الميزان في تفسير القرآن - ج18

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
391 /
355

(1) -الرجوع، و المجي‏ء إلى ربه بقلب منيب أن يتم عمره بالإنابة فيأتي ربه بقلب متلبس بالإنابة.

قوله تعالى: « اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُلُودِ » خطاب للمتقين أي يقال لهم:

ادخلوا بسلام أي بسلامة و أمن من كل مكروه و سوء، أو بسلام من الله و ملائكته عليكم، و قوله: « ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُلُودِ » بشرى يبشرون بها.

قوله تعالى: « لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ » يمكن أن يكون « فِيهََا » متعلقا بيشاءون أو بمحذوف هو حال من الموصول، و التقدير: حال كون ما يشاءون فيها أو من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول، و التقدير: ما يشاءونه حال كونه فيها، و الأول أوفق لسعة كرامتهم عند الله سبحانه.

و المحصل: أن أهل الجنة و هم في الجنة يملكون كل ما تعلقت به مشيتهم و إرادتهم كائنا ما كان من غير تقييد و استثناء فلهم كلما أمكن أن يتعلق به الإرادة و المشية لو تعلقت.

و قوله: « وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ » أي و لهم عندنا ما يزيد على ذلك-على ما يفيده السياق-و إذ كان لهم كل ما أمكن أن تتعلق به مشيتهم مما يتعلق به علمهم من المطالب و المقاصد فالمزيد على ذلك أمر أعظم مما تتعلق به مشيتهم لكونه فوق ما يتعلق به علمهم من الكمال.

و قيل: المراد بالمزيد الزيادة على ما يشاءون من جنس ما يشتهون فإذا شاءوا رزقا أعطوا منه أكثر مما شاءوا و أفضل و أعجب كما ورد عن بعضهم أنه تمر بهم السحابة فتقول: ما ذا تريدون فأمطره عليكم فلا يريدون شيئا إلا أمطرته عليهم.

و فيه أنه تقييد لإطلاق الكلام من غير مقيد فإن ظاهر قوله: « لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا » إنهم يملكون كل ما يمكنهم أن يشاءوا لا تملكهم ما شاءوه بالفعل فالمزيد وراء ما يمكن أن تتعلق به مشيتهم.

و قيل: المراد أنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها و فيه ما في سابقه.

قوله تعالى: « وَ كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي اَلْبِلاََدِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ » التنقيب‏ السير، المحيص‏ المحيد و المنجا.

356

(1) -و في الآية تذييل الاحتجاج بخلق الإنسان و العلم به و بيان سيره إلى الله بالتخويف و الإنذار نظير ما جرى عليه الكلام في صدر السورة من الاحتجاج على المعاد و تذييله بالتخويف و الإنذار في قوله: « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحََابُ اَلرَّسِّ وَ ثَمُودُ » إلخ.

و المعنى: و كثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قرن هم أي أهل ذلك القرن أشد بطشا منهم أي من هؤلاء المشركين فساروا ببطشهم في البلاد ففتحوها و تحكموا عليها هل من محيد و منجا من إهلاك الله و عذابه؟.

قوله تعالى: « إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ » القلب ما يعقل به الإنسان فيميز الحق من الباطل و الخير من الشر و النافع من الضار، فإذا لم يعقل و لم يميز فوجوده بمنزلة عدمه إذ ما لا أثر له فوجوده و عدمه سواء، و إلقاء السمع هو الاستماع كأن السمع شي‏ء يلقى إلى المسموع فيناله و يدركه و الشهيد الحاضر المشاهد.

و المعنى: أن فيما أخبرنا به من الحقائق و أشرنا إليه من قصص الأمم الهالكة لذكرى يتذكر بها من كان يتعقل فيدرك الحق و يختار ما فيه خيره و نفعه أو استمع إلى حق القول‏و لم يشتغل عنه بغيره و الحال أنه شاهد حاضر يعي ما يسمعه.

و الترديد بين من كان له قلب و من استمع شهيدا لمكان أن المؤمن بالحق أحد رجلين إما رجل ذو عقل يمكنه أن يتناول الحق فيتفكر فيه و يرى ما هو الحق فيذعن به، و إما رجل لا يقوى على التفكر حتى يميز الحق و الخير و النافع فعليه أن يستمع القول فيتبعه، و أما من لا قلب له يعقل به و لا يسمع شهيدا على ما يقال له و يلقى إليه من الرسالة و الإنذار فجاهل متعنت لا قلب له و لا سمع، قال تعالى: «وَ قََالُوا لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مََا كُنََّا فِي أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ» : الملك: 10.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ وَ مََا مَسَّنََا مِنْ لُغُوبٍ » اللغوب‏ التعب و النصب، و المعنى ظاهر.

بحث روائي‏

في التوحيد، بإسناده إلى عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد قال*: سألت أبا جعفر

357

(1) - (ع) عن قول الله عز و جل: « أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله عز و جل-إذا أفنى هذا الخلق و هذا العالم-و سكن أهل الجنة الجنة و أهل النار النار-جدد الله عالما غير هذا العالم-و جدد خلقا من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحدونه-و خلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم، و سماء غير هذه السماء تظلهم.

لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد-أو ترى‏ أن الله لم يخلق بشرا غيركم- بلى و الله لقد خلق ألف ألف عالم و ألف ألف آدم-أنت في آخر تلك العوالم و أولئك الآدميين. :

أقول: و روي في الخصال، الشطر الأول من الحديث بإسناده عن محمد بن مسلم عنه (ع)

، و لعل المراد بكون ما ذكر تأويل الآية أنه مما ينطبق عليه.

و عن جوامع الجامع، عن النبي ص*: كاتب الحسنات على يمين الرجل-و كاتب السيئات على شماله، و صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال: فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا-و إذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر.

أقول: و في معناها روايات أخرى، و روي ست ساعات بدل سبع ساعات.

و في نهج البلاغة، : « وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ » سائق يسوقها إلى محشرها و شاهد يشهد عليها بعملها.

و في المجمع، و روى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن الأعمش قال*: حدثنا أبو المتوكل التاجر عن أبي السعيد الخدري قال: قال رسول الله ص: إذا كان يوم القيامة يقول الله لي و لعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، و أدخلا في الجنة من أحبكما و ذلك قوله: « أَلْقِيََا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفََّارٍ عَنِيدٍ » . :

أقول: و رواه شيخ الطائفة في أماليه، بإسناده عن أبي سعيد الخدري عنه (ص) .

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت و ابن أبي حاتم و أبو نعيم في الحلية، عن جابر بن عبد الله قال*: سمعت رسول الله ص يقول: إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له-إن الله إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه. اكتب أثره. اكتب‏

358

(1) -أجله شقيا أم سعيدا-ثم يرتفع ذلك الملك و يبعث الله ملكا-فيحفظه حتى يدرك ثم يرتفع ذلك الملك.

ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته و سيئاته-فإذا حضره الموت ارتفع ذلك الملكان-و جاء ملك الموت ليقبض روحه-فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده-و جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان.

فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات-و ملك السيئات-فبسطا كتابا معقودا في عنقه-ثم حضرا معه واحد سائق و آخر شهيد. ثم قال رسول الله ص:

إن قدامكم لأمرا عظيما-لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم.

و في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ-وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ » قال: هو استفهام لأن الله وعد النار أن يملأها-فتمتلئ النار ثم يقول لها: هَلِ اِمْتَلَأْتِ ؟و تقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟على حد الاستفهام أي ليس في مزيد.

أقول: بناؤه على كون الاستفهام إنكاريا.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أنس قال*: قال رسول الله‏ص: لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول: هل من مزيد؟حتى تضع رب العزة فيها قدمه-فينزوي بعضها إلى بعض و تقول: قط قط و عزتك و كرمك.

و لا يزال في الجنة فضل-حتى ينشئ الله لها خلقا آخر-فيسكنهم في قصور الجنة.

أقول: وضع القدم على النار و قولها: قط قط مروي في روايات كثيرة من طرق أهل السنة.

و في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ » قال:

النظر إلى رحمة الله.

و في الدر المنثور، أخرج البزاز و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و اللالكائي في السنة و البيهقي في البعث و النشور عن أنس"*في قوله تعالى: « وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ » قال:

يتجلى لهم الرب عز و جل.

359

(1) -

و في الكافي، بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم قال*: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (ع) : يا هشام إن الله يقول في كتابه: « إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ » يعني عقل.

و في الدر المنثور، أخرج الخطيب في تاريخه، عن العوام بن حوشب قال"*: سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس-فيضع إحدى رجليه على الأخرى-فقال: لا بأس به إنما كره ذلك اليهود-زعموا أن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أيام-ثم استراح يوم السبت فجلس تلك الجلسة-فأنزل الله « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ-وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ وَ مََا مَسَّنََا مِنْ لُغُوبٍ » .

أقول: و روي هذا المعنى عن الضحاك و قتادة، و روى هذا المعنى المفيد في روضة الواعظين، في رواية ضعيفة، و أصل تقسيم خلق الأشياء إلى ستة من أيام الأسبوع واقع في التوراة، و القرآن و إن كرر ذكر خلق الأشياء في ستة أيام لكنه لم يذكر كون هذه الأيام هي أيام الأسبوع و لا لوح إليه.

