الكامل في التاريخ - ج5

- ابن الأثير الجزري المزيد...
613 /
255

توجّهوا من خراسان يريدون مكّة سنة أربع و عشرين و مائة، فلمّا دخلوا الكوفة أتوا عاصم بن يونس العجليّ و هو في الحبس قد اتّهم بالدعاء إلى ولد العباس و معه عيسى و إدريس ابنا معقل العجليّان، *و هذا إدريس هو جدّ أبي دلف العجليّ، و كان‏ (1) حبسهما يوسف بن عمر مع من حبس من عمّال خالد القسريّ و معهما أبو مسلم يخدمهما قد اتّصل بهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: لمن هذا الفتى؟فقالا: غلام معنا من السرّاجين يخدمنا، و كان أبو مسلم يسمع عيسى و إدريس يتكلّمان في هذا الرأي، فإذا سمعهما بكى، فلمّا رأوا ذلك منه دعوه إلى رأيهم فأجاب. و قيل: إنّه من أهل ضياع بني معقل العجليّة بأصبهان أو غيرها من الجبل، و كان اسمه إبراهيم، و يلقّب حيكان، و إنّما سمّاه عبد الرحمن و كنّاه أبا مسلم إبراهيم الإمام، و كان مع أبي موسى السرّاج صاحبه يخرز[1] الأعنّة و يعمل السروج، و له‏[معرفة] بصناعة الأدم و السروج، فكان يحملها إلى أصبهان‏[2] و الجبال و الجزيرة و الموصل و نصيبين و آمد و غيرها يتجر فيها.

و كان عاصم بن يونس العجليّ و إدريس و عيسى ابنا معقل محبوسين، فكان أبو مسلم يخدمهم في الحبس بتلك العلامة، فقدم سليمان بن كثير و لاهز و قحطبة الكوفة فدخلوا على عاصم، فرأوا أبا مسلم عنده، فأعجبهم، فأخذوه، و كتب أبو موسى السرّاج معه كتابا إلى إبراهيم الإمام، فلقوه بمكّة، فأخذ أبا مسلم فكان يخدمه.

ثمّ إنّ هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم الإمام مرّة أخرى يطلبون رجلا [1] يحرز.

[2] أصبحان.

____________

(1) . P. C. mo

256

يتوجّه معهم إلى خراسان. فكان هذا نسب أبي مسلم على قول من يزعم أنّه حرّ. فلمّا تمكّن و قوي أمره ادّعى أنّه من ولد سليط بن عبد اللََّه بن عبّاس، و كان من حديث سليط بن عبد اللََّه بن عبّاس أنّه كانت له جارية مولّدة صفراء[1] تخدمه، فواقعها مرّة و لم يطلب ولدها ثمّ تركها دهرا، فاغتنمت ذلك فاستنكحت عبدا من عبيد المدينة فوقع عليها، فحبلت و ولدت غلاما، فحدّها عبد اللََّه ابن عبّاس و استعبد ولدها و سمّاه سليطا، فنشأ جلدا ظريفا يخدم ابن عبّاس، و كان له من الوليد بن عبد الملك منزلة، فادّعى أنّه ولد عبد اللََّه بن عبّاس و وضعه على أمر الوليد لما كان في نفسه من عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس و أمره بمخاصمة عليّ، فخاصمه و احتال في شهود على إقرار عبد اللََّه بن عبّاس بأنه ابنه، فشهدوا بذلك عند قاضي دمشق، فتحامل القاضي أتباعا لرأي الوليد فأثبت نسبه.

ثمّ إنّ سليطا خاصم عليّ بن عبد اللََّه في الميراث حتّى لقي منه عليّ أذى شديدا، و كان مع عليّ رجل من ولد أبي رافع مولى رسول اللََّه، صلى اللََّه عليه و سلّم، منقطعا إليه يقال له عمر الدنّ، فقال لعليّ يوما: لأقتلنّ هذا الكلب و أريحك منه، فنهاه عليّ عن ذلك و تهدّده بالقطيعة و رفق على سليط حتّى كفّ عنه.

ثمّ إن سليطا دخل مع عليّ بستانا له بظاهر دمشق، فنام عليّ فجرى بين عمر الدنّ و سليط كلام، فقتله عمر و دفنه في البستان، *و أعانه عليه مولى لعليّ و هربا، و كان لسليط صاحب قد عرف دخوله البستان‏ (1) ففقده فأتى أمّ سليط فأخبرها، و فقد عليّ أيضا عمر الدنّ و مولاه، فسأل عنهما و عن سليط فلم يخبره أحد، و غدت أمّ سليط إلى باب الوليد فاستغاثت على عليّ، فأتى [1]صغراء.

____________

(1) . R. mo

257

الوليد من ذلك ما أحبّ، فأحضر عليّا و سأله عن سليط، فحلف أنّه لم يعرف خبره و أنّه لم يأمر فيه بأمر، فأمره بإحضار عمر الدنّ، فحلف باللََّه أنّه لم يعرف موضعه، فأمر الوليد بإرسال الماء في أرض البستان، فلمّا انتهى إلى موضع الحفرة التي فيها سليط انخسفت‏و أخرج منها سليط، فأمر الوليد بعليّ فضرب و أقيم في الشمس و ألبس جبّة صوف ليخبره خبر سليط و يدلّه على عمر الدنّ، فلم يكن عنده علم، ثمّ شفع فيه عبّاس بن زياد فأخرج إلى الحميمة، و قيل إلى الحجر، فأقام به حتّى هلك الوليد و ولي سليمان، فردّه إلى دمشق.

و كان هذا ممّا عدّه المنصور على أبي مسلم حين قتله، و قال له: زعمت أنّك ابن سليط و لم ترض حتى نسبت إلى عبد اللََّه غير ولده، لقد ارتقيت مرتقى صعبا.

و كان سبب موجدة الوليد على عليّ بن عبد اللََّه أنّ أباه عبد الملك بن مروان طلّق امرأته أمّ ابنها ابنة عبد اللََّه بن جعفر، فتزوّجها عليّ، فتغيّر له عبد الملك و أطلق لسانه فيه و قال: إنّما صلاته رياء، و سمع الوليد ذلك من أبيه فبقي في نفسه.

و قيل: إنّ أبا مسلم كان عبدا، *و كان سبب انتقاله إلى بني العبّاس‏ (1) أنّ بكير بن ماهان كان كاتبا لبعض عمّال السند فقدم الكوفة، فاجتمع هو و شيعة بني العباس، فغمز بهم، فأخذوا، فحبس بكير و خلّي عن‏[1] الباقين، و كان في الحبس يونس أبو عاصم و عيسى بن معقل العجليّ و معه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه، فأجابوه، فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام منك؟ [1] على.

____________

(1) . فقال. P. C

258

قال: مملوك. قال: أ تبيعه؟قال: هو لك. قال: أحبّ أن تأخذ ثمنه. قال:

هو لك بما شئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثمّ‏خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى‏[أبي‏]موسى السرّاج، فسمع منه و حفظ ثمّ سار متردّدا إلى خراسان.

و قيل: إنّه كان لبعض أهل هراة أو بوشنج فقدم مولاه على إبراهيم الإمام و أبو مسلم معه، فأعجبه عقله فابتاعه منه و أعتقه و مكث عنده عدّة سنين، و كان يتردّد بكتب إلى خراسان على حمار له، ثمّ وجّهه أميرا على شيعتهم بخراسان و كتب إلى من بها منهم بالسمع و الطاعة، و كتب إلى أبي سلمة الخلاّل داعيتهم و وزيرهم بالكوفة يعلمه أنّه قد أرسل أبا مسلم و يأمره بإنفاذه إلى خراسان. فسار إليها فنزل على سليمان بن كثير، و كان من أمره ما نذكره سنة سبع و عشرين و مائة إن شاء اللََّه تعالى.

و قد كان أبو مسلم رأى رؤيا قبل ذلك استدلّ بها على ملك خراسان فظهر أمرها، فلمّا ورد نيسابور نزل بوناباذ، و كانت عامرة، فتحدّث صاحب الخان الّذي نزله أبو مسلم بذلك و قال: إنّ هذا يزعم أنّه يلي خراسان.

فخرج أبو مسلم لبعض حاجته، فعمد بعض المجّان فقطع ذنب حماره، فلمّا عاد قال لصاحب الخان: من فعل هذا بحماري؟قال: لا أدري!قال:

ما اسم هذه المحلّة؟قال: بوناباذ. قال: إن لم أصيّرها كنداباذ فلست بأبي مسلم. فلمّا ولي خراسان أخربها.

259

(1)

ذكر الحرب بين بلج و ابني عبد الملك و وفاة بلج و ولاية ثعلبة بن سلامة الأندلس‏

في هذه السنة كان بالأندلس حرب شديدة بين بلج و أميّة و قطن ابني عبد الملك بن قطن، و كان سببها أنهما لمّا هربا من قرطبة، كما ذكرناه، فلمّا قتل أبوهما استنجدا بأهل البلاد و البربر، فاجتمع معهما جمع كثير قيل كانوا مائة ألف مقاتل، فسمع بهم بلج و الذين معه فسار إليهم، و التقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، و جرح بلج جراحات، ثمّ ظفر بابني عبد الملك و البربر و من معهم و قتل منهم فأكثر و عاد إلى قرطبة مظفّرا منصورا، فبقي سبعة أيّام، و مات من الجراحات التي فيه، و كانت وفاته في شوّال من هذه السنة، و كانت ولايته أحد عشر شهرا.

فلمّا مات قدّم أصحابه عليهم ثعلبة بن سلامة العجليّ، لأنّ هشام ابن عبد الملك عهد إليهم: إن حدث ببلج و كلثوم حدث فالأمير ثعلبة، فقام بالأمر، و ثارت في أيّامه البربر بناحية ماردة، فغزاهم فقتل فيهم فأكثر و أسر منهم ألف رجل و أتى بهم إلى قرطبة.

ذكر عدّة حوادث‏

و فيها غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فغنم. و فيها مات محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس في قول بعضهم، و وصّى إلى ابنه

____________

(1) . qs. mo. P. CnitupaC

260

إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة إليهم.

و حجّ بالناس هذه السنة محمّد بن هشام بن إسماعيل.

و فيها مات محمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ، و كان مولده سنة ثمان و خمسين، و قيل سنة خمسين.

261

125 ثم دخلت سنة خمس و عشرين و مائة

ذكر وفاة هشام بن عبد الملك‏

و فيها مات هشام بن عبد الملك بالرّصافة لستّ خلون من شهر ربيع الآخر، و كانت خلافته تسع عشرة سنة و تسعة أشهر و واحدا و عشرين يوما، و قيل:

و ثمانية أشهر و نصفا، و كان مرضه الذّبحة، و عمره خمس و خمسون سنة، و قيل ستّ و خمسون سنة، فلمّا مات طلبوا قمقما من بعض الخزّان يسخن فيه الماء لغسله، فما أعطاهم عياض كاتب الوليد، على ما نذكره، فاستعاروا قمقما، و صلّى عليه ابنه مسلمة و دفن بالرّصافة.

