر الله تعالى مع رسوله في الآية على نوع من التشريف كقوله: أعجبني زيد و كرمه فيكون ذكره تعالى للإشارة إلى أن السبقة على النبي ص على أي حال في معنى السبقة على الله سبحانه.

و لعل التأمل فيما قدمناه من الوجه يكفيك في المنع عن المصير إلى شي‏ء من هذه الوجوه.

و قوله: « وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » أمر بالتقوى في موقف الاتباع و العبودية و لا ظرف للإنسان إلا ظرف العبودية و لذلك أطلق التقوى.

و في قوله: « إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » تعليل للنهي و التقوى فيه أي اتقوه بالانتهاء عن هذا النهي فلا تقدموا قولا بلسانكم و لا في سركم لأن الله سميع يسمع أقوالكم عليم يعلم ظاهركم و باطنكم و علانيتكم و سركم.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ » إلخ، و ذلك بأن تكون أصواتهم عند مخاطبته و تكليمه (ص) أرفع من صوته و أجهر لأن في‏

308

(1) -ذلك كما قيل أحد شيئين: إما نوع استخفاف به و هو الكفر، و إما إساءة الأدب بالنسبة إلى مقامه و هو خلاف التعظيم و التوقير المأمور به.

و قوله: « وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ » فإن من التعظيم عند التخاطب أن يكون صوت المتكلم أخفض من صوت مخاطبه فمطلق الجهر بالخطاب فاقد لمعنى التعظيم فخطاب العظماء بالجهر فيه كخطاب عامة الناس لا يخلو من إساءة الأدب و الوقاحة.

و قوله: « أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » أي لئلا تحبط أو كراهة أن تحبط أعمالكم، و هو متعلق بالنهيين جميعا أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت فوق صوته و الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض لئلا تبطل أعمالكم بذلك من حيث لا تشعرون فإن فيهما الحبط، و قد تقدم القول في الحبط في الجزء الثاني من الكتاب.

و جوز بعضهم كون « أَنْ تَحْبَطَ » إلخ، تعليلا للمنهي عنه و هو الرفع و الجهر، و المعنى: فعلكم ذلك لأجل الحبوط منهي عنه، و الفرق بين تعليله للنهي و تعليله للمنهي عنه أن الفعل المنهي عنه معلل على الأول و الفعل المعلل منهي عنه على الثاني، و فيه تكلف ظاهر.

و ظاهر الآية أن رفع الصوت فوق صوت النبي ص و الجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط فيكون من المعاصي غير الكفر ما يوجب الحبط.

و قد توجه الآية بأن المراد بالحبط فقدان نفس العمل للثواب لا إبطال العمل ثواب سائر الأعمال كما في الكفر، قال في مجمع البيان، : و قال أصحابنا: أن المعنى في قوله:

« أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ » إنه ينحبط ثواب ذلك العمل لأنهم لو أوقعوه على وجه تعظيم النبي ص و توقيره لاستحقوا الثواب فلما أوقعوه على خلاف ذلك الوجه استحقوا العقاب و فاتهم ذلك الثواب فانحبط عملهم فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية.

و لأنه تعالى علق الإحباط في هذه الآية بنفس العمل و هم يعلقونه بالمستحق على العمل و ذلك خلاف الظاهر. انتهى.

و فيه أن الحبط المتعلق بالكفر الذي لا ريب‏في تعلقه بثواب الأعمال أيضا متعلق في كلامه بنفس الأعمال كما في هذه الآية فلتحمل هذه على ما حملت عليه ذلك من غير فرق، و كونه خلاف الظاهر ممنوع فإن بطلان العمل بطلان أثره المترتب عليه.

309

(1) -و قد توجه الآية أيضا بالبناء على اختصاص الحبط بالكفر بأن رفع الصوت فوق صوت النبي ص و الجهر له بالقول ليسا بمحبطين من حيث أنفسهما بل من حيث أدائهما أحيانا إلى إيذائه (ص) و إيذاؤه كفر و الكفر محبط للعمل.

قال بعضهم: المراد في الآية النهي عن رفع الصوت مطلقا و معلوم أن ملاكه التحذر مما يتوقع فيه من إيذاء النبي ص الذي هو كفر محبط للعمل بالاتفاق. فورد النهي عما هو مظنة أذاه-سواء وجد هذا المعنى أو لا-حماية للحومة و حسما للمادة.

ثم لما كان هذا المنهي عنه منقسما إلى ما يبلغ حد الكفر و هو المؤذي له عليه الصلاة و السلام و إلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ، و لا دليل يميز أحد القسمين من الآخر و لو فرض وجوده لم يلتفت إليه في كثير من الأحيان، لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا مخافة أن يقع فيما هو محبط للعمل و هو البالغ حد الأذى.

و إلى التباس أحد القسمين بالآخر الإشارة بقوله تعالى: « أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » و إلا فلو كان رفع الصوت و الجهر بالقول منهيا عنهما مطلقا سواء بلغا حد الأذى أو لم يبلغا لم يكن موقع لقوله تعالى: « وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصوت أو الجهر بالقول بالغا حد الأذى فيكون كفرا محبطا قطعا أو غير بالغ فيكون أيضا ذنبا محبطا قطعا فالإحباط محقق على أي تقدير فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقا للعلم به بعد النهي. انتهى ملخصا.

و فيه أن ظهور قوله: « لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ » في النهي النفسي دون النهي المقدمي أخذا بالاحتياط مما لا ريب فيه لكن كلا من الفعلين مما يدرك كونه عملا سيئا عقلا قبل ورود النهي الشرعي عنه كالافتراء و الإفك، و كان الذين يأتون بهما المؤمنين كما صدر النهي بقوله: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا » و هم و إن أمكن أن يسامحوا في بعض السيئات بحسبانه هينا لكنهم لا يرضون ببطلان إيمانهم و أعمالهم الصالحة من أصله.

فنبه سبحانه بقوله: « أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » على أنكم لا تشعرون بما لذلك من الأثر الهائل العظيم فإنما هو إحباط الأعمال فلا تقربوا شيئا منهما أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون.

310

(1) -فقوله: « وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » ناظر إلى حالهم قبل النهي حيث كانوا يشعرون بكون الفعل سيئة لكنهم ما كانوا يعلمون بعظمة مساءته لهذا الحد، و أما بعد صدور البيان الإلهي فهم شاعرون بالإحباط.

فالآية من وجه نظيره قوله تعالى في آيات الإفك: «وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اَللََّهِ عَظِيمٌ» : النور: 15، و قوله في آيات القيامة: «وَ بَدََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مََا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» : الزمر: 47.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوََاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اَللََّهِ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ََ » إلخ، غض الصوت خلاف رفعه، و معنى الامتحان الابتلاء و الاختبار و إنما يكون لتحصيل العلم بحال الشي‏ء المجهول قبل ذلك، و إذ يستحيل ذلك في حقه تعالى فالمراد به هنا التمرين و التعويد-كما قيل-أو حمل المحنة و المشقة على القلب ليعتاد بالتقوى.

و الآية مسوقة للوعد الجميل على غض الصوت عند رسول الله ص بعد توصيفهم بأن قلوبهم ممتحنة للتقوى و الذي امتحنهم لذلك هو الله سبحانه، و فيه تأكيد و تقوية لمضمون الآية السابقة و تشويق للانتهاء بما فيها من النهي.

و في التعبير عنه (ص) في هذه الآية برسول الله بعد التعبير عنه في الآية السابقة بالنبي إشارة إلى ملاك الحكم فإن الرسول بما هو رسول ليس له من الأمر شي‏ء فما له فلمرسله، و تعظيمه و توقيره تعظيم لمرسله و توقير له فغض الصوت عند رسول الله تعظيم و تكبير لله سبحانه، و المداومة و الاستمرار على ذلك-كما يستفاد من قوله: « يَغُضُّونَ » المفيد للاستمرار-كاشف عن تخلقهم بالتقوى و امتحانه تعالى قلوبهم للتقوى.

و قوله: « لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ » وعد جميل لهم بإزاء ما في قلوبهم من تقوى الله، و العاقبة للتقوى.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ » سياق الآية يؤدي أنه واقع و أنهم كانوا قوما من الجفاة ينادونه (ص) من وراء حجرات بيته من غير رعاية لمقتضى الأدب و واجب التعظيم و التوقير فذمهم الله سبحانه حيث وصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون كالبهائم من الحيوان.

311

(1) -}قوله تعالى: « وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتََّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » أي و لو أنهم صبروا عن ندائك فلم ينادوك حتى تخرج إليهم لكان خيرا لما فيه من حسن الأدب و رعاية التعظيم و التوقير لمقام الرسالة، و كان ذلك مقربا لهم إلى مغفرة الله و رحمته لأنه غفور رحيم.

فقوله: « وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » كالناظر إلى ما ذكر من الصبر و يمكن أن يكون ناظرا إلى كون أكثرهم لا يعقلون و المعنى: أن ما صدر عنهم من الجهالة و سوء الأدب معفو عنه لأنه لم يكن عن تعقل و فهم منهم بل عن قصور في ذلك و الله غفور رحيم.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » إلخ، الفاسق‏ -كما قيل-الخارج عن الطاعة إلى المعصية، و النبأ الخبر العظيم الشأن، و التبين و الاستبانة و الإبانة- على ما في الصحاح-بمعنى واحد و هي تتعدى و لا تتعدى فإذا تعدت كانت بمعنى الإيضاح و الإظهار يقال: تبينت الأمر و استبنته و أبنته أي أوضحته و أظهرته، و إذا لزمت كانت بمعنى الاتضاح و الظهور يقال: أبان الأمر و استبان و تبين أي اتضح و ظهر.

و معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن فتبينوا خبره بالبحث و الفحص للوقوف على حقيقته حذر أن تصيبوا قوما بجهالة فتصيروا نادمين على ما فعلتم بهم.

و قد أمضى الله سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر و هو من الأصول العقلائية التي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية، و أمر بالتبين في خبر الفاسق و هو في معنى النهي عن العمل بخبره، و حقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجيته و هذا أيضا كالإمضاء لما بني عليه العقلاء من عدم حجية الخبر الذي لا يوثق بمن يخبر به و عدم ترتيب الأثر على خبره.

بيان ذلك: أن حياة الإنسان حياة علمية يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده من الخير و الشر و النافع و الضار و الرأي الذي يأخذ به فيه، و لا يتيسر له ذلك إلا فيما هو بمرأى منه و مشهد، و ما غاب عنه مما تتعلق به حياته و معاشه أكثر مما يحضره و أكثر فاضطر إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة و النظر، و لا طريق إليه إلا السمع و هو الخبر. ـ

312

(1) -فالركون إلى الخبر بمعنى ترتيب الأثر عليه عملا و معاملة مضمونة معاملة العلم الحاصل للإنسان من طريق المشاهدة و النظر في الجملة مما يتوقف عليه حياة الإنسان الاجتماعية توقفا ابتدائيا، و عليه بناء العقلاء و مدار العمل.

فالخبر إن كان متواترا أو محفوفا بقرائن قطعية توجب قطعية مضمونه كان حجة معتبرة من غير توقف فيهافإن لم يكن متواترا و لا محفوفا بما يفيد قطعية مضمونه و هو المسمى بخبر الواحد اصطلاحا كان المعتبر منه عندهم ما هو الموثوق به بحسب نوعه و إن لم يفده بحسب شخصه، و كل ذلك لأنهم لا يعملون إلا بما يرونه علما و هو العلم الحقيقي أو الوثوق و الظن الاطمئناني المعدود علما عادة.

إذا تمهد هذا فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتبين في خبر الفاسق: « أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ » إلخ، يفيد أن المأمور به هو رفع الجهالة و حصول العلم بمضمون الخبر عند ما يراد العمل به و ترتيب الأثر عليه ففي الآية إثبات ما أثبته العقلاء و نفي ما نفوه في هذا الباب، و هو إمضاء لا تأسيس.

قوله تعالى: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَللََّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » إلخ، العنت‏ الإثم و الهلاك، و الطوع‏ و الطاعة الانقياد لكن أكثر ما يقال الطاعة في الائتمار لما أمر و الارتسام لما رسم على ما ذكره الراغب لكن ربما يعكس الأمر فيسمى جري المتبوع على ما يريده التابع و يهواه طاعة من المتبوع للتابع و منه قوله تعالى في الآية: « لَوْ يُطِيعُكُمْ » حيث سمي عمل الرسول على ما يراه و يهواه المؤمنون طاعة منه لهم.

