أعيان الشيعة - ج4

- السيد محسن الأمين المزيد...
634 /
505

و قال أبو تمام :

و تند عندهم العلى الأعلى # جعلت لها مرر القصيد قيودا

فقال البحتري :

و المجد قد يأبق عن اهله # لو لا عرى الشعر الذي قيده‏

و قال أبو تمام :

شك حشاها بخطبة عنن # كأنها منه طعنة خلس‏

فقال البحتري :

فرحت جوانبها بخطبة فيصل # مثل لها في الروع طعنة فيصل‏

و قال أبو تمام :

جم التواضع و الدنيا بسؤدده # تكاد تهتز من أقطارها صلفا

فقال البحتري :

ابدى التواضع لما نالها رعة # عنها فنالته فاختالت به تيها

و قال أبو تمام :

إذا اطلقوه من جوامع عقله # تيقن ان المن أيضا جوامع‏

فقال البحتري .

و في عفوه لو يعلمون عقوبة # تقعقع في الاعراض ان لم يعاتب‏

و قال أبو تمام :

قصر ببذلك عمر وعدك تحولي # شكرا يعمر عمر سبعة انسر

فقال البحتري :

و جعلت نيلك تلو وعدك قاصرا # عمر العدو به و عمر الموعد

و قال أبو تمام .

دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة # فلباه طل الدمع يجري و وابله‏

فقال البحتري :

نصرت له الشوق اللجوج بعبرة # تواصل في أعقاب وصل تصرما

و قال أبو تمام :

من ليلة في وبلها ليلاء # فلو عصرت الصخر صار ماء

فقال البحتري :

أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى # و رطبن حتى كاد يجري الجندل‏

و قال أبو تمام :

بر بدأت به و دار بابها # للخلق مفتوح و وجه مقفل‏

فقال البحتري :

اليم بابك معقود على خلق # وراءه مثل مد النيل محلول‏

فهذا ما نقله الآمدي عن أبي الضياء من ماخذ البحتري من أبي تمام و صححه و قال أبو تمام :

زعمت هواك عفا الغداة كما عفت # منها طلال باللوى و رسوم‏

قال الآمدي اخذه البحتري فقال:

ما ظننت الأهواء قبلك تمحى # من صدور العشاق محو الديار

(ما ذكره الآمدي من ماخذ البحتري من أبي تمام نقلا عن أبي الضياء و لم يصححه) .
505 قال الآمدي في الموازنة ان أبا الضياء لم يقنع بالمسروق الذي يشهد التأمل الصحيح بصحته حتى تعدى ذلك إلى التكثير و إلى أن ادخل في الباب ما ليس منه بعد ان قدم مقدمة اوصى فيها ان لا يعجل الناظر في كتابه فيقول ما هذا مأخوذ من هذا حتى يتأمل المعنى دون اللفظ و انما السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه و من الناس من لا يعد سرقة إلا مثل بيت امرئ القيس و طرفة إذ لم يختلفا إلا في القافية فقال امرؤ القيس .

وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك اسى و تحمل‏

و قال طرفة :

وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك اسى و تجلد

و منهم من يحتاجون إلى دليل من اللفظ مع المعنى و آخرون يكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر و هم قليل قال الآمدي فجعل هذه المقدمة توطئة لما اعتمده من الاطالة و الحسد و ان يقبل منه كل ما يورده و لم يستعمل مما وصى به من التأمل شيئا و لو فعل لعلم ان السرق انما هو في البديع المخترع لا في المعاني المشتركة بين الناس غير انه استكثر من هذا الباب و خلط به ما ليس من السرق في شي‏ء و لا بين المعنيين تناسب و لا تقارب و اتى بضرب آخر المعاني فيه مختلفة و ليس فيه الا اتفاق ألفاظ ليس مثلها ما يحتاج واحد ان يأخذه من آخر إذ كانت الألفاظ مباحة فبلغ غرضه في توفير الورق و تعظيم حجم الكتاب (إلى ان قال) فمما ذكر ان البحتري اخذه من أبي تمام قول أبي تمام :

جرى الجود مجرى النوم منه فلم يكن # بغير سماح أو طعان بحالم‏

فقال البحتري :

و يبيت يحلم بالمكارم و العلى # حتى يكون المجد جل منامه‏

و قال أبو تمام :

إذا القصائد كانت من مدائحهم # يوما فأنت لعمري من مدائحها

فقال البحتري :

و من يكن فاخرا بالشعر يذكر في # أضعافه فبك الاشعار تفتخر

و قال أبو تمام :

ثم انقضت تلك السنون و أهلها # فكأنها و كأنهم أحلام‏

فقال البحتري :

و أيامنا فيك اللواتي تصرمت # مع الوصل أضغاث و أحلام نائم‏

و قال أبو تمام :

أظلت روعك حتى صرت لي غرضا # قد يقدم العير من ذعر على الأسد

فقال البحتري :

فجاء مجي‏ء العير قادته حيرة # إلى اهرت الشدقين تدمى اظافره‏

و قال أبو تمام :

هيهات لم يعلم بانك لو ثوى # بالصين لم تبعد عليك الصين

فقال البحتري :

يضحي مطلا على الأعداء لو وقعوا # في الصين من بعدها ما استبعد الصينا

و قال أبو تمام :

كان بني نبهان يوم وفاته # نجوم سماء خر من بينها البدر

506

فقال البحتري :

فإذا لقيتهم فموكت أنجم # زهر و عبد الله بدر الموكب‏

و بيت أبي تمام مر انه مسروق. و قال أبو تمام :

همة تنطح النجوم وجد # آلف للحضيض فهو حضيض‏

فقال البحتري :

متحير يغدو بعزم قائم # في كل نائبة وجد قاعد

و قال أبو تمام :

و ليست فرحة الأوبات الا # لموقوف على ترح الوداع‏

فقال البحتري :

ما لشي‏ء بشاشة بعد شي‏ء # كتلاق مواشك بعد بعد

و قال أبو تمام :

لهم نشب و ليس لهم سماح # و أجسام و ليس لهم قلوب‏

فقال البحتري :

خلق ممثلة بغير خلائق # ترجى و أجسام بلا أرواح‏

و قال أبو تمام :

لا تدعون نوح بن عمرو دعوة # للخطب الا ان يكون جليلا

فقال البحتري :

يا أبا جعفر و ما أنت بالمدعو # الا لكل امر كبار

و قال أبو تمام :

بيض فهن إذا رمقن سوافرا # صور و هن إذا رمقن صوار

فقال البحتري :

اني لحظت فأنت جؤذر رملة # و إذا صددت فأنت ظبي كناس‏

و قال أبو تمام :

و لقد جهدتم ان تزيلوا عزه # فإذا ابان قد رسا و يلملم‏

فقال البحتري :

و لن ينقل الحساد مجدك بعد ما # تمكن رضوى و اطمان متالع‏

و قال أبو تمام :

و في شرف الحديث دليل صدق # لمختبر على شرف القديم‏

فقال البحتري :

على انا نوكل بالاداني # و تخبرنا الفروع عن الأصول‏

و قال أبو تمام :

و لذاك قيل من الظنون جلية # صدق و في بعض القلوب عيون‏

فقال البحتري :

و إذا صحت الروية يوما # فسواء ظن امرئ و عيانه‏

و قال أبو تمام :

لانجم من معشر الا وهمته # عليك دائرة يا أيها القطب‏

فقال البحتري :

و دارت بنو ساسان طرا عليهم # مدار النجوم السائرات على القطب‏

506 و قال أبو تمام :

و أقل الأشياء محصول نفع # صحة القول و الفعال مريض‏

فقال البحتري :

و ما لمثلي في القول منك رضى # و القول في المجد غير محسوب‏

و قال أبو تمام :

ستر الصنيعة و استمر ملعنا # يدعو عليه النائل المظلوم‏

فقال البحتري :

أ كافر منك فضل نعمى # و ستر نعمى الكريم كفر

و قال أبو تمام :

شهدت جسيمات العلى و هو غائب # و لو كان أيضا شاهدا كان غائبا

فقال البحتري :

بشير لكم فيها نذير لغيركم # له شاهد عن موضع الفهم غائب‏

و قال أبو تمام :

دعيني على اخلاقي الصمل التي # هي الوفر أو سرب ترن نوادبه‏

فقال البحتري :

و خد القلاص يردني لك بالغنى # في بعض ذا التطواف أو يرديني‏

و قال أبو تمام :

كحلت بقبح صورته فأمسى # لها إنسان عيني في السياق‏

فقال البحتري :

شكوت قذى بعينك بات يدمى # كأنك قد نظرت إلى طماس‏

و قال أبو تمام :

فأقسم اللحظ بيننا ان في اللحظ # لعنوان ما يجن الضمير

فقال البحتري :

سلام و ان كان السلام تحية # فوجهك دون الرد يكفي المسلما

و قال أبو تمام :

و رحب صدر لو ان الأرض واسعة # كوسعه لم يضق عن اهله بلد

فقال البحتري :

مفازة صدر لو تطرق لم يكن # ليسلكها فردا سليك المقانب‏

و قال أبو تمام :

انما البشر روضة فإذا ما # كان بر فروضة و غدير

فقال البحتري :

فان العطاء الجزل ما لم تحله # يبشرك مثل الروض غير منور

و قال أبو تمام :

و اني ما حورفت في طلب الغنى # و لكنما حورفتم في المكارم‏

فقال البحتري :

إذا ابتدي بخلاء الناس عارفة # يتبعها المن فالمرزوق من حرما

و قال أبو تمام :

إذا شب نارا أقعدت كل قائم # و قام لها من خوفه كل قاعد

507

فقال البحتري :

و مبجل وسط الرجال خفوقهم # لقيامه و قيامهم لعقوده‏

و قال أبو تمام :

و رب يوم كأيام تركت به # من القناة و متن القرن منقصفا

فقال البحتري

في معرك ضنك تخال به القنا # بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا

و قال أبو تمام :

بين البين فقدها قلما يعرف # فقد للشمس حتى تغيبا

فقال البحتري :

فاضل بين الاخوان عسري و في ظلماء # ليل تفاضلت شهبه‏

و قال أبو تمام :

ان الصفائح منك قد نضدت على # ملقى عظام لو علمت عظام‏

فقال البحتري :

مساع عظام ليس يبلى جديدها # و ان بليت منهم رمائم أعظم‏

و قال أبو تمام :

لا يدهمنك من دهمائهم عدد # فان كلهم أو جلهم بقر

فقال البحتري :

علي نحت القوافي من مقاطعها # و ما علي لهم ان تفهم البقر

و قال أبو تمام :

لهان علينا ان نقول و تفعلا # و نذكر بعض الفضل منك فتفضلا

فقال البحتري :

ان الخليفة ليس يرقب في الذي # حاولت الا ان تقول و يفعلا

و قال أبو تمام :

و ما يوم زرت اللحد يومك وحده # علينا و لكن يوم زيد و حاتم

فقال البحتري :

بأبيض وضاح كان قميصه # يزر على الشيخين زيد و حاتم

و قال أبو تمام :

لعمرك ما كانوا ثلاثة اخوة # و لكنهم كانوا ثلاث قبائل‏

فقال البحتري .

كانوا ثلاثة أبحر أفضى بهم # ولع المنون إلى ثلاثة اقبر

و قال أبو تمام :

كساك من الأنوار ابيض ناصع # و احمر قاني و اصفر فأقع‏

و في الديوان :

كساك من الأنوار اصفر فأقع # و ابيض نصاع و احمر ساطع‏

فقال البحتري :

من واضح يقق و اصفر فأقع # و مضرج جسد و احمر قاني‏

و قال أبو تمام :

لو لا مناشدة القربى لغادركم # فريسة المرهفين السيف و القلم‏

507 فقال البحتري :

زنت الخلافة إشراقا و قد حبطت # و ذدت عن حقها بالسيف و القلم‏

و قال أبو تمام :

ابى لي نحر الغوث ان أرأم التي # أسب بها و النجر يشبهه النجر

فقال البحتري :

سيد نجر المعالي نجره # يملك الجود عليه ما ملك‏

قال الآمدي و قد كان ينبغي لأبي الضياء ان لا يخرج مثل هذا في السرق و لا يفرح نفسه و قال أبو تمام :

متواطئو عقبيك في طلب العلى # و المجد ثمة تستوي الاقدام‏

فقال البحتري :

حزت العلى سبقا و صلى ثانيا # ثم استوت من بعده الاقدام‏

و قال أبو تمام يصف الفرس:

من نجل كل تليدة أعراقه # طرف معم في السوابق مخول‏

فقال البحتري :

وافي الضلوع يشد عقد حزامه # يوم اللقاء على معم مخول‏

و قال أبو تمام :

فاذرت جمانا من دموع نظامها # على الخد الا ان صائغها الشعر

فقال البحتري :

جرى في نحرها من مقلتيها # جمان يستهل على جمان‏

و قال أبو تمام :

و هل للقريض الغض أو من يحوكه # على أحد الا عليك معول‏

فقال البحتري :

و عليك سقياهم لنا إذ لم يكن # في توبة الا عليك معول‏

قال الآمدي فحظر على البحري البحتري لفظة معول و حرمها عليه من أجل ان أبا تمام لفظ بها و قال أبو تمام :

و إذا امرؤ اهدى إليك صنيعة # من جاهه فكأنها من ماله‏

فقال البحتري :

حاز حمدي و للرياح اللواتي # تجلب الغيث مثل حمد الغيوم‏

و أجاب الآمدي عن كل بيت من أبيات البحتري هذه بجواب و بطول الكلام بنقل هذه الاجوبة على التفصيل و يرجع حاصلها إلى ان من هذه المعاني ما هو مبذول معروف لا يعد التوافق فيه سرقة و منها ما كان المعنى في بيت البحتري مغايرا له في بيت أبي تمام و لم يتفق البيتان الا في بعض الألفاظ.

و مما اخذه البحتري من أبي تمام قوله:

لا تطلبن له النظير فإنه # قمر التأمل مزنة التأميل‏

اخذه من قول أبي تمام :

نفسي فداء ابى علي انه # صبح المؤمل كوكب المتأمل‏

بعض الموازنات بين أشعار الطائيين

منقول أكثرها عن الآمدي في الموازنة :

508
الابتداءات بذكر الوقوف على الديار لأبي تمام

ما في وقوفك ساعة من بأس # تقضي حقوق الأربع الادراس

قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد # و ان هي لم تسمع لنشدان ناشد

قف بالطلول الدارسات علاثا (1) # اضحت حبال قطينهن رثاثا

قف نؤبن كناس هذا الغزال # ان فيه لمسرحا للمقال

ليس الوقوف يكف شوقك فانزل # و ابلل غليلك بالمدامع يبلل‏

الابتداءات بذكر الوقوف على الديار للبحتري

ما على الركب من وقوف الركاب # في مغاني الصبا و رسم التصابي

ذك وادي الأراك فأحبس قليلا # مقصرا عن ملامتي أو مطيلا

قف العيس قد أدنى خطأها كلالها # و سل دار سعدى ان شفاك سؤالها

عرج بذي سلم فثم المنزل # فيقول صب ما أرد و يفعل

كم من وقوف على الاطلال و الدمن # لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن

استوقف الركب في اطلالها وقفا # و ان أجد بلى ماثورها و عفا

الابتداءات بالتسليم على الديار لأبي تمام

دمن الم بها فقال سلام # كم حل عقدة صبره الإلمام

سلم على الربع من سلمى بذي سلم # عليه و سم من الأيام و القدم‏

الابتداءات بالتسليم على الديار للبحتري

هذي المعاهد من سليم فسلم # و أسال و ان وجمت و لم تتكلم

حييتما من مربع و مصيف # كانا محلي زينب و صدوف

ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها # نعم و نسألها عن بعض أهليها

الابتداءات بذكر تعفية الزمان للديار لأبي تمام

لقد أخذت من دار ماوية الحقب # أ نحل المغاني للبلى هي أم نهب‏

قال الآمدي حذف التنوين من أ نحل للضرورة (اه) و النحل بالضم الهبة عن طيب نفس يقول المغاني هي هبة للبلى أم نهب بالقهر؟

قد نابت الجزع من ماوية النوب # و استحقبت جدة من ربعها الحقب‏

الابتداء بذكر تعفية الزمان للديار للبحتري

يا مغاني الأحباب صرت رسوما # و غدى الدهر فيك عندي ملوما

أ رسوم دار أم سطور كتاب # درست بشاشتها مع الاحقاب‏

الابتداء بذكر اقواء الديار و تعفيها لأبي تمام

طلل الجميع لقد عفوت حميدا # و كفى على رزئي بذاك شهيدا

أجل أيها الربع الذي بان آهله # لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # و محت كما محت و شائع من برد

ارامة كنت مالف كل ريم # لو استمتعت بالانس القديم‏

الابتداء بذكر اقواء الديار و تعفيها للبحتري

تلك الديار و دارسات طلولها # طوع الخطوب دقيقها و جليلها

لم يبق في تلك الرسوم بمنعج # إما سالت معرج لمعرج

هلا سالت بجو ثهمد # طللا لمية قد تأبد

508 ارى بين ملتف الأراك منازلا # مواثل لو كانت مهاها مواثلا

عهدي بربعك مثلا آرامه # يجلى بضوء خدودهن ظلامه‏

الابتداء بتعفية الرياح للديار لأبي تمام

عفت اربع الحلات للأربع الملد # لكل هضيم الكشح مجدولة القد

الابتداء بتعفية الرياح للديار للبحتري

بين الشقيقة فاللوى فالاجرع # دمن حبسن على الرياح الأربع

أصبا الاصائل ان برقة ثهمد # تشكو اختلافك بالهبوب السرمد

لا ارى بالبراق رسما يجيب # اسكتت آية الصبا و الجنوب‏

الابتداء بالبكاء على الديار لابي تمام

على مثلها من اربع و ملاعب # اذيلت مصونات الدموع السواكب

اما الرسوم فقد اذكرن ما سلفا # فلا تكفن من شانيك أو يكفا

أ زعمت ان الربع ليس يتيم # و الدمع في دمن عفت لا يسجم

قرى دارهم مني الدموع السوافك # و ان عاد صبحي بعدهم و هو حالك

تجرع اسى قد أقفر الجرع الفرد # و دع حسي عين يحتلب ماءه الوجد

الابتداء بالبكاء على الديار للبحتري

متى لاح برق أو بدى بذي طلل قفر # جرى مستهل لابكي و لا نزر

لها منزل بين الدخول فتوضح # متى تره عين المتيم تسفح

أ في كل دار منك عين ترقرق # و قلب على طول التذكر يخفق

ألما يكف في طللي زرود # بكاؤك دارس الدمن الهمود

أ عن أسفه يوم الابيرق أم حلم # وقوف بربع أو بكاء على رسنم

وقوفك في اطلالهم و سؤالها # يريك غروب الدمع كيف انهمالها

عند العقيق فما ثلاث دياره # شجن يزيد الصب في استعباره

يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي # و النوح في دمن أقوت و اطلال

أ بكاء في الدار بعد الدار # و سلوا عن زينب بنوار

الابتداء بسؤال الدار و استعجامها عن الجواب لأبي تمام

الدار ناطقة و ليس تنطق # بدثورها ان الجديد سيخلق

و أبي المنازل انه لشجون # و على العجومة انها لتبين

من سجايا الطلول ان لا تجيبا # فصواب من مقلتي ان تصوبا

الابتداء بسؤال الدار و استعجامها عن الجواب للبحتري

لا دمنة بلوى خبت و لا طلل # ترد قولا على ذي لوعة يسل

صب يخاطب مفحمات طلول # من سائل باك و من مسئول

عزمت على المنازل ان تبينا # و ان دمن بلين كما يلينا

أقم علها ان ترجع القول أو علي # اخلف فيها بعض ما بي من الخبل

بالله يا ربع لما زدت تبيانا # فقلت لي الحي لما بان لم بانا

هب الدار ردت رجع ما أنت سائله # و ابدى الجواب الربع عما تسائله

هل الربع قد أمسى خلاء منازله # مجيب صداه أو يخبر سائله

عفت دمن بالابرقين خوالي # ترد سلامي أو تجيب سؤالي‏

الابتداء بما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش و الطير لأبي تمام

اطلالهم سلبت دماها الهيفا # و استبدلت و حشا بهن عكوفا

____________

(1) علاثة اسم رجل و هو صاحبه فقال علاثا أي يا علاثا -المؤلف-

509

أ أطلال هند ساء ما اعتضت من هند # أ قايضت حور العين بالعور و الربد (1)

الابتداء بما يخلف الظاعنين من الوحش و الطير للبحتري

ربع خلا من بدره مغناه # و رعت به عين المهى الأشباه

عهدي بربعك مانوسا ملاعبه # أشباه آرامه حسنا كواعبه‏

الابتداء بما تبعثه الذيار للواقفين بها لأبي تمام

أ قشيب ربعهم أراك دريا # و قرى ضيوفك لوعة و رسيسا

الابتداء بما تبعثه الديسار للواقف بها للبحتري

مغاني سليمى بالعقيق و دورها # أجد الشجى أخلاقها و دثورها

لعمر المغاني يوم صحراء اربد # لقد هيجت وجدا على ذي توجد

ماجو خبت و ان نات ظعنه # تاركنا أو تشوقنا دمنه

كلما شاءت الرسوم المحيله # هيجت من أخي غليل غليله‏

الابتداء بالاستسقاء للدار لأبي تمام

أسقي طلولهم أجش هزيم # و غدت عليهم نضرة و نعيم

سقى عهد الحمى صوب العهاد # و روى حاضرا منهم و باد

يا برق طالع منزلا بالأبرق # واحد السحاب له حداء الاينق

أيها البرق بت بأعلى البراق # و أغد فيها بوابل غيداق

يا دار دار عليك ارهام الندا # و اهتز روضك في الثرى فترأدا

الابتداء بالاستسقاء للدار للبحتري

نشدتك الله من برق على اضم # لما سقيت جنوب الحزن فالعلم

سقيت الغوادي من طلول و اربع # و حييت من دار لأسماء بلقع

اناشد الغيث هل تهمي غواديه # على العقيق و ان أقوت مغانيه

اقام كل ملث الودق رجاس # على ديار بعلو الشام ادراس

لا ترم ربعك السحاب تجوده # تبتدي سوقه الصبا أو تقوده

سقى دار ليلى حيث حلت رسومها # عهاد من الوسمي و طف غيومها

سقى ربعها سح السحاب و هاطله # و ان لم يخبر آنفا من يسائله

لا زال محتفل الغمام الباكر # يهمي على حجرات أعلى الحاجر

الابتداء في اللوم على الوقوف بالديار و بكائها لأبي تمام

أراك كبرت إدماني على الدمن # و حملي الشوق من باد و مكتمن‏

الابتداء في اللوم على الوقوف بالديار و بكائها للبحتري

فيم ابتدار كما الملام ولوعا # أبكيت الادمنة و ربوعا

خذا من بكائي في المنازل أودعا # و روحا على لومي بهن أو أربعا

ذاك وادي الأراك فأحبس قليلا # مقصرا في ملامتي أو مطيلا

الابتداء لأبي تمام في لوم العذال‏

تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي # و ليس جنيبي ان عذلت بمصحبي

دأب عيني البكاء و الحزن دابي # فاتركيني وقيت ما بي لما بي

كفى وغاك فانني لك قالي # ليست هوادي عزمتي بتوال

لأمته لأم عشيرها و حميمها # منها خلائق قد أبر ذميمها

509 متى كان سمعي خلسة للوائم # و كيف صغت للعاذلين عزائمي

قدك اتئب أربيت في الغلواء # كم تعذلون و أنتم سجرائي‏

الابتداءات للبحتري في لوم العذال‏

أ تاركي أنت أم مغرى بتعذيبي # و لأئمي في الهوى ان كان يزري بي

يفندون و هم أدنى إلى الفند # و يرشدون و ما العذال في رشد

انما الغي ان يكون رشيدا # فانقصا من ملامه أو فزيدا

أ لم يك في وجدي و برح تلددي # نهاية نهي للعذول المفند

شغلان من عذل و من تفنيد # و رسيس حب طارف و تليد

اقصرا ان شاني الإقصار # و اقلا لن يغني الإكثار

قلت للائم في الحب أفق # لا تهون طعم شي‏ء لم تذق

أ ما كان في تلك الربوع المواثل # بيان لناه أو جواب لسائل

أكثرت في لوم المحب فاقلل # و أمرت بالصبر الحميل فأجمل

رويدك ان شانك غير شاني # و قصرك لست طاعة من نهاني

يكاد عاذلنا في الحب يغرينا # فما لجاجك في لوم المحبينا

عذيري فيك من لاح إذا ما # شكوت الحب قطعني ملاما

طفقت تلوم و لات حين ملامه # لا عند كرته و لا احجامه

أحرى الخطوب بان يكون عظيما # قول الجهول الا تكون حليما

ما أنت للكلف المشوق بصاحب # فاذهب على مهل فليس بذاهب

في غير شانك بكرتي و اصيلي # و سوى سبيلك في السلو سبيلي

بعض هذه العتاب و التنفيد # ليس ذم الوفاء بالمحمود

سرقات المتنبي من أبي تمام

ألف A14G ابن الدهان المتوفى A14G سنة 509 كتابا اسماه المآخذ الكندية من المعاني الطائية ذكر فيه ماخذ المتنبي من أبي تمام و ألف ابن الأثير صاحب المثل السائر كتابا اسماه الاستدراك في الأخذ على المآخذ الكندية من المعاني الطائية .

اعتراف أبي تمام لجماعة بالتقدم في النظم‏

اعترف أبو تمام لكثير و جرير و ليلى الاخيلية من المتقدمين و لبشار و السيد الحميري و أبي نواس من المحدثين بالتقدم في النظم و ابن المقفع بالتقدم في النثر فقال من قصيدة يذكر كثيرا .

لو يناجي ذكر المديح كثيرا # بمعانيه خالهن نسيبا

قال الآمدي :

أراد أن كثيرا لو فاجاه هذا المديح على حسن نسيبه لخاله نسيبا.

و خص كثيرا لشهرته بالنسيب و براعته و احتمل ضرورة الشعر فقال كثيرا و لم يقل جميلا و لا جريرا و لا غيرهما مما لا ضرورة في اسمه اه. و حقيقته ان المديح لا يعتنى فيه بالرقة كثيرا و ان كانت مطلوبة في كل نوع و انما يعتنى بالرقة في النسيب و مع ذلك لو فوجئ كثير الذي اشتهر برقة نسيبه بمعاني هذا المديح لخاله لرقته نسيبا و خص المفاجاة لأنها هي التي يحصل فيها الاشتباه غالبا دون الروية.

و قال من قصيدة يذكر قسا و ليلى الاخيلية و ابن المقفع :

فكان قسا في عكاظ يخطب # و كان ليلى الاخيلية تندب

و كثير عزة يوم بين ينسب # و ابن المقفع في اليتيمة يسهب‏

____________

(1) مر تفسيره في اخباره مع نصر بن منصور ص 485.

510

و قال:

و بقيت لو لا انني في طيئ # علم لقال الناس أنت جرير

و في تاريخ دمشق لما قدم أبو تمام من العراق قيل له ما أقدمت في سفرتك هذه قال اربعمائة ألف درهم و أربعة أبيات شعر هي أحب إلي من المال ثم أنشدها و هي لأبي نواس و ذكر الأبيات الأربعة المتقدمة عند ذكر شغفه بالشعر التي أولها

(اني و ما جمعت من صفد)

.

مشايخه‏

قال ابن عساكر : حدث عن صهيب بن أبي الصهباء الشاغر الشاعر و العطاف بن هارون و كرامة بن ابان العدوي و أبي عبد الرحمن يحيى بن إسماعيل الأموي و سلامة بن جابر النهدي و محمد بن خالد الشيباني اه و يروي أيضا عن قلابة الجرمي و مالك بن دلهم و عمرو بن هاشم السروي كما في أخبار أبي تمام للصولي .

تلاميذه‏

قال ابن عساكر : روى عنه خالد بن شريد (يزيد) الشاعر و الوليد ابن عبادة البحتري و محمد بن إبراهيم بن عتاب و العبدري البغدادي اه و قال الخطيب في تاريخ بغداد : و روى عنه أحمد بن أبي طاهر اخبارا مسندة اه و قال ابن الأنباري في النزهة روى عنه أحمد بن أبي طاهر و غيره اخبارا مسندة اه و هذه الأخبار رواها الصولي في كتاب اخبار أبي تمام عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام و سنذكر أكثرها عند ذكر ما روي من طريقة طريقه (أقول) و البحتري كان تلميذه و خريجه في الشعر و قال الشهيد الثاني في اجازته لوالد البهائي الشيخ حسين بن عبد الصمد انه يروي بالاسناد عن السيد فخار الموسوي عن أبي الفتح محمد بن الميداني عن ابن الجواليقي عن أبي الصقر الواسطي عن الحبشي عن التنيسي عن الأنطاكي عن أبي تمام حبيب بن أوس الطائي صاحب الحماسة لها و لجميع تصانيفه و كتبه اه.

مؤلفاته‏

قال النجاشي له كتاب الحماسة و كتاب مختار شعر القبائل أخبرنا أبو احمد عبد السلام بن الحسين البصري اه و قال ابن النديم في فهرسته له من الكتب كتاب الحماسة . كتاب الاختيارات من شعر الشعراء . كتاب الفحول اه و نحن نورد أسماء مؤلفاته و نتكلم على كل واحد منها.

(الأول) كتاب الحماسة أو ديوان الحماسة جمعه أبو تمام لأبي الوفاء ابن سلمة لما كان عنده في همذان آئبا من خراسان من عند عبد الله بن طاهر فمنعه الثلج فألف له هذا الكتاب من خزانة كتبه و هو مرتب على عشرة أبواب (1) الحماسة (2) المراثي (3) الأدب (4) النسيب (5) الهجاء (6) الأضياف و المديح (7) الصفات (8) السير و النعاس (9) الملح (10) مذمة النساء. و اشتهر ببابه الأول من تسمية الكل باسم الجزء. و الحماسة الشجاعة و العرب تسمي قريشا حمسا لشدتهم في القتال و هو من أشهر الكتب و رزق خطا كبيرا و اشتهر اشتهارا عظيما و كفى في اشتهاره و اعتناء العلماء به أن يكون له أربعة و ثلاثون شرحا لأكابر العلماء و الأدباء كما ستعرف و أن يؤلف ثمانية من مشاهير العلماء و الأدباء كتب الحماسة اقتداء بأبي تمام أو معارضة له و لا يشتهر واحد منها اشتهار حماسة أبي تمام أو دونها 510 كما ستعرف و أن يؤلف شيخ العربية أبو الفتح عثمان بن جني كتاب المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة و قد طبع بدمشق و ان العلماء إذا استشهدوا ببيت مما ذكر فيه يقولون قال الحماسي اي الشاعر المذكور شعره في كتاب الحماسة و لا ينسبونه إلى صاحبه و أن يضرب به المثل أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد البيهقي في كتابه تتمة صوان الحكمة المعروف بتاريخ حكماء الإسلام فيقول في ترجمة أبي الصقر عبد العزيز بن عثمان القبيصي الهاشمي أن كتابة المدخل هو في كتب‏النجوم‏مثل كتاب الحماسة بين الأشعار و دل جمعه له على فضل عظيم و معرفة تامة بالشعر والأدب‏ قال ابن خلكان له كتاب الحماسة دلت على غزارة علمه و إتقان معرفته و حسن اختياره اه في خزانة الأدب له كتاب الحماسة الذي دل على غزارة علمه و كمال فضله و إتقان معرفته و حسن اختياره و هو في جمعه للحماسة أشعر منه في شعره اه : و قال الخطيب التبريزي في مقدمة شرح الحماسة : و أشعارهم أي العرب -كثيرة و المختار منها ما اختاره أمراء الكلام و علماء النظام و من أجود ما اختاروه من القصائد المفضليات و من المقطعات الحماسة و قال إن أبا تمام باختياره الحماسة أشعر منه في شعره. و قال الزمخشري في الأساس : لم يجمع في المقطعات مثل ما جمع أبو تمام و لا في المقصدات مثل ما جمع المفضل اه. و عن كتاب المنتخب في تاريخ آداب العرب تأليف محمد عطايا الدمشقي المطبوع بمصر A0G 1913 ص 72 الحماسة و تسمى أيضا الحماسة الكبرى و هي تحتوي على نحو 570 قطعة من الشعر قسمت إلى عشرة أبواب-و عدها-ترجمها إلى اللاتينية العلامة فريتانح A0G سنة 1828 و A0G سنة 1851 ثم ترجمها إلى اللغة النمساوية العلامة فريدريك روكيرت و طبع الترجمة A0G سنة 1846 .

و لم تشتهر حماسة أبي تمام هذا الاشتهار عن عبث و لا صدفة بل اشتهرت بالاستحقاق و ذلك لما فيها من حسن الاختيار مع أنها جمعت من كتب مكتبة واحدة.

و لأجل ما فيها من حسن الاختيار الذي دل على قوة معرفة أبي تمام يجيد بجيد الشعر من رديه قيل أن أبا تمام في اختياره أشعر منه في شعره. قال المسعودي قد كان أبو تمام ألف كتابا و سماه الحماسة و في الناس من يسميه كتاب الخيبة انتخب فيه شعر الناس ظهر بعد وفاته اه قوله كتاب الخيبة هكذا في نسخة مطبوعة فان لم تكن كلمة الخيبة محرفة فلا شك انها صدرت عن حسد و شحناء. و قال الآمدي في الموازنة لأبي تمام كتب اختيار في الشعر مشهورة (إلى ان قال) و منها اختيار تلقط فيه أشياء من الشعراء المقلين و الشعراء المغمورين غير المشهورين و بوبه أبوابا و صدره بما قيل في الشجاعة و هو أشهر اختياراته و أكثرها في أيدي الناس و يلقب بالحماسة اه.

سبب تأليف الحماسة

ما ذكره الخطيب التبريزي يحيى بن علي في مقدمة شرح الحماسة قال كان سبب جمع أبي تمام الحماسة انه قصد عبد الله بن طاهر و هو بخراسان فمدحه و عاد من خراسان يريد العراق فلما دخل همذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة فأنزله و أكرمه فأصبح ذات يوم و قد وقع ثلج عظيم قطع الطرق و منع السابلة (و البرد بتلك النواحي خارج شديد عن حد الوصف و الثلج في

511

الشتاء يساوي سطوح البيوت) فغم أبا تمام ذلك و سر أبا الوفاء فقال له وطن نفسك على المقام فان هذا الثلج لا ينحسر الا بعد زمان و أحضره خزانة كتبه فطالعها و اشتغل بها و صنف خمسة كتب في الشعر منها كتاب الحماسة و الوحشيات و هي قصائد طوال فبقي كتاب الحماسة في خزائن آل سلمة يضنون به و لا يكادون يبرزونه لأحد حتى تغيرت أحوالهم و ورد همذان رجل من أهل دينور يعرف بأبي العواذل فظفر به و حمله إلى أصبهان فاقبل أدباؤها عليه و رفضوا ما عداه من الكتب المصنفة في معناه فشهر فيهم ثم فيمن يليهم اه و آل سلمة هؤلاء لم اطلع على من فصل أحوالهم و ينبغي أن يكونوا من قبيلة عربية أو مستعربة كانت لها رئاسة هناك و هذه منة للثلج على‏الأدب العربي‏و الشعر. و كم من محسن يعظم إحسانه و يعم فضله بلا قصد منه و هو لا يعلم بذلك و لا يحس به و هو من الجمادات فالثلج بهذه المنة كانت له يد بيضاء ناصعة البياض أشد من بياضه الطبيعي الذي رزقه الله إياه و هذا يدل على انتشاراللغة العربيةوالأدب العربيةفي تلك الأعصار في بلاد العجم انتشارا عظيما و لكن أين آل سلمة و أين من يخلفهم اليوم بهمذان و لا يوجد فيها اليوم من ينطق العربية فضلا عمن يعنى بشعر العرب و أين أدباء أصفهان الذين أقبلوا على ديوان الحماسة و رفضوا ما سواه و ليس فيها اليوم منهم عين و لا اثر و اتفق في سفري إلى ايران A0G سنة 1353 ان ذهبنا من همذان في العربات إلى قرية من قراها تسمى بهار بدعوة من بعض أهل العلم فقلت لصاحب معي اقرأ لنا شيئا من الشعر فجعل يقرأ فقال مضيفنا من أهل همذان بالفارسية ما ذا يقرأ هل يقرأ دعاء قلت لا بل ينشد شعرا.

و طبع كتاب الحماسة في مصر و في بيروت و دمشق و كان منه في جبل عامل عند آل الزين نسخة مخطوطة بعضها و هو القليل منها بخط قديم و قد أكملها من أولها و آخرها الشيخ عباس القريشي النجفي بخطه المتميز و نسخت عنها نسخة بخطي قبل أن يطبع.

شروح كتاب الحماسة

شرح كتاب الحماسة شروحا كثيرة قيل أن أحسنها شرح أبي علي احمد بن محمد المرزوقي و المعروف منها شرح أبي زكريا يحيى بن علي الشهير بالخطيب التبريزي مطبوع بمصر في أربع مجلدات. قال في مقدمة الشرح المذكور و قد فسره جماعة فمنهم من قصر فيه و منهم من عني بذكر اعراب مواضيع منه دون إيراد المعاني. و منهم من أورد الأخبار التي تتعلق به و اعرض عن ذكر المعاني و منهم من ذكر المعاني دون الاعراب و الاخبار اه و قد شرح أربعة و ثلاثين شرحا فيما أطلعنا عليه من كلام العلماء ذكر صاحب كشف الظنون منها أحد و عشرين شرحا و ذكر غيره الباقي و نوردها جميعا فيما يلي و نبدأ بما ذكره صاحب كشف الظنون ثم نتبعه الباقي.

(1) شرح A15G أبي المظفر محمد بن آدم الهروي النحوي المتوفى A15G سنة 214 و في بغية الوعاة A15G 354 (2) شرح A16G حسن بن بشر الآمدي المتوفى A16G 335 (3) شرح A17G أبي الفتح عثمان بن جني المتوفى A17G 392 اكتفى فيه بشرح مغلقاته و اسمه التنبيه (4) المبهج في شرح أسماء رجال الحماسة لابن جني أيضا و هذا لم 511 يذكره صاحب كشف الظنون (5) شرح أبي نصر منصور بن مسلم الحلبي المعروف بان الدميك جعله تتمة ما قصر فيه ابن جني (6) شرح A18G أبي هلال العسكري الحسن بن عبد الله المتوفى A18G 395 و في فهرست الكتب المصرية رسالة في ضبط و تحرير مواضع من الحماسة لأبي هلال العسكري و لا أعلم انها هي هذا الشرح أم غيره (7) شرح أبي علي أحمد بن محمد بن حسن الأصفهاني المعروف A19G بالإمام المرزوقي المتوفى A19G 421 الذي قيل عن شرحه انه أحسن الشروح و في كشف الظنون شرحه معتبر مشهور (8) شرح A20G أبي عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفى A20G 421 (9) شرح A21G أبي القاسم زيد بن علي الفسوي المتوفى A21G 427 و في معجم الأدباء A21G 467 (10) شرح A22G أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة اللغوي المتوفى A22G 458 و هو شرح كبير في ستة مجلدات سماه الأنيق (11) شرح A23G أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي المتوفى A23G 475 (12) شرح A24G عبد الله بن احمد الساماني المتوفى A24G سنة 475 (13) شرح A25G أبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى A25G 476 (14) شرح A26G الأعلم أبي الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري (1) المتوفى A26G 476 في خمسة مجلدات قال ياقوت رتب على حروف المعجم (15) شرح أبي زكريا يحيى بن علي الشهير A27G بالخطيب التبريزي المتوفى A27G 502 (16) شرحه المختصر و يظهر من شرحه المطول ان له عليه شرحين فقط مختصر و مطول و المطول هو المطبوع و من كشف الظنون ان له عليه ثلاثة شروح مختصر و متوسط و مطول (17) شرح A28G أبي المحاس أبي المحاسن مسعود بن علي بن احمد بن عباس الصواني البيهقي المتوفى A28G 544 (18) شرح A29G عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الخبري المتوفى A29G 584 و في معجم الأدباء A29G 476 (19) شرح A30G إبراهيم بن محمد بن ملكوت الإشبيلي المتوفى A30G 584 (20) شرح A31G أبي البقاء عبد الله بن حسين العكبري المتوفى A31G 616 (21) شرح A32G أبي علي الحسن بن علي الأسترآبادي النحوي المتوفى A32G بمصر هكذا في كشف الظنون و لكن في معجم الأدباء و بغية الوعاة الحسن بن احمد الأسترآبادي أبو علي النحوي الأديب أوحد زمانه و كلاهما نسب إليه شرح الحماسة و الظاهر انه هو المذكور في كشف الظنون و انه حرف أبي علي بابن علي و الصواب الحسن بن أحمد (22) شرح A33G أبي نصر قاسم بن محمد الواسطي النحوي المتوفى A33G بمصر فهذا ما ذكره صاحب كشف الظنون من شروحه عدى المبهج لابن جنى المتقدم (23) شرح أبي جعفر احمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المعروف بابن النحاس ذكره صاحب كتاب الفلاكة و المفلوكين (24) شرح أمين الدين الطبرسي (و هو صاحب مجمع البيان ) ذكره عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ج 1 ص 273 الطبعة الجديدة (25) شرح أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن عمران الجنابي البرقي الملقب ماجيلويه عد النجاشي من جملة مؤلفاته كتاب تفسير حماسة أبي تمام و ذكر سنده اليه (26) شرح A34G علي بن أبي الحسن زيد البيهقي المعروف A34G بفريد خراسان المتوفى A34G 565 ذكره ياقوت في معجم الأدباء (27) شرح علي بن الحسن الملقب شميم الحلي اسمه الماسة في شرح الحماسة نسبه اليه ياقوت في معجم الأدباء (28) شرح A35G أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي في A35G المئة الرابعة قال النجاشي له شرح حماسة أبي تمام الأولى عملها لعبد الله بن طاهر (29) شرح المولوي فيض حسن المدرس بلاهور المسمى بالفيضي شرح فيه أنساب و أسماء و أخبار شعراء الحماسة نقلها من شرح التبريزي و كتب التواريخ طبع A0G سنة 1293 بالهند منه نسخة بالمكتبة الرضوية كما في فهرستها (30) شرح الشيخ سيد بن علي المرصفي المصري المسمى باسرار الحماسة كما في فهرست دار الكتب

____________

(1) منسوب إلى شنتمرية بفتح الشين و سكون النون و فتح التاء و الميم و كسر الراء و تشديد الياء المفتوحة بعدها هاء آخر الحروف قال ياقوت شنت إظهار لفظة يعنى بها البلدة أو الناحية لأنها تضاف إلى عدة أسماء و مريه أظنه يراد به مريم بلغة الافرنج. هو حصن بالأندلس (اه) . -المؤلف-

512

المصرية من أهل هذا العصر مطبوع (31) شرح أبي عبد الله الحسين بن علي النمري البصري ذكره ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة الحسن بن أحمد الاعرابي منسوبا إلى النمري في شرح مشكل أبيات الحماسة و على الشرح تعليق للحسن بن أحمد بن محمد الغندجاني ذكر الأصل و التعليق في فهرست دار الكتب المصرية بعنوان إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله الحسين بن علي النمري البصري مما فسره من أبيات الحماسة لابي تمام حبيب بن أوس الطائي أولا و ثانيا تأليف الامام اللغوي النسابة أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد الغندجاني المعروف بالأعرابي الأسود كان موجودا A0G سنة 430 ه بين فيه مواضع الزلل تحت كل بيت و اثبت الصواب (اه) فعلم من ذلك وجود الشرح و التعليق و قوله أولا و ثانيا لعله يدل على وجود شرحين و الله أعلم. (32) شرح أبي العلاء المعري . (33) شرح محمد عبد القادر الرافعي المعاصر اختصره من شرح التبريزي مطبوع معه. (34) شرح الامام أبي الحسن علي بن محمد بن الحارث البياري صاحب A36G أبي سعيد السيرافي من علماء A36G القرن الرابع الهجري . فهذا ما عثرنا على أسمائه من شروح ديوان الحماسة . و قال صاحب كشف الظنون : و نثرها أي الحماسة بان حول النظم إلى نثر A37G أبو سعيد علي بن محمد الكاتب المتوفى A37G 414 و سماه المنثور البهائي لانه نثرها لبهاء الدولة بن بويه (اه) و هذا من التأليف البارد.