و على هذه الروايات اعتمد من قال: إن الآية مدنية، و لا دلالة في ردها قول اليهود أن تكون نازلة بالمدينة، و في الآيات المكية ما تعرض سبحانه فيه لشأن اليهود كما في سورة الأعراف و غيرها.

360

(1) -

بيان‏

خاتمة السورة يأمر النبي ص فيها أن يصبر على ما يقولون مما يرمونه بنحو السحر و الجنون و الشعر، و ما يتعنتون به باستهزاء المعاد و الرجوع إلى الله تعالى فيأمره (ص) بالصبر و أن يعبد ربه بتسبيحه و أن يتوقع البعث بانتظار الصيحة، و أن يذكر بالقرآن من يخاف الله بالغيب.

قوله تعالى: « فَاصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ اَلْغُرُوبِ » تفريع على جميع ما تقدم من إنكار المشركين للبعث، و من تفصيل القول في البعث و الحجة عليه، و من وعيد المنكرين له المكذبين للنبي ص و تهديدهم بمثل ما جرى على المكذبين من الأمم الماضية.

و قوله: « وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ » إلخ، أمر بتنزيهه تعالى عما يقولون مصاحبا للحمد و محصله إثبات جميل الفعل له و نفي كل نقص و شين عنه تعالى، و التسبيح قبل طلوع الشمس يقبل الانطباق على صلاة الصبح، و التسبيح قبل الغروب يقبل الانطباق على صلاة العصر أو عليها و على صلاة الظهر.

قوله تعالى: « وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ » أي و من الليل فسبحه فيه، و يقبل الانطباق على صلاتي المغرب و العشاء.

و قوله: « وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ » الأدبار جمع دبر و هو ما ينتهي إليه الشي‏ء و بعده، و كان المراد بأدبار السجود بعد الصلوات فإن السجود آخر الركعة من الصلاة فينطبق على التعقيب بعد الصلوات، و قيل: المراد به النوافل بعد الفرائض، و قيل: المراد به الركعتان أو الركعات بعد المغرب و قيل: ركعة الوتر في آخر الليل.

قوله تعالى: « وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ » فسروا الاستماع بمعان مختلفة و الأقرب أن يكون مضمنا معنى الانتظار و « يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ » مفعوله و المعنى:

361

(1) -و انتظر يوما ينادي فيه المنادي ملقيا سمعك لاستماع ندائه، و المراد بنداء المنادي نفخ صاحب الصور في الصور على ما تفيده الآية التالية.

و كون النداء من مكان قريب لإحاطته بهم فيقع في سمعهم على نسبة سواء لا تختلف بالقرب و البعد فإنما هو نداء البعث و كلمة الحياة.

قوله تعالى: « يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ » بيان ليوم ينادي المنادي، و كون الصيحة بالحق لأنها مقضية قضاء محتوما كما مر في قوله: « وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ » الآية.

و قوله: « ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ » أي يوم الخروج من القبور كما قال تعالى: «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ سِرََاعاً» : المعارج: 43.

قوله تعالى: « إِنََّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ إِلَيْنَا اَلْمَصِيرُ » المراد بالإحياء إفاضة الحياة على الأجساد الميتة في الدنيا، و بالإماتة الإماتة في الدنيا و هي النقل إلى عالم القبر، و بقوله: « وَ إِلَيْنَا اَلْمَصِيرُ » الإحياء بالبعث في الآخرة على ما يفيده السياق.

قوله تعالى: « يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرََاعاً ذََلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنََا يَسِيرٌ » أصل « تَشَقَّقُ » تتشقق أي تتصدع عنهم فيخرجون منها مسارعين‏ إلى الداعي.

و قوله: « ذََلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنََا يَسِيرٌ » أي ما ذكرنا من خروجهم من القبور المنشقة عنهم سراعا جمع لهم علينا يسير.

قوله تعالى: « نَحْنُ أَعْلَمُ بِمََا يَقُولُونَ وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ » في مقام التعليل لقوله: « فَاصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ » الآية، و الجبار المتسلط الذي يجبر الناس على ما يريد.

و المعنى: فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربك و انتظر البعث فنحن أعلم بما يقولون سنجزيهم بما عملوا و لست أنت بمتسلط جبار عليهم حتى تجبرهم على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله و اليوم الآخر و إذا كانت حالهم هذه الحال فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي.

362

(1) -

بحث روائي‏

في الدر المنثور، أخرج الطبراني في الأوسط، و ابن عساكر عن جرير بن عبد الله عن النبي ص: في قوله: « وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ-قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ اَلْغُرُوبِ » قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، و قبل الغروب صلاة العصر.

و في المجمع، روي عن أبي عبد الله (ع) *أنه سئل عن قوله: « وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ- قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ اَلْغُرُوبِ » فقال: تقول حين تصبح و حين تمسي عشر مرات:

لا إله إلا الله وحده لا شريك له-له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير.

أقول: هو مأخوذ من إطلاق التسبيح في الآية و إن كان خصوص مورده صلاتي الصبح و العصر فلا منافاة.

و في الكافي، بإسناده عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال*: قلت:

« وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ » قال: ركعات بعد المغرب. :

أقول: و رواه القمي في تفسيره، بإسناده عن ابن أبي نصر عن الرضا (ع) و لفظه قال: أربع ركعات بعد المغرب .

و في الدر المنثور، أخرج مسدد في مسنده، و ابن المنذر و ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال*: سألت رسول الله ص عن أدبار النجوم و السجود-فقال: أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، و أدبار النجوم الركعتان قبل الغداة: .

أقول: و روي مثله عن ابن عباس و عمر عنه (ص) ، و أسنده في مجمع البيان، إلى الحسن بن علي (ع) أيضا عن النبي ص .

و في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ » قال:

ذكر يا محمد ما وعدناه من العذاب.

363

(1) -

(51) سورة الذاريات مكية و هي ستون آية (60)

بيان‏

كانت الدعوة النبوية تدعو الوثنية إلى توحيد الربوبية و إن الله تعالى هو ربهم و رب كل شي‏ء، و كانت الدعوة من طريق الإنذار و التبشير و خاصة بالإنذار و كان‏

364

(1) -الإنذار بعذاب الله في الدنيا للمكذبين عذاب الاستئصال، و في الآخرة بالعذاب الخالد يوم القيامة و هو العمدة في نجاح الدعوة إذ لو لا الحساب و الجزاء يوم القيامة كان الإيمان بالوحدانية و النبوة لغي لا أثر له.

و المشركون باتخاذهم آلهة دون الله سبحانه شددوا الإنكار لأصول التوحيد و النبوة و المعاد، و كانوا يتعنتون بإنكار المعادو الإصرار على نفيه و الاستهزاء به من أي طريق ممكن لما يرون أن في بطلانه بطلان الأصلين الآخرين.

و السورة تذكر المعاد و إنكارهم له فتبدأ به و تختم عليه لكن لا من حيث نفسه كما جرى عليه الكلام في مواضع من كلامه بل من حيث إنه يوم الجزاء و إن الله الذي وعدهم به هو ربهم و هو الذي وعدهم به و وعده صدق لا ريب فيه.

و لذلك لما انساق الكلام إلى الاحتجاج عليه احتجت بأدلة التوحيد من آيات الأرض و السماء و الأنفس و ما عاقب الله به الأمم الماضين إثر دعوتهم إلى التوحيد و تكذيبهم لرسله، و ليس إلا ليثبت بها التوحيد فيثبت به يوم الجزاء الذي وعده الله و الله لا يخلف الميعاد و أخبرت به الدعوة النبوية فيندفع بذلك إنكارهم للجزاء و قد توسلوا بذلك إلى إبطال دين التوحيد و رسالة الرسول لصيرورة الإيمان به لغوا لا أثر له كما تقدمت الإشارة إليه.

و السورة مكية لشهادة سياق آياتها عليه و لم يختلف في ذلك أحد، و من غرر آياتها قوله تعالى: « وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » .

و الفصل الذي أوردناه من الآيات مفتتح الكلام يذكر فيه أن الجزاء الذي وعدوه صدق و إنكارهم له و تعنتهم بذلك تخرص ثم يصف يوم الجزاء و حال المتقين و المنكرين فيه.

}قوله تعالى: « وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً ` فَالْحََامِلاََتِ وِقْراً ` فَالْجََارِيََاتِ يُسْراً ` فَالْمُقَسِّمََاتِ أَمْراً » الذاريات‏ جمع الذارية من قولهم: ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا أطارته و الوقر بالكسر فالسكون‏ ثقل الحمل في الظهر أو في البطن.

و في الآيات إقسام بعد إقسام يفيد التأكيد بعد التأكيد للمقسم عليه و هو الجزاء على الأعمال فقوله: « وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً » إقسام بالرياح المثيرة للتراب، و قوله:

365

(1) - فَالْحََامِلاََتِ وِقْراً » بالفاء المفيدة للتأخير و الترتيب معطوف على الذاريات و إقسام بالسحب الحاملة لثقل الماء، و قوله: « فَالْجََارِيََاتِ يُسْراً » عطف عليه و إقسام بالسفن الجارية في البحار بيسر و سهولة.

و قوله: « فَالْمُقَسِّمََاتِ أَمْراً » عطف على ما سبقه و إقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم فإن أمر ذي العرش بالخلق و التدبير واحد فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الأمر و تقسم بتقسمهم ثم إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الأولى تقسم ثانيا بتقسمهم و هكذا حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها و يتكثر بتكثرها.