و الآية على ما يفيده السياق من تتمة الكلام في الآية السابقة تعمم ما فيها من الحكم و تؤكد ما فيها من التعليل‏فمضمون الآية السابقة الحكم بوجوب التبين في خبر الفاسق و تعليله بوجوب التحرز عن بناء العمل على الجهالة، و مضمون هذه الآية تنبيه المؤمنين على أن الله سبحانه أوردهم شرع الرشد و لذلك حبب إليهم الإيمان و زينة في قلوبهم و كره إليهم الكفر و الفسوق و العصيان فعليهم أن لا يغفلوا عن أن فيهم رسول الله و هو مؤيد من عند الله و على بينة من ربه لا يسلك إلا سبيل الرشد دون الغي فعليهم أن يطيعوا الرسول ص فيما يأمرهم به و يريدوا ما أراده و يختاروا ما اختاره، و لا يصروا على أن يطيعهم في آرائهم و أهوائهم فإنه لو يطيعهم في كثير من الأمر جهدوا و هلكوا.

313

(1) -فقوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَللََّهِ » عطف على قوله في الآية السابقة:

« فَتَبَيَّنُوا » و تقديم الخبر للدلالة على الحصر، و الإشارة إلى ما هو لازمه فإن اختصاصهم بكون رسول الله ص فيهم لازمه أن يتعلقوا بالرشد و يتجنبوا الغي و يرجعوا الأمور إليه و يطيعوه و يتبعوا أثره و لا يتعلقوا بما تستدعيه منهم أهواؤهم.

فالمعنى: و لا تنسوا أن فيكم رسول الله، و هو كناية عن أنه يجب عليهم أن يرجعوا الأمور و يسيروا فيما يواجهونه من الحوادث على ما يراه و يأمر به من غير أن يتبعوا أهواء أنفسهم.

و قوله: « لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » أي جهدتم و هلكتم، و الجملة كالجواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: لما ذا نرجع إليه و لا يرجع إلينا و لا يوافقنا؟فأجيب بأنه « لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » .

و قوله: « وَ لََكِنَّ اَللََّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » استدراك عما يدل عليه الجملة السابقة: « لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » من أنهم مشرفون بالطبع على الهلاك و الغي فاستدرك أن الله سبحانه أصلح ذلك بما أنعم عليهم من تحبيب الإيمان و تكريه الكفر و الفسوق و العصيان.

و المراد بتحبيب الإيمان إليهم جعله محبوبا عندهم و بتزيينه في قلوبهم تحليته بجمال يجذب قلوبهم إلى نفسه فيتعلقون به و يعرضون عما يلهيهم عنه.

و قوله: « وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ اَلْكُفْرَ وَ اَلْفُسُوقَ وَ اَلْعِصْيََانَ » عطف على « حَبَّبَ » و تكريه الكفر و ما يتبعه إليهم جعلها مكروهة عندهم تتنفر عنها نفوسهم، و الفرق بين الفسوق و العصيان-على ما قيل-إن الفسوق هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية، و العصيان نفس المعصية و إن شئت فقل: جميع المعاصي، و قيل: المراد بالفسوق الكذب بقرينة الآية السابقة و العصيان سائر المعاصي.

و قوله: « أُولََئِكَ هُمُ اَلرََّاشِدُونَ » بيان أن حب الإيمان و الانجذاب إليه و كراهة الكفر و الفسوق و العصيان هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته و يتنفر عن الغي الذي يقابله فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان و يتجنبوا الكفر و الفسوق و العصيان حتى يرشدوا و يتبعوا الرسول و لا يتبعوا أهواءهم.

314

(1) -و لما كان حب الإيمان و الانجذاب إليه و كراهة الكفر و نحوه صفة بعض من كان الرسول فيهم دون الجميع‏ كما يصرح به الآية السابقة، و قد وصف بذلك جماعتهم تحفظا على وحدتهم و تشويقا لمن لم يتصف بذلك منهم غير السياق و التفت عن خطابهم إلى خطاب النبي ص فقال: « أُولََئِكَ هُمُ اَلرََّاشِدُونَ » و الإشارة إلى من اتصف بحب الإيمان و كراهة الكفر و الفسوق و العصيان، ليكون مدحا للمتصفين بذلك و تشويقا لغيرهم.

و اعلم أن في قوله: « وَ اِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَللََّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » إشعارا بأن قوما من المؤمنين كانوا مصرين على قبول نبأ الفاسق الذي تشير إليه الآية السابقة، و هو الوليد بن عقبة أرسله النبي ص إلى بني المصطلق لأخذ زكواتهم فجاء إليهم فلما رآهم هابهم و رجع إلى المدينة و أخبر النبي ص أنهم ارتدوا فعزم النبي ص على قتالهم فنزلت الآية فانصرف و في القوم بعض من يصر على أن يغزوهم.

و سيجي‏ء القصة في البحث الروائي التالي.

قوله تعالى: « فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ نِعْمَةً وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » تعليل لما تقدم من فعله تعالى بالمؤمنين من تحبيب الإيمان و تزيينه و تكريه الكفر و الفسوق و العصيان أي إن ذلك منه تعالى مجرد عطية و نعمة لا إلى بدل يصل إليه منهم لكن ليس فعلا جزافيا فإنه تعالى عليهم بمورد عطيته و نعمته حكيم لا يفعل ما يفعل جزافا كما قال: «وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ وَ كََانُوا أَحَقَ‏ بِهََا وَ أَهْلَهََا وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً» : الفتح: 26.

قوله تعالى: « وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا » إلى آخر الآية الاقتتال و التقاتل بمعنى واحد كالاستباق و التسابق، و رجوع ضمير الجمع في « اِقْتَتَلُوا » إلى الطائفتين باعتبار المعنى فإن كلا من الطائفتين جماعة و مجموعهما جماعة كما أن رجوع ضمير التثنية إليهما باعتبار المعنى.

و نقل عن بعضهم في وجه التفرقة بين الضميرين: أنهم أولا في حال القتال مختلطون فلذا جمع أولا ضميرهم، و في حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثنى الضمير.

و قوله: « فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ » البغي‏ الظلم و التعدي بغير حق، و الفي‏ء الرجوع، و المراد بأمر الله ما أمر به‏

315

(1) -الله، و المعنى: فإن تعدت إحدى الطائفتين على الأخرى بغير حق فقاتلوا الطائفة المتعدية حتى ترجع إلى ما أمر به الله و تنقاد لحكمه.

و قوله: « فَإِنْ فََاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ » أي فإن رجعت الطائفة المتعدية إلى أمر الله فأصلحوا بينهما لكن لا إصلاحا بوضع السلاح و ترك القتال فحسب بل إصلاحا متلبسا بالعدل بإجراء أحكام الله فيما تعدت به المتعدية من دم أو عرض أو مال أو أي حق آخر ضيعته.

و قوله: « وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ » الإقساط إعطاء كل ما يستحقه من القسط و السهم و هو العدل فعطف‏ قوله: « وَ أَقْسِطُوا » على قوله: « فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ » من عطف المطلق على المقيد للتأكيد، و قوله: « إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ » تعليل يفيد تأكيدا على تأكيد كأنه قيل: أصلحوا بينهما بالعدل و أعدلوا دائما و في جميع الأمور لأن الله يحب العادلين لعدالتهم.

قوله تعالى: « إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ » استئناف مؤكد لما تقدم من الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين، و قصر النسبة بين المؤمنين في نسبة الإخوة مقدمة ممهدة لتعليل ما في قوله: « فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ » من حكم الصلح فيفيد أن الطائفتين المتقاتلتين لوجود الإخوة بينهما يجب أن يستقر بينهما الصلح، و المصلحون لكونهم إخوة للمتقاتلتين يجب أن يسعوا في إصلاح ما بينهما.

و قوله: « فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ » و لم يقل: فأصلحوا بين الأخوين من أوجز الكلام و ألطفه حيث يفيد أن المتقاتلتين بينهما أخوة فمن الواجب أن يستقر بينهما الصلح و سائر المؤمنين إخوان للمتقاتلتين فيجب عليهم أن يسعوا في الإصلاح بينهما.

و قوله: « وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » موعظة للمتقاتلتين و المصلحين جميعا.

كلام في معنى الإخوة

و اعلم أن قوله: « إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » جعل تشريعي لنسبة الإخوة بين المؤمنين لها آثار شرعية و حقوق مجعولة، و قد تقدم في بعض المباحث المتقدمة أن من الأبوة و البنوة و الأخوة و سائر أنواع القرابة ما هو اعتباري مجعول يعتبره الشرائع و القوانين‏

316

(1) -لترتيب آثار خاصة عليه كالوراثة و الإنفاق و حرمة الازدواج و غير ذلك، و منها ما هو طبيعي بالانتهاء إلى صلب واحد أو رحم واحدة أو هما.

و الاعتباري من القرابة غير الطبيعي منها فربما يجتمعان كالأخوين المتولدين بين الرجل و المرأة عن نكاح مشروع، و ربما يختلفان كالولد الطبيعي المتولد من زنا فإنه ليس ولدا في الإسلام و لا يلحق بمولده و إن كان ولدا طبيعيا، و كالداعي الذي هو ولد في بعض القوانين و ليس بولد طبيعي.

و اعتبار المعنى الاعتباري و إن كان لغرض ترتيب آثار حقيقته عليه كما يؤخذ أحد القوم رأسا لهم ليكون نسبته إليهم نسبة الرأس إلى البدن فيدبر أمر المجتمع و يحكم بينهم و فيهم كما يحكم الرأس على البدن.

لكن لما كان الاعتبار لمصلحة مقتضية كان تابعا للمصلحة فإن اقتضت ترتيب جميع آثار الحقيقة ترتبت عليه جميعا و إن اقتضت بعضها كان المترتب على الموضوع الاعتباري ذلك البعض‏ كما أن القراءة مثلا جزء من الصلاة و الجزء الحقيقي ينتفي بانتفائه الكل مطلقا لكن القراءة لا ينتفي بانتفائها الصلاة إذا كان ذلك سهوا و إنما تبطل الصلاة إذا تركت عمدا.

و لذلك أيضا ربما اختلفت آثار معنى اعتباري بحسب الموارد المختلفة كجزئية الركوع حيث تبطل الصلاة بزيادته و نقيصته عمدا و سهوا بخلاف جزئية القراءة كما تقدم فمن الجائز أن يختلف الآثار المترتبة على معنى اعتباري بحسب الموارد المختلفة لكن لا تترتب الآثار الاعتبارية إلا على موضوع اعتباري كالإنسان يتصرف في ماله لكن لا بما أنه إنسان بل بما أنه مالك و الأخ يرث أخاه في الإسلام لا لأنه أخ طبيعي يشارك الميت في الوالد أو الوالدة أو فيهما-فولد الزنا كذلك و لا يرث أخاه الطبيعي-بل يرثه لأنه أخ في الشريعة الإسلامية.

و الإخوة من هذا القبيل فمنها أخوة طبيعية لا أثر لها في الشرائع و القوانين و هي اشتراك إنسانين في أب أو أم أو فيهما، و منها أخوة اعتبارية لها آثار اعتبارية و هي في الإسلام أخوة نسبية لها آثار في النكاح و الإرث، و أخوة رضاعية لها آثار في النكاح دون الإرث، و أخوة دينية لها آثار اجتماعية و لا أثر لها في النكاح و الإرث،

317

(1) -و سيجي‏ء قول الصادق (ع) : المؤمن أخو المؤمن، عينه و دليله، لا يخونه، و لا يظلمه و لا يغشه، و لا يعده عدة فيخلفه.

و قد خفي هذا المعنى على بعض المفسرين فأخذ إطلاق الإخوة في كلامه تعالى على المؤمنين إطلاقا مجازيا من باب الاستعارة بتشبيه الاشتراك في الإيمان بالمشاركة في أصل التوالد لأن كلا منهما أصل للبقاء إذ التوالد منشأ الحياة، و الإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان، و قيل: هو من باب التشبيه البليغ من حيث انتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للبقاء الأبدي.

بحث روائي‏

في المجمع، : في قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا » : روى زرارة عن أبي جعفر (ع) أنه قال: ما سلت السيوف، و لا أقيمت الصفوف في صلاة و لا زحوف، و لا جهر بأذان، و لا أنزل الله: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا » حتى أسلم أبناء قبيلة الأوس و الخزرج.