مؤلفو الحماسة بعد أبي تمام

ألف جماعة من مشاهير العلماء و الأدباء كتب الحماسة اقتداء بأبي تمام أو معارضة له و لكن لم يشتهر واحد منها اشتهار حماسة أبي تمام و لا دونها و قد ذكر صاحب كشف الظنون منها (1) حماسة البحتري جمعها للفتح بن خاقان وزير المتوكل و رتبها على 174 باب وجدت نسختها في مكتبة ليدن و طبعها اليسوعيون في بيروت عن نسخة نقلت عن تلك النسخة و لكنها لم ترزق من الحظ ما رزقت حماسة أبي تمام و هما في عصر واحد و للبحتري من الشهرة في الشعر ما لا ينقص عن شهرة أبي تمام ان لم يزد (2) حماسة أبي الحسن علي بن الحسن المعروف A38G بشميم الحلي المتوفى A38G سنة 601 مرتبة على 14 بابا (3) حماسة A39G أبي الحجاج يوسف بن محمد البياسي الأندلسي المتوفى A39G سنة 653 في مجلدين (4) حماسة A40G أبي السعادات هبة الله بن علي بن الشجري المتوفى A40G سنة 542 (5) الحماسة البصرية A41G لابي الحسن علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري المقتول A41G سنة 659 الفها A0G سنة 647 (6) الحماسة العسكرية محكية عن كشف الظنون (7) حماسة A42G الأعلم الشنتمري المتوفى A42G سنة 476 ذكرها صاحب خزانة الأدب (8) حماسة الخالديين منها نسخة في المكتبة الخديوية . (الثاني) من مؤلفات أبي تمام الحماسة الصغرى اختارها من شعر العرب بعد اختيار الحماسة الكبرى المتقدمة و رتبها على عشرة أبواب هي نفس أبواب الحماسة الكبرى و تسمى الوحشيات أيضا و هي قصائد طوال كما مر عن شرح الحماسة .

(الثالث) من مؤلفات أبي تمام كتاب فحول الشعراء قال ابن خلكان جمع فيه طائفة كثيرة من شعراء الجاهليين و المخضرمين و الإسلاميين (اه) 512 قلت رأيت منه نسخة مخطوطة في المكتبة المباركة الرضوية أولها باب الأضياف و السخاء و آخرها تم باب الهجاء قال الآمدي في الموازنة عند ذكر اختيارات أبي تمام في الشعر و منها الاختيار الذي تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية و الإسلام و أخذ من كل قصيدة شيئا حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة و هو اختيار مشهور معروف باختيار شعراء الفحول (اه) . (الرابع) الاختيار القبائلي الأكبر ذكره الآمدي في الموازنة و قال اختار فيه من كل قصيدة و قد مر على يدي هذا الاختيار.

(الخامس) اختيار ترجمته القبائلي الأصغر ذكره الآمدي و قال اختار فيه قطعا من محاسن أشعار القبائل و لم يورد فيه كبير شي‏ء للمشهورين. (السادس) اختيار المقطعات قال الآمدي و هو مبوب على ترتيب الحماسة الا انه يذكر فيه أشعار المشهورين و غيرهم القدماء و المتأخرين و صدره بذكر الغزل و قد قرأت هذا الاختيار و تلقطت منه نتفا و أبياتا كثيرة و ليس بمشهور شهرة غيره (اه) . (السابع) اختيار مجرد في أشعار المحدثين ذكره الآمدي و قال و هو موجود في أيدي الناس (اه) و قد ذكر ابن خلكان في مؤلفاته كتاب الاختيار من شعر الشعراء و كذلك ذكره ابن النديم كما سمعت و ذكره صاحب خزانة الأدب و قال هو دون الحماسة (اه) و هو أحد الاختيارات المقدم ذكرها.

و أشار الخطيب في شرح الحماسة إلى كتاب في الشعر لم يتصل بنا اسمه و لم يعلم مغايرته لما مر بل المظنون أنه أحدها.

(الثامن) ديوان شعره قال ابن النديم في الفهرست لم يزل شعره غير مؤلف يكون مائتي ورقة إلى أيام الصولي-أبي بكر محمد بن يحيى -فإنه عمله على الحروف نحو ثلاثمائة ورقة و عمله علي بن حمزة الاصفهاني (1) أيضا فجرده على غير الحروف بل على الأنواع (اه) و الصولي قد عمله بطلب من مزاحم بن فاتك كما أشار اليه الصولي في رسالته إلى مزاحم المذكور التي صدر بها كتابه في اخبار أبي تمام الذي عمله لمزاحم أيضا حيث قال فعرفتني ان تكميل ذلك لك-اي اخبار أبي تمام -و بلوغي فيه أقصى ارادتك اتباعي اخباره بعمل شعره كله معربا مفسرا حتى لا يشذ منه حرف و لا يغمض منه معنى و لا ينبو عنه فهم فأسرعت بذلك إجابتي و تضمنت عمل شعره لك بعد أخباره في مدحه و هجائه و فخره و غزله و أوصافه و مراثيه و أن أبدأ في كل فن من هذه الفنون بشعره على قافية الالف و ألباء ثم على توالي الحروف ليكون أقرب عليك متى أردتها ثم ذكر ما عليه أكثر المتحلين بالأدب في زمانه مما لا يرضاه و لا حاجة بنا إلى نقله ثم قال و ان أحدا منهم لم يجسر أن ينشد قصيدة من شعر هذا الرجل ضامنا للقيام بما فيها فضلا عن إيراد أخباره و الاحتجاج لما عيب عليه و التضمن لجميع شعره و النضح عنه و الذب عن حريمه و التنبيه عن جيده ليعلم علوه في الشعر و تقدمه في الفهم (اه) و قال في موضع آخر من هذه الرسالة: و ليس يجب-أعزك الله-أن تنظر إلى اختلاف الناس في أبي تمام و اضطراب روايتهم لشعره فإنهم بعد إتمام هذه النسخة يجتمعون عليها و يسقطون غيرها كما كانوا مختلفين في شعر أبي

____________

(1) قال الشيخ عبد العزيز الميمني الراجكوتي المعاصر فيما علقه على خزانة الأدب : غلط صوابه ان علي بن حمزة بصري و حمزة بن الحسن أصفهاني . -المؤلف-.

513

نواس و أخباره ثم قد اجتمعوا عليه بعد فراغي منه حتى ان النسخة من شعره من غير ما عملته لتباع بدراهم قد كانت قبل ذلك تباع بعددها دنانير و لعلها بعد قليل تفقد فلا ترى و تسقط فلا تراد و يدل كلام بعضهم على أن ديوان أبي تمام كان مجموعا في حياته و قرئ عليه و حمل إلى الأندلس ففي بغية الوعاة عن الزبيدي و ابن الفرضي ان عثمان بن المثنى القرطبي أبو عبد الملك رحل إلى المشرق و أخذ عن علماء العربية و قرأ على أبي تمام ديوان شعره (اه) و قد طبع هذا الديوان لأول مرة في مصر A0G سنة 1292 مرتبا على الحروف و الأنواع و كأنه هو الذي جمعه الصولي . و طبع بالتصوير الشمسي عن أصل محفوظ بمكتبة لاسكوريال باسبانيا ثم طبع ثانيا في بيروت مرتين ثم في مصر و هو مشتمل على سبعة أنواع، المديح. الهجاء. العتاب.

الوصف. الفخر. الغزل. المراثي. و أكثرها المديح.

شروح ديوان أبي تمام

و قد شرح هذا الديوان عدة شروح (1) شرح شرف الدين أبي البركات مبارك بن أحمد الأريلي المعرف A43G بابن المستوفي المتوفى A43G (637) في عشرة مجلدات و في كشف الظنون اسمه النظام في شرح ديوان المتنبي و أبي تمام (2) شرح أبي زكريا يحيى بن علي المعروف A27G بالخطيب التبريزي المتوفى A27G (502) المطول شرح فيه شعره من أوله إلى آخره من غريبه و اعرابه و معانيه و ما لا بد منه و في فهرست دار الكتب المصرية : شرح المشكل من ديوان أبي تمام و المتنبي (3) شرحه المختصر ذكره صاحب كشف الظنون و قال ذكر فيه أن شعره أصناف. مديح. هجاء. معاتبات. أوصاف. فخر. غزل.

مراث. و أكثرها المديح 4 شرح A25G أبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى A25G (335) (5) شرح A44G أبي العلاء المعري احمد بن عبد الله المتوفى A44G 449 سماه ذكرى حبيب ذكر فيه الأبيات المشكلة من شعره متفرقة و قال في هذا الشرح انما أغلق شعر الطائي انه لم يؤثر عنه فتناقلته الضعفة من الرواة و الجهلة من الناسخين فبدلوا الحركة و غيروا بعض الأحرف بسوء التصحيف. و عن بعض التواريخ انه فسر شعر أبي تمام في ستين كراسة. و المعري شرح دواوين ثلاثة من فحول الشعراء أبي تمام و سمى شرحه ذكرى حبيب و البحتري و سماه عبث الوليد و المتنبي و سماه معجز أحمد (6) شرح أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (7) شرح A45G حسين بن محمد الرافقي النحوي المعروف بالخالع كان حيا A45G حدود 380 (8) شرح أبي الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي المعروف A46G بالبيروني المتوفى A46G بعد سنة (440) (9) شرح A47G أبي منصور محمد بن احمد الأزهري المتوفى A47G (370) هكذا في كشف الظنون و في بغية الوعاة محمد بن محمد بن الأزهر الازهري اللغوي الأديب الهروي قال و قد اختار منه أبو القاسم حسين بن علي المشهور بالوزير المغربي (10) شرح عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن حكيم الخبري ذكره ياقوت في معجم الأدباء (11) شرح A34G أبي الحسن علي بن أبي القاسم زيد بن محمد البيهقي فريد خراسان المتوفى A34G سنة (565) فقد عد هو في مؤلفاته شرح شعر البحتري و أبي تمام.

مختارات من شعره‏

أورد الثعالبي في كتابه خاص الخاص منتخبات من شعر أبي تمام في أنواع من مقاصد الشعر تخلب الألباب و نحن نوردها كلا في موضعه و هي من شواهد تفوق أبي تمام على ما سواه. 513

الغزل‏

انظر فما عاينت من غيره # من حسن فهو له كله

لو قيل للحسن تمنى المنى # إذا تمنى انه مثله‏

و قال:

يترجم طرفي عن لساني بسره # فيظهر من وجدي الذي كنت اكتم

أ ليس عجيبا أن بيتا يضمنا # و إياك لا نشكو و لا نتكلم

إشارة أفواه و غمز حواجب # و تكسير أجفان و كف يسلم

و ألسننا ممنوعة عن مرادنا # و أبصارنا عنا تجيب و تفهم‏

و قال كما في تاريخ دمشق لابن عساكر و لم أجدها في الديوان المطبوع:

خوف الرقيب علي عدل رقيب # و بعيد سري عنده كقريب

إن قلت شارك حافظي فما له # مما يحاول غير عد ذنوبي

و أصاب محجوب الضمير بظنه # فكأنه هو صاحب المحجوب

فالصد محبوب لديه بيننا # و الوصل يمشي في ثياب غريب

و إذا نظرت قرأت بين عيوننا # سمة الهوى هذا حبيب حبيب

و في الديوان أبيات ذكر فيها (هذا حبيب حبيب) و هي:

حسنت عبرتي و طال نحيبي # فيك يا كنز كل حسن و طيب

لك قد أرق من أن يحاكى # بقضيب في النعت أو بكثيب

أي شي‏ء يكون أحسن من صب # أديب متيم باديب

جاز حكمي في قلبه و هواه # بعد ما جاز حكمه في القلوب

كاد أن يكتب الهوى بين عينيه # كتابا هذا حبيب حبيب

غير أني لو كنت أعشق نفسي # لتنغصت عشقها بالرقيب‏

و قال كما في تاريخ دمشق لابن عساكر و لا توجد في الديوان المطبوع.

بنفسي من أغار عليه منى # و أحسد أهله نظرا اليه

و لو أني قدرت طمست عنه # عيون الناس من حذر عليه

حبيب بث في جسمي هواه # و أمسك مهجتي رهنا لديه

فروحي عنده و الجسم خال # بلا روح و قلبي في يديه‏

و قال:

أنت في حل فزدني سقما # أفن صبري و اجعل الدمع دما

محنة العاشق ذل في الهوى # و إذا استودع سرا كتما

ليس منا من شكا علته # من شكا حب حبيب ظلما

و قال:

الحسن جزء من وجهك الحسن # يا قمرا موفيا على غصن

إن كنت في الحسن واحدا فانا # يا واحد الحسن واحد الحزن‏

و قال أورده صاحب أنوار الربيع و لم أجده في الديوان :

إذا راح مشهور المحاسن أوغدا # يلين على لحظ العيون الغوامز

فمن لم تفز عيناه منه بنظرة # فليس بخير في الحياة بفائز

إذا ما انتضى سيف الملاحة طرفه # و نادى قلوب القوم هل من مبارز

عجزت فالقى السلم قلبي لطرفه # على انه عن غيره غير عاجز

ـ

514

و قال:

تلقاه طيفي في الكرى متجنبا # و قبلت يوما ظله فتغضبا

و خبر أني قد مررت ببابه # لأخلس منه نظرة فتحجبا

و لو مرت الريح الصبا عند أذنه # بذكري لسب الريح أو لتعتبا

و لم تجر مني خطرة بضميره # فتظهر إلا كنت فيها مسببا

و ما زاده عندي قبيح فعاله # و لا الصد و الاعراض الا تحببا

و كرر أبو تمام في غزله أن المحبوب يكاد لرقته أن يذوب من النظر فقال:

قد قصرنا دونك # الأبصار خوفا أن تذوبا

كلما زدناك لحظا # زدتنا حسنا و طيبا

مرضت ألحاظ عينيك # فامرضت القلوبا

ما نريد الشمس و البدر # إذا كنت قريبا

و قال:

يا قضيبا لا يدانيه # من الآس قضيب

فوقه ألبان و من # تحت تثنيه الكثيب

و غزالا كلما # مر تمنته القلوب

ذهبي الخد تثنيه # من الريح الجنوب

ما لمسناه و لكن # كاد من لحظ يذوب‏

و قال:

لي حبيب عصيت فيه النصيحا # ليس سمحا و لا بخيلا شحيحا

كلما قلت قد رثى لسقامي # زاد قلبي بهجره تبريحا

فاثبني من القطيعة بالوصل # و إلا فاردد فؤادي صحيحا

و قال:

سقى الله من أهوى على بعد نائه # و اعراضه عني و طول جفائه

أبى الله إلا ان كلفت بحبه # فأصبحت فيه راضيا بقضائه

و أفردت عيني بالدموع فأصبحت # و قد غص فيها كل جفن بمائه

فان مت من وجد به و صبابة # فكم من محب مات قبلي بدائه‏

و قال:

و منفرد بالحسن خلو من الهوى # بصير بأبواب التجرم و العتب

ولوع بسوء لا يعرف الوفا # يبيت على سلم و يغدو على حرب‏

و قال:

و فاتن الألحاظ و الخد # معتدل القامة و القد

صيرني عبدا له حسنه # و الطرف قد صيره عبدي‏

و قال:

شبيه الخد بالتفاح # و الريقة بالخمر

بديع الحسن قد ألف # من شمس و من بدر

له وجه إذا أبصرته # ناجاك عن عذري

تعالى الله ما تقدحه # عيناه في صدري‏

و قال:

معتدل كالغصن الناضر # أبلج مثل القمر الزاهر

جفونه ترشق أهل الهوى # بأسهم من طرفه الفاتر

إن لم تجد لي صحت بين الورى # ويلاه من ظبي بني عامر

و قال:

هذا هواك و هذه آثاره # أما الفؤاد فما يقر قراره

514 يصل الأنين بزفرة موصولة # بغليل شوق ليس تطفى ناره

من طرف ممتنع الرقاد متيم # أرق سواء ليله و نهاره‏

و قال:

أما و الذي أعطاك بطشا و قوة # علي و أزرى بي و ضعف لي بطشي

لقد خلق الله الهوى لك خالصا # و مكنه في الصدر مني بلا غش

سل الليل عني هل أذوق رقاده # و هل لضلوعي مستقر على فرشي

عناء بمن لو قال للشمس أقبلي # للبته أو جاءت على رغمها تمشي

قضيب من الريحان في غير لونه # و أم رشا في غير أكراعها الخمش

تبرى الهوى من كل حي و حل بي # فان مت يوما فاطلبوه على نعشي‏

و قال:

و مضمخ بالمسك في وجناته # حسن الشمائل ساحر الألفاظ

أبدا ترى الآثار في وجناته # مما يجرحها من الالحاظ

و تراه سائر دهره متبسما # فإذا رآني مر كالمغتاظ

في القلب مني و الجوانح و الحشى # من حبه حر كحر شواظ

و قال:

يصدني عن كلامك الشفق # فالرسل بيني و بينك الحدق

حديثنا في الضمير متفق # و أمرنا في الجميع مفترق

توحي باسرارنا حواجبنا # و أعين بالوصال ترتشق‏

و قال:

متطلب بصدوده قتلي # فرد المحاسن وجهه شغلي

ألحاظه في الخلق مسرعة # فيما تريد كسرعة النبل‏

و قال:

رقادك يا طرفي عليك حرام # فخل دموعا فيضهن سجام

ففي الدمع إطفاء لنار صبابة # لها بين أثناء الضلوع ضرام

و يا كبدي الحرى التي قد تصدعت # من الوجد ذوبي ما عليك ملام

قضيت ذماما للهوى كان واجبا # علي و لي أيضا عليه ذمام‏

و قال من مطلع قصيدة يمدح بها المعتصم :

فحواك دل على نجواك يا مذل‏ (1) # حتام لا يتقضى قولك الخطل

و ان أسمح من تشكو اليه هوى # من كان أحسن شي‏ء عنده العذل

ما أقبلت أوجه اللذات سافرة # مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول

إن شئت ان لا ترى صبرا لمصطبر # فانظر على أي حال أصبح الطلل

كأنما جاد مغناه فغيره # دموعنا يوم بانوا و هي تنهمل

و لو ترانا و إياهم و موقفنا # في موقف البين لاستهلالنا زجل

و قد طوى الشوق في احشائنا بقر # عين طوتهن في أحشائها الكلل

فرغن للشوق حتى ظل كل شج # حران في نفسه عن نفسه شغل

طلت دماء هريقت عندهن كما # طلت دماء هدايا مكة الهمل

هانت على كل شي‏ء فهو يسفكها # حتى المنازل و الاحداج و الإبل

يخزي ركام النقى ما في مازرها # و يفضح الكحل في أجفانها الكحل

تكاد تنتقل الأرواح لو تركت # من الجسوم إليها حين تنتقل‏

و من نفيس شعره في الغزل قوله:

هم أماتوا صبري و هم فرقوا نفسي # شعاعا في إثر ذاك الفريق

ان في خيمهم لمفعمة الحجلين # و المتن متن خوط و ريق

و هي لا عقد ودها ساعة البين # و لا عقد خصرها بوثيق‏

____________

(1) المذل بفتح الميم و كسر الذال الذي يفشي سره المؤلف‏

515
الوقوف على الديار و التسليم عليها و ذكر أقوالها و تعفيها و ما يشبه ذلك‏

و هذا قد تقدم طرف منه في أوائل القصائد و الموازنة بينه و بين البحتري فأغنى عن إعادته و من محاسنه في ذكر الإلمام بالديار قوله.

دار أجل الهوى عن ان ألم بها # في الركب إلا و عيني من منائحها

و من ذلك قوله من قصيدة مر جملة منها:

دمن كان البين أصبح طالبا # دينا لدى آرامها و حقودا

قربت نازحة القلوب من الجوى # و تركت شاو الدمع فيك بعيدا

خضلا إذا العبرات لم تبرح لها # وطنا سرى قلق المحل طريدا

قوله‏

إذا العبرات لم تبرح لها وطنا

أي لم تبارح وطنها و تتعداه و هو كناية عن البكاء للحوادث التي تحدث في الوطن يقول إذا كان الناس لا يبكون الا لما يحدث في أوطانهم فهو يبكي الاطلال النازحة عنه و هذا كقوله:

فما وجدت على الأحشاء أبرد من # دمع على وطن لي في سوى وطني‏

أراد بالوطن الذي له في غير وطنه الأطلال و الرسوم و في الديوان أو قد بدل أبرد.

التشوق إلى الأوطان‏

و قال يتشوق إلى دمشق و بلاد الشام و يخص وطنه الاصلي أرض الجولان و يصف تقتير الرزق عليه بمصر من قصيدة:

سقى الرائح الغادي المهجر بلدة # سقتني أنفاس الصبابة و الخبل

سحاب إذا القت على خلفه الصبا # يدا قالت الدنيا أتى قاتل المحل

فجاد دمشقا كلها جود أهلها # بأنفسهم عند الكريهة و البذل

فلم يبق في أرض النفاعين (1) بقعة # و جاد قرى الجولان بالمسبل الهطل

بنفسي أرض الشام لا أيمن الحمى # و لا أيسر الدهنا و لا أوسط الرمل

عدتني عنكم مكرها غربة النوى # لها وطر في ان تمر و لا تحلي

أ خمسة أحوال مضت لمغيبه # و شهران بل يومان ثكل من الثكل

توانى وشيك النجح عنه و وكلت # به عزمات أوقفته على رجل

قضى الدهر مني نحبه يوم قتله # هواي بارقال الغريرية الفتل

لقد طلعت في وجه مصر بوجهه # بلا طالع سعد و لا طائر سهل

وساوس آمال و مذهب همة # مخيمة بين المطية و الرحل

نايت فلا ما لا حويت و لم أقم # فامتع إذ فجعت بالمال و الأهل

بخلت على عرضي بما فيه صونه # رجاء اجتناء الجود من شجر البخل

و لو أنني أعطيت باسي نصيبه # إذن لأخذت الحزم من ماخذ سهل

و كان ورائي من حريمة طيئ # و معن و وهب عن امامي ما يسلي‏

515

التغرب عن الأوطان‏

سلي هل عمرت القفر و هي سباسب # و غادرت ربعي من ركابي سباسبا

و غربت حتى لم أجد ذكر مشرق # و شرقت حتى قد نسيت المغاربا

و كنت امرأ القى الزمان مسالما # فآليت لا ألقاه إلا محاربا

الحث على الاغتراب‏

ما أبيض وجه المرء في طلب الغنى # حتى يسود وجهه في البيد

و زعمت أن الرزق يطلب أهله # لكن بحيلة متعب مكدود

و قال:

و لكنني لم أحو وفرا مجمعا # ففزت به إلا بشمل مبدد

و لم تعطني الأيام نوما مسكنا # ألذ به إلا بنوم مشرد

و طول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجيته لديباجتيه فاغترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الخلق أن ليست عليهم بسرمد

قال الثعالبي في خاص الخاص أحسن ما قيل في الحث على الاغتراب البيتان الأخيران (اه) و قال من قصيدة.

من أبن البيوت‏ (2) أصبح في ثوب # من العيش ليس بالفضفاض

و الفتى من تعرقته‏ (3) الليالي # في الفيافي كالحية النضناض

صلتان‏ (4) أعداؤه حيث كانوا # في حديث من عزمه مستفاض‏

الحبيب الأول و المنزل الأول‏

قال:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه أبدا لأول منزل‏

و قال ديك الجن في عكسه:

نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى # كهوى جديد أو كوصل مقبل

ما لي أحن إلى خراب مقفر # درست معالمه كان لم تؤهل‏

الخمريات‏

قال من قصيدة:

أغدو على صحب كان وجوههم # سرج تزاهر أو نجوم سماء

و قديمة قبل الزمان حديثة # جاءت و ما نسبت إلى آناء

روح بلا جسد تعين بلا قوى # و قوى خلقن حفية من ماء

حتى إذا فطمت و حان وصالها # حجب الرقيب مصونها بوعاء

فإذا فضضت فضضت عن مختومة # ترنو إليك بدرة حمراء

قتلتك و هي صريعة و بديعة # ان قيل ميت قاتل الأحياء

و قال من قصيدة:

بمدامة تغدو المنى لكئوسها # خولا على السراء و الضراء

راح إذا ما الراح كن مطيها # كانت مطايا الشوق في الأحشاء

عنبية ذهبية سبكت لها # ذهب المعاني صاغة الشعراء

طبعت و راض المزج سي‏ء خلقها # فتعلمت من حسن خلق الماء

خرقاء يلعب بالعقول حبابها # كتلاعب الأفعال بالأسماء

و ضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء

و كان بهجتها و بهجة كاسها # نار و نور قيدا بوعاء

____________

(1) لم يتيسر لنا معرفة أرض النفاعين أين هي بعد التفتيش في مظان ذلك المؤلف-.

(2) ابن البيوت بتشديد النون أقام بها و قد استعمله أبو تمام في مقام آخر فقال‏

(ابن مع السباع الغيل)

و الذي وجدناه في كتب اللغة انه يقال ابن بالمكان و لم يذكروا ابن المكان.

(3) مأخوذ من تعرف العظم إذا أكل ما عليه من اللحم أي تركته الليالي بهمومها عظما بغير لحم.

(4) الصلتان النشيط الحديد الفؤاد . المؤلف-

516

أو درة بيضاء بكر أطبقت # حملا على ياقوتة حمراء

يخفي الزجاجة لونها فكأنها # في الكف قائمة بغير إناء (1)

و منه أخذ الصاحب بن عباد قوله:

رق الزجاج و راقت الخمر # و تشابها فتشاكل الأمر

فكأنما خمر و لا قدح # و كأنما قدح و لا خمر

و قال من قصيدة:

و صفراء أحدقنا بها في حدائق # تجود من الاثمار بالثعد و المعد (2)

بقاعية تجري علينا كئوسها # فتبدي الذي نخفي و تخفي الذي نبدي‏

و قال من قصيدة:

و كاس كمعسول الاماني شربتها # و لكنها أجلت و قد شربت عقلي

إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها # لهيبا كوقع النار في الحطب الجزل

إذا هي دبت في الفتى خال جسمه # لما دب فيه قرية من قرى النمل

إذا ذاقها و هي الحياة رأيته # يعبس تعبيس المقدم للقتل‏

الشيب و الشباب‏

جمع الشريف المرتضى في كتاب الشهاب في الشيب و الشباب 39 بيتا من شعر أبي تمام و في كتاب الامالي المسمى بالغرر و الدرر الذي صنفه قبل الشهاب 27 بيتا و نحن نذكرها كلها و ان كان فيها ما ليس بمختار و نزيد عليها فبلغ مجموعها 50 بيتا قال في الامالي : و قد أتى الفحلان المبرزان أبو تمام و أبو عبادة في هذا المعنى بكل غريب عجيب. قال أبو تمام من قصيدة.

لعب الشيب بالمفارق بل جد # فابكى تماضرا و لعوبا

خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد # دما ان رأت شواتي خضيبا

كل داء يرجى الدواء له إلا # الفظيعين ميتة و مشيبا

يا نسيب الثغام ذنبك أبقى # حسناتي عند الحسان ذنوبا

و لئن عبن ما رأين لقد أنكرن # مستنكرا و عبن معيبا

أو تصدعن عن قلى لكفي بالشيب # بيني و بينهن حسيبا

لو رأى الله أن في الشيب خيرا (فضلا) # جاورته الأبرار في الخلد شيبا

في الشهاب قال الآمدي : و من يتعصب على أبي تمام يقول انه ناقض نفسه في هذه الأبيات و قالوا كيف يبكين دما على مشيبه ثم يعبنه قال الآمدي و ليس هاهنا تناقض لأن الشيب انما ابكى أسفا على شبابه غير الحسان اللواتي يعبنه و إذا تميز من أشفقن عليه ممن عابه فلا تناقض. و قال المرتضى لا حاجة بنا إلى تمحله و المناقضة زائلة عن أبي تمام على كل حال لانه لا تناقض بين البكاء على شبابه ممن بكاه من النساء و تلهفن عليه و بين العيب منهن للشيب و الإنكار له بل هذه مطابقة و موافقة و لا يبكي على شبابه منهن الا من رأين الشيب عيبا و ذنبا و قد ذكرنا هذا في كتاب الغرر و هذا الذي ذكره و ان كان لا يحتاج إلى ما تكلفه قد كان ينبغي ان يفطن لمثله و نظيره في التغاير و التميز لما عابه بقوله‏

(يضحكن من أسف الشباب المدبر)

516 فيجعل الضحك من شي‏ء و البكاء من غيره على ما بيناه و لا يحمله بعد الفطنة على أن يجعل الضحك بكاء و في معناه (اه) و هو يشير بذلك إلى ما ذكره الآمدي في و قول أبي تمام في مطلع قصيدة.

يضحكن من أسف الشباب المدبر # يبكين من ضحكات شيب مقمر

قال الشريف المرتضى في الشهاب وجدت أبا القاسم الآمدي يغلو في ذم هذا البيت. و قال هذا بيت ردي‏ء ما سمعت من يضحك من الأسف الا في هذا البيت و كأنه أراد قول الآخر

(و شر الشدائد ما يضحك)

فلم يهتد لمثل هذا الصواب و قوله‏

(من ضحكات ليل مقمر)

ليس بالجيد أيضا و لو كان ذكر الليل لحسن أن يقول مقمر لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلا و بياضه بالمشيب اقماره لأن قائلا لو قال اقمر ليل رأسي لكان من أصح الكلام و أحسنه و لو لم يذكر الليل و قال اقمر عارضاك أو فوداك لكان حسنا مستقيما و هو دون الأول و ذلك لانه قد علم انهما كانا مظلمين فاستنارا (اه) قال المرتضى قوله‏

(يضحكن من أسف الشباب المدبر)

يحتمل ان يكون المراد به ان النساء اللواتي يرين بكاء عشاقهن و أسفهم على الشباب المدبر يهزأن بهم و يضحكن منهم. و قوله‏

(يبكين من ضحكات شيب مقمر)

الأولى ان يحمل على انهن يبكين من طلوع الشيب في مفارقهن و ضحكه في رؤوسهن لأنا لو حملناه على شيب عشاقهن لكان الذي يبكين منه هو الذي يهزأن به و هذا يتنافى فكأنه وصفهن بالضحك و الهزء من شي‏ء في غيرهن و البكاء منه إذا خصهن فاما حمل الضحك هاهنا على معنى البكاء و غاية الحزن فهو مستبعد و ان كان جائزا و يكون على هذا التأويل يضحكن و يبكين بمعنى واحد فاما عيبه لقوله شيب مقمر ففي غير موضعه و ليس يحتاج لي أن يذكر الليل على ما ظنه فكما يقال اقمر ليل رأسك و اقمر عارضاك على ما استشهد به كذلك يقال اقمر شيبك و لا يحتاج إلى ذكر الليل و انما المعنى انه أضاء بعد الظلام و انتشر فيه البياض بعد السواد و ليس هذا تتبع من يعرف الشعر حق معرفته و لعمري ان هذا البيت خال من طبع و حلاوة لكن ليس إلى الحد الذي ذكره الآمدي (اه) (و أقول) الأولى ان يحمل البيت على إرادة انهن يضحكن من أسفه و حزنه على شبابه المدبر لانه حزن على ما لا يرجع. و قد قيل لا تحزن على ما فات و يبكين من ضحك الشيب في رأسه لأن من عادة الشيب ان يكون محزنا لصاحبه و صديق صاحبه و حمله على انهن يبكين من شيب شعورهن بعيد لانه ليس من عادة الشعراء ان يصفوا شيب النساء و يذكروه في أشعارهم بل يصف الشاعر شيب نفسه و ان النساء تنفر منه و الذي أوقع أبا تمام في هذا التكلف ولوعه بالمحسنات البديعية فأراد ان يذكر ضحكهن من الحزن و بكاءهن من الضحك و يقابل بين الضحك في الشطر الأول و البكاء في الشطر الثاني فوقع في هذا التكلف. و قال من قصيدة.

أبدت اسى ان رأتني مخلس القصب‏ (3) # و آل ما كان من عجب إلى عجب

تسع (ست) و عشرون تدعوني فاتبعها # إلى المشيب و لم تظلم و لم تحب‏ (4)

يومي من الدهر مثل الدهر مشتهر # عزما و حزما و ساعي منه كالحقب

فاصغري ان شيبا لاح بي حدثا # و اكبري انني في المهد لم أشب

فلا يؤرقك إيماض القتير به # فان ذاك ابتسام الرأي و الأدب‏ (5)

رأت تغيره فاهتاج هائجها # و قال لاعجها للعبرة انسكبي

لا تنكري منه تخديدا تخلله # فالسيف لا يزدري ان كان ذا شطب‏

____________

(1) هذا البيت نسبه الآمدي في الموازنة إلى البحتري و هو موجود في ديوانه كما انه موجود في ديوان أبي تمام المطبوع أيضا.

(2) الثعد و المعد الطري من الرطب و النبات . -المؤلف-

(3) القصب جمع قصبة و هي الخصلة من الشعر و مخلس القصب أي في شعره سواد و بياض .

(4) من حاب بمعنى اثم .

(5) يريد ان الرأي و الأدب و الحلم انما يجتمع و يكامل في و زمن الكبر و الشيب دون زمان الشباب-المؤلف-.

517

و قال:

و ان الذي أحذاني الشيب للذي # رأيت و لم تكمل لي السبع و العشر

و قال من قصيدة:

نسج المشيب له قناعا (لفاعا) مغدفا # يققا فقنع مذرويه و نصفا

نظر الزمان اليه قطع دونه # نظر الشفيق تحسرا و تلهفا

ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي # لم يان حتى جي‏ء كيما يقطفا

لما تفوقت الخطوب سوادها # بياضها عبثت به فتفوفا

ما كان يخطر قبل ذا في فكره # في البدر قبل تمامه أن يكسفا

حكى المرتضى في الشهاب عن أبي القاسم الآمدي في الموازنة انه قال: معنى نصفا أي قنع جانبي رأسه حتى يبلغ النصف منه و قيل أراد بنصفا النصيف و هو قناع لطيف يكون مثل نصف القناع الكبير و قد ذكره النابغة فقال‏

(سقط النصيف و لم ترد إسقاطه)

و ذلك لا وجه له بعد ذكر القناع و انما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله

أصبح الشيب في المفارق شاعا # و اكتسى الرأس من مشيب قناعا

فالمعنى مكنف بقوله قنع مذرويه و قوله نصف أي بلغ نصف رأسه (اه) .

و قال المرتضى هذا غير صحيح لانه لا يجوز أن يريد بقوله نصفا بلغ نصف رأسه لأنه قد سماه لفاعا و اللفاع ما اشتمل به المتلفع فغطى رأسه جميعه و لأنه جعله أيضا مغدفا و المغدف المسبل السابغ التام فهو يصفه بالسبوغ على ما ترى فكيف يصفه مع ذلك بأنه بلغ نصف رأسه فالكلام بغير ما ذكره الآمدي أشبه و يحتمل وجهين (أحدهما) أن يريد بنصفا النصيف الذي هو الخمار و الخمار ما ستر الوجه فكأنه لما ذكر انه قنع مذرويه و هما جانبا رأسه أراد أن يصفه بالتعدي إلى شعر وجهه فقال نصفا من النصيف الذي هو الخمار المختص بهذا الموضع و ليس النصيف القناع اللطيف على ما ظنه الآمدي بل هو الخمار و قد نص أهل اللغة على ذلك في كتبهم و بيت النابغة الذي أنشد بعضه شاهد عليه لأنه قال:

سقط النصيف و لم ترد إسقاطه # فتناولته و اتقتنا باليد

و انما اتقت بيدها بان سترت وجهها عن النظر اليه فأقامت يدها مقام الخمار بهذا الموضع (ثانيهما) أن يكون معنى نصفا بلغ الخمسين و ما قاربها إذ يقال فيمن أسن و لم يبلغ الهرم انه نصف و ان كان النصف انما يستعمل في النساء فقط لكن لا مانع من استعماله فيهما و لو على سبيل الاستعارة في الرجال و يكون ضمير نصفا راجعا إلى ذي الشيب الراجع اليه ضمير له و مذرويه لا إلى الشيب (اه) و لا يخفى ان المناسب هو الوجه الأول و الثاني بعيد (قوله) لم يان حتى جي‏ء إلخ قال المرتضى في الشهاب : رأيت الآمدي يسرف في استرذال قوله‏

(لم يان حتى جي‏ء كيما يعطفا)

و لعمري انه لفظ غير مطبوع و فيه أدنى ثقل و مثل ذلك يغفر لما لا يزال يتوالى من إحسانه و يترادف من تجويده (اه) (قوله) ما كان يخطر البيت قال المرتضى : وجدت الآمدي يذم أبا تمام غاية الذم على هذا البيت و يصفه بغاية الاضطراب و الاختلال و ليس الأمر على ما ظنه إذ البيت جيد و انما ليس رونق الطبع فيه ظاهرا و ليس ذلك بعيب (اه) و قال من قصيدة.

شاب رأسي و ما رأيت مشيب الرأس # الا من فضل شيب الفؤاد

و كذاك القلوب في كل بؤس # و نعيم طلائع الأجساد

517 طال انكاري البياض و ان # عمرت شيئا أنكرت لون السواد

نال رأسي من ثغرة الهم داء # لم ينله من ثغرة الميلاد

زارني شخصه بطلعة ضيم # عمرت مجلسي من العواد

في الشهاب رأيت الآمدي يقول ان قوما عابوا أبا تمام بقوله شيب الفؤاد و ليس عندي بمعيب لانه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب اليه على الاستعارة و قد أحسن عندي و لم يسي‏ء (اه) قال المرتضى فيقال له قد أحسن الرجل بلا شك و لم يسي‏ء و ما المعيب إلا من عابه. و أما أنت أيها الآمدي فقد نفيت عنه الخطا و اعتذرت له باعتذار غير صحيح لأن القلب إذا كان جالبا للشيب كيف يصح أن يقال قد شاب هو نفسه و انما يقال انه أشاب و لا يقال شاب و العذر الصحيح لأبي تمام أن الفؤاد لما كان عليه مدار الجسد في قوة و ضعف و زيادة و نقص ثم شاب رأسه لم يخل ذلك الشيب من أن يكون من أجل تقادم السن و طول العمر أو من زيادة الهموم و الشدائد و في كلا الحالين لا بد من تغير حال الفؤاد فسمي تغير أحواله شيبا استعارة و مجازا كما كان تغير لون الشعر شيبا و البيت الثاني يشهد بما قلناه لأنه جعل القلوب طلائع الأجساد في كل بؤس و نعيم (اه) (قوله) نال رأسي (البيت) في الشهاب : ثغرة الهم ناحيته و كذلك ثغرة الميلاد و الثغرة في كلامهم هي الفرجة و الثلمة و هي الثغر و هو البلد المجاور لبلد الأعداء البادي لهم فكان أبا تمام أراد ان الهموم هي الجالبة لشيبه و التي دخل من قبلها على رأسه الشيب دون جهة الميلاد لأنه لم يبلغ من السن ما يقتضي نزول الشيب و قال الآمدي كان وجه الكلام ان يقول من ثغرة الكبر أو من ثغرة السن لا من ثغرة الميلاد. قال المرتضى و هذا منه ليس بصحيح لأن العبارات الثلاث بمعنى واحد و يقوم بعضها مقام بعض لأن الميلاد عبارة عن السن فمن تقادمت سنه تقادم ميلاده و من قربت سنه و قصرت قصر و قرب زمن ميلاده و أنكر أيضا الآمدي قوله: نال رأسي و قال كان يجب أن يقول حل برأسي أو نزل برأسي قال المرتضى و الأمر بخلاف ما ظنه لأن الجميع واحد و ما نال رأسه فقد حل به و نزل (اه) (قوله)

عمرت مجلسي من العواد

.

في الشهاب قال الآمدي هذا لا حقيقة له لأنا ما رأينا و لا سمعنا أحدا جاءه عواده يعودونه من الشيب و لا ان أحدا أمرضه الشيب و قد قال الشاعر.