و الآيات الأربع-كما ترى-تشير إلى عامة التدبير حيث ذكرت أنموذجا مما يدبر به الأمر في البر و هو الذاريات ذروا، و أنموذجا مما يدبر به الأمر في البحر و هو الجاريات يسرا و أنموذجا مما يدبر به الأمر في الجو و هو الحاملات وقرا، و تمم الجميع بالملائكة الذين هم وسائد التدبير و هم المقسمات أمرا.

فالآيات في معنى أن يقال: أقسم بعامة الأسباب التي يتمم بها أمر التدبير في العالم أن كذا كذا، و قد ورد من طرق الخاصة و العامة عن علي عليه أفضل السلام تفسير الآيات الأربع‏ بما تقدم.

و عن الفخر الرازي في التفسير الكبير، أن الأقرب حمل الآيات الأربع جميعا على الرياح فإنها كما تذرو التراب ذروا تحمل السحب الثقال و تجري في الجو بيسر و تقسم السحب على الأقطار من الأرض.

و الحق أن ما استقربه بعيد، و ما تقدم من المعنى أبلغ مما ذكره.

}قوله تعالى: « إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَصََادِقٌ ` وَ إِنَّ اَلدِّينَ لَوََاقِعٌ » «ما» موصولة، و الضمير العائد إليها محذوف أي الذين توعدونه، أو مصدرية، و « تُوعَدُونَ » من الوعد كما يؤيده قوله: « وَ إِنَّ اَلدِّينَ لَوََاقِعٌ » الشامل لمطلق الجزاء، و قيل: من الإيعاد كما يؤيده قوله: «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ» : ق-45.

وعد الوعد صادقا من المجاز في النسبة كما في قوله: «فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ» : الحاقة:

21 أو الصادق بمعنى ذو صدق كما قيل بمثله في قوله: « فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ » و الدين‏ الجزاء. ـ

366

(1) -و كيف كان فقوله: « إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَصََادِقٌ » جواب القسم، و قوله: « وَ إِنَّ اَلدِّينَ لَوََاقِعٌ » معطوف عليه بمنزلة التفسير، و المعنى أقسم بكذا و كذا أن الذي توعدونه-و هو الذي يعدهم القرآن أو النبي‏ص بما أنزل إليه-من يوم البعث و أن الله سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا لصادق، و إن الجزاء لواقع.

قوله تعالى: « وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْحُبُكِ » الحبك‏ بمعنى الحسن و الزينة، و بمعنى الخلق المستوي، و يأتي جمعا لحبيكة أو حباك بمعنى الطريقة كالطرائق التي تظهر على الماء إذا تثنى و تكسر من مرور الرياح عليه.

و المعنى على الأول: أقسم بالسماء ذات الحسن و الزينة نظير قوله تعالى: «إِنََّا زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ» : الصافات: 6، و على الثاني: أقسم بالسماء ذات الخلق المستوي نظير قوله: «وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ» : الآية 47 من السورة و على الثالث أقسم بالسماء ذات الطرائق نظير قوله: «وَ لَقَدْ خَلَقْنََا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرََائِقَ» المؤمنون: 17.

و لعل المعنى الثالث أظهر لمناسبته لجواب القسم الذي هو اختلاف الناس و التشتت طرائقهم كما أن الأقسام السابقة: « وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً » إلخ كانت مشتركة في معنى الجري و السير مناسبة لجوابها: « إِنَّمََا تُوعَدُونَ » إلخ المتضمن لمعنى الرجوع إلى الله و السير إليه.

}قوله تعالى: « إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ` يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » القول المختلف ما يتناقض و يدفع بعضه بعضا و حيث إن الكلام في إثبات صدق القرآن أو الدعوة أو النبي ص فيما وعدهم من أمر البعث و الجزاء فالمراد بالقول المختلف-على الأقرب- قولهم المختلف في أمر القرآن لغرض إنكار ما يثبته‏فتارة يقولون: إنه سحر و الجائي به ساحر، و تارة يقولون: زجر و الجائي به مجنون، و تارة يقولون: إلقاء شياطين الجن و الجائي به كاهن، و تارة يقولون: شعر و الجائي به شاعر، و تارة أنه افتراء، و تارة يقولون إنما يعلمه بشر، و تارة يقولون: أساطير الأولين اكتتبها.

و قوله: « يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » الإفك‏ الصرف، و ضمير « عَنْهُ » إلى الكتاب‏

367

(1) -من حيث اشتماله على وعد البعث و الجزاء، و المعنى: يصرف عن القرآن من صرف، و قيل: الضمير للنبي ص و المعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف، و قد عرفت أن المعنى السابق أوفق للسياق و إن كان مآل المعنيين واحدا.

و حكي عن بعضهم أن ضمير « عَنْهُ » لما توعدون أو للدين أقسم تعالى أولا بالذاريات و غيرها على أن البعث و الجزاء حق ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه فمنهم شاك و منهم جاحد ثم قال تعالى: يؤفك عن الإقرار بأمر البعث و الجزاء من هو مأفوك. و هذا الوجه قريب من الوجه السابق.

و عن بعضهم: أن الضمير لقول مختلف و «عن» للتعليل كما في قوله تعالى: «وَ مََا نَحْنُ بِتََارِكِي آلِهَتِنََا عَنْ قَوْلِكَ» : هود: 53 فيكون الجملة صفة لقول و المعنى: أنكم لفي قول مختلف‏يؤفك بسببه من أفك، و هو وجه حسن.

و قيل: الضمير في « إِنَّكُمْ » للمسلم و الكافر جميعا فيكون المراد بالقول المختلف قول المسلمين بوقوع البعث و الجزاء و قول الكفار بعدم الوقوع. و لعل السياق لا يلائمه و قيل: بعض وجوه أخر رديئة لا جدوى في التعرض له.

قوله تعالى: « قُتِلَ اَلْخَرََّاصُونَ ` اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سََاهُونَ ` يَسْئَلُونَ أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ » أصل‏ الخرص‏ القول بالظن و التخمين من غير علم، و لكون القول بغير علم في خطر من الكذب يسمى الكذاب خراصا، و الأشبه أن يكون المراد بالخراصين في الآية القوالين من غير علم و دليل و هم الخائضون في أمر البعث و الجزاء المنكرون له بغير علم.

و في قوله: « قُتِلَ اَلْخَرََّاصُونَ » دعاء عليهم بالقتل و هو كناية عن نوع من الطرد و الحرمان من الفلاح و إليه يئول قول من فسره باللعن.

و قوله: « اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سََاهُونَ » الغمرة -كما ذكر الراغب-معظم الماء الساتر لمقرها، و جعل مثلا للجهالة التي تغمر صاحبها، و المراد بالسهو-كما قيل- مطلق الغفلة.

و معنى الآية و هي تصف الخراصين: الذين هم في جهالة أحاطت بهم غافلون عن حقيقة ما أخبروا به.

و قوله: « يَسْئَلُونَ أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ » ضمير الجمع‏للخراصين قول قالوه على طريق الاستعجال استهزاء كقولهم: «مَتى‏ََ هََذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ» : يس-48.

368

(1) -و السؤال بأيان-الموضوعة للسؤال عن زمان مدخولها-عن يوم الدين و هو ظاهر في الزمان إنما هو بعناية أن يوم الدين لكونه موعودا ملحق بالزمانيات فيسأل عنه كما يسأل عن الزمانيات بأيان و متى كما يقال: متى يوم العيد لكونه ذا شأن ملحقا لذلك بالزمانيات كذا قيل.

و يمكن أن يكون من التوسع في معنى الظرفية بأن يعد أوصاف الظرف الخاصة به ظرفا توسعا فيكون السؤال عن زمان الزمان سؤالا عن أنه بعد أي زمان أو قبل أي زمان؟كما يقال: متى يوم العيد؟فيجاب بأنه بعد عشرة أيام مثلا أو قبل يوم كذا، و هو توسع جار في العرف غير مختص بكلام العرب، و في القرآن منه شي‏ء كثير.

قوله تعالى: « يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ » ضمير الجمع للخراصين، و الفتن‏ في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثم استعمل في مطلق الإحراق و التعذيب، و الظرف متعلق بفعل محذوف أو مبتدأ، و الآية جواب عن سؤالهم عدل فيه عن بيان وقت يوم الدين إلى بيان صفته و الإشارة إلى حالهم فيه لما أن وقته من الغيب‏ الذي لا يعلمه إلا الله قال تعالى: « لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا إِلاََّ هُوَ » .

و تقدير الآية و معناها: يقع يوم الدين أو هو واقع يوم هم أي الخراصون في النار يعذبون أو يحرقون.

قوله تعالى: « ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هََذَا اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » حكاية خطاب منه تعالى أو من الملائكة بأمره للخراصين و هم يفتنون على النار يومئذ.

و المعنى: يقال لهم ذوقوا العذاب الذي يخصكم. هذا العذاب هو الذي كنتم تستعجلون به إذ تقولون استعجالا و استهزاء: أيان يوم الدين.

قوله تعالى: « إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ » بيان لحال المتقين يوم الدين بعد وصف حال أولئك الخراصين.

و تنكير جنات و عيون للإشارة إلى عظم قدرها كأنها بحيث لا يقدر الواصفون على وصفها، و قد ألحقت العيون بالجنات في ظرفيتها توسعا.

قوله تعالى: « آخِذِينَ مََا آتََاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُحْسِنِينَ » أي قابلين ما

369

(1) -أعطاهم ربهم الرءوف بهم راضين عنه و بما أعطاهم كما يفيده خصوص التعبير بالأخذ و الإيتاء و نسبة الإيتاء إلى ربهم.