أقول: و عن ابن عباس أيضا": ما نزل يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إلا بالمدينة، و لا « يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ » إلا بمكة

الخبر. و توقف بعضهم في عموم ذيله، و اعلم أن هناك روايات في الدر المنثور، و تفسير القمي، في سبب نزول قوله: « لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ » الآية لا تنطبق على الآية ذاك الانطباق تركناها من أراد الوقوف عليها فليراجعهما.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و أبو يعلى و البغوي في معجم الصحابة، و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل، عن أنس قال*: لما نزلت « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا-لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ -إلى قوله- وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ » و كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت-فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ص-حبط عملي أنا من أهل النار، و جلس في بيته حزينا.

ففقده رسول الله ص فانطلق بعض القوم إليه-فقالوا له: فقدك رسول الله ص ما لك؟قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ص-و أجهر له بالقول حبط عملي و أنا من أهل النار، فأتوا النبي ص فأخبروه بذلك-فقال: لا بل هو من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة قتل.

318

(1) -أقول: قوله: «فلما كان يوم اليمامة قتل» من كلام الراوي يريد أنه استشهد يوم اليمامة فكان ذلك تصديق قول النبي ص، و الرواية مروية بطرق مختلفة أخرى باختلاف يسير.

و فيه، أخرج البخاري في الأدب، و ابن أبي الدنيا و البيهقي عن داود بن قيس قال"*: رأيت الحجرات من جريد النخل-مغشي من خارج بمسوح الشعر-و أظن عرض الباب من باب الحجرة-إلى باب البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع-و أخرر (1) البيت الداخل عشرة أذرع، و أظن سمكه بين الثمان و السبع":

أقول: و روي مثل صدره عن ابن سعد عن عطاء الخراساني‏ قال": أدركت حجر أزواج رسول الله ص-من جريد النخل على أبوابها المسوح-من شعر أسود.

الحديث.

و فيه، أخرج أحمد و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن منده و ابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال*: قدمت على رسول الله ص فدعاني إلى الإسلام- فدخلت فيه و أقررت به، و دعاني إلى الزكاة فأقررت بها. قلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي-فأدعوهم إلى الإسلام و أداء الزكاة-فمن استجاب لي و ترسل إلي يا رسول الله رسولا-إبان كذا و كذا لتأتيك ما جمعت من الزكاة.

فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له-و بلغ الإبان الذي أراد رسول الله ص- أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت-فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطه من الله و رسوله-فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ص كان وقت لي وقتا يرسل إلى رسوله-ليقبض ما كان عندي من الزكاة-و ليس من رسول الله ص الخلف-و لا أرى حبس رسوله إلا من سخطه-فانطلقوا فنأتي رسول الله ص.

و بعث رسول الله ص الوليد بن عقبة-إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة-فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق-فرجع فأتى رسول الله ص فقال: إن الحارث منعني الزكاة و أراد قتلي-فضرب رسول الله ص البعث إلى الحارث.

فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث-و فصل عن المدينة لقيهم الحارث

____________

(1) كذا في الأصل و لعله جمع خرير بالخاء المعجمة و هو المكان المطمئن.

319

(1) -فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟قالوا: إليك. قال: و لم؟ قالوا: إن رسول الله ص بعث إليك الوليد بن عقبة-فزعم‏ أنك منعته الزكاة و أردت قتله. قال: لا و الذي بعث محمدا بالحق ما رأيته و لا أتاني.

فلما دخل الحارث على رسول الله ص قال: منعت الزكاة و أردت قتل رسولي؟ قال: لا و الذي بعثك بالحق ما رأيته و لا رآني-و ما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ص-خشيت أن يكون كانت سخطة من الله و رسوله-فنزل « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ-فَتَبَيَّنُوا -إلى قوله- حَكِيمٌ » .

أقول: نزول الآية في قصة الوليد بن عقبة مستفيض من طرق أهل السنة و الشيعة و قال ابن عبد البر في الاستيعاب: و لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز و جل: « إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ » نزلت في الوليد بن عقبة.

و في المحاسن، بإسناده عن زياد الحذاء عن أبي جعفر (ع) في حديث له قال*: يا زياد ويحك و هل الدين إلا الحب؟أ لا ترى إلى قول الله: « إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي- يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » ؟أ و لا ترون إلى قول الله لمحمد ص: « حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » قال: « يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ » و قال: الحب هو الدين و الدين هو الحب:

أقول: و روي في الكافي، بإسناده عن فضيل بن يسار عن الصادق (ع) ما في معناه و لفظه: و هل‏ الإيمان إلا الحب و البغض؟ثم تلا هذه الآية: « حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ » إلى آخر الآية. :

و في المجمع، و قيل: الفسوق هو الكذب-عن ابن عباس و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر (ع) : .

أقول: و في هذا المعنى بعض روايات أخر.

و في الكافي، بإسناده عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (ع) قال*: المؤمن أخو المؤمن عينه و دليله لا يخونه و لا يظلمه-و لا يغشه و لا يعده عدة فيخلفه.

أقول: و في معناه روايات أخر

عنه (ع) و في بعضها: المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يغتابه.

320

(1) -

و في المحاسن، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (ع) قال*: المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمه-و ذلك أن الله تبارك و تعالى خلق المؤمن-من طينة جنان السماوات، و أجرى فيهم من ريح روحه فلذلك هو أخوه لأبيه و أمه.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و البيهقي في سننه عن أنس قال*: قيل للنبي ص: لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق و ركب حمارا-و انطلق المسلمون يمشون و هي أرض سبخة، فلما انطلق إليهم قال: إليك عني-فوالله لقد آذاني ريح حمارك.

فقال رجل من الأنصار: و الله لحمار رسول الله ص أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه‏-فغضب لكل منهما أصحابه-فكان بينهم ضرب بالجريد و الأيدي و النعال-فأنزل فيهم « وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا-فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا » .

أقول: و في بعض الروايات كما في المجمع، أن الذي قال ذلك لعبد الله بن أبي بن سلول هو عبد الله بن رواحة و أن التضارب وقع بين رهطه من الأوس و رهط عبد الله بن أبي من الخزرج، و في انطباق الآية بموضوعها و حكمها على هذه الروايات خفاء.

321

(1) -

بيان‏

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ََ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لاََ نِسََاءٌ مِنْ نِسََاءٍ عَسى‏ََ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ » إلخ، السخرية الاستهزاء و هو ذكر ما يستحقر و يستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليدا بحيث يضحك منه بالطبع، و القوم الجماعة و هو في الأصل الرجال دون النساء لقيامهم بالأمور المهمة دونهن، و هذا المعنى هو المراد بالقوم في الآية بما قوبل بالنساء. ـ

322

(1) -و قوله: « عَسى‏ََ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ » و « عَسى‏ََ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ » حكمة النهي.

و المستفاد من السياق أن الملاك رجاء كون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر سواء كان الساخر رجلا أو امرأة و كذا المسخور منه فتخصيص النهي في اللفظ بسخرية القوم من القوم و سخرية النساء من النساء لمكان الغلبة عادة.

و قوله: « وَ لاََ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ » اللمز -على ما قيل-التنبيه على المعايب، و تعليق اللمز بقوله: « أَنْفُسَكُمْ » للإشارة إلى أنهم مجتمع واحد بعضهم من بعض فلمز الواحد منهم غيره في الحقيقة لمز نفسه فليجتنب من أن يلمز غيره كما يكره أن يلمزه غيره، ففي قوله:

« أَنْفُسَكُمْ » إشارة إلى حكمة النهي.

و قوله: « وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيمََانِ » النبز بالتحريك هو اللقب، و يختص-على ما قيل-بما يدل على ذم فالتنابز بالألقاب ذكر بعضهم بعضا بلقب السوء مما يكرهه كالفاسق و السفيه و نحو ذلك.

و المراد بالاسم في « بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ » الذكر كما يقال: شاع اسم فلان بالسخاء و الجود، و على هذا فالمعنى: بئس الذكر ذكر الناس-بعد إيمانهم-بالفسوق فإن الحري بالمؤمن بما هو مؤمن أن يذكر بالخير و لا يطعن فيه بما يسوؤه نحو يا من أبوه كان كذا و يا من أمه كانت كذا.

و يمكن أن يكون المراد بالاسم السمة و العلامة و المعنى: بئست السمة أن يوسم الإنسان بعد الإيمان بالفسوق بأن يذكر بسمة السوء كان يقال لمن اقترف معصية ثم تاب: يا صاحب المعصية الفلانية، أو المعنى: بئس الاسم أن يسم الإنسان نفسه بالفسوق بذكر الناس بما يسوءهم من الألقاب، و على أي معنى كان ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي.

و قوله: « وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ » أي و من لم يتب عن هذه المعاصي التي يقترفها بعد ورود النهي فلم يندم عليها و لم يرجع إلى الله سبحانه بتركها فأولئك ظالمون حقا فإنهم لا يرون بها بأسا و قد عدها الله معاصي و نهى عنها.

و في الجملة أعني قوله: « وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ » إلخ، إشعار بأن هناك من كان يقترف هذه المعاصي من المؤمنين.

323

(1) -}قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ » إلى آخر الآية المراد بالظن المأمور بالاجتناب عنه ظن السوء فإن ظن الخير مندوب إليه كما يستفاد من قوله تعالى: «لَوْ لاََ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً» : النور: 12.

و المراد بالاجتناب عن الظن الاجتناب عن ترتيب الأثر عليه كان يظن بأخيه المؤمن سوء فيرميه به و يذكره لغيره و يرتب عليه سائر آثاره، و أما نفس الظن بما هو نوع من الإدراك النفساني فهو أمر يفاجئ النفس لا عن اختيار فلا يتعلق به النهي اللهم إلا إذا كان بعض مقدماته اختياريا.

و على هذا فكون بعض الظن إثما من حيث كون ما يترتب عليه من الأثر إثما كإهانة المظنون به و قذفه و غير ذلك من الآثار السيئة المحرمة، و المراد بكثير من الظن -و قد جي‏ء به نكرة ليدل على كثرته في نفسه لا بالقياس إلى سائر أفراد الظن- هو بعض الظن الذي هو إثم فهو كثير في نفسه و بعض من مطلق الظن، و لو أريد بكثير من الظن أعم من ذلك كأن يراد ما يعلم أن فيه إثما و ما لا يعلم منه ذلك كان الأمر بالاجتناب عنه أمرا احتياطيا توقيا من الوقوع في الإثم.

و قوله: « وَ لاََ تَجَسَّسُوا » التجسس‏ بالجيم تتبع ما استتر من أمور الناس للاطلاع عليها، و مثله التحسس بالحاء المهملة إلا أن التجسس بالجيم يستعمل في الشر و التحسس بالحاء يستعمل في الخير، و لذا قيل: معنى الآية لا تتبعوا عيوب المسلمين لتهتكوا الأمور التي سترها أهلها.

و قوله: « وَ لاََ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » الغيبة على ما في مجمع البيان ذكر العيب بظهر الغيب على وجه يمنع الحكمة منه، و قد فسرت بتفاسير مختلفة حسب الاختلاف في مصاديقها سعة و ضيقا في الفقه، و يئول إلى أن يذكر من الإنسان في ظهر الغيب ما يسوءه لو ذكر به و لذا لم يعدوا من الغيبة ذكر المتجاهر بالفسق بما تجاهر به.

و الغيبة تفسد أجزاء المجتمع واحدا بعد واحد فتسقطها عن صلاحية التأثير الصالح المرجو من الاجتماع و هو أن يخالط كل صاحبه و يمازجه في أمن و سلامة بأن‏

324

(1) -يعرفه إنسانا عدلا سويا يأنس به و لا يكرهه و لا يستقذره، و أما إذا عرفه بما يكرهه و يعيبه به انقطع عنه بمقدار ذلك و ضعفت رابطة الاجتماع فهي كالأكلة التي تأكل جثمان من ابتلي بها عضوا بعد عضو حتى تنتهي إلى بطلان الحياة.

و الإنسان إنما يعقد المجتمع ليعيش فيه بهوية اجتماعية أعني بمنزلة اجتماعية صالحة لأن يخالطه و يمازج فيفيد و يستفاد منه، و غيبته بذكر عيبه لغيره تسقطه عن هذه المنزلة و تبطل منه هذه الهوية، و فيه تنقيص واحد من عدد المجتمع الصالح و لا يزال ينتقص بشيوع الغيبة حتى يأتي على آخره فيتبدل الصلاح فسادا و يذهب الأنس و الأمن و الاعتماد و ينقلب الدواء داء.