ذكر بعض سيرته‏

قال عقّال بن شبّة: دخلت على هشام و عليه قباء فنك أخضر، فوجّهني إلى خراسان و جعل يوصّيني و أنا انظر إلى القباء، ففطن فقال: ما لك؟فقلت:

رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمّل أ هو هذا أم غيره.

فقال: هو و اللََّه ذاك، و أمّا ما ترون من جمعي المال و صونه فهو لكم. قال:

و كان محشوّا عقلا. و قيل: و ضرب رجل نصرانيّ غلاما لمحمّد بن هشام فشجّه، فذهب خصيّ لمحمد فضرب النصرانيّ، و بلغ هشاما الخبر و طلب الخصيّ

262

فعاذ[1]، بمحمّد، فقال له محمّد: أ لم آمرك؟فقال الخصيّ: بلى و اللََّه قد أمرتني. فضرب هشام الخصيّ و شتم ابنه.

قال عبد اللََّه بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس: جمعت دواوين بني أميّة فلم أر ديوانا أصحّ و لا أصلح للعامّة و السلطان من ديوان هشام. و قيل: و أتي هشام برجل عنده قيان و خمر و بربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الشيخ لمّا ضربه. فقال: عليك بالصبر. فقال: أ تراني أبكي للضرب؟إنّما أبكي لاحتقاره البربط إذ سمّاه طنبورا!قال: و أغلظ رجل لهشام، فقال له:

ليس لك أن تغلظ لإمامك. قيل: و تفقّد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟قال: نفقت دابّتي. قال: أ فعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابّة سنة. قيل: و كتب إليه بعض عمّاله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلّة درّاقن، و كتب إليه: قد وصل الدّرّاقن فأعجب أمير المؤمنين، فزد منه و استوثق من الدعاء. و كتب إلى عامل له قد بعث بكمأة: قد وصلت الكمأة و هي‏[2] أربعون، و قد تغيّر[3] بعضها من حشوها، فإذا[4] بعثت شيئا فأجد حشوها في الظّرف‏[5][الّذي تجعلها فيه‏]بالرمل حتّى لا تضطرب و لا يصيب بعضها بعضا. و قيل له: أ تطمع في الخلافة؟فأنت بخيل جبان!قال: و لم لا أطمع فيها و أنا حليم عفيف؟ قيل: و كان هشام ينزل الرّصافة و هي من أعمال قنّسرين، و كان الخلفاء قبله و أبناء الخلفاء ينتبذون‏[6] هربا من الطاعون فينزلون البرّيّة، فلمّا أراد هشام [1] فعاد.

[2] و هم.

[3] نعم.

[4] ما ذا.

[5] الطرق.

[6] يبتدرون.

263

أن ينزل الرّصافة قيل له: لا تخرج فإنّ الخلفاء لا يطعنون و لم ير خليفة طعن. قال: أ تريدون أن تجرّبوا فيّ؟فنزلها، و هي مدينة روميّة.

قيل: إنّ الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيّام هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام و أرسله إلى خالد القسريّ، و هو أمير العراق، و أمره بقتله، فحبسه خالد و لم يقتله، فبلغ الخبر هشاما، فكتب إلى خالد يلومه و يعزم‏[1] عليه أن يقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلمّا صلّى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا و ضحّوا يقبل اللََّه منكم، فإنّي أريد أن أضحّي اليوم بالجعد بن درهم، فإنّه يقول: ما كلّم اللََّه موسى و لا اتّخذ إبراهيم خليلا، تعالى اللََّه عمّا يقول الجعد علوّا كبيرا. ثمّ نزل و ذبحه.

قيل: إنّ غيلان بن يونس، و قيل ابن مسلم، أبا مروان أظهر القول بالقدر في أيّام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر و استتابه، فتاب ثمّ عاد إلى الكلام فيه أيّام هشام، فأحضره من ناصرة ثمّ أمر به‏فقطعت يداه و رجلاه، ثمّ أمر به فصلب.

قيل: و جاء محمّد بن زيد بن عبد اللََّه بن عمر بن الخطّاب إلى هشام، فقال:

ليس لك عندي صلة، ثمّ قال: إيّاك أن يغرّك‏[2] أحد فيقول لم يعرفك أمير المؤمنين، إنّي قد عرفتك، أنت محمّد بن زيد فلا تقيمنّ و تنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، الحق بأهلك.

قال مجمّع بن يعقوب الأنصاريّ: شتم هشام رجلا من الأشراف، فوبّخه الرجل و قال: أ ما تستحيي أن تشتمني و أنت خليفة اللََّه في الأرض؟ فاستحيا منه و قال: اقتصّ‏[3] منّي. قال: إذا أنا سفيه مثلك. قال: فخذ منّي [1] و يغرم.

[2] يعزل.

[3] اقبض.

264

عوضا من المال. قال: ما كنت لأفعل. قال: فهبها للََّه. قال: هي للََّه ثمّ لك. فنكس هشام رأسه و استحيا و قال: و اللََّه لا أعود إلى مثلها أبدا.

ذكر بيعة الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏

قيل: و كانت بيعته لستّ‏ (1) مضين من شهر ربيع الآخر من السنة، و قد تقدّم عقد أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك، و كان الوليد حين جعل وليّ عهد بعد هشام‏[ابن‏]إحدى عشرة سنة، ثمّ عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة[سنة]، فكان يزيد يقول: اللََّه بيني و بين من جعل هشاما بيني و بينك.

فلمّا ولي هشام أكرم الوليد بن يزيد حتّى ظهر من الوليد مجون و شرب الشراب، و كان يحمله على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّبه، و اتّخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاّه الحجّ سنة ستّ عشرة و مائة، فحمل معه كلابا في صناديق و عمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، و حمل معه الخمر، و أراد أن ينصب القبّة على الكعبة و يشرب فيها الخمر، فخوّفه أصحابه و قالوا: لا نأمن الناس عليك و علينا معك. فلم يفعل.

و ظهر للناس منه تهاون بالدين و استخفاف، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة و خلع الوليد، و أراد الوليد على ذلك، فأبى، فقال له: اجعله بعدك، فأبى، فتنكّر له هشام و أضر به و عمل سرّا في البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، و كان ممّن أجابه خالاه محمّد و إبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل، و بنو القعقاع بن خليد العبسيّ، و غيرهم من خاصّته، فأفرط الوليد في الشراب و طلب اللذّات، فقال له هشام: [ويحك‏]يا وليد، و اللََّه ما أدري

____________

(1) . لخمس.. R

265

أعلى الإسلام أنت أم لا!ما تدع شيئا من المنكر إلاّ أتيته غير متحاش، فكتب إليه الوليد:

يا أيّها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا و ممزوجة # بالسخن أحيانا و بالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمة، و كان يكنّى أبا شاكر، و قال له: يعيّرني الوليد بك و أنا أرشّحك للخلافة!فألزمه الأدب و أحضره الجماعة و ولاّه الموسم سنة تسع عشرة و مائة، فأظهر النّسك و اللين، ثمّ إنّه قسم بمكّة و المدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:

يا أيّها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

الواهب الجرد بأرسانها # ليس بزنديق و لا كافر

يعرّض بالوليد.

و كان هشام يعيب الوليد و يتنقّصه و يقصّر به، فخرج الوليد و معه ناس من خاصّته و مواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردنّ و خلّف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم، و قطع هشام عن‏[1] الوليد ما كان يجرى عليه، و كاتبه الوليد فلم يجبه إلى ردّه، و أمره بإخراج عبد الصمد من عنده، و أخرجه، و سأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل و سيّره، و أخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه و حبسه، فقال الوليد: من يثق بالناس و من يصنع المعروف!هذا الأحوال المشئوم قدّمه أبي على أهل بيته و صيّره‏[2] وليّ عهده ثمّ يصنع بي‏[3] ما ترون؟لا يعلم أنّ [1] من.

[2] و ميّزه.

[3] لي.

266

لي في أحد هوى إلاّ عبث به!و كتب إلى هشام في ذلك يعاتبه و يسأله أن يردّ عليه كاتبه، فلم يردّه، فكتب إليه الوليد:

رأيتك تبني دائما في قطيعتي # و لو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني‏

تثير على الباقين مجنى ضغينة # فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجني‏

كأنّي بهم و اللّيت أفضل قولهم # ألا ليتنا و اللّيت إذ ذاك لا يغني‏

كفرت يدا من منعم لو شكرتها # جزاك بها الرحمن ذو الفضل و المنّ‏

فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرّيّة حتّى مات هشام، فلمّا كان صبيحة اليوم الّذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزّبير المنذر بن أبي عمرو: ما أتت‏[1] عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة!عرضت لي هموم و حدّثت نفسي فيها بأمور[من‏]أمر (1) هذا الرجل، يعني هشاما، قد أولع بي، فاركب بنا نتنفّس.

فركبا و سارا ميلين، و وقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل اللََّه من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمّد السفيانيّ‏[و الآخر جردبة]، فلمّا قربا نزلا يعدوان حتّى دنوا[2] منه فسلّما عليه بالخلافة، فوجم ثمّ قال: أمات هشام؟قالا: نعم، و الكتاب معنا من سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه و سأل مولى أبي محمّد السفيانيّ عن كاتبه عياض، فقال: لم يزل محبوسا حتّى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزّان و قال: احتفظوا بما في أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، فقال: إنّا للََّه، كنّا خزّانا للوليد!و مات من ساعته، و خرج [1] بتّ.

[2] دنيا.

____________

(1) . من لسر. P. C

267

عياض من السجن فختم أبواب الخزائن و أنزل هشاما عن فرشه و ما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتّى استعاروه، و لا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولاه، فقال:

هلك الأحول المشوم # فقد أرسل المطر

و ملكنا من بعد ذاك # فقد أورق الشّجر

فاشكروا اللََّه إنّه # زائد كلّ من شكر

و قيل: إنّ هذا الشعر لغير الوليد.

فلمّا سمع الوليد موته كتب إلى العبّاس‏[بن الوليد]بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرّصافة فيحصي‏[1] ما فيها من أموال هشام و ولده و[يأخذ] عمّاله‏[2] و حشمه إلاّ مسلمة بن هشام فإنّه كلّم‏[3] أباه في الرّفق بالوليد.

فقدم العبّاس الرّصافة ففعل ما كتب به الوليد إليه، و كتب به إلى الوليد، فقال الوليد:

ليت هشاما كان حيّا يرى‏[4]محلبه الأوفر قد أترعا (1) [5]

[و يروى‏]:

[1] فيحمي.

[2] و عياله.

[3] تكلّم.

[4] فيرى.

[5] أنزعا.