و قوله: « إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُحْسِنِينَ » تعليل لما تقدمه أي إن حالهم تلك الحال لأنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا ذوي إحسان في أعمالهم أي ذوي أعمال حسنة.

قوله تعالى: « كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ » الآيات تفسير لإحسانهم، و الهجوع النوم في الليل و قيل: النوم القليل.

و يمكن أن تكون: ما زائدة و « يَهْجَعُونَ » خبر كانوا، و « قَلِيلاً » ظرفا متعلقا به أي في زمان قليل أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي هجوعا قليلا و « مِنَ اَللَّيْلِ » متعلقا بقليلا و المعنى: كانوا ينامون في زمان قليل من الليل أو ينامون الليل نوما قليلا.

و أن تكون موصولة و الضمير العائد إليها محذوفا و « قَلِيلاً » خبر كانوا و الموصول فاعله و المعنى: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعون فيه.

و أن تكون مصدرية و المصدر المسبوك منها و من مدخولها فاعلا لقوله: « قَلِيلاً » و هو خبر « كََانُوا » .

و على أي حال فالقليل من الليل إما مأخوذ بالقياس إلى مجموع زمان كل ليلة فيفيد أنهم يهجعون كل ليلة زمانا قليلا منها و يصلون أكثرها، و إما مأخوذ بالقياس إلى مجموع الليالي فيفيد أنهم يهجعون في قليل من الليالي و يقومون للصلاة في أكثرها أي لا يفوتهم صلاة الليل إلا في قليل من الليالي.

قوله تعالى: « وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » أي يسألون الله المغفرة لذنوبهم، و قيل: المراد بالاستغفار الصلاة و هو كما ترى.

قوله تعالى: « وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ » الآيتان السابقتان تبينان خاصة سيرتهم في جنب الله سبحانه و هي قيام الليل و الاستغفار بالأسحار و هذه الآية تبين خاصة سيرتهم في جنب الناس و هي إيتاء السائل و المحروم.

و تخصيص حق السائل و المحروم بأنه في أموالهم-مع أنه لو ثبت فإنما يثبت في كل مال-دليل على أن المراد أنهم يرون بصفاء فطرتهم أن في أموالهم حقا لهما فيعملون بما يعملون نشرا للرحمة و إيثارا للحسنة.

370

(1) -و السائل هو الذي يسأل العطية بإظهار الفاقة و المحروم هو الذي حرم الرزق فلم ينجح سعيه في طلبه و لا يسأل تعففا.

بحث روائي‏

في تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله (ع) *في قوله تعالى: « وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً » فقال: إن ابن الكوا سأل أمير المؤمنين (ع) -عن « اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً » قال: الريح، و عن « فَالْحََامِلاََتِ وِقْراً » فقال: هي السحاب، و عن « فَالْجََارِيََاتِ يُسْراً » فقال: هي السفن، و عن « فَالْمُقَسِّمََاتِ أَمْراً » فقال: الملائكة.

أقول: و الحديث مروي من طرق أهل السنة أيضا كما في روح المعاني.

و في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و الفاريابي و سعيد بن منصور و الحارث بن أبي أسامة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن الأنباري في المصاحف، و الحاكم و صححه و البيهقي في شعب الإيمان، من طرق عن علي بن أبي طالب *في قوله: « وَ اَلذََّارِيََاتِ ذَرْواً » قال: الرياح « فَالْحََامِلاََتِ وِقْراً » قال: السحاب « فَالْجََارِيََاتِ يُسْراً » قال:

السفن « فَالْمُقَسِّمََاتِ أَمْراً » قال: الملائكة.

و في المجمع، قال أبو جعفر و أبو عبد الله (ع) : لا يجوز لأحد أن يقسم إلا بالله تعالى، و الله يقسم بما شاء من خلقه.

و في الدر المنثور، أخرج ابن منيع عن علي بن أبي طالب *أنه سئل عن قوله:

« وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْحُبُكِ » قال: ذات الخلق الحسن: .

أقول: و روي مثله في المجمع، و لفظه: و قيل: ذات الحسن و الزينة: عن علي (ع) و في جوامع الجامع، و لفظه: و عن علي (ع) : حسنها و زينتها.

و في بعض الأخبار: في قوله تعالى: « إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ-` يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » تطبيقه على الولاية.

و في المجمع، : في قوله تعالى: « كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ » و قيل معناه: كانوا أقل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها: و هو المروي عن أبي عبد الله (ع) .

371

(1) -

و فيه، في قوله تعالى: « وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » و قال أبو عبد الله (ع) :

كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرة في السحر.

و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس قال*: قال رسول الله ص: إن آخر الليل في التهجد أحب إلي من أوله-لأن الله يقول: « وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » .

و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي ص *في قوله: « وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » قال: يصلون.

أقول: لعل تفسير الاستغفار بالصلاة من جهة اشتمال الوتر عليه كإرادة الصلاة من القرآن في قوله: «وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً» : إسراء: 78.

و في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ » قال:

السائل الذي يسأل، و المحروم الذي قد منع كده.

و في التهذيب، بإسناده عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله (ع) *في الآية قال:

المحروم المحارف-الذي قد حرم كد يده في الشراء و البيع.

قال: و في رواية أخرى عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) قال: المحروم الرجل ليس بعقله بأس-و لا يبسط له في الرزق و هو محارف.

372

(1) -

373

(1) -

بيان‏

تشير الآيات إلى عدة من آيات الله الدالة على وحدانيته في الربوبية و رجوع أمر التدبير في الأرض و السماء و الناس و أرزاقهم إليه، و لازمه إمكان نزول الدين الإلهي من طريق الرسالة بل وجوبه، و لازمه صدق الدعوة النبوية فيما تضمنته من وعد البعث و الجزاء و إن ما يوعدون لصادق و إن الدين لواقع، و قد مرت إشارة إلى خصوصية سلوك السورة في احتجاجها في البيان السابق.

قوله تعالى: « وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ » الاستنتاج الآتي في آخر هذه الآيات في قوله: « فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ -إلى أن قال- وَ لاََ تَجْعَلُوا مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ » الآية، يشهد على أن سوق هذه الآيات و الدلائل لإثبات وحدانيته تعالى في الربوبية لا لإثبات أصل وجوده أو انتهاء الخلق إليه و نحو ذلك.

و في الآية إشارة إلى ما تتضمنه الأرض من عجائب الآيات الدالة على وحدة التدبير القائمة بوحدانية مدبره من بر و بحر و جبال و تلال و عيون و أنهار و معادن و منافعها المتصلة بعضها ببعض الملاءمة بعضها لبعض ينتفع بها ما عليها من النبات و الحيوان في نظام واحد مستمر من غير اتفاق و صدفة، لائح عليها آثار القدرة و العلم و الحكم دال على أن خلقها و تدبير أمرها ينتهي إلى خالق مدبر قادر عليم حكيم.

فأي جانب قصد من جوانبها و أية وجهة وليت من جهات التدبير العام الجاري فيها كانت آية بينة و برهانا ساطعا على وحدانية ربها لا شريك له ينجلي فيه الحق لأهل اليقين ففيها آيات للموقنين.

قوله تعالى: « وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ » معطوف على قوله: « فِي اَلْأَرْضِ » أي و في أنفسكم آيات ظاهرة لمن أبصر إليها و ركز النظر فيها أ فلا تبصرون. ـ

374

(1) -و الآيات التي في النفوس منها ما هي في تركب الأبدان من أعضائها و أعضاء أعضائها حتى ينتهي إلى البسائط و ما لها من عجائب الأفعال و الآثار المتحدة في عين تكثرها المدبرة جميعا لمدبر واحد، و ما يعرضها من مختلف الأحوال كالجنينية و الطفولية و الرهاق‏و الشباب و الشيب.

و منها ما هي من حيث تعلق النفوس أعني الأرواح بها كالحواس من البصر و السمع و الذوق و الشم و اللمس التي هي الطرق الأولية لاطلاع النفوس على الخارج لتميز بذلك الخير من الشر و النافع من الضار لتسعى إلى ما فيه كمالها و تهرب مما لا يلائمها، و في كل منها نظام وسيع جار فيه منفصل بذاته عن غيره كالبصر لا خبر عنده عما يعمله السمع بنظامه الجاري فيه و هكذا، و الجميع مع هذا الانفصال و التقطع مؤتلفة تعمل تحت تدبير مدبر واحد هو النفس المدبرة و الله من ورائهم محيط.

و من هذا القبيل سائر القوى المنبعثة عن النفوس في الأبدان كالقوة الغضبية و القوة الشهوية و ما لها من اللواحق و الفروع فإنها على ما للواحد منها بالنسبة إلى غيره من البينونة و انفصال النظام الجاري فيه عن غيره واقعة تحت تدبير مدبر واحد تتعاضد جميع شعبها و تأتلف لخدمته.

و نظام التدبير الذي لكل من هذه المدبرات إنما وجد له حينما وجد و أول ما ظهر من غير فصل فليس مما عملت فيه خيرته و أوجده هو لنفسه عن فكر و روية أو بغيره فنظام تدبيره كنفسه من صانع صنعه و ألزمه نظامه بتدبيره.