فهي في الحقيقة إبطال هوية اجتماعية على حين غفلة من صاحبها و من حيث لا يشعر به، و لو علم بذلك على ما فيه من المخاطرة لتحرز منه و توقي انهتاك ستره و هو الستر ألقاه الله سبحانه على عيوب الإنسان و نواقصه ليتم به ما أراده من طريق الفطرة من تألف أفراد الإنسان و تجمعهم و تعاونهم و تعاضدهم، و أين الإنسان و النزاهة من كل عيب.

و إلى هذه الحقيقة أشار تعالى فيما ذكره من التمثيل بقوله: « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » و قد أتي بالاستفهام الإنكاري و نسب الحب المنفي إلى أحدهم و لم يقل: بعضكم و نحو ذلك ليكون النفي أوضح استيعابا و شمولا و لذا أكده بقوله بعد: « فَكَرِهْتُمُوهُ » فنسب الكراهة إلى الجميع و لم يقل: فكرهه.

و بالجملة محصله أن اغتياب المؤمن بمنزلة أن يأكل الإنسان لحم أخيه حال كونه ميتا، و إنما كان لحم أخيه لأنه من أفراد المجتمع الإسلامي المؤلف من المؤمنين و إنما المؤمنون إخوة، و إنما كان ميتا لأنه لغيبته غافل لا يشعر بما يقال فيه.

و في قوله: « فَكَرِهْتُمُوهُ » و لم يقل: فتكرهونه إشعار بأن الكراهة أمر ثابت محقق منكم في أن تأكلوا إنسانا هو أخوكم و هو ميت فكما أن هذا مكروه لكم فليكن مكروها لكم اغتياب أخيكم المؤمن بظهر الغيب فإنه في معنى أكل أحدكم أخاه ميتا.

و اعلم أن ما في قوله: « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ » إلخ، من التعليل جار في‏

325

(1) -التجسس أيضا كالغيبة، و إنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصل إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير، و التجسس‏ هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من طريق تتبع آثاره و لذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله: « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً » إلخ، تعليلا لكل من الجملتين أعني « وَ لاََ تَجَسَّسُوا وَ لاََ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » .

و اعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين، و من القرينة عليه قوله في التعليل: « لَحْمَ أَخِيهِ » فالأخوة إنما هي بين المؤمنين.

و قوله: « وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ تَوََّابٌ رَحِيمٌ » ظاهره أنه عطف على قوله: « اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ » إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله: « إِنَّ اَللََّهَ تَوََّابٌ رَحِيمٌ » أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به.

و إن كان هو التجنب عنها و التورع فيها و إن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله:

« إِنَّ اَللََّهَ تَوََّابٌ رَحِيمٌ » أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية و التوفيق و الحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم.

و ذلك أن التوبة من الله توبتان: توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى: «ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» : التوبة: 118، و توبة بعد توبة العبد بالرجوع إليه بالمغفرة و قبول التوبة كما في قوله: «فَمَنْ تََابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اَللََّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ» : المائدة: 39.

قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ » إلخ، الشعوب‏ جمع شعب بالكسر فالسكون و هو على ما في المجمع الحي العظيم من الناس كربيعة و مضر، و القبائل‏ جمع قبيلة و هي دون الشعب كتميم من مضر.

و قيل: الشعوب دون القبائل و سميت بها لتشعبها، قال الراغب: الشعب القبيلة المنشعبة من حي واحد، و جمعه شعوب، قال تعالى: « شُعُوباً وَ قَبََائِلَ » و الشعب من الوادي ما اجتمع منه طرف و تفرق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرق‏

326

(1) -أخذت في وهمك واحدا يتفرق، و إذا نظرت من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا فلذلك قيل: شعبت إذا جمعت، و شعبت إذا فرقت. انتهى.

و قيل: الشعوب العجم و القبائل العرب، و الظاهر أن مآله إلى أحد القولين السابقين، و سيجي‏ء تمام الكلام فيه‏ (1) .

ذكر المفسرون أن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب، و عليه فالمراد بقوله:

« مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ » آدم و حواء، و المعنى: أنا خلقناكم من أب و أم تشتركون جميعا فيهما من غير فرق بين الأبيض و الأسود و العربي و العجمي و جعلناكم شعوبا و قبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا و يتم بذلك أمرا اجتماعكم فيستقيم مواصلاتكم و معاملاتكم فلو فرض ارتفاع المعرفة من بين أفراد المجتمع انفصم عقد الاجتماع و بادت الإنسانية فهذا هو الغرض من جعل الشعوب و القبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب و تتباهوا بالآباء و الأمهات.

و قيل: المراد بالذكر و الأنثى مطلق الرجل و المرأة، و الآية مسوقة لإلغاء مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض و الأسود و العرب و العجم و الغني و الفقير و المولى و العبد و الرجل و المرأة، و المعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من رجل و امرأة فكل واحد منكم إنسان مولود من إنسانين لا تفترقون من هذه الجهة، و الاختلاف الحاصل بالشعوب و القبائل-و هو اختلاف راجع إلى الجعل الإلهي-ليس لكرامة و فضيلة و إنما هو لأن تتعارفوا فيتم بذلك اجتماعكم.

و اعترض عليه بأن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب و ذمه كما يدل عليه قوله: « وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا » و ترتب هذا الغرض على هذا الوجه غير ظاهر، و يمكن أن يناقش فيه أن الاختلاف في الأنساب من مصاديق الاختلاف الطبقاتي و بناء هذا الوجه على كون الآية مسوقة لنفي مطلق الاختلاف الطبقاتي و كما يمكن نفي التفاخر بالأنساب و ذمه استنادا إلى أن الأنساب تنتهي إلى آدم و حواء و الناس جميعا مشتركون فيهما، كذلك يمكن نفيه و ذمه استنادا إلى أن كل إنسان مولود من إنسانين و الناس جميعا مشتركون في ذلك.

____________

(1) في البحث الروائي الآتي.

327

(1) -و الحق أن قوله: « وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ » إن كان ظاهرا في ذم التفاخر بالأنساب فأول الوجهين أوجه، و إلا فالثاني لكونه أعم و أشمل.

و قوله: « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ » استئناف مبين لما فيه الكرامة عند الله سبحانه، و ذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضا لا اختلاف بينهم و لا فضل لأحدهم على غيره، و أن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب و القبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتم ائتلاف و لا تعاون و تعاضد من غير تعرف فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول لا أن تتفاخروا بالأنساب و تتفاضلوا بأمثال البياض و السواد فيستعبد بذلك بعضهم بعضا و يستخدم إنسان إنسانا و يستعلي قوم على قوم فينجر إلى ظهور الفساد في البر و البحر و هلاك الحرث و النسل فينقلب الدواء داء.

ثم نبه سبحانه في ذيل الآية بهذه الجملة أعني قوله: « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ » على ما فيه الكرامة عنده، و هي حقيقة الكرامة.

و ذلك أن الإنسان مجبول على طلب ما يتميز به من غيره و يختص به من بين أقرانه من شرف و كرامة، و عامة الناس لتعلقهم بالحياة الدنيايرون الشرف و الكرامة في مزايا الحياة المادية من مال و جمال و نسب و حسب و غير ذلك فيبذلون جل جهدهم في طلبها و اقتنائها ليتفاخروا بها و يستعلوا على غيرهم.

و هذه مزايا وهمية لا تجلب لهم شيئا من الشرف و الكرامة دون أن توقعهم في مهابط الهلكة و الشقوة، و الشرف الحقيقي هو الذي يؤدي الإنسان إلى سعادته الحقيقية و هو الحياة الطيبة الأبدية في جوار رب العزة و هذا الشرف و الكرامة هو بتقوى الله سبحانه و هي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة، و تتبعها سعادة الدنيا قال تعالى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيََا وَ اَللََّهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ» : الأنفال: 67، و قال: «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ» : البقرة: 197، و إذا كانت الكرامة بالتقوى فأكرم الناس عند الله أتقاهم كما قال تعالى.

و هذه البغية و الغاية التي اختارها الله بعلمه غاية للناس لا تزاحم فيها و لا تدافع بين المتلبسين بها على خلاف الغايات و الكرامات التي يتخذها الناس بحسب أوهامهم‏

328

(1) -غايات يتوجهون إليها و يتباهون بها كالغنى و الرئاسة و الجمال و انتشار الصيت و كذا الأنساب و غيرها.

و قوله: « إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » فيه تأكيد لمضمون الآية و تلويح إلى أن الذي اختاره الله كرامة للناس كرامة حقيقية اختارها الله بعلمه و خبرته بخلاف ما اختاره الناس كرامة و شرفا لأنفسهم فإنها وهمية باطلة فإنها جميعا من زينة الحياة الدنيا قال تعالى: «وَ مََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» : العنكبوت: 64.

و في الآية دلالة على أن من الواجب على الناس أن يتبعوا في غايات الحياة أمر ربهم و يختاروا ما يختاره و يهدي إليه و قد اختار لهم التقوى كما أن من الواجب عليهم أن يختاروا من سنن الحياة ما يختاره لهم من الدين.

قوله تعالى: « قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا وَ لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ » إلخ الآية و ما يليها إلى آخر السورة متعرضة لحال الأعراب في دعواهم الإيمان و منهم على النبي ص بإيمانهم، و سياق نقل قولهم و أمر النبي ص أن يجيبهم بقوله: « لَمْ تُؤْمِنُوا » يدل على أن المراد بالأعراب بعض الأعراب البادين دون جميعهم، و يؤيده قوله: «وَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» : التوبة: 99.

و قوله: « قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » أي قالوا لك آمنا و ادعوا الإيمان قل لم تؤمنوا و كذبهم في دعواهم، و قوله: « وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا » استدراك مما يدل عليه سابق الكلام، و التقدير: فلا تقولوا آمنا و لكن قولوا: أسلمنا.

و قوله: « وَ لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ » لنفي دخول الإيمان في قلوبهم مع انتظار دخوله، و لذلك لم يكن تكرارا لنفي الإيمان المدلول عليه بقوله: « لَمْ تُؤْمِنُوا » .

و قد نفي في الآية الإيمان عنهم و أوضحه بأنه لم يدخل في قلوبهم بعد و أثبت لهم الإسلام، و يظهر به الفرق بين الإيمان و الإسلام بأن الإيمان معنى قائم بالقلب من قبيل الاعتقاد، و الإسلام أمر قائم باللسان و الجوارح فإنه الاستسلام و الخضوع لسانا بالشهادة على التوحيد و النبوة و عملا بالمتابعة العملية ظاهرا سواء قارن الاعتقاد بحقية

329

(1) -ما شهد عليه و عمل به أو لم يقارن، و بظاهر الشهادتين تحقن الدماء و عليه تجري المناكح و المواريث.

و قوله: « وَ إِنْ تُطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ لاََ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمََالِكُمْ شَيْئاً » الليت‏ النقص يقال: لاته يليته ليتا إذا نقصه، و المراد بالإطاعة الإخلاص فيها بموافقة الباطن للظاهر من غير نفاق، و طاعة الله استجابة ما دعا إليه من اعتقاد و عمل، و طاعة رسوله تصديقه و اتباعه فيما يأمر به فيما له الولاية عليه من أمور الأمة، و المراد بالأعمال جزاؤها المراد بنقص الأعمال نقص جزائها.

و المعنى: و إن تطيعوا الله فيما يأمركم به من اتباع دينه اعتقادا، و تطيعوا الرسول فيما يأمركم به لا ينقص من أجور أعمالكم شيئا، و قوله: « إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » تعليل لعدم نقصه تعالى أعمالهم إن أطاعوه و رسوله.

قوله تعالى: « إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتََابُوا وَ جََاهَدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ » تعريف تفصيلي للمؤمنين بعد ما عرفوا إجمالا بأنهم الذين دخل الإيمان في قلوبهم كما هو لازم قوله: « لَمْ تُؤْمِنُوا » و « لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ » .

فقوله: « إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ » فيه قصر المؤمنين في‏الذين آمنوا بالله و رسوله إلخ، فتفيد تعريفهم بما ذكر من الأوصاف تعريفا جامعا مانعا فمن اتصف بها مؤمن حقا كما أن من فقد شيئا منها ليس بمؤمن حقا.

و الإيمان بالله و رسوله عقد القلب على توحيده تعالى و حقية ما أرسل به رسوله و على صحة الرسالة و اتباع الرسول فيما يأمر به.