____________

(1) . أفرغا: 121. P,EJELOGED. de. nuoyOlebatiK

268

ليت هشاما عاش حتّى يرى # مكياله الأوفر قد طبّعا

كلناه بالصاع الّذي كاله # و ما ظلمناه به إصبعا

و ما أتينا[1] ذاك عن بدعة # أحلّه‏ (1) الفرقان لي أجمعا

و ضيّق على أهل هشام و أصحابه، فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره و بكى و قال: يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد. فقال بعض من هناك:

لو رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنّك في نعمة لا تقوم بشكرها!إنّ هشاما في شغل ممّا هو فيه عنكم.

و استعمل الوليد العمّال، و كتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم، و كتب إليه مروان بن محمّد ببيعته و استأذنه في القدوم عليه. فلمّا ولي الوليد أجرى على زمنى أهل الشام و عميهم و كساهم و أمر لكلّ إنسان منهم بخادم، و أخرج لعيالات الناس الطيب و الكسوة و زادهم و زاد الناس في العطاء عشرات، ثمّ زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، و زاد الوفود، و لم يقل في شي‏ء يسأله إلاّ و قال:

ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق # بأنّ سماء الضّرّ عنكم ستقلع‏

سيوشك إلحاق‏[2] معا (2) و زيادة # و أعطية[3] منّي عليكم تبرّع‏

محرّمكم ديوانكم و عطاؤكم # به تكتب الكتّاب شهرا و تطبع‏

قال حلم الواديّ المغنّي: كنّا مع الوليد و أتاه خبر موت هشام و هنّئ [1] أنفنا.

[2] إلحاقا.

[3] و أعطيته.

____________

(1) . أجله. doC;bI

(2) . معاون. ldoB

269

بولاية الخلافة، و أتاه القضيب و الخاتم، ثمّ قال: فأمسكنا ساعة و نظرنا إليه بعين الخلافة، فقال: غنّوني:

طاب يومي و لذّ شرب السّلافه # و أتانا نعيّ من بالرّصافه‏

و أتانا البريد ينعى هشاما # و أتانا بخاتم للخلافة

فاصطبحنا[1] من خمر عانة صرفا # و لهونا بقينة عرّافه‏

و حلف أن لا يبرح من موضعه حتّى يغنّي في هذا الشعر و يشرب عليه، ففعلنا ذلك، و لم نزل نغنّي إلى الليل.

ثمّ إنّ الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم و عثمان البيعة من بعده و جعلهما وليّي عهده، أحدهما بعد الآخر، و جعل الحكم مقدّما، و كتب بذلك إلى الأمصار العراق و خراسان.

ذكر ولاية نصر بن سيّار خراسان للوليد

في هذه السنة ولّى الوليد نصر بن سيّار خراسان كلّها و أفرده بها، ثمّ وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا و عمّاله، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان، و كتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم و يحمل معه ما قدر عليه من الهدايا و الأموال، و أن يقدم معه بعياله أجمعين، و كتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتّخذ له برابط و طنابير و أباريق ذهب و فضّة، و أن يجمع له كلّ [1] فأصبحنا.

270

صنّاجة بخراسان، و كلّ بازي و برذون فاره، ثمّ يسير بكلّ ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان.

و كان المنجّمون قد أخبروا نصرا بفتنة تكون، و ألحّ يوسف على نصر بالقدوم و أرسل إليه رسولا في ذلك، و أمره أن يستحثّه أو ينادي في الناس أنّه قد خلع. فأرضى نصر الرسول و أجازه، فلم يمض لذلك إلاّ يسير حتّى وقعت الفتنة. فتحوّل إلى قصره بماجان و استخلف عصمة بن عبد اللََّه الأسديّ على خراسان، و موسى بن ورقاء بالشاش، و حسّان من أهل الصّغانيان بسمرقند، و مقاتل بن عليّ السعديّ بآمل، و أمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستجلبوا الترك‏ليعبروا على ما وراء النهر ليرجع إليهم. و سار إلى العراق.

فبينا هو يسير إلى العراق طرقه مولى لبني ليث و أعلمه بقتل الوليد، فلمّا أصبح أذن للناس و أحضر رسل الوليد و قال لهم: قد كان من مسيري ما علمتم، و بعثني بالهدايا ما رأيتم، و كان قد قدّم الهدايا فبلغت بيهق، و طرقني فلان ليلا فأخبرني أنّ الوليد قد قتل و وقعت الفتنة بالشام، و قدم منصور بن جمهور العراق، و هرب يوسف بن عمر، و نحن بالبلاد التي قد علمتم حالها و كثرة عدوّنا. فقال سالم بن أحوز: أيّها الأمير إنّه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك، فسر و لا تمتحنّا. فقال: يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب و حسن طاعة لبني أميّة، فأمّا مثل هذه الأمور فرأيك فيها رأي أمة[1] [هتماء]. و رجع بالناس.

[1] أميّة.

271

ذكر قتل يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين‏

في هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بخراسان.

و سبب قتله أنّه سار بعد قتل أبيه إلى خراسان، كما سبق ذكره، فأتى بلخ فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتّى هلك هشام و ولي الوليد ابن يزيد. فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد و بمنزله عند الحريش، و قال له: خذه أشدّ الأخذ، فأخذ نصر الحريش، فطالبه بيحيى، فقال: لا علم لي به. فأمر به فجلد ستّمائة سوط. فقال الحريش: و اللََّه لو أنّه تحت قدميّ ما رفعتهما عنه. فلمّا رأى ذلك قريش بن الحريش قال:

لا تقتل أبي و أنا أدلّك على يحيى، فدلّه عليه، فأخذه نصر و كتب إلى الوليد يخبره، فكتب الوليد يأمره أن يؤمنه و يخلّي سبيله و سبيل أصحابه. فأطلقه نصر و أمره أن يلحق بالوليد و أمر له بألفي درهم، فسار إلى سرخس فأقام بها، فكتب نصر إلى عبد اللََّه بن قيس بن عباد يأمره أن يسيّره عنها، فسيّره عنها، فسار حتّى انتهى إلى بيهق، و خاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور، و بها عمرو بن زرارة، و كان مع يحيى سبعون رجلا، فرأى يحيى تجارا، فأخذ هو و أصحابه دوابّهم و قالوا: علينا أثمانها، فكتب عمرو ابن زرارة إلى نصر يخبره، فكتب نصر يأمره بمحاربته، فقاتله عمرو، و هو في عشرة آلاف و يحيى في سبعين رجلا، فهزمهم يحيى و قتل عمرا و أصاب دوابّ كثيرة و سار حتّى مرّ بهراة، فلم يعرض لمن بها و سار عنها.

و سرّح نصر بن سيّار سالم بن أحوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالا شديدا، فرمي يحيى بسهم فأصاب جبهته، رماه رجل من عنزة

272

يقال له عيسى، فقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم و أخذوا رأس يحيى و سلبوه قميصه.

فلمّا بلغ الوليد قتل يحيى كتب إلى يوسف بن عمر: خذ عجيل‏ (1) أهل العراق فأنزله من جذعه، يعني زيدا، و أحرقه بالنار ثمّ انسفه باليمّ نسفا، فأمر يوسف به فأحرق، ثمّ رضّه و حمله في سفينة ثمّ ذرّاه في الفرات.

و أمّا يحيى فإنّه لمّا قتل صلب بالجوزجان، فلم يزل مصلوبا حتّى ظهر أبو مسلم الخراسانيّ و استولى على خراسان فأنزله و صلّى عليه و دفنه و أمر بالنياحة عليه في خراسان، و أخذ أبو مسلم ديوان بني أميّة و عرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فمن كان حيّا قتله و من كان ميتا خلفه في أهله بسوء، و كانت أمّ يحيى ريطة بنت أبي هاشم عبد اللََّه بن محمّد بن الحنفيّة.

عباد بضمّ العين، و فتح الباء الموحّدة المخفّفة) .

(2)

ذكر ولاية حنظلة إفريقية و أبي الخطار الأندلس‏

في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبيّ الأندلس أميرا في رجب، و كان أبو الخطار لمّا تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا و عرّض فيه بيوم مرج راهط و ما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم و قيام القيسيّين مع الضّحّاك بن قيس الفهريّ على مروان، و من الشعر:

أفادت بنو مروان قيسا دماءنا # و في‏[1] اللََّه إن لم يعدلوا حكم عدل‏

[1]. وقى.

____________

(1) . عجل. A

(2) . ticejdaenalSeD. bon,mumusedeaihposeaigaHecidoce,C. nituypaC

273

كأنّكم لم تشهدوا مرج راهط # و لم تعلموامن كان ثمّ له الفضل‏

وقيناكم حرّ (1) القنا بنحورنا # و ليس لكم خيل تعدّ و لا رجل‏

فلمّا بلغ شعره هشام بن عبد الملك سأل عنه فأعلم أنّه رجل من كلب، و كان هشام قد استعمل على إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبيّ سنة أربع و عشرين و مائة، فكتب إليه هشام أن يولّي أبا الخطار الأندلس، فولاّه و سيّره إليها، فدخل قرطبة يوم جمعة فرأى ثعلبة بن سلامة (2) أميرها قد أحضر الأسارى الألف من البربر، الذين تقدّم ذكر أسرهم، ليقتلهم، فلمّا دخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه، فكانت ولايته سببا لحياتهم، و كان أهل الشام الذين بالأندلس قد أرادوا الخروج مع ثعلبة بن سلامة (3) إلى الشام، فلم يزل أبو الخطار يحسن إليهم و يستميلهم حتّى أقاموا، فأنزل كلّ قوم على شبه منازلهم بالشام، فلمّا رأوا بلدا يشبه بلدانهم أقاموا. و قيل: إنّ أهل الشام إنّما فرّقهم في البلاد لأنّ قرطبة ضاقت عليهم ففرّقهم، و قد ذكرنا بعض أخباره سنة تسع و ثلاثين و مائة.

ذكر عدّة حوادث‏

قيل: و في هذه السنة وجّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمّد بن يوسف الثقفيّ واليا على المدينة و مكّة و الطائف، و دفع إليه محمّدا و إبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزوميّ موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما للناس، ثمّ حملا إلى الشام فأحضرا عند الوليد، فأمر

____________

(1) . من. p. C

(2-3) . سلافة. ldoB

274

بجلدهما، فقال محمّد: أسألك بالقرابة!قال: و أيّ قرابة بيننا؟قال: فقد نهى رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، بضرب بسوط إلاّ في حدّ. قال:

ففي حدّ أضربك وقود، أنت أوّل من فعل بالعرجيّ، و هو ابن عمّي و ابن أمير المؤمنين عثمان، و كان محمّد قد أخذه و قيّده و أقامه للناس و جلده و سجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجيّ إيّاه، ثمّ أمر به الوليد فجلد هو و أخوه إبراهيم، ثمّ أوثقهما حديدا و أمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر و هو على العراق، فلمّا قدم بهما عليه عذّبهما حتّى ماتا.