و منها الآيات الروحانية الواقعة في عالم النفوس الظاهرة لمن رجع إليها و راقب الله سبحانه فيها من آيات الله التي لا يسعها وصف الواصفين و ينفتح بها باب اليقين و تدرج المتطلع عليها في زمرة الموقنين فيرى ملكوت السماوات و الأرض‏كما قال تعالى:

«وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ» : الأنعام: 75.

قوله تعالى: « وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ » قيل: المراد بالسماء جهة العلو فإن كل ما علاك و أظلك فهو سماء لغة، و المراد بالرزق المطر الذي ينزله الله على الأرض فيخرج به أنواع ما يقتاتونه و يلبسونه و ينتفعون به و قد قال تعالى: «وَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا» : الجاثية: 5، فسمي المطر رزقا فالمراد بالرزق سببه أو بتقدير مضاف أي سبب رزقكم.

375

(1) -و قيل: المراد أسباب الرزق السماوية من الشمس و القمر و الكواكب و اختلاف المطالع و المغارب الراسمة للفصول الأربعة و توالي الليل و النهار و هي جميعا أسباب الرزق فالكلام على تقدير مضاف أي أسباب رزقكم أو فيه تجوز بدعوى أن وجود الأسباب فيها وجود ذوات الأسباب.

و قيل: المراد بكون الرزق فيها كون تقديره فيها، أو أن الأرزاق مكتوبة في اللوح المحفوظ فيها.

و يمكن أن يكون‏ المراد به عالم الغيب فإن الأشياء و منها الأرزاق تنزل من عند الله سبحانه و قد صرح بذلك في أشياء كقوله تعالى: «وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعََامِ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ» : الزمر: 6، و قوله: «وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» : الحديد: 25، و قوله على نحو العموم: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» : الحجر:

21، و المراد بالرزق كل ما ينتفع به الإنسان في بقائه من مأكل و مشرب و ملبس و مسكن و منكح و ولد و علم و قوة و غير ذلك.

و قوله: «وَ مََا تُوعَدُونَ » عطف على « رِزْقُكُمْ» الظاهر أن المراد به الجنة لقوله تعالى: «عِنْدَهََا جَنَّةُ اَلْمَأْوى‏ََ» : النجم: 15، و قول بعضهم: إن المراد به الجنة و النار أو الثواب و العقاب لا يلائمه قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْهََا لاََ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوََابُ اَلسَّمََاءِ وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ» الأعراف: 40.

نعم تكرر في القرآن نسبة نزول العذاب الدنيوي إلى السماء كقوله: «فَأَنْزَلْنََا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمََاءِ» : البقرة: 59، و غير ذلك.

و عن بعضهم أن قوله: « وَ مََا تُوعَدُونَ » مبتدأ خبره قوله: « فَوَ رَبِّ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ » و الواو للاستئناف و هو معنى بعيد عن الفهم.

قوله تعالى: « فَوَ رَبِّ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » النطق‏ التكلم و ضمير « إِنَّهُ » راجع إلى ما ذكر من كون الرزق و ما توعدون في السماء و الحق هو الثابت المحتوم في القضاء الإلهي دون أن يكون أمرا تبعيا أو اتفاقيا.

و المعنى: أقسم برب السماء و الأرض أن ما ذكرناه من كون رزقكم و ما توعدونه من الجنة-و هو أيضا من الرزق فقد تكرر في القرآن تسمية الجنة رزقا كقوله: «لَهُمْ‏

376

(1) -مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ» : الأنفال: 74، و غير ذلك-في السماء لثابت مقضي مثل نطقكم و تكلمكم الذي هو حق لا ترتابون فيه.

و جوز بعضهم أن يكون ضمير « إِنَّهُ » راجعا إلى « مََا تُوعَدُونَ » فقط أو إلى الرزق فقط أو إلى الله أو إلى النبي ص أو إلى القرآن أو إلى الدين في قوله: « وَ إِنَّ اَلدِّينَ لَوََاقِعٌ » أو إلى اليوم في قوله: « أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ » أو إلى جميع ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، و لعل الأوجه رجوعه إلى ما ذكر في قوله: « وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ » كما قدمنا.

كلام في تكافؤ الرزق و المرزوق‏

الرزق‏ بمعنى ما يرتزق به‏ هو ما يمد شيئا آخر في بقائه بانضمامه إليه أو لحوقه به بأي معنى كان كالغذاء الذي يمد الإنسان في حياته و بقائه بصيرورته جزء من بدنه و كالزوج يمد زوجه في إرضاء غريزته و بقاء نسله و على هذا القياس.

و من البين: أن الأشياء المادية يرتزق بعضها ببعض كالإنسان بالحيوان و النبات مثلا فما يلحق المرزوق في بقائه من أطوار الكينونة و مختلف الأحوال كما أنها أطوار من الكون لاحقة به منسوبة إليه كذلك هي بعينها أطوار من الكون لاحقة بالرزق منسوبة إليه و إن كان ربما تغيرت الأسماء فكما أن الإنسان يصير بالتغذي ذا أجزاء جديدة في بدنه كذلك الغذاء يصير جزءا جديدا من بدنه اسمه كذا.

و من البين أيضا: أن القضاء محيط بالكون مستوعب للأشياء يتعين به ما يجري على كل شي‏ء في نفسه و أطوار وجوده، و بعبارة أخرى سلسلة الحوادث بما لها من النظام الجاري مؤلفة من علل تامة و معلولات ضرورية.

و من هنا يظهر أن الرزق و المرزوق متلازمان لا يتفارقان فلا معنى لموجود يطرأ عليه طور جديد في وجوده بانضمام شي‏ء أو لحوقه إلا مع وجود الشي‏ء المنضم أو اللاحق المشترك معه في طوره ذلك فلا معنى لمرزوق مستمد في بقائه و لا رزق له، و لا معنى لرزق متحقق و لا مرزوق له كما لا معنى لزيادة الرزق على ما يحتاج إليه المرزوق، و كذا

377

(1) -لبقاء مرزوق من غير رزق فالرزق داخل في القضاء الإلهي دخولا أوليا لا بالعرض و لا بالتبع و هو المعنى بكون الرزق حقا. }

بيان‏

قوله تعالى: « هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ اَلْمُكْرَمِينَ » إشارة إلى قصة دخول الملائكة المكرمين على إبراهيم (ع) و تبشيرهم له و لزوجه ثم إهلاكهم قوم لوط، و فيها آية على وحدانية الربوبية كما تقدمت الإشارة إليه.

و في قوله: « هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ » تفخيم لأمر القصة و « اَلْمُكْرَمِينَ » -و هم الملائكة الداخلون على إبراهيم-صفة « ضَيْفِ » و إفراده لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى و لا يجمع.

قوله تعالى: « إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ » الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة: « حَدِيثُ » و « سَلاََماً » مقول القول و العامل فيه محذوف أي قالوا: نسلم عليك سلاما.

و قوله: « قََالَ سَلاََمٌ » قول و مقول و « سَلاََمٌ » مبتدأ محذوف الخبر و التقدير سلام عليكم، و في إتيانه بالجواب جملة اسمية دالة على الثبوت تحية منه (ع) بما هو أحسن من تحيتهم بقولهم: سلاما فإنه جملة فعليه دالة على الحدوث.

و قوله: « قَوْمٌ مُنْكَرُونَ » الظاهر أنه حكاية قول إبراهيم في نفسه، و معناه أنه لما رآهم استنكرهم و حدث نفسه أن هؤلاء قوم منكرون، و لا ينافي ذلك ما وقع في قوله تعالى: «فَلَمََّا رَأى‏ََ أَيْدِيَهُمْ لاََ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ» : هود: 70 حيث ذكر نكره بعد تقريب العجل الحنيذ إليهم‏فإن ما في هذه السورة حديث نفسه به و ما في سورة هود ظهوره في وجهه بحيث يشاهد منه ذلك.

و هذا المعنى أوجه من قول جمع من المفسرين: إنه حكاية قوله (ع) لهم و التقدير أنتم قوم منكرون.

قوله تعالى: « فَرََاغَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ فَجََاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ » الروغ‏ الذهاب على سبيل‏

378

(1) -الاحتيال على ما قاله الراغب و قال غيره: هو الذهاب إلى الشي‏ء في خفية، و المعنى الأول يرجع إلى الثاني.

و المراد بالعجل السمين المشوي منه بدليل قوله: « فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ » أو الفاء فصيحة و التقدير فجاء بعجل سمين فذبحه و شواه و قربه إليهم.

قوله تعالى: « فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ » عرض الأكل على الملائكة و هو يحسبهم بشرا.

قوله تعالى: « فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ إلخ» الفاء فصيحة و التقدير فلم يمدوا إليه أيديهم فلما رأى ذلك نكرهم و أوجس منهم خيفة، و الإيجاس الإحساس في الضمير و الخيفة بناء نوع من الخوف أي‏ أضمر منهم في نفسه نوعا من الخوف.

و قوله: « قََالُوا لاََ تَخَفْ » جي‏ء بالفصل لا بالعطف لأنه في معنى جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد إيجاس الخيفة فقيل: قالوا: لا تخف و بشروه بغلام عليم فبدلوا خوفه أمنة و سرورا و المراد بغلام عليم إسماعيل أو إسحاق و قد تقدم الخلاف فيه.

قوله تعالى: « فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ » في المجمع، الصرة شدة الصياح و هو من صرير الباب و يقال للجماعة صرة أيضا. قال:

و الصك‏ الضرب باعتماد شديد انتهى.