و قوله: « ثُمَّ لَمْ يَرْتََابُوا » أي لم يشكوا في حقية ما آمنوا به و كان إيمانهم ثابتا مستقرا لا يزلزله شك، و التعبير بثم دون الواو-كما قيل-للدلالة على انتفاء عروض الريب حينا بعد حين كأنه طري جديد دائما فيفيد ثبوت الإيمان على استحكامه الأولى و لو قيل: و لم يرتابوا كان من الجائز أن يصدق مع الإيمان أولا مقارنا لعدم الارتياب مع السكوت عما بعد.

و قوله: « وَ جََاهَدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ » المجاهدة بذل الجهد و الطاقة

330

(1) -و سبيل الله دينه، و المراد بالمجاهدة بالأموال و الأنفس العمل بما تسعه الاستطاعة و تبلغه الطاقة في التكاليف المالية كالزكاة و غير ذلك من الإنفاقات الواجبة، و التكاليف البدنية كالصلاة و الصوم و الحج و غير ذلك.

و المعنى: و يجدون بإتيان التكاليف المالية و البدنية حال كونهم أو حال كون عملهم في دين الله و سبيله.

و قوله: « أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ » تصديق في إيمانهم إذا كانوا على الصفات المذكورة.

قوله تعالى: « قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اَللََّهَ بِدِينِكُمْ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ اَللََّهُ بِكُلِ‏ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ » توبيخ للأعراب حيث قالوا: آمنا و لازمه دعوى الصدق في قولهم و الإصرار على ذلك، و قيل: لما نزلت الآية السابقة حلفت الأعراب أنهم مؤمنون صادقون في قولهم: آمنا، فنزل: « قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اَللََّهَ بِدِينِكُمْ » الآية، و معنى الآية ظاهر.

قوله تعالى: « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاََ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاََمَكُمْ بَلِ اَللََّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدََاكُمْ لِلْإِيمََانِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ » أي يمنون عليك بأن أسلموا و قد أخطئوا في منهم هذا من وجهين أحدهما أن حقيقة النعمة التي فيها المن هو الإيمان الذي هو مفتاح سعادة الدنيا و الآخرة دون الإسلام الذي له فوائد صورية من حقن الدماء و جواز المناكح و المواريث، و ثانيهما أن ليس للنبي ص من أمر الدين إلا أنه رسول مأمور بالتبليغ فلا من عليه لأحد ممن أسلم.

فلو كان هناك من لكان لهم على الله سبحانه لأن الدين دينه لكن لا من لأحد على الله لأن المنتفع بالدين في الدنيا و الآخرة هم المؤمنون دون الله الغني على الإطلاق فالمن لله عليهم أن هداهم له.

و قد بدل ثانيا الإسلام من الإيمان للإشارة إلى أن المن إنما هو بالإيمان دون الإسلام الذي إنما ينفعهم في الظاهر فقط.

فقد تضمن قوله: « قُلْ لاََ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاََمَكُمْ بَلِ اَللََّهُ يَمُنُّ » إلخ، الإشارة إلى خطئهم من الجهتين جميعا:

إحداهما: خطئهم من جهة توجيه المن إلى النبي ص و هو رسول ليس له من الأمر شي‏ء، و إليه الإشارة بقوله: « لاََ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاََمَكُمْ » .

331

(1) -و ثانيهما: أن المن-لو كان هناك من-إنما هو بالإيمان دون الإسلام، و إليه الإشارة بتبديل الإسلام من الإيمان.

قوله تعالى: « إِنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ » ختم للسورة و تأكيد يعلل و يؤكد به جميع ما تقدم في السورة من النواهي و الأوامر و ما بين فيها من الحقائق و ما أخبر فيها عن إيمان قوم و عدم إيمان آخرين فالآية تعلل بمضمونها جميع ذلك.

و المراد بغيب السماوات و الأرض ما فيها من الغيب أو الأعم مما فيهما و من الخارج منهما.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل"*في قوله تعالى: « يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا- لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ » قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا من بلال و سلمان-و عمار و خباب و صهيب و ابن فهيرة و سالم مولى أبي حذيفة.

و في المجمع، ": نزل قوله: « لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ » في ثابت بن قيس بن شماس و كان في أذنه وقر-و كان إذا دخل المسجد تفسحوا له-حتى يقعد عند النبي ص فيسمع ما يقول. - فدخل المسجد يوما و الناس قد فرغوا من الصلاة-و أخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس و يقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل-فقال له: أصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا-فلما انجلت الظلمة قال: من هذا؟قال الرجل: أنا فلان فقال ثابت: ابن فلانة ذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية-فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية. ": عن ابن عباس.

و فيه، ": و قوله: « وَ لاََ نِسََاءٌ مِنْ نِسََاءٍ » نزل في نساء النبي ص-سخرن من أم سلمة. "

: عن أنس. ": و ذلك أنها ربطت حقويها بسبيبة-و هي ثوب أبيض و سدلت طرفيها خلفها فكانت تجره-فقالت عائشة لحفصة: انظري ما ذا تجر خلفها-كأنه لسان كلب‏

332

(1) -فهذه كانت سخريتهما، و قيل: إنها عيرتها بالقصر، و أشارت بيدها أنها قصيرة. ":

عن الحسن.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البخاري في الأدب، و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و البغوي في معجمه، و ابن حبان و الشيرازي في الألقاب، و الطبراني و ابن السني في عمل اليوم و الليلة، و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي جبيرة بن الضحاك قال"*: فينا نزلت في بني سلمة « وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ » قدم رسول الله ص المدينة-و ليس فينا رجل إلا و له اسمان أو ثلاثة-فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء-قالوا: يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم-فأنزل الله « وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ » .

و فيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي": أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر- يخدمهما و ينال من طعامهما-و أن سلمان نام نوما فطلبه صاحباه فلم يجداه-فضربا الخباء و قالا ما يريد سلمان شيئا غير هذا-أن يجي‏ء إلى طعام معدود و خباء مضروب-فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ص-يطلب لهما إداما فانطلق‏فأتاه-فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال: ما يصنع أصحابك بالأدم؟قد ائتدموا.

فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله ص-فقالا: و الذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا. قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما. فنزلت « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً » .

و فيه، أخرج الضياء المقدسي عن أنس قال: كانت العرب يخدم بعضها بعضا في الأسفار-و كان مع أبي بكر و عمر رجل يخدمهما-فناما و استيقظا و لم يهيئ لهما طعاما- فقالا: إن هذا لنئوم فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله ص فقل له: إن أبا بكر و عمر يقرئانك السلام و يستأدمانك، فقال: إنهما ائتدما، فجاءاه-فقالا يا رسول الله بأي شي‏ء ائتدمنا؟قال: بلحم أخيكما، و الذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما، فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. قال: مراه فليستغفر لكما.

أقول: الظاهر أن القصة الموردة في الروايتين واحدة و الرجلان المذكوران في الرواية الأولى أبو بكر و عمر و الرجل المذكور في الثانية هو سلمان، و يؤيد هذا ما

عن‏

333

(1) -جوامع الجامع، قال: و روي: أن أبا بكر و عمر بعثا سلمان إلى رسول الله ص-ليأتي لهما بطعام فبعثه إلى أسامة بن زيد-و كان خازن رسول الله ص على رحله-فقال: ما عندي شي‏ء فعاد إليهما فقالا: بخل أسامة-و لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها.

ثم انطلقا إلى رسول الله ص فقال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما- قالا: يا رسول الله ما تناولنا اليوم لحما. قال: ظلمتم تأكلون لحم سلمان و أسامة فنزلت.

و في العيون، بإسناده عن محمد بن يحيى بن أبي عباد عن عمه قال: سمعت الرضا (ع) يوما ينشد و قليلا ما كان ينشد شعرا:

كلنا نأمل مدا في الأجل- # و المنايا هن آفات الأمل-

لا يغرنك أباطيل المنى- # و الزم القصد و دع عنك العلل-

إنما الدنيا كظل زائل- # حل فيه راكب ثم رحل-

فقلت: لمن هذا أعز الله الأمير؟فقال: لعراقي لكم-قلت: أنشدنيه أبو العتاهية (1)

لنفسه-فقال: هات اسمه و دع هذا، إن الله سبحانه يقول: « وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ » و لعل الرجل يكره هذا.

و في الكافي، بإسناده عن الحسين بن مختار عن أبي عبد الله (ع) قال*: قال أمير المؤمنين (ع) في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه-حتى يأتيك ما يقلبك منه، و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا-و أنت تجد لها في الخير محملا.

و في نهج البلاغة، و قال (ع) : إذا استولى الصلاح على الزمان و أهله، ثم أساء رجل الظن برجل لم يظهر منه حوبة فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزمان و أهله-ثم أحسن رجل الظن برجل فقد غرر.

أقول: و الروايتان غير متعارضتين فالثانية ناظرة إلى نفس الظن و الأولى إلى ترتيب الأثر عليه عملا.

و في الخصال، عن أسباط بن محمد بإسناده إلى النبي ص أنه قال*: الغيبة أشد من الزنا، فقيل: يا رسول الله و لم ذلك؟قال: صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه- و صاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه-حتى يكون صاحبه الذي يحله. :

____________

(1) العتاهية بمعنى نقصان العقل.

334

(1) - أقول: و رواه في الدر المنثور، عن ابن مردويه و البيهقي عن أبي سعيد و جابر عنه (ص) ، و لفظه قال رسول الله ص*: الغيبة أشد من الزنا. قالوا: يا رسول الله و كيف الغيبة أشد من الزنا؟قال: إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه-و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه.

و في الكافي، بإسناده إلى السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله ص: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه.

و فيه، بإسناده عن حفص بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل النبي ص ما كفارة الاغتياب قال: تستغفر الله لمن اغتبته كما ذكرته.

و في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ » قال:

الشعوب العجم و القبائل العرب. :

أقول: و نسبه في مجمع البيان، إلى الصادق (ع) .

و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه و البيهقي عن جابر بن عبد الله قال*: خطبنا رسول الله ص في وسط أيام التشريق خطبة الوداع-فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، و لا لعجمي على عربي، و لا لأسود على أحمر و لا لأحمر على أسود إلا بالتقوى-إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟قالوا: بلى يا رسول الله. قال فليبلغ الشاهد الغائب.

و في الكافي، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (ع) قال*: إن رسول الله ص زوج مقداد بن الأسود-ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. إنما زوجه لتضع المناكح، و ليتأسوا برسول الله ص، و ليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم.

و في روضة الكافي، بإسناده عن جميل بن دراج قال*: قلت لأبي عبد الله (ع) :

فما الكرم؟قال: التقوى.

و في الكافي، بإسناده عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال*: إن الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون-و عليه يتناكحون و الإيمان عليه يثابون.

و في الخصال، عن الأعمش عن جعفر بن محمد (ع) في‏حديث*: و الإسلام غير الإيمان، و كل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا.

335

(1) -

و في الدر المنثور، ": في قوله تعالى: « قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا » ": أخرج ابن جرير عن قتادة": في قوله: « قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا » قال: نزلت في بني أسد. ":

أقول: و هو مروي أيضا عن مجاهد و غيره.

و فيه، أخرج ابن ماجة و ابن مردويه و الطبراني و البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب قال*: قال رسول الله ص: الإيمان معرفة بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان.

و فيه، أخرج النسائي و البزاز و ابن مردويه عن ابن عباس قال*: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ص فقالوا: يا رسول الله أسلمنا و قاتلك العرب و لم نقاتلك-فنزلت هذه الآية « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا » .

أقول: و في هذا المعنى روايات أخر.

336

(1) -

(50) سورة ق مكية و هي خمس و أربعون آية (45)

337

(1) -

بيان‏

السورة تذكر الدعوة و تشير إلى ما فيها من الإنذار بالمعاد و جحد المشركين به و استعجابهم ذلك بأن الموت يستعقب بطلان الشخصية الإنسانية بصيرورته ترابا لا يبقى معه أثر مما كان عليه فكيف يرجع ثانيا إلى ما كان عليه قبل الموت فتدفع ما أظهروه من الاستعجاب و الاستبعاد بأن العلم الإلهي محيط بهم و عنده الكتاب الحفيظ الذي لا يعزب عنه شي‏ء مما دق و جل من أحوال خلقه ثم توعدهم بإصابة مثل ما أصاب الأمم الماضية الهالكة.