أ ليس عجيبا بان الفتى # يصاب ببعض الذي في يديه

فمن بين باك له موجع # و بين معز مغذ اليه

و يسلبه الشيب شرخ الشباب # فليس يعزيه خلق عليه‏

فأحب أبو تمام ان يخرج من عادات بني آدم و يكون امة وحده و قال المرتضى فيقال له لم لم تقطن لمعنى أبي تمام فذممته و قد تكلمنا على هذه الوهلة منك في كتابنا المعروف بغرر الفرائد و قلنا انه لم يرد العيادة الحقيقية و انما تلطف في الاستعارة و التشبيه و المعنى ان الشيب لما طرقني كثر عندي المتوجعون لي منه و المتاسفون على شبابي اما بقول أو بما هو معلوم من قصدهم فسماهم عوادا بجامع التوجع. و ذكر وجها آخر و هو ان يريد الاخبار عن وجوب عيادته فجعل ما يجب ان يكون كائنا واقعا و نظائره كثيرة في القرآن و كلام العرب كقوله تعالى‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً ، أي يجب أن يكون كذلك. و

روي عن النبي ص : العارية مردودة و الأمانة مؤداة و الزعيم غارم‏

و هو من هذا الباب (اه) و نحن نقول لا حاجة إلى هذا كله فابو تمام يقول زارني الشيب بطلعة ضيم فامرضني مرضا شديدا بسبب ما نالني من الغيظ لكرهي له فكثر عوادي و هذا من باب المبالغة و الادعاء

518

فالشعراء ما زالوا يقولون في الغزل أمرضني حبها و اعل جسمي و اجرى دمعي دما و سقيت الأرض بدمعي فنبت فيها العشب و غير ذلك مما لا يحصى كثرة و كل ذلك لا حقيقة له فهل رأى الآمدي أو سمع أن أحدا من هؤلاء الشعراء حصل له شي‏ء من هذه الأمور و انما هي الدعوى فإذا جازت لهم هذه الدعاوي أ فلا يجوز لابي تمام ان يدعي ان الشيب أمرضه فعاده العواد.

و قال من قصيدة:

أ لم تر آرام الظباء كأنما # رأت بي سيد الرمل و الصبح أدرع

لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي # لانسيها من شيب رأسي أجزع

غدا الشيب مختطا بفودي خطة # طريق الردى منها إلى النفس مهيع

هو الزور يجفي و المعاشر يجتوى # و ذو الالف يقلى و الجديد يرقع

له منظر في العين أبيض ناصع # و لكنه في القلب اسود اسفع

و نحن نرجيه على الكره و الرضى # و انف الفتى من وجهه و هو أجدع‏

و في خاص الخاص للثعالبي ان قوله غدا الشيب الأبيات أحسن ما قيل في ذم الشيب على كثرته. و قال المرتضى في الشهاب الإحسان في هذه الأبيات غير مجحود و لا مدفوع قوله‏

رأت بي سيد الرمل و الصبح أدرع‏

.

في الشهاب : وجدت أبا القاسم الآمدي يفسر ذلك و يقول أراد بسيد الرمل الذئب و قوله (و الصبح أدرع) أي أوله مختلط بسواد الليل يريد وقت طلوع الفجر و كل ما اسود أوله و ابيض اخره فهو أدرع و شاة درعاء للتي اسود رأسها و عنقها و سائرها أبيض لأن الظباء تخاف الذئب في ذلك الوقت لأن لونه يخفى فيه لغبشته فلا تكاد تراه حتى يخالطها و هو الوقت الذي تنتشر فيه الظباء و تخرج من كنسها لطلب المرعى (اه) و قال المرتضى ان ما ذكره الآمدي مما يحتمله البيت و له حمل أجود منه ان يراد بارام الظباء النساء على التشبيه و بقوله و الصبح أدرع الشيب و ان بعض شعره أبيض و بعضه أسود فهن ينفرن من شيبه كما ينفرن من ذئب الرمل ثم قال لئن كان الوحشي يجزع من رؤيتي فالانسي منها من شيب رأسي أجزع و الا فلا معنى لقوله ان الظباء تنفر منه كما تنفر من الذئب لانه لا وجه لذلك و لا فائدة فيه و لا سبب ثم اعترض بأنه أي معنى لقوله كأنما رأت بي سيد الرمل لو لا انه أراد بالظباء البهائم دون النساء إذ كيف تنفر النساء من الذئب و انما تنفر منه الظباء الحقيقية و أجاب بان النساء تنفر من الذئب لا محالة كما تنفر منه الغزلان و ما يهابه الرجال و ينفرون منه أجدر ان ينفر منه النساء الغرائر ثم اعترض بأنه كيف يصح معنى البيت الثاني لو لا ان الوحشية قد نفرت منه و وقع ذلك و خبر عنه في البيت الأول و أجاب بان البيت الثاني لا يقتضي ان يكون الظباء في البيت الأول على الحقيقة لان من المعلوم ان الظباء الوحشية و كل وحش ينفر من الإنس فلما قال ان النساء اللواتي يشبهن الظباء ينفرن من شيبي جاز أن يقول بعد ذلك لئن كانت الظباء الوحشية تنفر مني فالظباء الإنسية لاجل شيبي منهن أنفر قال و بعد فلم نفسد تأويل الآمدي و ننكره بل اجزناه و قلنا ان البيت يحتمل سواه (اه) (و نقول) الأولى حمل البيت الأول على الظباء الحقيقية و انما أتى به تمهيدا للبيت الثاني فسقط الاعتراض بأنه لا وجه لذلك و لا فائدة فيه و لا سبب و قال: 518

جرت في قلوب الغانيات لشيتي # قشعريرة من بعد لين و إيناس

و قد كنت اجري في حشاهن مرة # مجاري معين لماء في قضب الآس

فان أمس من وصل الكواعب آيسا # فاخر آمال العباد إلى الياس‏

و قال من قصيدة:

رعت طرفها في هامة قد تنكرت # و صوح منها بنتها و هو بأرض

فصدت و عاضته أسى و صبابة # و ما عائض منها و ان جل عائض

فما صقل السيف اليماني لمشهد # كما صقلت بالأمس تلك العوارض

و لا كشف الليل النهار و قد بدا # كما كشفت تلك الشؤون الغوامض‏

و قال من قصيدة:

أصبحت روضة الشباب هشيما # و غدت ريحه البليل سموما

شعلة في المفارق استودعتني # في صميم الفؤاد ثكلا صميما

تستثير الهموم ما اكتن منها # صعدا و هي تستثير الهموما

غرة بهمة ألا انما كنت # أغرا أيام كنت بهيما

دقة في الحياة تدعى جلالا # مثل ما سمي اللديغ سليما

حلمتني زعمتم و أراني # قبل هذا التحليم كنت حليما

و قال من قصيدة:

راحت غواني الحي عنك غوانيا # يلبسن نايا تارة و صدودا

من كل سابغة الشباب إذا بدت # تركت عميد القريتين عميدا

ارببن بالمرد الغطارف بدنا # غيدا ألفتهم لدانا غيدا (1)

أحلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا

و هذه الأبيات الأربعة أوردها الشريف المرتضى في كتاب الشهاب في الشيب و الشباب في جملة ما أورده من شعر أبي تمام باعتبار اشتمالها على ان الغواني اعرضن عنه لشيبه و لزمن المرد الغطارف.

الخضاب‏

في كتاب الشهاب : لأبي تمام في الخضاب و قيل انه منحول:

فان يكن المشيب طرا علينا # و اودى بالبشاشة و الشباب

فاني لست أدفعه بشي‏ء # يكون عليه أثقل من خضاب

أردت بان ذاك وفا عذاب # فينتقم العذاب من العذاب‏

الطيف و الخيال‏

قال الشريف المرتضى في الامالي ان لأبي تمام في ذلك-أي وصف الخيال-مواضع لا يجهل فضلها و محاسن لا يبلغ شاوها فمما أورده المرتضى في الامالي من ذلك قوله:

استزارته فكرتي في المنام # فاتاني في خفية و اكتتام

فالليالي احفى بقلبي إذا ما # جرحته النوى من الأيام

يا لها زورة تلذذت الأرواح # فيها سرا من الأجسام

مجلس لم يكن لنا فيه عيب # غير انا في دعوة الأحلام‏

و قال:

حمتنا الطيف من أم الوليد # خطوب شيبت رأس الوليد

رآنا مشعري أرق و حزن # و بغيته لدى الركب الهجود

سهاد يرجحن الطرف منه # و يولع كل طيف بالصدود

و قال و أورده المرتضى في الامالي :

____________

(1) ارببن بباءين موحدتين من ارب بالمكان إذا لزمه و أقام فيه و في الديوان المطبوع ازرين بدل ارببن و هو تصحيف. -المؤلف-

519

زار الخيال لها لا بل ازاركه # فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم

ظبي تقنصته لما نصبت له # في آخر الليل إشراكا من الحلم.

ثم اغتدى و بنا من ذكره سقم # باق و ان كان معسولا من السقم‏

و قال و أورده المرتضى في الامالي أيضا:

عادك الزور ليلة الرمل من رملة # بين الحمى و بين المطالي

ثم ما زارك الخيال و لكنك # بالفكر زرت طيف الخيال‏

الفخر و الحماسة

قال يفتخر بقومه و بشجاعتهم و بجودهم و يخص منهم حاتما و يذم مصر و يذكر سفره عنها من قصيدة:

جمعت شعاع الرأي ثم وسمته # بحزم له في كل مظلمة فجر

و صارعت عن مصر رجائي و لم يكن # ليصرع عزمي غير ما صرعت مصر

بذعلبة أوفى بوافر نحضها # فتى وافر الأخلاق ليس له وفر

فكم مهمه قفز تعسفت متنه # على متنها و البر من آله بحر

و ما القفر بالبيد القفار بل التي # نبت بي و فيها ساكنوها هي القفر

فان كان ذنبي ان أحسن مطلبي # أساء ففي سوء القضاء لي العذر

قضاء الذي ما زال في يده الغنى # ثنى غرب آمالي و في يدي الفقر

رضيت و هل أرضى إذا كان مسخطي # من الأمر ما فيه رضا من له الأمر

فاشجيت أيامي بصبر حلون لي # عواقبه و الصبر مثل اسمه صبر

أبي لي نجر الغوث ان أرأم التي # أسب بها و النجر يشبهه النجر

لنا غرر زيدية أددية # إذا نجمت ذلت لها الأنجم الزهر

لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت # و بطنانها منه و ظهرانها تبر

519 جديلة و الغوث اللذان إليهما # صغت أذن للمجد ليس بها وقر

مقاماتنا وقف على الحلم و الحجى # فأمردنا كهل و أشيبنا حبر

أ لنا الأكف بالعطايا فجاوزت # مدى اللين الا ان أعراضنا صخر

كان عطايانا يناسبن من أتى # و لا نسب يدنيه منا و لا صهر

إذا زينة الدنيا من المال أعرضت # فازين منها عندنا الحمد و الشكر

أبى قدرنا في الجود الا نباهة # فليس لمال عندنا أبدا قدر

ليسحج بجود من أراد فإنه # عوان لهذا الناس و هو لنا بكر

جرى حاتم في حلبة منه لو جرى # بها القطر شاوا قيل أيهما القطر

فتى ذخر الدنيا أناس فلم يزل # لها باذلا فانظر لمن بقي الذخر

فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى # فليس لحي غيرنا ذلك الفخر

جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها # إلينا كما الأيام يجمعها الشهر

بكل كمي نحره عرضة القنا # إذا اضطرم الأحشاء و انتفخ السحر

يشيعه أبناء موت إلى الوغى # يشيعهم صبر يشيعه نصر

كماة إذا ظل الكماة بمعرك # و أرماحهم حمر و ألوانهم صفر

بخيل لزيد الخيل فيها فوارس # إذا نطقوا في مشهد خرس الدهر

على كل طرف يحسر الطرف دونه # و سابحة لكن سباحتها الحضر

ضبيبية ما ان تحدث نفسها # بما خلفها ما دام قدامها وتر

فان ذمت الأعداء سوء صباحها # فليس يؤدي شكرها الذئب و النسر

بها عرفت أقدارها بعد جهلها # باقدارها قيس بن عيلان و الفزر

و تغلب لاقت غالبا كل غالب # و بكر فألفت حربنا بازلا بكر

و أنت خبير كيف أبقت سيوفنا # بني أسد ان كان ينفعك الخبر

مساع يضل الشعر في كنه وصفها # فما يهتدي إلا لأصغرها الشعر

و قال و هو بمصر يصف قومه و يفتخر بهم و يذم الدهر و يرثي الشعر من قصيدة:

اسي‏ء على الدهر الثناء فقد قضى # علي بجور صرفه المتتابع

و اني إذا القى بربعي رحله # لاذعره في سربه و هو راتع

أبو منزل الهم‏ (1) الذي لو بغى القرى # لدى حاتم لم يقره و هو طائع

إذا شرعت فيه الليالي بنكبة # تمزقن عنه و هو في الصبر شارع

و ان أقدمت يوما عليه رزية # تلقى شباها و هو بالصبر دارع

له همم ما ان تزال سيوفها # قواطع لو كانت لهن مقاطع

ألا ان نفس الشعر ماتت و ان يكن # عداها حمام الموت فهي تنازع

سأبكي القوافي بالقوافي فإنها # عليها و لم تظلم بذك جوازع

و عاو عوى و المجد بيني و بينه # له حاجز دوني و ركن مدافع‏ (2)

ترقت مناه طود عز لو ارتقت # به الريح فترا لانثنت و هي ظالع

أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم # و سمي فيهم و هو كهل و يافع

سما بي أوس في السماح و حاتم # و زيد القنا و الأثرمان و تافع (3)

و كان إياس ما إياس و عارف # و حارثة أوفى الورى و الاصامع‏ (4)

نجوم طواليع جبال فوارع # غيوث هواميع سيول دوافع

مضوا و كان المكرمات لديهم # لكثرة ما أوصوا بهن شرائع

فاي يد في المحل مدت فلم يكن # لها راحة من جودهم و أصابع

هم استودعوا المعروف محفوظ ما لنا # فضاع و ما ضاعت لدينا الودائع

بها ليل لو عاينت فيض اكفهم # لأيقنت ان الرزق في الأرض واسع

إذا خفقث خفقت بالبذل أرواح جودهم # حداها الندى و استنشقتها المطامع

رياح كريح العنبر الغض في الرضى # و لكنها يوم اللقاء زعازع‏

____________

(1) أي أنا أبو منزل الهم اي الذي ينزل به الهم كما يقال فلان أبو منزلي اي الذي انزل به .

(2) قال البديعي : هذا تعريض ببعض الشعراء و كان أغراه عياش بن لهيعة الحضرمي بهجاء أبي تمام .

(3) أوس هو ابن لام بن حارثة الطائي و هو ابن سعدى الذي يقول جرير فيه و في كعب بن مامة :

فما كعب بن مامة و ابن سعدى # بأجود منك باعمر الجوادا

(و حاتم ) هو حاتم بن عبد الله الطائي المعروف. في هبة الأيام : كان أوس سيدا مقداما وفد هو و حاتم بن عبد الله الطائي على عمرو بن هند ملك الحيرة فدعا عمرو اوسا فقال أ أنت أفضل أم حاتم فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم و ولدي و لحمتي لوهبني في غداة واحدة ثم دعا حاتما فقال أ أنت أفضل أم أوس فقال أبيت اللعن انما ذكرت باوس و لأحد أولاده أفضل مني، و دعا النعمان بن المنذر بحلة و عنده وفود العرب و فيهم أوس فقال احضروا غدا فاني ملبس هذه الحلة أكرمكم فحضروا جميعا الا أوس فقيل له لم تتخلف فقال ان كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضرا و ان كنت المراد فساطلب و يعرف مكاني فلما جلس النعمان لم ير اوسا فقال اذهبوا إلى أوس و قولوا له احضر آمنا مما خفت فحضر فالبس الحلة فحسده قوم من أهله فقالوا للحطيئة اهجه و لك ثلاثمائة ناقة فقال كيف اهجو رجلا لا ارى في بيتي أثاثا و لا مالا إلا من عنده ثم قال:

كيف الهجاء و ما تنفك صالحة # من آل لام بظهر الغيب تاتيني‏

فهجاه بشر بن أبي حازم و أخذ الإبل فأغار أوس عليها فأخذها فجعل بشر لا يستجير حيا إلا قال قد أجرتك إلا من أوس و كان في هجائه قد ذكر أمه فاتي به فدخل أوس على أمه فقال قد أتينا ببشر الهاجي لك و لي قالت أو تطيعني قال نعم قالت ارى ان ترد عليه ماله و تعفو عنه و تحبوه فإنه لا يغسل هجاءه الا مدحه فخرج فقال ان امي سعدى التي كنت هجوتها قد أمرت فيك بكذا و كذا فقال لا جرم و الله لا مدحت أحدا حتى أموت غيرك ففيه يقول:

إلى أوس بن حارثة بن لام # ليقضي حاجتي فيمن قضاها

فما وطئ الثرى مثل ابن سعدى # و لا لبس النعال و لا احتذاها

(و زيد القنا ) هو زيد الخيل إضافة إلى القنا لكثرة حروبه و هو الذي سماه رسول الله ص زيد الخير (و الأثرم ) مكسور السن و لم يعلم ما أراد بهما (و بنافع ) .

(4) إياس بن قبيصة الطائي من الأمراء و عارف ) لم أعرفه (و حارثة ) جد أوس بن لام (و الاصامع) : جمع اصمع و هو الصغير الإذن و لم يعلم من أراد بها.

520

إذا طيئ لم تطو منشور بأسها # فانف الذي يهدي لها السخط جادع‏ (1)

هي السم ما تنفك في كل بلدة # تسيل به أرماحهم و هو ناقع

أ صارت لهم ارض العدو قطائعا # نفوس لحد المرهفات قطائع

بكل فتى ما شاب من روع وقعة # و لكنه قد شبن منه الوقائع

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر # أغارت عليه فاحتوته الصنائع

فتعطي الذي تعطيهم الخيل و القني # أكف لارث المكرمات مراتع

هم قوموا درء الشام و ايقضوا # بنجد عيون الحرب و هي هواجع

يمدون بالبيض القواطع أيديا # و هن سواء و السيوف القواطع

إذا أسروا لم ياسر البغي عفوهم # و لم يمس عان فيهم و هو كانع

إذا أطلقوا عنه جوامع غلة # تيقن ان المن أيضا جوامع

و ان صارعوا عن مفخر قام دونهم # و خلفهم بالجد جد مصارع‏

و إذا افتخر أبو تمام بجود قومه و بشجاعتهم فحق له ذلك اما ان يفتخر بالجود و هو شاعر يستجدي بشعره و يفتخر بالشجاعة فيقول.

محرمة اكفال خيلي على القنا # محللة لباتها و القلائد

و يقول:

حرام على ارماحنا طعن مدبر # و تندق بأسا في الصدور صدورها

فما أبعده عن ذلك. و قال يفتخر و يذم مقامه بمصر .

متى ترعى لقلبك أو تنيب # و خدناه الكابة و النحيب

و ما يبقى على إدمان هذا # و لا هاتي العيون و لا القلوب

و كم عدوية من سبي عمرو # لها حسب إذا انتسبت حسيب

لها من طيئ أم حصان # نجيبة معشر و أب نجيب

تمنى ان يعود لها حبيب # منى شططا و أين لها حبيب

و لو بصرت به لرأت جريضا # بماء الدهر حليته الشحوب

كنصل السيف عرى من كساه # و فلت من مضاربه الخطوب

فأصبح حيث لا تقع لصاد # و لا نشب يلوذ به حريب

بمصر و أي ماربة بمصر # و قد شعبت أكابرها شعوب‏

الفخر و الحماسة

قال في قومه من قصيدة:

قوم تراهم حين يطرق حادث # يسمون للخطب الجليل فيطرق

ما زال في جرم بن عمرو منهم # مفتاح باب للندى لا يغلق

ما انشئت للمكرمات سحابة # الا و من أيديهم تتدفق

انظر فحيث ترى السيوف لوامعا # أبدا ففوق رؤوسهم تتالق

شوس إذا خفقت عقاب لوائهم # ظلت قلوب الموت منهم نخفق‏

و قال و هو يشبه نفس العرب الأولى و طريقتهم في الشعر:

يومي من الدهر مثل الدهر مشتهر # عزما و حزما و ساعي منه كالحقب

لا يطرد الهم الا الهم من رجل # مقلقل لبنات القفرة النجب

ماض إذا الهمم التفت رأيت له # بوخدهن استطالات على النوب‏

و قال:

و كهول كهلان و حيا حمير # كالسيل قدامي معا و ورائي

فأولئك أعمامي الذين تعمموا # بالمكرمات و هذه آبائي‏

520 و قال يذكر نفسه بالصبر:

إذا أناخ علي الدهر كلكله # قراه صبرا و عزما مني الكرم

و ان علتني من ازماته ظلم # صبرت نفسي حتى تكشف الظلم‏

المديح‏

في خاص الخاص للثعالبي : سئل أبو تمام عن أمدح بيت له فقال قولي:

لو أن إجماعنا في فضل سؤدده # في الدين لم يختلف في الأمة اثنان‏

قيل ثم ما ذا قال قولي:

فلو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من كرم الطباع‏

و يقال بل قوله:

تعود بسط الكف حتى لو انه # ثناها لقبض لم تحبه أنامله

و لو لم يكن في كفه غير روحه # لجاد بها فليتق الله سائله‏

و من محاسن شعره في المديح قوله:

إذا القصائد كانت من مدائحهم # يوما فأنت لعمري من مدائحها

و قوله:

يا طالبا مسعاهم لتنالها # هيهات منك غبار ذاك الموكب

أنت المعنى بالغواني تبتغي # أقصى مودتها برأس أشيب‏

شعره في أهل البيت ع

قد عرفت في صدر الترجمة قول ابن الغضائري انه رأى نسخة عتيقة كتبت في أيامه أو قريبا منها و فيها قصيدة يذكر فيها الأئمة حتى انتهى إلى أبي جعفر الثاني الذي توفي في أيامه (اه) و قد أورد له ابن شهرآشوب في المناقب قصيدة يذكر فيها الأئمة الاثني عشر حتى انتهى إلى الامام المهدي ع و الظاهر انه ذكر فيها ما بعد أبي جعفر الثاني و ان لم يدرك أيامهم لكونه كان معتقدا إمامتهم بما ثبت من الآثار المروية في الاثني عشر ع قال ابن شهرآشوب : فصل في الاشعار فيهم. لابي تمام .

ربي الله و الأمين نبيي # صفوة الله و الوصي إمامي

(2)

ثم سبطا محمد تالياه (ثالثاه) # و علي و باقر العلم حامي

و التقي الزكي جعفر الطيب # مأوى المعتر و المعتام

ثم موسى ثم الرضا علم الفضل # الذي طال سائر الأعلام

و المصفى محمد بن علي # و المعرى من كل سوء و ذام

و الزكي الامام مع نجله (ثم ابنه) القائم # مولى الأنام نور الظلام

أبرزت منه رأفة الله بالناس # لترك الظلام بدر التمام

فرع صدق نما إلى الرتبة القصوى # و فرع النبي لا شك نامي

فهو ماض على البديهة بالفيصل # من رأي هبرزي همام

عالم بالأمور غارت فلم تنجم # و ما ذا يكون في الإنجام

هؤلاء الأولى أقام بهم # حجته ذو الجلال و الإكرام‏

و قال يمدح أمير المؤمنين عليا ع و يحتج لإمامته و يمدح بقية أهل البيت ع من قصيدة أولها:

أ ظبية حيث استنت الكثب العفر # رويدك لا يغتالك اللوم و الزجر

يقول فيها:

و دهر أساء الصنع حتى كأنما # يقضي نذورا في مساءتي الدهر

____________

(1) استعمل هنا اسم الفاعل بمعنى المفعول. -المؤلف-

(2) (و كذا بعده الوصي امامي خ-المؤلف-)

521

له شجرات خيم المحل‏ (1) بينها # فلا ثمر جان و لا ورق نضر

و ما زلت القى ذاك بالصبر لابسا # رداءيه حتى خفت ان يجزع الصبر

و ان نكيرا أن يضيق بمن له # عشيرة مثلي أو وسيلته مصر

و ما لامرئ من قائل يوم عثرة # لعا و خديناه الحداثة و الفقر

و ان كانت الأيام آضت و ما بها # لذي غلة ورد و لا سائل خبر

هم الناس سار الذم و الحرب بينهم # و جمز (2) أن يغشاهم الحمد و الأجر

صفيك منهم مظهر عنجهية (3) # فقائده تيه و سائقه كبر

إذا شام برق اليسر فالقرب شانه # و أناى من العيوق ان ناله عسر

أريني فتى لم يقله الناس أو فتى # يصح له عزم و ليس له وفر

ترى كل ذي فضل يطول بفضله # على معتفيه و الذي عنده نزر

و ان الذي أحذاني الشيب للذي # رأيت و لم تكمل لي السبع و العشر

طغى من عليها و استبدوا برأيهم # و قولهم الا أقلهم الكفر

سيحدوكم استسقاؤكم حلب الردى # إلى هوة لا الماء فيها و لا الخمر

فهلا زجرتم طائر الجهل قبل أن # يجي‏ء بما لا تباسون به الزجر

طويتم ثنايا تخباون عوارها # فأين لكم خب‏ء و قد ظهر النشر

فعلتم بأبناء النبي و رهطه # أفاعيل أدناها الخيانة و الغدر

و من قبله أخلفتم لوصيه # بداهية دهياء ليس لها قدر

فجئتم بها بكرا عوانا و لم يكن # لها قبلها مثلا عوان و لا بكر

أخوه إذا عد الفخار و صهره # فما مثله أخ و لا مثله صهر

و شد به أزر النبي محمد # كما شد من موسى بها رونه الأزر

و ما زال صبارا دياجير غمرة # يمزقها عن وجهه الفتح و النصر

هو السيف سيف الله في كل مشهد # و سيف الرسول لا ددان و لا دثر (4)

فاي يد للذم لم يبر زندها # و وجه ضلال ليس فيه له اثر

ثوى و لأهل الدين أمن بحده # و للواصمين الدين في حده ذعر

يسد به الثغر المخوف من الردى # و يعتاض من أرض العدو به الثغر

وحين ماج برجله # و فرسانه‏و ماج بهم

ووو # والثاوي بعقوته عمرو

سما للمنايا الحمر حتى تكشفت # و أسيافه حمر و ارماحه حمر

مشاهد كان الله كاشف كربها # و فأرجه و الأمر ملتبس إمر

واستوضح الحق أهله # بفيحاء لا فيها حجاب و لا ستر

أقام رسول الله يدعوهم بها # ليقربهم عرف و يناهم نكر

يمد بضبعيه و يعلم أنه # ولي و مولاكم فهل لكم خبر

يروح و يغدو بالبيان لمعشر # يروح بهم غمر و يغدو بهم غمر

فكان له جهر بإثبات حقه # و كان لهم في بزهم حقه جهر

أ ثم جعلتم حظه حد مرهف # من البيض يوما حظ صاحبه القبر

بكف شقي وجهته ذنوبه # إلى مرتع يرعى به الغي و الوزر

إلى منزل يلقى به العصبة الأولى # حداها إلى طغيانها الأفن و الخسر

521 هراقوا دمي سبطيهم و تمسكوا # بحبل عمى لا المحض فتلا و لا الشزر (5)

بني أصفياء الله سهل حينهم # لهم فيهم دهياء مسلكها وعر

فهلا انتهوا عن كفر ما سلفت به # صنائعهم ان لم يكن عندهم شكر

و هلا اتقوا فصل احتجاج نبيهم # إذا ضمهم بعث من الله أو حشر

أ حجة رب العالمين و وارث # النبي ألا عهد وفي و لا إصر

و لو لم يخلف وارثا لعرتكم # أمور تبين الشك ساحة من تعرو

كما سال القوم الأولى ملكا لهم # تسد به الجلي و يطلب الوتر

فلما رأوا طالوت عدوا سناءهم # عليه و ما يغني السناء و لا الفخر

و ما ذاك إلا أنهم كرهوا القنا # و مجر وغى يتلوه من بعده مجر

عمى و ارتيابا أوضحت مشكلاته # وقيعةإذ ورد النهر

لكم ذخركم ان النبي و رهطه # و جيلهم ذخري إذا التمس الذخر

جعلت هواي الفاطميين زلفة # إلى خالقي ما دمت أو دام لي عمر

و كوفني ديني على ان منصبي # شام و نجري اية ذكر النجر

لقد اسمع الداعيكم لو سمعتم # صراخا و لكن في مسامعكم وقر

فكيف و أنتم نائمون و قد حدا # لطياته اجماله و مضى السفر

فكم ليلة قضيتها متململا # إلى أن زقت أطيار سحرته الزقر

كان نجوم الليل في اخرياته # عيون له نادى بتغميضها الفجر

كان سواد الليل ثم اخضراره # طيالسة سود لها كفف خضر

أفكر في أحلامكم اين غربت # فيصرعني طورا و أصرعه الفكر

و اعلم ان لا تتركوا مخزياتكم # و لم يترك المكروه من شوكه السدر

إذا الوحي فيكم لم يضركم فانني # زعيم لكم ان لا يضيركم الشعر

و له مدائح في جماعة لم نعثر لهم على تراجم و لا عرفنا شيئا من أحوالهم فلهذا لم نذكرهم مع الجماعة الذين ذكرنا اخباره معهم فيما تقدم بل ذكرنا هنا ما وقع عليه اختيارنا من مدائحه لهم. قال يمدح محمد بن حسان الضبي من قصيدة:

أين التي كانت إذا شاءت جرى # من مقلتي دمع يعصفره دم

مظلومة للورد أطلق طرفها # في الخلق فهو مع المنون محكم‏

يقول في مديحها:

و فتى إذا ظلم الزمان فما يرى # الا إلى عزماته يتظلم

لو لا ابن حسان المرجى لم يكن # بالرقة البيضاء لي متلوم

لا يحسب الإقلال عدما بل يرى # ان المقل من المروءة معدم

يحتل من سعد بن ضبة في ذرى # عادية قد كللتها الأنجم

قوم يمج دما على أرماحهم # يوم الوغى المستبسل المستلئم‏

و قال يمدح محمد بن حسان الضبي أيضا من قصيدة:

ما اليوم أول توديعي و لا الثاني # البين أكثر من شوقي و احزاني

دع الفراق فان الدهر ساعده # فصار أملك من روحي بجثماني

خليفة الخضر من يربع على وطن # في بلدة فظهور العيس أوطاني

بالشام أهلي و بغداد الهوى و أنا # بالرقمتين و بالفسطاط اخواني

و ما أظن النوى ترضى بما صنعت # حتى تشافه بي أقصى خراسان

خلفت بالأفق الغربي لي سكنا # قد كان عيشي به حلوا بحلوان

غصن من البان مهتز على قمر # يهتز مثل اهتزاز الغصن في البان

أفنيت من بعده فيض الدموع كما # أفنيت في هجره صبري و سلواني

و ليس يعرف كنه الوصل صاحبه # حتى يغادى بناي أو بهجران‏

____________

(1) في نسخة الديوان المجد بدل المحل و هو تصحيف. -المؤلف-

(2) الذي في نسخة الديوان المطبوعة و حمر بالحاء المهملة و الراء و لم نجد له معنى مناسبا في كتب اللغة و لعله و جمز بالجيم و الزاي من جمز الرجل في الأرض إذا ذهب و شدد للمبالغة

(3) العنجهية بضم العين و الجيم الكبر . -المؤلف-

(4) الددان كسحاب من لا غناء عنده و السيف الكهام (و الدثر) بالفتح الرجل البطي‏ء الخامل النئوم .

(5) المحض الفتل المعتاد و الشزر نوع من الفتل محكم . -المؤلف-

522

اساءة الحادثات استنبطي نفقا # فقد أظلك إحسان بن حسان

لو أن إجماعنا في وصف سؤدده # في الدين لم يختلف في الأمة اثنان‏

و في الديوان المطبوع بمصر و قال يمدح يحيي بن ثابت و ذكر القصيدة التي أولها

(قدك اتئب أربيت في الغلواء)

إلا انه ذكر فيها هذا البيت:

و إلى ابن حسان اغتدت بي همة # وقفت عليه خلتي و اخائي‏

و ذكر في آخرها أيضا هذا البيت:

و إلى محمد ابتعثت قصائدي # و رفعت للمستنشدين لوائي‏

و بعده هذا البيت:

يحيى بن ثابت الذي سن الندى # و حوى المكارم من حبا و حباء

فدل ذلك على ان هناك قصيدتين على وزن و روي واحد خلط الطابع أو غيره بينهما (إحداهما) في محمد بن حسان (و الاخرى) في يحيى بن ثابت . و من القصيدة التي قال انها في يحيى بن ثابت قوله:

لما رأيتك قد غدوت مودتي # بالبشر و استحسنت وجه ثنائي

أنبطت في قلبي لرأيك مشرعا # ظلت تحوم عليه طير رجائي

فثويت جارا للحضيض و همتي # قد طوقت بكواكب الجوزاء

ايه فدتك مغارسي و منابتي # اطرح غناءك في نحور عنائي‏

و قال يمدح حبيش بن المعافي قاضي الموصل و رأس العين من قصيدة:

نسائلها أي المواطن حلت # و أي بلاد اوطنتها و أية

و ما ذا عليها لو أشارت فودعت # إلينا بأطراف البنان و اومت

و ما كان الا ان تولت بها النوى # فولى عزاء القلب لما تولت

فاما عيون العاشقين فاسخنت # و اما عيون الكاشحين فقرت

و لما دعاني البين وليت إذ دعا # و لما دعاها طاوعته و لبت

فلم أر مثلي كان أوفى بعهدها # و لا مثلها لم ترع عهدي و ذمتي

كان علي الدمع ضربة لازم # إذا ما حمام الأيك في الايك غنت

عليها سلام الله أين استقلت # و أنى استقرت دارها و اطمأنت

و مجهولة الاعلام طامسة الصوى # إذا عسفتها العيس بالركب ضلت

تعسفتها و الليل ملق جرانه # و جوزاؤه في الأفق لما استقلت

بمفعمة الأنساع مؤجدة القرى # امون السري تنجو إذا العيس كلت

إلى خير من ساس البرية عدله # و وطد اعلام الهدى فاستقرت

و نادى المعالي فاستجابت نداءه # و لو غيره نادى المعالي لصمت

و أحيا سبيل العدل بعد دثوره # و انهج سبل الجود حين تعفت

و يجزيك بالحسنى إذا كنت محسنا # و يغتفر العظمى إذا النعل زلت

إذا ظلمات الرأي اسدل ثوبها # تطلع فيها فجره فتجلت

همام وري الزند مستحصد القوى # إذا ما الأمور المشكلات أظلت

أغر ربيط الجأش ماض جنانه # إذا ما القلوب الماضيات ارجحنت

له كل يوم شمل مجد مؤلف # و شمل ندى بين العفاة مشتت

إذا ما حلوم الناس حلمك وازنت # رجحت بأحلام الرجال و خفت

إذا ما امتطينا العيس نحوك لم نخف # عثارا و لم نخش اللتيا و لا التي‏

و قال يمدح حفص بن عمر الأزدي من قصيدة:

عفت اربع الحلات للأربع الملد # لكل هضيم الكشح مجدولة القد

ديار هراقت كل عين شحيحة # و أوطات الأحزان كل حشى جلد

522 فعوجا صدور الارحبي و اسهلا # بذاك الكثيب السهل و العلم الفرد

فلا تسالاني عن هوى قد طعمتما # جواه فليس الوجد إلا من الوجد

حططت إلى ارض الجديدي ارحلي # بمهرية تنباع في السير أو تخذي

تؤم شهاب الأزد حفصا فإنهم # بنو الحرب لا ينبو ثراهم و لا يكدي

و من شك أن الجود و البأس فيهم # كمن شك في أن الفصاحة في نجد

فلم أغش بابا انكرتني كلابه # و لم أتشبث بالوسيلة من بعد

فأصبحت لأذل السؤال أصابني # و لا قدحت في خاطري روعة الرد

فلو كان ما يعطيه غيثا لأمطرت # سحائبه من غير برق و لا رعد

درية خيل لا يزال لدى الوغى # له مخلب ورد من الأسد الورد

فأبت و قد مجت خراسان داءها # و قد نغلت أطرافها نغل الجلد

و اوباشها خزر إلى العرب الأولى # لكيما يكون الحر من خول العبد

ليالي بات العز في غير بيته # و عظم وغد القوم في زمن وغد

و ما قصدوا إذ يسحبون على الثرى # برودهم الا إلى وارث البرد

و راموا دم الإسلام لا من جهالة # و لا خطا بل حاولوه على عمد

ضممت إلى قحطان عدنان كلها # و لم يجدوا إذا ذاك من ذاك من بد

فأضحت بك الأحياء أجمع ألفة # و احكم في الهيجاء نظما من العقد

و كنت هناك الأحنف الطب في # بني تميم بن مر و المهلب في الأزد

و كنت أبا غسان مالك وائل # عشية دانى حلفه الحلف بالعقد

و لما أماتت أنجم العرب الدجى # سرت و هي اتباع لكواكبك السعد

فهم منك في جيش قريب قدومه # عليهم و هم من يمن رأيك في جند

و لا مدد إلا السيوف لوامعا # و لا معقل غير المسومة الجرد

فتى برحت هماته و فعاله # به فهو في جهد و ما هو في جهد

و من محاسن شعره قوله يمدح جعفر الخياط من قصيدة:

حلفت بمستن المنى تسترشه # سحابة كف بالرغائب تمطر

إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها # و قام يباريها أبو الفضل جعفر

تفاخرت الدنيا بأيام ماجد # به الملك يبهى و المفاخر تفخر

فتى من بديه البأس يضحك و الندى # و في سرجه بدر و ليث غضنفر

و قال يمدح مهدي بن أصرم من قصيدة:

خذي عبرات عينك عن زماع # و صوني ما أذلت من القناع

اقلي قد أضاق بكاك ذرعي # و ما ضاقت بنازلة ذراعي

أ آلفة النحيب كم افتراق # ألم فكان داعية اجتماع

و ليست فرحة الأوبات إلا # لموقوف على ترح الوداع

فتى النكبات من ياوي إذا ما # اطفن به إلى خلق و ساع

يثير عجاجة في كل فج # يهيم به عدي بن الرقاع

ابن مع السباع الغيل حتى # لخالته السباع من السباع

بمهدي بن أصرم عاد عودي # إلى ايراقه و امتد باعي

أطال يدي على الأيام حتى # جزيت قروضها صناعا بصاع

إذا أكدت سوام الشعر اضحت # عطاياه و هن لها مراعي

سعى فاستنزل الشرف اقتسارا # و لو لا السعي لم تكن المساعي

فلو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من كرم الطباع‏

و قال يمدح نوح بن عمرو الكندي و يستعطفه لأخيه حوى بن عمرو و كان مملقا من قصيدة:

يصبح في الحب لها ضارعا # من ليس عند السيف بالضارع

523

بكر إذا جردت في حسنها # فكرك دلتك على الصانع

نوح صفا من عهد نوح له # شرب العلى في الحسب البارع

مطرد الآباء في نسبة # كالصبح في إشراقه الساطع

مناسب تحسب من ضوئها # منازلا للقمر الطالع

كم فارس منهم إذا استصرخوا # مثل سنان الصعدة اللامع

ان حويا (1) حاجتي فاقضها # و رد جاش المشفق الجازع

تجاوز الخفض و افياءه # إلى السري و السفر الشاسع

و الطائر الطائر في شانه # يلوي بحظ الطائر الواقع

ترمي العلى منه بمستيقظ # لا فاتر اللحظ و لا خاشع

و انما الفتك لذي لؤمة # شبعان أو ذي كرم جائع

فانشر له احدوثة غضة # تصغي إليها أذن السامع‏

و قال يمدح نوح بن عمرو أيضا من قصيدة:

يوم الفراق لقد خلقت طويلا # لم تبق لي جلدا و لا معقولا

لو جاء مرتاد المنية لم يجد # الا الفراق على النفوس دليلا

أ تظنني أجد السبيل إلى العزا # وجد الحمام إذا إلي سبيلا

رد الجموح الصعب أسهل مطلبا # من رد دمع قد أصاب مسيلا

و بنفسي القمر الذي بمحجر # امسى مصونا بالنوى مبذولا

اني تاملت النوى فوجدتها # سيفا على صبر الهوى مسلولا

من زاحف الأيام ثم عبى لها # غير القناعة لم يزل مفلولا

من كان مرعى عزمه و همومه # روض الاماني لم يزل مهزولا

لو جاز سلطان القنوع و حكمه # في الأرض ما كان القليل قليلا

الرزق لا تحرص عليه فإنه # ياتي و لم تبعث اليه رسولا

بنت القفار متى تخد بك لا تدع # في الصدر منك على الفلاة غليلا

لا تدعون نوح بن عمرو دعوة # للخطب إلا أن يكون جليلا

يقظ إذا ما المشكلات عرونه # ألفيته المتبسم البهلولا

ثبت المقام يرى القبيلة واحدا # و يرى فيحسبه القبيل قبيلا

لو أن طول قناته يوم الوغى # ميل إذا نظم الفوارس ميلا

أ و ليس عمرو بث في الأرض الندى # حتى اشتهينا أن نصيب بخيلا

و قال يمدح الافشين و يذكر حربه مع بابك الخرمي من قصيدة و هو من قواد المعتصم ثم قتله المعتصم على الزندقة فذمه أبو تمام كما مر في اخباره مع المعتصم .