و المعنى فأقبلت امرأة إبراهيم (ع) -لما سمعت البشارة-في ضجة و صياح فلطمت وجهها و قالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاما؟ و قيل: المراد بالصرة الجماعة و أنها جاءت إليهم في جماعة فصكت وجهها و قالت ما قالت، و المعنى الأول أوفق للسياق.

قوله تعالى: « قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ » الإشارة بكذلك إلى ما بشروها به بما لها و لزوجها من حاضر الوضع هي عجوز عقيم و بعلها شيخ مسه الكبر فربها حكيم لا يريد ما يريد إلا بحكمه، عليم لا يخفى عليه وجه الأمر.

}قوله تعالى: « قََالَ فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ -إلى قوله- لِلْمُسْرِفِينَ » الخطب‏

379

(1) -الأمر الخطير الهام، و الحجارة من الطين‏ الطين المتحجر، و التسويم‏ تعليم الشي‏ء بمعنى جعله ذا علامة من السومة بمعنى العلامة.

و المعنى: « قََالَ إبراهيم (ع) « فَمََا خَطْبُكُمْ » و الشأن الخطير الذي لكم «أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ » من الملائكة « قََالُوا » أي الملائكة لإبراهيم « إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ » و هم قوم لوط « لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ طِينٍ » طينا متحجرا سماه الله سجيلا « مُسَوَّمَةً » معلمة « عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ » تختص بهم لإهلاكهم، و الظاهر أن اللام في المسرفين للعهد.

قوله تعالى: « فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ » -إلى قوله- اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ » الفاء فصيحة و قد أوجز بحذف ما في القصة من ذهاب الملائكة إلى لوط و ورودهم عليه و هم القوم بهم حتى إذا أخرجوا آل لوط من القرية، و قد فصلت القصة في غير موضع من كلامه تعالى.

فقوله: « فَأَخْرَجْنََا » إلخ بيان إهلاكهم بمقدمته، و ضمير « فِيهََا » للقرية المفهومة من السياق، و « بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ » بيت لوط، و قوله: « وَ تَرَكْنََا فِيهََا آيَةً » إشارة إلى إهلاكهم و جعل أرضهم عاليها سافلها، و المراد بالترك الإبقاء كناية و قد بينت هذه الخصوصيات في سائر كلامه تعالى.

و المعنى: فلما ذهبوا إلى لوط و كان من أمرهم ما كان « فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا » في القرية « مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ` فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ » واحد « مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ » و هم آل لوط « وَ تَرَكْنََا فِيهََا » في أرضهم بقلبها و إهلاكهم « آيَةً » دالة على ربوبيتنا و بطلان الشركاء « لِلَّذِينَ يَخََافُونَ اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ » من الناس.

قوله تعالى: « وَ فِي مُوسى‏ََ إِذْ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ » عطف على قوله: « وَ تَرَكْنََا فِيهََا آيَةً » و التقدير و في موسى آية، و المراد بسلطان مبين الحجج الباهرة التي كانت معه من الآيات المعجزة.

قوله تعالى: « فَتَوَلََّى بِرُكْنِهِ وَ قََالَ سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » التولي‏ الإعراض و الباء في قوله: « بِرُكْنِهِ » للمصاحبة، و المراد بركنه جنوده كما يؤيده الآية التالية، و المعنى:

أعرض مع جنوده، و قيل: الباء للتعدية، و المعنى: جعل ركنه متولين معرضين.

و قوله: « وَ قََالَ سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » أي قال تارة هو مجنون كقوله: «إِنَّ رَسُولَكُمُ‏

380

(1) -اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» : الشعراء: 27، و قال أخرى: هو ساحر كقوله: «إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ» : الشعراء: 34.

قوله تعالى: « فَأَخَذْنََاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ » النبذ طرح الشي‏ء من غير أن يعتد به، و اليم‏ البحر، و المليم‏ الآتي بما يلام عليه من ألام بمعنى أتى بما يلام عليه كأغرب إذا أتى بأمر غريب.

و المعنى: فأخذناه و جنوده و هم ركنه و طرحناهم في البحر و الحال أنه أتى من الكفر و الجحود و الطغيان بما يلام عليه، و إنما خص فرعون بالملامة مع أن الجميع يشاركونه فيها لأنه إمامهم الذي‏ قادهم إلى الهلاك، قال تعالى: «يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ اَلنََّارَ» : هود: 98.

و في الكلام من الإيماء إلى عظمة القدرة و هول الأخذ و هو أن أمر فرعون و جنوده ما لا يخفى.

قوله تعالى: « وَ فِي عََادٍ إِذْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ » عطف على ما تقدمه أي و في عاد أيضا آية إذ أرسلنا عليهم أي أطلقنا عليهم الريح العقيم.

و الريح العقيم‏ هي الريح التي عقمت و امتنعت من أن يأتي بفائدة مطلوبة من فوائد الرياح كتنشئة سحاب أو تلقيح شجر أو تذرية طعام أو نفع حيوان أو تصفية هواء كما قيل و إنما أثرها الإهلاك كما تشير إليه الآية التالية.

قوله تعالى: « مََا تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاََّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » « مََا تَذَرُ » أي ما تترك» ، و الرميم‏ الشي‏ء الهالك البالي كالعظم البالي السحيق، و المعنى ظاهر.

قوله تعالى: « وَ فِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتََّى حِينٍ -إلى قوله- مُنْتَصِرِينَ » عطف على ما تقدمه أي و في ثمود أيضا آية إذ قيل لهم: تمتعوا حتى حين، و القائل نبيهم صالح (ع) إذ قال لهم: «تَمَتَّعُوا فِي دََارِكُمْ ثَلاََثَةَ أَيََّامٍ ذََلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» هود: 65 قال لهم ذلك لما عقروا الناقة فأمهلهم ثلاثة أيام ليرجعوا فيها عن كفرهم و عتوهم لكن لم ينفعهم ذلك و حق عليهم كلمة العذاب.

و قوله: « فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ » العتو -على ما ذكره الراغب-النبوء عن الطاعة فينطبق على التمرد، و المراد بهذا العتو العتو عن‏

381

(1) -الأمر و الرجوع إلى الله أيام المهلة فلا يستشكل بأن عتوهم عن أمر الله كان مقدما على تمتعهم-كما يظهر من تفصيل القصة-و الآية تدل على العكس.

و قوله: « فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ » هذا لا ينافي ما في موضع آخر من ذكر الصيحة بدل الصاعقة كقوله: «وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ» : هود: 67 لجواز تحققهما معا في عذابهم.

و قوله: « فَمَا اِسْتَطََاعُوا مِنْ قِيََامٍ وَ مََا كََانُوا مُنْتَصِرِينَ » لا يبعد أن يكون « اِسْتَطََاعُوا » مضمنا معنى تمكنوا، و « مِنْ قِيََامٍ » مفعوله أي ما تمكنوا من قيام من مجلسهم ليفروا من عذاب الله و هو كناية عن أنهم لم يمهلوا حتى بمقدار أن يقوموا من مجلسهم.

و قوله: « وَ مََا كََانُوا مُنْتَصِرِينَ » عطف على « فَمَا اِسْتَطََاعُوا » أي ما كانوا منتصرين بنصرة غيرهم ليدفعوا بها العذاب عن أنفسهم، و محصل الجملتين أنهم لم يقدروا على دفع العذاب عن أنفسهم لا بأنفسهم و لا بناصر ينصرهم.

قوله تعالى: « وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ » عطف على القصص السابقة، و « قَوْمَ نُوحٍ » منصوب بفعل محذوف و التقدير و أهلكنا قوم نوح من قبل عاد و ثمود إنهم كانوا فاسقين عن أمر الله.

فهناك أمر و نهي كلف الناس بهما من قبل الله سبحانه و هو ربهم و رب كل شي‏ء دعاهم إلى الدين الحق بلسان رسله فما جاء به الأنبياء (ع) حق من عند الله و مما جاءوا به الوعد بالبعث و الجزاء.

قوله تعالى: « وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ » رجوع إلى السياق السابق في قوله: « وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ » إلخ، و الأيد القدرة و النعمة، و على كل من المعنيين يتعين لقوله: « وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ » ما يناسبه من المعنى.

فالمعنى على الأول: و السماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها و إنا لذووا سعة في القدرة لا يعجزها شي‏ء، و على الثاني: و السماء بنيناها مقارنا بناؤها لنعمة لا تقدر بقدر و إنا لذووا سعة و غنى لا تنفد خزائننا بالإعطاء و الرزق نرزق من السماء من نشاء فنوسع الرزق كيف نشاء. ـ

382

(1) -و من المحتمل أن يكون «موسعون» من أوسع في النفقة أي كثرها فيكون المراد توسعة خلق السماء كما تميل إليه الأبحاث الرياضية اليوم.

قوله تعالى: « وَ اَلْأَرْضَ فَرَشْنََاهََا فَنِعْمَ اَلْمََاهِدُونَ » الفرش‏ البسط و كذا المهد أي و الأرض بسطناها و سطحناها لتستقروا عليها و تسكنوها فنعم الباسطون نحن، و هذا الفرش و البسط لا ينافي كروية الأرض.

قوله تعالى: « وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » الزوجان‏ المتقابلان يتم أحدهما بالآخر: فاعل و منفعل كالذكر و الأنثى، و قيل: المراد مطلق المتقابلات كالذكر و الأنثى و السماء و الأرض و الليل و النهار و البر و البحر و الإنس و الجن و قيل:

الذكر و الأنثى.