و تنبه ثانيا على علمه و قدرته تعالى بالإشارة إلى ما جرى من تدبيره تعالى في خلق السماوات و ما زينها به من الكواكب و النجوم و غير ذلك، و في خلق الأرض من حيث مدها و إلقاء الرواسي عليها و إنبات الأزواج النباتية فيها ثم بإنزال الماء و تهيئة أرزاق العباد و إحياء الأرض به.

ثم بيان حال الإنسان من أول ما خلق و أنه تحت المراقبة الشديدة الدقيقة حتى ما يلفظ به من لفظ و حتى ما يخطر بباله و توسوس به نفسه ما دام حيا ثم إذا أدركه الموت ثم إذا بعث لفصل القضاء ثم إذا فرغ من حسابه فأدخل النار إن كان من المكذبين أو الجنة المزيفة إن كان من المتقين.

و بالجملة مصب الكلام في السورة هو المعاد، و من غرر الآيات فيها قوله: « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ » ، و قوله: « يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » و قوله: « لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ » .

و السورة مكية بشهادة سياق آياتها إلا ما قيل في قوله: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ » الآية أو الآيتين، و لا شاهد عليه من اللفظ.

و ما أوردناه من الآيات فيه إجمال الإشارة إلى المعاد و استبعادهم له، و إجمال الجواب و التهديد أولا ثم الإشارة إلى تفصيل الجواب و التهديد ثانيا.

قوله تعالى: « ق وَ اَلْقُرْآنِ اَلْمَجِيدِ » ، قال في المجمع، : المجد في كلامهم الشرف‏

338

(1) -الواسع يقال: مجد الرجل و مجد-بضم العين و فتحها-مجدا إذا عظم و كرم، و أصله من قولهم: مجدت الإبل مجودا إذا عظمت بطونها من كثرة أكلها من كلاء الربيع. انتهى.

و قوله: « وَ اَلْقُرْآنِ اَلْمَجِيدِ » قسم و جوابه محذوف يدل عليه الجمل التالية و التقدير و القرآن المجيد أن البعث حق أو إنك لمن المنذرين أو الإنذار حق، و قيل: جواب القسم مذكور و هو قوله: « بَلْ عَجِبُوا » إلخ، و قيل: هو قوله: « قَدْ عَلِمْنََا مََا تَنْقُصُ » إلخ، و قيل: قوله: « مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ » إلخ، و قيل: قوله: « إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ » إلخ، و قيل: قوله: « مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ » إلخ، و هذه أقوال سخيفة لا يصار إليها.

قوله تعالى: « بَلْ عَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ » إضراب عن مضمون جواب القسم المحذوف فكأنه قيل: إنا أرسلناك نذيرا فلم يؤمنوا بك بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم، أو قيل إن البعث الذي أنذرتهم به حق و لم يؤمنوا به بل عجبوا منه و استبعدوه.

و ضمير « مِنْهُمْ » في قوله: « بَلْ عَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ » راجع إليهم بما هم بشر أي من جنسهم و ذلك أن الوثنيين ينكرون نبوة البشر كما تقدمت الإشارة إليه مرارا أو راجع إليهم بما هم عرب و المعنى: بل عجبوا أن جاءهم منذر من قومهم و بلسانهم يبين لهم الحق أوفى بيان فيكون أبلغ في تقريعهم.

و قوله: « فَقََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ » وصفهم بالكفر و لم يقل: و قال المشركون و نحو ذلك للدلالة على سترهم‏ للحق لما جاءهم، و الإشارة في قولهم: «هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ » ، إلى البعث و الرجوع إلى الله كما يفسره قوله بعد: « أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً » إلخ.

قوله تعالى: « أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً ذََلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » الرجع‏ و الرجوع بمعنى و المراد بالبعد البعد عن العقل.

و جواب إذا في قولهم: « أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً » محذوف يدل عليه قولهم: « ذََلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » و التقدير أ ءذا متنا و كنا ترابا نبعث و نرجع؟و الاستفهام للتعجيب، و إنما حذف للإشارة إلى أنه عجيب بحيث لا ينبغي أن يذكر، إذ لا يقبله عقل ذي عقل‏

339

(1) -و الآية في مساق قوله: «وَ قََالُوا أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» : الم السجدة: 10.

و المعنى: أنهم يتعجبون و يقولون: أ ءذا متنا و كنا ترابا-و بطلت ذواتنا بطلانا لا أثر معه منها-نبعث و نرجع؟ثم كان قائلا يقول لهم: مم تتعجبون؟فقالوا: ذلك رجع بعيد يستبعده العقل و لا يسلمه.

قوله تعالى: « قَدْ عَلِمْنََا مََا تَنْقُصُ اَلْأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنََا كِتََابٌ حَفِيظٌ » رد منه تعالى لاستبعادهم البعث و الرجوع مستندين في ذلك إلى أنهم ستتلاشى أبدانهم بالموت فتصير ترابا متشابه الأجزاءلا تمايز لجزء منها من جزء و الجواب أنا نعلم بما تأكله الأرض من أبدانهم و تنقصه منها فلا يفوت علمنا جزء من أجزائهم حتى يتعسر علينا إرجاعه أو يتعذر بالجهل.

أو أنا نعلم من يموت منهم فيدفن في الأرض فتنقصه الأرض من جمعهم، و «من» على أول الوجهين تبعيضية و على الثاني تبيينية.

و قوله: « وَ عِنْدَنََا كِتََابٌ حَفِيظٌ » أي حافظ لكل شي‏ء و لآثاره و أحواله، أو كتاب ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير و التحريف، و هو اللوح المحفوظ الذي فيه كل ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

و قول بعضهم إن المراد به كتاب الأعمال غير سديد أولا من جهة أن الله ذكره حفيظا لما تنقص الأرض منهم و هو غير الأعمال التي يحفظه كتاب الأعمال.

و ثانيا: أنه سبحانه إنما وصف في كلامه بالحفظ اللوح المحفوظ دون كتب الأعمال فحمل الكتاب الحفيظ على كتاب الأعمال من غير شاهد.

و محصل جواب الآية أنهم زعموا أن موتهم و صيرورتهم ترابا متلاشي الذرات غير متمايز الأجزاء يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها و إرجاعها لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم و ما يتبدل إلى الأرض من أجزاء أبدانهم و كيف يتبدل و إلى أين يصير؟و عندنا كتاب حفيظ فيه كل شي‏ء و هو اللوح المحفوظ.

قوله تعالى: « بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ » المرج‏ الاختلاط و الالتباس، و في الآية إضراب عما تلوح إليه الآية السابقة فإن اللائح منها أنهم إنما

340

(1) -تعجبوا من أمر البعث و الرجوع و استبعدوه لجهلهم بأن الله سبحانه عليم لا يعزب عنه شي‏ء من أحوال خلقه و آثارهم و أن جميع ذلك مستطر في اللوح المحفوظ عند الله بحيث لا يشذ عنه شاذ.

فأضرب في هذه الآية أن ذلك ليس من جهلهم و إن تجاهلوا بل كذبوا بالحق لما جاءهم فاستبان لهم أنه حق فهم جاحدون للحق معاندون له و ليسوا بجاهلين به قاصرين عن إدراكه فهم في أمر مريج مختلط غير منتظم يدركون الحق و يكذبون به مع أن لازم العلم بشي‏ء تصديقه و الإيمان به.

و قيل: المراد بكونهم في أمر مريج أنهم متحيرون بعد إنكار الحق لا يدرون ما يقولون فتارة يقولون: افتراء على الله، و تارة: سحر، و تارة: شعر، و تارة: كهانة و تارة: زجر.

و لذلك عقب الكلام بذكر آيات علمه و قدرته توبيخا لهم ثم بالإشارة إلى تكذيب الأمم الماضية الهالكة الذي ساقهم إلى عذاب الاستئصال، تهديدا لهم.

قوله تعالى: « أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اَلسَّمََاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنََاهََا وَ زَيَّنََّاهََا وَ مََا لَهََا مِنْ فُرُوجٍ » الفروج‏ جمع فرجة: الشقوق و الفتوق، و تقييد السماء بكونها فوقهم للدلالة على أنها بمرأى منهم لا تغيب‏عن أنظارهم، و المراد بتزيينها خلق النجوم اللامعة فيها بما لها من الجمال البديع، فبناء هذا الخلق البديع بما لها من الجمال الرائع من غير شقوق و فتوق أصدق شاهد على قدرته القاهرة و علمه المحيط بما خلق.

قوله تعالى: « وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » مد الأرض‏ بسطها لتلائم عيشة الإنسان، و الرواسي‏ جمع الراسية بمعنى الثابتة صفة محذوفة الموصوف و هو الجبال، و المراد جعل الجبال الثابتة على ظهرها، و البهيج‏ من البهجة، قال في المجمع، : البهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية كالزهرة و الأشجار النضرة و الرياض الخضرة. انتهى. و قيل: المراد بالبهيج الذي من رآه بهج و سر به فهو بمعنى المبهوج به.

و المراد بإنبات كل زوج بهيج إنبات كل صنف حسن المنظر من النبات. ـ

341

(1) -فخلق الأرض و ما جرى فيها من التدبير الإلهي العجيب أحسن دليل يدل العقل على كمال القدرة و العلم.

قوله تعالى: « تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى‏ََ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ » مفعول له أي فعلنا ما فعلنا من بناء السماء و مد الأرض و عجائب التدبير التي أجريناها فيهما ليكون تبصرة يتبصر بها و ذكرى يتذكر بها كل عبد راجع إلى الله سبحانه.

قوله تعالى: « وَ نَزَّلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً مُبََارَكاً فَأَنْبَتْنََا بِهِ جَنََّاتٍ وَ حَبَّ اَلْحَصِيدِ » السماء جهة العلو و الماء المبارك المطر، وصف بالمباركة لكثرة خيراته العائدة إلى الأرض و أهلها، و حب الحصيد المحصود من الحب و هو من إضافة الموصوف إلى الصفة، و المعنى ظاهر.

قوله تعالى: « وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ لَهََا طَلْعٌ نَضِيدٌ » الباسقات‏ جمع باسقة و هي الطويلة العالية، و الطلع‏ أول ما يطلع من ثمر النخيل، و النضيد بمعنى المنضود بعضه على بعض و المعنى ظاهر.

قوله تعالى: « رِزْقاً لِلْعِبََادِ وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ » الرزق‏ ما يمد به البقاء، و « رِزْقاً لِلْعِبََادِ » مفعول له أي أنبتنا هذه الجنات و حب الحصيد و النخل باسقات بما لها من الطلع النضيد ليكون رزقا للعباد فمن خلق هذه النباتات ليرزق به العباد بما في ذلك من التدبير الوسيع الذي يدهش اللب و يحير العقل هو ذو علم لا يتناهى و قدرة لا تعيى لا يشق عليه إحياء الإنسان بعد موته و إن تلاشت ذرأت جسمه و ضلت في الأرض أجزاء بدنه.

و قوله: « وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ » برهان آخر على البعث غير ما تقدم استنتج من طي الكلام فإن البيان السابق في رد استبعادهم للبعث مستندين إلى صيرورتهم ترابا غير متمايز الأجزاء كان برهانا من مسلك إثبات علمه بكل شي‏ء و قدرته على كل شي‏ء و هذا البرهان الذي يتضمنه قوله: « وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ » من مسلك إثبات إمكان الشي‏ء بوقوع مثله فليس الخروج من القبور بالإحياء بعد الموت إلا مثل خروج النبات الميت من الأرض بعد موتها و وقوف قواه عن النماء و النشوء.

و قد قررنا هذا البرهان في ذيل الآيات المستدلة بإحياء الأرض بعد موتها على‏

342

(1) -البعث غير مرة فيما تقدم من أجزاء الكتاب.

قوله تعالى: « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ -إلى قوله- كُلٌّ كَذَّبَ اَلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ » ، تهديد و إنذار لهم بما كذبوا بالحق‏لما جاءهم و تبين لهم عنادا كما أشرنا إليه قبل.

و قد تقدم ذكر أصحاب الرس في تفسير سورة الفرقان، و ذكر أصحاب الأيكة و هم قوم شعيب في سور الحجر و الشعراء و_ص، و ذكر قوم تبع في سورة الدخان.

و في قوله: « كُلٌّ كَذَّبَ اَلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ » إشارة إلى أن هناك وعيدا بالهلاك ينجز عند تكذيب الرسل قال تعالى: «فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ» : النحل: 36.