و في هذه السنة عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة و ولاّه يحيى ابن سعيد الأنصاريّ. و فيها خرجت الروم إلى زبطرة، و هو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهريّ، فأخربته الروم الآن، فبني بناء غير محكم، فعاد الروم و أخربوه أيّام مروان بن محمّد الحمار، ثمّ بناه الرشيد و شحنه بالرجال، فلمّا كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون بمرمّته و تحصينه، ثمّ قصده الروم أيّام المعتصم، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى. فإنّما سقت خبره هاهنالأنّي لم أعلم تواريخ حوادثه.

و فيها أغزى الوليد أخاه الغمر بن يزيد، و أمّر على جيوش البحر الأسود ابن بلال المحاذيّ و سيّره إلى قبرس ليخيّر أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين، فسيّرهم إلى الشام، و اختار آخرون الروم، فسيّرهم إليهم.

و فيها قدم سليمان بن كثير و مالك بن الهيثم و لاهز بن قريظ و قحطبة بن شبيب مكّة، فلقوا، في قول بعض أهل السّير، محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه ابن عبّاس فأخبروه بقصّة أبي مسلم و ما رأوا منه، فقال: أحرّ هو أم عبد؟ قالوا: أمّا عيسى فيزعم أنّه عبد، و أمّا هو فيزعم أنّه حرّ. قال: فاشتروه و أعتقوه و أعطوا محمّد بن عليّ مائتي ألف درهم و كسوة بثلاثين ألف درهم.

275

فقال لهم: ما أظنّكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني إبراهيم فإنّي أثق به و أوصيكم به خيرا. فرجعوا من عنده.

و قال بعضهم: في هذه السنة توفّي محمّد بن عليّ بن‏[عبد اللََّه بن‏]عبّاس في شهر ذي القعدة و هو ابن ثلاث و سبعين سنة، و كان بين موته و موت أبيه سبع سنين.

و حجّ بالناس هذه السنة يوسف بن محمّد بن يوسف. و فيها غزا النعمان‏ (1)

ابن يزيد بن عبد الملك الصائفة.

و في هذه السنة مات أبو حازم الأعرج، و قيل سنة أربعين، و قيل سنة أربع و أربعين و مائة. و في آخر أيّام هشام بن عبد الملك توفّي سماك بن حرب. و في هذه السنة توفّي القاسم بن أبي بزّة (2) ، *و اسم أبي بزّة[1] يسار (3) ، و هو من المشهورين بالقراءة. و أشعث بن أبي الشعثاء[2] سليم بن أسود المحاربيّ. و سيّد بن أبي أنيسة الجزريّ، مولى بني كلاب، و قيل مولى يزيد بن الخطّاب، و قيل مولى غنيّ، و كان عمره ستّا و أربعين سنة، و كان فقيها عابدا، و كان له أخ اسمه يحيى، كان ضعيفا في الحديث.

و في أيّام هشام مات العرجيّ الشاعر في حبس محمّد بن هشام المخزوميّ، عامل هشام بن عبد الملك على المدينة و مكّة، و كان سبب حبسه أنّه هجاه فتتبّعه حتّى بلغه أنّه أخذ مولى له فضربه و قتله و أمر عبيده أن يطئوا امرأة المولى المقتول، فأخذه محمّد فضربه و أقامه للناس و حبسه تسع سنين فمات في السجن.

(العرجيّ بفتح العين المهملة، و سكون الراء، و آخره جيم) .

و كان عمّال الأمصار من تقدّم ذكرهم.

[1]برّة.

[2] الشعناء.

____________

(1-2) . الغمر. dda. P. C

(3) . R. mo

276

126 ثم دخلت سنة ست و عشرين و مائة

ذكر قتل خالد بن عبد اللََّه القسريّ‏

في هذه السنة قتل خالد بن عبد اللََّه، و قد تقدّم ذكر عزله عن العراق و خراسان، و كان عمله خمس عشرة سنة فيما قيل، و لمّا عزله هشام قدم عليه يوسف بن عمر واسطا فحبسه بها، ثمّ سار يوسف إلى الحيرة و أخذ خالدا فحبسه بها تمام ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل و ابنه يزيد بن خالد و ابن أخيه المنذر بن أسد، استأذن يوسف هشاما في تعذيبه فأذن له مرّة واحدة، و أقسم لئن هلك ليقتلنّه، فعذّبه يوسف ثمّ ردّه إلى حبسه. و قيل: بل عذّبه عذابا كثيرا، و كتب هشام إلى يوسف يأمره بإطلاقه في شوّال سنة إحدى و عشرين، فأطلقه، فسار فأتى القرية التي بإزاء الرّصافة فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين و عشرين، و خرج زيد فقتل، فكتب يوسف بن عمر: إنّ بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا فكانت همّة أحدهم قوت عياله، فلمّا ولي خالد العراق أعطاهم الأموال، فتاقت أنفسهم إلى الخلافة، و ما خرج زيد إلاّ عن رأي خالد.

فقال هشام: كذب يوسف!و ضرب رسوله و قال: لسنا نتّهم خالدا في طاعة.

و سمع خالد فسار حتّى نزل دمشق و سار إلى الصائفة. و كان على دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القشيريّ، و كان يبغض خالدا، فظهر في دور

277

دمشق حريق كلّ ليلة يفعله رجل من أهل العراق يقال له ابن العمرّس، فإذا وقع الحريق يسرقون، و كان أولاد خالد و إخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يخبره أنّ موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال و أنّهم يحرقون البلد كلّ ليلة لهذا الفعل.

فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم و الكبير و مواليهم، فأنفذ و أحضر أولاد خالد و إخوته من الساحل في الجوامع و معهم مواليهم، و حبس بنات خالد و النساء و الصبيان، ثمّ ظهر عليّ بن العمرّس‏ (1) و من كان معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام يخبره بأخذ ابن العمرّس‏ (2)

و أصحابه بأسمائهم و قبائلهم، و لم يذكر فيهم أحدا من موالي خالد. فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه و يأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم و ترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة.

ثمّ قدم خالد فنزل منزله في دمشق فأذن للناس، فقام بناته يحتجبن، فقال: لا تحتجبن فإنّ هشاما كلّ يوم يسوقكنّ‏[1] إلى الحبس، فدخل الناس، فقام أولاده يسترون النساء، فقال خالد: خرجت غازيا سامعا مطيعا فخلفت في عقبي و أخذ حرمي و أهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن تقولوا علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟أ خفتم أن تقتلوا جميعا؟أخافكم اللََّه!ثمّ قال: ما لي و لهشام؟ليكفّنّ عنّي أو أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوى، شاميّ الدار، حجازيّ الأصل، يعني محمّد ابن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس، و قد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما، فلمّا بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم.

[1] يسوقهنّ.

____________

(1-2) . العمرّس. L. H. R

278

و تتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام يطلب منه يزيد بن خالد بن عبد اللََّه، فأرسل هشام إلى كلثوم يأمره بإنفاذ يزيد بن خالد بن عبد اللََّه إلى يوسف ابن عمر، فطلبه، فهرب، فاستدعى خالدا فحضر عنده، فحبسه، فسمع هشام فكتب إلى كلثوم يلومه و يأمره بتخليته، فأطلقه.

و كان هشام إذا أراد أمرا أمر الأبرش الكلبيّ فكتب به إلى خالد، فكتب إليه الأبرش: إنّه بلغ أمير المؤمنين‏أنّ رجلا قال لك يا خالد إنّي لأحبّك لعشر خصال: إنّ اللََّه كريم و أنت كريم، و اللََّه جواد و أنت جواد، و اللََّه رحيم و أنت رحيم، حتّى عدّ عشرا، و أمير المؤمنين يقسم باللََّه لئن تحقّق ذلك عنده ليقتلنّك.

فكتب إليه خالد: إنّ ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغي و الفجور أن يحرّف ما كان فيه، إنّما قال لي: يا خالد إنّي لأحبّك لعشر خصال: إنّ اللََّه كريم يحبّ كلّ كريم، و اللََّه يحبّك فأنا أحبّك، حتّى عدّ عشر خصال، و لكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميريّ إلى أمير المؤمنين و قوله:

يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك؟فقال:

بل خليفتي في أهلي. فقال ابن شقي: فأنت خليفة اللََّه و محمّد رسوله، و ضلال رجل من بجيلة، يعني نفسه، أهون على العامّة من ضلال أمير المؤمنين. فلمّا قرأ هشام كتابه قال: خرف أبو الهيثم! فأقام خالد بدمشق حتّى هلك هشام و قام الوليد، فكتب إليه الوليد:

ما حال الخمسين ألف ألف التي تعلم؟فاقدم على أمير المؤمنين، فقدم عليه، فأرسل إليه الوليد و هو واقف بباب السرادق فقال: يقول أمير المؤمنين أين ابنك يزيد؟فقال: كان هرب من هشام و كنّا نراه عند أمير المؤمنين حتّى استخلفه اللََّه، فلمّا لم نره ظننّاه ببلاد قومه من السراة. و رجع الرسول و قال:

لا و لكنّك خلفته طالبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين‏أنّا أهل بيت طاعة.

279

فرجع الرسول فقال: يقول لك أمير المؤمنين لتأتينّ به أو لأرهقنّ نفسك.

فرفع خالد صوته و قال: قل له: هذا أردت، و اللََّه لو كانت تحت قدميّ ما رفعتهما عنه. فأمر الوليد بضربه، فضرب، فلم يتكلّم، فحبسه حتّى قدم يوسف بن عمر من العراق بالأموال فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها و إلاّ دفعتك إليه. فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، و اللََّه لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه و ألبسه عباءة و حمله في محمل بغير و طاء و عذّبه عذابا شديدا، و هو لا يكلّمه كلمة، ثمّ حمله إلى الكوفة فعذّبه ثمّ وضع المضرسة على صدره فقتله من الليل و دفنه من وقته بالحيرة في عباءته التي كان فيها، و ذلك في المحرّم سنة ستّ و عشرين.

و قيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود و قام عليه الرجال حتّى تكسّرت قدماه و ما تكلّم و لا عبس.

و كانت أمّ خالد نصرانيّة روميّة، ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالدا و أسدا و لم تسلم، و بنى لها خالد بيعة، فذمّه الناس و الشعراء، فمن ذلك قول الفرزدق:

ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة # أتتنا تهادى من دمشق بخالد

فكيف يؤمّ‏ (1) الناس من كانت امّه # تدين بأنّ اللََّه ليس بواحد

بنى بيعة فيها النصارى لأمّه # و يهدم من كفر منار المساجد

و كان خالد قد أمر بهدم منار المساجد لأنّه بلغه أنّ شاعرا قال:

ليتني في المؤذّنين حياتي # إنّهم يبصرون من في السّطوح‏

فيشيرون أو تشير (2) إليهم # بالهوى كلّ ذات دلّ مليح‏

____________

(1) . تعزم. LDOB

(2) . يشير. LDOB

280

فلمّا سمع هذا الشعر أمر بهدمها، و لمّا بلغه أنّ الناس يذمّونه لبنائه البيعة لأمّه قام يعتذر إليهم فقال: لعن اللََّه دينهم إن كان شرّا من دينكم. و كان يقول: إنّ خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته، يعني أنّ الخليفة هشاما أفضل من رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، نبرأ إلى اللََّه من هذه المقالة.