ملك تضي‏ء المكرمات إذا بدا # للملك منه غرة و جبين

لاقاك بابك و هو يزأر و انثنى # و زئيره قد عاد و هو أنين

ولى و لم يظلم و هل ظلم امرؤ # حث النجاء و خلفه التنين

أوسعتهم ضربا تهد به الطلي # و يخف منه المرء و هو ركين

بأس تفل به الصفوف و تحته # رأي تفل به العقول رزين

عبا الكمين له فظل لحينه # و كمينه المخفي عليه كمين

يا وقعة ما كان أعتق يومها # إذ بعض أيام الزمان هجين

و رجا بلاد الروم فاستعصى به # أجل أصم عن النجاء حرون

هيهات لم يعلم بانك لو ثوى # بالصين لم تبعد عليك الصين

ما نال ما قد نال فرعون و لا # هامان في الدنيا و لا قارون

523 بل كان كالضحاك في سطواته # بالعالمين و أنت أفريدون

فسيشكر الإسلام ما أوليته # و الله عنه بالوفاء ضمين‏

و قال في أبي الحسن علي بن مرة من قصيدة:

أراك أكبرت إدماني على الدمن # و حملي الشوق من باد و مكتمن

لا تكثرن ملامي ان عكفت على # ربع الحبيب فلم أعكف على وثن

الحب أولى بقلبي في تصرفه # من أن يغادرني يوما بلا شجن

فما وجدت على الأحشاء أوقد من # دمع على وطن لي في سوى وطني

من ذا يعظم مقدار السرور بمن # يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن

العيس و الهم و الليل التمام معا # ثلاثة أبدا يقرن في قرن

أقول للحرة الوجناء لا تهني # فقد خلقت لغير الحوض و العطن

ما يحسن الدهر أن يسطو على رجل # إذا تعلق حبلا من أبي حسن

كم حال فيض نداه يوم معضلة # و بأسه بين من يرجوه و المحن

فتى تريش جناح الجود راحته # حتى يخال بان البخل لم يكن

و تشتري نفسه المعروف بالثمن الغالي # و لو أنها كانت من الثمن

كم في العلى لهم و المجد من بدع # إذا تصفحت اختيرت على السنن

قوم إذا هطلت جودا أكفهم # علمت ان الندى مذ كان في اليمن

حاطت يداه من الإسلام ضاحية # و حالتا بين طرف الدهر و الوسن

لي حرمة بك فاحفظها و جاز بها # يا حافظ العهد و العواد بالمنن

أولى البرية حقا أن تراعيه # عند السرور الذي آساك في الحزن

ان الكرام إذا ما اسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن‏

و روى الصولي في أخبار أبي تمام انه كان لأبي تمام أخ يقال له سهم و كان يقول شعرا دونا فجاء إلى أبي تمام يستميحه فقال له و الله ما يفضل عني شي‏ء و لكني أحتال لك فكتب إلى يحيى بن عبد الله بقصيدة و في الديوان قال يمدح يحيى بن عبد الله و أرسلها اليه مع سهم أخي أبي تمام ليصله و يسأله في أمره و هذا مختارها:

احدى بني عمر بن عبد مناه # بين الكثيب الفرد فالأمواه

ألقي النصيف فأنت خاذله الهوى # أمنية الخالي و لهو اللاهي

عرضت لنا يوم الحمى في خرد # كالسرب حولثى و لعس شفاه

بيض يجول الحسن في وجناتها # و الملح بين نظائر أشباه

دعني أقم أود الشباب بذكرها # ان السفاة بها لغير سفاه

فإذا انقضت أيام تشييع الصبا # أظهرت توبة خاشع أواه

و معاود للبيد لا يهفو به # هاف و لا يزهاه فيها زاه

مهد لالطاف الثناء إلى فتى # كالبدر لا صلف و لا تياه

سهم بن أوس في ضمانك عالم # أن لست بالناسي و لا بالساهي

أجزل له الحظين منك و كن له # ركنا على الأيام ليس بواه

بولايتين ولاية في كورة # مشهورة و ولاية بالجاه

هو في الغنى غرسي و غرسك في العلى # اني انصرفت و أنت غرس الله‏

مدائحه في الطائيين قومه‏

من غرر قصائده قوله يمدح عمر بن عبد العزيز الطائي و يفتخر بقومه طيئ و بجودهم من قصيدة و تجلت فيها عاطفة القرابة منضمة إلى شاعريته:

يا هذه اقصري ما هذه بشر # و لا الخرائد من اترابها الأخر

خرجن في خضرة كالروض ليس لها # الا الحلي على أعناقها زهر

____________

(1) اسمه حوى بالقصر فصغره فقال حوي . -المؤلف-

524

بدرة حفها من حولها درر # أرضى غرامي فيها دمعي الدرر

ريم أبت أن يريم الحزن لي جلدا # فالعين عين بماء الشوق تنهمر

صب الشباب عليها و هو مقتبل # ماء من الحسن ما في صفوه كدر

لو لا العيون و تفاح الخدود إذا # ما كان يحسد أعمى من له بصر

قالوا أ تبكي على رسم فقلت لهم # من فاته العين أدنى شوقه الأثر

ان الكرام كثير في البلاد و ان # قلوا كما غيرهم قل و ان كثروا

لا يدهمنك من دهمائهم عدد # فان جلهم أو كلهم بقر

لو لم تصادف شياة البهم أكثر ما # في الخيل لم تحمد الأوضاح و الغرر

فكلما أمست الاخطار بينهم # هلكى تبين من أمسى له خطر

نعم الفتى عمر في كل نائبة # نابت و قل له نعم الفتى عمر

مجرد سيف رأي من عزيمته # للناس صيقله الاطراق و الفكر

عضبا إذا سله في وجه نائبة # جاءت اليه صروف الدهر تعتذر

و سائل عن أبي حفص فقلت له # أمسك عنانك عنه انه القدر

هو الهمام هو الموت المريح هو الحتف # الوحي هو الصمصامة الذكر

ساماه قوم و طعم الجود في فمه # كالشهد و هو على أحناكهم صبر

فدى له مقشعر حين تسأله # خوف السؤال كان في جلده إبر

لله در بني عبد العزيز فكم # اردوا عزيز عدى في خده صعر

تتلى وصايا المعالي بين أظهرهم # حتى لقد ظن قوم أنها سور

يا ليت شعري من هاتا ماثره # ما ذا الذي ببلوغ النجم ينتظر

سافر بطرفك في أقصى مكارمنا # إذ لم يكن لك في تاثيلها سفر

هل أورق المجد إلا في بني أدد # أو اجتني قط لو لا طيئ ثمر

لو لا أحاديث أبقتها أوائلنا # من السدي و الندى لم يعرف السمر

و قال يمدح داود بن الطائي :

أضحى ابن داود محسودا لسؤدده # لا زال مكتسيا سربال محسود

فتى متى ما ينلك الدهر صالحة # يقل لامثالها من فعله عودي‏

و قال فيه أيضا:

أ أفرق أن تماطلني بنيل # و حوضك لم يزل عذب الورود

جحدت إذا بياض نداك عندي # على نوب من الأيام سود

و قال يمدح أبا المستهل محمد بن شقيق الطائي من قصيدة:

تحمل عنه الصبر يوم تحملوا # و عادت صباه في الصبي و هي شمال

بيوم كطول الدهر في عرض مثله # و وجدي من هذا و هذاك أطول

تولوا فولت لوعتي تحشد الأسى # علي و جاءت مقلتي و هي تهمل

نذرت لهم مكنون دمعي فان ونى # فشوقي على أن لا يجف موكل

أ أتبع ضنك الأمر و الأمر مدبر # و أدفع في صدر الغنى و هو مقبل

محمد يا ابن المستهل تهللت # عليك سماء من ثنائي تهطل

بلوناك اما كعب عرضك في العلى # فعال و لكن جد مالك أسفل

تحملت ما لو حمل الدهر شطره # لفكر دهر أي عبايه أثقل

أبوك شقيق لم يزل و هو للندى # شقيق و للملهوف حرز و معقل

أفاد من العليا كنوزا لو انها # صوامت مال ما درى أين تجعل

فحسب امرئ أنت امرؤ آخر له # و حسبك فخرا أنه لك أول

فهل للقريض الغض أو من يصوغه # على أحد الا عليك معول

ليهن امرأ يثني عليك فإنه # يقول و ان اربى و لا يتقول

سهلن عليك المكرمات فوصفها # علينا إذا ما استعجمت فيك أسهل‏

524 و قال يمدح أحمد بن عبد الكريم الطائي من قصيدة:

يا دار دار عليك ارهام الندى # و اهتز روضك في الثرى فترأدا

سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن # ما كان قلبي للصبابة معهدا

لم يعط نازلة الهوى حق الهوى # دنف أطاف به الهوى فتجلدا

صب توعدت الهموم فؤاده # ان أنتم اخلفتموه موعدا

يقول في مديحها:

أفنيت منه الشعر في متمدح # قد ساد حتى كاد يفني السؤددا

عضب العزيمة في المكارم لم يدع # في يومه شرفا يطالبه غدا

و انا الفداء إذا الرماح تشاجرت # لك و الرماح من الرماح لك الفدا

هيهات لا يناى الفخار و ان ناى # عن طالب كانت مطيته الندى

لا تعدمنك طيئ فلقلما # عدمت عشيرتك الجواد السيدا

و قال في بني عبد الكريم الطائيين من جملة قصيدة يهجو بها عتبة بن عاصم تأتي أبيات منها في الهجاء و ياتي بعضها في المواعظ و الحكم و نذكر هنا ما يتعلق بمدحهم خاصة قال:

قوم تراهم حين يطرق حادث # يسمون للخطب الجليل فيطرق

ما زال في جرم بن عمرو منهم # مفتاح باب للندى لا يغلق

ما انشئت للمكرمات سحابة # الا و من أيديهم تتدفق

انظر فحيث ترى السيوف لوامعا # أبدا ففوق رؤوسهم تتالق

شوس إذا خفقت عقاب لوائهم # ظلت قلوب الموت منها تخفق

بله إذا لبسوا الحديد حسبتهم # لم يحسبوا ان المنية تخلق‏

و قال يمدح بعض بني عبد الكريم الطائيين من قصيدة:

ارامة كنت مالف كل ريم # لو استمتعت بالانس المقيم

و مما ضرم البرحاء اني # شكوت فما شكوت إلى رحيم

أظن الدمع في خدي سيبقي # رسوما من بكائي في الرسوم

و ليل بت أكلؤه كاني # سليم أو سهرت على سليم

اراعي من كواكبه هجانا # سواما لا تريغ إلى المسيم

فأقسم لو سالت دجاه عني # لقد أنبأك عن خطر عظيم

أنخنا في ديار بني حبيب # بنات السير تحت بني العزيم

و ما ان زال في جرم بن عمرو # كريم من بني عبد الكريم

تراه يذب عن حرم المعالي # فتحسبه يدافع عن حريم

سفيه الرمح جاهلة إذا ما # بدا فضل السفيه على الحليم

فان شهد المقامة يوم فصل # رأيت نظير لقمان الحكيم

أولئك قد هدوا في كل مجد # إلى نهج الصراط المستقيم

لهم غرر تخال إذا استنارت # بواهرها ضرائر للنجوم

إذا نزلوا بمحل روضوه # بآثار كآثار الغيوم

لكل من بني حواء عذر # و لا عذر لطائي لئيم‏

من يسال الممدوح يستغني فيعود مسئولا

من المعاني التي أكثر منها أبو تمام في شعره أن من يسال الممدوح يستغني فيعود مسئولا قال:

و ما يلحظ العافي نداك مؤملا # سوى لحظة حتى يعود مؤملا

و قال يخاطب أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري .

أ حين رفعت من شاوي (نظري) و عادت # حويلي في ذراك الرحب حالا

525

و حف بي الأقاصي و الاداني # عيالا لي و كنت لهم عيالا

فقد أصبحت أكثرهم عطاء # و قبلك كنت أكثرهم سؤالا

و قال:

كم حل في أكنافها من معدم # امسى بكم ياوي اليه المعدم‏

و قال:

و كنت أخا الاعدام لسنا لعلة (كذا) # فكم بك بعد العدم أغنيت معدما

و إذ أنا ممنون علي و منعم # فأصبحت من خضراء نعماك منعما

و قال:

و كن سجاياه يضيف ضيوفه # و يرجى مرجيه و يسال سائله

و اني لأرجو عاجلا ان تردني # مواهبه بحرا ترجى مواهبي‏

مصاحبة الطير و الوحش للجيش‏

هذا المعنى قد تداوله الشعراء و نظمه أبو تمام في غير موضع من شعره فقال في قصيدته الرائية التي يفتخر فيها بقومه و يذم مصر بعد مفارقتها في صفة الخيل:

فان ذمت الأعداء سوء صباحها # فليس يؤدي شكرها الذئب و النسر

و قال من قصيدة اخرى فأجاد.

و قد ظللت عقبان اعلامه ضحى # بعقبان طير في الدماء نواهل

أقامت مع الرايات حتى كأنها # من الجيش الا انها لم تقاتل‏

قال البديعي : و أول من اخترعه الأفوه الأودي حيث قال:

و ترى الطير على آثارنا # رأي عين ثقة ان ستمار

و قال حميد بن ثور يصف ذئبا.

إذا ما غدا يوما رأيت غيابة # من الطير ينظرن الذي هو صانع‏

و قال بكر بن النطاح :

و ترى السباع من الجوارح # فوق عسكرنا جوانح

ثقة بانا لا نزال # نمير ساغبها الذبائح‏

و قال النابغة :

إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه # عصائب طير تهتدي بعصائب

جوانح قد أيقن ان قبيله # إذا ما التقى الجمعان أول غالب‏

و قال أبو نواس :

يتوخى الطير غدوته # ثقة باللحم من جزره‏

و قال مسلم بن الوليد :

قد عود الطير عادات وثقن بها # فهن يتبعنه في كل مرتحل‏

و قال أيضا و قد أغرب.

أشربت أرواح العدي و قلوبها # خوفا فانفسها إليك تطير

لو حاكمتك فطالبتك بذحلها # شهدت عليك ثعالب و نسور

و قال مروان بن أبي الجنوب في المعتصم .

لا تشبع الطير الا في وقائعه # فأينما سار سارت خلفه زمرا

عوارفا انه في كل معترك # لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا

525 و قد تبع أبا تمام في ذلك كثير ممن تأخر عنه منهم المتنبي فكرر ذلك في شعره فقال:

له عسكرا خيل و طير إذا رمى # بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه

فقد مل ضوء الصبح مما تغيره # و مل سواد الليل مما تزاحمه

سحاب من العقبان يزحف تحتها # سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه‏

و قال:

يفدي أتم الطير عمرا سلاحه # نسور الملا إحداثها و القشاعم

و ما ضرها خلق بغير مخالب # و قد خلقت أسيافه و القوائم‏

و قال:

و ذي لجب لا ذو سلاح أمامه # بناج و لا الوحش المثار بسالم

تمر عليه الشمس و هي ضئيلة # تطالعه من بين ريش القشاعم

إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة # تدور فوق البيض مثل الدراهم‏

و قال أبو فراس الحمداني :

و أظمأ حتى ترتوي البيض و القنا # و اسغب حتى يشبع الذئب و النسر

و قال ابن جهور :

ترى جوارح طير الجو فوقهم # بين الأسنة و الرايات تختفق‏

و قال أبو عامر بن أبي مروان بن شهيد الأندلسي :

و تدري سباع الطير ان كماته # إذا لقيت صيد الكماة سباع

تطير جياعا فوقه و تردها # ظباه إلى الأوكار و هي شباع‏

العتاب‏

قال يمدح من اسمه جعفرا و لعله جعفر الطائي الذي ياتي انه رثاه و يعرض له ببعض العتاب من قصيدة و ظاهر الديوان المطبوع انها في عياش بن لهيعة لكنها صريحة انها في جعفر .

يعجبن مني ان سمحت بمهجتي # و كذاك أعجب من سماحة جعفر

ملك إذا ما الشعر حار ببلدة # كان الدليل لطرفه المتحير

يا من يبشرني بأسباب الغنى # منه بشائر وجهه المستبشر

عش سالما تبني العلى بيد الندى # حتى تكون مناويا للمشتري

و لقلما عبات خيل مدائحي # الا رجعت بهن غير مظفر

و أعوذ باسمك أن تكون كعارض # لا يرتجى و كنابت لم يثمر

و قال يعاتب ابن أبي سعيد من أبيات:

فلئن شطت الديار و غال # الدهر في آلف و في مألوف

فعزائي بان عرضي مصون # سائغ الورد و السماح حليفي

راكب للأمور في حلبة الأيام # للمنجيات أو للحتوف

ذو اعتداء على ثراء فتى الجود # الشريف الفعال و ابن الشريف

ليت شعري ما ذا يريبك مني # و لقد فقت فطنة الفيلسوف

أنا ذو منطق شريف لاعطاء # و ذو منطق لمنع عنيف‏

الاعتذار عن تقطيب الوجه‏

ان تعط وجها كاسفا من تحته # كرم و حلم خليقة لا يجهل

فلرب سارية عليك مطيرة # قد جاء عارضها و ما يتهلل‏

تحسين الحجاب‏

قال الثعالبي في خاص الخاص أحسن ما قيل في تحسين الحجاب قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي :

526

يا أيها الملك النائي برؤيته # وجوده لمراعي جوده كثب

ليس الحجاب بمقص عنك لي املا # ان السماء ترجى حين تحتجب‏

البقاء على العهد

قال من أبيات:

فلم يبق مني طول شوقي إليهم # سوى حسرات في الحشى تتردد

خليلي ما أرتعت طرفي ببهجة # و لا انبسطت مني إلى لذة يد

و لا حلت عن عهدي الذي قد عهدتما # فدوما على العهد الذي كنت أعهد

الرجوع إلى المودة بعد المباعدة

قال في عبد الله بن البر الطائي من أبيات:

ذقنا الصدود فلما اقتاد أرسننا # حنت حنين عجول بيننا الرحم

سيعلم الهجر انا من إساءته # و ظلمه بالوصال العذب تنتقم

اما الوجوه فكانت و هي عابسة # اما القلوب فكانت و هي تبتسم

سعاية من رجال لا طباع لهم # قالوا بما جهلوا فينا و ما علموا

إذا خدمنا القلى جهلا بنا و عمى # فاليوم نحن جميعا للرضى خدم‏

الهجاء

كان أبو تمام كسائر الشعراء الذين يكتسبون و يرتزقون بشعرهم فيمدحون الشخص بما ليس فيه و يبالغون في المدح و الكذب فيه و يمدحون الفسقة و الظلمة و قد يصفونهم بأعلى من صفات الأنبياء و المرسلين و يهجون من منعهم أو لم ترضهم جائزته بأقبح الهجو و أقذعه و أفحشه و يثلبون الاعراض و لا يتورعون عن شي‏ء في هذا السبيل فكانت يهابهم لاجل ذلك الخلفاء و الملوك و الأمراء فمن دونهم فعندهم لأخذ الجوائز وسائل (إحداها) .

المدح الذي يرغب فيه كل أحد و لو كان بالباطل إلا ما ندر و المدح بالشعر يرغب فيه أكثر من غيره لانه مما يحفظ و ينتشر و تطرب و تهتز له النفوس و يستهوي الألباب و تحدى به الركاب و ينشد في المحافل و يبقى على مر الدهور لا سيما إذا كان من شاعر مشهور جيد الشعر متفنن في أساليب الشعر و كثيرا ما يرتفع به الوضيع و تقضي به الحوائج كما حصل في مواضع كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (ثانيتها) هجو أعداء الممدوح الذي كان يعتمده الشعراء في أثناء مدائحهم لمن يمدحونه لعلمهم بان ذلك مما يعجبهم و يسرهم فهو احدى الوسائل لبعثهم على العطاء (ثالثتها) الهجو الذي يخاف منه الناس أكثر من خوفهم من السلاح للعلة المتقدمة في المدح من اشتهاره و انتشاره بين الناس و حفظهم له و بقائه على مر الدهور و هجا بعضهم قاضيا بقوله:

إذا كلمته ذات دل لحاجة # و هم بان يقضي تنحنح أو سعل‏

فقال المهجو ربما أخذني السعال و أنا في المستراح فاحبسه لما شاع من هذا الشعر و قال شاعر في الشعبي :

فتن الشعبي لما # رفع الطرف إليها

فحفظه الناس حتى القصارون فمر الشعبي على قصار و هو يقول

(فتن الشعبي لما)

و يكرره و لا يحفظ تمام البيت فأتمه له الشعبي . و عظماء الملوك و ان كان يمكنهم عقاب من يهجوهم بالحبس و الضرب بل بالقتل الا انهم علموا أن ذلك لا يغسل عنهم عار الهجاء الذي ينتشر و يحفظ فكان عقلاؤهم لا يلجئون إلى هذه الطريق لعلمهم بأنها لا تفيد بل يحافظون على إرضاء الشاعر لئلا يهجوهم و يرون أن الدفع أسهل من الرفع و من لجا إليها أولا عاد عنها ثانيا فهشام بن عبد الملك لما مدح الفرزدق زين العابدين ع 526 بالقصيدة المشهورة أمامه و أمام أكابر أهل الشام و غاظه ذلك أمر بحبسه فهجاه في الحبس بقوله:

يقلب رأسا لم يكن رأس سيد # و عينا له حولاء باد عيوبها

فاضطر هشام إلى إطلاقه خوفا أن يقول فيه ما هو أدهى و أمر و حفظ الناس هذا الهجاء و استمر حفظه إلى اليوم و بعد اليوم و بشار لما هجا موسى الهادي بالبيتين المشهورين امر بضربه حتى مات و لكن ذلك لم يغسل عنه وصمة الهجاء الذي حفظه الناس و أودعه المؤلفون كتبهم و كان بنو امية يكرمون الفرزدق و هم يعلمون تشيعه لأهل البيت أعدائهم الألداء فيحتملون ذلك منه طلبا لمدحه و خوفا من هجائه و هذا باب واسع لا يمكننا استيفاؤه بهذه العجالة و مر عند الكلام على شاعرية أبي تمام ما يرتبط بالمقام فراجع. و مرت له أهاج في جماعة عند ذكر اخباره معهم و قال يهجو الجلودي حين انهزم من النويرة من قصيدة.

الله أعطاك الهزيمة إذ # جذبتك أسباب الردى جذبا

لاقتك إبطال تحث إلى # ضنك المقام شوازبا قبا

فنزلت بين ظهورهم أشرا # فقروك ثم الطعن و الضربا

في حيث يلفي الرمح يشرع في # نطف الكلى و المرهف العضبا

و الخيل سانحة و بارحة # و الموت يغشى الشرق و الغربا

و البيض تلمع في اكفهم # رأد الضحى فتخالها شهبا

و أتتك خيل لو صبرت لها # لنهبن روحك في الوغى نهبا

من حي عدنان و إخوتهم # قحطان لا ميلا و لا نكبا

و عصمت بالليل البهيم و قد # القى عليك ظلامه حجبا

و قال في أبي الوليد محمد بن احمد بن أبي دؤاد من أبيات:

فما أنت اللئيم أبا و لكن # زمان سدت فيه هو اللئيم

أ تطمع أن تعد كريم قوم # و بابك لا يطيف به كريم

كمن جعل الحضيض له مهادا # و يزعم ان اخوته النجوم

لنمت و نام عرضك و القوافي # سواخط لا تنام و لا تنيم‏

و قال يهجو يوسف السراج الشاعر المصري من أبيات:

سمعت بكل داهية ناد # و لم اسمع بسراج أديب

أما لو أن جهلك كان علما # إذا لنفذت في علم الغيوب

فما لك بالغريب يد و لكن # تعاطيك الغريب من الغريب

فلو نبش المقابر عن زهير # لصرح بالعويل و بالنحيب

متى كانت قوافيه عيالا # على تفسير بقراط الطبيب

فكيف و لم يزل للشعر ماء # يرف عليه ريحان القلوب‏

و قال:

و ما ان سمعت و لا اراني سامعا # حتى الممات بشاعر سراج

و ما يمنع السراج أن يكون أديبا شاعرا كما لم يمنعه هو كونه غلام حائك و سقاء للماء بالجرة أن يكون من أعاظم الشعراء و لكنه الشعر و أفانينه و الهجاء و تشعباته. و قال في ابن الأعمش و مغنية له

انا مجمل لكم سماجتها # وجه ابن الأعمش عندها قمر

و مفسر لكم غثاثتها # لفظ ابن الأعمش عندها سمر

و قال في أهل سامراء و تعرف بالعسكر .

ساوطى‏ء أهل العسكر الآن عسكرا # من الذل محاء لتلك المعالم

فاني ما حورفت في طلب الغنى # و لكنكم حورفتم في المكارم

527

رويدا يقر الأمر في مستقره # فما المجد عما تفعلون بنائم

و ما لي من ذنب إلى الرزق خلته # سوى أملي إياكم للعظائم

بعين العلى أصبحتم بين هادم # دعائمها الطولى و بان كهادم‏

و قال يهجو شاعرا سرق شعره:

من بنو بجدل من ابن الحباب # من بنو تغلب غداة الكلاب

من طفيل من عامر و من الحارث # أم من عتيبة بن شهاب

انما الضيغم الهصور أبو الأشبال # مناع كل خيس و غاب

من عدت خيله على سرح شعري # و هو للحين راتع في كتابي

غارة أسخنت عيون القوافي # و استحلت محارم الآداب

يا عذارى الكلام صرتن من بعدي # سبايا تبعن في الاعراب

عبقات بالسمع تبدي وجوها # كوجوه الكواعب الاتراب

قد جرى في متونهن من الافرند # ماء نظير ماء الشباب

طال رعبي يا رب مما ألاقيه # و رهبي إليك فاحفظ ثيابي‏

و قال في عتبة :

فأقسم ما جسرت علي إلا # و زيد الخيل دونك في الشجاعة

و وجهك إذ رضيت به قديما # فأنت نسيج وحدك في القناعة

و قال في عثمان بن إدريس السامي :

و سابح هطل التعداء هتان # على الجراء أمون غير خوان

فلو تراه مشيحا و الحصى قلق # تحت السنابك من مثنى و وحدان

حلفت ان لم تثبت ان حافره # من صخر تدمر أو من وجه عثمان

و قال في محمد بن الحسن الشاعر :

نعمنا بالبشاشة و السرور # و أيام الربيع المستنير

و قد ضحك النبات بكل أرض # و تاه العود بالورق النضير

فحين مضى الربيع و اعقبتنا # ليالي الصيف فيها بالحرور

اتانا الأحذمي ببرد شعر # رمى منه البلاد بزمهرير

في ذكر الحساد و الأعداء

و ملئان من ضغن كواه توقلي # إلى الهمة القعسا سناما و غاربا

شهدت جسيمات العلى و هو غائب # و لو كان أيضا شاهدا كان غائبا

شكوى الزمان و الاخوان‏

لقد ساسنا هذا الزمان سياسة # سدى لم يسسها قبل عبد مجدع

تروح علينا كل يوم و تغتدي # خطوب كان الدهر منهن يصرع

حلت نطف منه لنكس و ذو الحجى # يداف له سم من العيش منقع‏

و قال:

كم ذقت في الدهر من عسر و من يسر # و في بني الدهر من رأس و من ذنب

أغضي إذا صرفه لم يغض سورته # عني و ارضى إذا مالج في الغضب

باي وخد قلاص و اجتياب فلا # ادراك رزق إذا ما كان في الهرب

ما ذا علي إذا ما لم يزل و ترى # في الرمي ان زلن أغراضي فلم أصب

في كل يوم أظافيري مفللة # تستنبط الصبر لي عن معدن الذهب

ما كنت كالسائل الأيام مجتهدا # عن ليلة القدر في شعبان أو رجب

بل سافع بنواصي الأمر مشتمل # على قواصيه في بدء و في عقب

ما زلت ارمي بامالي مراميها # لم يخلق العرض مني سوء مطلبي

بغربة كاغتراب الجود ان برقت # باوبة و دقت بالخلف و الكذب

527 إذا عنيت لشاو قلت اني قد # أدركته أدركتني حرفة الأدب

و خيبة نبتت في غيبة شسعت # بانحس طلعت في كل مضطرب

ما آب من آب لم يظفر بحاجته # و لم يغب طالب بالنجح لم يخب‏

و قال:

أنكرتهم نفسي و ما ذلك الإنكار # إلا من شدة العرفان

و إساءات ذي الاساءة يذكرنك # يوما إحسان ذي الإحسان‏

و قال:

و تكشف الاخوان ان كشفتهم # ينسيك طول تصرف الأيام‏

و قال كما في تاريخ دمشق و لا توجد في الديوان .

و من الشقاوة أن تحب # و من تحب يحب غيرك

أو أن تسير لوصل من # لا يشتهي للوصل سيرك

أو ان تريد الخير بالإنسان # و هو يريد ضيرك

سيان إن أوليته # خيرا و ان أمسكت خيرك‏

و قال من قصيدة:

ان شئت أن يسود ظنك كله # فأجله في هذا السواد الأعظم

ليس الصديق بمن يعيرك ظاهرا # متبسما عن باطن متجهم‏

و قال:

أخو ثقة ناى فبقيت لما # ناى عرضا لاخوان السلام

ذوي الهمم الهوامد و الأكف # الجوامد و المروءات النيام

يظل عليك اصفحهم حقودا # لرؤيا ان رآها في المنام‏

و قال في صديق له من أبيات:

ليس جدع الأنوف جدعا و لكن # تيه من تصطفيه جدع الأنوف

لو بأسد الغريف نيطت عرى # المن لذلت رقاب أسد الغريف‏

و قال من قصيدة:

فقدتك من زمان كل فقد # و غالت حادثاتك كل غول

محت نكباته سبل المعالي # و أطفأ ليله سرج العقول

فما حيل الأديب بمدركات # عجائبه و لا فكر الأصيل‏

الرثاء

قال أبو القاسم الآمدي هو أشعر الناس في المراثي و ليس فيها أحسن و أجود من قوله:

ألا ان في كف المنية مهجة # تظل لها عين العلى و هي تدمع

هي النفس ان تبك المكارم فقدها # فمن بين أحشاء المكارم تنزع‏

مراثيه في بني حميد الطائي

وقع في الديوان المطبوع بمصر خلل و قصور في عناوين القصائد التي رثى بها أبو تمام بني حميد هؤلاء فقال في القصيدة اللامية المكسورة التي أولها

(ذكرت أبا نصر بفقد محمد )

انها في رثاء بني حميد و قد مات بعد أبي نصر اخوان له محمد و هو الأكبر و الآخر قحطبة و في القصيدة التي أولها

(كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر)

انها في رثاء محمد و قحطبة و أبي نصر بني حميد الطوسي و في القصيدة التي أولها

(أي القلوب عليكم ليس ينصدع)

انها في رثاء بني حميد و في القصيدة التي أولها

(أصم بك الناعي و ان كان اسمعا)

انها في رثاء أبي نصر محمد بن حميد الطائي و في القصيدة التي أولها

(بأبي

528

و غير أبي و ذاك قليل)

انها في رثاء محمد بن حميد و أخيه. مع ان الرائية في رثاء محمد وحده و اللامية المرفوعة في رثاء بني حميد الثلاثة محمد و محمد و قحطبة كما وقع التصريح بذلك فيها فينبغي أن يكون عنوان الرائية للامية و عنوان العينية المنصوبة لها و للرائية ثم ان عنوان اللامية لاثنين و الصواب ان يكون للثلاثة و قد ظهر لنا من مراجعة هذه القصائد التي رثى بها أبو تمام بني قحطبة و عناوينها انهم ثلاثة اثنان منهم اسمهما محمد و يكنى أحدهما أبا نصر و هو الأصغر الذي كان من قواد المأمون و قتل في حرب بابك و الثاني و هو الأكبر مات بعده و الثالث اسمه A48G قحطبة مات A48G بعد أبي نصر أيضا و يدل بيت لأبي تمام انه قتل في الحرب و هو قوله‏

(لو لم يمت بين أطراف الرماح)

إلخ فقد صرح باسم محمد في الرائية في موضعين و قد صرح في العينية المنصوبة باسم أبي نصر و في عنوانها بان اسمه محمد و قد صرح في اللامية المرفوعة باسم محمد و ان كنيته أبا نصر و باسم قحطبة و بمحمد و محمد و صرح في اللامية المخفوضة باسم أبي نصر و محمد و قحطبة و دل الوصف بالطائي تارة و بالطوسي اخرى على انهم طائيون و طوسيون فكأنهم من العرب الذين توطنوا بلاد العجم فنسبوا إليها فمن مراثي أبي تمام فيهم ما رثى به محمد بن حميد الطائي الطوسي المكنى A49G بأبي نصر و هي من أحسن مراثي أبي تمام و ابدعها و كأنما كان لعاطفة القرابة تأثير في حسن هذه القصيدة زيادة على شاعرية أبي تمام . و كان محمد هذا من قواد المأمون فوجهه المأمون لمحاربة بابك الخرمي فقتل A49G سنة 214 قال البديعي في هبة الأيام و حين بلغ أبا تمام نعيه غمس طرف ردائه في مداد ثم ضرب به كتفيه و صدره و أنشد القصيدة الآتية و لشدة استحسان أبي دلف العجلي لهذه القصيدة تمنى أن تكون قيلت في رثائه كما مر في أخباره مع أبي دلف و لشدة استحسان النقيب يحيى بن زيد العلوي لها قال في أبيات منها كأنها ما قيلت إلا في الحسين ع و في قوله‏

(فتى مات بين الطعن و الضرب)

إلى قولة

(تردى ثياب الموت)

و قال البديعي أيضا و إلى ذلك أشار ابن الرنجي الكاتب المغربي من مرثيته في ابن خلدون :

لو لا الحياء و أن أجي‏ء بفعلة # تقضي علي بها سيوف ملام

و أكون متبعا لاشنع سنة # قد سنها قبلي أبو تمام

للبست ثوب الثاكلات و كنت في # سود الوجوه كأنني من حام

و هذه هي القصيدة و كلها غرر.

كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر # و ليس لعين لم يفض ماؤها عذر

توفيت الآمال بعد محمد # و أصبح في شغل عن السفر السفر

و ما كان الآمال من قل ماله # و ذخرا لمن أمسى و ليس له ذخر

و ما كان يدري مجتدي جود كفه # إذا ما استهلت انه خلق العسر

ألا في سبيل الله من عطلت له # فجاج سبيل الله و انثغر الثغر

فتى كلما فاضت عيون قبيلة # دما ضحكت عنه الأحاديث و الذكر

فتى دهره سطران فيما ينوبه # ففي بأسه شطر و في جوده شطر

فتى مات بين الطعن و الضرب ميتة # تقوم مقام النصر إن فاته النصر

و ما مات حتى مات مضرب سيفه # من الضرب و اعتلت عليه القنا السمر

و قد كان فوت الموت سهلا فرده # اليه الحفاظ المر و الخلق الوغر

و نفس تعاف العار حتى كأنما # هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فاثبت في مستنقع الموت رجله # و قال لها من تحت اخمصك الحشر

غدا غدوة و الحمد نسج ردائه # فلم ينصرف إلا و أكفانه الأجر

تردى ثياب الموت حمرا فما دجا # لها الليل إلا و هي من سندس خضر

528 كان بني نبهان يوم وفاته # نجوم سماء خر من بينها البدر

يعزون عن ثاو تعزى به العلى # و يبكي عليه البأس و الجود و الشعر

أ من بعد طي الحادثات محمدا # يكون لأثواب الندى أبدا نشر

إذا شجرات العرف جذت أصولها # ففي أي فرع يوجد الورق النضر

لئن غدرت في الروع أيامه به # فما زالت الأيام شيمتها الغدر

لئن ألبست فيه المصيبة طيئ # فما عريت منها تميم و لا بكر

سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه # و ان لم يكن فيه سحاب و لا قطر

و كيف احتمالي للغيوث صنيعة # باسقائها قبرا و في لحده البحر

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة # غداة ثوى الا اشتهت انها قبر

ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى # و يغمر صرف الدهر نائله الغمر

عليك سلام الله وقفا فانني # رأيت الكريم الحر ليس له عمر

و قال يرثي أبا نصر محمد بن حميد الطائي أيضا من أبيات:

أصم بك الناعي و ان كان اسمعا # و أصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

للحد أبي نصر تحية مزنة # إذا هي حيث ممعرا عاد ممرعا

و و الله لا تقضي العيون الذي له # عليها و لو صارت مع الدمع أدمعا

فتى كان شربا للعفاة و مرتعا # فأصبح للهندية البيض مرتعا

فما كنت الا السيف لاقى ضريبة # فقطعها ثم انثنى فتقطعا

و قال يرثي محمدا أبا نصر و أخاه محمدا و أخاهما قحطبة بني حميد من قصيدة و في الديوان قال يرثي محمد بن حميد و أخاه:

بأبي و غير أبي و ذاك قليل # ثاو عليه ثرى النباج مهيل

كفي فقتل محمد لي شاهد # ان العزيز مع القضاء ذليل

أنسي أبا نصر نسيت إذا يدي # في حيث ينتصر الفتى و ينيل

هيهات لا ياتي الزمان بمثله # ان الزمان بمثله لبخيل

ما أنت بالمقتول صبرا إنما # أملي غداة نعيك المقتول

للسيف بعدك حرقة و عويل # و عليك للمجد التليد غليل

يا يوم قحطبة لقد أبقيت لي # حرقا أرى أيامها ستطول

لم يود منه واحد لكنما # أودى به من أسودان قييل قبيل

أضحت عراص محمد و محمد # و أخيهما و كأنهن طلول

مستبسلون كأنما مهجاتهم # ليست لهم الا غداة تسيل

ألفوا المنايا فالقتيل لديهم # من لم يخل الحرب و هو قتيل‏

و قال من أبيات رثى بها أبا نصر و أخويه محمدا و قحطبة بني حميد الطائي و قد مات الاخوان محمد و هو الأكبر و قحطبة بعد أبي نصر .

ذكرت أبا نصر بفقد محمد # و قحطبة ذكرى طويل البلابل

ثووا في الثرى من بعد أن سربلوا العلى # و من بعد أن سموا نجوم المحافل

لعمرك ما كانوا ثلاثة اخوة # و لكنهم كانوا ثلاث قبائل‏

و قال يرثي بني حميد الطائيين :

أي القلوب عليكم ليس ينصدع # و أي نوم عليكم ليس يمتنع

بني حميد بنفسي أعظم لكم # مهجورة و دماء منكم دفع

ما غاب عنكم من الاقدام أكرمه # في الروع إذ غابت الأنصار و الشيع

إذا هم شهدوا الهيجاء هاج بهم # تغطرف في وجوه الموت يطلع

و أنفس تسع الأرض الفضاء فلا # يرضون أو يجشموها فوق ما تسع

يود أعداؤهم لو انهم قتلوا # و انهم صنعوا بعض الذي صنعوا

529

عهدي بهم تستنير الأرض ان نزلوا # بها و تجتمع الدنيا إذا اجتمعوا

و يضحك الدهر منهم عن غطارفة # كان ايامهم من حسنها جمع

فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى # أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع

لا غرو ان قتلوا صبرا و لا عجب # فالقتل للحر في حكم العلى تبع‏

و قال يرثي بني حميد الطائي أيضا و يخص منهم قحطبة بن حميد من أبيات و البيت الأخير يدل على انه قتل في الحرب.