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال"*: خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها-ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له: ق-السماء الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا-مثل تلك الأرض سبع مرات-ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له ق-السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين-و سبعة أبحر و سبعة أجبل و سبع سماوات. قال: و ذلك قوله:

« وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ » .

و فيه، أخرج ابن المنذر و ابن مردويه و أبو الشيخ و الحاكم عن عبد الله بن بريدة"*في قوله تعالى: « ق » قال: جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء.

و فيه، أخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات، و أبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس قال"*:

خلق الله جبلا يقال له ق محيط بالعالم-و عروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض-فإذاأراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل-فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها و يحركها- فمن ثم تحرك القرية دون القرية:

أقول: و روى القمي بإسناده عن يحيى بن ميسرة الخثعمي عن الباقر (ع) :

343

(1) -مثل ما مر عن عبد الله بن بريدة، و روي ما في معناه مرسلا و مضمرا و لفظه: قال: جبل محيط بالدنيا وراء يأجوج و مأجوج.

و كيفما كان لا تعويل على هذه الروايات، و بطلان ما فيها يكاد يلحق اليوم بالبديهيات أو هو منها.

و في تفسير القمي، : في قوله تعالى: « فَقََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ » قال:

نزلت في أبي بن خلف قال لأبي جهل: تعال إلي أعجبك من محمد ثم أخذ عظما ففته- ثم قال: يا محمد تزعم أن هذا يحيا؟فقال الله: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ » .

344

(1) -

بيان‏

الآية الأولى متممة لما أورده في الآيات السابقة من الحجة على علمه و قدرته بما خلق السماء و الأرض و ما فيهما من خلق و دبر ذلك أكمل التدبير و أتمه و ذلك كله هو الخلق الأول و النشأة الأولى. فتمم ذلك بقوله: « أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ » و استنتج منه أن القادر على الخلق الأول العالم به قادر على خلق جديد و نشأة ثانية و عالم به لأنهما مثلان إذا جاز له خلق أحدهما جاز خلق الآخر و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن. ـ

345

(1) -ثم أضرب عنه أنهم في التباس من خلق جديد مع مماثلة الخلقين‏ثم أشار إلى نشأة الإنسان أول مرة و هو يعلم منه حتى خطرات قلبه و عليه رقباؤه يراقبونه أدق المراقبة ثم يجيئه سكرة الموت بالحق ثم البعث ثم دخول الجنة أو النار ثم أشار ثانيا إلى ما حل بالقرون الماضية المكذبة من السخط الإلهي و عذاب الاستئصال و هم أشد بطشا من هؤلاء فمن جازاهم بالهلاك قادر على أن يجازي هؤلاء.

قوله تعالى: « أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » العي‏ عجز يلحق من تولي الأمر و الكلام كذا، قال الراغب: يقال: أعياني كذا و عييت بكذا أي عجزت عنه و الخلق الأول خلق هذه النشأة الطبيعية بنظامها الجاري و منها الإنسان في حياته الدنيا فلا وجه لقصر الخلق الأول في خلق السماء و الأرض فقط كما مال إليه الرازي في التفسير الكبير و لا لقصره في خلق الإنسان كما مال إليه بعضهم و ذلك لأن الخلق الجديد يشمل السماء و الأرض و الإنسان جميعا كما قال تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ وَ بَرَزُوا لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ» : إبراهيم: 48. و الخلق الجديد خلق النشأة الثانية و هي النشأة الآخرة، و الاستفهام للإنكار.

و المعنى: أ عجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد؟أي لم نعجز عن الخلق الأول و هو إبداؤه فلا نعجز عن الخلق الجديد و هو إعادته.

و لو أخذ العي بمعنى التعب كما مال إليه بعضهم كان المعنى: هل تعبنا بسبب الخلق الأول حتى يتعذر أو يتعسر علينا الخلق الجديد؟و ذلك كما أن الإنسان و سائر الحيوان إذا أتى بشي‏ء من الفعل و أكثر منه انتهي به إلى التعب البدني فيكفه ذلك عن الفعل بعد، فما لم يأت به من الفعل لكونه تعبان مثل ما أتى لكنه لا يؤتى به لأن الفاعل لا يستطيعه لتعبه و إن كان الفعل جائزا متشابه الأمثال.

و هذا معنى لا بأس به لكن قيل: إن استعمال العي بمعنى العجز أفصح.

على أن سوق الحجة من طريق العجز يفيد استحالة الإتيان و نفيها هو المطلوب بخلاف سوقها من طريق التعب فإنه يفيد تعسره دون استحالة الإتيان و مراد النافين للمعاد استحالته دون تعسره هذا.

و قوله: « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » اللبس‏ هو الالتباس، و المراد بالخلق‏

346

(1) -الجديد تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة أخرى ذات نظام آخر وراء النظام الطبيعي الحاكم في الدنيا فإن في النشأة الأخرى و هي الخلق الجديد بقاء من غير فناء و حياة من غير موت ثم إن كان الإنسان من أهل السعادة فله نعمة من غير نقمة و إن كان من أهل الشقاء ففي نقمة لا نعمة معها، و النشأة الأولى و هي الخلق الأول و النظام الحاكم فيها على خلاف ذلك.

و المعنى: إذا كنا خلقنا العالم بسمائه و أرضه و ما فيهما و دبرناه أحسن تدبير لأول مرة بقدرتنا و علمناو لم نعجز عن ذلك علما و قدرة فنحن غير عاجزين عن تجديد خلقه و هو تبديله خلقا جديدا فلا ريب في قدرتنا و لا التباس بل هم في التباس لا سبيل لهم مع ذلك إلى الإيمان بخلق جديد.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ » قال الراغب: الوسوسة الخطرة الرديئة و أصله من الوسواس و هو صوت الحلي و الهمس الخفي. انتهى.

و المراد بخلق الإنسان وجوده المتدرج المتحول خلقا بعد خلق لا أول تكوينه إنسانا و إن عبر عنه بالماضي إذ قال: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ » إذ الإنسان-و كذا كل مخلوق له حظ من البقاء-كما يحتاج إلى عطية ربه في أول وجوده كذلك يحتاج إليه في بقائه.

و لما ذكر من النكتة عطف قوله: « وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ » و هو فعل مضارع مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ » و هو فعل ماض لكنه مستمر المعنى، و كذا قوله: « وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ » مفيد للثبوت و الدوام و الاستمرار باستمرار وجود الإنسان.

و للآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه و قدرته تعالى في الخلق الأول بقوله:

« أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اَلسَّمََاءِ » و اتصال أيضا بقوله تعالى في الآية السابقة: « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان بخلقه، و علمه به بلا واسطة و بواسطة الملائكة الحفظة الكتبة.

فقوله: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ » -و اللام للقسم-دال على القدرة عليه بإثبات الخلق.

347

(1) -و قوله: « وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ » في ذكر أخفى أصناف العلم و هو العلم بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل: و نعلم ظاهره و باطنه حتى ما توسوس به نفسه و مما توسوس به الشبهة في أمر المعاد: كيف يبعث الإنسان و قد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض.

و قد بان أن «ما» في « مََا تُوَسْوِسُ بِهِ » موصولة و ضمير « بِهِ » عائد إليه و الباء للآلة أو للسببية، و نسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان و إن كانت منسوبة إليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من هاجس و وسوسة.

و قوله: « وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ » الوريد عرق متفرق في البدن فيه مجاري الدم، و قيل: هو العرق الذي في الحلق، و كيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه به، و إضافة حبل الوريد بيانية.

و المعنى: نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في داخل بدنه فكيف لا نعلم به و بما في نفسه.

و هذا تقريب للمقصود بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام و إلا فأمر قربه تعالى إليه أعظم من ذلك و أعظم فهو سبحانه الذي جعلها نفسا و رتب عليها آثارها فهو الواسطة بينها و بين نفسها و بينها و بين آثارها و أفعالها فهو أقرب إلى الإنسان من كل أمر مفروض حتى في نفسه، و لكون هذا المعنى دقيقا يشق تصوره على أكثر الأفهام عدل سبحانه إلى بيانه بنحو قوله: « وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ » و قريب منه بوجه قوله: « أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ » .

و لهم في معنى الآية وجوه كثيرة أخر لا جدوى في نقلها و البحث عنها من أرادها فليراجع كتبهم.

قوله تعالى: « إِذْ يَتَلَقَّى اَلْمُتَلَقِّيََانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ » التلقي‏ الأخذ و التلقن، و المراد بالمتلقيان على ما يفيده السياق الملكان الموكلان على الإنسان اللذان يتلقيان عمله فيحفظانه بالكتابة.

و قوله: « عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ » تقديره عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد، و المراد باليمين و الشمال يمين الإنسان و شماله، و القعيد القاعد.

348

(1) -و الظرف في قوله: « إِذْ يَتَلَقَّى اَلْمُتَلَقِّيََانِ » الظاهر أنه متعلق بمحذوف و التقدير اذكر إذ يتلقى المتلقيان، و المراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال الإنسان من طريق كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير توسط الوسائط.

و قيل: الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: « أَقْرَبُ » و المعنى: نحن أقرب إليه من حبل الوريد في حين يتلقى الملكان الموكلان عليه أعماله ليكتباها.

و لعل الوجه السابق أوفق للسياق فإن بناء هذا الوجه على كون العمدة في الغرض بيان أقربيته تعالى إليه و علمه به و الباقي مقصود لأجله، و ظاهر السياق و خاصة بالنظر إلى الآية التاليةكون كل من العلم من طريق القرب و من طريق تلقي الملكين مقصودا بالاستقلال.

و قيل: « إِذْ » تعليلية تعلل علمه تعالى المدلول عليه بقوله: « وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ » إلخ، بمفاد مدخولها.

و فيه أن من البعيد من مذاق القرآن أن يستدل على علمه تعالى بعلم الملائكة أو بحفظهم و كتابتهم.

و قوله: « عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ » تمثيل لموقعهما من الإنسان، و اليمين و الشمال جانبا الخير و الشر ينتسب إليهما الحسنة و السيئة.

قوله تعالى: « مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » اللفظ الرمي سمي به التكلم بنوع من التشبيه، و الرقيب‏ المحافظ، و العتيد المعد المهيأ للزوم الأمر.

و الآية تذكر مراقبة الكتبة للإنسان فيما يتكلم به من كلام، و هي بعد قوله:

« إِذْ يَتَلَقَّى اَلْمُتَلَقِّيََانِ » إلخ، من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به.

قوله تعالى: « وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » الحيد العدول و الميل على سبيل الهرب، و المراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه و ينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول و لا ما يقال له.

و في تقييد مجي‏ء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنََا تُرْجَعُونَ» : الأنبياء: 35، و قد مر تفسيره فالموت-و هو

349

(1) -الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها-حق كما أن البعث حق و الجنة حق و النار حق، و في معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها و التعرض لها.

و في قوله: « ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع و ذلك أن الله سبحانه زين الحياة الدنيا و التعلق بزخارفها للإنسان ابتلاء و امتحانا، قال تعالى: «إِنََّا جَعَلْنََا مََا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهََا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ` وَ إِنََّا لَجََاعِلُونَ مََا عَلَيْهََا صَعِيداً جُرُزاً» : الكهف: 8.

قوله تعالى: « وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْوَعِيدِ » هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى، و المراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ.

و المراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده.

قوله تعالى: « وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ » السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها.

فقوله: « وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ » أي جاءت إلى الله و حضرت عنده لفصل القضاء، و الدليل عليه قوله تعالى: «إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمَسََاقُ» : القيامة: 30.

و المعنى: و حضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها و شاهد يشهد بأعمالها و لم يصرح تعالى بكونهما من الملائكة أو بكونهما هما الكاتبين أو من غير الملائكة، غير أن السابق إلى الذهن من سياق الآيات أنهما من الملائكة، و سيجي‏ء الروايات في ذلك.

و كذا لا تصريح بكون الشهادة منحصرة في هذا الشاهد المذكور في الآية بل الآيات الواردة في شهداء يوم القيامة تقضي بعدم الانحصار، و كذا الآيات التالية الذاكرة لاختصام الإنسان و قرينة دالة على أن مع الإنسان يومئذ غير السائق و الشهيد.

