الكامل في التاريخ - ج5

- ابن الأثير الجزري المزيد...
613 /
405

و كان من خبره أنّ محمّدا خرج بالكوفة ليلة عاشوراء مسوّدا و على الكوفة زياد بن صالح الحارثيّ، و على شرطه عبد الرحمن بن بشير[1] العجليّ، و سار محمّد إلى القصر، فارتحل زياد و من معه من أهل الشام، و دخل محمّد القصر، و سمع حوثرة الخبر فسار نحو الكوفة، فتفرّق عن محمّد عامّة من معه لمّا بلغهم الخبر و بقي في نفر يسير من أهل الشام و من اليمانيّين من كان هرب من مروان، و كان معه مواليه، و أرسل أبو سلمة الخلاّل، و لم يظهر بعد، إلى محمّد يأمره بالخروج من القصر تخوّفا عليه من حوثرة و من معه، و لم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة، فأبى محمّد أن يخرج، و بلغ حوثرة تفرّق أصحاب محمّد عنه فتهيّأ للمسير نحوه.

فبينا محمّد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فناداهم الشاميّون: نحن بجيلة و فينا مليح ابن خالد البجليّ جئنا لندخل في طاعة الأمير، فدخلوا، ثمّ جاءت خيل أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح الكنانيّ، ثمّ جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل، فلمّا رأى ذلك حوثرة من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط.

و كتب محمّد بن خالد من ليلته إلى قحطبة، و هو لا يعلم بهلاكه، يعلم أنّه قد ظفر بالكوفة.

فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فلمّا دفع إليه كتاب محمّد بن خالد قرأه على الناس ثمّ ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمّد بالكوفة يوم الجمعة و يوم السبت و الأحد و صبحه الحسن يوم الاثنين.

و قد قيل: إنّ الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة بعد هزيمة ابن هبيرة و عليها عبد الرحمن بن بشير العجليّ فهرب عنها، فسوّد محمّد بن خالد و خرج [1] كثير.

406

في أحد عشر رجلا و بايع الناس، و دخلها الحسن من الغد، فلمّا دخلها الحسن هو و أصحابه أتوا أبا سلمة، و هو في بني سلمة، فاستخرجوه، فعسكر بالنّخيلة يومين ثمّ ارتحل إلى حمّام أعين، و وجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، و بايع الناس أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السّبيع، و كان يقال له وزير آل محمّد، و استعمل محمّد بن خالد بن عبد اللََّه على الكوفة، و كان يقال له الأمير، حتّى ظهر أبو العبّاس السفّاح.

و وجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد، و بعث المسيّب بن زهير و خالد بن برمك إلى دير قنّى، و بعث المهلّبيّ و شراحيل إلى عين التمر، و بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز، و بها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة.

فلمّا أتى بسّام الأهواز خرج عنها عبد الواحد إلى البصرة بعد أن قاتله و هزمه بسّام، و بعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب عاملا عليها، فقدمها و كان عليها سلم بن قتيبة الباهليّ عاملا لابن هبيرة، و قد لحق به عبد الواحد بن هبيرة، كما تقدّم ذكره.

فأرسل سفيان بن معاوية إلى سلم يأمره بالتحوّل من دار الإمارة و يعلمه ما أتاه من رأي أبي سلمة، و امتنع و جمع معه قيسا و مضر و من بالبصرة من بني أميّة، و جمع سفيان جميع اليمانيّة و حلفاءهم من ربيعة و غيرهم، و أتاهم قائد من قوّاد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأتى سلم سوق الإبل و وجّه الخيول في سكك البصرة و نادى: من جاء برأس فله‏خمسمائة، و من جاء بأسير فله ألف درهم.

و مضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة و خاصّته، فلقيه خيل تميم، فقتل معاوية و أتي برأسه إلى سلم، فأعطى قاتله عشرة آلاف، و انكسر سفيان بقتل ابنه فانهزم، و قدم على سلم بعد ذلك أربعة آلاف من عند مروان فأرادوا نهب من بقي من الأزد، فقاتلهم قتالا شديدا، و كثرت القتلى بينهم، و انهزمت‏

407

الأزد، و نهبت دورهم، و سبيت نساؤهم، و هدموا البيوت ثلاثة أيّام، و لم يزل سلم بالبصرة حتّى أتاه قتل ابن هبيرة، فشخص عنها، و اجتمع من بالبصرة من ولد الحارث بن عبد المطّلب إلى محمّد بن جعفر فولّوه أمرهم، فوليهم أيّاما يسيرة حتّى قدم البصرة أبو مالك عبد اللََّه بن أسيد الخزاعيّ من قبل أبي مسلم. فلمّا قدم أبو العبّاس ولاّها سفيان بن معاوية.

و كان حرب سفيان و سلم بالبصرة في صفر.

و فيها عزل مروان عن المدينة الوليد بن عروة و استعمل أخاه يوسف بن عروة في شهر ربيع الأوّل.

انقضت الدولة الأمويّة.

408

ذكر ابتداء الدولة العباسية و بيعة أبي العباس‏

في هذه السنة بويع أبو العبّاس عبد اللََّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس بالخلافة في شهر ربيع الأوّل، و قيل: في ربيع الآخر لثلاث عشرة مضت منه، و قيل في جمادى الأولى.

و كان بدء ذلك و أوّله أنّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، أعلم العبّاس بن عبد المطّلب أنّ الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك و يتحدّثون به بينهم.

ثمّ إنّ أبا هاشم بن الحنفيّة خرج إلى الشام فلقي محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه ابن عبّاس فقال له: [يا ابن عمّ إنّ عندي علما أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحدا]، إنّ هذا الأمر الّذي يرتجيه النّاس فيكم. [قال: قد علمت‏] فلا يسمعنّه منكم أحد.

و قد تقدّم في خبر ابن الأشعث قول خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك ابن مروان: أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك منه بأس، إنّما كنّا نتخوّف لو كان من خراسان.

و قال محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد ابن معاوية، و رأس المائة، و فتق إفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثمّ تقبل أنصارنا من المشرق حتّى ترد خيلهم‏[المغرب‏]و يستخرجوا ما كنز الجبّارون.

فلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية و نقضت البربر بعث محمّد بن عليّ إلى خراسان داعيا و أمره أن يدعو إلى الرضا و لا يسمّي أحدا، و قد ذكرنا فيما

409

تقدّم خبر الدّعاةو خبر أبي مسلم و قبض مروان على إبراهيم بن محمّد، و كان مروان لما أرسل المقبوض عليه وصف للرسول صفة أبي العبّاس، لأنّه كان يجد في الكتب: إنّ من هذه صفته يقتلهم و يسلبهم ملكهم!و قال له ليأتيه بإبراهيم بن محمّد.

فقدم الرسول فأخذ أبا العبّاس بالصفة، فلمّا ظهر إبراهيم و أمن قيل للرسول: إنّما أمرت بإبراهيم و هذا عبد اللََّه. فترك أبا العبّاس و أخذ إبراهيم فانطلق به إلى مروان، فلمّا رآه قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك.

فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت و إنّما سمّيت إبراهيم فهذا إبراهيم.

فأمر به فحبس و أعاد الرسل في طلب أبي العبّاس فلم يروه.

و كان سبب مسيره من الحميمة أنّ إبراهيم لمّا أخذه الرسول نعى نفسه إلى أهل بيته و أمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العبّاس عبد اللََّه بن محمّد و بالسمع له و بالطاعة، و أوصى إلى أبي العبّاس*و جعله الخليفة بعده، فسار أبو العبّاس‏ (1) و من معه من أهل بيته، منهم: أخوه أبو جعفر المنصور، و عبد الوهّاب و محمّد ابنا أخيه إبراهيم، و أعمامه داود و عيسى و صالح و إسماعيل و عبد اللََّه و عبد الصمد بنو عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس، و ابن عمّه داود، و ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ، و يحيى بن جعفر بن تمام ابن عبّاس، حتّى قدموا الكوفة في صفر، و شيعتهم من أهل خراسان، بظاهر الكوفة بحمّام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلاّل دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني داود (2) و كتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القوّاد و الشيعة.

و أراد فيما ذكر أن يحوّل الأمر إلى آل أبي طالب لمّا بلغه الخبر عن موت

____________

(1) . P. C. mo

(2) . 198. P,nuoyO-la. tiK أود

410

إبراهيم الإمام، فقال له أبو الجهم: ما فعل الإمام؟قال: لم يقدم‏[بعد].

فألحّ عليه. فقال: ليس هذا وقت خروجه لأنّ واسطا لم تفتح بعد.

و كان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا. فلم يزل ذلك من أمره حتّى دخل أبو حميد محمّد بن إبراهيم الحميريّ من حمّام أعين يريد الكناسة، فلقي خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزميّ، فعرفه، فقال له: ما فعل إبراهيم الإمام؟فأخبره أنّ مروان قتله، و أنّ إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العبّاس و استخلفه من بعده، و أنّه قدم الكوفة و معه عامّة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعد بيني و بينك غدا في هذا الموضع، و كره سابق أن يدلّه‏ (1) عليهم إلا بإذنهم.

فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبره و هو في عسكر أبي سلمة، فأمره أن يلطف للقائهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الّذي واعد فيه سابقا فلقيه، فانطلق به إلى أبي العبّاس و أهل بيته، فلمّا دخل عليهم سأل أبو حميد من الخليفة منهم. فقال داود بن عليّ: هذا إمامكم و خليفتكم. و أشار إلى أبي العباس، فسلّم عليه بالخلافة و قبّل يديه و رجليه و قال: مرنا بأمرك.

و عزّاه بإبراهيم الإمام.

ثمّ رجع و صحبه إبراهيم بن سلمة، رجل كان يخدم بني العبّاس، إلى أبي الجهم‏فأخبره عن منزلهم و أنّ الإمام أرسل إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار يعطيها الجمّال كراء الجمال التي حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم و أبو حميد[1] و إبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب و قصّوا عليه القصّة، و بعثوا إلى الإمام بمائتي دينار مع إبراهيم بن سلمة، و اتّفق رأي جماعة من [1] أحمد.

____________

(1) . يدلهم. P. C

411

القوّاد على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى ابن كعب، و أبو الجهم، و عبد الحميد ابن ربعيّ، و سلمة بن محمّد، و إبراهيم بن سلمة، و عبد اللََّه الطائيّ، و إسحاق ابن إبراهيم، و شراحيل، و عبد اللََّه بن بسّام، و أبو حميد محمّد بن إبراهيم، و سليمان بن الأسود، و محمّد بن الحصين إلى الإمام أبي العبّاس.

و بلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل: إنّهم دخلوا الكوفة في حاجة لهم، و أتى القوم أبا العبّاس، فقال: و أيّكم عبد اللََّه بن محمّد بن الحارثيّة؟ فقالوا: هذا، فسلّموا عليه بالخلافة و عزّوه في إبراهيم، و رجع موسى بن كعب و أبو الجهم، و أمر أبو الجهم الباقين فتخلّفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟قال: ركبت إلى إمامي، فركب أبو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: إنّ أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلنّ على الإمام إلاّ وحده. فلمّا انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده فسلّم بالخلافة على أبي العبّاس. فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه!فقال له أبو العبّاس: مه!و أمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره، فعاد.

و أصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل فلبسوا السلاح و اصطفّوا الخروج أبي العبّاس و أتوا بالدوابّ، فركب برذونا أبلق، و ركب من معه من أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثمّ خرج إلى المسجد فخطب و صلّى بالناس، ثمّ صعد المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه، و صعد عمّه داود بن عليّ فقام دونه، فتكلّم أبو العبّاس فقال:

الحمد للََّه الّذي اصطفى الإسلام لنفسه و كرّمه و شرّفه و عظّمه و اختاره لنا فأيّده بنا و جعلنا أهله و كهفه و حصنه و القوّام به و الذابّين عنه و الناصرين له، فألزمنا كلمة التقوى و جعلنا أحقّ بها و أهلها، و خصّنا برحم رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و قرابته، و أنشأنا من آبائنا، و أنبتنا من شجرته،

412

و اشتقّنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما، و وضعنا من الإسلام و أهله بالموضع الرفيع، و أنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، تبارك و تعالى فيما أنزل من محكم كتابه:

إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) ، و قال تعالى: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ (2) ، و قال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ (3) ، و قال:

مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ (4) ، و قال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ (5) ، فأعلمهم جلّ ثناؤه فضلنا، و أوجب عليهم حقّنا و مودّتنا، و أجزل من الفي‏ء و الغنيمة نصيبنا تكرمة لنا و فضلا علينا، و اللََّه ذو الفضل العظيم.

و زعمت السّبئيّة[1] الضّلاّل أنّ غيرنا أحقّ بالرياسة و السياسة و الخلافة منّا، فشاهت وجوههم!و لم أيّها الناس و بنا هدى اللََّه الناس بعد ضلالتهم، و بصّرهم بعد جهالتهم، و أنقذهم بعد هلكتهم، و أظهر بنا الحقّ، و دحض الباطل، و أصلح بنا منهم ما كان فاسدا، و رفع بنا الخسيسة، و تمّم بنا النقيصة، و جمع الفرقة حتّى عاد الناس بعد العداوة أهل التعاطف و البرّ و المواساة في دنياهم، و إخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم، فتح اللََّه ذلك منّة و منحة[2] لمحمّد، صلّى اللََّه عليه و سلّم. فلمّا قبضه اللََّه إليه قام بالأمر [1]الشاميّة.

[2] منه و بهجة.

____________

(1) . 33. sv ,33. inaroC

(2) . 23. sv ,42. bI

(3) . 214. sv . 26, bI

(4) . 7. sv . 26. bI

(5) . 41. sv ,8. bI

413

من بعده أصحابه و أمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها و وضعوها مواضعها و أعطوها أهلها و خرجوا خماصا منها. ثمّ وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزّوها[1] و تداولوها فجاروا فيها و استأثروا بها و ظلموا أهلها بما أملى‏[2] اللََّه لهم حينا حتّى آسفوه‏[3]، فلمّا آسفوه‏[3] انتقم منهم بأيدينا و ردّ علينا حقّنا و تدارك بنا أمّتنا و ولي نصرنا و القيام بأمرنا ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، و ختم بنا كما افتتح بنا.

و إنّي لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، و لا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، و ما توفيقنا*أهل البيت‏ (1) إلاّ باللََّه.

يا أهل الكوفة أنتم محلّ محبّتنا و منزل مودّتنا، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك و لم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتّى أدركتم زماننا، و أتاكم اللََّه بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا و أكرمهم علينا، و قد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدّوا فأنا السفّاح المبيح، و الثائر المبير[4].

و كان موعوكا فاشتدّ عليه الوعك. فجلس على المنبر و قام عمّه داود على مراقي المنبر فقال: الحمد للََّه، شكرا للذي أهلك عدوّنا و أصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمّد، صلّى اللََّه عليه و سلّم.

أيّها الناس!الآن أقشعت حنادس الدنيا، و انكشف غطاؤها، و أشرقت أرضها و سماؤها، و طلعت الشمس من مطلعها، و بزغ القمر من مبزغه، [1] فأنبذوها.

[2] ملأ.

[3] اسقوه.

[4] المنيح.

____________

(1) . R. mo

414

و أخذ القوس باريها، و عاد السهم إلى منزعه، و رجع الحقّ إلى‏[1] نصابه في أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة و الرحمة بكم و العطف عليكم.

أيّها الناس!إنّا و اللََّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا و لا عقيانا، و لا نحفر نهرا، و لا نبني قصرا، و إنّما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، و الغضب لبني عمّنا، و ما كرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا و نحن على فرشنا، و يشتدّ علينا سوء سيرة بني أميّة فيكم و استنزالهم لكم و استئثارهم بفيئكم و صدقاتكم و مغانمكم عليكم، لكم ذمّة اللََّه، تبارك و تعالى، و ذمّة رسوله، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و ذمّة العبّاس، رحمه اللََّه، علينا أن نحكم فيكم بما أنزل اللََّه، و نعمل فيكم بكتاب اللََّه، و نسير في العامّة و الخاصّة بسيرة رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، تبّا تبّا لبني حرب بن أميّة و بني مروان!آثروا في مدّتهم العاجلة على الآجلة، و الدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، و ظلموا الأنام، و انتهكوا المحارم، و غشوا بالجرائم، و جاروا في سيرتهم في العباد و سنّتهم في البلاد، و مرحوا (1) [2] في أعنّة المعاصي، و ركضوا في ميدان الغيّ جهلا باستدراج اللََّه و أمنا لمكر اللََّه، فأتاهم بأس اللََّه بياتا و هم نائمون، فأصبحوا أحاديث، و مزّقوا كلّ ممزّق، فبعدا للقوم الظالمين، و أدالنا[3] اللََّه من مروان، و قد غرّه باللََّه الغرور، أرسل لعدوّ اللََّه في عنانه حتّى عثر (2) في فضل خطامه، أظنّ عدوّ اللََّه أن لن نقدر عليه فنادى حزبه و جمع مكايده و رمى بكتائبه، فوجد أمامه و وراءه و عن يمينه و شماله من مكر اللََّه [1] في.

[2] و خرجوا.

[3] و أزالنا.

____________

(1) . و مرجوا. R

(2) . عاش. Rr

415

و بأسه و نقمته ماأمات باطله، و محا ضلاله، و جعل دائرة السّوء به، و أحيا شرفنا و عزّنا و ردّ إلينا حقّنا و إرثنا.

أيّها الناس!إنّ أمير المؤمنين، نصره اللََّه نصرا عزيزا، إنّما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لأنّه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، و إنّما قطعه عن استتمام الكلام شدّة الوعك، فادعوا اللََّه لأمير المؤمنين بالعافية، فقد بدّلكم اللََّه بمروان عدوّ الرحمن و خليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بإبدال الدين و انتهاك حريم المسلمين، الشابّ المتكهّل المتمهّل‏[1] المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى و مناهج التقوى.

فعجّ الناس له بالدعاء، ثمّ قال:

يا أهل الكوفة!إنّا و اللََّه ما زلنا مظلومين مقهورين على حقّنا حتّى أباح اللََّه شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقّنا، و أبلج بهم حجّتنا، و أظهر بهم دولتنا، و أراكم اللََّه بهم ما لستم تنتظرون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم و بيّض به وجوهكم، و أدالكم على أهل الشام، و نقل إليكم السلطان، و أعزّ الإسلام، و منّ عليكم بإمام منحه العدالة، و أعطاه حسن الإيالة، فخذوا ما آتاكم اللََّه بشكر، و الزموا طاعتنا، و لا تخدعوا عن أنفسكم، فإنّ الأمر أمركم، و إنّ لكلّ أهل بيت مصرا و إنّكم مصرنا، ألا و إنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و أمير المؤمنين عبد اللََّه بن محمّد، و أشار بيده إلى أبي العبّاس السفّاح.

و اعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتّى نسلّمه إلى عيسى بن مريم، عليه السلام، و الحمد للََّه على ما أبلانا و أولانا.

[1] المكتحل المتهمّل.

416

ثمّ نزل أبو العبّاس و داود بن عليّ أمامه حتّى دخل القصر و أجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتّى صلّى بهم العصر ثمّ المغرب و جنّهم الليل فدخل.

و قيل: إنّ داود بن عليّ لمّا تكلّم قال في آخر كلامه: أيّها الناس إنّه و اللََّه ما كان بينكم و بين رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، خليفة إلاّ عليّ ابن أبي طالب و أمير المؤمنين الّذي خلفي.

ثمّ نزلا. و خرج أبو العبّاس يعسكر بحمّام أعين في عسكر أبي سلمة و نزل معه في حجرته بينهما ستر و حاجب السفّاح يومئذ عبد اللََّه بن بسّام.

و استخلف على الكوفة و أرضها عمّه داود بن عليّ، و بعث عمّه عبد اللََّه ابن عليّ إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور، و بعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، و هو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط، و بعث يحيى ابن جعفر بن تمام بن عبّاس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، و بعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمّد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، و بعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطوّاف.

و أقام السفّاح بالعسكر أشهرا ثمّ ارتحل فنزل المدينة الهاشميّة بقصر الإمارة، و كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتّى عرف ذلك.

و قد قيل: إنّ داود بن عليّ و ابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بني العبّاس إلى العراق، إنّما كانا بالعراق‏أو بغيره فخرجا يريدان الشام، فلقيهما أبو العبّاس و أهل بيته يريدون الكوفة بدومة الجندل، فسألهم داود عن خبرهم، فقصّ عليه أبو العبّاس قصّتهم و أنّهم يريدون الكوفة ليظهروا بها و يظهروا أمرهم. فقال له داود: يا أبا العبّاس تأتي الكوفة و شيخ بني أميّة مروان بن محمّد بحرّان مطلّ على العراق في أهل الشام و الجزيرة، و شيخ العرب يزيد بن هبيرة بالعراق في جند العرب!و قال: يا عمّي من أحبّ الحياة ذلّ،

417

ثمّ تمثّل بقول الأعشى:

فما ميتة إن متّها غير عاجز # بعار إذا ما غالت النفس غولها

فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق و اللََّه ابن عمّك، فارجع بنا معه نعش أعزّاء أو نمت كرماء. فرجعوا جميعا.

فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة (1) [1] يريدون الكوفة: إنّ نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم و أهلهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همّتهم، كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم.