ان ينتحل حدثان الموت أنفسكم # و يسلم الناس بين الحوض و العطن

فالماء ليس عجيبا ان أعذبه # يفنى و يمتد عمر الآجن الأسن

رزء على طيئ القى كلاكله # لا بل على أدد لا بل على اليمن

لم يثكلوا ليث حرب مثل قحطبة # من قبل قحطبة في سالف الزمن

لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا # لمات إذ لم يمت من شدة الحزن‏

و قال يرثي غالبا الصغدي من أبيات:

و قلت أخي قالوا أخ من قرابة # فقلت نعم ان الشكول أقارب

نسيبي في عزم و رأي و مذهب # و ان باعدتنا في الأصول المناسب

و لم اتجهم ريب دهر برأيه # فلم يجتمع لي رأيه و النوائب

على انها الأيام قد صرن كلها # عجائب حتى ليس فيها عجائب‏

و قال يرثي إسحاق بن أبي ربعي من قصيدة:

شق جيوبا من رجال لو استطاعوا # لشقوا ما وراء الجيوب

أظلمت الآمال من بعده # و عريت من كل حسن و طيب

فما لنا اليوم و لا العلى # من بعده إلا الاسى و النحيب‏

و قال يرثي احمد بن هارون القرشي من أبيات:

دأب عيني البكاء و الحزن دابي # فاتركيني وقيت ما بي لما بي

فجعتني الأيام بالصادق النطق # فتى المكرمات و الآداب

و تراءته أعين الناظرية # قمرا باهرا و رئبال غاب

و على عارضيه ماء الندى الجاري # و ماء الحجى و ماء الشباب‏

و قال يرثي جعفرا الطائي من أبيات:

مثل الموت بين عينيه و الذل # فكلا رآه خطبا عظيما

ثم سارت به الحمية قدما # فأمات العدي و مات كريما

و قال يرثي هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي من قصيدة:

لنمنا و صرف الدهر ليس بنائم # خزمنا له قسرا بغير خزائم

ليال إذا انحت عليك عيونها # ارتك فتورا في عيون الاراقم

إذا فقد المفقود من آل مالك # تقطع قلبي رحمة للمكارم

خليلي من بعد الاسى و الجوى قفا # و لا تقفا فيض الدموع السواجم

ألما فهذا مصرع البأس و الندى # و حسب البكاء أن قلت مصرع هاشم

أ لم تريا الأيام كيف فجعننا # به ثم قد شاركننا في المآتم

و لو عاش فينا بعض عيش فعاله # لأخلق أعمار النسور القشاعم

لئن كان سيف الموت أسود صارما # لقد فل منه حد أبيض صارم

أصاب امرأ كانت كرائم ماله # عليه إذا ما سيل غير كرائم

جرى المجد مجرى النوم منه فلم يكن # بغير طعان أو سماح بحالم

فان يوه في الدنيا دعائم عمره # فما جوده فيها بواهي الدعائم

إذا المرء لم تهدم علاه حياته # فليس لها الموت الجميل بهادم

أ هاشم صار الدمع ضربة لازم # و ما كان لو لا أنت ضربة لازم

529 أ هاشم للحيين فيك مصائب # حوائم منهم في قلوب حوائم

مساع تشظت في المواسم كلها # و لو جمعت كانت كبعض المواسم

و ما يوم زرت اللحد يومك وحده # علينا و لكن يوم عمرو و حاتم

فكم ملحد في ذلك اليوم غانم # و كم منبر في يوم ذلك غارم

لئن عم ثكلا كل شي‏ء مصابه # لقد خص أطراف السيوف الصوارم

و ما نكبه فاتت به بعظيمة # و لكنها من أمهات العظائم

بني مالك قد نبهت خامل الثرى # قبور لكم مستشرفات المعالم

رواكد قيد الشبر من متناول # و فيها على لا ترتقى بالسلالم

رأيتهم ريش الجناح إذا ذوت # قوادم منها أيدت بقوادم

إذا اختل ثغر المجد أضحى جلادهم # و نائلهم من حوله كالعواصم

فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها # فقد أسكنت بين الطلي و الجماجم

إذا ما رماح القوم في الروع أكرمت # مشاربها عاشوا كرام المطاعم‏

و قال يرثي عمير بن الوليد و يعزي عنه ولده محمدا من قصيدة:

كف الندى اضحت بغير بنان # و قناته أمست بغير سنان

أنعى عمير بن الوليد لغارة # بكر من الغارات أو لعوان

أنعى فتى الفتيان غير مكذب # قولي و أنعى فارس الفرسان

عثر الزمان و نائبات صروفه # بمقيلنا عثرات كل زمان

أ أصاب منك الموت فرصة ساعة # فعدا عليك و أنتما أخوان

فمن الذي يبغى ليوم كريهة # و من الذي يدعى ليوم طعان

ان تخذلوه فقد حماه مثقف # لدن و مصقول الذباب يمان

فمحمد كهف الكهوف و عمدة الملهوف # من عاف رجاه و عان

حمال ما لو حل أصغره على # ثهلان لانهدت ذرى ثهلان

و إذا تدنست الرجال فإنه # عف السريرة طاهر الإعلان

يحكي فعال أب كريم في ندى # و شجاعة و بلاغة و بيان

فلأشغلن بمدح ذا و بندب ذا # أبدا لساني ما ملكت لساني‏

و قال يرثي أخا له من أبيات:

اني أظن البلى لو كان يفهمه # صد البلى عن بقايا وجهه الحسن

يا يومه لم تدع حسنا و لا أدبا # إلا حكمت به للحد و الكفن‏

و قال يرثي القاسم بن طوق من قصيدة:

لقد فجعت عتابه و زهيره # و تغلبه اخرى الليالي و وائلة

و مبتدر المعروف تسري هباته # إليهم و لا تسري إليهم غوائله

فتى لم تكن تغلي الحقود بصدره # و تغلي لأضياف الشتاء مراجله

طواه الردى طي الرداء و غيبت # فضائله عن قومه و فواضله

طوى شيما كانت تروح و تغتدي # وسائل من أعيت عليه وسائله‏

و قال يرثي إدريس السامي من ولد سامة بن لؤي من قصيدة:

أ إدريس ضاع المجد بعدك كله # و رأي الذي يرجوه بعدك أضيع

و ضل بك المرتاد من حيث يهتدي # و ضرت بك الأيام من حيث تنفع

و قد كان يدعى لابس الصبر حازما # فأصبح يدعى حازما حين يجزع

غدوا في زوايا نعشه و كأنما # قريش قريش يوم مات مجمع

أ لم تك ترعانا من الدهر إن سطا # و تحفظ من أموالنا ما يضيع

و تلبس أخلاقا كراما كأنها # على العرض من فرط الحصانة أدرع

و تبسط كفا في الحقوق كأنما # أناملها في البأس و الجود أذرع

530

و تربط جاشا و الكماة قلوبها # تزعزع خوفا من قنا تتزعزع

و امنية المرتاد يحضرك الندى # فيشفع في مل‏ء الملا فيشفع

فأنطق فيه حامد و هو مفحم # و أفحم فيه حاسد و هو مصقع‏

و قال يرثي يحيى بن عمران القمي و يعزي ابنه الحسين بن يحيى من قصيدة:

لا يتبع المن ما جادت يداه به # و لا تحكم في معروفه العلل

المشعل الحرب نارا و هي خامدة # و المستبيح حماها و هي تشتعل

بكل يوم وغى تصدى الكماة به # على يديه و تروي البيض و الأسل

يغشى الوغى بالقنا و الخيل عابسة # بالخيل لا عاجز فيها و لا وكل

إذا الرجال رأوه و هو يفعل ما # أعياهم فعله قالوا كذا الرجل

ان ما يدل منك بالموت العدي فبما # دارت عليهم بلا موت بك الدول

أيام سيفك مشهور و بحرك مسجور # و قرنك مقصور له الطول

إذ لابس الذلة المقطوع ذو رحم # قطعته و إذ الموصول من تصل

فاي معتمد يزكو به عمل # و أي منتظر يحيا به أمل

لكن حسين و أمثال الحسين إذا # ما الناس يوم حفاظ حصلوا قلل

تنبي المواقف عنه انه سند # و يخبر الروع عنه انه بطل

يعطي فيجزل أو يدعى فينزل أو # يؤتى لمحمل اعباء فيحتمل‏

و قال يرثي أخا له و في الديوان انه لم يروه الصولي :

بار ان لي خل مقيم و صاحب # تهون الرزايا بعده و المصائب

محا فقده من صورة المجد رونقا # وردت على اعقابهن المطالب

و لو كان قدر المجد عندي بكاؤه # لكانت دما فيه الدموع السواكب

قصرت أراه باقيا و هو ميت # و كنت أراه شاهدا و هو غائب

أخ كان أدنى من يدي يد نصره # إذا بسطت كفا إلي النوائب

كلانا أصاب الموت إلا حشاشة # من الروح تحميها الاماني الكواذب‏

و قال يرثي جارية له:

أ لم ترني خليت نفسي و شأنها # و لم أحفل الدنيا و لا حدثانها

لقد خوفتني النائبات صروفها # و لو امنتني ما قبلت أمانها

و كيف على نار الليالي معرسي # إذا كان شيب العارضين دخانها

أصبت بخود سوف أغبر بعدها # حليف اسى ابكي زمانا زمانها

يقولون هل يبكي الفتى لخريدة # إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها

و هل يستعيض المرء من عشر كفه # و لو صاغ من حر اللجين بنانها

قال ابن عساكر في تاريخ دمشق قال القاضي أبو الفرج زكريا بن المعافي كان بعض رؤساء الزمان أنشد الأبيات‏

(لقد خوفتني)

البيت (يقولون هل يبكي) و الذي بعده فاستحسنها جدا و قال و نحن بحضرته جماعة أ تعرفون لهذه الأبيات أو لا فقلت ان هذه كلمة لأبي تمام مشهورة أولها 530

(أ لم ترني)

البيت و الذي بعده فاضطرب عند الانتهاء لهذا البيت و جعل يردده و يتفانى فيه إلى ان حفظه و قال هذا الزمن كله سراب و عناء (اه. )

التعازي‏

من أحسن ما قيل في التعزية قول أبي تمام يعزي مالك بن طوق عن أخيه القاسم بن طوق .

تأمل رويدا هل تعدن سالما # إلى آدم أم هل تعد ابن سالم

متى ترع هذا الموت عينا بصيرة # تجد عادلا منه شبيها بظالم

فان تك مفجوعا بأبيض لم يكن # يشد على جدواه عقد التمائم

بفارس دعمي و هضبة وائل # و كوكب عتاب و جمرة هاشم

شجا الريح فازدادت حنينا لفقده # و أحدث شجوا في بكاء الحمائم

فمن قبله ما قد أصيب نبينا # أبو القاسم النور المبين بقاسم

و خبر قيس بالجلية في ابنه # فلم يتغير وجه قيس بن عاصم

و قال علي في التعازي لأشعث # و خاف عليه بعض تلك المآثم

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة # فتؤجر أم تسلو سلو البهائم

و للطرفات‏لم يمت # خفاتا و لا حزنا عدي بن حاتم

خلقنا رجالا للتصبر و الأسى # و تلك الغواني للبكا و المآتم

و هل من حكيم ضيع الصبر بعد ما # رأى الحكماء الصبر ضربة لازم

و لم يحمدوا من عالم غير عامل # خلافا و لا من عامل غير عالم

فلا برحت تسطو ربيعة منكم # بارقم عطاف وراء الأراقم

فأنت و صنواك الكريمان اخوة # خلقتم سعوطا للانوف الرواغم

ثلاثة أركان و ما انهد سؤدد # إذا ثبتت فيه ثلاث دعائم‏

و قال يعزي حوى بن عمرو بن نوح بن حوى بابنه من أبيات:

و أكثر حالات ابن آدم خلقه # يضل إذا فكرت في كونها الفكر

فيفرح بالشي‏ء المعار بقاؤه # و يحزن لما صار و هو له ذخر

عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس # فان ابنك المحمود بعد ابنك الصبر

و ما أوحش الرحمن ساحة عبده # إذا عاشر الجلي و مونسه الأجر

الوصف و التشبيه‏
وصف المطر

قال من قصيدة يمدح بها ابن الزيات و يصف المطر:

ديمة سمحه القياد سكوب # مستغيث بها الثرى المكروب

لو سعت بقعة لاعظام نعمى # لسعى نحوها المكان الجديب

لذ شؤبوبها و طاب فلو تستطيع # قامت فعانقتها القلوب

فهي ماء يجري و ماء يليه # و عزال‏ (1) تنشأ و اخرى تذوب

كشف الروض رأسه و استسر المحل # منها كما استسر المريب

فإذا الري بعد محل و جرجان # لديها يبرين أو ملحوب (2)

و قال في وصف المطر أيضا من أبيات يعتذر بها إلى كاتبي ابن طاهر من تاخره بالمطر.

منع الزيارة و الوصال سحائب # شم الغوارب جابة الأكتاف‏ (3)

ظلمت بني الحاج‏ (4) الملم و أنصفت # عرض البسيطة أيما انصاف

قامت بمنفعة الرياض و ضرها # أهل المنازل ألسن الوصاف‏ (5)

لما استقلت ثرة أخلاقها # ملمومة الارجاء و الأكناف‏

____________

(1) العزالي كصحاري و حبالي جمع عزلاء و هو مصب الماء من الراوية

(2) الري و جرجان من بلاد العجم و يبرين و ملحوب موضعان ببلاد العرب قيل معناه ان الري و جرجان صارا بدوام هذه الديمة صحاري كيبرين و ملحوب فخربا و قيل معناه انهما صارا في الخصب كيبرين و ملحوب و أرى ان قوله بعد محل يؤيد القول الثاني.

(3) جابة غليظة

(4) الحاج جمع حاجة

(5) السن الوصاف فاعل أتت يعني انها نفعت الرياض بسقيها إياها و ضرت أهل المنازل بتشمت منازلهم أو تهدمها فوصفت الألسن نفعها و ضرها. -المؤلف-

531

شهدت لها الأنواء أجمع انها # من مزنة لكريمة الأطراف

ما ينقضي منها النتاح النتاج ببلدة # حتى تسر له لقاح كشاف‏ (1)

كم أهدت الخضراء (2) في احمالها # للأرض من تحف و من ألطاف

فكانني بالروض قد اجلى لها # عن حلة من وشية أفواف

عن ثامر (3) ضاف و نبت قرارة # واف و نور (4) كالمراجل‏ (5) خاف‏ (6)

و كأنني بالظاعنين و طية (7) # يبكي لها الألاف للألاف

و كأنني بالشدقمية وسطه # خضر اللهى و الوظف و الاخفاف

ان الشتاء على شتامة وجهه # لهو المفيد طلاقة المصطاف‏

و قال في وصف المطر أيضا:

لم أر عيرا جمة الدئوب # تواصل التهجير بالتاويب

أبعد من أين و من لغوب # نجائبا و ليس من نجيب

منقادة لعارض غربيب # كالشيعة التفت على النقيب

آخذه بطاعة الجنوب # تكف غرب الزمن العصيب

محاءة للأزمة اللزوب # محو استلام الركن للذنوب

لما بدت للأرض من قريب # تشوفت لوبلها السكوب

تشوف المريض للطبيب # و طرب المحب للحبيب

و فرحة الأديب بالأديب # و خيمت صادقة الشؤبوب

فقام فيها الرعد كالخطيب # و حنت الريح حنين النيب

و الشمس ذات شارق (حاجب) محجوب # قد غربت ما غروب

و الأرض من ردائها القشيب # في زهر (زاهر) من نبتها رطيب

بعد اشهباب الثلج و الضريب # كالكهل بعد السن و التحنيب (و التجريب)

تبدل الشباب بالمشيب # لذيذة الريق و الصبيب

كأنها تهمي على القلوب‏

و قال في وصف المطر أيضا:

سارية و سمحة القياد # مسودة مبيضة الايادي

سهارة نوامة بالوادي # كثيرة التعريس بالوهاد

نزالة عند رضا العباد # قد جعلت للمحل بالمرصاد

سيقت ببرق ضارم الزناد # كأنه ضمائر الأغماد

ثم برعد صخب الارعاد # يسلقها بالسن حداد

لما سرت في حاجة البلاد # و لحق الاعجاز بالهوادي

و اختلط السواد بالسواد # اظفرت الثرى بمن تعادي

فرويت هاماته الصوادي # كم حملت لمقتر من زاد

هدية من صمد جواد # ليس بمولود و لا ولاد

و قال في وصف الغمامة:

سارية لم تكتحل بغمض # كدراء ذات هطلان محض

531 تمضي و تبقي نعما لا تمضي # قضت بها السماء حق الأرض‏

وصف الروض و المطر

قال من قصيدة:

و معرس للغيث يخفق فوقه # رايات كل دجنة و طفاء

نشرت حدائقه فصرن مألفا # بطرائف الأنواء و الأنداء

فسقاه مسك الطل كافور الندى # و انحل فيه خيط كل سماء

غني الربيع بروضة فكأنما # اهدى اليه الوشي من صنعاء

صبحته بمدامة صبحتها # بسلافة الخلطاء و الندماء

و قال من قصيدة في وصف الروض:

و في روضة نبتية صبغت لنا # جداولها أنوارها صبغة الدهن‏

أراد أن الماء لشدة صفائه تنعكس صور الازهار فيه فكأنه شي‏ء قد نقش بعدة نقوش مختلفة الألوان بصبغة الدهن التي هي أثبت الأصباغ.

وصف الربيع‏

بوركت من وقت و من أوان # فالأرض نشوى من ثرى نشوان

تختال في مفوف الألوان # في زهر كالحدق الرواني

من فأقع و ناصع و قان # عجبت من ذي فكرة يقظان

رأى جفون زهر الألوان # فشك ان كل شي‏ء فان‏

و قال في وصف زمن الربيع:

يا صاحبي تقصيا نظريكما # تريا وجوه الأرض كيف تصور

تريا نهارا مشمسا قد شابه # زهر الربى فكأنما هو مقمر

دنيا معاش للورى حتى إذا # حل الربيع فإنما هي منظر

أضحت تصوغ بطونها لظهورها # نورا تكاد له القلوب تنور

من كل زاهرة ترقرق بالندى # فكأنها عين إليك تحدر

تبدو يحجبها الجميم‏ (8) كأنها # عذراء تبدو تارة و تخفر

حتى غدت و هداتها و نجادها # فئتين في حلل الربيع تبختر

من فأقع غض النبات كأنه # درر تشقق قبل ثم تزعفر

أو ساطع في حمرة فكأنما # يدنو اليه من الهواء معصفر

صبغ الذي لو لا بدائع لطفه # ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر

وصف المصيف و الشتاء و الصحو و المطر

نزلت مقدمة المصيف حميدة # و يد الشتاء جديدة لا تكفر

لو لا الذي غرس الشتاء بكفه # قاسى المصيف عشائما (9) لا تثمر

كم ليلة آسى البلاد بنفسه # فيها و يوم وبله مثعنجر

مطر يذوب الصحو منه و بعده # صحو يكاد من الغضارة يقطر

غيثان فالانواء غيث ظاهر # لك وجهه و الصحو غيث مضمر

و ندى إذا دهنت به لمم الثرى # خلت السحاب أتاه و هو معذر

ما كانت الأيام تسلب بهجة # لو أن حسن الروض كان يعمر

أ و لا ترى الأشياء ان هي غيرت # سمجت و حسن الأرض حين تغير

وصف الموت‏

و فاجع موت لا عدوا يخافه # فيبقى و لا يلقى صديقا يجامله‏

____________

(1) الكشاف ككتاب ان تلقح الناقة حين تنتج .

(2) الخضراء السماء .

(3) اثامر الذي خرج ثمره .

(4) النور بفتح النون الزهر .

(5) المراجل جمع مرجل كمنبر و هو القدر شبهه به في هياة تدوره.

(6) لم يظهر بعد من الأكمام.

(7) الطيبة الطية الحاجة .

(8) الجميم ما تكاثف من النبات

(9) يابسة. -المؤلف-

532
وصف مصلوب‏

قال في وصف صلب بابك الخرمي من أبيات مرت في أخباره مع المعتصم :

لا كعب أسفل موضعا من كعبه # مع انه عن كل كعب عالي

سام كان العز يجذب ضبعه # و سموه من ذلك و سفال

متفرغ أبدا و ليس بفارغ # من لا سبيل له إلى الأشغال‏

و قال في وصف صلب بابك و الافشين و حرقه و مازيار و باطس من قصيدة مرت في أخباره مع المعتصم أيضا فقال في الأفشين :

نارا يساور جسمه من حرها # لهب كما عصفرت نصف (شق) إزار

شبه تأثير النار في بعض جسم الافشين و هو مصلوب بثوب صبغ نصفه بالعصفر.

رمقوا اعالي جذعه فكأنما # وجدوا الهلال عشية الإفطار

و لقد شفى الأحشاء من برحائها # ان صار بابك جار مازيار

و كأنما ابتدرا لكيما يطويا # عن باطس خبرا من الاخبار

سود اللباس كأنما نسجت لهم # أيدي السموم مدارعا من قار

بكروا اواسر و أسروا لفي متون ضوامر # قيدت لهم من مربط النجار

لا يبرحون و من رآهم خالهم # أبدا على سفر من الاسفار

الوصف بالقلة

قال من أبيات:

و هي نزر لو أنها من دموع الصب # لم تشف منه حر الغليل

و كان الأنامل اعتصرتها # بعد كد من ماء وجه البخيل‏

و قال:

نزر كما استكرهت عائر نفحة # من فارة المسك التي لم تفتق‏

تطاير النبل‏

و إذا القسي العوج طارت نبلها # سوم الجراد يشيح حين يطار

و قال يصف فرسا حمله عليه الحسن بن وهب من قصيدة تقدم بعضها في أخباره معه:

تغرى العيون به فيغرى شاعر # في نعته وصفا و ليس بمفلق

بمصعد من نعته و مصوب # و مجمع من حسنه و مفرق

صلتان يبسط ان عدا أو إن ردى # في الأرض باعا منه ليس بضيق

مسود شطر مثل ما اسود الدجى # مبيض شطر كابياض المهرق

قد سالت الأوضاح سيل قرارة # فيه فمفترق عليه و ملتقي

532 صافي الأديم كأنما ألبسته # من سندس بردا و من إستبرق

امليسه املوده لو علقت # في صهوتيه العين لم تتعلق

في مطلب أو مهرب أو رغبة # أو رهبة أو موكب أو فيلق

امطاكه الحسن بن وهب انه # داني ثرى اليد من رجاء المملق‏

وصف كتاب‏

قال يصف كتابا كتبه اليه الحسن بن وهب من قصيدة:

لقد جلى كتابك كل بث # جو و أصاب شاكلة الرمي

فضضت ختامه فتبلجت لي # غرائبه عن الخبر الجلي

و كان أغض في عيني و أندى # على كبدي من الزهر الجني

و أحسن موقعا مني و عندي # من البشرى أتت بعد النعي

و ضمن صدره ما لم تضمن # صدور الغانيات من الحلي

فكائن فيه من معنى خطير # و كائن فيه من لفظ بهي

بيان لم ترثه ثرات دعوى # و لم تنبطه من حسي بكي‏

وصف القلم‏

في أمالي المرتضى أجمع العلماء أن هذه الأبيات أحسن و أفخم من جميع ما قيل في القلم.

لك القلم الأعلى الذي بشباته # تصاب من الأمر الكلي و المفاصل

لعاب الافاعي القاتلات لعابه # و أري الجنا اشتارته أيد عواسل

له ريقة طل و لكن وقعها # باثاره في الشرق و الغرب وابل

فصيح إذا استنطقته و هو راكب # و أعجم ان خاطبته و هو راجل

إذا ما امتطى الخمس اللطاف و أفرغت # عليه شعاب الفكر و هي حوافل

اطاعته أطراف القنا و تقوضت # لنجواه تقويض الخيام الجحافل

إذا استغزر الذهن الذكي و أقبلت # أعاليه في القرطاس و هي أسافل

و قد رفدته الخنصران و سددت # ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل

رأيت جليلا شانه و هو مرهف # ضنى و سمينا خطبه و هو ناحل‏

وصف النجوم و سواد الليل‏

قال من قصيدة:

كان نجوم الليل في اخرياته # عيون له نادى بتغميضها الفجر

كان سواد الليل ثم اخضراره # طيالسة سود لها كفف خضر

وصف خلعة

و قال في وصف خلعة كساه إياها محمد بن الهيثم بن شبابة :

قد كسانا من كسوة الصيف خرق # مكتس من مكارم و مساع

حلة سابرية و رداء # كسحى القيض أو رداء الشجاع‏ (1)

كالسراب الرقراق في النعت إلا # انه ليس مثله في الخداع

قصبيا تسترجف الريح متنيه # بامر من الرياح مطاع

رجفانا كأنه الدهر منه # كبد الضب أو حشى المرتاع

يطرد اليوم ذا الجهير # و لو شبه في حره بيوم الوداع‏

وصف الفرو و البرد

قال من قصيدة يمدح بها علي بن مر و يستهديه فروا:

و أيامنا خزر العيون عوابس # إذ لم يحصها (2) الحازم المتلبب

و لا بد من فرو إذا اجتابه‏ (3) امرؤ # غدا و هو سام في الصنابر (4) أغلب

تظل البلاد ترتمي بضريبها (5) # و تشمل‏ (6) من أقطارها و هو يجنب‏ (7)

____________

(1) السحى هو القشر الرقيق الذي تحت قشر البيض الأعلى اليابس و يسمى غرقى‏ء البيض و به تشبه الثياب الرقاق و أصل السحى القشر يقال سحى الأرض أي قشرها و منه سميت المسحاة التي يقشر بها الأرض (و القيض) القشرة العليا اليابسة على البيضة (و الشجاع) الحية و رداؤه قشره .

(2) في القاموس الاحتياص الحزم و التحفظ .

(3) لبسه.

(4) صنابر الشتاء شدة برده . -المؤلف-

(5) الضريب الثلج .

(6) تشمل تهب فيها ريح الشمال الباردة .

(7) يكون في حرارة ريح الجنوب.

533

إذا البدن المقرور (1) ألبسه غدا # له راشح من تحته يتصبب‏ (2)

إذا عد ذنبا ثقله منكب امرئ # يقول الحشى إحسانه حين يذنب

اثيث إذا استعتبت مصقعة به # تملأت علما أنها سوف تعتب

إذا ما أساءت بالثياب فقوله # لها كلما لاقته أهل و مرحب

إذا اليوم أمسى و هو عضبان لم يكن # طويل مبالاة به حين يغضب

فهل أنت مهديه بمثل شكيره‏ (3) # من الشكر يعلو مصعدا و يصوب

له زئبر (4) يحمي من الذم كلما # تجلببه في محفل متجلبب

فأنت العليم الطب أي وصية # بها كان أوصى في الثياب المهلب‏ (5)

و من تشبيهاته البديعة قوله و قد سمع مغنية تغني بالفارسية فاستحسن الصوت و لم يفهم المعنى.

فبت كأنني أعمى معنى # يحب الغانيات و ما يراها

تشبيهه الاثافي و النؤي‏

أثاف كالخدود لطمن حزنا # و نؤي مثلما انفصم السوار

و في أمالي المرتضى من مستحسن ما وصف به النؤي قول أبي تمام :

و النؤي أهمد شطره فكأنه # تحت الحوادث حاجب مقرون‏

وصف شعره‏

قال:

و ما هو إلا القول يسري فيغتدي # له غرر في أوجه و مواسم

يرى حكمة ما فيه و هو فكاهة # و يقضي (و يرضى) بما يقضي به و هو ظالم‏

و قال:

و جديدة المعنى إذا معنى التي # تشقى بها الأسماع كان لبيسا

كالنجم ان سافرت كان موازيا # و إذا حططت الرحل كان جليسا

و قال:

و سيارة في الأرض ليس بنازح # على وخدها حزن سحيق و لا سهب

تذر ذرور الشمس في كل بلدة # و تمسي جموحا ما يرد لها غرب

إذا أنشدت في القوم ظلت كأنها # مسرة كبر أو تداخلها عجب

مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها # من الشعر الا انه اللؤلؤ الرطب‏

و قال:

يا خاطبا مدحي اليه بجوده # و لقد خطبت قليلة الخطاب

خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى # و الليل أسود رقعة الجلباب

بكرا تورث في الحياة و تنثني # في السلم و هي كثيرة الاسلاب

و يزيدها مر الليالي جدة # و تقادم الأيام حسن شباب‏

و قال:

احفظ وسائل شعري فيك ما ذهبت # خواطف البرق الا دون ما ذهبا

يغدون مغتربات في البلاد فما # يزلن يؤنسن في الآفاق مغتربا

533 و قال:

فلنلقينك حيث كنت قصائد # فيها لأهل المكرمات مارب

فكأنما هي في السماع جنادل # و كأنما هي في القلوب كواكب

و غرائب تأتيك إلا انها # لصنيعك الحسن الجميل أقارب

نعم إذا رعيت بشكر لم تزل # نعما و ان لم ترع فهي مصائب‏

و قال:

من بزة المدح الذي مشهوره # متمكن في كل قلب قلب

نوار أهل المشرق الغض الذي # يجنونه ريحان أهل المغرب‏

و قال:

خذها مغربة في الأرض آنسة # بكل فهم غريب حين تغترب

من كل قافية فيها إذا اجتنيت # من كل ما يشتهيه المدنف الوصب

الجد و الهزل في توشيع لحمتها # و النبل و السخف و الأشجان و الطرب

لا يستقي من حفير الكتب رونقها # و لم تزل تستقي من بحرها الكتب

حسيبة في صميم المدح منصبها # إذ أكثر الشعر ملقى ما له حسب‏

و قال:

إليك اثرت من تحت التراقي # قوافي تستدر بلا عصاب

هي القرطات في الآذان تبقى # بقاء الوحي في الصم الصلاب

عراض الجاه تجزع كل واد # مكرمة و تفتح كل باب

مضمنة كلال الركب تغني # غناء الزاد عنهم و الركاب

إذا عارضتها في يوم فخر # مسحت خدود سابقة عراب‏

و قال:

خذها فما نالها بنقص # موت جرير و لا البعيث‏

و قال:

ان القوافي و المساعي لم تزل # مثل الجمان إذا أصاب فريدا

هي جوهر نثر فان ألفته # بالشعر صار قلائدا و عقودا

فان القصائد لم نكن خفراءها # لم ترض منها مشهدا مشهودا

من أجل ذلك كانت العرب الأولى # يدعون هذا سؤددا محدودا

و تند عندهم العلى الأعلى # جعلت لها مرر القصيد قيودا

و قال:

سل مخبرات الشعر عني هل بلت # في قدح نار المجد مثل زنادي

لم تبق حلبة منطق إلا و قد # سبقت سوابقها إليك جيادي

ابقين في أعناق جودك جوهرا # أبقى من الاطواق في الأجياد

و قال:

و لأشهرن عليك شنع أوابد # يحسبن أسيافا و هن قصائد

فيها لاعناق اللئام جوامع # تبقى و أعناق الكرام قلائد

و قال:

إليك بعثت أبكار المعاني # يليها سائق عجل و حاد

شداد الأسر سالمة النواحي # من الإقواء فيها و السناد

يذللها بذكرك قرن فكر # إذا حرنت فتسلس في القياد

منزهة عن السرق الموري # مكرمة عن المعنى المعاد

و قال:

خذها مهذبة القوافي ربها # لسوابغ النعماء غير كنود

حذاء تملأ كل أذن حكمة # و بلاغة و تدر كل وريد (6)

____________

(1) الذي أصابه القر و هو البرد .

(2) أراد به العرق.

(3) صوفه.

(4) الزئبر ما يظهر من درز الثوب .

(5) مر تفسيره. -المؤلف-

(6) الحذاء السريعة الخفيفة كناية عن اشتهارها و تناقل الرواة لها و في القاموس الحذاء القصيدة السائرة التي لا عيب فيها (و تدر كل وريد) أي نقتل الحساد بسماعهم لها أو تنتفخ أوداجهم حنقا و غيظا. -المؤلف-

534

كالطعنة النجلاء من يد ثائر # بأخيه أو كالضربة الأخدود

كالدر و المرجان ألف نظمه # بالشذر في جيد الفتاة الرود

كشقيقة البرد المنمنم وشيه # في أرض مهرة أو بلاد تزيد (1)

يعطى بها البشرى الكريم و يحتبى # بردائها في المحفل المشهود

بشرى الغني أبي البنات تتابعت # بشراؤه‏ (2) بالفارس المولود

كرقى الأساود و الأراقم طالما # نزعت حماة سخائم و حقود (3)

و قال:

نظمت له عقدا من المدح تنضب البحور # و ما داناه من حليها عقد

تسير منسير الريح مطرفاتها # و ما السير منها لا العنيق و لا الوخد

تروح و تغدو بل يراح و يغتدى # بها و هي حيرى لا تروح و لا تغدو

تقطع آفاق البلاد سوابقا # و ما ابتل منها لا عذار و لا خد

غرائب ما تنفك فيها لبانة # لمرتجز يحدو و مرتجل يشدو

إذا حضرت ساح الملوك تقيلت # عقائل حسن غير ملموسة ملد

اهين لها ما في البدور و أكرمت # لديهم قوافيها كما يكرم الوفد

و قال:

سأجهد حتى أبلغ الشعر شاوه # و ان كان لي طوعا و لست بجاهد

بسياحة تنساق من غير سائق # و تنقاد في الآفاق من غير قائد

جلامد تخطوها الليالي و ان بدت # لها موضحات في متون الجلامد

إذا شردت سلت سخيمة شانئ # وردت غروبا من قلوب شوارد

أفادت صديقا من عدو و صيرت # أقارب دنيا من رجال أباعد

مخيمة ما ان تزال ترى لها # إلى كل أفق وافدا غير وافد

و محلفة لما ترد أذن سامع # فتصدر إلا عن يمين و شاهد

و قال:

لا زلت من شكري في حلة # لابسها ذو سلب فاخر

يقول من تقرع أسماعه # كم ترك الأول للآخر

و قال:

نشر يسير به شعر يهذبه # فكر يجول مجال الروح في الجسد

ساعات شكر غذاهن البقاء به # فهن أطول أعمارا من الأبد

إذا دجاها أحاطت بي أحطت بها # قلبا متى أسر في مصباحه يقد

و قال:

و ما المال أحمى عنك من نصل مدحة # لها بين أبواب الملوك معسكر

نحل بقاع المجد حتى كأنها # على كل رأس من يد المدح مغفر

لها بين أبواب الملوك مزامر # من الذكر لم تنفخ و لا هي تزمر

إذا ازور عنها الوغد أصغى بسمعه # إليها امرؤ عنه المكارم تنشر

إليك بها عذراء زفت كأنها # عروس عليها حليها يتكسر

و قال:

تلك القوافي قد أتينك نزعا # تتجشم التهجير و التغليسا

من كل شاردة تغادر بعدها # حظ الرجال من القريض خسيسا

تلهو بعاجل حسنها و تعدها # علقا لأعجاز الزمان نفيسا

534 و جديدة المعنى إذا معنى التي # تشقى بها الأسماع كان لبيسا

من دوحة الكلم التي لم ينفكك # وفقا عليك رصينها محبوسا

كالنجم ان سافرت كان موازنا # و إذا حططت الرحل كان جليسا

و قال:

كل يوم نوع يقفيه نوع # و عروض يتلوه فيك عروض

و قواف قد ضج من طول ما استعمل # فيها المرفوع و المخفوض

المديح الجزيل و الشكر و الصدق # و مر العتاب و التحريض‏

و قال:

كما علم المستشعرون بأنهم # بطاء عن الشعر الذي أنا قارض

كاني دينار ينادي ألا فتى # يبارز إذ ناديت من ذا يقارض

فلا تنكروا ذل القوافي فقد رأى # محرمها اني له الدهر رائض‏

و قال:

كم معان وشيتها فيك بالمدح # فاضحت ضرائرا للرياض

بقواف هن البواقي على الدهر # و لكن أثمانهن مواض‏

و قد صدق أبو تمام في أن شعره بقي مع بقاء الدهر و اثمانه مضت و قال:

فكم شاعر قد رامني فقذعته # بشعري فولى و هو حزيان ضارع

كشفت قناع الشعر عن حر وجهه # فطيرته عن وكره و هو واقع

بغر يراها من يراها بسمعه # و يدنو إليها ذو الحجى و هو شاسع

يود ودادا أن أعضاء جسمه # إذا أنشدت شوقا إليها مسامع‏

و قوله فيمن خلع عليه خلعة:

فالبس بها مثلها لمثلك من فضفاض # ثوب القريض متسعه

صعب القوافي الا لغارسه # أبي نسج العروض ممتنعه‏

و قال:

فدونكها لو لا ليان نسيبها # لظلت صلاب الصخر منها تصدع

لها أخوات قبلها قد سمعتها # و ان لم ترغ بي مدتي فستسمع‏

و قال:

لقد لبست أمير المؤمنين بها # حليا نظاماه بيت سار أو مثل

غريبة تؤنس الآداب وحشتها # فما تحل على قوم فترتحل‏

و قال:

و و الله لا أنفك أهدي شواردا # إليك يحملن الثناء المنخلا

تخال به بردا عليك محبرا # و تحسبها عقدا عليك مفصلا

ألذ من السلوى و أطيب نفحة # من المسك مفتوتا و أيسر محملا

أخف على روح و أثقل قيمة # و أقصر في جمع الجليس و أطولا

و يزهى بها قوم و لم يمدحوا بها # إذا مثل الراوي بها أو تمثلا

و قال:

فأين قصائد لي فيك تأبى # و تانف أن أهان و ان أذالا

من السحر الحلال لمجتنيه # و لم أرقب لها سحرا حلالا

و قال:

منحكتها تشفي الجوى و هو لاعج # و تبعث أشجان الفتى و هو ذاهل‏

____________

(1) شقيقة البرادي القطعة المشقوقة منه (و مهرة ) قبيلة باليمن (و تزيد ) أيضا قبيلة باليمن من قضاعة و إليهم تنسب البرود التزيديات‏

(2) البشراء جمع بشير

(3) الحماة جمع حمة و هي ما يلدغ به العقرب (و السخائم) الضغائن -المؤلف-.

535

ترد قوافيها إذا هي أرسلت # هوامل مجد القوم و هي هوامل

فكيف إذا حليتها بحليها # تكون و هذا حسنها و هي عاطل‏

و قال:

ان القصائد يممتك شواردا # فتحرمت بنداك قبل تحرم

زهراء أحلى في النفوس من المنى # و ألذ من ريق الاحبة في الفم‏

و قال:

من كل بيت يكاد الميت يفهمه # حسنا و يحسده القرطاس و القلم

ما لي و ما لك شبه حين أنشده # الا زهير و قد أصغى له هرم

بكل سالكة للفكر مالكة # كأنه مستهام أو به لمم‏

و قال:

جاءتك من نظم اللسان قلادة # سمطان فيها اللؤلؤ المكنون

حذيت حذاء الحضرمية أرهفت # و أجابها التخصير و التلسين

انسية وحشية كثرت بها # حركات أهل الأرض و هي سكون

ينبوعها خضل و حلي قريضها # حلي الهدى و نسيجها موضون

أما المعاني فهي أبكار إذا # نصت و لكن القوافي عون

أحذاكها صنع الضمير يمده # جفر إذا نصب الكلام معين

و يسي‏ء بالإحسان ظنا لا كمن # هو بابنه و بشعره مفتون‏

و قال:

جنى لي فيك من ثمرات مدحي # لسان الشكر أبياتا جنيه

و قد أهديتها لك و هي عندي # على الأيام من أزكى هديه‏

و قال:

أنا من كساك محبة لا حلة # حبر القصائد فوفت تفويفا

متنخل حلاك نظم بدائع # صارت لآذان الملوك شنوفا

و قال في وصف القصائد:

ناعمات الأطراف لو أنها تلبس # أغنت عن الملاء الرقاق

و عذاب لو أنها طعمت زادت # على الشهد بسطة في المذاق

جدد كلما غدا يوم فخر # بعضهم في أخلاقه الأخلاق‏

و قال يصف نفسه بالشعر:

من شاعر وقف الكلام ببابه # و اكتن في كنفي ذراه المنطق

قد ثقفت منه الشام و سهلت # منه الحجاز و رققته المشرق‏

المواعظ و الآداب و الحكم‏

حكمت لأنفسها الليالي أنها # أبدا تفرقنا و لا تتفرق

عمري لقد نصح الزمان و انه # لمن العجائب ناصح لا يشفق

ان تلغ موعظة الليالي بعد ما # وضحت فكم من جوهر لا ينفق

ان العزاء و ان فتى حرم الغنى # رزق جزيل لامرئ لا يرزق

همم الفتى في الأرض أغصان المنى # غرست و ليست كل حين تورق‏

و قال:

ما غبن المغبون مثل عقله # من لك يوما بأخيك كله‏

و قال:

ان المنون إذا استمر مريرها # كانت لها جنن الأنام مقاتلا

ما ان ترى شيئا لشي‏ء محييا # حتى تلاقيه لآخر قاتلا

من ذاك أجهد أن أراه فلا أرى # حقا سوى الدنيا يسمى باطلا

و قال:

ينال الفتى من عيشه (دهره) و هو جاهل # و يكدي الفتى في دهره و هو عالم

535 و لو كانت الأقسام تجري على الحجى # هلكن إذا من جهلهن البهائم

فلم يجتمع شرق و غرب لقاصد # و لا المجد في كف امرئ و الدراهم

و لم أر كالمعروف تدعى حقوقه # مغارم في الأقوام و هي مغانم

و ليس ببان للعلى خلق امرئ # و ان جل الا و هو للمال هادم‏

و قال:

و من لم يسلم للنوائب أصبحت # خلائقه طرا عليه نوائبا

و قد يكهم السيف المسمى منية # و قد يرجع السهم المظفر خائبا

فافة ذا أن لا يصادف راميا # و آفة ذا أن لا يصادف ضاربا

و قال:

أ لا ترى كيف يبلينا الجديدان # و نحن نلعب في سر و إعلان

لا تركنن إلى الدنيا و زخرفها # فان أوطانها ليست باوطان

و أمهد لنفسك من قبل الممات و لا # يغررك كثرة أصحاب و اخوان‏

و لكنه تخلص من هذا الوعظ إلى هجو معدان بأقبح هجو صنا كتابنا عن ذكره. و قال:

حشم الصديق عيونهم بحاثة # لصديقه عن صدقه و نفاقه

فلينتظرن المرء من غلمانه # فهم دلائله على أخلاقه‏

و قال:

ما آب من آب لم يظفر بحاجته # و لم يغب طالب بالنجح لم يخب‏

و قال:

إذا جاريت في خلق دنيا # فأنت و من تجاريه سواء

رأيت الحر يجتنب المخازي # و يحميه عن الغدر الوفاء

و ما من شدة إلا سياتي # لها من بعد شدتها رخاء

لقد جربت هذا الدهر حتى # أفادتني التجارب و العناء

إذا ما رأس أهل البيت ولى # بدا لهم من الناس الجفا

يعيش المرء ما استحيا بخير # و يبقى العود ما بقي اللحاء

فلا و الله ما في العيش خير # و لا الدنيا إذا ذهب الحياء

إذا لم تخش عاقبة الليالي # و لم تستحي فاصنع ما تشاء

لئيم الفعل من قوم كرام # له من بينهم أبدا عواء

و قال كما في تاريخ ابن عساكر و لم أجده في الديوان .

ان الليالي لم تحسن إلى أحد # إلا أساءت اليه بعد إحسان

العيش حلو و لكن لا بقاء له # جميع ما الناس فيه ذاهب فان‏

و قال:

فقسا لتزدجروا و من يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم‏

و قال:

فلقبل أظهر صقل سيف اثره # فبدا و هذبت القلوب همومها

و الحادثات و ان أصابك بؤسها # فهو الذي أنباك كيف نعيمها

شروط الصديق‏

من لي بإنسان إذا أغضبته # و جهلت كان الحلم رد جوابه

و إذا طربت إلى المدام شربت من # أخلاقه و سكرت من آدابه

و تراه يصغي للحديث بقلبه # و بسمعه و لعله أدرى به‏

536
الصبر

ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى # ما فاته دون الذي قد عوضا

و قال:

اصبري أيتها النفس # فان الصبر أحجى

نهنهي الحزن فان الحزن # إن لم ينه جا

و البسي الياس من الناس # فان الياس ملجا

ربما خاب رجاء # و أتى ما ليس يرجى‏

و قال و مر قسم منها في الأمثال:

ما يحسم العقل و الدنيا تساس به # ما يحسم الصبر في الأحداث و النوب

الصبر كاس و بطن الكف عارية # و العقل عار إذا لم يكس بالنشب

ما أضيع العقل إن لم يرع ضيعته # وفر و أي رحى دارت بلا قطب‏

القناعة و ترك الحرص‏

لا تطلبن الرزق بعد شماسه # فترومه سبعا إذا ما غيضا (1)

و مر في الأمثال عدة أبيات في القناعة:

المودة

لا خير في قربى بغير مودة # و لرب منتفع بود أباعد

و إذا القرابة أقبلت بمودة # فاشدد لها كف القبول بساعد

الغيرة على العلم‏

أورد له ابن عساكر في تاريخ دمشق قوله:

و ما أنا بالغيران من دون عرسه # إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم

طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة # و مذهب همي و المفرج للغم‏

الملح و النوادر

أنا ثاو بحمص في كل ضرب # من ضروب الإكبار و الافخام

كل فدم أخاف حين أراه # مقبلا ان يشجني بالسلام

رافعا كفه لبري فما أحسبه # جاءني لغير اللطام‏

و قال يهجو رجلا عظيم اللحية:

خلق الله لحية لك لو تحلق # لم يدر ما غلاء المسوح‏

الاستشهاد ببيت من شعر غيره‏

قال في ختام قصيدة في مدح المعتصم :

لقد لبست أمير المؤمنين بها # حليا نظاماه بيت سار أو مثل

(غريبة تؤنس الآداب وحشتها # فما تحل على قوم فترتحل)

و قال في ختام قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب :

ما انس لا انس قولا قاله رجل # غضضت في عقبه طرفي و أجفاني

(نل الثريا أو الشعرى فليس فتى # لم يغن خمسين إنسانا بإنسان)

و قال في ختام قصيدة يعزي بها عبد الله بن طاهر عن ولديه:

شمخت خلالك أن يؤسيك امرؤ # أو أن تذكر ناسيا أو غافلا

ألا مواعظ قادها لك سمحة # أسجاح لبك سامعا أو قائلا

(هل تكلف الايدي بهز مهند # الا إذا كان الحسام الفاصلا)

536

بعض ما روي من طريقه‏

المفاضلة بين الكلام و الصمت‏

في أخبار أبي تمام للصولي : حدثنا احمد بن يزيد المهلبي : حدثنا أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو تمام حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس فقال سليمان كلا ان من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن و ليس كل من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن (اه) و رواه الخطيب في تاريخ بغداد أسنده عن احمد بن أبي طاهر عن أبي تمام مثله. و في أخبار أبي تمام بالاسناد المتقدم عن أبي تمام قال تذاكرنا (تذوكر) الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي و حسنه و الصمت و نبله فقال ليس النجم كالقمر انك انما تمدح السكوت بالكلام و لن تمدح الكلام بالسكوت و ما نبا (أنبا) عن شي‏ء فهو أكبر منه (اه) و حكاه الخطيب في تاريخ بغداد عن حبيب مثله و في أخبار أبي تمام بالاسناد المتقدم عن أبي تمام عن أبي عبد الرحمن الأموي قال تكلم رجل عند هشام فأحسن فقال هشام ان أحسن الحديث ما أحدث بالقلوب عهدا و بهذا الاسناد عن حبيب بن أوس عن عمرو بن هاشم السروي قال تحدثنا عند محمد بن عمرو الأوزاعي -و الأوزاع من حمير - و معنا اعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم فقلنا له بحق ما سميتم خرس العرب . أ لا تحدث القوم فقال: ان الحظ للمرء في أذنه و ان الحظ في لسانه لغيره فقال الأوزاعي و أبيه لقد أحسن.