و قوله: « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » أي تتذكرون أن خالقها منزه عن الزوج و الشريك واحد موحد.

}قوله تعالى: « فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ` وَ لاََ تَجْعَلُوا مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ‏مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » في الآيتين تفريع على ما تقدم من الحجج على وحدانيته في الربوبية و الألوهية، و فيها قصص عدة من الأمم الماضين كفروا بالله و رسله فانتهى بهم ذلك إلى عذاب الاستئصال.

فالمراد بالفرار إلى الله الانقطاع إليه من الكفر و العقاب الذي يستتبعه، بالإيمان به تعالى وحده و اتخاذه إلها معبودا لا شريك له.

و قوله: « وَ لاََ تَجْعَلُوا مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ » كالتفسير لقوله: « فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ » أي المراد بالإيمان به الإيمان به وحده لا شريك له في الألوهية و المعبودية.

و قد كرر قوله: « إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » لتأكيد الإنذار، و الآيتان محكيتان عن لسان النبي ص.

بحث روائي‏

في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: « وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ » قال: خلقك‏

383

(1) -سميعا بصيرا، تغضب مرة و ترضى مرة، و تجوع مرة و تشبع مرة، و ذلك كله من آيات الله.

أقول: و نسبه في المجمع إلى الصادق (ع) .

و في التوحيد، بإسناده إلى هشام بن سالم قال: سئل أبو عبد الله (ع) فقيل له:

بما عرفت ربك؟قال: بفسخ العزم و نقض الهم، عزمت ففسخ عزمي، و هممت فنقض همي: .

أقول: و رواه في الخصال، عنه عن أبيه عن جده عن أميرالمؤمنين (ع) .

و في الدر المنثور، أخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن علي بن أبي طالب * « وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ » قال: سبيل الغائط و البول.

أقول: الرواية كالروايتين السابقتين مسوقة لبيان بعض المصاديق من طرق المعرفة.

و فيه، أخرج ابن النقور و الديلمي عن علي عن النبي ص *في قوله: « وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ » قال: المطر: .

أقول: و روى نحوا منه القمي في تفسيره، مرسلا و مضمرا.

و في إرشاد المفيد، عن علي (ع) في حديث: اطلبوا الرزق فإنه مضمون لطالبه.

و في التوحيد، بإسناده إلى أبي البختري قال: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب (ع) عن النبي ص أنه قال*: يا علي: إن اليقين أن لا ترضي أحدا على سخط الله، و لا تحمدن أحدا على ما آتاك الله، و لا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله-فإن الرزق لا يجره حرص حريص، و لا يصرفه كره كاره.

الحديث.

و في المجمع، : « فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ » و قيل: في جماعة. عن الصادق (ع) .

و في الدر المنثور، أخرج الفاريابي و ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال*: الريح العقيم النكباء.

و في التوحيد، بإسناده إلى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) فقلت:

قول الله عز و جل « يََا إِبْلِيسُ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » ؟فقال: اليد في كلام العرب القوة و النعمة، قال الله: « وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ » ، و قال: « وَ اَلسَّمََاءَ

384

(1) -بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ » أي بقوة، و قال: « وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » أي بقوة، و يقال: لفلان عندي يد بيضاء أي نعمة.

و في التوحيد، بإسناده إلى أبي الحسن الرضا (ع) خطبة طويلة و فيها: بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، و بمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، و اليبس بالبلل، و الخشن باللين، و الصرد بالحرور، مؤلفا بين متعادياتها، مفرقا بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، و بتأليفها على مؤلفها و ذلك قوله:

« مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .

ففرق بين قبل و بعد-ليعلم أن لا قبل له و لا بعد له، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض-ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه.

و في المجمع، : في قوله تعالى: « فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ » و قيل: معناه حجوا. عن الصادق (ع) : .

أقول: و رواه في الكافي، و في المعاني، بالإسناد عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) : .

و لعله من التطبيق.

385

(1) -

بيان‏

مختتم السورة و فيه إرجاع الكلام إلى ما في مفتتحها من إنكارهم للبعث الموعود و مقابلتهم الرسالة بقول مختلف ثم إيعادهم باليوم الموعود.

قوله تعالى: « كَذََلِكَ مََا أَتَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ قََالُوا سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » أي الأمر كذلك، فقوله: « كَذََلِكَ » كالتلخيص لما تقدم من إنكارهم و اختلافهم في القول.

و قوله: « مََا أَتَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » إلخ، بيان للمشبه.

قوله تعالى: « أَ تَوََاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ » التواصي‏ إيصاء القوم بعضهم بعضا بأمر، و ضمير « بِهِ » للقول، و الاستفهام للتعجيب، و المعنى: هل وصى بعض هذه الأمم بعضا-هل السابق وصي اللاحق؟-على هذا القول؟لا بل هم قوم طاغون يدعوهم إلى هذا القول طغيانهم.

قوله تعالى: « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمََا أَنْتَ بِمَلُومٍ » تفريع على طغيانهم و استكبارهم و إصرارهم على العناد و اللجاج، فالمعنى: فإذا كان كذلك و لم يجيبوك إلا بمثل قولهم ساحر أو مجنون و لم يزدهم دعوتك إلا عنادا فأعرض عنهم و لا تجادلهم على الحق فما أنت بملوم فقد أريت المحجة و أتممت الحجة.

قوله تعالى: « وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ » تفريع على الأمر بالتولي عنهم فهو أمر بالتذكير بعد النهي عن الجدال معهم، و المعنى: و استمر على التذكير و العظة فذكر كما كنت تذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين بخلاف الاحتجاج و الجدال مع أولئك الطاغين فإنه لا ينفعهم شيئا و لا يزيدهم إلا طغيانا و كفرا.

386

(1) -}قوله تعالى: « وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » فيه التفات من سياق التكلم بالغير إلى التكلم وحده لأن الأفعال المذكورة سابقا المنسوبة إليه تعالى كالخلق و إرسال الرسل و إنزال العذاب كل ذلك مما يقبل توسيط الوسائط كالملائكة و سائر الأسباب بخلاف الغرض من الخلق و الإيجاد فإنه أمر يختص بالله سبحانه لا يشاركه فيه أحد.

و قوله: « إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » استثناء من النفي لا ريب في ظهوره في أن للخلقة غرضا و أن الغرض العبادة بمعنى كونهم عابدين لله لا كونه معبودا فقد قال: ليعبدون و لم يقل:

لأعبد أو لأكون معبودا لهم.

على أن الغرض كيفما كان أمر يستكمل به صاحب الغرض و يرتفع به حاجته و الله سبحانه لا نقص فيه و لا حاجة له حتى يستكمل به و يرتفع به حاجته، و من جهة أخرى الفعل الذي لا ينتهي إلى غرض لفاعله لغو سفهي و يستنتج منه أن له سبحانه في فعله غرضا هو ذاته لا غرض خارج منه، و أن لفعله غرضا يعود إلى نفس الفعل‏ (1)

و هو كمال للفعل لا لفاعله، فالعبادة غرض لخلقة الإنسان‏و كمال عائد إليه هي و ما يتبعها من الآثار كالرحمة و المغفرة و غير ذلك، و لو كان للعبادة غرض كالمعرفة الحاصلة بها و الخلوص لله كان هو الغرض الأقصى و العبادة غرضا متوسطا.

فإن قلت: ما ذكرته من حمل اللام في « لِيَعْبُدُونِ » على الغرض يعارضه قوله تعالى: «لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ ` إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ» : هود: 119، و قوله:

«وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ» : الأعراف: 179، فإن ظاهر الآية الأولى كون الغرض من الخلقة الاختلاف، و ظاهر الثانية كون الغرض من خلق كثير من الجن و الإنس دخول جهنم فلا محيص عن رفع اليد من حمل اللام على الغرض و حملها على الغاية.

قلت: أما الآية الأولى فالإشارة فيها إلى الرحمة دون الاختلاف، و أما الآية

____________

(1) فالله تعالى خلق الإنسان ليثيبه و الثواب عائد إلى الإنسان و هو المنتفع و هو المنتفع به و الله غني عنه، و أما غرضه تعالى فهو ذاته المتعالية و إنما خلقه لأنه الله عز اسمه. منه.

387

(1) -الثانية فاللام فيها للغرض لكنه غرض تبعي و بالقصد الثاني لا غرض أصلي و بالقصد الأول و قد تقدم إشباع الكلام في تفسير الآيتين.

فإن قلت: لو كان اللام في « لِيَعْبُدُونِ » للغرض كانت العبادة غرضه تعالى المراد من الخلقة، و من المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته لكن من المعلوم المشاهد عيانا أن كثيرا منهم لا يعبدونه تعالى و هذا نعم الدليل على أن اللام في الآية ليست للغرض أو أنها للغرض لكن المراد بالعبادة العبادة التكوينية كما في قوله: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» : إسراء: 44.

أو أن المراد بخلقهم للعبادة خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ذوي اختيار و عقل و استطاعة، و تنزيل الصلاحية و الاستعداد منزلة الفعلية مجاز شائع كما يقال: خلق البقر للحرث، و الدار للسكنى.