ذكر هزيمة مروان بالزّاب‏

قد ذكرنا أنّ قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزديّ إلى شهرزور، و أنّه قتل عثمان بن سفيان و أقام بناحية الموصل، و أنّ مروان ابن محمّد سار إليه من حرّان حتّى بلغ الزاب‏و حفر خندقا و كان في عشرين و مائة ألف، و سار أبو عون إلى الزاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، و المنهال بن فتّان‏[2]، و إسحاق بن طلحة، كلّ واحد في ثلاثة آلاف.

فلمّا ظهر أبو العبّاس بعث سلمة بن محمّد في ألفين، و عبد اللََّه الطائيّ في [1] الجهميّة.

[2] قتّان.

____________

(1) . الجهيمة. R

418

ألف و خمسمائة، و عبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في ألفين، و وداس بن نضلة في خمسمائة إلى أبي عون، ثمّ قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟فقال عبد اللََّه بن عليّ: أنا. فسيّره إلى أبي عون، فقدم عليه، فتحوّل أبو عون عن سرادقه و خلاّه له و ما فيه.

فلمّا كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة سأل عبد اللََّه بن عليّ عن مخاضة فدلّ عليها بالزّاب، فأمر عيينة بن موسى، فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتّى أمسوا، و رجع إلى عبد اللََّه بن عليّ.

و أصبح مروان فعقد الجسر و عبر عليه، فنهاه وزراؤه عن ذلك، فلم يقبل و سيّر ابنه عبد اللََّه، فنزل أسفل من عسكر عبد اللََّه بن عليّ، فبعث عبد اللََّه ابن عليّ المخارق في أربعة آلاف نحو عبد اللََّه بن مروان، فسرّح إليه ابن مروان الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق و ثبت هو فأسر هو و جماعة و سيّرهم إلى مروان مع رءوس القتلى، فقال مروان: أدخلوا عليّ رجلا من الأسرى. فأتوه بالمخارق، و كان نحيفا. فقال:

أنت المخارق؟قال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر. قال: فتعرف المخارق؟قال: نعم. قال: فانظر هل تراه في هذه الرءوس. فنظر إلى رأس منها فقال: هو هذا. فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر المخارق و هو لا يعرفه: لعن اللََّه أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم.

و قيل: إنّ المخارق لمّا نظر إلى الرءوس قال: ما أرى رأسه فيها و لا أراه إلاّ قد ذهب. فخلّى سبيله.

و لمّا بلغت الهزيمة عبد اللََّه بن عليّ أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر لئلاّ ينكر قومهم، و أشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال قبل أن يظهر أمر المخارق فيفتّ ذلك في أعضاد الناس، فنادى فيهم‏

419

بلبس السلاح و الخروج إلى الحرب، فركبوا، و استخلف على عسكره محمّد ابن صول و سار نحو مروان، و جعل على ميمنته أبا عون، و على ميسرته الوليد ابن معاوية، و كان عسكره عشرين ألفا، و قيل: اثني عشر ألفا*و قيل غير ذلك‏ (1) .

فلمّا التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت اليوم الشمس و لم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى المسيح، عليه السلام، و إن قاتلونا فأقبل الزوال فإنّا للََّه و إنّا إليه راجعون.

و أرسل مروان إلى عبد اللََّه يسأله الموادعة، فقال عبد اللََّه: كذب ابن رزيق، لا تزول الشمس حتّى أوطئه الخيل إن شاء اللََّه. فقال مروان لأهل الشام:

قفوا لا نبدأهم بالقتال، و جعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، و هو ختن مروان بن محمّد على ابنته، فغضب و شتمه، و قاتل ابن معاوية أبا عون، فانحاز أبو عون إلى عبد اللََّه بن عليّ، فقال لموسى ابن كعب: يا عبد اللََّه‏مر الناس فلينزلوا. فنودي: الأرض، فنزل الناس و أشرعوا الرماح و جثوا على الرّكب فقاتلوهم، و جعل أهل الشام يتأخّرون كأنّهم يدفعون، و مشى عبد اللََّه بن عليّ قدما[1] و هو يقول: يا ربّ حتّى متى نقتل فيك؟و نادى:

يا أهل خراسان!يا لثارات إبراهيم!يا محمّد!يا منصور!و اشتدّ بينهم القتال. فقال مروان لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا.

فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته:

انزل. فقال: و اللََّه ما كنت لأجعل نفسي غرضا. قال: أما و اللََّه لأسوءنّك! [1] فدعا.

____________

(1) . R

420

فقال: وددت و اللََّه أنّك قدرت على ذلك.

و كان مروان ذلك اليوم لا يدبّر شيئا إلاّ كان فيه الخلل، فأمر بالأموال فأخرجت، و قال للناس: اصبروا و قاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك، *فقيل له: إنّ الناس قد مالوا على هذا المال و لا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد اللََّه: أن سر في أصحابك إلى مؤخر[1] عسكرك فاقتل من أخذ من‏ (1) المال و أمنعهم.

فمال عبد اللََّه برايته و أصحابه، فقال الناس: الهزيمة الهزيمة!فانهزم مروان و انهزموا و قطع الجسر، و كان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل.

فكان ممّن غرق يومئذ: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن المخلوع، فاستخرجوه في الغرقى، فقرأ عبد اللََّه: وَ إِذْ فَرَقْنََا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْنََاكُمْ وَ أَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (2) . و قيل:

بل قتله عبد اللََّه بن عليّ بالشام.

و قتل في هذه الوقعة سعيد بن هشام بن عبد الملك. و قيل: بل قتله عبد اللََّه بالشام.

و أقام عبد اللََّه بن عليّ في عسكره سبعة أيّام، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاص يعيّر مروان:

لجّ الفرار بمروان فقلت له: # عاد الظّلوم ظليما همّه الهرب‏

أين الفرار و ترك الملك إذ ذهبت # عنك الهوينا فلا دين و لا حسب‏

[1] قوم.

____________

(1) . R. mo

(2) . 50. sv ,2 inaroc

421

فراشة[1] الحلم فرعون العقاب و إن # تطلب نداه فكلب دونه كلب‏

و كتب يومئذ عبد اللََّه بن عليّ إلى السفّاح بالفتح، و حوى عسكر مروان بما فيه فوجد سلاحا كثيرا و أموالا، و لم يجد فيه امرأة إلاّ جارية كانت لعبد اللََّه بن مروان.

فلمّا أتى الكتاب السفّاح صلّى ركعتين‏و أمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة دينار، و رفع أرزاقهم إلى ثمانين.

و كانت هزيمة مروان بالزّاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، و كان فيمن قتل معه يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، و هو أخو عبد الرحمن صاحب الأندلس، فلمّا تقدّم إلى القتال رأى عبد اللََّه ابن عليّ فتى عليه أبّهة الشرف يقاتل مستقتلا فناداه: يا فتى لك الأمان و لو كنت مروان بن محمّد!فقال: إن لم أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان و لو كنت من كنت. فأطرق ثمّ قال:

أذلّ الحياة و كره الممات # و كلاّ (1) أراه طعاما وبيلا

فإن لم يكن غير إحداهما # فسير إلى الموت سيرا جميلا

ثمّ قاتل حتّى قتل، فإذا هو مسلمة بن عبد الملك.

[1] فرأسه.

____________

(1) . و كنت. R

422

ذكر قتل إبراهيم بن محمّد بن عليّ الإمام‏

قد ذكرنا سبب حبسه. و اختلف الناس في موته، فقيل: إنّ مروان حبسه بحرّان، و حبس سعيد بن هشام بن عبد الملك و ابنيه عثمان و مروان، و عبد اللََّه بن عمر بن عبد العزيز، و العبّاس بن الوليد بن عبد الملك، و أبا محمّد السفيانيّ، هلك منهم في وباء وقع بحرّان العبّاس بن الوليد، و إبراهيم بن محمّد ابن عليّ الإمام، و عبد اللََّه بن عمر.

فلمّا كان قبل هزيمة مروان من الزّاب بجمعة خرج سعيد بن هشام و ابن عمّه و من معه من المحبوسين فقتلوا صاحب السجن و خرجوا، فقتلهم أهل حرّان و من فيها من الغوغاء، و كان فيمن قتله أهل حرّان شراحيل بن مسلمة ابن عبد الملك، و عبد الملك بن بشر التغلبيّ، و بطريق أرمينية الرابعة و اسمه كوشان، و تخلّف أبو محمّد السفيانيّ في الحبس فلم يخرج فيمن خرج و معه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبس، فقدم مروان منهزما من الزّاب فجاء فخلّى عنهم.

و قيل: إنّ مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله.

و قد قيل: إنّ شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم فكانا يتزاوران، فصار بينهما مودّة، فأتى رسول من شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن فقال: يقول لك أخوك إنّي شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، فشرب منه فتكسّر جسده من ساعته، و كان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل: إنّك قد أبطأت فما حبسك؟فأعاد إبراهيم:

إنّي لمّا شربت اللبن الّذي أرسلت به قد أسهلني. فأتاه شراحيل فقال: و اللََّه ـالّذي لا إله إلاّ هو ما شربت اليوم لبنا و لا أرسلت به إليك!ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا

423

إِلَيْهِ رََاجِعُونَ! احتيل و اللََّه عليك. فبات إبراهيم ليلته و أصبح ميتا، فقال إبراهيم ابن هرثمة يرثيه:

قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني‏[1] # قبر بحرّان فيه عصمة الدين‏

فيه الإمام و خير الناس كلّهم # بين الصفائح و الأحجار و الطين‏

فيه الإمام الّذي عمّت مصيبته # و عيّلت كلّ ذي مال و مسكين‏

فلا عفا اللََّه عن مروان مظلمة # لكن عفا اللََّه عمّن قال آمين‏

و كان إبراهيم خيّرا فاضلا كريما، قدم المدينة مرّة ففرّق في أهلها مالا جليلا، و بعث إلى عبد اللََّه بن الحسن بن الحسن بخمسمائة دينار، و بعث إلى جعفر بن محمّد بألف دينار، فبعث إلى جماعة العلويّين بمال كثير، فأتاه الحسين بن زيد بن عليّ و هو صغير فأجلسه في حجره قال: من أنت؟قال:

أنا الحسين بن زيد بن عليّ. فبكى حتّى بلّ رداءه و أمر وكيله بإحضار ما بقي من المال، فأحضر أربعمائة دينار، فسلّمها إليه و قال: لو كان عندنا شي‏ء آخر لسلّمته إليك. و سيّر معه بعض مواليه إلى أمّه ريطة بنت عبد الملك بن محمّد بن الحنفيّة يعتذر إليها.

*و كان مولده سنة اثنتين و ثمانين، و أمّه أمّ ولد بربريّة اسمها سلمى‏ (1) .

و كان ينبغي أن يقدّم ذكر قتله على هزيمة مروان، و إنّما قدّمنا ذلك لتتبع الحادثة بعضها بعضا.

[1] فصعصعني.