و بهذا الاسناد عن أبي تمام قال رجل لرجل ما أحسن حديثك فقال له انما حسنه حسن جوار سمعك.

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن يحيى بن إسماعيل الأموي حدثني إسماعيل بن عبد الله قال قال جدي الصمت منام العقل و النطق يقظته و لا منام إلا بيقظة و لا يقظة إلا بمنام.

خبر الطرماح

في أخبار أبي تمام للصولي حدثنا الحسن بن عليل العنزي حدثني أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عتاب حدثني أبو تمام الطائي قال مر الطرماح بمسجد البصرة و هو يخطر في مشيته فقال رجل من هذا الخطار فقال أنا الذي أقول:

لقد زادني حبا لنفسي أنني # بغيض إلى كل امرئ غير طائل

إذا ما رآني قطع الطرف دونه # و دوني فعل العارف المتجاهل

ملأت عليه الأرض حتى كأنها # من الضيق في عينيه كفة حابل‏

الكذب‏

في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني أحمد بن يزيد المهلبي : حدثني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الطائي : حدثنا العطاف بن هارون عن يحيى بن حمزة قاضي دمشق و كان فيمن تولى قتل الوليد بن يزيد قال اني لفي مجلس يزيد بن الوليد الناقص إذ حدثه رجل فكذبه فعلم يزيد انه قد كذبه فقال له يا هذا إنك تكذب نفسك قبل أن تكذب جليسك فما زلنا نعرف ذلك الرجل بعد ذلك بالتوقي.

____________

(1) غيض السبع ألف الغيضة -المؤلف-

537
نصرة الصدق قد تقضي إلى الكذب‏

و بهذا الاسناد إلى أبي تمام حدثني شيخ من الحي قال كان فينا رجل شريف فأتلف ماله في الجود فصار بعد لا يفي فقيل له أ صرت كذابا فقال نصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب قال الصولي فنقل هذا ابن أبي طاهر شعرا له فقال:

قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلى # أن أتلف الدهر ما جمعت من نشب

فان أكن صرت في وعدي أخا كذب # فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب‏

العي‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال وصف ابن لسان الحمرة -و هو ربيعة بن حصن من بني تيم اللات ابن ثعلبة -قوما بالعي فقال منهم من ينقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه و منهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه و منهم من يقتسر الآذان فيحملها إلى الأذهان عب‏ء ثقيلا.

الهذر

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن كرامة : تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح فهذر و لم يصب فقال يا هذا بكلام أمثالك رزق الصمت المحبة.

فضل الدرع‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن رجل من كلب قال كنت مع يزيد بن حاتم بإفريقية فاعترض دروعا و بالغ فيها و كانت جيادا فقيل له في ذلك فقال انما أشتري أعمارا لا دروعا.

العطاء كتائب لا مقانب‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام قال كان يزيد بن الحصين بن تميم السكوني لا يعطي فإذا أعطى أعطى كثيرا و يقول أحب ان تكون مواهبي كتائب كتائب و لا أحب ان تكون مقانب مقانب.

النعمة

و بهذا الاسناد عن أبي تمام قال حدثني كرامة قال قدم رجل من ولد معدان بن عبيد المعني من عند البرامكة فقلنا له كيف تركتهم فقال:

تركتهم و قد انست بهم النعمة حتى كأنها بعضهم قال أبو تمام قال كرامة فحدثت بهذا ثعلبة بن الضحاك العاملي فقال لقد سمعت من بعض اعرابكم نحوا من هذا قدم علينا غسان بن عبد الله بن خيبري في عنفوان خلافة هشام فرأى آل خالد القسري فقال إني ارى النعمة قد لصقت بهؤلاء القوم حتى كأنها من ثيابهم. قلت فان صاحب هذا الكلام ابن عم صاحب هذا الحديث فيما ارى أ ما ترى كلامه ابن عم كلامه.

زوال النعمة

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن سلامة بن جابر النهدي : سمعت أعرابيا يصف قوما لبسوا النعمة ثم عروا منها فقال ما كانت نعمة آل فلان الا طيفا ولى مع انتباههم. 537 انصاف العدو عدوه‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن سلامة بن جابر : سال هشام أسد بن عبد الله القسري عن نصر بن سيار و كان عدوه فقال ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه لا يضرب طبقة الا انتصف منها. لا ياتي امرا يعتذر منه. قسم أخلاقه بين أيام الفضل فجعل لكل خلق نوبة لا يدري اي أحواله أحسن ما هداه اليه عقله أو ما كسبه إياه أدبه فقال هشام لقد مدحته على سوء رأيك فيه فقال نعم لأني فيما يسالني أمير المؤمنين عنه كما قال الشاعر:

كفى ثمنا لما أسديت اني # صدقتك في الصديق و في عدايا

و اني حيث تندبني لأمر # يكون هواك أغلب من هوايا

قال ذلك الظن بك.

كثرة الشك من المحاماة عن اليقين‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن محمد بن خالد الشيباني : قال رجل يوما لدقبة بن مصقلة العبدي من أي شي‏ء كثرة شكك قال من محاماتي عن اليقين.

الاقدام‏

و بهذا الاسناد عن حبيب بن أوس الطائي عن قلابة الجرمي قال يزيد بن المهلب يوما لجلسائه أراكم تعنفوني في الاقدام قالوا نعم و الله انك لترمي بنفسك في المهالك فقال إليكم عني فو الله لو لم آت الموت مسترسلا لأتاني مستعجلا إني لست آتي الموت من حبه انما آتيه من بغضه و قد أحسن الحصين بن الحمام المري حيث يقول:

تأخرت استبقي الحياة فلم أجد # حياة لنفسي مثل ان أتقدما

السيوف مامورة

و بهذا الاسناد عن أبي تمام قال رجل من بني عمرو بن تميم يزعم الناس أن السيوف مامورة تقطع و تكهم و الله ما رأيت يزيد بن المهلب قط قنبا سيفه ثابت قطنة و الله لو لم تكن السيوف مامورة لصيرتها يد يزيد مامورة.

من رثى ولده‏

و بهذا الاسناد عن أبي تمام عن مالك بن دلهم عن الكلبي قال مات ابن لأرطاة بن سهية المري يقال له A50G عمرو و سهية أم أرطاة و أبوه زفر أحد بني مرة في A50G زمن معاوية فجزع عليه حتى ذهب عقله أو قارب فوقف على قبره فقال:

وقفت على قبر ابن سلمى فلم يكن # وقوفي عليه غير مبكى و مجزع

عن الدهر فاصفح انه غير معتب # و في غير من قد وارت الأرض فاطمع

هل أنت ابن سلمى ان نظرتك رائح # مع القوم أو غاد غداة غد معي‏

الحديث المسلسل بالشعراء

قال ابن عساكر في تاريخ دمشق :

أخبرنا أبو الحسين الموفدة أنبأنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم بن نصر النسفي أنبانا عبد الحي بن عبد الله بن موسى الجوهري الشاعر ببجارى أنبأنا أبي أبو الحسن الشاعر حدثنا أبو علي المفضل بن المفضل الشاعر أنبانا خالد بن يزيد الشاعر (1)

حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الشاعر حدثني صهيب بن أبي الصهبان (2)

الشاعر حدثني الفرزدق همام بن غالب الشاعر حدثني عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر حدثني أبي حسان بن ثابت الشاعر قال قال لي رسول الله ص بإحسان اهجهم و جبريل معك و قال لي ان من الشعر حكمة

____________

(1) مر في تلاميذه انه خالد بن شريد . -المؤلف-

(2) مر انه ابن أبي الصهباء . -المؤلف-

538

و قال لي إذا حارب أصحابي بالسلاح فحارب أنت بالكلام‏

(اه) قال و أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي تمام بالسند السابق (اه) (أقول) لم أجده في تاريخ بغداد للخطيب .

مراثيه‏

في مروج الذهب رثاه الشعراء بعد وفاته و الأدباء من إخوانه و في أخبار أبي تمام للصولي قال علي بن الجهم يرثيه:

غاضت بدائع فطنة الأوهام # وعدت عليها نكبة الأيام

و غدا القريض ضئيل شخص باكيا # يشكو رزيته إلى الأقلام

و تأوهت غرر القوافي بعده # و رمى الزمان صحيحها بسقام

اودى مثقفها و رائض صعبها # و غدير روضتها أبو تمام

و قال الحسن بن وهب يرثيه ببيتين رواهما الخطيب في تاريخ بغداد و قال ابن خلكان قيل انهما لديك الجن و في شذرات الذهب عن ابن الأهدل انهما لابي نهشل بن حميد الذي ولاه الموصل (اه) و فيه اشتباه من وجهين (أولا) انه لم يل الموصل و انما ولي بريدها (ثانيا) ان الذي ولاه بريدها الحسن بن وهب لا أبو نهشل .

فجع القريض بخاتم الشعراء # و غدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معا فتجاورا في حفرة # و كذاك كانا قبل في الأحياء

و رثاه أيضا الحسن بن وهب بقوله كما في أخبار أبي تمام للصولي :

سقى (سقت بالموصل القبر الغريبا # سحائب ينتحبن له نحيبا

إذا أظللنه اطلقن فيه # شعيب المزن منبعقا يتبعها) شعيبا

و لطمت البروق به خدودا # و شققت الرعود به جيوبا

فان تراب ذاك القبر يحوي # حبيبا كان يدعى لي حبيبا

ظريفا شاعرا فطنا لبيبا # أصيل الرأي في الجلي أريبا

إذا شاهدته رواك مما # يسرك رقة منه و طيبا

فقدنا منك علقا لا ترانا # نصيب له مدى الدنيا ضريبا

أبا تمام الطائي إنا # لقينا بعدك العجب العجيبا

و كنت أخا لنا تدني إلينا # صميم الود و النسب القريبا

و كانت مذحج تطوى علينا # جميعا ثم تنشرنا شعوبا

فلما بنت نكرت الليالي # قريب الدار و الأقصى الغريبا

و ابدى الدهر أقبح صفحتيه # و وجها كالحا جهما قطوبا

فاحر بان يطيب الموت فيه # و أحر بعيشه أن لا تطيبا

و رثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم و هو حينئذ وزير رواه الخطيب في تاريخ بغداد و الصولي في أخبار أبي تمام و قال ابن خلكان و قيل انهما لعبد الله بن الزبرقان الكاتب مولى بني امية :

نبا أتى أعظم الأنباء # لما ألم مقلقل الأحشاء

قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم # ناشدتكم لا تجعلوه الطائي

و قال محمد بن عبد الملك الزيات أيضا يرثيه كما في أخبار أبي تمام للصولي . 538

ألا لله ما جنت الخطوب # تخرم من أجبتنا حبيب

فمات الشعر من بعد ابن أوس # فلا أدب يحس و لا أديب

و كنت ضريب وحدك يا ابن أوس # و هذا الناس أخلاق ضروب

لئن قطعتك قاطعة المنايا # لمنك و فيك قطعت القلوب‏

و قال عبد الله بن أبي الشيص كما في اخبار أبي تمام للصولي .

أصبح في ضنك من الأرض # أكثر في الأرض من الأرض

من عرض ذكراه و من طولها # كالأرض ذات الطول و العرض

أكرم بملحود يدانى إلى # وجهك يا ابن الكرم المحض

ما من حبيب لابن أوس أسى # يجمع بين الجفن و الغمض

حار ذوو الآداب إذ فوجئوا # منه بيوم غير مبيض

انتقض الإبرام من عمر من # كان أبا الإبرام و النقض

طود من الشعر دعا بعضه # بعضا فهد البعض بالبعض

بحر من الشعر له جائش # ملتطم باللؤلؤ البض

كأنما الشعر شعار له # أو ورق في غصن غض

لما أتم الله فيك الذي # أملت من بسط و من قبض

رماك رام للمنايا و ما # آذن عند الرمي بالنبض

لو كان للشعر عيون بكت # لكوكب للشعر منقض‏

و قال ابن أبي الشيص أيضا كما في اخبار أبي تمام للصولي قال الصولي و وجدته بخط ابن مهرويه .

يا حفرة الطائي اي امرئ # اثويت منه في ثرى الرمس

شعاره أنت و لم تشعري # بأنه أشعر ذي نفس

كم بين اثنائك من حكمة # كانت شفاء النفس بالأمس‏

و قال الصولي في اخبار أبي تمام انشدني أبو الغوث (1) لأبيه يرثي أبا تمام و دعبلا و مات دعبل بعد أبي تمام و كان صديق البحتري .

قد زاد في كلفي (حزني) و أوقد لوعتي # مثوى حبيب يوم مات و دعبل

و بقاء ضرب الخثعمي و شبهه # من كل مضطرب القريحة مهمل

أهل المعاني المستحيلة إن هم # طلبوا البداعة و الكلام المعضل‏ (2)

أخوي لا تزل السماء مخيلة # تغشا كما بحيا مقيم مسبل‏ (3)

جدث على (لدى) الأهواز يبعد دونه # مسرى النعي و رمة بالموصل

و روى الصولي في اخبار أبي تمام لأحمد بن يحيى البلاذري يرثي أبا تمام و يهجو أبا مسلم بن حميد الطوسي .

أمسى حبيب رهن قبر موحش # لم تدفع الأقدار عنه بأيد

لم ينجه لما تناهى عمره # أدب و لم يسلم بقوة كيد

قد كنت أرجو ان تنالك رحمة # لكن أخاف قرابة ابن حميد

و حكى ابن خلكان في تاريخه انه سئل شرف الدين محمد بن عنين عن معنى قوله:

سقى الله دوح الغوطتين و لا ارتوى # من الموصل الحدباء الا قبورها

لم حرمها و خص قبورها فقال لأجل أبي تمام . هذا ما تيسر لنا جمعه من سيرة أبي تمام بعد ما بذلنا جهودا كثيرة و أوقاتا طويلة و ثمينة و أعملنا الفكر و اجهدنا النفس و أسهرنا الطرف في البحث و التنقيب و التمحيص و تصفحنا الكتب الكثيرة و الاسفار المتنوعة في

____________

(1) أبو الغوث هو يحيى بن أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري و لا توجد هذه الأبيات في ديوان البحتري .

(2)

طلبوا البراعة بالكلام المقفل‏

خ. -المؤلف-

(3)

تغشا كما بحيا السحاب المسبل‏

خ.

539

جمع هذه الترجمة و ترتيبها و تنميقها و تنسيقها بما لا تجده في كتاب غير هذا الكتاب و حوت من الفوائد المتنوعة ما لم يسبق اليه سابق. و لئن كنا لم نحط بسيرته كلها فلم يفتنا جلها و أحطنا منها بما في وسعنا. و استقرأنا ديوانه بحسب الإمكان و ربما يكون قد فاتنا بعض ما يجب ان نبحث عنه من كنوز ديوانه فإنه كنز لغة و أدب و غريب و تاريخ و بيان و فوائد و نوادر و غيرها يعسر الاحاطة و التنقيب عن كل ما يحويه من ذلك لا سيما ان نسخته المطبوعة غير ممحصة و لم يتيسر لنا الوقوف على الكتب المؤلفة في شرحه سوى بعض نتف منقولة عنها و لكن المرء لا يكلف الا بما تسعه طاقته و من بذل جهده فقد اعذر.

<و بها تم الجزء التاسع عشر من كتاب أعيان الشيعة و كان الفراغ من جمعها عصر A0G يوم الثلاثاء 21 شهر ربيع الأول سنة 1361 هجرية على يد مؤلفه العبد الفقير إلى عفو ربه الغني محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الحسيني العاملي الشهير بالأمين نزيل دمشق الشام صينت عن طوارق الأيام و الحمد لله أولا و آخرا و صلى الله على رسوله محمد و آله الطاهرين و سلم تسليما. > <بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين و سلم تسليما.

و بعد فيقول العبد الفقير إلى عفو ربه الغني محسن ابن المرحوم السيد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي الشقرائي نزيل دمشق الشام عامله الله بفضله و لطفه و عفوه: هذا هو الجزء العشرون من كتابنا أعيان الشيعة في بقية من اسمه حبيب و ما بعده وفق الله تعالى لإكماله، و منه نستمد المعونة و الهداية و التوفيق و التسديد، و هو حسبنا و نعم الوكيل. > {- 8258 -}

حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي.

في أسد الغابة : أورده أبو العباس بن عقدة و غيره من الصحابة روى حديثه‏

زر بن حبيش قال : خرج علي من القصر فاستقبله ركبان متقلدو السيوف فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا مولانا و رحمة الله و بركاته. فقال علي : من هاهنا من أصحاب النبي ص ؟فقام اثنا عشر منهم قيس بن ثابت بن شماس و هاشم بن عتبة و حبيب بن بديل بن ورقاء فشهدوا انهم سمعوا النبي ص يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه أخرجه أبو موسى

اه. و في الاصابة حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي له و لأبيه و لأخيه عبد الله صحبة، ذكره ابن شاهين في الصحابة ، و روى حديثه‏

ابن عقدة في كتاب الموالاة بإسناد ضعيف من رواية أبي مريم عن زر بن حبيش قال : قال علي من هاهنا من أصحاب رسول الله ص ؟ فقام اثنا عشر رجلا منهم قيس بن ثابت و حبيب بن بديل بن ورقاء فشهدوا انهم سمعوا رسول الله ص يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه‏

اه . و أخوه عبد الله بن بديل قتل مع علي ع ، و هم أهل بيت تشيع ، و خزاعة كانت حليفة بني هاشم في الجاهلية و عيبة رسول الله ص في الإسلام .

{- 8259 -}

حبيب بن بشار الكندي مولاهم الكوفي

قال الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر ع : حبيب بن بشار 539 الكندي. و قال في أصحاب الصادق ع : حبيب بن بشار مولى كندة تابعي كوفي إسكاف اه. هكذا في بعض النسخ و في بعضها:

حبيب بن يسار ، و هو الصواب و ياتي.

{- 8260 -}

حبيب بن بشر بالشين المعجمة أو بسر المهملة أو بسرة

على اختلاف النسخ.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق ع ، و نقل بعض أهل العصر عن المنهج أنه قال: و في الكافي بشر و كأنه الصحيح (اه) . و لم أجد ذلك في المنهج ، و في لسان الميزان : حبيب بن بشر ذكره الطوسي في رجال الشيعة . و قال أبو عمرو الكشي كان مستقيما من الرواة عن جعفر الصادق رحمه الله تعالى (اه) . و ليس له ذكر في رجال الكشي .

عن جامع الرواة انه نقل رواية الحسين بن أبي العلاء عنه عن أبي عبد الله ع في باب التقية من الكافي اه.

{- 8261 -}

الشيخ حبيب البغدادي الكاظمي

ياتي بعنوان: حبيب بن طالب بن علي .

{- 8262 -}

حبيب بن جري العبسي الكوفي.

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر ع و قال: مشكوك فيه، و ذكره في أصحاب الصادق ع و قال: فيه نظر. و في الخلاصة حبيب بن جري بضم الجيم العبسي الكوفي قال الشيخ فيه نظر و هو من أصحاب الباقر و الصادق ع . و قال في موضع آخر: انه مشكوك فيه اه. و وجه الشك و النظر الذي في كلام الشيخ يتحمل وجوها (أحدها) ان يكون راجعا إلى اتحاده مع حبيب العبسي والد عائذ بن حبيب المذكور في كلام الشيخ قبل هذا من أصحاب الصادق و الباقر ع ، و هذا الوجه نفى الميرزا عنه البعد في منهج المقال فقال:

اعلم ان في رجالهما-اي الباقر و الصادق ع -قبل هذا الرجل حبيب العبسي الكوفي والد عائذ بن حبيب و لا يبعد ان يكون النظر و الشك من حيث الاتحاد اه. (الثاني) ان يكون راجعا إلى وثاقته، و لعله يلوح من كلام الخلاصة السابق فإنه قال: و هو من أصحابهما، بعد ما حكى النظر عن الشيخ و يلوح منه ان كونه من أصحابهما عند الشيخ محقق (ثالثا) ان يكون راجعا إلى كونه إماميا ذكره بعض المعاصرين و استشهد له بذكر العلامة له في القسم الثاني. و فيه ان الشيخ لم يلتزم في كتاب رجاله بذكر الامامية خاصة كما هو معلوم، و انما التزم ذلك في فهرسته ، و يكفي لذكره في القسم الثاني كونه مجهولا و ان كان إماميا. و الظاهر ان الشك و النظر راجعان إلى ما قاله في المنهج و الله اعلم. و في لسان الميزان : حبيب بن جزي العبسي الكوفي ذكره الطوسي في رجال الشيعة ، و قال: روى عن الصادق ، و يقال انه أدرك الباقر رحمه الله تعالى اه. و رسم في لسان الميزان جزي بالزاي و فيما تقدم بالراء.

{- 8263 -}

حبيب الجماعي.

في التعليقة : في نسختي من عبارة المفيد في رسالته في الرد على الصدوق ان من الفقهاء و الرؤساء الأعلام حبيب الجماعي قال: و يحتمل ان يكون الجماعي مصحف الخثعمي و الله يعلم اه. و في منتهى المقال : ـ

540

في نسخة عندي من رسالة المفيد أيضا حبيب الجماعي اه. و ياتي في حبيب الخزاعي ما له ربط بالمقام.

{- 8264 -}

حبيب مصغرا بن حبيب

أخو حمزة الزيات .

في ميزان الذهبي : روى عن أبي إسحاق و غيره وهاه أبو زرعة و تركه ابن المبارك اه. و في لسان الميزان : و قال ابن معين لا أعرفه، و قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثقة، و قال ابن عدي حدث بأحاديث عن الثقات لا يرويها غيره اه. و أخوه حمزة بن حبيب الزيات من القراء و من أصحاب الصادق ع . و من ذلك قد يظن تشيع المترجم، و يؤيده قدح القوم فيه، فإنهم كثيرا ما قدحوا لأجل التشيع .

{- 8265 -}

حبيب بن حسان بن أبي الأشرس الاسدي

مولاهم.

ذكره الشيخ في رجاله بهذا العنوان في أصحاب علي بن الحسين ع و قال: روى عنه و عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع و قال في أصحاب الباقر ع حبيب بن حسان بن أبي الأشرس الأسدي كوفي مولى بني أسد اه. و في ميزان الاعتدال : حبيب بن أبي الأشرس هو حبيب بن أبي هلال له عن سعيد بن جبير و غيره قال أحمد و النسائي متروك عنه مروان بن معاوية و إسماعيل بن جعفر و قال ابن حبان منكر جدا، و كان قد عشق نصرانية فقيل انه تنصر و تزوج بها، فاما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح و قال ابن المثنى ما سمعت يحيى و لا عبد الرحمن حدثنا حدثا عن سفيان عن حبيب بن حسان بن أبي الأشرس شيئا قط و روى عباس عن ابن معين حبيب بن حسان ليس بثقة كانت له جاريتان نصرانيتان فكان يذهب معهما إلى البيعة (اه) .

و ذكره أيضا بعنوان حبيب بن حسان الكوفي و قال هو جد صالح بن محمد الحافظ ضعفوه اه. و في لسان الميزان و روى أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي الأشرس عن أبي عبيدة قال قال عبد الله إذا رأيتم أحدكم قد أصاب حدا فلا تلعنوه و لا تعينوا عليه الشيطان، لكن قولوا اللهم اغفر له اللهم ارحمه. و قال أبو داود ليس حديثه بشي‏ء، روى عنه سفيان و لا يصرح به. قال أبو بكر بن عياش : لو عرف الناس حبيب بن حسان لضربوا على بابه الختم. و قال الساجي : قال عمرو بن علي سمعت عبد الله بن سلمة الأفطس يقول تزوج ابن أبي الأشرس جارية نصرانية و كان يعشقها فتنصر. يقول تزوج ابن أبي الاشرس جارية و قال عمرو بن علي : فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد القطان فقال أفرط الأفطس ، قال الساجي و أحسب ان القول قول يحيى . و رأيت هذه الحكاية في تاريخ عمرو بن علي و لم يقل أفرط الأفطس و إنما قال كان يقال قال و لم يزد على ذلك. و قال النسائي أيضا ليس بثقة. و قال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث. و أورد له ابن عدي أحاديث و قال له غير ما ذكرت و قد سبرت رواياته فلم أر بها بأسا و أما رداءة دينه فهم اعلم به. و ذكره الطوسي في رجال الشيعة و قال: روى عن الحسين بن علي و ابنه زين العابدين علي بن الحسين و عن أبي جعفر الباقر و عن الصادق كذا قال اه. و علم له في منهج المقال نقلا عن رجال الشيخ علامة (ين) و هي علامة أصحاب الحسين ، و لم يعلم له علامة أصحاب علي بن الحسين التي هي (سين) فاحتملنا ان يكون الصواب كونه من أصحاب علي بن الحسين ، و انه أبدل احدى العلامتين بالأخرى و لا يبعد ان يكون الصواب ما نقله ابن حجر ، و ان تكون علامة علي بن الحسين تركت سهوا من النساخ و الله أعلم. و أما 540 هؤلاء الذين عابوه بأنه تزوج نصرانية كان يعشقها و أنه كان يذهب معها إلى البيعة، و أفرط بعضهم فرماه بأنه تنصر، فظاهر انهم لم يصيبوا في ذلك، فإنه ان صح فتزوجه بالنصرانية لم يعلم انه على اي وجه كان هل هو بعقد منقطع أو عقد دائم و الأول جائز باتفاق منا، و الثاني فيه قول للعلماء غير بعيد عن الصواب، و لعلها أسلمت فتزوجها. و أما ذهابه معها إلى البيعة فلا يعلم لأي شي‏ء كان حتى يعاب به. و أما تنصره فافراط من قائله و بهتان كما أشار اليه يحيى القطان و وافقه الساجي ، و ما كان ليصحب أئمة أهل البيت ع و قد ارتد عن دين الإسلام .

{- 8266 -}

حبيب بن حسان بن أبي المخارق

في لسان الميزان هو حبيب بن أبي الأشرس .

{- 8267 -}

حبيب بن الحسن.

روى الكليني عنه عن محمد بن الوليد و عنه عن محمد بن عبد الجبار في باب حد النباش من الكافي ، و كذا، باب حد السرقة من التهذيب .

{- 8268 -}

حبيب الخثعمي.

قال الشيخ في الفهرست له أصل رويناه عن عدة من أصحابنا عن أبي المفضل عن ابن بطة عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عنه اه. و لا يبعد أن يكون هذا هو حبيب بن المعلل الخثعمي الآتي بدليل رواية ابن أبي عمير عنهما. و في منهج المقال : و الظاهر ان هذا هو ابن المعلل الخثعمي و ياتي، أما كونه الأحول فمحتمل اه.

{- 8269 -}

حبيب الخزاعي.

عنه يونس بن عبد الرحمن في التهذيب في باب علامة أول شهر رمضان. و في الاستبصار في باب حكم الهلال إذا رئي قبل الزوال و في بعض النسخ الجماعي (كذا في مستدركات الوسائل ) .

{- 8270 -}

حبيب بن خلاد الأنصاري

هو حبيب بن زيد الآتي.

{- 8271 -}

حبيب بن زيد الأنصاري الندبي أو المدني.

نسبه‏

في أنساب السمعاني : الندبي بفتح النون و الدال المهملة و في آخرها ألباء الموحدة، هذه النسبة إلى ندب و هو حي من الأزد اه. و قد اختلفت نسخ كتب‏الرجال‏في هذا الوصف في ترجمة هذا الرجل، ففي لسان الميزان الندبي ، و عن بعض نسخ رجال الشيخ الندبي البدري و هو تصحيف الندبي قطعا، و عن بعضها المدني ، و كذلك في منتهى المقال و الوسيط نقلا عن رجال الشيخ و لكنه قد صحف المدني في منهج المقال المطبوع بالذي. و في مستدركات الوسائل المسندي. و في تهذيب التهذيب المدني . و يوشك ان يكون ذلك تصحيف الندبي اما من المؤلفين أو من النساخ، و يوشك ان يكون الشيخ في رجاله ذكره الندبي كما يرشد اليه وجود الندي في بعض النسخ الذي هو تصحيف الندبي قطعا. ثم صحفه الناقلون عن كتب الشيخ بالمدني لأن الندبي غير معروف فظنوه المدني و الله أعلم.

541

أقوال العلماء فيه‏

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق ع فقال حبيب بن زيد الأنصاري المدني البدري دخل الكوفة عداده في الكوفيين ثم ذكر أيضا في أصحاب الصادق ع حبيب بن زيد الأنصاري . و عن تقريب ابن حجر : حبيب بن زيد بن خلاد الأنصاري المدني و قد ينسب إلى جده.

من السابعة و في تهذيب الكمال قال أبو حاتم صالح و قال النسائي ثقة روى له الأربعة اه. و في لسان الميزان حبيب بن زيد الأنصاري الندبي ذكره الطوسي في رجال الشيعة و قال عن جعفر الصادق رحمة الله تعالى اه. و في تهذيب التهذيب : حبيب بن زيد بن خلاد الأنصاري المدني روى عن عباد بن تميم و أنيسة بنت زيد بن أرقم و ليلى مولاة جدته أم عمارة . روى عنه شعبة و ابن إسحاق و نسبه إلى جده خلاد و شريك . قال أبو حاتم صالح، و قال النسائي ثقة. قلت: و قال عثمان الدارمي عن ابن معين ثقة. و قال ذكره ابن حبان في الثقات . و وقع في معاني الآثار للطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرنسي ان عبد الله بن زيد بن عاصم هو جد حبيب بن زيد هذا، فلعله جده لأمه اه.

{- 8272 -}

حبيب السجستاني.

روى الكشي في رجاله عن محمد بن مسعود ان حبيب السجستاني كان أولا شاريا-أي خارجيا -ثم دخل في هذا المذهب، و كان من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله ع منقطعا إليهما اه. و ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب علي بن الحسين ع ، و قال في أصحاب الباقر ع : حبيب السجستاني روى عنه و عن أبي عبد الله ع ، و ذكره في أصحاب الصادق و قال روى عنهما اي الباقر و الصادق ع . و عن كتاب طب الأئمة ع عن محمد بن إبراهيم السراج عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني و كان أقدم من حريز السجستاني الا ان حريزا كان أسبغ علما من حبيب هذا، قال: شكوت إلى الباقر ع (الخبر) اه. و لا يبعد اتحاده مع حبيب بن المعلى السجستاني الآتي و هو الذي استظهره صاحب النقد . و في التعليقة حبيب السجستاني . حكم خالي-اي المجلسي الثاني محمد باقر -بكونه ممدوحا، و كذا في البلغة ، و لعله لحكاية الانقطاع إليهما ع و لا يخلو من تأمل، و خالي حكم بكونه ثقة أيضا، و لعله لاتحاده عنده مع ابن المعلل الآتي لما سيجي‏ء عنهما ان في بعض النسخ ابن المعلى ، و هذا أيضا لا يخلو من تأمل، لكن الجماعة وصفوا حديثه بالصحة في كتاب الديات ، و اتفاقهم عليه بارادة الصحة اليه بعيد اه. و في رجال أبو علي الظاهر وقوع اشتباه في نسخته من الوجيزة ، و الذي رأيته ابن المعلى السجستاني و ابن المعلل الخثعمي ثقة. و في بعض نسخ الحديث ابن المعلى اه. و كيف كان فابن المعلى السجستاني لا وجه لاتحاده مع ابن المعلل الخثعمي سواء أ كان ابن المعلى أم المعلل .

{- 8273 -}

الشيخ حبيب بن طالب بن علي بن أحمد بن جواد البغدادي الكاظمي مسكنا الشيبي المكي

أصلا-كما وجدناه بخطه-نزيل جبل عامل .

كان حيا سنة 1269 ، و الله اعلم كم عاش بعدها.

شاعر مجيد متفنن خفيف الروح، يجمع شعره الرقة و الانسجام و أنواع الطرائف، الا أنه غير مهذب. أصله من العراق من بلد الكاظمين 541 ع (الكاظمية) . سكن جبل عامل و مدح أمراءها حمد البك و أبناء عمه في القرن الثالث عشر و أعيانها، ثم عاد إلى الكاظمية و توفي هناك. و لا تزال ذريته في جبل عامل إلى اليوم. ذكره الشيخ محمد آل مغنية في كتابه جواهر الحكم فقال: الشاعر المفلق الذي إذا خطب أعجب و إذا انشد اطرب، لم أر في عصري أفكه من هذا الشاعر المجيد، و كان أسرع الناس بديهة و أذكى قريحة، رأيته مرارا لا يتوقف في كتابة ما أراد من الشعر و الإملاء، سريع البديهة حسن المحاضرة، صاحب اجوبة مسكتة، جزل الكلام، إذا تكلم أعجب كل سامع. ينشئ القصيدة الطويلة في الوقت القصير، و شعره كثير لا يكاد يحصى، من السهل الممتنع. تعلق أولا على أمير عامل و أحد رجال الدنيا المرحوم حمد البك أيام خموله ثم لما نبه الدهر من شان البك و حكم جبل عامل و صارت له الرئاسة المطلقة و حارب عسكر إبراهيم باشا في نواحي صفد و أطراف جبل عامل مدحه بقصيدته الطنانة اه. (تأتي) في ترجمة حمد البك . و من طرائفه انه مدح محمد بك الأسعد بقصيدة كان قد مدح بها غيره فلما رآها عاتبه في ذلك. فقال: البرذعة برذعتي و أضعها على اي دابة شئت. و كان له ولد رضيع و أمه نائمة-و هي زوجة الشيخ عبد النبي الكاظمي تزوجها بعد وفاته-فجعل الولد يبكي و أراد ايقاظها و نسي اسمها فجعل يصيح يا أم الولد يا زوجة الشيخ حبيب حتى انتبهت.

أشعاره في أهل البيت ع

بني النبي لكم في القلب منزلة # بها لغير ولاكم قط ما جنحا

يلومني الناس في تركي مديحكم # و كم زجرت بكم من لامني و لحا

عذرا بني المصطفى ان عنكم جمحت # قريحتي و هي مثل الزند مقتدحا

فلا ارى الوهم و الافهام مدركة # ما عنون الذكر من اسراركم مدحا

سبقتم الناس في علم و معرفة # و الأمر تم بكم ختما و مفتتحا

إلى ان يقول:

لكنما الناس في عشواء خابطة # ليلا و آثاركم في المعجزات ضحى

ان شاهدوا الحق فيما لا تحيط به # عقولهم جعلوا للحق منتزحا

تجارة الله لم تبذل نفائسها # الا لمن كان عن غش الهوى نزحا

و ربما خاضت الألباب إذ شعرت # و مضامن النور دون الستر قد لمحا

فاض كل على دعوى مكاشفة # توهما ان باب الستر قد فتحا

شاموا ظواهر آيات لها وقفت # ألبابهم غير ان الوهم قد شرحا

و هم على خوض ما ألفوه من اثر # كمثل أعمش من بعد رأى شبحا

فليس يدري لتشعيب الظنون به # أ سانحا ما رأى أم بارحا سرحا

ان المدى لبعيد و السراة غدت # فيه كلالا و كل في السري دلحا

و كلما شيم من آثار معجزة # فإنها رشح ما عن فيضكم طفحا

فالحجب عن سعة الآثار ما بخلت # و الحكم في صفة الأسرار ما سمحا

إلى ان يقول:

و رب مدح لقوم عنكم جنحوا # أنشدته حيث عذري كان متضحا

ناتي من الوصف ما لا يدركون له # معنى و لا شربوا من كاسه قدحا

و لو أتيناهم في حق وصفهم # لأوهم الناس ان الروم قد فتحا

فأين هم عن مدى القوم الذين لهم # صنع المهيمن ممن خف أو رجحا

و له يرثي الحسين ع في سنة 1250 :

542

خل النسيب فلست بالمرتاد # لهو الحديث بزينب و سعاد

ما لي و كاعبة تكلفني الهوى # شتان بي مرادها و مرادي

دعني و فيض محاجري فلقد غدت # تقري ضيوف الهم نار فؤادي

و اذكر مصاب الطف فهي رزية # فصم الضلال بها عرى الإرشاد

يوم أصاب الشرك فيه حشى الهدى # بمسدد الاضغان و الأحقاد

يوم غدا فيه على رغم العلا # رأس الحسين هدية ابن زياد

يوم رمي سبط النبي بعصبة # جبلت على ما سن ذو الأوتاد

آلت على ان لا تغادر للنبي بقية # و أتت بكل فساد

أبدت خفايا حقدها و استظهرت # في كربلاء بضمائر الأغماد

نشرت صحائف غدرها و استقبلت # وجه الهدى بصفائح و صعاد

فترى الحسين مشمرا عن ساعد الايمان # مدرعا دلاص رشاد

و بكفه قلم الحتوف فلم يزل # يمحو سطور الشرك و الإلحاد

في عصبة رأت المنية منية # في الله فانتهزت منال مراد

فرماحها لحشى الصدور مشوقة # و سيوفها لدم الرقاب صوادي

لله أكبر يا ليوم في الورى # لبست به الأيام ثوب سواد

يوم به نكسن اعلام الهدى # حتى تداعى شمله ببداد

يوم به عجت بنات محمد # من مبلغ عنا النبي الهادي

يا جد لو أبصرت ما بلغ العدي # منا و ما نالته آل زياد

اما الحسين ففي الوهاد و اننا # في الأسر و السجاد في الأصفاد

يا جد ما آووا و لا راعوا و لا ادكروا # بان الله بالمرصاد

أهون بكل رزية الا التي # صدعت‏كل فؤاد

لك في جوانحنا زعازع لم تزل # منها تصب من الجفون غوادي

مولاي يا من حبه و ولاؤه # حرزي و مدخري ليوم معادي

أ ينال مني من علمت شفاءه # و يريد بي سوءا و أنت عمادي

و عليكم صلى المهيمن ما سرت # نيب الفلا و حدا بهن الحادي‏

و قال لما ورد الكاظمية زائرا و قد ركب دجلة :

وافت إليكم تجوب الماء حاملة # نارا من الشوق لا يطفا لها لهب

حتى ترى الطور و الأنوار تشمله # من نار موسى و فيه السر محتجب‏

و قال لما زار سامراء :

لله تربك سامراء فاح به # ريح النبوة إشماما و تعبيقا

هنئت يا طرف فيما متعتك به # يد المواهب تأييدا و توفيقا

لم يطرق العقل بابا من سرائرهم # الا و كان عن الافهام مغلوقا

و في المعاجز و الآثار تبصره # لرائم غرر الإيضاح تحقيقا

هذا الكتاب فسله عنهم فبه # صراحة المدح مفهوما و منطوقا

أبصر بعينك و اسمع و اعتبر و زن المعقول # و اختبر المنقول توثيقا

و جل بطرفك أيمانا و ميسرة # و طف بسعيك تغريبا و تشريقا

فهل ترى العروة الوثقى بغيرهم # حيث الولاء إذا بالغت تدقيقا

و هل ترى نار موسى غير نورهم # و هل ترى نعتهم في اللوح مسبوقا

و هل ترى صفوة الآيات معلنة # لغيرهم ما يؤدد الفكر تشقيقا

قوم إذا مدحوا في كل مكرمة # قال الكتاب نعم أو زاد تصديقا

أضحى الثناء لهم كالشمس رأد ضحى # و بات في غيرهم كذبا و تلفيقا

اني و ان قل عن اوصافهم خطري # و هل ترى زمنا ينتاش عيوقا

تعسا لقوم تعامت عن سنا شهب # إيضاحها طبق الأكوان تطبيقا

542 ان الامامة و التوحيد في قرن # فكيف يؤمن من يختار تفريقا

يا من إليهم حملت الشوق ممتطيا # أقتاب دجلة لا خيلا و لا نوقا

الماء يحملني و النار احملها # من لاعج الوجد تبريحا و تشويقا

أنتم رجائي و شوقي كل آونة # و أنتم فرجي مهما أجد ضيقا

في يوم لا والد يغني و لا ولد # و لا يفرج وفر المال تضييقا

و نحن في هذه الدنيا لحبكم # نرعى على الضيم جبريا و زنديقا

من بين مبدئ عداء لا نطيق له # ردا و آخر حقدا يخزر الموقا

و قال يمدح الامام الرضا ع :

أبا الحسن الرضا قصدتك منا # قلوب قد وردن نداك هيما

و لاحت قبة كالشمس تمحو # أشعتها عن القلب الهموما

فلم تر غير حبكم نجاة # و لم تر غير فضلكم نعيما

إلى ان يقول:

أ لستم خير أهل الأرض طرا # و خير من ارتدى الشرف العميما

و لو بكم استجارت آل عاد # لما عادت لياليها حسوما

أ لستم في الورى كسفين نوح # و من ركب السفين نجا سليما

تبصر من تبصر في ولاكم # فلم يعد الصراط المستقيما

و من جاب الفيافي في ولاكم # فلا بأس يخاف و لا جحيما

و لما توفي حسين بك السلمان و قام بالحكم بعده ولده ثامر بك من أمراء جبل عامل ، قال يرثي الفقيد و يهنئ الجديد:

الحمد لله هذا الدهر قد سمحا # بطالع نجمه ليل النحوس محا

فاي زند من العليا به قدحا # من بعد ما صب من صاب العنا قدحا

و اي باب بها صعب الهموم دحا # فعاد غب الرثا أنشأ به مدحا

شكر يدوم بحمد الله ما برحت # شمس النهار و بدر المجد ما برحا

بثامر دوح هذا المجد قد ينعت # أزهاره و هزار البشر قد صدحا

فان يكن غاب عنا للعلا قمر # فليهنك اليوم هذا البدر متضحا

و ان يكن ساخ منا في الثرى علم # فليهنك اليوم طود للسما طمحا

و ان يكن غاض للعافين بحر ندى # فليهنك اليوم بحر للندى طفحا

يوم بيوم و كم لله من منن # لم ينقض الحزن حتى أعقب الفرحا

بشارة للمعالي و هي موجبة # شكر الإله و كم اسدى لنا منحا

بجبهة الصبح منه سيرة وضحت # بالعدل حتى نرى الليل البهيم ضحى

و عزمة منه دون السيف قد فتحت # بابا من العز قبل اليوم ما فتحا

و استدرك الغاية القصوى التي امتنعت # عن كل ساع إلى إدراكها طمحا

و لا تزال بحفظ الله محتجبا # عن كل سوء و باب العز مفتتحا

و له أيضا، و قد جاءت القضاة لاصلاح الحال بين الشيخ حسين السلمان و بين ابن عمه الشيخ حمد البيك من أمراء جبل عامل . فلما وردوا إلى حضرة حسين بيك السلمان ذكرهم اختلافاتهم و كشف عن حالتهم.