ذكر قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏

في هذه السنة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك الّذي يقال له الناقص‏ (1) في جمادى الآخرة.

و كان سبب قتله ما تقدّم ذكره من خلاعته و مجانته، فلمّا ولي الخلافة لم يزد من الّذي كان فيه من اللهو و اللذّة و الركوب للصيد و شرب النبيذ و منادمة الفسّاق إلاّ تماديا، فثقل ذلك على رعيّته و جنده و كرهوا أمره، و كان أعظمه ما جنى على نفسه إفساده بني عمّيه هشام و الوليد، فإنّه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط و حلق رأسه و لحيته و غرّبه إلى عمّان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتّى قتل الوليد، فأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عثمان بن الوليد في ردّها، فقال: لا أردّها. فقال: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك!و حبس الأفقم يزيد بن هشام و فرّق بين روح‏ (2) بن الوليد و بين امرأته و حبس عدّة من ولد الوليد، فرماه بنو هاشم و بنو الوليد بالكفر و غشيان أمّهات أولاد أبيه و قالوا: قد اتّخذ مائة جامعة لبني أميّة.

و كان أشدّهم فيه يزيد بن الوليد، و كان الناس إلى قوله أميل لأنّه كان

____________

(1) . TNURERPORRIERORRE,TIVAVRESBOENEB. GEDTU,ABREVEAUQ الّذي يقال له الناقص. LED

(2) . زوج الوليد. R .

281

يظهر النّسك و يتواضع، و كان قد نهاه سعيد بن بيهس بن صهيب عن البيعة لابنيه الحكم و عثمان لصغرهما، فحبسه حتّى مات في الحبس.

و أراد خالد بن عبد اللََّه القسريّ على البيعة لابنيه فأبى، فغضب عليه، فقيل له: لا تخالف أمير المؤمنين. فقال: كيف أبايع من لا أصلّي خلفه و لا أقبل شهادته؟قالوا: فتقبل شهادة الوليد مع فسقه!قال: أمير المؤمنين غائب عنّي و إنّما هي أخبار الناس. ففسدت اليمانيّة عليه و فسدت عليه قضاعة، و هم و اليمن أكثر جند أهل الشام، فأتى حريث و شبيب بن أبي مالك الغسانيّ و منصور بن جمهور الكلبيّ و ابن عمّه حبال بن عمرو و يعقوب بن عبد الرحمن و حميد بن منصور (1) اللخميّ و الأصبغ بن ذؤالة و الطّفيل بن حارثة و السريّ زياد إلى خالد بن عبد اللََّه القسريّ فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم.

و أراد الوليد الحجّ فخاف خالد أن يقتلوه في الطريق فنهاه عن الحجّ، فقال: و لم؟فأخبره فحبسه و أمر أن يطالب بأموال العراق، ثمّ استقدم يوسف ابن عمر من العراق و طلب منه أن يحضر معه الأموال، و أراد عزله و تولية عبد الملك بن محمّد بن الحجّاج بن يوسف. فقدم يوسف بأموال لم يحمل من العراق مثلها، فلقيه حسّان النبطيّ فأخبره أنّ الوليد يريد أن يولّي عبد الملك بن محمّد، و أشار عليه أن يحمل الرّشى‏[1] إلى وزرائه، ففرّق فيهم خمسمائة ألف، و قال له حسّان: اكتب على لسان خليفتك بالعراق كتابا: إنّي كتبت إليك و لا أملك إلاّ القصر، و ادخل على الوليد و الكتاب معك مختوم و اشتر منه خالدا، ففعل، فأمره الوليد بالعود إلى العراق، و اشترى منه خالدا القسريّ بخمسين ألف ألف فدفعه إليه، فأخذه معه في محمل بغير و طاء إلى [1] الرشاء.

____________

(1) . نصر. R

282

العراق. فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يخرّض عليه اليمانيّة، و قيل: إنّها للوليد يوبّخ اليمن على ترك نصر خالد:

أ لم تهتج فتذّكر الوصالا # و حبلا كان متّصلا فزالا[1]

بلى فالدمع منك إلى انسجام # كماء المزن ينسجل انسجالا

فدع عنك ادكارك آل سعدى # فنحن الأكثرون حصى و مالا

و نحن المالكون الناس قسرا # نسومهم المذلّة و النّكالا

وطئنا الأشعرين بعزّ قيس # فيا لك وطأة لن تستقالا

و هذا خالد فينا أسير # ألا منعوه إن كانوا رجالا

عظيمهم و سيّدهم قديما # جعلنا المخزيات له ظلالا

فلو كانت قبائل ذات عزّ # لما ذهبت صنائعه ضلالا

و لا تركوه مسلوبا أسيرا # يعالج من سلاسلنا الثّقالا

و كندة و السّكون فما استقالوا[2] # و لا برحت خيولهم الرّحالا[3]

بها سمنا[4] البريّة كلّ خسف # و هدّمنا السهولة و الجبالا

و لكنّ الوقائع ضعضعتهم # و جذّتهم‏[5] و ردّتهم شلالا

فما زالوا لنا أبدا[6] عبيدا # نسومهم المذلّة و السّفالا

[1] غزالا.

[2] استقاموا.

[3] الرجالا.

[4] سمت.

[5] وجدتهم.

[6] بلدا.

283

فأصبحت الغداة (1) عليّ تاج # لملك الناس ما يبغي انتقالا

فعظم ذلك عليهم و سعوا في قتله و ازدادوا حنقا، و قال حمزة بن بيض في الوليد:

و صلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما # زعمت سماء الضّرّ عنّا ستقلع‏

فليت هشاما كان حيّا يسومنا # و كنّا كما كنّا نرجّي و نطمع‏

و قال أيضا:

يا وليد الخنا تركت الطّريقا # واضحا و ارتكبت فجّا عميقا

و تماديت و اعتديت و أسرفت # و أغريت‏ (2) و انبعثت فسوقا

أبدا هات ثمّ هات و هاتي # ثمّ هاتي حتّى تخرّ صعيقا

أنت سكران ما تفيق فما تر # تق فتقا و قد فتقت فتوقا

فأتت اليمانيّة يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكميّ، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا و شاور أخاك العبّاس فإن بايعك لم يخالفك أحد، و إن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلاّ المضيّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العبّاس قد بايعك. و كان الشام وبيّا، فخرجوا إلى البوادي، و كان العبّاس بالقسطل و يزيد بالبادية أيضا بينهما أميال يسيرة، فأتى يزيد أخاه العبّاس فاستشاره، فنهاه عن ذلك، فرجع و بايع الناس سرّا و بثّ دعاته، فدعوا الناس، ثمّ عاود أخاه العبّاس فاستشاره و دعاه إلى نفسه، فزبره و قال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا و أحملنّك إلى أمير المؤمنين. فخرج من عنده. فقال العبّاس: إنّي لأظنّه أشأم مولود في بني مروان.

____________

(1) . العذلة. LDOB

(2) . و أغريت. P. C

284

و بلغ الخبر مروان بن محمّد بأرمينية، فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس و يكفّهم و يحذّرهم الفتنة و يخوّفهم خروج الأمر عنهم، فأعظم سعيد ذلك و بعث بالكتاب إلى العبّاس بن الوليد، فاستدعى العبّاس يزيد و تهدّده، فكتمه يزيد أمره، فصدّقه، و قال العبّاس لأخيه بشر بن الوليد: إنّي أظنّ أنّ اللََّه قد أذن في هلاككم يا بني مروان، ثمّ تمثّل.

إنّي أعيذكم باللََّه من فتن # مثل الجبال تسامى ثمّ تندفع‏

إنّ البريّة قد ملّت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين و ارتدعوا

لا تلحمنّ ذئاب‏[1] الناس أنفسكم # إنّ الذّئاب‏[1] إذا ما ألحمت رتعوا

لا تبقرنّ بأيديكم بطونكم # فثمّ لا حسرة تغني و لا جزع‏

فلمّا اجتمع ليزيد أمره*و هو متبدّ (1) أقبل إلى دمشق، و بينه و بين دمشق أربع ليال، متنكّرا في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق، ثمّ سار فدخل دمشق و قد بايع له أكثر أهلها سرّا، و بايع أهل المزّة، و كان على دمشق عبد الملك بن محمّد بن الحجّاج، فخاف الوباء فخرج منها فنزل قطنا و استخلف ابنه على دمشق، و على شرطته أبو العاج كثير بن عبد اللََّه السّلميّ، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إنّ يزيد خارج، فلم يصدّق.

و راسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتّى أذّن العشاء فدخلوا فصلّوا و للمسجد حرس قد وكّلوا بإخراج الناس [1] ذباب... الذّباب.

____________

(1) . R. MO

285

منه بالليل، فلمّا صلّى الناس أخرجهم الحرس، و تباطأ أصحاب يزيد حتّى لم يبق في المسجد غير الحرس و أصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، و مضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه و أخذ بيده فقال: قم يا أمير المؤمنين و أبشر بنصر اللََّه و عونه. فقام و أقبل في اثني عشر رجلا، فلمّا كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم و لقيهم زهاء مائتي رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه و أخذوا باب المقصورة فضربوه فقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم، فأخذوه و دخلوا فأخذوا أبا العاج و هو سكران، و أخذوا خزّان‏[1] بيت المال، و أرسل إلى كلّ من كان يحذره فأخذ، و قبض‏[على‏] محمّد بن عبيدة، و هو على بعلبكّ، و أرسل‏[بني عذرة]إلى محمّد بن عبد الملك بن محمّد بن الحجّاج فأخذوه.

و كان بالمسجد سلاح كثير فأخذوه، فلمّا أصبحوا جاء أهل المزّة و تتابع الناس و جاءت السكاسك و أقبل أهل داريّا و يعقوب*بن محمّد (1) بن هانئ العبسيّ و أقبل عيسى بن شبيب التغلبيّ في أهل دومة و حرستا، و أقبل حميد ابن حبيب النّخعيّ في أهل دير مرّان و الأرزة (2) و سطرا، و أقبل أهل جرش و أهل الحديثة و دير زكّا، و أقبل ربعيّ بن هاشم الحارثيّ‏ (3) في الجماعة من بني عذرة و سلامان، و أقبلت جهينة و من والاهم. ثمّ وجّه يزيد بن الوليد بن عبد الملك عبد الرحمن بن مصاد[2] في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك ابن محمّد بن الحجّاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، و أصاب عبد الرحمن خرجين‏في كلّ واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين [1] خزائن.

[2] مصادف.

____________

(1) . R. MO .

(2) الأدرة. P. C .

(3) الجاذمي. R .

286

الخرجين. فقال: لا تتحدّث العرب عنّي أنّي أوّل من خان في هذا الأمر.