____________

(1) . P. C. om

424

ذكر قتل مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم‏

و في هذه السنة قتل مروان بن محمّد، و كان قتله ببوصير، من أعمال مصر، لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.

و كان مروان لمّا هزمه عبد اللََّه بن عليّ بالزّاب أتى مدينة الموصل و عليها هشام بن عمرو التغلبيّ و بشر بن خزيمة الأسدي فقطعا الجسر، فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان!فقالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ!و سبّه أهل الموصل، و قالوا: يا جعدي!يا معطل الحمد للََّه الّذي أزال سلطانكم و ذهب بدولتكم!الحمد للََّه الّذي أتانا بأهل بيت نبيّنا!فلمّا سمع ذلك سار إلى بلد فعبر دجلة و أتى حرّان، و بها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمّد بن مروان عامله عليها، فأقام بها نيفا و عشرين يوما.

و سار عبد اللََّه بن عليّ حتّى أتى الموصل فدخلها و عزل عنها هشاما و استعمل عليها محمّد بن صول، ثمّ سار في أثر مروان بن محمّد، فلمّا دنا منه عبد اللََّه حمل مروان أهله و عياله و مضى منهزما و خلّف بمدينة حرّان ابن أخيه أبان بن يزيد و تحته أمّ عثمان ابنة مروان.

و قدم عبد اللََّه بن عليّ حرّان، فلقيه أبان مسوّدا مبايعا له، فبايعه و دخل في طاعته، فآمنه و من كان بحرّان و الجزيرة.

و مضى مروان إلى حمص، فلقيه أهلها بالسمع و الطاعة، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثمّ سار منها. فلمّا رأوا قلّة من معه طمعوا فيه و قالوا: مرعوب منهزم، فاتبعوه بعد ما رحل عنهم فلحقوه على أميال. فلمّا رأى غبرة الخيل كمّن لهم، فلمّا جاوزوا الكمين صافّهم مروان فيمن معه و ناشدهم، فأبوا إلاّ قتاله، فقاتلهم و أتاهم الكمين من خلفهم، فانهزم أهل حمص‏

425

و قتلوا حتّى انتهوا إلى قريب المدينة.

و أتى مروان دمشق و عليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلّفه بها و قال:

قاتلهم حتّى يجتمع أهل الشام. و مضى مروان حتّى أتى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس، و قد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذاميّ، فأرسل مروان إلى عبد اللََّه بن يزيد بن روح بن زنباع الجذاميّ فأجاره، و كان بيت المال في يد الحكم.

و كان السفّاح قد كتب إلى عبد اللََّه بن عليّ يأمره باتباع مروان، فسار حتّى أتى الموصل، فتلقّاه من بها مسوّدين و فتحوا له المدينة، ثمّ سار إلى حرّان، فتلقّاه أبان بن يزيد مسوّدا، كما تقدّم، فآمنه و هدم عبد اللََّه الدار التي حبس فيها إبراهيم. ثمّ سار من حرّان إلى منبج، و قد سوّدوا، فأقام بها، و بعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم، و قدم عليه أخوه عبد الصمد بن عليّ، أرسله السفّاح مددا له في أربعة آلاف، فسار بعد قدوم عبد الصمد بيومين إلى قنّسرين، و كانوا قد سوّدوا، فأقام يومين‏ (1) ثمّ سار إلى حمص و بايع أهلها و أقام بها أيّاما، ثمّ سار إلى بعلبكّ فأقام يومين، ثمّ سار فنزل مزّة دمشق، و هي قرية من قرى الغوطة، و قدم عليه أخوه صالح بن عليّ مددا فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف، ثمّ تقدّم عبد اللََّه فنزل على الباب الشرقيّ، و نزل صالح على باب الجابية، و نزل أبو عون على باب كيسان، و نزل بسّام بن إبراهيم على باب الصغير، و نزل حميد بن قحطبة على باب توما، و عبد الصمد و يحيى بن صفوان و العبّاس بن يزيد على باب الفراديس، و في دمشق الوليد بن معاوية، فحصروه و دخلوها عنوة يوم الأربعاء لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.

و كان أوّل من صعد سور المدينة من باب شرقيّ عبد اللََّه الطائيّ، و من

____________

(1) . P. C. mo

426

ناحية باب الصغير بسّام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، و قتل الوليد ابن معاوية فيمن قتل.

و أقام عبد اللََّه بن عليّ في دمشق خمسة عشر يوما، ثمّ سار يريد فلسطين، فلقيه أهل الأردنّ و قد سوّدوا، و أتى نهر أبي فطرس و قد ذهب مروان، فأقام عبد اللََّه بفلسطين، و نزل بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشميّ، فأتاه كتاب السفّاح يأمره بإرسال صالح بن عليّ في طلب مروان. فسار صالح من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة و معه ابن فتّان و عامر بن إسماعيل، فقدّم صالح أبا عون‏ (1) و عامر بن إسماعيل الحارثيّ، فساروا حتّى بلغوا العريش.

فأحرق مروان ما كان حوله من علف و طعام.

و سار صالح فنزل النيل، ثمّ سار حتّى أتى الصعيد، و بلغه أنّ خيلا لمروان يحرقون الأعلاف فوجّه إليهم فأخذوا و قدم بهم على صالح و هو بالفسطاط، و سار فنزل موضعا يقال له ذات السلاسل، و قدّم أبو عون عامر ابن إسماعيل الحارثيّ و شعبة بن كثير المازنيّ في خيل أهل الموصل فلقوا خيلا لمروان فهزموهم و أسروا منهم رجالا فقتلوا بعضا و استحيوا بعضا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم، و ساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير، فوافوه‏[1] ليلا، و كان أصحاب أبي عون قليلين، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا و رأوا قلّتنا أهلكونا و لم ينج منّا أحد.

و كسر جفن سيفه و فعل أصحابه مثله و حملوا على أصحاب مروان فانهزموا، و حمل رجل على مروان فطعنه و هو لا يعرفه، و صاح صائح: صرع أمير المؤمنين!فابتدروه فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمّان فاحتزّ [1] فقاتلوه.

____________

(1) . ابن أبي عون. do

427

رأسه، فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون، و بعثه أبو عون إلى صالح.

فلمّا وصل إليه أمر أن يقصّ لسانه، فانقطع لسانه، فأخذه هرّ، فقال صالح: ما ذا ترينا الأيّام من العجائب و العبر!هذا لسان مروان قد أخذه هرّ، و قال شاعر:

قد فتح اللََّه مصرا عنوة لكم # و أهلك الفاجر الجعديّ إذ ظلما

فلاك مقوله هرّ يجرّره # و كان ربّك من ذي الكفر منتقما

و سيّره صالح إلى أبي العبّاس السفّاح.

و كان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجّة، و رجع صالح إلى الشام و خلّف أبا عون بمصر و سلّم إليه السلاح و الأموال و الرقيق.

و لمّا وصل الرأس إلى السفّاح كان بالكوفة، فلمّا رآه سجد ثمّ رفع رأسه فقال: الحمد للََّه الّذي أظهرني عليك و أظفرني بك و لم يبق ثأري قبلك و قبل رهطك أعداء الدين!و تمثّل:

لو يشربون دمي لم يرو شاربهم # و لا دماؤهم للغيظ ترويني‏

و لمّا قتل مروان هرب ابناه عبد اللََّه و عبيد اللََّه إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاء، قاتلهم الحبشة فقتل عبيد اللََّه و نجا عبد اللََّه في عدّة ممّن معه، فبقي إلى خلافة المهديّ، فأخذه نصر بن محمّد بن الأشعث، عامل فلسطين، فبعث به إلى المهديّ.

و لمّا قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان، و كان قد و كلّ بهنّ خادما و أمره أن يقتلهنّ بعده، فأخذه عامر و أخذ نساء مروان و بناته فسيّرهنّ إلى صالح بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس. فلمّا دخلن عليه تكلّمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عمّ أمير المؤمنين!حفظ اللََّه لك من أمرك ما

428

تحبّ حفظه، نحن بناتك و بنات أخيك و ابن عمّك فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا.

قال: *و اللََّه لا (1) أستبقي منكم واحدا!أ لم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟أ لم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن عليّ بن الحسين و صلبه في الكوفة؟ أ لم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد و صلبه بخراسان؟أ لم يقتل ابن زياد الدعيّ مسلم بن عقيل؟أ لم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ و أهل بيته؟أ لم يخرج إليه بحرم رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، سبايا فوقّفهنّ موقف السبي؟أ لم يحمل رأس الحسين‏و قد قرع‏[1] دماغه؟فما الّذي يحملني على الإبقاء عليكنّ؟!قالت: فليسعنا عفوكم!فقال: أمّا هذا فنعم، و إن أحببت زوّجتك ابني الفضل!فقالت: و أيّ عزّ خير من هذا!بل تلحقنا بحرّان.

فحملهنّ إليها، فلمّا دخلنها و رأين منازل مروان رفعن أصواتهنّ بالبكاء.

قيل: كان يوما بكير بن ماهان مع أصحابه قبل أن يقتل مروان يتحدّث إذ مرّ به عامر بن إسماعيل و هو لا يعرفه فأتى دجلة و استقى من مائها ثمّ رجع، فدعاه بكير فقال: ما اسمك يا فتى؟قال: عامر بن إسماعيل بن الحارث‏ (2) .

قال: فكن‏[من‏]بني مسلية (3) . قال: فأنا منهم. قال: أنت و اللََّه تقتل مروان!فكان هذا القول هو الّذي قوّى طمع عامر في قتل مروان.

و لمّا قتل مروان كان عمره اثنتين و ستّين سنة، و قيل: تسعا و ستّين سنة، و كانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين و عشرة أشهر و ستّة عشر يوما، و كان يكنّى أبا عبد الملك، و كانت أمّه أمّ ولد كرديّة، كانت لإبراهيم بن الأشتر، أخذها محمّد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان [1] فرغ.

____________

(1) . إذا ما. R

(2) . بلحارث. R

(3) . شليه. R

429

فلهذا قال عبد اللََّه بن عياش المشرف للسفّاح: الحمد للََّه الّذي أبدلنا بحمار الجزيرة و ابن أمة النّخع ابن عمّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، ابن عبد المطّلب.

و كان مروان يلقّب بالحمار و الجعديّ لأنّه تعلّم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن و القدر و غير ذلك، و قيل: إنّ الجعد كان زنديقا، وعظه ميمون بن مهران فقال: لشاه‏قباذأحبّ إليّ ممّا تدين به. فقال له: قتلك اللََّه، و هو قاتلك، و شهد عليه ميمون، و طلبه هشام فظفر به و سيّره إلى خالد القسريّ فقتله، فكان الناس يذمّون مروان بنسبته إليه.

و كان مروان أبيض أشهل شديد الشهلة، ضخم الهامة، كثّ اللحية أبيضها، ربعة، و كان شجاعا حازما إلاّ أنّ مدّته انقضت فلم ينفعه حزمه و لا شجاعته.