و كان الخلاف بينهم قائما على قدم و ساق، فوعظهم و وبخهم و أصلح فيما بينهم:

أتتك القضاة أبا ثامر # ليقضوا صلاحا و ينفوا احتجاجا

فجالوا بغيهب آرائهم # فكانوا الظلام و كنت السراجا

و صالوا و صلت على كيدهم # فكانوا السقام و كنت العلاجا

فكنت النصير لدين الهدى # و كنت البصير إذا الغي راجا

فشربك في الدين عذب الفرات # و أسقيتهم منك ملحا أجاجا

543

و له في مدح جبع و آل الحر الكرام و يخص منهم الشيخ أحمد و الشيخ سعيد :

أ باالفردوس بالفردوس وجدك أم جباع # و في كلتيهما تهوى الخلودا

و لو كنت المخير في خلودي # فعن جبع و حقك لن أحيدا

أ أعدل بالمشارع ما سواها # و قد أخذت على الصفو العهودا

بأشجار و انهار و روض # تقيم لصادق الدعوى شهودا

و قد شهدت برأس العين عيني # غصونا خلتها حملت عقودا

قطوف دانيات لو تراها # خضعت لها ركوعا أو سجودا

على ماء تسيل به خدود # تذكرنا السوالف و الخدودا

يردن مياهها آرام نجد # و في غاباتها ضمت أسودا

و في حسنات آل الحر تمحى # كبائرها و ان كثرت عديدا

فحسبك أحمد المختار منها # سنام المجد و العز المشيدا

يجرد من حديد الفكر عضبا # يفل به المعاضل لا الحديدا

فيكشف غامض المطوي منه # و يبرزه فتحتقر النضيدا

و تخبرني السعادة عن صحيح # بما دانت و لم تخطئ سعيدا

و لا برحت بال الحر تسمو # دعائم للمكارم لن تميدا

و قال متغزلا:

ما لآرام رامة و ظباها # حين سلت على القلوب ظباها

حين قامت على القدود شهود # أثبتت انها عضون نقاها

و قال:

أهيل الكرخ لي قلب معنى # أسير في يد الأشواق عاني

و أين حشاشتي مني و لبي # هما عني و حقك ظاعنان

أ من حق المروءة أن تركتم # فؤادي فيكم رهن الأماني

أ من حق المروءة أن جعلتم # من الأحلام أيام التداني‏

و قال أيضا:

بنو الأيام قد ملكوا # و أي الطرق قد سلكوا

فكم شادوا و كم سادوا # و كم أحيوا و قد هلكوا

فان تجمع كما جمعوا # ألا فانظر لما تركوا

و تلك الحال دائرة # و فيها قد جرى الفلك‏

و قال أيضا:

و قد تمنع الأيام مثلي حقوقه # و تعطي بليد القوم ما قد تمناه

و لي آية في الصبر لو أنها بدت # لأيوب لم يشك المهيمن بلواه

تغربت عن بغداد لا عن ملالة # و لكن للإنسان ما قدر الله‏

و قال أيضا يمدح بعض أهل أصفهان :

اسقنا و الرفاق عند رياض # ضحكت عن مباسم الأقحوان

ثم قل للحبيب عن قلب صب # لعبت فيه أعين الغزلان

هل سمعت الحمام ليلة بتنا # كيف غنى بدوحه فشجاني

و الصبا هب و الندامى نشاوى # كيف قاد الهوى إليك عناني

و حديث الغرام أطيب شي‏ء # حدثتنا الجفون عند التداني

فهي تملي على الفؤاد حديثا # و الهوى كاتب بغير بنان

فأخذنا نطالع الخد لثما # و بايدي العفاف معتنقان

و بدا الساقيان ينشد كل # (مرضي من مريضة الأجفان)

543 أيها الساقيان: بالله قوما، # عللاني بذكرها عللاني

و اعرفا بنت كرمة و اذكراها # و اسقيا الحب صرفها و اسقياني

و احملاني إلى القيان و مرا # فإذا ما وصلتما القياني

أيها البالغ الكمال كمالا # قاصر في المديح فيك لساني

غير اني أقول قولا وجيزا # ثابتا عن قواطع البرهان

منتهى العلم و التقى و المعالي # و الندى و الأمان و الايمان

صاغها بارئ الخلائق جسما # فقضاها بهيكل الإنسان

و محل حواه سام فأمسى # كعبة الوفد مشعر الركبان

فهي دار و بالحقيقة كنز # قد حوى ما يجل عن تبيان

و عجيب لها السماك محل # كيف صار المحل في أصفهان

و قال يمدح بعض الأمراء و يعرض بذم غيره:

ان كنت و الناس في الناسوت متحدا # فالعود و العود ذا ند و ذا حطب

ان الجواهر تصدا بالسنين و لا # يصدا ثناك و ان مرت به الحقب

بلغت كالشمس أوصاف العلا كملا # فان قلاك لها شان فلا عجب

قد يهجر الشمس من اودى به رمد # و يكره الماء من اودى به الكلب

من بات يقرع ناب الليث مقتحما # لا يامنن ففي أنيابه العطب

رميته حجرا من قبل ذاك رمى # داود فيه فذل القوم و انقلبوا

و قام يسري إلى الجوزاء مجتهدا # توهما انها التفاح و العنب

لا قرب الله رذلا كله حمق # و باعد الله نذلا كله كذب

أبا المكارم لا زالت يداك على # ايدي العداة و في أحشائها لهب‏

و قال يعاتب حمد البك صاحب تبنين و يظهر الانحياز إلى خصمه حسين بيك السلمان صاحب بنت جبيل و يمدحه:

يا بيك عندي للعتاب لسان # فيه لغيرك صارم و سنان

يوليك بالعتبي مدائح شاكر # و إن استمر لحظة النقصان

تعطي و تمنع حسبما يقضي به # حكم اللبيب و حدسك الميزان

وافى إليك الجاعدون بنظمهم # شعرا له تتعاكف الديدان

فحبوتهم منك الجزيل و لم تزل # تحبوهم ما جادك الإمكان

و جعلت بينهم و بيني قسمة # يعنو لها الإنصاف و الإذعان

لهم الغباوة و الفسالة و العطا # و الفضل لي و المدح و الحرمان

هذا الذكاء و ذا العطاء و هذه # شيم الكرام و هكذا العرفان

أنت الحكيم بكل ما تأتي به # ما رسططاليس و ما لقمان

من كان مثلك لا عدمت حياته # أفديه مما سامه الحدثان

يا بحر عشر بعدها خمس مضت # لك مركب سار و لي أشطان

ما ان أجر به ليعلو موطئي # الا و جر برجلي الخذلان

فأصح ما ألفيت ان وعودكم # مثل السراب و مثلي الظمان

تغري بنا الأوهام في أطماعها # حرصا على الموهوم و هو عيان

ان خاب متجرها أعادت ثانيا # فكأنما مرغوبها الخسران

فالله يجزي عنكم أوهامنا # خيرا و جاد شبابها الريعان

لكم بها حسن الثناء مؤبدا # و لنا بهن مذلة و هوان

و رسمت ان تقربي لك باعث # قطعي صدقت و في النوى الرجحان

فليشكر الرحمن من هو عنكم # ناء و يغني عنكم السلوان

و لقد سالتك بالذي فلق النوى # و بمن اتى في حقه القرآن

الا أجبت عن السؤال فانني # انا للجواب العاطش الغرثان

544

ان لم تكن لي في الحياة و أنت في # زمن له في راحتيك عنان

فهل ادخرتك للمعاد إذا سعى # بي مالك أو صدني رضوان

أم في غد في القبر انشد مدحكم # للمنكرين فينتهي رومان

أم في الصراط تمدني بفوارس # فتهابك النيران و الخزان

و لعل رأيك أن تكون مواصلا # في يوم لا دنيا و لا سكان

بعناكم دينا لنشري منكم # دنيا فلا الدنيا و لا الايمان

هذا جزاء الطامعين بأنهم # خانت بهم أوهامهم إذ خانوا

فلو انني استغفرت قدر مدائحي # لكم أتاني العفو و الغفران

ما ان أقمت لكم صلاة مدائح # الا و كرر للقنوت أذان

أنا في المديح و أنت حين قطعتني # كل له في صنعه إتقان

و من العجائب ان ذاتي جردت # أدبا و جرد ذاتك العرفان

و يضيع مثلي عند مثلك؟ان ذا # أمر تضل بمثله الأذهان

لكنما حظي و جودك نائم # هذا و هذا ساهر يقظان

فتباعد الضدان في حاليهما # و لكل حال حجة و بيان

ما شد ضبعي في الورى الا الذي # قد شق نبعة دوحه سلمان

لأروع الشهم الهمام الأريحي # اللوذعي الضارب الطعان‏

و له يمدح مصطفى بك طوقان:

دعن شرح الحديث عن الثقات # و حدث بالكؤوس عن السقاة

ففي شرح المدام حديث وجد # يترجمه نشيد الساجعات

حكت عن عهد بقراط فأملت # عن الراووق عن ماء الحياة

سكرنا بالصفات و ما شربنا # كان الذات أمست في الصفات

و روض تغمز الأزهار فيه # على الندماء ألحاظ الوشاة

تطوف بنا القلوب على بدور # تطوف ببيت شمس النيرات

و لي عين أقول إذا استهلت # دعوها فهي تتلو المرسلات

و جسم قد كساه الحب ثوبا # عليه طراز آي النازعات

فرحنا في يد النسمات نهبا # أسارى للحاظ الفاتكات

و هل بسوى مديح البيك تشفي # قلوب من صروف الحادثات

كان من العناية في يديه # طلاسم للموالي و العداة

ففيها للموالي أي حرز # يقيه من سهام النائبات

و للأعداء قاضية المنايا # على حد الشفار الماضيات

إذا نامت عيون القوم سلت # لها الأحلام قاطعة الشباة

فيعدو الرعب في الأوهام منها # فيقتل قبل عدو الصافنات

فهذي المرهفات البيض سلت # و صلت فوق هامات العداة

و هذا السيف يعلن فيك شكرا # لما توليه من وفر الصلات

و قد غذيته الجريال حتى # ظننا انه بعض العفاة

و ما يشكوه الا المال نهبا # على ايدي الوفود الحاشدات

أبا الفياض قد وافتك بكر # المدائح بالعقود الزاهرات

و فيك تنافس الشعراء مدحا # بابكار المعاني الساميات

و لو نظموا بمدحك مقتضاه # لجاءوا بالنجوم المشرقات‏

و قال و كتبها إلى بعض إخوانه من السفر يعتذر عن عدم الوداع:

اني سالت فؤادي قبل بينهم # هل تستطيع لدى التفريق توديعا

ففر عني من خوف تقطعه # يد الصبابة بالأشجان تقطيعا

و كتب إليهم أيضا: 544

اني سالت فؤادي قبل فرقتهم # يا قلب هل أنت للتوديع ذو جلد

ففر عني فرار الطير حين رأى # حبلة الصيد قد مدت و لم يعد

و قال:

بي أغيد تفضح الديجور طلعته # و يعطس الصبح من رياه إذ نشقا

كافور غرته مع مسك طرته # صبح و ليل على فرق قد اتفقا

كم ليلة بات يسقيني و أشربها # حمراء حتى أرتني ضوءها الشفقا

فخلت ليلي زقا و الصباح طلا # عنه قد انحل خيط الفجر فاندلقا

و قال أيضا:

أقول و قد رمت الوداع فأسرعت # عجالا بهم تلك الجياد السوابق

قفوا و دعوا صبا يكاد فؤاده # يطير اشتياقا و هو في الصدر خافق

فاتبعتهم عيني لأطلب أثرهم # فردت بفيض و النوى لا تسابق

فودعت روحي ثم قلت اسرعي لهم # و اني بكم ان قدر الله لاحق‏

و قال:

ألا قل لمن في دار سلمى إليكم # سفكتم دماء و استجزتم محرما

و احرمتمونا الماء و الماء عندنا # و فزتم على بعد و متنا من الظما

فيا ليتكم متم و طالت حياتكم # لكي تعلموا تلك الحياة و ذا المما

و قال أيضا:

عليكم أهيل الحي مني تحية # صفت و صفاها من صفاودي المحض

تحية صب يسبق الريح خطوها # و ليس يباري و مضها البرق في الومض

محب يرى ان المحبة ذمة # و ان مراعاة الوداد من الفرض

يعم شذاها الخافقين بنفحة # و يختص فيها صاحب الخلق الغض‏

و قال يهنئ علي بك الأسعد بامارته الجديدة بعد عمه حمد البك و يعزيه به إذ تخلف بعده:

بشراك غاض الحزن عن متأسف # أودى بمهجته جوى المتلهف

صبغ البكاء ثيابه من دمعة # فيروح بين مطرز و مفوف

حزنا على من قد شربت بقربة # راح الصفا بمزاج راح قرقف

حتى قضى فعرفت ما صنع القضا # بجفون أسوان و مهجة مدنف

و قد اتنشت غب الذبول خميلة # ينعت بوارق كل مجد مشرف

فتراجعت تلك السنون و أهلها # بمهذب لبس العلا و مقذف

سار على متن النجوم بعزة # نجمت بأيمن طالع و تصرف

ريان من ماء الكمال يزينه # علم ابن روزبه و حلم الأحنف

بحلاوة المستطرفين و رقة # المتقشفين و عفة المتصوف

و مقذف غير ان لم يخط العلا # متقرب العزمات غير مسوف

فغدت به الدنيا عروسا غضة # تختال في جلباب عيش مترف

من عد للجلى و كل ملمة # غوث الصريخ بها و غيث المعتفي

فالناس تمرح في ربيع مخصب # منه و تسقى من عهاد موكف‏

و قال-و هو باصفهان -يتشوق إلى جبل عامل :

(سامر يلحو و أشواق تلح) # هاجها من ظن ان العذل نصح

نهب الصبر ادكاري سرحة # عند ( لبنان ) لها في القلب سرح

لست أنساها ليال سلفت # ألف صبح لي بها و الدهر صلح

و شموس الراح تجلى كلما # غاب صبح قام يجلو الكأس صبح

545

و مغان نقلت عنها الصبا # خبر الند و فيه طال شرح

فضضت جيد الربى أزهارها # و عليه من سقيط الطل رشح

نقط الطل على أوراقها # و له في الرمل إسقاط و طرح

يغمز الدهر علينا طرفه # فلنا شطح و للورقاء صدح

كلنا في الغصن الا اننا # ما علينا لو نروم الوصل جنح

ليت شعري، و الأماني سلوة، # هل لها وصل و هل للهم نزح

فإلى كم و منائي عهدها # يثبت العزم و كف الحظ تمحو

يا اوداي بسفحي عامل # أن شوقي عامل و الدمع سفح

هل وفى بالعهد من بعدكم # مدمع سح و قلب لا يصح

هاكم دمعي فقد أشهدته # و له في الخد تعديل و جرح

من لمشتاق لكم من بعدكم # (بات ساهي الطرف و الشوق يلح)

فكرة تمضي و تأتي فكرة # (و الدجى ان يمض جنح يأت جنح)

حارب الجفن الكرى ليتهما # عرفاني هل يرى للسلم جنح

لا رعاني المجد ان لم يرني # و لخيلي في ربي (لبنان) سبح

و من (القبلي) من شاطئه # خبر المجد و عندي فيه شرح

برجال لم يشنهم لو و لا # فيهم يلفى بغير العرض شح

آل همدان هم لا غيرهم # و كفاهم من أمير النحل مدح

قد أبت الا المعالي مسلكا # و لهم في متجر الايمان ربح

كم لهم في الدين من سابقة # ساقها أيد من الله و فتح‏

و قال يمدح الوزير مشير إيالة صيدا محمد أمين باشا سنة 1268 :

ان حدد الناس الجهات فليس للوجه # الذي لك في العلا تحديد

قد حزتها ذاتها فكنت بعقدها # جيدا بنورك عقدها و الجيد

و ان ادعاها الأجنبي فإنما # فيها محلك قائم و شهيد

من يبلغ الشرف المنيف فهكذا # أو لا فكل مكابر مردود

اين البزاة من البغاث و اين من # ملح الأجاج السائغ المورود

ان الامارة كالعقيلة مهرها # كرم الطباع و بيتها التسديد

لا كالذي بحث التراب و ظنه # ملك الكنوز و ما له مرصود

جليت عليك و أنت من اكفائها # قدما و للنسب القديم تعود

ما نال غيرك شاوها و مقامها # و لديك منها موثق و عهود

قل للمطاول من علاك محله الأدنى # و كيف يكابر المشهود

و مكارم تفني الزمان و انما # لك في يد الذكرى بهن خلود

تعطي الكثير و ما حويت قليله # و تجود فضلا بعدها و تجود

لم يلهك السكر القديم كمن مضى # كلا و لا رقصت لديك الغيد

لم تهو الا الراقصات إذا الوغى # فيها تساوى الليث و الرعديد

و من الغواني البيض عند نشيدها # بصليلها الترجيع و الترديد

و من الرماح اللدن كل مثقف # تصغي لصوت صريره فتميد

أغناك عن صوت الغناء صريرها # و عن القدود المائسات القود

لانت بمرهفك الصعاب كأنما # أعطاك حكمة سره داود

و أصبت بالرأي السديد مواقع البيض # الحداد فخافك الجلمود

قد ضاع شعري في سواك و ضاء في # علياك فهو اللؤلؤ المنضود

نبهت كلي في ثناك فكنت لي # متنبها و الجاهلون رقود

و مددت ضبعي حين بت سواكم # حبلي، فنعم المنهل المورود

و حمدت ربي حين شتت شملهم # هيهات شمل الظلم كيف يعود

أوليتني النعم التي لا ينقضي # شكري لها و على الزمان تزيد

545 يا دوحة الشرف المنيع و قد سمت # فرعا و ثابت أصلها ممدود

قل للحسود الغمر جاء اميننا # فأربع على ضلع و أنت طريد

يولي حديث المكرمات بسابق # فالمجد منه سابق و جديد

لا زلتم و العز في اكنافكم # ابدا و ورق علاكم غريد

و قال يمدح الأمير حمد البك بن محمد بن محمود بن الشيخ ناصيف بن نصار العاملي السالمي و يعتذر اليه و يستشفع بجدنا السيد علي :

اين الظباء من الحسان الخود # في العطف منها و الفروع السود

اين الورود من الخدود و اين من # خمر الرضاب لها ابنة العنقود

لكنما لعب الكلام بالسن # الشعراء في التشبيه و التحديد

فعدلت عن غزلي بغزلان النقى # و مها العقيق و حاجر و زرود

لمديح من عقد اللواء على الولاء # له الزمان و قد مشى بجنود

في بيض مرهفة و سود وقائع # و نفوذ رأي في الزمان سديد

قد نابذت جيش المكارم فانثنت # عن كل ظل من ذراه مديد

حمد العلا من طوقت آلاؤه # بالفضل منه كل عاطل جيد

مستدرك الأمد البعيد بأقرب الإيحاء # دون تكلف المجهود

فكان دائرة المدار قضت له # فيما يرى من موعد و وعيد

يقضي باحكام العلاء و سمعه # يستن بين العذل و التفنيد

يدنو لأخطار الزمان و عزمه # ناء و نوء نداه غير بعيد

يعطي الرغائب مبدئا و يعيدها # أكرم بأفضل مبدئ و معيد

لم تثنه نار الكفاح عن الندى # كلا و لا عن عزمه بصدود

يعطي و يلقى و العداة كأنها # وفد العفاة و لات حين وفود

يغري و يغرب خلقه و جنانه # لطف النسيم و قسوة الجلمود

متبسما عند الكفاح و سيفه # يذري العقيق على خدود البيد

فالقضب تركع بالحني على الشوى # و الهمام خاضعة له بسجود

و سما على كرم الطباع بأربع # جبلت مع الايمان و التوحيد

في عدل كسرى في شجاعة رستم # في جود حاتم في ذكاء لبيد

يا صاحب الغايات قد أدركت ما # جاز المدى و وطئت كل شديد

ان كانت العتبى تقدم لي بها # ذنب فان العفو عين ورود

و شفيع ذنبي عين آل محمد # أعني عليا كهف كل طريد

العالم البحر الذي لا ينثني # عن كل وجه للعلاء حميد

يا من بهم دوح المكارم يانع # ابدا و ورق المدح في تغريد

حمد الإله الناس عند ولائكم # و توسلوا بمحمد المحمود

جعل المهيمن عيدكم و هلاله البادي # الأغر علي أسعد عيد

و قال يرثي السيدة A1G زينب زوجة حمد البك و احدى عقائل بني الأسعد و يعزيه عنها و يعزي ابن أخيه علي بك الأسعد و يذكر تاريخ وفاتها، و قد توفيت A1G سنة 1263 و دفنت بجوار نبي الله يوشع ع :

قصدوا المسير و أزعموا ان يذهبوا # و استحسنوا دار البقاء فتأهبوا

لبسوا لها بيض الثياب كأنها # أحسابهم و بها ارتدوا و تنقبوا

و ذكا بهم طيب الحنوط و ذكرهم # عبق و من طيب الأفاوه أطيب

و تزودوا للسير من أعمالهم # ما زينوا فيه القصور و طيبوا

نزلوا بها متنعمين و غادروا # بين القلوب لواعجا تتقلب

و فقيدة الأيام أورث فقدها # رزءا تهون النائبات و يصعب

و يتيمة ردت إلى صدف الثرى # و لها إلى الملأ العلي تقرب

ـ

546

ما هذه الغبراء وجه أديمها # بحر فكيف به اليتيمة ترسب

و عجبت للنعش الصموت و قد سرى # و الجو مضطرب الجهات مقطب

هل يعلم القوم الذين سروا به # للقبر من حملوا به و تنكبوا

قد كاد ينطق نعشها لكنما # هو أعجم و هي المكارم تعرب

لو لا صراخ الحاسرات وراءه # و نداؤها حتى أجابت يثرب

لسمعت للحدباء رنة واجد # أسفا تنوح على الفقيد و تندب

فمن المعزي الليث نجل محمد # حمدا له تعزى العلاء و تنسب

فطن تخط له البصيرة مظهرا # في مرقب الايمان لا يتحجب

صبرا لماتمها و ان عز العزا # فالصبر أولى باللبيب و انسب

ان المنية لا تطيش سهامها # ابدا و ليس من المنية مهرب

و لو ان هذا السهم يدرأ بالفدا # لفدى فقيدك دارع و مدرب

خلق البرية للفناء فكلنا # نغدو إلى هذا المقر و نذهب

ان كان قد عز السلو فإنه # بك يا علي ليستطاب فيعذب

الأروع الندب الكريم الأريحي # أبو المكارم و السليل الأنجب

سقيا لقبر أنت مضمر سره # فيه النزاهة و العفاف مغيب

هي زينب شمس و ذا تاريخها # نادى و قد وردت ليوشع زينب

و قال يمدح الشيخ حسين السلمان بقصيدة منها:

و هل بسوى الحسين ينال رشد # له الخريث قد ضل السبيلا

و أخمد و قد صالية شبوب # بها لم يبرد الماء الغليلا

و بت يد الهوان و بت رأيا # برى بحديدة السيف الصقيلا

أ لم تسمع بيوم الجسر لما # تجاسرت الفوادح ان تصولا

به مدت رواق الشر قوم # على روح تحاول ان تميلا

و عاد الناس بالآراء تسعى # لغايتها و لم تجد الوصولا

تجاذبه بأشطان غلال # شددت برأسها خطبا مهولا

فكان المستجار لها حسين # فاسكنها مع الآساد غيلا

و مد لها مدى الأيام ظلا # على مستنجد النعما ظليلا

و قد بسط العناية من قدير # له كف حوت فضلا جزيلا

بها خضع الملوك له فأمست # تمنى من مكارمه قبولا

أ لم تنس البليت و قد تسامت # توثب للعناية لن تزولا

كما اهدى المليك له احتفالا # تفائس تصحب النصر الجميلا

و كم ملك تمناها و فيها # نرى شرف السنا جيلا فجيلا

فاي مدرع بالحزم يلقى # لشاو يأخذ الجوزا مقيلا

أبو الشبلين ثامرها المرجى # و سلمان و حسبك ان تقولا

و قال يمدح الشيخ حسين السلمان و يذكر بناءه السراية في بنت جبيل ، و يمدح ولده ثامر بك :

هنيئا للمشيد بالمشاد # و ما رفع العماد من العماد

هنيئا في مكررها هنيئا # هنيئا لا يؤول إلى نفاد

ألا فاهنا حسين بما أجدت # لك الأيام من شرف المهاد

هنيئا كلما يبدو صباح # باشراق كوجهك للعباد

هنيئا كلما انهلت سحاب # كراحك بالرغائب و التلاد

هنيئا كلما ومضت بروق # بمثل ظباك آونة الجلاد

هنيئا كلما ابتسمت رياض # كوجهك عند مشتبك الصعاد

هنيئا ما همت كفاك جودا # بانواء المواهب لا العهاد

546 هنيئا ما علت نار بليل # كمثل ظباك في مهج الأعادي

لكم وقف الثناء بكل ربع # و سال نداكم في كل وادي

و قد أحكمتم عقد المعالي # على أيدي السوابغ و الحداد

و كل مثقف عال طرير # يهز بكف أروع ذي سداد

فلا تعزى لغيركم انتسابا # على رغم المكابر و المعادي

ملأت مسامع الأيام ذكرا # بأفواه المكارم و الايادي

فكم قلدت بالإحسان جيدا # و كم عاف حملت على الجياد

و ذكرك و النجوم مدى الليالي # سواعد في البلاد و في العباد

تؤمن كل جارحة إذا ما # دعا قلبي لعزك بازدياد

و متع بالبقا بأجل عز # سليلك صاحب المجد المشاد

طويل الباع ثامر من اليه # سعى الإقبال يمرح في القياد

فكان محله كمحل نور # العيون الناظرات من السواد

و قال يمدح علي بك الأسعد و يذكر بناء قصره في قلعة تبنين :

علي أنت للامراء فخر # و أنت بدارة العلياء بدر

رفعت بهامة الجوزاء قصرا # و لم ير قبله في النجم قصر

كان القلعة الشماء منه # سماء كواكب و القصر فجر

تبدي عن شروق علاك صبحا # فادى فرضه المجد المقر

و أديت الصلاة به ابتهالا # و تسبيحي به حمد و شكر

سما صرحا فصرح فيه معنى # له في دارة العيوق سر

تسامى شاهقا في الجو حتى # يخال له على الأفلاك وتر

فهذا المهرجان فقم لنجلي # عرائس عيشنا فالعيد دهر

و قال و قد بلغه ان الشيخ عطوي غدار اتسعت دنياه بعد ما كان فقيرا، فأرسل اليه هذه الأبيات:

يا من غدوت على الأيام طبالا # و الدهر يرقص ألوانا و أشكالا

بالله هل صفقت أيامكم طربا؟ # من حيث وافتك بالانعام إيصالا

فكلنا في عنا الإفلاس مرتهن # و كلنا لم يزل يسترحم المالا

بالله ان صافت الأقدار حالكم # فانفخ بزمرك كي تصفى لنا حالا

و بشرونا بانعام الزمان لكم # لعلنا ان نرى من شانكم فالا

... على الضر و الاعصار ان ذهبا # و كن على هامة الإفلاس بوالا

و قال في شكوى الزمان:

أشكو إلى الله ما لاقيت من زمني # حالا تفرق بين الجفن و الوسن

لفظت عزمي بأطراف النوى بطرا # فرحت ألطم وجه الريح بالغين

حتى استقر النوى في ارض عاملة # فخيرتني بين الذل و الشجن

كأنما حين قام العيس يصدع بي # نشز الآكام و طي المهمة الحزن

كنت المشوق لقانا أم (جوية) أم # (لدير قانون) لا حيا بها سكني

فليت شعري ما ذا كان باعثها # عن نفخة أرتعيها في ربي عدن

أ كنت قبل النوى اشتاق (ترمسها) # أم قادني الشوق (للبلوط) و الشعن

أم (للبليلة) لا بلت لها غلل # أم (بقلة الفول) عنها كنت غير غني

أم (للسميد) بلحم الني منجبلا # و رب واضع زيت فيه يكرمني

أم كان قد مر بي دهر فعودني # (بربورة) طبخت بالماء و اللبن

أم (للمدبس) إذ يعلو معتقة # من عهد افلاط بين النتن و اللخن

ما قرقرت بطنها الا فست نتنا # على اللحى دفعا من ريحها النتن‏

547

و له في شكوى الزمان أيضا:

متى ترجو من الدنيا صلاحا # و أولها و آخرها فساد

كمثل التتن: أوله دخان # بلا نفع و آخره رماد

و له في مثل ذلك:

يظل محاربي زمن كنود # و عرضي من رذائله سليم

يسايرني الهوان به كاني # فقيه و هو فلاح لئيم‏

و قال بديهة عن لسان أحد الأدباء و قد باع برذونه و اشترى بثمنه جبة:

انظر إلى الدهر و أفعاله # و قبح ما يصنع بالحر

يعاكس الحر باماله # حتى يرد الغمز للصدر

قد كان برذوني الذي بعته # يحملني في موقع الضر

احوجني العسر إلى يسر # كحاجة المذنب للعذر

إذ اقبل البرد بسلطانه # و ليس عندي مانع القر

فبعته و ابتعت لي جبة # ترد ميت البرد للنشر

كأنما الأيام في مزحها # تضحك باليسر على العسر

لا يحتسى الشهد بها مرة # حتى تديف الشهر بالمر

كحال برذون لنا قد مضى # كنت عليه صاحب القصر

و كنت اختال على ظهره # فصار يختال على ظهري‏

و ببالي ان هذه القضية مسبوقة، و البيت الأخير ليس للشيخ حبيب .

و قال راثيا من اسمه محمد الأمين -و يرجح انه والد جدنا:

أناخوا قليلا في الديار و عرجوا # على المنزل الأعلى الذي هو ابهج

أقاموا فما غير المحامد منزل # و ساروا و ما غير الإنابة منهج

و حدث عنهم صادق القيل منطق # إذ لجلج المنطيق لا يتلجلج

سوابق آثار ترينا مقامهم # بروضة نعمى صفوها ليس يمزح

لها أسرجوا خيل المنايا و بادروا # مصابيح في أوج المكارم تسرج

لهم من نعيم الخلد راح و راحة # و نار لنا بين الضلوع تؤجج

بكل يد للمكرمات محمد # أمين على التقوى و فيها متوج

اقام قليلا ثم بادر مسرعا # لدى ربها للروح و القدس معرج

صفا شربه السلسال فيها و شربنا # به كدر في مرة العيش يمزج

فمن مبلغ مني رسالة وامق # إلى كوكب فوق الغريين يسرج

يلم بطوافين لله عكف # من الملأ العلوي تهوي و تعرج

أبا حسن لي في حماك وديعة # أمنت عليها ما يخاف و يزعج

فأنت الذي لا يختشي الضيم جاره # و عند عظيمات الشدائد تفرج

هنيئا لمن امسى لتربك لاثما # و يوم القضا من ذلك الترب يخرج

فما غيركم للخير فيها وسيلة # و لا بسواكم للشفاعة منهج‏

و قال يرثي الشيخ علي شمس الدين العاملي والد الشيخ مهدي شمس الدين من قصيدة:

أ علي شمس الدين بعدك أصبحت # مكسوفة و المجد بعدك أجدع

حملت بك الأعناق كل فضيلة # منها إلى عين الحقائق مشرع

رفعت بك الايمان يصحبه الهدى # فيقل لو ان المجرة مضجع

و لقد وقفت على ثراك مسلما # تسليم من هو للحياة مودع

547 فبكيت حتى كل شي‏ء رق لي # و رثيت حتى كل عضو مدمع

عظم المصاب فاي رزء اتقي # من بعده و مسرة أتوقع‏

و قال:

وعد المحبوب وصلا # في سحير بعد هجر

فحبست الدمع حتى # قلت هذا الفجر فاجر

و قال:

يا من أناط على العيون تمائما # فمن المنيط على القلوب تمائما

تخشى العيون و سهم حائل # بين القلوب و منه سل صوارما

لو كنت أعطيت القلوب أمانها # من مقلتيك لما اغتدين غنائما

لم تأخذ الابصار منك نعيمها # حتى أقمت على القلوب ماتما

و قال يذكر أصفهان :

قل للحبيب و للخليط المؤنس # نفسي الفداء لذات ذاك المجلس

من لي بتلك و كيف بي لو عن لي # ذكراهم و مدار تلك الاكؤس

أواه من طمع يكلف للنوى # نفسا يعللها المنى بالأنفس

فتروح تذرع بالسرى بيد الفلا # و تشق بالتسهاد توب الحندس

تبني له الآمال فوق ذرى السهى # بيتا و تكسوه ثياب السندس

حتى إذا أخذ النوى أطرافه # هزئت و قالت يا رقيع تنفس

تسعى النفوس إلى المنى و لربما # يجني ثمار الغرس من لم يغرس

ما في الاماني راحة لكنما # هي راحة صفعت قفاء المفلس

أ ما تسل عن أصفهان و ما جرى # فالغيث دمعي و البروق تنفسي

إذ شمت ما لا ارتضي و ألفت ما # لا أقتضي و حسوت ما لم احتس

ما غبت عن نحس الوجوه تطلبا # دفع الأذى الا وقعت بانحس

ما ذا أروم من العلا في معشر # جعلت اهاب الضأن زين الأرؤس

تبتاع فضلات الأنام بأوفر # و تبيع فضل الأكملين بابخس

صم إذا حدثتهم أو حدثوا # خرس و هل يجديك صوت الأخرس

فاروح لا مستأنسا بحديثهم # ابدا و من لي بالحديث المؤنس

ما لي ارى الآمال ان ضاحكتها # يوما تلقتني بوجه أعبس

ما بال حظي كلما نبهته # من نومه ياوي لحال أوكس

قد كنت أطمع في الجواري برهة # فحظيت لكن بالجواري الكنس

كم كنت أرعاها كاني حارس # و الهم يرعاني لغير تحرس

وطني يعز علي الا انه # ألف السهام البعد من جور القسي

ان جئتم دار السلام فبلغوا # عني السلام أولي المحل الأقدس

و اشرح لهم متن الصحيفة قائلا # اني حملت صحيفة المتلمس‏

و له قصائد في مدح عمنا السيد محمد الأمين ذكرت في ترجمته.