ثمّ جهّز يزيد جيشا و سيّرهم إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك و جعل عليهم عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك.

و كان يزيد لمّا ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه فأعلمه الخبر و هو بالأغدف من عمّان، فضربه الوليد و حبسه و سيّر أبا محمّد عبد اللََّه بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق فأقام، فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن ابن مصاد[1]، فسأله أبو محمّد ثمّ بايع ليزيد بن الوليد.

و لمّا أتى الخبر إلى الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر حتّى تنزل حمص فإنّها حصينة، و وجّه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر.

فقال عبد اللََّه بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره و نساءه قبل أن يقاتل، و اللّه يؤيّد أمير المؤمنين و ينصره. فقال يزيد بن خالد:

و ما نخاف على حرمه، و إنّما أتاه عبد العزيز و هو ابن عمّهنّ.

فأخذ بقول ابن عنبسة و سار حتّى أتى البخراء قصر النعمان بن بشير، و سار معه من ولد الضّحّاك بن قيس أربعون رجلا فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح. فما أعطاهم شيئا. و نازلة عبد العزيز، و كتب العبّاس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إنّي آتيك. فقال الوليد: أخرجوا سريرا، فأخرجوه، فجلس عليه و انتظر العبّاس. فقاتلهم عبد العزيز و معه منصور ابن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيززياد بن حصين الكلبيّ يدعوهم إلى كتاب اللََّه و سنّة نبيّه، فقتله أصحاب الوليد، و اقتتلوا قتالا شديدا، و كان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الّذي كان عقده بالجابية.

و بلغ عبد العزيز مسير العبّاس إلى الوليد، فأرسل منصور بن جمهور إلى [1] مصادف.

287

طريقه فأخذه قهرا و أتي به عبد العزيز فقال له: بايع لأخيك يزيد. فبايع و وقف، و نصبوا راية و قالوا: هذه راية العبّاس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد. فقال العبّاس: إنّا للََّه، خدعة من خدع الشيطان، هلك بنو مروان.

فتفرّق الناس عن الوليد و أتوا العبّاس و عبد العزيز. و أرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار و ولاية حمص ما بقي و يؤمنه من كلّ حدث على أن ينصرف عن قتاله. فأبى و لم يجبه. فظاهر الوليد بين در عين، و أتوه بفرسيه السنديّ و الراية (1) فقاتلهم قتالا شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ اللََّه قتلة قوم لوط!ارجموه بالحجارة!فلمّا سمع ذلك دخل القصر و أغلق عليه الباب و قال:

دعوا لي سلمى و الطّلاء و قينة # و كأسا ألا حسبي بذلك مالا

إذا ما صفا عيشي برملة عالج # و عانقت سلمى ما أريد بدالا

خذوا ملككم لا ثبّت اللََّه ملككم # ثباتا يساوي ما حييت عقالا

و خلّوا عناني قبل عير (2) و ما جرى # و لا تحسدوني أن أموت هزالا

فلمّا دخل القصر و أغلق الباب أحاط به عبد العزيز، فدنا الوليد من الباب و قال: أما فيكم رجل شريف له حسب و حياء أكلّمه؟قال يزيد بن عنبسة السكسكيّ: كلّمني. قال: يا أخا السكاسك، أ لم أزد في أعطياتكم؟ أ لم أرفع المؤن عنكم؟أ لم أعط فقراءكم؟أ لم أخدم زمناكم؟فقال: إنّا ما ننقم عليك في أنفسنا إنّما ننقم عليك في انتهاك ما حرّم اللََّه و شرب الخمر و نكاح أمّهات أولاد أبيك و استخفافك بأمر اللََّه!قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت و أغرقت‏[1]، و إنّ فيما أحلّ اللََّه سعة عمّا ذكرت. و رجع [1] و أعرفت.

____________

(1) . الرابذ. 141. P,NUOYO-LABATIK ;الذائد. P. C

(2) . و تعلموني. R

288

إلى الدار و جلس و أخذ مصحفا فنشره يقرأ فيه و قال: يوم كيوم عثمان.

فصعدوا على الحائط، و كان أوّل من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل إليه فأخذ بيده و هو يريد أن يحبسه و يؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة، منهم:

منصور بن جمهور، و عبد السلام اللخميّ، فضربه عبد السلام على رأسه، *و ضربه السندي بن زياد بن أبي كبشة في وجهه و احتزّوا رأسه‏ (1) و سيّروه إلى يزيد.

فأتاه الرأس و هو يتغدّى، فسجد، و حكى له يزيد بن عنبسة ما قاله للوليد، قال آخر كلامه: اللََّه لا يرتق فتقكم و لا يلمّ شعثكم و لا تجتمع كلمتكم، فأمر يزيد بنصب رأسه. فقال له يزيد بن فروة مولى بني مرّة: إنّما تنصب رءوس الخوارج و هذا ابن عمّك و خليفة و لا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس و يغضب له أهل بيته. فلم يسمع منه و نصبه على رمح فطاف به بدمشق، ثمّ أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلمّا نظر إليه سليمان قال:

بعدا له!أشهد أنّه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا، و لقد أرادني في نفسي الفاسق. و كان سليمان ممّن سعي في أمره.

و كان مع الوليد مالك بن أبي السّمح المغنّي و عمرو الواديّ المغنّي أيضا، فلمّا تفرّق عن الوليد أصحابه و حصر قال مالك لعمرو: اذهب بنا. فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء، نحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل. فقال مالك: و اللََّه لئن ظفروا بك و بي لا يقتل أحد قبلي و قبلك فيوضع رأسه بين رأسينا و يقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشي‏ء أشدّ من هذا. فهربا.

و كان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستّ و عشرين، و كانت

____________

(1) . P. C. MO

289

مدّة خلافته سنة و ثلاثة أشهر، و قيل سنة و شهرين و اثنين و عشرين يوما، و كان عمره اثنتين و أربعين سنة، و قيل: قتل و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة، و قيل إحدى و أربعين سنة، و قيل ستّ و أربعين سنة.

ذكر نسب الوليد و بعض سيرته‏

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، يكنّى أبا العبّاس، و أمّه أمّ الحجّاج بنت محمّد بن يوسف الثقفيّ، و هي بنت أخي الحجّاج بن يوسف، و أمّ أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، و أمّها أمّ كلثوم بنت عبد اللََّه ابن عامر بن كريز، و أمّ عامر بن كريز أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطّلب، فلذلك يقول الوليد:

نبيّ الهدى خالي و من يك خاله # نبيّ الهدى يقهر به من يفاخره‏

و كان من فتيان بني أميّة و ظرفائهم و شجعانهم و أجوادهم و أشدّائهم، منهمكا في اللهو و الشرب و سماع الغناء فظهر ذلك من أمره فقتل. و من جيّد شعره ما قاله لمّا بلغه أنّ هشاما يريد خلعه:

كفرت يدا من منعم لو شكرتها # جزاك بها الرحمن ذو الفضل و المنّ‏

و قد تقدّمت الأبيات الأربعة، و أشعاره حسنة في الغزل و العتاب و وصف الخمر و غير ذلك، و قد أخذ الشعراء معانيه في وصف الخمر فسرقوها و أدخلوها في أشعارهم و خاصّة أبو نواس فإنّه أكثرهم أخذا لها.

قال الوليد: المحبّة للغناء تزيد في الشهوة، و تهدم المروءة، و تنوب عن‏

290

الخمر، و تفعل ما يفعل السّكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنّبوه النساء، فإنّ الغناء رقية الزنا، و إنّي لأقول ذلك عليّ و إنّه أحبّ إليّ من كلّ لذّة، و أشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلّة، و لكنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع. قيل:

إنّ يزيد بن منبّه‏ (1) مولى ثقيف مدح الوليد و هنّأه بالخلافة، فأمر أن تعدّ الأبيات و يعطى بكلّ بيت ألف درهم، *فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألف درهم‏ (2) ، و هو أوّل خليفة عدّ الشعر و أعطى بكلّ بيت ألف درهم.

و ممّا شهر عنه أنّه فتح المصحف فخرج: وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ (3) ، فألقاه و رماه بالسهام و قال:

تهدّدني بجبّار عنيد # فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا[ما]جئت ربّك يوم حشر # فقل‏[يا]ربّ مزّقني الوليد

فلم يلبث بعد ذلك إلاّ يسيرا حتّى قتل.

و من حسن الكلام ما قاله الوليد لمّا مات مسلمة بن عبد الملك، فإنّ هشاما قعد للعزاء، فأتاه الوليد و هو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عقبى من بقي لحوق من مضى، و قد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، و اختلّ الثغر فهوى، و على أثر من سلف يمضي من خلف، وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ [1]. فأعرض هشام و لم يحر[2] جوابا، و سكت القوم فلم ينطقوا.

و قد نزّه قوم الوليد ممّا قيل فيه و أنكروه و نفوه عنه و قالوا: إنّه قيل عنه [1] (سورة البقرة 2، الآية 197) .

[2] يحرك.

____________

(1) . ضبة. R .

(2) . P. C. MO .

(3) . 15. SV ,14 INAROC .

291

و ألصق به و ليس بصحيح. قال المدائنيّ: دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد، فقال له: ممّن أنت؟قال: من قريش. قال: من أيّها؟ فأمسك، فقال: قل و أنت آمن و لو أنّك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم اللََّه عمّك الوليد و لعن يزيد الناقص، فإنّه قتل خليفة مجمعا عليه!ارفع حوائجك. فرفعها فقضاها.

و قال شبيب بن شيبة: كنّا جلوسا عند المهديّ فذكروا الوليد، فقال المهديّ: كان زنديقا، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ اللََّه، عزّ و جلّ، أعدل من أن يولّي خلافة النبوّة و أمر الأمّة زنديقا، لقد أخبرني من كان يشهده‏[1] في ملاعبة و شربه عنه بمروءة في طهارته و صلاته، فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطايب المصبّغة ثمّ يتوضّأ فيحسن الوضوء و يؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسهاو يصلّي فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها و اشتغل بشربه و لهوه، فهذا فعال من لا يؤمن باللََّه!فقال المهديّ:

بارك اللََّه عليك يا أبا علاثة!

ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص‏

في هذه السنة بويع يزيد بن الوليد الّذي يقال له الناقص، و إنّما سمّي الناقص لأنّه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيّات الناس، و هي عشرة عشرة، و ردّ العطاء إلى ما كان أيّام هشام، و قيل: أوّل من سمّاه بهذا الاسم مروان بن محمّد.