* (عياش بالياء تحتها نقطتان، و الشين المعجمة) (1) .

ذكر من قتل من بني أميّة

دخل سديف على السفّاح و عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك و قد أكرمه، فقال سديف:

لا يغرّنّك ما ترى من الرجال # إنّ تحت الضلوع داء دويّا

فضع السيف و ارفع السّوط حتّى # لا ترى فوق ظهرها أمويّا

فقال سليمان: قتلتني يا شيخ!و دخل السفّاح، و أخذ سليمان فقتل.

____________

(1) . R

430

و دخل شبل بن عبد اللََّه مولى بني هاشم على عبد اللََّه بن عليّ و عنده من بني أميّة نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:

أصبح الملك ثابت الآساس # بالبهاليل من بني العبّاس‏

طلبوا وتر هاشم فشفوها # بعد ميل من الزمان و ياس‏

لا تقيلنّ عبد شمس عثارا # و اقطعن كلّ رقلة و غراس‏

ذلّها أظهر التودّد منها # و بها منكم كحرّ المواسي‏

و لقد غاظني و غاظ سوائي # قربهم من نمارق و كراسي‏

أنزلوها بحيث أنزلها اللََّه # بدار الهوان و الإتعاس‏

و اذكروا مصرع الحسين و زيدا # و قتيلا بجانب المهراس‏

و القتيل الّذي بحرّان أضحى # ثاويا بين غربة و تناس‏

فأمر بهم عبد اللََّه فضربوا بالعمد حتّى قتلوا، و بسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها و هو يسمع أنين بعضهم حتّى ماتوا جميعا، و أمر عبد اللََّه ابن عليّ بنبش قبور بني أميّة بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلاّ خيطا مثل الهباء، و نبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاما كأنّه الرماد، و نبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته، و كان لا يوجد في القبر[إلاّ]العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنّه وجد صحيحا لم يبل منه إلاّ أرنبة أنفه، فضربه بالسياط و صلبه و حرقة و ذرّاه في الريح.

و تتبّع بني أميّة من أولاد الخلفاء و غيرهم فأخذهم، و لم يفلت منهم‏إلاّ رضيع أو من هرب إلى الأندلس، فقتلهم بنهر أبي فطرس، و كان فيمن قتل: محمّد بن عبد الملك بن مروان، و الغمر بن يزيد بن عبد الملك، و عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، و سعيد بن عبد الملك، و قيل: إنّه مات قبل‏

431

ذلك، و أبو عبيدة بن الوليد بن عبد الملك، و قيل: إنّ إبراهيم بن يزيد المخلوع قتل معهم، و استصفى كلّ شي‏ء لهم من مال و غير ذلك، فلمّا فرغ منهم قال:

بني أميّة قد أفنيت جمعكم # فكيف لي منكم بالأوّل الماضي‏

يطيّب النفس‏ (1) أنّ النار تجمعكم # عوّضتم‏[من‏]لظاهر شرّ معتاض‏

منيتم، لا أقال اللََّه عثرتكم، # بليث غاب إلى الأعداء نهّاض‏

إن كان غيظي لفوت منكم فلقد # منيت‏ (2) منكم بما ربّي به راض‏

و قيل: إنّ سديفا أنشد هذا الشعر للسفّاح و معه كانت الحادثة، و هو الّذي قتلهم.

و قتل سليمان بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس بالبصرة أيضا جماعة من بني أميّة عليهم الثياب الموشيّة المرتفعة و أمر بهم فجرّوا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب.

فلمّا رأى بنو أميّة ذلك اشتدّ خوفهم و تشتّت شملهم و اختفى من قدر على الاختفاء، و كان ممّن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان ابن عتيبة بن أبي سفيان. قال: و كنت لا أتي مكانا إلاّ عرفت فيه، فضاقت عليّ الأرض، فقدمت‏[على‏]سليمان بن عليّ، و هو لا يعرفني، فقلت: لفظتني‏[1] البلاد إليك، و دلّني فضلك عليك، فإمّا قتلتني فاسترحت، و إمّا رددتني سالما فأمنت. فقال: و من أنت؟فعرّفته نفسي، فقال: مرحبا بك، ما حاجتك؟فقلت: إنّ الحرم اللواتي أنت أولى الناس بهنّ و أقربهم إليهنّ قد خفن لخوفنا و من خاف خيف عليه. قال: فبكى كثيرا ثمّ قال: يحقن اللََّه [1] لقطتني.

____________

(1) . الناس. R

(2) . رضيت. R

432

دمك و يوفر مالك و يحفظ حرمك. ثمّ كتب إلى السفّاح: يا أمير المؤمنين إنّه قد وفد وافد من بني أميّة علينا، و إنّا إنّما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنّنا يجمعنا و إيّاهم‏[1] عبد مناف و الرحم تبل و لا تقتل و ترفع و لا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، و إن فعل فليجعل كتابا عامّا إلى البلدان نشكر اللََّه تعالى على نعمه عندنا و إحسانه إلينا. فأجابه إلى ما سأل، فكان هذا أوّل أمان بني أميّة.

ذكر خلع حبيب بن مرّة المرّيّ‏

و في هذه السنة بيّض حبيب بن مرّة المرّيّ و خلع هو و من معه من أهل البثنيّة و حوران، و كان خلعهم قبل خلع أبي الورد، فسار إليه عبد اللََّه و قاتله دفعات، و كان حبيب من قوّاد مروان و فرسانه.

و كان سبب تبييضه الخوف على نفسه و قومه‏[2]، فبايعته قيس و غيرهم ممّن يليهم. فلمّا بلغ عبد اللََّه خروج أبي الورد و تبييضه دعا حبيبا إلى الصلح، فصالحه و آمنه و من معه و سار نحو أبي الورد.

ذكر خلع أبي الورد و أهل دمشق‏

و فيها خلع أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابيّ، و كان من أصحاب مروان و قوّاده.

[1] و آباءهم.

[2] و موته.

433

و كان سبب ذلك أنّ مروان لمّا انهزم قام أبو الورد بقنّسرين، فقدمها عبد اللََّه بن عليّ فبايعه أبو الورد و دخل فيما دخل فيه جنده، و كان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس و الناعورة، فقدم بالس قائد من قوّاد عبد اللََّه بن عليّ فبعث بولد مسلمة و نسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد، فخرج من مزرعة[له‏]يقال لها خساف‏[1] فقتل ذلك القائد و من معه و أظهر التبييض و الخلع لعبد اللََّه، و دعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فبيّضوا أجمعهم، و السفّاح يومئذ بالحيرة، و عبد اللََّه بن عليّ مشتغل بحرب حبيب بن مرّة المرّيّ بأرض البلقاء و حوران و البثنيّة، على ما ذكرناه.

فلمّا بلغ عبد اللََّه تبييض أهل قنّسرين و خلعهم صالح حبيب بن مرّة و سار نحو قنّسرين للقاء أبي الورد، فمرّ بدمشق فخلّف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في أربعة آلاف، و كان بدمشق أهل عبد اللََّه و أمّهات أولاده و ثقله، فلمّا قدم حمص انتقض له أهل دمشق و بيّضواو قاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ فلقوا أبا غانم و من معه فهزموه و قتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة و انتهبوا ما كان عبد اللََّه خلّف من ثقله و لم يعرضوا لأهله و اجتمعوا على الخلاف. و سار عبد اللََّه، و كان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة[من‏] أهل قنّسرين و كاتبوا من يليهم من أهل حمص و تدمر، فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمّد بن عبد اللََّه بن يزيد بن معاوية، و دعوا إليه، و قالوا: هذا السفيانيّ الّذي كان يذكر، و هم في نحو من أربعين ألفا، فعسكروا بمرج الأخرم، و دنا منهم عبد اللََّه بن عليّ و وجّه إليهم أخاه عبد الصمد بن عليّ في عشرة آلاف، و كان أبو الورد هو المدبّر لعسكر قنّسرين و صاحب القتال، فناهضهم القتال، و كثر القتل في الفريقين، و انكشف عبد الصمد و من معه، و قتل منهم ألوف و لحق بأخيه عبد اللََّه.

[1] خسان.

434

فأقبل عبد اللََّه معه و جماعة القوّاد فالتقوا ثانية بمرج الأخرم فاقتتلوا قتالا شديدا، و ثبت عبد اللََّه، فانهزم أصحاب أبي الورد و ثبت هو في نحو من خمسمائة من قومه و أصحابه فقتلوا جميعا، و هرب أبو محمّد و من معه حتّى لحقوا بتدمر، و آمن عبد اللََّه أهل قنّسرين و سوّدوا و بايعوه و دخلوا في طاعته.

ثمّ انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم‏[عليه‏]، فلمّا دنا منهم هرب الناس و لم يكن منهم قتال، و آمن عبد اللََّه أهلها و بايعوه و لم يأخذهم بما كان منهم.

و لم يزل أبو محمّد السفيانيّ متغيّبا هاربا و لحق بأرض الحجاز*و بقي كذلك إلى أيّام المنصور (1) ، فبلغ زياد بن عبد اللََّه الحارثيّ عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه و أخذوا ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمّد بن عبد اللََّه السفيانيّ و بابنيه، فأطلقهما المنصور و آمنهما.

و قيل: إنّ حرب عبد اللََّه و أبي الورد كانت سلخ ذي الحجّة سنة ثلاث و ثلاثين و مائة.

ذكر تبييض أهل الجزيرة و خلعهم‏

و في هذه السنة بيّض أهل الجزيرة و خلعوا أبا العبّاس السفّاح و ساروا إلى حرّان و بها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفّاح فحاصروه بها و ليس على أهل الجزيرة رأس يجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن سلم العقيليّ من أرمينية، و كان سار عنها حين بلغه هزيمة مروان، فاجتمع عليه أهل الجزيرة و حاصر موسى بن كعب نحوا من الشهرين.

____________

(1) . R

435

و وجّه أبو العبّاس السفّاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة، فسار فاجتاز بقرقيسياء و الرّقّة، و أهلهما قد تبيّضوا، و سار نحو حرّان، فرحل إسحاق بن سلم إلى الرّهاء، و ذلك سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و خرج موسى بن كعب من حرّان فلقي أبا جعفر.

و وجّه إسحاق بن سلم أخاه بكّار بن سلم إلى ربيعة بدارا و ماردين، و رئيس ربيعة يومئذ رجل من الحروريّة يقال له بريكة، فعمد إليهم أبو جعفر فلقيهم، فقاتلوه قتالا شديدا، و قتل بريكة في المعركة، و انصرف بكّار إلى أخيه إسحاق بالرّهاء، فخلّفه إسحاق بها و سار إلى سميساط في عظم عسكره، و أقبل أبو جعفر إلى الرّهاء، و كان بينهم و بين بكّار وقعات.