قوله تعالى: « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ » وقوع الآية في سياق آيات القيامة و احتفافها بها يقضي بكونها من خطابات يوم القيامة، و المخاطب بها هو الله سبحانه، و الذي خوطب بها هو الإنسان المذكور

350

(1) -في قوله: « وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ » و عليه فالخطاب عام متوجه إلى كل إنسان إلا أن التوبيخ و التقريع اللائح من سياق الآية ربما استدعى اختصاص الخطاب بمنكري المعاد، أضف إلى ذلك، كون الآيات مسوقة لرد منكري المعاد في قولهم: « أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً ذََلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » .

و الإشارة بقوله: « هََذََا » إلى ما يشاهده يومئذ و يعاينه من تقطع الأسباب و بوار الأشياء و رجوع الكل إلى الله الواحد القهار، و قد كان تعلق الإنسان في الدنيا بالأسباب الظاهرية و ركونه إليها أغفله عن ذلك‏حتى إذا كشف الله عنه حجاب الغفلة فبدت له حقيقة الأمر فشاهد ذلك مشاهدة عيان لا علما فكريا.

و لذا خوطب بقوله: « لَقَدْ كُنْتَ » في الدنيا « فِي غَفْلَةٍ » أحاطت بك «من هذا» الذي تشاهده و تعاينه و إن كان في الدنيا نصب عينيك لا يغيب لكن تعلقك بذيل الأسباب أذهلك و أغفلك عنه « فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ » اليوم « فَبَصَرُكَ » و هو البصيرة و عين القلب « اَلْيَوْمَ » و هو يوم القيامة « حَدِيدٌ » أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدنيا.

و يتبين بالآية أولا: أن معرف يوم القيامة أنه يوم ينكشف فيه غطاء الغفلة عن الإنسان فيشاهد حقيقة الأمر، و في هذا المعنى و ما يقرب منه آيات كثيرة كقوله تعالى: «وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ» : الانفطار: 19، و قوله: «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ» : المؤمن: 16، إلى غير ذلك من الآيات.

و ثانيا: أن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجود مهيأ له و هو في الدنيا غير أنه في غفلة منه، و خاصة يوم القيامة أنه يوم انكشاف الغطاء و معاينة ما وراءه، و ذلك لأن الغفلة إنما يتصور فيما يكون هناك أمر موجود مغفول عنه، و الغطاء يستلزم أمرا وراءه و هو يغطيه و يستره، و عدم حدة البصر إنما ينفع فيما إذا كان هناك مبصر دقيق لا ينفذ فيه البصر.

و من أسخف القول ما قيل: إن الآية خطاب منه تعالى لنبيه (ص) ، و المعنى:

لقد كنت قبل الرسالة في غفلة من هذا الذي نوحي إليك فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد يدرك الوحي أو يبصر ملك الوحي فيتلقى الوحي، و ذلك لأن السياق لا يساعده و لا لفظ الآية ينطبق عليه. ـ

351

(1) -}قوله تعالى: « وَ قََالَ قَرِينُهُ هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ » لا يخلو السياق من ظهور في أن المراد بهذا القرين الملك الموكل به فإن كان هو السائق كان معنى قوله: « هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ » هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر، و إن كان هو الشهيد كان المعنى هذا -و هو يشير إلى أعماله التي حمل الشهادة عليها-ما عندي من أعماله حاضر مهيأ.

و قيل: المراد بالقرين الشيطان الذي يصاحبه و يغويه، و معنى كلامه على هذا هذا الإنسان هو الذي توليت أمره و ملكته حاضر مهيأ لدخول جهنم.

}قوله تعالى: « أَلْقِيََا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفََّارٍ عَنِيدٍ ` مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ » الكفار اسم مبالغة من الكفر، و العنيد المعاند للحق المستمر على عناده، و المعتدي‏ المتجاوز عن الحد المتخطئ للحق، و المريب‏ الشاك أو المشكك في أمر البعث.

و بين هذه الصفات المعدودة شبه الاستلزام فإن كثرة الكفر برد الإنسان كل حق يواجهه تنتج العناد مع الحق و الإصرار عليه، و الإصرار على العناد يوجب المنع عن أكثر الخيرات إذ لا خير إلا في الحق و من ناحيته، و هو يستلزم‏ الخروج عن حد الحق إلى الباطل و تجاوز الإنسان عن حد العبودية إلى الاستكبار و الطغيان و يستلزم تشكيك الناس في ما يرومونه من دين الحق.

و الخطاب في الآية منه تعالى، و ظاهر سياق الآيات أن المخاطب به هما الملكان الموكلان السائق و الشهيد، و احتمل بعضهم أن يكون الخطاب إلى ملكين من ملائكة النار و خزنتها.

قوله تعالى: « اَلَّذِي جَعَلَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ فَأَلْقِيََاهُ فِي اَلْعَذََابِ اَلشَّدِيدِ » العدول في ذكر صفة الشرك عن الإيجاز إلى الإطناب حيث لم يقل: مشرك و قال: « اَلَّذِي جَعَلَ » إلخ، للإشارة إلى أن هذه الصفة أعظم المعاصي و أم الجرائم التي أتى بها و الصفات الرذيلة التي عدت له من الكفر و العناد و منع الخير و الاعتداء و الإرابة.

و قوله: « فَأَلْقِيََاهُ فِي اَلْعَذََابِ اَلشَّدِيدِ » تأكيد لما تقدم من الأمر بقوله: « أَلْقِيََا » إلخ، و يلوح إلى تشديد الأمر من جهة الشرك، و لذا عقبه بقوله: « فِي اَلْعَذََابِ اَلشَّدِيدِ » .

قوله تعالى: « قََالَ قَرِينُهُ رَبَّنََا مََا أَطْغَيْتُهُ وَ لََكِنْ كََانَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ » المراد بهذا القرين قرينه من الشياطين بلا شك، و قد تكرر في كلامه تعالى ذكر القرين من الشيطان‏

352

(1) -و هو الذي يلازم الإنسان و يوحي إليه ما يوحي من الغواية و الضلال، قال تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ` وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ` حَتََّى إِذََا جََاءَنََا قََالَ يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ» : الزخرف: 38.

فقوله: « قََالَ قَرِينُهُ » أي شيطانه الذي يصاحبه و يغويه « رَبَّنََا » أضاف الرب إلى نفسه و الإنسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام « مََا أَطْغَيْتُهُ » أي ما أجبرته على الطغيان « وَ لََكِنْ كََانَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ » أي متهيئا مستعدا لقبول ما ألقيته إليه تلقاه باختياره فما أنا بمسئولين عن ذنبه في طغيانه.

و قد تقدم في سورة الصافات تفصيل اختصام الظالمين و أزواجهم في قوله:

«اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ» : الصافات: 22، إلى آخر الآيات.

قوله تعالى: « قََالَ لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » القائل هو الله سبحانه يخاطبهم و كأنه خطاب واحد لعامة المشركين الطاغين و قرنائهم ينحل إلى خطابات جزئية لكل إنسان و قرينه بمثل قولنا: لا تختصما لدي، إلخ.

و قوله: « وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » حال من فاعل « لاََ تَخْتَصِمُوا » و « بِالْوَعِيدِ » مفعول « قَدَّمْتُ » و الباء للوصلة.

و المعنى: لا تختصموا لدي فلا نفع لكم فيه بعد ما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك و ظلم، و الوعيد الذي قدمه إليهم مثل قوله تعالى لإبليس: «اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزََاؤُكُمْ جَزََاءً مَوْفُوراً» : إسراء: 63، و قوله: «فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ ` لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» : _ص: 85. أو قوله: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ» : السجدة: 13.

قوله تعالى: « مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ » الذي يعطيه السياق أن تكون الآية استئنافا بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كان قائلا يقول: هب أنك قد قدمت فهلا غيرته و عفوت؟فأجيب بقوله: « مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ » و المراد بالقول مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله، و قد قضى لمن مات على الكفر بدخول جهنم و ينطبق بحسب المورد على الوعيد الذي أوعده الله لإبليس و من تبعه.

353

(1) -فقد بان أن الجملة مستأنفة، و المراد بتبديل القول تغيير القضاء المحتوم، و « لَدَيَّ » متعلق بالتبديل، هذا ما يعطيه السياق، و قد ذكر بعضهم في هذه الجملة و إعراب مفرداتها و معنى تبديل القول وجوها و احتمالات كثيرة بعيدة عن الفهم لا تزيد في الكلام إلا تعقيدا فأغمضنا عن إيرادها.

و قوله: « وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ » متمم لمعنى الجملة السابقة أي لا يبدل قولي فأنتم معذبون لا محالة و لست أظلم عبيدي في عذابهم على طبق ما قدمت إليهم بالوعيد لأنهم مستحقون لذلك بعد إتمام الحجة.

و من وجه آخر: لا ظلم في مجازاتهم بالعذاب فإنهم إنما يجزون بأعمالهم التي قدموها في أعمالهم ردت إليهم كما هو ظاهر قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» : التحريم: 7.

و ما في قوله: « وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ » من نفي الظلم الكثير لا يستوجب جواز الظلم اليسير فإنه تعالى لو ظلم في شي‏ء من الجزاء كان ظلما كثيرا لكثرة أمثاله فإن الخطاب لكل إنسان مشرك ظالم مع قرينه، و هم كثيرون فهو سبحانه لو ظلم في شي‏ء من الجزاء لكان ظلاما.

قوله تعالى: « يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » خطاب منه تعالى لجهنم و جواب منها، و قد اختلف في حقيقة هذا التكليم و التكلم فقيل: الخطاب و الجواب بلسان الحال و يرده أنه لو كان بلسان الحال لم يختص به تعالى بل كان لكل من يشاهدها على تلك الحال أن يسألها عن امتلائها فتجيبه بقولها: هل من مزيد؟فليس لتخصيص الخطاب به تعالى نكتة ظاهرة.

و قيل: حقيقة الخطاب لخزنة جهنم و الجواب منهم و إن كانا نسبا إلى جهنم و فيه أنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل.

و قيل: الخطاب و الجواب على ظاهره، و لا دليل يدل على عدم الجواز، و قد أخبر الله سبحانه عن تكليم الأيدي و الأرجل و الجلود و غيرها، و هو الوجه‏و قد تقدم في تفسير سورة فصلت أن العلم و الشعور سار في جميع الموجودات.

354

(1) -و قوله: « هَلِ اِمْتَلَأْتِ » استفهام تقريري، و كذا قوله حكاية عنها: « هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » و لعل إيراد هذا السؤال و الجواب للإشارة إلى أن قهره و عذابه لا يقصر عن الإحاطة بالمجرمين و إيفاء ما يستحقونه من الجزاء قال تعالى: «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكََافِرِينَ» : التوبة: 49.

و استشكل بأنه مناف لصريح قوله تعالى: « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » الآية و أجيب بأن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو شي‏ء من طبقاتها من السكنة كما يقال: البلد ممتلئ بأهله.

على أنه يمكن أن يكون هذا القول منها قبل دخول جميع أهل النار فيها.

و قيل: الاستفهام في قوله: « هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » للإنكار و المعنى: لا مزيد أي لا مكان في يزيد على من ألقي في من المجرمين فقد امتلأت فيكون إشارة إلى ما قضى به في قوله: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ» : السجدة: 13، و قوله: « هَلِ اِمْتَلَأْتِ » في معنى أن يقال: « حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » ، و قوله: « هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » تقرير و تصديق له.

و ربما أيد هذا الوجه قوله تعالى قبل: « مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ » على تقدير أن يراد بالقول قوله تعالى: « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ » .

قوله تعالى: « وَ أُزْلِفَتِ اَلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ » شروع في وصف حال المتقين يوم القيامة، و الإزلاف‏ التقريب، و « غَيْرَ بَعِيدٍ » على ما قيل صفة لظرف محذوف و التقدير في مكان غير بعيد.

و المعنى: و قربت الجنة يومئذ للمتقين حال كونها في مكان غير بعيد أي هي بين أيديهم لا تكلف لهم في دخولها.

قوله تعالى: « هََذََا مََا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوََّابٍ حَفِيظٍ » الإشارة إلى ما تقدم من الثواب الموعود، و الأواب‏ من الأوب بمعنى الرجوع، و المراد كثرة الرجوع إلى الله بالتوبة و الطاعة، و الحفيظ هو الذي يدوم على حفظ ما عهد الله إليه من أن يترك فيضيع، و قوله: « لِكُلِّ أَوََّابٍ حَفِيظٍ » خبر بعد خبر لهذا أو حال.

قوله تعالى: « مَنْ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ وَ جََاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ » بيان لكل أواب و الخشية بالغيب الخوف من عذاب الله حال كونه غائبا غير مرئي له، و الإنابة هو