و قال هذه الارجوزة يصف بها رحلته إلى العراق :

أحمد خير منعم وهاب # معلل الأشياء بالأسباب

ثم الصلاة للنبي المرسل # و آله الغر ذوي الفضل الجلي

و بعد لما زم رحلي للسفر # مصاحبا في السير أمجادا غرر

لقوله و هو الذي يسير # فيه اشات لمن يعتبر

و لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ # به اعتبار واضح لمن وعى

نؤم بالسير الهداة البررة # آل النبي و الولاة السفرة

من بهم قد أعلن الكتاب # و الحق قد أوضح و الصواب

548

و غاية المقصد لثم تربهم # و الفوز بازديارهم و قربهم

فلثم ذاك الترب من أرض النجف # قد ضمن الفوز منالا و الشرف

و لثم ترب كربلاء أكرم بها # من تربة للفضل فيها المنتهى

أحببت ان أثبت ما قد حصلا # مرتبا و منزلا فمنزلا

فحين سرنا من بلاد عامله # بحمد خير منعم و الشكر له

فبدء سيري كان من تبنين # غب وداع الطرف الأمين

ذاك السري الاريحي الأمجد # و العلم الفذ العلي الأسعد

قد عمني بفيضه إحسانا # كالغيث جاد وبله هتانا

حتى وفدت بالمسير الطيبة # لخير من حاز النعوت الطيبة

ذاك الهمام اللوذعي الأنجد # محمد الأسعد و هو الأوحد

فنالني من بره الإنعام # و عم غيري الفضل و الإكرام

و ثم كان ملتقى الرفاق # أصحابنا القصاد للعراق

فضمنا النادي الزكي المعتبر # بالصفو و الأنس بذي الوجه الأغر

بليلة طاف السرور و الصفا # فيها علينا و اغتنمنا الشرفا

و كان في المجلس شيخ فاضل # له بعلم‏الرمل‏باع طائل

سالت منه ان يخوض‏الرملا # و يلحظ الاشكال شكلا شكلا

فما يرى ينطق عن هذا السفر # فبان نجح و منال و ظفر

عدا ثلاث في بيوتات النسا # منكوسة ما بين عل و عسى

و قد نهضنا عند ضوء الفجر # نفري الفلا من مهمه و قفر

حتى وردنا الشق و هو منبع # صاف كعين الديك صرف يلمع

حط لديه الركب في الفلاة # و بات بالانس إلى الغداة

و هاجنا صوت رفيق معجب # ينشد الرفاق شعرا يطرب

و الكل منا في الهيام و الجوى # تشب في احشائه نار النوى

حتى إذا ضاء الصباح و انجلى # سار المطي طاويا نشر الفلا

و قد وردنا العصر للديماس # في منزل خال من الإيناس

و بكر الركب إلى الشام # و لا تسل عن ذلك المقام

كل يؤم طامعا تكييشا # يبحث في جيوبنا تفتيشا

حتى وردنا حارة الخراب # من الشام مركز الأنجاب

و قد تلاقينا بنعم الملتقى # مع فتية ترعى المعالي و التقى

عن موعد كان لنا من عامله # يجمعنا لو لا اختلاف القافلة

و قد توافينا بيوم واحد # في الشام بلغة المقاصد

و بدء من أمعن بالإكرام # جواد آل حمزة اللحام

نعم الجواد الأروع الجواد # نعم الفتى عزت له الأنداد

مهذب الأخلاق غير مائل # عن سنن المجد إلى التكاسل

قد بسط الأخلاق بالمعروف # و كل معنى حسن ظريف

حين تلقى سمعه ورودي # كان إلينا أول الوفود

حتى إذا وافى مقري لم يدع # ان حمل الأسباب طرا و رجع

لم يك الا في حماه منزلي # و نعم دار كان فيها معقلي

فاختلف الأصحاب و الاخوان # و من له في الأدب اقتران

و نحن في اخفض عيش و صفا # مع جيرة تمزح بالحلم الوفا

و دأبنا بعد تمام الأنس # نضرب للتحميل طبل العرس

فالبعض يختار المسير ممعنا # قلاطة و البعض يختار الونى

و البعض يختار السري إلى حلب # و بعضهم في لقم الشول رغب

و مانع السير على الجهات # جميعها تعرض العتات

548 إذ عاثت اللصوص و الغزاة # بكل وجه و هم العصاة

و قد أشار بعض اخوان الصفا # و هو الذي حاز كمالا و وفا

ان نكتري بغال جند الدوله # لما لهم من منعة وصوله

فاختير هذا الرأي فاكترينا # كما أشار ذو السدا علينا

و كان في البين المشير واسطه # على شروط قررت و رابطه

و قد بقينا في دمشق شهرا # مرادفا لليلتين اخرى

و نحن في اليوم نسير أو غدا # و كل يوم نستجد موعدا

حتى إذا ما أذن الله لنا # في السير سرنا و انتهى ذاك الونى

و صحبنا تسع و عشرون عدد # بين ذكور و إناث و ولد

و قد سرينا من دمشق عصرا # (براه ذي الحجة أرخ يسرا) سنة 1263

حتى وردنا الخان عند المغرب # ثلاث ساعات بوخد المركب

و بكر الركب إلى القطيفة # عن كدة مسرعة عنيفه

بها أقمنا ليلة و نافله # منتظرين لعميد القافلة

ثم ارتحلنا قبل ضوء الفجر # حتى وردنا النبك بعد الظهر

و دون خان النبك كان المنزل # و هو لعمري للفساد معقل

بها أقمنا ليلة و ليله # حتى اتى العميد يزجي خيله

و في الصباح جد و خد السير # نمعن بالجد إلى القصير

و قد وردناه قبيل المغرب # و الكل نشوان بخمر التعب

وجد في الصبح مسير القافلة # حتى أتينا حمص عند القائلة

بها أقمنا ليلة و ثانيه # و صحبنا للسير غير وانية

و قد توافينا بيوم واحد # مع خل صدق و خليل ماجد

قد جد يسعى من بلاد عامله # لأرض فوعة لأمر كان له

فجد بالالحاح ان نمضي معه # لفوعة لعل فيها منفعه

و في صباح الثالث الركب ارتحل # إلى حماه و العصير قد وصل

حتى إذا ارتحنا من الإعياء # قمنا نزيل الرنق بالصفاء

نطوف في خلالها تفرجا # و قد سلكنا منهجا فمنهجا

كم جنة صح بها النعيم # الا النعامى و الصبا سقيم

و للنواعير حنين موجع # لكل قلب بالنوى يصدع

تدور سعيا و تئن كمدا # كأنها تطلب ألفا فقدا

خاطبتها و لي فؤاد قد حوى # نار الجوى و بالفراق قد ذوى

قلت لها و للنوى اختلاق # لك الحنين و لي الفراق

فأين أنت و الغرام و الهوى # الكل لي و أنت تبدين الجوى

فأين نار القلب منك و الشجن # من نار قلبي حين فارقت الوطن

ثم قصدنا بعدها شيخونا # صبحا فجئنا الخان قائلينا

و قد وجدنا في الطريق جندا # يقارب الالف خيولا عدا

سالت من بعضهم استفهاما # فقال من بغداد نبغي الشام

و من أمر ما وجدنا جهدا # في الركب تركي يضاهي القردا

مقلد طنبوره نهارا # و الليل ينهي ضربه الأوتارا

غناه صوت الدب إذ ما أحرجا # و هو أبح كيف يروي الهزجا

و ضربه للعود كالـ.. # من جوف متخوم من الاخلاط

فصوته و وجهه و بشره # برد الشتا و ليله و ضره

قيل الغناء يدفع الآلاما # و صوت هذا يجلب الاسقاما

يورث داء السل و الزحير # و يغلب البرد على المحرور

549

فليلة الخان حوت كل الأذى # بريحه و رملة و صوت ذا

ثلاثة نلنا بها غثاثه # و بالغت في ضرنا الثلاثة

ثم ارتحلنا بعد للمعره # و هي لعمري للصلاح ضره

بها وجدنا رجلا مجنونا # و قد تسمى بينهم دحنونا

يقول من ذا يبتغي الرضوانا # يفعل بي فيدخل الجنانا

و عين الفعل بسبع عشره # و يكثر الفوز لمن قد كثره

يكبس النساء و الرجالا # و الكل منهم طالب منالا

يرجون من تكبيسه الشفاء # و يدعون كم أزاح داء

هذا الذي منهم بدا علانيه # و الله أدرى بالتي في الثانية

فقبح الله بني المعرة # و شبهها في الناس ألف مره

ثم ارتحلنا عند ضوء الفجر # حتى أتوا سرمين بعد الظهر

و في الصباح قصد الركب حلب # و سرت للفوعة من أجل الإرب

و صاحبي الفذ الحسين المنتقى # و من بحمص كان فيه الملتقى

حتى نزلنا بالهمام المتقي # محمد ابن الفاضل الحبر التقي

و قد حبينا منه بالإكرام # و البر و الإحسان و الإنعام

و ما عجيب منهم الإفضال # لحالة موروثة تدال

و هو يزيد البشر آنا آنا # و يتبع الحسنى له إحسانا

و قد أقمنا عنده ثلاثا # و زاد في ايناسه اكتراثا

ثم توادعنا و سرنا صبحا # مع صحبة حوت تقى و نجحا

حتى وردنا حلبا عصيرا # و كم شهدنا جامعا و ديرا

ثم تلاقينا مع الرفاق # و انضم مشتاق إلى مشتاق

فلم نجد في حلب ما ينتقى # غير الشقاق و النفاق و الشقا

و قد رأينا جامعا عظيما # مزخرفا منوعا قديما

تتيه فيه العين و الألباب # و كم تليه خوخة و باب

مرمره في الأرض صفو الماء # يريك شكل الطير في السماء

و كم به من منبع و ساقيه # و بركة لها سقوف واقية

يجري إليها الماء صاف يلمع # كذاك منها لسواها يسرع

ترى صفاء الماء في الرخام # كأنه الخيال في الأوهام

و لا أزيد وصفه خوف الملل # فاعتبر الجامع في حسن العمل

تسعة أيام أقمنا عددا # ثم ارتحلنا حيث نبغي المقصدا

سرنا صباحا حيث طاب السري # حتى وردنا اخترين عصرا

و قاصرون بعدها و نزبا # كلا أتيناها نزولا مغربا

ثم وردنا لبراجيك ضحى # و قد تعسفنا عبورا و انتحا

بها أقمنا ليلة ثم إلى # نحو هربزان قصدنا منزلا

فضل في طريقنا الدليل # و ما له الا النجا سبيل

فثم أم الركب بوغزلانا # ظهرا و ما أطيبه مكانا

لنشأة الأمواه و الأزهار # للطير تغريد على الأشجار

بها أقمنا لغروب الشمس # على ارتياح و صفا و أنس

ثم سرينا الليل سيرا ضبحا # حتى وردنا هربزان صبحا

و يومه الثاني ارتحلنا فجرا # حتى وردنا نحو (ارفا) ظهرا

بها شهدنا بركة الخليل # تجري بها الحيتان كالخيول

فلو وزنت الماء و الحيتانا # زادت على مياهها رجحانا

549 كأنها السطور حشو الطرس # آمنة من صائد و مس

و المنجنيق اثره مبين # يخبر عما ارتكب اللعين

و مات في الركب شقي محرب # يدعى غزالا و هو كلب أجرب

فعوق الركب عن المسير # ضحى إلى ان حل في القبور

فكان ذا عن البكور عذرا # لذا وردنا جلمان ظهرا

ثم سرينا في الدجى وشيكا # حتى الغروب فوردنا نيكا

و حينما طير الثريا جنحا # سرنا فجئنا لسويرك ضحى

فأخبرت ناس لهم دراية # بحالة اللصوص و السعاية

بان قوما من عتاة العرب # هم مائتان و لنا في طلب

كانوا لنا مرتقبين مذ سرى # ركب لنا فخيبت ان تظفرا

و قد بقي عميدنا محتارا # ليلا يرى المسير أم نهارا

من اي وجه يأخذ الطريقا # و هو بسكر الفكر لن يفيقا

حتى استقر الرأي عن نهوك # ان يسري الركب إلى شرموك

خرافة

و في سويرك شهدنا آيه # ثابتة بالنقل و الدراية:

أن بها من عصبة المختار # ستة أجسام بلا تواري

أجسامهم على مرور الحجج # باقية تنمو بطيب الأرج

واحدهم شيخ كبير أشيب # يدعى عليا و هو فيهم معطب

مبضع الصدر طعين الخاصرة # باد لعيني ناظر و ناظره

و ابنان في جنبيه و ابنتان # و زوجة له على البيان

و هم على مرتفع كالمصطبه # أجسادهم مصفوفة مرتبه

هذا و نحن حين جئنا للمحل # شمناه صدقا مثلما الرائي نقل

سوى الجسوم كل جسم جعلا # خلال تابوت رفيع اعتلى

ثلاثة كنا به تماما # قد التمسنا من يلي الأجساما

ان يفتح التابوت للمشاهده # و بعد بذل الجهد و المراودة

قد قابل التابوت بالتعظيم # و قارن الآداب بالتسليم

و كان تابوت علي مثلما # يدعى و قد كان الغطاء مسنما

فمذ تجلى النور من حجابه # و أسفر البدر بلا نقابه

مددت طرفي نحوه تاملا # رأيته بالقطن قد تزملا

سوى قليل من محياه بدا # و سائر الجسم عن العين ارتدى

و رام ان يكشف عن كل الجسد # لكي نراه عن ثبات معتمد

فمد واحد يديه عاجلا # خلاله فاغتاظ ذاك قائلا:

ما هذه حسن سجايا و أدب # و أغلق الباب و ما نلنا الإرب‏ (1)

ثم رجعنا لمحط القافلة # و قد أخذنا كلما نحتاج له

حتى إذا اربى الظلام سترا # سرنا لشرموك فجئنا عصرا

بها أقمنا ليلة و اخرى # لم نلف الا برة و برا

و قد وجدنا عندها حماما # بلا وقيد لاهبا ضراما

به اغتسلنا و جميع من حضر # ثم تهيأنا إلى حيث السفر

حتى إذا ما كان قبل الفجر # سرنا فجئنا الخان بعد الظهر

و كان نزل من بني الأكراد # بالقرب منه عيبة الفساد

تغتنم الفرصة في الحرام # و الكل عاط جذر اللئام

و حولنا الأجناد كل محترس # يشبه ذا اللبدة حين يفترس

و الخان مدعو بخان كفر # منه ارتحلنا لديار بكر

و قد نزلنا ثم بئس المنزل # خان لأرذال الطغام معقل‏

____________

(1) هذا نوع من المخرقة و التدجيل بادعاء ان جماعة من الصحابة هناك أجسادهم باقية للارتزاق بذلك من ضعفاء العقول. -المؤلف-غ

550

و صاحب الخان لئيم الذات # منغمس بارذل الصفات

يدعى بعبد الله في الأسماع # و هو عبيد الخزي و الأطماع

كم رام فينا عثرة و ما ظفر # و كم لتاييد الإله من عبر

فنقمة الله عليه ابدا # ما هبت الريح على طول المدى

و الرأي قد اجمع منا في السري # بدجلة و الحال قد تعذرا

لصادر التحريج في الأكلاك # و ضبطها لذخرة الأتراك

و ثم آلات حروب و عدد # لنحو بغداد لأمر قد ورد

و نحن في امر السري حيارى # أ نكتري ظهرا أو اصطبارا

و اختزلت جماعة منا على # مسيرها برا لياس حصلا

فعندها شمرت عن ساق الهمم # أشد للسعي و للجهد الحزم

نظمت مدحا للوزير احمدا # أبديت من بعد الثناء المقصدا

فمذ تلاها باعتناء و ابتهر # أوما باحضاري لشخص و امر

و مذ رآني أظهر التعظيما # و أكثر الآداب و التسليما

أومأ إلى جانبه لمجلسي # بطلق وجه بالجمال مكتسي

و كان لي بالصحبة ندب أغر # و هو الحسين الماجد الفذ الأبر

فاخرج التوقيع بالمطلوب # في غاية المأمول و المرغوب

و أرسل التابع للديوان # توصية باللطف و الإحسان

بكل ما نريد ان لا يمتنع # من كلك أو عبرة أو مجتمع

و حين قمنا قام للاجلال # يشير بالمعروف و الإفضال

حتى أتينا صاحب الديوان # فبلغ المأمور باللسان

ما قاله الندب الوزير، و امر # فجي‏ء بالكلاك حالا فحضر

فبلغ الأمر و اوصوه بما # اوصى به الفذ الوزير مكرما

فثم بادرنا لخير نقله # من ذلك الخان لشاطي الدجلة

به أقمنا عن تعلات الونى # خمسا و ليس السير فيها ممكنا

و علة الإمهال للاماني # نسري مع الاكلاك للأمان

و قد أقمنا في ديار بكر # سبعا و عشرا في هنا و ضر

ثم سرينا نقتفي التوكلا # على الرءوف البر نبغي الموصلا

و كان ماء دجلة ضعيفا # و سيرنا كان به عنيفا

كم شعبة للماء فيه تفترق # لضعفه و نحن فيها نخترق

فجزرة تأتي عقيب جزره # يستوقف الكلاك فيها العبرة

حتى وردنا الحصن بعد الظهر # رابع يوم من ديار بكر

و هو الذي يدعى بحصن كيفا # و قد بدا عالي الذرا كنيفا

و النهر في واديه يجري سائلا # مدفقا كالسهم يرمي صائلا

بيوته تسمو على ارتفاع # مبثوثة كالوشم في الذراع

فبعضها تحت و بعضها عمل # و بعضها جامع دين مختزل

فكم بها من جامع قديم # و مدرس أعد للتعليم

و كم قصور رفعت و صرح # يطول فيها ان وصفت شرحي

قديمة الآثار من عهد القدم # تنبئ عن ثروة من صاروا رمم

و أهلها جميعهم أكراد # دأبهم الشقاق و الفساد

و ما لبثنا دون ان شرينا # ما نبتغي و بالوحي سرينا

من ثم كان الماء في ازدياد # فارتاحت الأنفس في المهاد

حتى وردنا بعدها الجزيرة # و هي لعمري بلدة خطيره

و قد خلت من نضرة و من شجر # و من قصور ترتقى و من أثر

و ما بها سوى المياه دائره # مثل الغواة حول بنت حاسره

550 رخيصة الأسعار خذ و لا تسل # اللحم و السمن كثير و العسل

و أهلها في الخفض و الليانة # كأنها العانة في المثانة

و هم من القوم الأولى عنها كشف # غطاؤها و من رآها يعترف

بها أقمنا ليلة و اخرى # ثم سرينا حيث طاب المسرى

حتى وردنا موصلا في الخامس # و هي لعمري مجمع النفائس

و قد نزلنا الخان حول الجسر # فزال عنا فيه كل عسر

لما به من نشاة و لطف # يطول شرحي فيه حين وصفي

بالجانب الشرقي زرنا يونسا # في نينوى طابت هناك مغرسا

و قبره على كثيب مشرف # منوع التحسين بالتزخرف

معظم بناؤه رحب الحرم # زواره كثيرة جم الخدم

مختلف الوضيع و الشريف # و موئل الأقيال و الضعيف

فليس يخلو قبره من زائر # بكل آن ذاهب و غابر

ثم قفلنا نبتغي المنالا # نزور جرجيس و دانيالا

قبراهما بالجانب الغربي # جئنا إليهما بغير عي

حتى أتينا دانيالا أولا # و قد رأينا مرقدا مبجلا

معظم الشعار في الآثار # منوع الاشكال في الأستار

رحب المكانين ضريح و حرم # خلاله الزوار كثر و الخدم

بقربة قبر أويس القرني # خلال سرداب قديم قد بني

ثم قصدنا بعده جرجيسا # و قد رأينا مرقدا نفيسا

معظم الشعار في البناء # سامي الذرا متسع الأرجاء

استاره من الحرير السندسي # بعض و بعض من حرير أنفس

قد زاد بذل المال في اصطناعه # مع سعة الضريح و ارتفاعه

و ما يلي الضريح رحب و الحرم # يكثر فيه الزائرون و الخدم

متصلا بجامع أعظم به # من جامع بصنعه و رحبة

ثم انثنينا بعد انهاء الوطر # من الصلاة و الدعاء و النظر

نطوف في المدينة اعتبارا # نعتبر الأحوال و الآثارا

فكم بها من اثر قديم # و كم بها من معبد عظيم

و هي لعمري بلدة عظيمه # أحوالها باللطف مستقيمه

فماؤها دجلة و الهواء # فيها لكل علة شفاء

زاهية الجنات بالأشجار # لكثرها رخيصة الأسعار

و خبزها مثل صدور غيد # مهفهفات كاعبات رود

أشهى إلى العين من الرقاد # من ناعس بالغ في السهاد

كذلك القمير كالزنود # منهن و التفاح كالخدود

و الضرب الماذي كالرضاب # من فم من تهوى من الأحباب

احلى من الوصل عقيب الهجر # و من منال القصد بعد الصبر

و لا أطيل الشرح في حسن الثمر # فعن جنان الخلد قد ذاع الخبر

سبعة أيام بها أقمنا # ثم إلى تكريت قد عزمنا

حتى إذا تمت ليال اربعه # جئنا لتكريت بخفض و دعه

و هي لعمري بلدة سخيفه # و أهلها كالدود وسط جيفة

و ما بها شي‏ء يسر الناظر # به سوى البطيخ و هو وافر

كذا النساء كالظباء في الحور # و الحسن و الرجال أمثال البقر

بها أقمنا ليلة اخرى # ثم سرينا فوصلنا عصرا

لنحو سامراء فابتدرنا # سرعان للمزار فاغتسلنا

و الكل منا شيق طروب # للشوق في احشائه و جيب

551

نلثم بالعيون و الشفاه # و بالخدود الترب و الجباه

حتى وردنا مغرب الشموس # و موضع التهليل و التقديس

نمرغ الخدود بالوجين # و نمسح الدموع باليمين

حتى إذا جئنا بترتيب العمل # فرضا و نفلا و دعاء قد حصل

ثنى بنا القصد إلى السرداب # للثم ترب الأرض و الاعتاب

ثم قضينا العمل المرتبا # من كل ما فيه اليه ندبا

صلى الإله ما سرى ريح الصبا # على امام في فناه غيبا

و قد أقمنا ليلتين و اقتضى # مسيرنا منها إلى أبي الرضا

حتى إذا ما كان يوم الرابع # بدا لنور الطهر أسنى لامع

يلوح للقبة من بعيد # فعندها شرعت في قصيدي‏

قصيدته في حمد البك

و من شعره قصيدة تتجاوز مائة بيت، نظمها في انتصار حمد البك المحمود على جيوش إبراهيم باشا يرد بعضها في ترجمة حمد البك المحمود في الجزء الثامن و العشرين.

{- 8274 -}

حبيب بن عبد الله.

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب علي ع .

{- 8275 -}

حبيب العبسي

والد عائذ بن حبيب. عده الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر و الصادق ع .

{- 8276 -}

حبيب بن العلاء السجستاني

في لسان الميزان : ذكره الطوسي في رجال الشيعة ، و ذكر عنه أبو عمرو الكشي انه سمع من جعفر الصادق قصة في الكتاب الذي انزل على موسى فجعله عند هارون ، و استمر عند ذريته إلى ان أضاعه بعضهم، و ساقها مطولة. و آثار الوضع لائحة عليها، و قد ذكرتها بتمامها في ترجمة يغوث من كتابي الاصابة في تمييز الصحابة . و الشيخ الطوسي في رجاله ذكر حبيب بن المعلى السجستاني كما ستعرف، و لم يذكر حبيب بن العلاء .

و احتمال التصحيف بين المعلى و العلاء قريب، و لكن الكشي ليس في كتابه ذكر لحبيب بن العلاء و لا لهذه القصة التي أشار إليها. و أغرت من ذلك انه قال في ترجمة يغوث : جاء في ذكره في خبر أظنه مصنوعا، قرأت في كتاب طبقات الامامية لابن أبي طي اه. لم يزد على ذلك شيئا مع ان قوله (قرأت) يدل على ان الكلام ناقص لانه لم يذكر المقروء الا ان يكون الصواب قرأته و الله أعلم.

{- 8277 -}

الشيخ حبيب ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر الجناحي النجفي صاحب كشف الغطاء.

توفي سنة 1307 .

كان عالما صالحا. و لما توفي رثاه جعفر الحلي بقصيدة في ديوانه من جملتها:

لله بدر الجعفريين الذي # أبدى برغم المكرمات غروبا

أودى فابناء الشريعة بعده # شقت له بدل الجيوب قلوبا

أدعوك يا غوث الصريخ فلم تجب # و لقد عهدتك للصريخ مجيبا

قد كان وجهك يا حبيب ذريعة # بك من غدا يدعو الإله أجيبا

551 و به تحل عرى المحول فان ابدا # لم يبق وجه سحابة محجوبا

و منها في تعزية أخيه الشيخ عباس :

صبرا أبا الهادي و ان يك رزؤكم # بسهامه الدين الحنيف أصيبا

صوب و صعد مقلتيك مكررا # من عينك التصعيد و التصويبا

أ فهل ترى وجه امرئ ما غادرت # لطمات نائبة عليه ندوبا

ان تخلق الأيام جدة عالم # من بيتكم فقد ارتديت قشيبا

لك فكرة في العلم ان وجهتها # أبدت بمنة ذي الجلال غيوبا

هل كيف تحجب عنكم و أبوكم # كشف الغطاء فبين المحجوبا

تزهو المحارب ان تقوم مصليا # بك و المنابر ان تقوم خطيبا

و تعد نافلة العطاء فريضة # و العذر في آثارها تعقيبا

{- 8278 -}

حبيب بن أبي ثابت قيس ،

و يقال: هند بن دينار أبو يحيى الاسدي الكاهلي مولاهم الكوفي.

توفي سنة 119 و قيل سنة 122 حكاه في خلاصة تذهيب الكمال .

صفته‏

في طبقات ابن سعد : روي لي عن حفص بن غياث : رأيت حبيب بن أبي ثابت رجلا طويلا أعور .

أقوال العلماء فيه‏

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب علي ع فقال حبيب بن أبي ثابت . و ذكره في أصحاب الحسين ع فقال حبيب بن أبي ثابت أبو يحيى الأسدي الكوفي تابعي، و كان فقيه الكوفة أعور، مات سنة 119 . و ذكره في أصحاب الباقر و الصادق ع فقال: حبيب بن أبي ثابت الأسدي الكوفي تابعي اه. و في مستدركات الوسائل ظاهر ثقة الإسلام في باب الفرق بين من طلق على غير السنة و غيره أنه عامي . و عن تقريب ابن حجر : حبيب بن أبي ثابت قيس ، و يقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبو يحيى كوفي ثقة ثقة جليل، و كان كثير الإرسال و التدليس من الثالثة، مات سنة 119 . و في ميزان الاعتدال حبيب بن أبي ثابت من ثقات التابعين قال البخاري : سمع ابن عمرو عمر و ابن عباس تكلم فيه ابن عون . قلت: وثقه يحيى بن معين و جماعة، و احتج به كل من أفراد الصحاح بلا تردد و غاية ما قال فيه ابن عون : كان أعور، و هذا وصف لا جرح و لو لا أن الدولابي و غيره ذكره لما ذكرته اه. و في طبقات ابن سعد :

حبيب بن أبي ثابت الأسدي مولى لبني كاهل ، و يكنى أبا يحيى و اسم أبي ثابت قيس بن دينار . قال أبو بكر بن عياش : كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت و الحكم بن عتيبة و حماد بن أبي سليمان ، و كان هؤلاء الثلاثة أصحاب الفتيا و هم المشهورون، و ما كان بالكوفة أحد الا يذل لحبيب أخبرنا الفضل بن دكين و محمد بن عمر-الواقدي- قالا: مات حبيب بن أبي ثابت سنة 119 . و في تهذيب التهذيب : قال البخاري عن علي بن المديني له نحو مائتي حديث. و قال العجلي كوفي تابعي ثقة و قال ابن معين و النسائي ثقة. و عن ابن معين ثقة حجة قيل له ثبت؟قال نعم انما روى حديثين، قال: أظن يحيى يريد منكرين حديث‏

المستحاضة تصلي و ان قطر الدم على الحصير

، و حديث‏

القبلة للصائم‏

، و قال أبو حاتم صدوق ثقة و لم يسمع حديث المستحاضة من عروة . و قال ابن حبان في الثقات : كان مدلسا. و قال العقيلي : غمزه ابن عون . و قال القطان : له

552

غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه و ليست بمحفوظة. و قال الأزدي روي عن ابن عون انه تكلم فيه، و هو خطا من قائله انما قال ابن عون : حدثنا حبيب و هو أعور. قال الأزدي و حبيب ثقة صدوق. و قال الآجري عن أبي داود : ليس لحبيب عن عاصم بن ضمرة شي‏ء يصح. و قال ابن عدي :

هو أشهر و أكثر حديثا من ان احتاج اذكر من حديثه شيئا، و قد حدث عنه الأئمة و هو ثقة حجة كما قال ابن معين . و قال العجلي : كان ثقة ثبتا في الحديث سمع من ابن عمر غير شي‏ء و من ابن عباس ، و كان فقيه البدن (البلد ظ) ، و كان مفتي الكوفة قبل الحكم و حماد . و ذكره أبو جعفر الطبري في طبقات الفقهاء و كان ذافقه‏و علم. و قال ابن خزيمة في صحيحه : كان مدلسا و قد سمع من ابن عمر . و قال ابن جعفر النحاس كان يقول إذا حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك كنت صادقا.

و نقل العقيلي عن القطان قال حديثه عن عطاء ليس بمحفوظ قال العقيلي :

و له عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها منها: حديث عائشة لا تسبحي عنه.

و قال سليمان بن حرب في قول حبيب (رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر ) ما علمه بهذا و هو صبي. و نافع اعلم بامر ابن عمر منه اه. و ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء فقال و منهم المتعبد المنافق المتوكل على المولى الرزاق مطعم القراء و معلم السفهاء حبيب بن أبي ثابت تواضع فارتفع و تطاوع فانتفع ثم روى بسنده عن أبي يحيى القتات قدمت مع حبيب بن أبي ثابت الطائف فكأنما قدم عليهم نبي و عده ابن رستة في الأعلاق النفيسة من الشيعة .

أخباره‏

في حلية الأولياء بسنده عن كامل بن أبي العلاء أنفق حبيب بن أبي ثابت على القراء مائة ألف. و بسنده عن أبي بكر بن عياش رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدا فلو رأيته قلت ميت-يعني من طول السجود-و بسنده قال حبيب بن أبي ثابت ما استقرضت من أحد شيئا أحب إلي من نفسي أقول لها أمهلي حتى يجي‏ء من حيث أحب. و روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال: طلبت العلم و ما لي فيه نية ثم رزق الله النية. و في حلية الأولياء بسنده عن حبيب بن أبي ثابت طلبنا هذا الأمر و ما نريد به-يعني الحديث-ثم رزق الله النية-يعني في الحديث- و في الطبقات بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال ما عندي كتاب في الأرض الا حديث واحد في تابوتي. و بسنده عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت يقول أتى علي ثلاث و سبعون سنة .

ما جاء عنه من المواعظ و الحكم‏

في حلية الأولياء : قال حبيب بن أبي ثابت : من وضع جبينه لله تعالى فقد برئ من الكبر. و قال كان يقال ائتوا الله في بيته فإنه لم يؤت مثله في بيته و لا أحد أعرف بالحق من الله .

ما روي من طريقه من مختلف الأخبار

الإقبال بالحديث على الكل‏

في حلية الأولياء بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال ان من السنة إذا حدث الرجل القوم ان يقبل عليهم جميعا و لا يخص أحدا دون أحد . 552

الشكوى‏

و بسنده عنه كان يعقوب ع قد كبر حتى رفع حاجبيه بخرقة فقيل له ما بلغ بك ما ارى؟قال طول الزمان و كثرة الأحزان فأوحى اليه ربه أ تشكوني؟قال رب خطيئة أخطأتها فاغفرها.

القتل‏

و

بسنده عنه عن ابن عباس قال رسول الله ص لو ان أهل السماء و أهل الأرض اجتمعوا على قتل امرئ مسلم لعذبهم جميعا

.

الصبر على الأذى‏

و

بسنده عنه عن ابن عمر عن النبي ص المؤمن الذي يخالط الناس فيؤذونه فيصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس فيؤذونه فيصبر على أذاهم‏

.

تواضع النبي ع

و بسنده عنه عن انس كان النبي ص يلبس الصوف و ينام على الأرض و يأكل على الأرض و يركب الحمار و يردف خلفه و يعقل العنز فيحتلبها و يجيب دعوة العبد.

بر الوالدين‏

و

بسنده من طريق حبيب بن أبي ثابت جاء رجل إلى النبي ص يستاذنه في الجهاد فقال له أ حي أبواك قال نعم قال اجلس عندهما قال و في رواية ففيهما فجاهد

.

الحمادون‏

و

بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ص أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء و الضراء

.

الأرواح جنود مجندة

و

بسنده عن أبي الطفيل قال رسول الله ص الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف‏

.

التوبة

و

بسنده عن زيد بن وهب عن عمر قال رسول الله ص إذا كان يوم القيامة جي‏ء بالتوبة في أحسن صورة و أطيب ريح، فلا يجد ريحها الا مؤمن، فيقول الكافر يا ويلتاه أتاك هو لك يزعمون انهم يجدون ريحا طيبة و لا نجدها!فتكلمهم التوبة فتقول لو قبلتموني في الدنيا لأطبت ريحكم اليوم!فيقول الكافر انا أقبلك الآن فينادي ملك من السماء لو أتيتم بالدنيا و ما فيها و كل ذهب و فضة و بكل شي‏ء كان في الدنيا ما قبل منكم توبة فتبرأ منهم التوبة و تبرأ منهم الملائكة، و تجي‏ء الخزنة فمن شمت منه ريحا طيبة تركته و من لم تشم منه ريحا طيبة ألقته في النار

.

مشايخه‏

في حلية الأولياء روى عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس و ابن عمر و جابر و حكيم بن حزام و أنس بن مالك و ابن أبي اوفى و أبو الطفيل و زاد

553

في تهذيب التهذيب انه روى عن زيد بن أرقم و إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص و نافع بن جبير بن مطعم و مجاهد و عطاء و طاوس و سعيد بن جبير و أبي صالح السمان و زيد بن وهب و عطاء بن يسار و ميمون بن أبي شبيب و أبي المطوس و ثعلبة بن يزيد الحماني و خلق. قال و من أقرانه عن ذر بن عبد الله الهمذاني و عبدة بن أبي لبابة و عمارة بن عمير و محمد بن علي بن عبد الله بن عباس و غيرهم و أرسل عن أم سلمة و قال أبو زرعة لم يسمع من أم سلمة و عن حكيم بن حزام : و روى عن عروة بن الزبير حديث المستحاضة، و جزم الثوري انه لم يسمع منه و انما هو عروة المزني آخر ، و مر انه صحب الأئمة عليا و الحسين و الباقر و الصادق ع .

تلاميذه‏

في حلية الأولياء : روى عنه عدة من التابعين منهم عطاء و عبد العزيز بن أبي رفيع و الشيباني و الأعمش و عامة حديثه عند الأئمة و الأعلام الثوري و مسعر و شعبة اه. و في تهذيب التهذيب : روى عنه الأعمش و أبو إسحاق الشيباني و حصين بن عبد الرحمن و زيد بن أبي انيسة و الثوري و شعبة و المسعودي و ابن جريح جريج و أبو بكر بن عياش و مسعر و مطرف بن طريف و أبو الزبير و غيره من اقرانه و عطاء بن أبي رباح و هو شيخه و جماعة اه. و ياتي انه روى عنه عامر بن السمط و الحسن .

{- 8279 -}

ميرزا حبيب بن ميرزا محمد علي الشيرازي.

توفي سنة 1270. كان من الشعراء الفرس له كتاب اسمه الكليات يشتمل على شكوى الزمان و الغزل و غير ذلك.

{- 8280 -}

حبيب بن عمرو.

من أصحاب أمير المؤمنين علي ع . و

في أمالي الصدوق في المجلس 52 الحديث 4 حدثنا أبي حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي حدثنا احمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن احمد بن النضر الخزاز عن عمر عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي حمزة الثمالي عن حبيب بن عمرو :

دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع في مرضه الذي قبض فيه فحل عن جراحته فقلت يا أمير المؤمنين ما جرحك هذا بي و ما بك من بأس فقال لي يا حبيب انا و الله مفارقكم الساعة فبكيت عند ذلك و بكت أم كلثوم و كانت قاعدة عنده فقال لها ما يبكيك يا بنية فقالت ذكرت يا أبي انك تفارقنا الساعة فبكيت فقال لها يا بنية لا تبك فو الله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت قال حبيب و ما الذي ترى يا أمير المؤمنين فقال يا حبيب ارى ملائكة السماوات و الأرضين بعضهم في أثر بعض و النبيين وقوفا إلى ان يتلقوني و هذا أخي محمد رسول الله ص جالس عندي يقول أقدم فان امامك خير لك مما أنت فيه فما خرجت من عنده حتى توفي الحديث

.

التمييز

عن جامع الرواة انه نقل رواية عامر بن السمط عنه و رواية محمد بن يعقوب عن الحسن عنه اه .

{- 8281 -}

الشيخ حبيب الكاظمي

مضى بعنوان حبيب بن طالب بن علي بن احمد . 553 {- 8282 -}

الشيخ حبيب بن محمد بن مهدي آل مغنية العاملي

توفي في أوائل المحرم سنة 1362 كان أديبا شاعرا، و من شعره قوله يمدح ابن عمنا السيد علي ابن السيد محمود حين وروده من حج بيت الله الحرام سنة 1320 .

سعدت و الناس فيك اليوم قد سعدوا # فحمدهم لك عمر الدهر إذ حمدوا

قد وحد الله في معناك جمعهم # فالجسم مختلف و الرأي متحد

ملكت قاصيهم قسرا و دانيهم # لا يدهمنك من دهمائهم عدد

كالشمس فضلك في الآفاق منتشر # ما شك في ذاك الا من به رمد

أنت الجميع و فيك الكل متحد # و ليس موردهم الا الذي ترد

ان غبت فالربع فيه لم يكن أحد # و ان حضرت فعنه لم يغب أحد

كم حاولوا نيل امر فات مطلبه # و قد وصلت و هم عن نيله بعدوا

الباذل الزاد عام المحل ان بخلوا # و المطعم الطرف ايقاظا إذا رقدوا

كم رام شاوك أقوام ذوو عدد # حتى إذا نهضوا من عجزهم قعدوا

لا ياسفن على ما فات من نشب # و لا يبيت على تيه إذا يجد

سيان يوماه في عدم و في جدة # له طريق إلى العلياء مطرد

من كل فج أتتك الناس وافدة # طوعا كأنهم للبيت قد وفدوا

ان يقصدوك بهم تهوي مطيهم # فزمزم و منى و البيت قد قصدوا

بنى الإله لنا بيتا و عظمه # و انما أنت منه الركن و العمد

و ان يكن حجة في العمر واحدة # فان حجك فرض ما له عدد

نهضت تصدع بالأحكام منفردا # و أنت بالفضل بين الناس منفرد

و فهت بالعلم مثل البحر مندفقا # لكن علمك بحر ما له أمد

{- 8283 -}

حبيب بن مظاهر.

روى حماد بن عثمان عنه عن أبي عبد الله ع في الفقيه في باب حكم من قطع عليه الطواف بصلاة أو غيرها .

{- 8284 -}

أبو القاسم حبيب بن مظهر أو مظاهر بن رئاب ابن الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد الاسدي الكندي ثم الفقعسي.

استشهد مع الحسين ع بكربلاء سنة 61 .

( مظهر ) في الخلاصة : بضم الميم و فتح الظاء المعجمة و تشديد الهاء و الراء أخيرا و قيل مظاهر (اه) . و في رجال ابن داود حبيب بن مظاهر و قيل مظهر بفتح الظاء و تشديد الهاء و كسرها و الأول بخط الشيخ رحمه الله (اه) . و الذي في أكثر النسخ من كتب‏التاريخ‏و غيرها مظهر بوزن مطهر و هو الصواب، و ما في الكتب الحديثة انه ابن مظاهر خلاف المضبوط قديما.

أقوال العلماء فيه‏

كان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين ع و لقوا جبال الحديد و استقبلوا الرماح بصدورهم و السيوف بوجوههم و هم يعرض عليهم الأمان و الأموال فيأبون و يقولون لا عذر لنا عند رسول الله ص ان قتل الحسين و منا عين تطرف حتى قتلوا حوله. و لقد خرج حبيب بن مظاهر الأسدي و هو يضحك، فقال له برير بن خضير

554

الهمداني (1) و كان يقال له سيد القراء يا أخي ليس هذه بساعة ضحك قال فاي موضع أحق من هذا بالسرور؟و الله ما هو الا أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور بالعين. قال الكشي : هذه الكلمة مستخرجة من كتاب مفاخرة البصرة و الكوفة (اه) . و في لسان الميزان حبيب بن مظهر الأسدي روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكره الطوسي في رجال الشيعة . و قال عمرو الكشي : كان من أصحاب علي ، ثم كان من أصحاب الحسن و الحسين ، و ذكر له قصة مع ميثم التمار ، و يقال ان حبيب بن مظهر قتل مع الحسين بن علي رضي الله عنهم (اه) . و في مجالس المؤمنين . عن روضة الشهداء أنه قال: حبيب رجل ذو جمال و كمال و في يوم‏كان عمره 75 سنة و كان يحفظ القرآن كله و كان يختمه في كل ليلة من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر (اه) . و في ابصار العين : قال أهل السير ان حبيبا نزل الكوفة و صحب عليا ع في حروبه كلها، و كان من خاصته و حملة علومه (اه) . و عن البحار أن فيه. محمد بن الحسين عن محمد بن جعفر عن أحمد بن أبي عبد الله قال: قال علي بن الحكم من أصفياء أصحاب علي ع عمرو بن الحمق الخزاعي عربي و ميثم التمار و هو ميثم بن يحيى مولى و رشيد الهجري و حبيب بن مظهر الأسدي و محمد بن أبي بكر (اه) .

هل هو صاحبي أو تابعي‏

يظهر من عدم عد الشيخ له في أصحاب الرسول ص و عده في أصحاب علي و الحسنين ع أنه ليس بصحابي و لم يذكره صاحبا الاستيعاب و أسد الغابة في عداد الصحابة و لكن في الاصابة حبيب بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الكندي ثم الفقعسي له ادراك و عمر حتى قتل مع الحسين بن علي ، ذكره ابن الكلبي مع ابن عمه ربيعة بن خوط بن رئاب اه. و في مجالس المؤمنين : حبيب بن مظاهر الأسدي محسوب من أكابر التابعين ، ثم حكى عن كتاب روضة الشهداء ما ترجمته: انه تشرف بخدمة الرسول ص و سمع منه أحاديث، و كان معززا مكرما بملازمة حضرة المرتضى علي اه.

أخباره في‏

روى الطبري في تاريخه و تبعه ابن الأثير ان حبيب بن مظاهر كان من جملة الذين كتبوا إلى الحسين ع لما امتنع من بيعة يزيد و خرج إلى مكة . و كانت صورة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم لحسين بن علي من سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة و رفاعة بن شداد و حبيب بن مظاهر و شيعته من المؤمنين و المسلمين من أهل الكوفة ، سلام عليك فانا نحمد إليك الله الذي لا اله الا هو!أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها و غصبها فياها و تامر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها و استبقى شرارها و جعل مال الله دولة بين جبابرتها و أغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود انه ليس علينا امام فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق، و النعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة و لا نخرج معه إلى عيد و لو قد بلغنا انك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله و السلام و رحمة الله و بركاته عليك. و قال 554 الطبري : انه لما ورد مسلم بن عقيل الكوفة و نزل دار المختار بن أبي عبيد و أقبلت الشيعة تختلف اليه فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فاني لا أخبرك عن الناس و لا اعلم ما في أنفسهم و ما أغرك منهم و الله أحدثك عما انا موطن نفسي عليه: و الله لأجيبنكم إذا دعوتم و لأقاتلن معكم عدوكم و لأضربن بسيفي دونكم حتى القى الله لا أريد بذلك الا ما عند الله. فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، ثم قال: و انا و الله الذي لا اله الا هو على مثل ما هذا عليه اه. و في ابصار العين :

قال أهل السير جعل حبيب و مسلم يأخذان البيعة للحسين ع في الكوفة حتى إذا دخلها عبيد الله بن زياد و خذل أهلها عن مسلم و تفرق أنصاره حبسهما عشائرهما و اخفياهما، فلما ورد الحسين كربلاء خرجا اليه مختفيين يسيران الليل و يكمنان النهار حتى وصلا اليه اه. و روى محمد بن أبي طالب في مقتله انه لما وصل حبيب إلى الحسين (ع) و رأى قلة أنصاره و كثرة محاربيه قال للحسين ع ، ان هاهنا حيا من بني أسد فلو أذنت لي لسرت إليهم و دعوتهم إلى نصرتك لعل الله ان يهديهم و ان يدفع بهم عنك!فاذن له الحسين ع فسار إليهم حتى وافاهم فجلس في ناديهم و وعظهم و قال في كلامه: يا بني أسد قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه، هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين و ابن فاطمة بنت رسول الله ص و قد نزل بين ظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، و قد أطافت به اعداؤه ليقتلوه، فاتيتكم لتمنعوه و تحفظوا حرمة رسول الله ص فيه، فو الله لئن نصرتموه ليعطينكم الله شرف الدنيا و الآخرة، و قد خصصتكم بهذه المكرمة لأنكم قومي و بنو أبي و أقرب الناس مني رحما. فقام عبد الله بن بشير الاسدي و قال: شكر الله سعيكم يا أبا القاسم ! فو الله لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحب فالأحب!أما انا فأول من أجاب و أجاب جماعة بنحو جوابه فنهدوا مع حبيب و انسل منهم رجل فأخبر ابن سعد فأرسل الأزرق في خمسمائة فارس، فعارضهم ليلا و مانعهم فلم يمتنعوا فقاتلهم، فلما علموا أن لا طاقة لهم بهم تراجعوا في ظلام الليل و تحملوا عن منار لهم، و عاد حبيب إلى الحسين ع فأخبره بما كان، فقال ع (وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ) * و لا حول و لا قوة إلا بالله. و روى الطبري انه لما نزل الحسين ع كربلاء و اقبل عمر بن سعد من الغد في اربعة آلاف حتى نزل بالحسين أرسل ابن سعد إلى الحسين كثير بن عبد الله الشعبي فلما رآه أبو تمامة الصائدي قال للحسين : أصلحك الله أبا عبد الله قد جاءك شر أهل الأرض و أفتكهم فقام اليه فقال ضع سيفك فأبى قال فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم فأبى ثم استبا و انصرف. فأرسل ابن سعد قرة بن قيس الحنظلي فلما رآه الحسين مقبلا قال أ تعرفون هذا؟فقال حبيب بن مظاهر نعم هذا رجل من حنظلة تميم و هو ابن أختنا و لقد كنت أعرفه بحسن الرأي، و ما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى سلم على الحسين و أبلغه رسالة عمر بن سعد اليه. فقال له الحسين كتب إلي أهل مصركم هذا ان أقدم فاما إذ كرهتموني فانا انصرف عنهم. ثم قال له حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرة بن قيس أنى ترجع إلى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة و إيانا معك. فقال له قرة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته و أرى رأيي اه. و روى الطبري أيضا انه لما زحف ابن سعد إلى الحسين ع يوم التاسع من المحرم ، قال العباس بن علي أتاك القوم!فقال اركب يا أخي حتى تلقاهم

____________

(1) في نسخة رجال الشيخ : يزيد بن حصين ، و هو تصحيف. -المؤلف-