و كتب السفّاح إلى عبد اللََّه بن عليّ يأمره أن يسير في جنوده إلى سميساط، فسار حتّى نزل بإزاء إسحاق بسميساط، و إسحاق في ستّين ألفا و بينهم الفرات، و أقبل أبو جعفر من الرّهاء و حاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، و كان إسحاق يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتّى أعلم أنّ صاحبها مات أو قتل.

فأرسل إليه أبو جعفر: إنّ مروان قد قتل. فقال: حتّى أتيقّن. فلمّا تيقّن قتله طلب الصلح و الأمان، فكتبوا إلى السفّاح بذلك و أمرهم أن يؤمنوه و من معه، فكتبوا بينهم كتابا بذلك، و خرج إسحاق إلى أبي جعفر، و كان عنده من آثر[1] صحابته، و استقام أهل الجزيرة و الشام، و ولّى أبو العبّاس أخاه أبا جعفر الجزيرة و أرمينية و أذربيجان، فلم يزل عليها حتّى استخلف.

و قد قيل: إنّ عبيد اللََّه بن عليّ هو الّذي آمن إسحاق بن سلم.

[1] اثره.

436

ذكر قتل أبي سلمة الخلاّل و سليمان بن كثير

قد ذكرنا ما كان من أبي سلمة في أمر أبي العبّاس السفّاح و من كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة بحيث صار عندهم متّهما، و تغيّر السفّاح عليه و هو بعسكره بحمّام أعين، ثمّ تحوّل عنه إلى المدينة الهاشميّة فنزل قصر الإمارة بها و هو متنكّر لأبي سلمة. و كتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه و ما كان همّ به من الغشّ، و كتب إليه أبو مسلم: إن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك منه فليقتله.

فقال داود بن عليّ للسفّاح: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتجّ بها أبو مسلم عليك و أهل خراسان الّذي معك أصحابه، و حاله فيهم حاله، و لكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله.

فكتب إليه، فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضّبّيّ لقتله، فقدم على السفّاح فأعلمه بسبب قدومه، فأمر السفّاح مناديا فنادى: إنّ أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة و دعاه فكساه، ثمّ دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتّى ذهب عامّة الليل، ثمّ انصرف إلى منزله وحده، فعرض له مرار ابن أنس و من معه من أعوانه فقتلوه و قالوا: قتله الخوارج، ثمّ أخرج من الغد فصلّى عليه يحيى بن محمد بن عليّ و دفن بالمدينة الهاشميّة عند الكوفة، فقال سليمان بن المهاجر البجليّ.

إنّ الوزير وزير آل محمّد # أودى فمن يشناك صار وزيرا

و كان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمّد، و لأبي مسلم: أمير آل محمّد.

فلمّا قتل أبو سلمة وجّه السفّاح أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم، فلمّا قدم على أبي مسلم سايره عبيد اللََّه بن الحسن الأعرج و سليمان بن كثير، فقال

437

سليمان بن كثير لعبيد اللََّه: يا هذا إنّا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون. فظنّ عبيد اللََّه أنّه دسيس من أبي مسلم، فأتى أبا مسلم فأخبره و خاف أن يعلمه أن يقتله، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير و قال له: أتحفظ قول الإمام لي من اتّهمته فأقتله؟قال: نعم. قال: فإنّي قد اتّهمتك. قال: أنشدك اللََّه!قال: لا تناشدني، فأنت منطو على غشّ الإمام، و أمر بضرب عنقه.

و رجع أبو جعفر إلى السفّاح فقال: لست خليفة و لا أمرك بشي‏ء إن تركت أبا مسلم و لم تقتله. قال: و كيف؟قال: و اللََّه ما يصنع إلاّ ما أراد. قال أبو العبّاس: فاكتمها.

و قد قيل: إنّ أبا جعفر إنّما سار إلى أبي مسلم قبل أن يقتل أبو سلمة.

و كان سبب ذلك أنّ السفّاح لمّا ظهر تذاكروا ما صنع أبو سلمة فقال بعض‏[1] من هناك: لعلّ ما صنع كان من رأي أبي مسلم. فقال السفّاح:

لئن كان هذا عن رأيه إنّا لنعرفنّ بلاء إلاّ أن يدفعه اللََّه عنّا. و أرسل أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ليعلم رأيه. فسار إليه و أعلمه ما كان من أبي سلمة، فأرسل مرار بن أنس فقتله.

ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسط

قد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هبيرة و الجيش الذين لقوة من أهل خراسان مع قحطبة، ثمّ مع ابنه الحسن، و انهزامه إلى واسط و تحصّنه بها، و كان [1] بعضهم.

438

لمّا انهزم قد وكّل بالأثقال قوما، فذهبوا بها، فقال له حوثرة: أين تذهب و قد قتل صاحبهم؟يعني قحطبة، امض‏[1] إلى الكوفة و معك جند كثير، فقاتلهم حتّى تقتل أو تظفر. قال: بل نأتي واسطا فننظر. قال: ما تزيد[2] على أن تمكّنه من نفسك و تقتل.

و قال يحيى بن حضين: إنّك لو تأتي مروان بشي‏ء أحبّ إليه من هذه الجنود، فألزم الفرات حتّى تأتيه، و إيّاك و واسطا فتصير في حصار و ليس بعد الحصر إلاّ القتل. فأبى.

و كان يخاف مروان‏لأنّه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه، فخاف أن يقتله، فأتى واسطا فتحصّن بها، و سيّر أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره، و أوّل وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء. قال أهل الشام لابن هبيرة: ايذن لنا في قتالهم. فأذن لهم، فخرجوا و خرج ابن هبيرة و على ميمنته ابنه داود، فالتقوا و على ميمنة الحسن خازم بن خزيمة، فحمل خازم على ابن هبيرة، فانهزم هو و من معه و غصّ الباب بالناس، و رمى أصحابه بالعرّادات‏[3]، و رجع أهل الشام، فكرّ عليهم الحسن و اضطرّهم إلى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، فتلقّوهم بالسفن و تحاجزوا، فمكثوا سبعة أيّام ثمّ خرجوا إليهم فاقتتلوا و انهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء اللََّه لا يقاتلون إلاّ رميا.

و بلغ ابن هبيرة، و هو في الحصار، أنّ أبا أميّة التغلبيّ قد سوّد فأخذه و حبسه، فتكلّم ناس من ربيعة في ذلك و معن بن زائدة الشيبانيّ و أخذوا ثلاثة [1] أ تمضي.

[2] تريد.

[3] بالعمادات.

439

نفر من فزارة رهط ابن هبيرة فحبسوهم. و شتموا ابن هبيرة (1) و قالوا: لا نترك ما (2) في أيدينا حتّى يترك ابن هبيرة صاحبنا. و أبى ابن هبيرة أن يطلقه، فاعتزل معن و عبد الرحمن بن بشير العجليّ فيمن معهما. فقيل لابن هبيرة:

هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم، و إن تماديت في ذلك كانوا أشدّ عليك ممّن حصرك. فدعا أبا أميّة فكساه و خلّى سبيله، فاصطلحوا و عادوا إلى ما كانوا عليه.

و قدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان إلى الحسن، فأوفد الحسن وفدا إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه، و جعل على الوفد غيلان بن عبد اللََّه الخزاعيّ، و كان غيلان واجدا على الحسن لأنّه سرّحه إلى روح بن حاتم مددا له، فلمّا قدم على السفّاح و قال: أشهد أنّك أمير المؤمنين، و أنّك حبل اللََّه المتين، و أنّك إمام المتّقين. قال: حاجتك يا غيلان؟قال: أستغفرك. قال:

غفر اللََّه لك. قال غيلان: يا أمير المؤمنين منّ علينا برجل من‏[أهل‏]بيتك. قال:

أو ليس عليكم رجل من أهل بيتي الحسن بن قحطبة؟قال: يا أمير المؤمنين منّ علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه و تقرّ عيننا به. فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ابن هبيرة عند رجوعه من خراسان. و كتب إلى الحسن: إنّ العسكر عسكرك، و القوّاد قوّادك، و لكن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فاسمع له و أطع و أحسن موازرته. و كتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك. و كان الحسن هو المدبّر لأمر ذلك العسكر.

فلمّا قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحوّل الحسن عن خيمته و أنزله فيها، و جعل الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك.

و قاتلهم مالك بن الهيثم يوما فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم و قد كمّن لهم

____________

(1) . و شاء ابن هبيرة أن يطلقه. R

(2) . من. R

440

معن و أبو يحيى الجذاميّ. فلمّا جازهم أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلوهم حتّى جاء الليل، و ابن هبيرة على برج الخلاّلين، فاقتتلوا ما شاء اللََّه من الليل، و سرّح ابن هبيرة إلى معن يأمره بالانصراف، فانصرف، فمكثوا أيّاما، و خرج أهل واسط أيضا مع معن و محمّد بن نباتة، فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم إلى دجلة حتّى تساقطوا فيها و رجعوا و قد قتل ولد مالك بن الهيثم، فلمّا رآه أبوه قتيلا قال: لعن اللََّه الحياة بعدك!ثمّ حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتّى أدخلوهم المدينة.

و كان مالك يملأ السفن حطبا ثمّ يضرمها نارا لتحرق ما مرّت به، فكان ابن هبيرة يجرّ تلك السفن بكلاليب، فمكثوا كذلك أحد عشر شهرا.

فلمّا طال عليهم الحصار طلبوا الصلح، و لم يطلبوه حتّى جاءهم خبر قتل مروان، أتاهم به إسماعيل بن عبد اللََّه القسريّ و قال لهم: علام تقتلون أنفسكم و قد قتل مروان؟و تجنّى أصحاب ابن هبيرة عليه، فقالت اليمانيّة:

لا نعين مروان و آثاره فينا آثاره. و قالت النزاريّة: لا نقاتل حتّى تقاتل معنا اليمانيّة، و كان يقاتل معه صعاليك الناس و فتيانهم.

و همّ ابن هبيرة بأن يدعو إلى محمّد بن عبد اللََّه بن الحسن بن عليّ، فكتب إليه، فأبطأ جوابه، و كاتب السفّاح اليمانيّة من أصحاب ابن هبيرة و أطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح و زياد بن عبد اللََّه الحارثيّان‏و وعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية ابن العبّاس، فلم يفعلا، و جرت السفراء بين أبي جعفر و ابن هبيرة حتّى جعل له أمانا و كتب به كتابا مكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتّى رضيه فأنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفّاح فأمره بإمضائه.

و كان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، و كان السفّاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم، و كان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على السفّاح، فكتب السفّاح‏

441

إلى أبي مسلم يخبره أمر ابن هبيرة، فكتب أبو مسلم إليه: إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا و اللََّه لا يصلح‏[1] طريق فيه ابن هبيرة.