قلت: الإشكال مبني على كون اللام في الجن و الإنس للاستغراق فيكون تخلف الغرض في بعض الأفراد منافيا له و تخلفا من الغرض، و الظاهر أن اللام فيهما للجنس دون الاستغراق فوجود العبادة في النوع في الجملة تحقق للغرض لا يضره تخلفه في بعض الأفراد نعم لو ارتفعت العبادة عن جميع الأفراد كان ذلك بطلانا للغرض، و لله سبحانه في النوع غرض كما أن له في الفرد غرضا.

و أما حمل العبادة على العبادة التكوينية فيضعفه أنها شأن عامة المخلوقات لا موجب لتخصيصه بالجن و الإنس مضافا إلى أن السياق سياق توبيخ الكفار على ترك عبادة الله التشريعية و تهديدهم على إنكار البعث و الحساب و الجزاء و ذلك متعلق بالعبادة التشريعية دون التكوينية.

و أما حمل العبادة على الصلوح و الاستعداد بأن يكون الغرض‏من خلق الجن و الإنس كونهما بحيث يصلحان للعبادة و يستعدان لها أو لتعلق الأمر و النهي العباديين فيضعفه أن من البين أن الصلوح و الاستعداد إنما يتعلق به الطلب لأجل الفعلية التي يتعلق به الصلوح و الاستعداد فلو كان الغرض المطلوب من خلقهما كونهما بحيث يصلحان للعبادة أو لتعلق الأمر و النهي العباديين فقد تعلق الغرض أولا بفعلية عبادتهما ثم بالصلوح و الاستعداد لمكان المقدمية.

388

(1) -ففي حمل العبادة على الصلوح و الاستعداد اعتراف بكون الغرض من الخلق أولا و بالذات نفس العبادة ثم الصلوح و الاستعداد فيعود الإشكال لو كان هناك إشكال.

فالحق أن اللام في « اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ » للجنس دون الاستغراق، و المراد بالعبادة نفسها دون الصلوح و الاستعداد، و لو كان المراد هو الصلوح و الاستعداد للعبادة لكان ذلك غرضا أدنى مطلوبا لأجل غرض أعلى هو العبادة كما أن نفس العبادة بمعنى ما يأتي به العبد من الأعمال بالجوارح من قيام و ركوع و سجود و نحوها غرض مطلوب لأجل غرض آخر هو المثول بين يدي رب العالمين بذلة العبودية و فقر المملوكية المحضة قبال العزة المطلقة و الغنى المحض كما ربما استفيد من قوله تعالى: «قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ» : الفرقان: 77، حيث بدل العبادة دعاء.

فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة و العبودية و توجيه وجهه إلى مقام ربه، و هذا هو مراد من فسر العبادة بالمعرفة يعني المعرفة الحاصلة بالعبادة.

فحقيقة العبادة هي الغرض الأقصى من الخلقة و هي أن ينقطع العبد عن نفسه و عن كل شي‏ء و يذكر ربه.

هذا ما يعطيه التدبر في قوله تعالى: « وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » و لعل تقديم الجن على‏الإنس لسبق خلقهم على خلق الإنس قال تعالى: «وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نََارِ اَلسَّمُومِ» : الحجر: 27، و العبادة هي غرض الفعل أي كمال عائد إليه لا إلى الفاعل على ما تقدم.

و يظهر من القصر في الآية بالنفي و الاستثناء أن لا عناية لله بمن لا يعبده كما يفيده أيضا قوله: « قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ » .

قوله تعالى: « مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ » الإطعام‏ إعطاء الطعام ليطعم و يؤكل قال تعالى: «وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ» : الشعراء: 79، و قال:

«اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» : الإيلاف: 4، فيكون ذكر الإطعام بعد الرزق من قبيل ذكر الخاص بعد العام لتعلق عناية خاصة به و هي أن التغذي أوسع حوائج الإنسان و غيره و أخسها لكونه مسبوقا بالجوع و ملحوقا بالدفع.

و قيل: المراد بالرزق رزق العباد و المعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا عبادي الذين أرزقهم و ما أريد أن يطعموني نفسي.

389

(1) -و قيل: المراد بالإطعام تقديم الطعام إليه كما يقدم العبد الطعام إلى سيده و الخادم إلى مخدومه فيكون المراد بالرزق تحصيل أصل الرزق و بالإطعام تقديم ما حصلوه و المعنى: ما أريد منهم رزقا يحصلونه لي فأرتزق به و ما أريدمنهم أن يقدموا إلى ما ارتزق به و أطعمه.

قوله تعالى: « إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلرَّزََّاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ » تعليل لقوله: « مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ » إلخ، و الالتفات في الآية من التكلم وحده إلى الغيبة لإنهاء التعليل إلى اسم الجلالة الذي منه يبتدئ كل شي‏ء و إليه يرجع كأنه قال: ما أريد منهم رزقا لأني أنا الرزاق لأني أنا الله تبارك اسمه.

و التعبير بالرزاق-اسم مبالغة-و كان الظاهر أن يقال: إن الله هو الرزاق للإشارة إلى أنه تعالى إذا كان رازقا وحده كان رزاقا لكثرة من يرزقه فالآية نظير قوله: « وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ » .

و ذو القوة من أسمائه تعالى بمعنى القوي لكنه أبلغ من القوي، و المتين‏ أيضا من أسمائه تعالى بمعنى القوي.

و التعبير بالأسماء الثلاثة للدلالة على انحصار الرزق فيه تعالى و أنه لا يأخذه ضعف في إيصال الرزق إلى المرتزقين على كثرتهم.

قوله تعالى: « فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحََابِهِمْ فَلاََ يَسْتَعْجِلُونِ » الذنوب‏ النصيب، و الاستعجال‏ طلب العجلة و الحث عليها، و الآية متفرعة على قوله:

« وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » بلازم معناه.

و المعنى: فإذا كان هؤلاء الظالمون لا يعبدون الله‏و لا عناية له بهم و لا سعادة من قبله تشملهم فإن لهم نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم من الأمم الماضية الهالكة فلا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب و لا يقولوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، و أيان يوم الدين.

و في الآية التفات من الغيبة إلى التكلم وحده و هو في الحقيقة رجوع من سياق الغيبة الذي في قوله: « إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلرَّزََّاقُ » إلخ، إلى التكلم وحده الذي في قوله:

« وَ مََا خَلَقْتُ » إلخ، لتفرع الكلام عليه.

390

(1) -}قوله تعالى: « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ اَلَّذِي يُوعَدُونَ » تفريع على قوله:

« فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً » إلخ، و تنبيه على أن هذا الذنوب محقق لهم يوم القيامة و إن أمكن أن يجعل لهم بعضه، و هو يوم ليس لهم فيه إلا الويل و الهلاك و هو يومهم الموعود.

و في تبديل قوله في الآية السابقة لِلَّذِينَ ظَلَمُوا من قوله في هذه الآية: « لِلَّذِينَ كَفَرُوا » تنبيه على أن المراد بالظلم ظلم الكفر.

بحث روائي‏

في المجمع، و روي بالإسناد عن مجاهد قال: خرج علي بن أبي طالب معتما مشتملا في قميصة-فقال: لما نزلت « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمََا أَنْتَ بِمَلُومٍ » لم يبق أحد منا إلا أيقن بالهلكة-حين قيل للنبي: « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ » فلما نزل « وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ » طابت نفوسنا، و معناه: عظ بالقرآن من آمن من قومك-فإن الذكرى تنفعهم: . عن‏الكلبي.

أقول: و رواه في الدر المنثور، و روي أيضا ما في معناه عن ابن راهويه و ابن مردويه عنه (ع) : .

و في التوحيد، بإسناده عن ابن أبي عمير قال*: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع) : ما معنى قول رسول الله ص: اعملوا-فكل ميسر لما خلق له؟فقال:

إن الله عز و جل خلق الجن و الإنس ليعبدوه-و لم يخلقهم ليعصوه و ذلك قوله عز و جل:

« وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » فيسر كلا لما خلق له-فويل لمن استحب العمى على الهدى.

و في العلل، بإسناده إلى أبي عبد الله (ع) قال: خرج الحسين بن علي (ع) على أصحابه فقال: إن الله عز و جل ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.

و فيه، بإسناده إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز و جل:

« وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة.

391

(1) - أقول: و روى القمي في تفسيره، : مثله مرسلا و مضمرا

، و قد مر في تفسير الآية ما يتضح به معنى هذه الروايات، و أن هناك أغراضا مترتبة: التكليف و العبادة و المعرفة.

و في تفسير العياشي، عن يعقوب بن سعيد عن أبي عبد الله (ع) قال*: سألته عن قول الله: « وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ » قال: خلقهم للعبادة. قال:

قلت: قوله: « وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ-` إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ » فقال: نزلت هذه بعد ذلك.

أقول: أي نزلت « وَ لاََ يَزََالُونَ » إلخ، بعد « وَ مََا خَلَقْتُ » إلخ، يريد النسخ، و في تفسير القمي: و في حديث آخر هي منسوخة بقوله: « وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ » و المراد بالنسخ البيان و رفع الإبهام دون النسخ المصطلح، و كثيرا ما ورد بهذا المعنى في كلامهم (ع) كما أشرنا إليه في تفسير قوله تعالى: «مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا» XالآيةX البقرة: 106.

و المراد أن الغرض الأعلى هو الرحمة الخاصة المترتبة على العبادة و هي السعادة الخاصة بالمعرفة.

و في التهذيب، بإسناده إلى سدير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : أي شي‏ء على الرجل في طلب الرزق؟فقال: إذا فتحت بابك و بسطت بساطك-فقد قضيت ما عليك.

تم و الحمد لله.