و لمّا قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمّه و ذكر إلحاده و أنّه قتله لفعله [1] يشهد. ـ

292

الخبيث و قال: أيّها الناس إن لكم عليّ أن لا أضع حجرا على حجر و لا لبنة و لا أكتري نهرا و لا أكثر مالا و لا أعطيه زوجة و ولدا و لا أنقل مالا عن بلد حتّى أسدّ ثغره و خصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الّذي يليه، و لا أجمّركم في ثغوركم فأفتنكم، و لا أغلق بابي دونكم، و لا أحمل على أهل جزيتكم، و لكم أعطياتكم كلّ سنة و أرزاقكم في كلّ شهر حتّى يكون أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع و الطاعة و حسن الوزارة، و إن لم أف فلكم أن تخلعوني إلاّ أن أتوب، و إن علمتم أحدا ممّن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم‏و أردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه. أيّها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ذكر اضطراب أمر بني أميّة

في هذه السنة اضطرب أمر بني أميّة و هاجت الفتنة، فكان من ذلك و ثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمّان، و كان قد حبسه الوليد بها، فخرج من الحبس و أخذ ما كان بها من الأموال و أقبل إلى دمشق و جعل يلعن الوليد و يعيبه بالكفر.

ذكر خلاف أهل حمص‏

لمّا قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها و أقاموا النوائح و البواكي عليه، و قيل لهم: إنّ العبّاس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره و أنهبوها و سلبوا حرمه و طلبوه، فسار إلى أخيه يزيد، فكاتبوا

293

الأجناد و دعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجابوهم و اتّفقوا أن لا يطيعوا يزيد، و أمّروا عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير، و وافقهم مروان بن عبد اللََّه بن عبد الملك على ذلك.

فراسلهم يزيد فلم يسمعوا و جرحوا رسله. فسيّر إليهم أخاه مسرورا في جمع كثير، فنزلوا حوّارين، ثمّ قدم على يزيد سليمان بن هشام، فردّ عليه يزيد ما كان الوليد أخذه من أموالهم و سيّره إلى أخيه مسرور و من معه و أمرهم بالسمع و الطاعة له.

و كان أهل حمص يريدون المسير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الملك:

أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم فإن ظفرتم بهم كان من بعدهم أهون عليكم، و لست أرى المسير إلى دمشق و ترك هؤلاء خلفكم. فقال السّمط (1)

ابن ثابت: إنّما يريد خلافكم و هو ممايل ليزيد و القدريّة. فقتلوه و قتلوا ابنه و ولّوا أبا محمّد السفيانيّ و تركوا عسكر سليمان ذات اليسار و ساروا إلى دمشق.

فخرج سليمان مجدّا فلحقهم بالسليمانيّة، مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء، و أرسل يزيد بن الوليد عبد العزيز بن الحجّاج في ثلاثة آلاف إلى ثنيّة العقاب، و أرسل هشام بن مصاد في ألف و خمسمائة إلى عقبة السلاميّة، و أمرهم أن يمدّ بعضهم بعضا. و لحقهم سليمان و من معه على تعب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة سليمان و ميسرته و ثبت هو في القلب، ثمّ حمل أصحابه على أهل حمص حتّى ردّوهم إلى موضعهم و حمل بعضهم‏[على‏]بعض‏[1] مرارا.

[1] بعضا.

____________

(1) . الشمط. R

294

فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز بن الحجّاج من ثنيّة العقاب فحمل على أهل حمص حتّى دخل عسكرهم و قتل فيه من عرض له، فانهزموا، و نادى يزيد بن خالد بن عبد اللََّه القسريّ: اللََّه اللََّه في قومك!فكفّ الناس، و دعاهم سليمان بن هشام إلى بيعة يزيد بن الوليد، و أخذ أبو محمّد السفيانيّ أسيرا، و يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية أيضا، فأتي بهما سليمان، فسيّرهما إلى يزيد فحبسها، و اجتمع أمر أهل دمشق ليزيد بن الوليد، و بايعه أهل حمص، فأعطاهم يزيد العطاء و أجاز الأشراف، و استعمل عليهم يزيد بن الوليد معاوية بن يزيد بن الحصين.

ذكر خلاف أهل فلسطين‏

و في هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، و كان قد استعمله عليهم الوليد، و أحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه‏ (1) عليهم و قالوا له: إنّ أمير المؤمنين قد قتل فتولّ أمرنا. فوليهم و دعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه.

و كان ولد سليمان ينزلون فلسطين، و بلغ أهل الأردنّ أمر أهل فلسطين فولّوا عليهم محمّد بن عبد الملك و اجتمعوا معهم على قتال يزيد بن الوليد، و كان أمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح و ضبعان بن روح.

و بلغ خبرهم يزيد بن الوليد فسيّر إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل دمشق و أهل حمص الذين كانوا مع السفيانيّ، و كانت عدّتهم أربعة و ثمانين ألفا، و أرسل يزيد بن الوليد إلى سعيد و ضبعان ابني روح فوعدهما

____________

(1) . و اجتمعوا. R

295

و بذل لهما الولاية و المال، فرحلا في أهل فلسطين و بقي أهل الأردنّ، فأرسل سليمان خمسة آلاف فنهبوا القرى و ساروا إلى طبرية، فقال أهل طبرية: ما نقيم و الجنود تجوس منازلنا و تحكم في أهالينا، فانتهبوا يزيد بن سليمان و محمّد ابن عبد الملك و أخذوا دوابّهما و سلاحهما و لحقوا بمنازلهم. فلمّا تفرّق أهل فلسطين و الأردن سار سليمان حتّى أتى الصّنّبرة[1]، و أتاه أهل الأردنّ فبايعوا يزيد بن الوليد، و سار إلى طبرية فصلّى بهم الجمعة، و بايع من بها، و سار إلى الرملة فأخذ البيعة على من بها، و استعمل ضبعان بن روح على فلسطين و إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن.

ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق‏

و لمّا قتل الوليد استعمل يزيد على العراق منصور بن جمهور، و كان قد ندب قبله إلى ولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد اللََّه بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال: لو كان معي جند لقبلت. فتركه و استعمل منصورا، و لم يكن منصور من أهل الدين و إنّما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانيّة و حميّة لقتل يوسف خالدا القسريّ، فشهد لذلك قتل الوليد و قال له لمّا ولاّه العراق:

اتّق اللََّه و اعلم أنّي إنّما قتلت الوليد لفسقه و لما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه.

و لمّا بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد عمد إلى من بحضرته من اليمانيّة فسجنهم ثمّ جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضريّة فيقول: ما عندك إن اضطرب الحبل؟فيقول المضريّ: أنا رجل من أهل الشام أبايع من بايعوا و أفعل ما فعلوا. فلم ير عندهم ما يحبّ‏فأطلق اليمانيّة.

[1] الصبرة.

296

و أقبل منصور، فلمّا كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قوّاد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد و تأميره على العراق و يأمرهم بأخذ يوسف و عمّاله، و بعث الكتب كلّها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرّقها على القوّاد (1) ، فحبس الكتب و حمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحيّر في أمره و قال لسليمان: ما الرأي؟قال: ليس لك إمام تقاتل معه، و لا يقاتل أهل الشام معك، و لا آمن عليك منصورا، و ما الرأي إلاّ أن تلحق بشامك. قال:

فكيف الحيلة؟قال: تظهر الطاعة ليزيد و تدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور تستخفي عندي و تدعه و العمل. ثمّ مضى سليمان إلى عمرو بن محمّد ابن سعيد بن العاص فأخبره بأمره و سأله أن يؤوي‏[1] يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، قال: فلم ير رجل كان‏[له‏]مثل عتوّه خاف خوفه.

و قدم منصور الكوفة فخطبهم و ذمّ الوليد و يوسف، و قامت الخطباء فذمّوهما معه، فأتى عمرو بن محمّد إلى يوسف فأخبره، فجعل لا يذكر رجلا ممّن ذكره بسوء إلاّ قال: للََّه عليّ أن أضربه كذا و كذا سوطا! فجعل عمرو يتعجّب من طمعه في الولاية و تهدّده الناس.

و سار يوسف من الكوفة سرّا إلى الشام فنزل البلقاء، فلمّا بلغ خبره يزيد ابن الوليد وجّه إليه خمسين فارسا، فعرض رجل من بني نمير ليوسف‏فقال:

يا بن عمر أنت و اللََّه مقتول فأطعني و امتنع. قال: لا. قال: فدعني أقتلك أنا و لا تقتلك هذه اليمانيّة فتغيظنا بقتلك. قال: ما لي فيما عرضت جنان.

قال: فأنت أعلم.

فطلبه المسيّرون لأخذه فلم يروه، فهدّوا ابنا له، فقال: إنّه انطلق إلى مزرعة له، فساروا في طلبه، فلمّا أحسّ بهم هرب و ترك نعليه، ففتشوا [1]يورّي.

____________

(1) . القرى. R

297

عنه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة[1] خزّ و جلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله و أخذوه و أقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس فأخذ بلحيته و نتف بعضها، و كان من أعظم الناس لحية و أصغرهم قامة، فلمّا أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، و هي إلى سرّته، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين نتف و اللََّه لحيتي فما أبقى فيها شعرة!فأمر به فحبس بالخضراء، فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقي عليك حجرا فيقتلك؟فقال: ما فطنت لهذا. فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحوّل إلى حبس غير الخضراء و إن كان أضيق منه. فعجب من حمقه، فنقله و حبسه مع ابني الوليد، فبقي في الحبس ولاية يزيد و شهرين و عشرة أيّام من ولاية إبراهيم، فلمّا قرب مروان من دمشق ولّى قتلهم يزيد بن خالد القسريّ مولى لأبيه خالد يقال له أبو الأسد.

و دخل منصور بن جمهور لأيّام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال و أخرج العطاء و الأرزاق و أطلق من كان في السجون من العمّال‏و أهل الخراج و بايع ليزيد بالعراق و أقام بقيّة رجب و شعبان و رمضان و انصرف لأيّام بقين منه.

ذكر امتناع نصر بن سيّار على منصور

و في هذه السنة امتنع نصر بن سيّار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن جمهور، و كان يزيد ولاّها منصورا مع العراق، و قد ذكرنا فيما تقدّم ما كان من كتاب يوسف بن عمر إلى نصر بالمسير إليه و مسير نصر*و تباطئه و ما [1] قطيعة.

298

معه من الهدايا، فأتاه قتل الوليد، فرجع نصر (1) و ردّ تلك الهدايا و أعتق الرقيق و قسم حسان الجواري في ولده و خاصّته، و قسم تلك الآنية في عوامّ الناس، و وجّه العمّال و أمرهم بحسن السيرة، و استعمل منصور أخاه منظورا[1] على الريّ و خراسان، فلم يمكنه نصر من ذلك و حفظ نفسه و البلاد منه و من أخيه.