و لمّا تمّ الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف و ثلاثمائة[من البخاريّة]، و أراد أن يدخل على دابّته، فقام إليه الحاجب سلاّم بن سليم فقال:

مرحبا[بك‏]أبا خالد، انزل راشدا!و قد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، و دعا له بوسادة ليجلس عليها، و أدخل القوّاد ثمّ أذن لابن هبيرة وحده، فدخل و حادثة ساعة ثمّ قام ثمّ مكث يأتيه يوما و يتركه يوما، فكان يأتيه في خمسمائة فارس و ثلاثمائة راجل. فقيل لأبي جعفر: إنّ ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر و ما نقص من سلطانه شي‏ء. فأمره أبو جعفر أن لا يأتي إلاّ في حاشيته، فكان يأتي في ثلاثين، ثمّ صار يأتي في ثلاثة أو أربعة.

و كلّم ابن هبيرة المنصور يوما، فقال له ابن هبيرة: يا هناه!أو: يا (1)

أيّها المرء!ثمّ رجع فقال: أيّها الأمير إنّ عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده. فألحّ السفّاح على أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة و هو يراجعه حتّى كتب إليه: و اللََّه لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرتك ثمّ يتولى قتله.

فعزم على قتله، فبعث خازم بن خزيمة و الهيثم بن شعبة بن ظهير و أمرهما بختم بيوت الأموال، ثمّ بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة من القيسيّة و المضريّة فأحضرهم، فأقبل محمّد بن نباتة و حوثرة بن سهيل في اثنين و عشرين رجلا، فخرج سلاّم بن سليم فقال: أين ابن نباتة و حوثرة؟ [1] صلح.

____________

(1) . أبونا. P. C

442

فدخلا و قد أجلس أبو جعفر عثمان بن نهيك و غيره في مائة في حجرة دون حجرته، فنزعت سيوفهما و كتفا، و استدعى رجلين رجلين يفعل بهما مثل ذلك، فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد اللََّه ثمّ غدرتم بنا!إنّا لنرجو أن يدرككم اللََّه!و جعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه و قال: كأنّي كنت انظر إلى هذا.

و انطلق خازم و الهيثم بن شعبة في نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا:

يريد حمل المال. فقال لحاجبه: دلّهم على الخزائن. فأقاموا عند كلّ بيت نفرا، و أقبلوا نحوه و عنده ابنه داود و عدّة من مواليه و بنيّ له صغير في حجره.

فلمّا أقبلوا نحوه قام حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، و قاتل ابنه داود، و أقبل هو إليه‏ (1) و نحّى ابنه من حجره فقال:

دونكم هذا الصبيّ، و خرّ ساجدا فقتل، و حملت رءوسهم إلى أبي جعفر، و نادى بالأمان للناس إلاّ الحكم بن عبد الملك بن بشر، و خالد بن سلمة المخزوميّ، و عمر بن ذرّ، فاستأمن زياد بن عبد اللََّه لابن ذرّ، فآمنه، و هرب الحكم، و آمن أبو جعفر خالدا فقتله السفّاح و لم يجز أمان أبي جعفر، فقال أبو العطاء السّنديّ يرثي ابن هبيرة:

ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط # عليك بجاري دمعها لجمود

عشيّة قام النائحات و صفقت # أكفّ بأيدي مأتم و خدود

فإن تمس‏[1] مهجور الفناء فربّما # أقام به بعد الوفود وفود

فإنّك لم تبعد على متعهّد # بلى كلّ من تحت التّراب بعيد

[1] تنس.

____________

(1) . و قتل مواليه. P. C

443

ذكر قتل عمّال أبي سلمة بفارس‏

و في هذه السنة وجّه أبو مسلم الخراسانيّ محمّد بن الأشعث على فارس و أمره أن يقتل عمّال أبي سلمة، ففعل ذلك، فوجّه السفّاح عمّه عيسى ابن عليّ إلى فارس، و عليها محمّد بن الأشعث، فأراد محمّد قتل عيسى، فقيل له: إنّ هذا لا يسوغ لك. فقال: بلى أمرني أبو مسلم أن لا يقدم أحد عليّ يدّعي الولاية من غيره إلاّ ضربت عنقه، ثمّ ترك عيسى خوفا من عاقبة قتله و استحلف عيسى بالأيمان المحرّجة أن لا يعلو منبرا و لا يتقلّد سيفا إلاّ في جهاد، فلم يل‏[1] عيسى بعد ذلك ولاية و لا تقلّد[2] سيفا إلاّ في غزو، ثمّ وجّه السفّاح بعد ذلك إسماعيل بن عليّ واليا على فارس.

ذكر ولاية يحيى بن محمّد الموصل و ما قيل فيها

و في هذه السنة استعمل السفّاح أخاه يحيى بن محمّد على الموصل عوض محمّد بن صول.

و كان سبب ذلك أنّ أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمّد بن صول، و قالوا: يلي علينا مولى الخثعم، و أخرجوه عنهم. فكتب إلى السفّاح بذلك و استعمل عليهم أخاه يحيى بن محمّد و سيّره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة مجانب مسجد الجامع، و لم يظهر لأهل الموصل شيئا ينكرونه [1] يزل.

[2] يقلّد.

444

و لم يعترضهم‏[1] فيما يفعلونه، ثمّ دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا، فنفر أهل البلد و حملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، و أمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه، فقيل: إنّه قتل فيه أحد عشر ألفا ممّن له خاتم و ممّن ليس له خاتم خلقا كثيرا.

فلمّا كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهنّ، فسأل عن ذلك الصوت، فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء و الصبيان. ففعلوا ذلك، و قتل منهم ثلاثة أيّام، و كان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجيّ، فأخذوا النساء قهرا.

فلمّا فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع و بين يديه الحراب و السيوف المسلولة، فاعترضته امرأة و أخذت بعنان دابّته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت له: أ لست من بني هاشم؟أ لست ابن عمّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم؟أمّا تأنف للعربيّات المسلمات أن ينكحهنّ الزنج؟فأمسك عن جوابها و سيّر معها من يبلغها مأمنها، و قد عمل كلامها فيه. فلمّا كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم.

و قيل: كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من محبّة بني أميّة و كراهة بني العبّاس، و أنّ امرأة غسلت رأسها و ألقت الخطميّ من السطح فوقع على رأس بعض الخراسانيّة فظنّها فعلت ذلك تعمّدا، فهاجم الدار، و قتل أهلها، فثار أهل البلد و قتلوه، و ثارت الفتنة.

و فيمن قتل معروف بن أبي معروف، و كان زاهدا عابدا، و قد أدرك كثيرا من الصحابة و روى عنهم.

[1] يعترضه.

445

ذكر عدّة حوادث‏

و فيها وجّه السفّاح أخاه المنصور واليا على الجزيرة و أذربيجان و أرمينية، و فيها عزل عمّه داود بن عليّ عن الكوفة و سوادها و ولاّه المدينة و مكّة و اليمن و اليمامة، و ولّى موضعه من عمل الكوفة ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمّد، فاستقضى عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى.

و كان العامل على البصرة هذه السنة سفيان بن عيينة المهلّبيّ، و على قضائها الحجّاج بن أرطاة، و على السّند منصور بن جمهور، و على فارس محمّد بن الأشعث، و على الجزيرة و أرمينية و أذربيجان أبو جعفر بن محمّد بن عليّ، و على الموصل يحيى بن محمد بن عليّ، و على الشام عبد اللََّه بن عليّ، و على مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، و على خراسان و الجبال أبو مسلم، و على ديوان الخراج خالد بن برمك.

و حجّ بالناس هذه السنة داود بن عليّ.

و فيها مات عبد اللََّه بن أبي نجيح، و إسحاق بن عبد اللََّه بن أبي طلحة الأنصاريّ.

و فيها قتل يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك مع مروان بن محمّد بالزّاب، و يحيى أخو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس. و فيها قتل يونس ابن مغيرة بن حلين بدمشق لمّا دخلها عبد اللََّه بن عليّ، و كان عمره عشرين و مائة سنة، قتله رجلان من خراسان و لم يعرفاه، فلمّا عرفاه بكيا عليه، و قيل:

بل عضّته دابّة من دوابّه فقتلته، و كان ضريرا. و فيها مات صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن. و فيها توفّي محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم بالمدينة، و كان قاضيها. و فيها مات همام بن منبّه. و عبد اللََّه‏

446

ابن عوف. و سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاريّ. و خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يسار الأنصاريّ، و هو خال عبيد اللََّه بن عمر العمريّ، (خبيب بضمّ الخاء المعجمة، و فتح الباء الموحّدة) .

و عمارة بن أبي حفصة، و اسم أبي حفصة ثابت مولى العتيك بن الأزد، و هو والد حرمي، كنيته أبو روح، (حرمي بفتح الحاء و الراء المهملتين) .

و فيها توفّي عبد اللََّه بن طاووس بن كيسان الهمدانيّ من عباد أهل اليمن و فقهائهم.

447

133 ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين و مائة

ذكر ملك الروم ملطية

في هذه السنة أقبل قسطنطين، ملك الروم، إلى ملطية (1) و كمخ، فنازل كمخ، فأرسل أهلها إلى أهل ملطية يستنجدونهم، فسار إليهم، منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم، فانهزم المسلمون، و نازل الروم ملطية و حصروها، و الجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، و عاملها موسى بن كعب بحرّان.

فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إنّي لم أحصركم إلاّ على علم من المسلمين و اختلافهم، فلكم الأمان و تعودون إلى بلاد المسلمين حتّى أحترث ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك، فنصب المجانيق، فأذعنوا و سلّموا البلاد على الأمان و انتقلوا إلى بلاد الإسلام‏و حملوا ما أمكنهم حمله، و ما لم يقدروا على حمله ألقوه في الآبار و المجاري.

فلمّا ساروا عنها أخربها الروم و رحلوا عنها عائدين، و تفرّق أهلها في بلاد الجزيرة، و سار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي، و أرسل كوشان الأرمنيّ فحصرها، فنقب إخوان من الأرمن من أهل المدينة ردما كان في سورها، فدخل كوشان و من معه المدينة و غلبوا عليها و قتلوا رجالها و سبوا النساء و ساق القائم إلى ملك الروم.

____________

(1) . ملطيّة. ddoC

448

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة وجّه السفّاح عمّه سليمان بن عليّ واليا على البصرة و أعمالها و كور دجلة و البحرين و عمان و مهرجانقذق، و استعمل عمّه إسماعيل ابن عليّ على الأهواز.

و فيها قتل داود بن عليّ من ظفر به من بني أميّة بمكّة و المدينة، و لمّا أراد قتلهم قال له عبد اللََّه بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه؟أما يكفيك أن يروك غاديا و رائحا فيما يذلّهم‏[1] و يسوءهم؟ فلم يقبل منه و قتلهم.