ذكر الحرب بين أهل اليمامة و عاملهم‏

لمّا قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة عليّ بن المهاجر، استعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهير (2) بن سلمى بن هلال، أحد بني الدؤل بن حنيفة:

اترك لنا بلادنا، فأبى، فجمع له المهير و سار إليه و هو في قصره بقاع هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم عليّ حتّى دخل قصره، ثمّ هرب إلى المدينة، و قتل المهير ناسا من أصحابه، و كان يحيى بن أبي حفص نهى ابن المهاجر عن القتال، فعصاه، فقال:

بذلت نصيحتي لبني كلاب # فلم تقبل مشاورتي و نصحي‏

فدى لبني حنيفة من سواهم # فإنّهم فوارس كلّ فتح‏

و قال شقيق بن عمرو السّدوسيّ:

إذا أنت سالمت المهير و رهطه # أمنت من الأعداء و الخوف و الذّعر

فتى راح يوم القاع روحة ماجد # أراد بها حسن السّماع مع الأجر

و هذا يوم القاع.

[1] منصورا.

____________

(1) . P. C. mo

(2) . euqipu . المهين. R

299

و تأمّر المهير على اليمامة، ثمّ إنّه مات و استخلف على اليمامة عبد اللََّه بن النّعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل عبد اللََّه بن النعمان المندلث ابن إدريس الحنفيّ على الفلج، و هي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، و قيل: هي لبني تميم، فجمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر و معهم بنو عقيل و أبو الفلج المندلث و قاتلهم، فقتل المندلث و أكثر أصحابه و لم يقتل من أصحابه بني عامر كثير أحد، و قتل يومئذ يزيد بن الطّثريّة، و هي أمّه نسبت إلى طثر بن عمر بن وائل، و هو يزيد (1) بن المنتشر، فرثاه أخوه ثور بن الطثريّة:

أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري # مقيما و قد غالت‏ (2) يزيد غوائله‏

و قد كان يحمي المحجرين بسيفه # و يبلغ أقصى حجرة الحيّ نائله‏

و هو يوم الفلج الأوّل.

فلمّا بلغ عبد اللََّه بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة و غيرها و غزا الفلج، فلمّا تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيليّ، فقال الراجز:

فرّ أبو لطيفة المنافق # و الجفونيّان و فرّ طارق‏

لمّا أحاطت بهم البوارق‏

طارق بن عبد اللََّه القشيريّ، و الجفونيّان من بني قشير.

و تحلّلت بنو جعدة البراذع و ولّوا فقتل أكثرهم، و قطعت يد زياد بن حيّان الجعديّ‏ (3) فقال:

أنشد كفّا ذهبت و ساعدا # أنشدها و لا أراني واجدا

ثمّ قتل. و قال بعض الربعيّين:

____________

(1) . نهير. R

(2) . غارت. ldoB

(3) . العبديّ. R

300

سمونا لكعب بالصفائح و القنا # و بالخيل شعثا تنحني في الشكائم‏

فما غاب قرن الشمس حتّى رأيتنا # نسوق بني كعب كسوق البهائم‏

بضرب يزيل الهام عن سكناته # و طعن كأفواه المزاد[1] الثواجم‏

و هذا اليوم هو يوم الفلج الثاني.

ثم إنّ بني عقيل و قشيرا و جعدة و نميرا تجمّعوا و عليهم أبو سهلة النّميريّ فقتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصخراء و سلبوا نساءهم، و كفّت بنو نمير عن النساء. ثمّ إنّ عمر بن الوازع الحنفيّ لمّا رأى ما فعل عبد اللََّه بن النّعمان يوم الفلج الثاني قال: لست بدون عبد اللََّه و غيره ممّن يغير، و هذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان. فجمع خيله و أتى الشريف و بثّ خيله، فأغارت و أغار هو، فملئت‏[2] يداه من الغنائم و أقبل و من معه حتّى أتى النشّاش، و أقبلت بنو عامر و قد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلاّ برعاء الإبل، فجمع النساء في فسطاط و جعل عليهنّ حرسا و لقي القوم لقاتلهم فانهزم هو و من معه و هرب عمر بن الوازع فلحق باليمامة، و تساقط من بني حنيفة خلق كثير في القلب من العطش و شدّة الحرّ، و رجعت بنو عامر بالأسرى و النساء، و قال القحيف:

و بالنشّاش يوم طار فيه # لنا ذكر و عدّ لنا فعال‏

و قال أيضا:

فداء خالتي لبني عقيل # و كعب حين تزدحم الجدود

هم تركوا على النشّاش صرعى # بضرب ثمّ أهونه شديد

[1] المراد.

[2] فملأت.

301

و كفّت قيس يوم النشّاش عن السلب، فجاءت عكل فسلبتهم، و هذا يوم النشّاش، و لم يكن لحنيفة بعده جمع، غير أنّ عبيد اللََّه بن مسلم الحنفيّ جمع جمعا و أغار على ماء لقشير يقال له حلبان‏ (1) ، فقال الشاعر:

لقد لاقت قشير يوم لاقت # عبيد اللََّه إحدى المنكرات‏

لقد لاقت على حلبان ليثا # هزبرا لا ينام على التّرات‏

و أغار على عكل فقتل منهم عشرين ألفا.

ثمّ قدم المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاريّ واليا على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر بن هبيرة حين ولي العراق لمروان الحمار، فوردها و هم سلم، فلم يكن حرب، و شهدت بنو عامر على بني حنيفة، فتعصّب لهم المثنّى لأنّه قيسيّ أيضا فضرب عدّة من بني حنيفة و حلقهم، فقال بعضهم:

فإن تضربونا بالسّياط فإنّنا # ضربناكم بالمرهفات الصّوارم‏

و إن تحلقوا منّا الرءوس فإنّنا # قطعنا رءوسا منكم بالغلاصم‏

ثمّ سكنت البلاد و لم يزل عبيد اللََّه بن مسلم الحنفيّ مستخفيا حتّى قدم السريّ بن عبد اللََّه الهاشميّ واليا على اليمامة لبني العبّاس، فدلّ عليه، فقتله، فقال نوح بن جرير الخطفى:

فلو لا السريّ الهاشميّ و سيفه # أعاد عبيد اللََّه شرّا على عكل‏ (2)

____________

(1) . جلبان. R

(2) . عنز بفتح العين المهملة و سكون النون و هو أخو بكر و تغلب ابني وائل: tiddacih. R

302

ذكر عزل منصور عن العراق و ولاية عبد اللََّه بن عمر بن عبد العزيز

في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد بن عبد الملك منصور بن جمهور عن العراق و استعمل عليه بعده عبد اللََّه بن عمر بن عبد العزيز، و قال له لمّا ولاّه: سر إلى العراق فإنّ أهله يميلون إلى أبيك. فقدم إلى العراق و قدّم بين يديه رسلا إلى من بالعراق من قوّاد الشام، و خاف‏أن لا يسلّم إليه منصور العمل. فانقاد له أهل الشام، و سلّم إليه منصور العمل و انصرف إلى الشام ففرّق عبد اللََّه العمّال و أعطى الناس أرزاقهم و أعطياتهم. فنازعه قوّاد أهل الشام و قالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا و هم عدوّنا؟فقال لأهل العراق: إنّي أريد أن أردّ فيئكم عليكم، و علمت أنّكم أحقّ به فنازعني هؤلاء. فاجتمع أهل الكوفة بالجبّانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، و ثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم رهط لم يعرفوا. و استعمل عبد اللََّه بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان القبعثرى، و على خراج السواد و المحاسبات أيضا.

ذكر الاختلاف بين أهل خراسان‏

و في هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزاريّة و اليمانيّة و أظهر الكرمانيّ الخلاف لنصر بن سيّار.

و كان السبب في ذلك أنّ نصرا رأى الفتنة قد ثارت فرفع حاصل بيت المال و أعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا و ذهبا من الآنية التي كان اتّخذها للوليد، فطلب‏

303

الناس منه العطاء و هو يخطب‏ (1) [1]، فقال نصر: إياي و المعصية!عليكم و الجماعة!فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر و قال: ما لكم عندي عطاء. ثمّ قال: كأنّي بكم و قد نبع من تحت أرجلكم شرّ لا يطاق، و كأنّي بكم مطرّحين في الأسواق كالجزر المنحورة (2) ، إنّه لم تطل ولاية رجل إلاّ ملّوها، و أنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدوّ، فإيّاكم أن يختلف فيكم سيفان، إنّكم ترشون أمرا تريدون به الفتنة، و لا أبقى اللََّه عليكم!لقد نشرتكم‏[2] و طويتكم، [و طويتكم و نشرتكم‏]فما عندي منكم عشرة!و إنّي و إيّاكم كما قيل:

استمسكوا أصحابنا نحدو بكم # فقد عرفنا خيركم و شرّكم‏

فاتّقوا اللََّه!فو اللََّه لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنّينّ أحدكم أنّه ينخلع من ماله و ولده!يا أهل خراسان إنّكم قد غمطتم الجماعة، و ركنتم إلى الفرقة! ثمّ تمثّل بقول النابغة الذّبيانيّ:

فإن يغلب شقاؤكم عليكم # فإنّي في صلاحكم سعيت‏

و قدم على نصر عهده على خراسان من عبد اللََّه بن عمر بن عبد العزيز، فقال الكرمانيّ لأصحابه: الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا.

و إنّماسمّي الكرمانيّ لأنّه ولد بكرمان، و اسمه جديع بن عليّ الأزديّ المعنيّ، فقالوا له: أنت لنا.

[1] تخبّط.

[2] تعشّرتكم.

____________

(1) . تحطب. P. C

(2) . المسخورة. R

304

و قالت المضريّة لنصر: إنّ الكرمانيّ يفسد عليك الأمور فأرسل إليه*فأقتله أو احبسه. قال: لا و لكن لي أولاد ذكور و إناث فأزوّج بنيّ من بناته‏ (1) و بناتي من بنيه. قالوا: لا. قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم و هو بخيل و لا يعطي أصحابه شيئا منها[1] فيتفرّقون عنه. قالوا: لا، هذه قوّة له، و لم يزالوا به حتّى قالوا له: إنّ الكرمانيّ لو لم‏[2] يقدر على السلطان و الملك إلاّ بالنصرانيّة و اليهوديّة لتنصّر و تهوّد[3].

و كان نصر و الكرمانيّ متصافيين، و كان الكرمانيّ قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد اللََّه، فلمّا ولي نصر عزل الكرمانيّ عن الرئاسة و ولاّها غيره، فتباعد ما بينهما.

فلمّا أكثروا على نصر في أمر الكرمانيّ عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلّصه من يده، فمنعهم من ذلك و سار مع صاحب الحرس إلى نصر و هو يضحك، فلمّا دخل عليه قال له نصر:

يا كرمانيّ أ لم يأتني كتاب يوسف بن عمر بقتلك فراجعته و قلت شيخ خراسان و فارسها فحقنت دمك؟قال: بلى. قال: أ لم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم و قسمته في أعطيات الناس؟قال: بلى. قال: أ لم أرئس‏[4] ابنك عليّا على كره من قومك؟قال: بلى. قال: فبدّلت ذلك إجماعا على الفتنة!قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئا إلاّ و قد كان أكثر منه، و أنا لذلك شاكر، و قد [1] فيها.

[2] لو لا.

[3] ليتنصّر و يتهوّد.

[4] ارتش.

____________

(1) . P. C. mo