و فيها مات داود بن عليّ بالمدينة في شهر ربيع الأوّل، و استخلف حين حضرته الوفاة ابنه موسى، و لمّا بلغت السفّاح وفاته استعمل على مكّة و المدينة و الطائف و اليمامة خاله زياد بن عبد اللََّه بن عبد المدان الحارثيّ، و وجّه‏محمّد ابن يزيد بن عبد اللََّه بن عبد المدان على اليمن. فلمّا قدم زياد المدينة وجّه إبراهيم ابن حسّان السّلميّ، و هو أبو حمّاد الأبرص بن المثنّى، إلى‏[2] يزيد بن عمر ابن هبيرة، و هو باليمامة، فقتله و قتل أصحابه.

و فيها توجّه محمّد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتل أهلها قتالا شديدا حتّى فتحها. و فيها خرج شريك بن شيخ المهريّ ببخارى على أبي مسلم و نقم عليه و قال: ما على هذا اتبعنا آل محمّد، أن تسفك الدماء و أن يعمل بغير الحقّ! و تبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعيّ فقاتله، و قتله زياد.

و فيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختّل فدخلها، و لم يمتنع [1] يذلّ.

[2] بن.

449

عليه حبيش بن الشّبل ملكها بل تحصّن منه هو و أناس من الدهاقين، فلمّا ألحّ عليه أبو داود خرج من الحصن هو و من معه من دهاقينه و شاكريّته حتّى انتهوا إلى أرض فرغانة، ثمّ دخلوا بلد الترك و انتهوا إلى ملك الصين، و أخذ أبو داود من ظفر به منهم فبعث بهم إلى أبي مسلم، و فيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلّب بالموصل، قتله سليمان الّذي يقال له الأسود بأمان كتبه له.

و فيها وجّه صالح بن عليّ سعيد بن عبد اللََّه ليغزو الصائفة وراء الدروب.

و فيها عزل يحيى بن محمّد عن الموصل و استعمل مكانه إسماعيل بن عليّ. و إنّما عزل يحيى لقتله أهل الموصل‏ (1) و سوء أثره فيهم.

و حجّ بالناس هذه السنة زياد بن عبد اللََّه الحارثيّ. و كان العمّال من ذكرنا إلاّ الحجاز و اليمن و الموصل فقد ذكرنا من استعمل عليها.

و فيها تخالف إخشيد فرغانة و ملك الشاش، فاستمدّ إخشيد ملك الصين فأمدّه بمائة ألف مقاتل، فحصروا ملك الشاش، فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرّض له و لأصحابه بما يسوءهم، و بلغ الخبر أبا مسلم فوجّه إلى حربهم زياد بن صالح، فالتقوا على نهر طراز (2) فظفر بهم المسلمون و قتلوا منهم زهاء خمسين ألفا و أسروا نحو عشرين ألفا و هرب الباقون إلى الصين، و كانت الوقعة في ذي الحجّة سنة ثلاث و ثلاثين.

و فيها توفّي مروان بن أبي سعيد. و ابن المعلّى الزّرقيّ الأنصاريّ. و عليّ ابن بذيمة مولى جابر بن سمرة السّوائيّ.

(بذيمة بفتح الباء الموحّدة، و كسر الذال المعجمة) (3) .

____________

(1) . P. C. MO

(2) . tra. c. P. C

(3) . R

450

134 ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و مائة

[ذكر خلع بسّام بن إبراهيم‏]

و في هذه السنة خلع بسّام بن إبراهيم بن بسّام، و كان من فرسان‏[1] أهل خراسان، و سار من عسكر السفّاح هو و جماعة على رأيه سرّا إلى المدائن، فوجّه إليهم السفّاح خازم بن خزيمة، فاقتتلوا، فانهزم بسّام و أصحابه و قتل أكثرهم و قتل كلّ من لحقه منهزما، ثمّ انصرف فمرّ بذات المطامير، و بها أخوال السفّاح من بني عبد المدان، و هم خمسة و ثلاثون رجلا، و من غيرهم ثمانية عشر رجلا، و من مواليهم سبعة عشر، فلم يسلّم عليهم، فلمّا جازهم شتموه، و كان في قلبه عليهم‏[ما كان‏]لما بلغه‏[عنهم‏]من حال المغيرة بن الفزع و أنّه لجأ إليهم، و كان من أصحاب بسّام، فرجع إليهم و سألهم عن المغيرة، فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأقام في قريتنا ليلة ثمّ خرج عنّا. فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوّه و يأمن في قريتكم!فهلا اجتمعتم فأخذتموه!فأغلظوا له في الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا و هدم دورهم و نهب أموالهم ثمّ انصرف.

فبلغ ذلك اليمانيّة فاجتمعوا، و دخل زياد بن عبد اللََّه الحارثيّ معهم على السفّاح، فقالوا له: إنّ خازما اجترأ عليك و استخفّ بحقّك و قتل أخوالك [1] خراسان من.

451

الذين قطعوا البلاد و أتوك معتزّين‏ (1) بك طالبين معروفك حتّى صاروا في جوارك، قتلهم خازم و هدم دورهم و نهب أموالهم بلا حدث أحدثوه. فهمّ بقتل خازم فبلغ ذلك موسى بن كعب و أبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على السفّاح و قالا:

يا أمير المؤمنين بلغنا ما كان من هؤلاء و أنّك هممت بقتل خازم، و إنّا نعيذك باللََّه من ذلك، فإنّ له طاعة و سابقة و هو يحتمل له ما صنع، فإنّ شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب و الأولاد و قتلوا من خالفكم، و أنت أحقّ من تغمّد إساءة مسيئهم، فإن كنت لا بدّ مجمعا على قتله فلا تتولّ‏[1] ذلك بنفسك و ابعثه لأمر إن قتل فيه كنت قد بلغت الّذي تريد، و إن ظفر كان ظفره لك.

و أشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج و إلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان‏[2] مع شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فأمر السفّاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، و كتب إلى سليمان بن عليّ، و هو على البصرة، بحملهم إلى جزيرة ابن كاوان‏[2] و عمان، فسار خازم.

ذكر أمر الخوارج و قتل شيبان بن عبد العزيز

فلمّا سار خازم إلى البصرة في الجند الذين معه، و كان قد انتخب من أهله و عشيرته و مواليه و من أهل مروالرّوذ من يثق به، فلمّا و صل البصرة حملهم [1] تقول.

[2] بركاوان. ـ

____________

(1) . 427. P,EJEOGEDdeirosdaleB. divta ;معترين. ddoC

452

سليمان في السفن و انضمّ إليه بالبصرة أيضا عدّة من بني تميم، فساروا في البحر حتّى أرسوا بجزيرة ابن كاوان‏[1]، فوجّه خازم فضلة بن نعيم النّهشليّ في خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فركب شيبان و أصحابه السفن و ساروا إلى عمان، و هم صفريّة. فلمّا صاروا إلى عمان قاتلهم الجلندي و أصحابه، و هم إباضيّة، و اشتدّ القتال بينهم، فقتل شيبان و من معه، و قد تقدّم سنة تسع و عشرين و مائة قتل شيبان على هذا السياق.

ثمّ سار خازم في البحر بمن معه حتّى أرسوا إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى الصحراء، فلقيهم الجلندي و أصحابه و اقتتلوا قتالا شديدا، و كثر القتل يومئذ في أصحاب خازم، و قتل منهم أخ له من أمّه في تسعين رجلا، ثمّ اقتتلوا من الغد قتالا شديدا، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة و أحرق منهم نحو من تسعين رجلا، ثمّ التقوا بعد سبعة أيّام من مقدم خازم على رأي أشار به‏بعض أصحاب خازم، أشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنّتهم المشاقة و يرووها بالنفط و يشعلوا فيها النيران ثمّ يمشوا بها حتّى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندي، و كانت من خشب، فلمّا فعل ذلك و أضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها و بمن فيها من أولادهم و أهاليهم، فحمل عليهم خازم و أصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم و قتلوا الجلندي فيمن قتل، و بلغ عدّة القتلى عشرة آلاف، و بعث برءوسهم إلى البصرة، فأرسلها سليمان إلى السفّاح، و أقام خازم بعد ذلك أشهرا حتّى استقدمه السفّاح فقدم.

[1] بركاوان.

453

ذكر غزوة كشّ‏

و في هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كشّ فقتل الاخريد ملكها، و هو سامع مطيع، و قتل أصحابه و أخذ منهم من الأواني الصينيّة المنقوشة المذهّبة ما لم ير مثلها، و من السروج‏ (1) و متاع الصين كلّه من الديباج و الطرف شيئا كثيرا فحمله إلى أبي مسلم و هو بسمرقند، و قتل عدّة من دهاقينهم، و استحيا طاران أخا الاخريد و ملّكه على كشّ، و انصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد و بخارى، و أمر ببناء سور سمرقند، و استخلف زياد ابن صالح‏[1] عليها و على بخارى، و رجع أبو داود إلى بلخ.

ذكر حال منصور بن جمهور

و في هذه السنة وجّه السفّاح موسى بن كعب إلى السند[2] لقتال منصور بن جمهور، فسار و استخلف مكانه على شرط السفّاح المسيّب بن زهير، و قدم موسى السّند فلقي منصورا في اثني عشر ألفا، فانهزم منصور و من معه و مضى فمات عطشا في الرمال، و قد قيل أصابه بطنه فمات. و سمع خليفته على السّند بهزيمته فرحل بعيال منصور و ثقله فدخل بهم بلاد الخزر.

[1] صليح.

[2] الهند.

____________

(1) . الزوج. P. C

454

ذكر عدّة حوادث‏

و فيها توفّي محمّد بن يزيد بن عبد اللََّه و هو على اليمن، فاستعمل السفّاح مكانه عليّ بن الربيع بن عبيد اللََّه.

و فيها تحوّل السفّاح من الحيرة إلى الأنبار في ذي الحجّة. و فيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكّة و الأميال.

و حجّ بالناس هذه السنة عيسى بن موسى و هو على الكوفة.

و كان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، و على المدينة و مكّة و الطائف و اليمامة زياد بن عبد اللََّه، و على اليمن عليّ بن الربيع الحارثيّ، و على البصرة و أعمالها و كور دجلة و عمان سليمان بن عليّ، و على قضائها عباد بن منصور، و على السّند موسى بن كعب، و على خراسان و الجبال أبو مسلم، و على فلسطين صالح ابن عليّ، و على مصر أبو عون، و على الموصل إسماعيل بن عليّ، و على أرمينية يزيد بن أسيد، و على أذربيجان محمّد بن صول، و على ديوان الخراج خالد بن برمك، و على الجزيرة أبو جعفر المنصور.

و كان عامله على أذربيجان و أرمينية من ذكرنا، و على الشام عبد اللََّه بن عليّ.

و فيها توفّي محمّد بن إسماعيل بن سعد بن أبي وقّاص. و سعد بن عمر ابن سليم الزّرقيّ.