الفتوح - ج8

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
443 /
265

القوم فقال: أعطوني خبزا آكل فإني جائع و أخاف أن يرحل مروان و لا ألحقه!قال:

فدفعوا إليه رغيفين و قطعة لحم دابة، و أخرجوه من باب القلعة. فأقبل مروان بن محمد حتى صار إلى عسكره، ثم دعا بثيابه فلبسها و قعد و كتب إلى صاحب السرير:

أما بعد يا ابن الخبيثة!فأنا مروان بن محمد، و أنا الذي كنت رسول نفسي، فقد [?] يميني التي كنت حلفت بها أني لأدخل إلى قلعتك، و قد دخلتها و درت فيها و عرفت مسالكها، و أنا أرجو أن أدخلها ثانية إن شاء اللّه و أنفك راغم فانظر أي رجل تكون!قال: فلما ورد كتاب مروان على صاحب السرير علم أن مروان بن محمد قد عمل عليه حتى دخل قلعته، فكأنه اتقى على نفسه و كتب إلى مروان يسأله الصلح، فأجابه مروان إلى ذلك، فوقع الصلح بينهما على خمسمائة غلام و خمسمائة جارية شقر[ (1) ]الشعور و الحواجب و الأشفار[ (2) ]و عشرة آلاف دينار و خمسمائة[ (3) ]مدّ من طعام يحمل في كل سنة إلى مدينة الباب، فقبض مروان ذلك كله من صاحب السرير.

ثم رحل حتى نزل على حصن يقال له تومان‏[ (4) ]، فصالحوه على مائة رأس من السبي‏[ (5) ]و ألف دابة و ألف‏[ (6) ]مد من الطعام يحمل إلى مدينة الباب في كل سنة.

قال: ثم رحل مروان حتى نزل على حصن حمزين‏[ (7) ]. و إذا أهل الحصن قد استعدوا لمحاربته، فحاربهم مروان و أصحابه حربا شديدا حتى كثر القتلى في المسلمين. فقال مروان: أيها الناس!أيما رجل صعد هذه القلعة فأخذها عنوة فله ألف دينار و له أفضل جارية في هذه القلعة!قال: فوثب رجل من العرب من تنوخ فقال: أنا لها أيها الأمير!قال: ثم أقبل التنوخي إلى موضع كان قد عرفه قبل ذلك، فجعل يصعد و القوم لا يعلمون حتى صار في رأس القلعة، ثم كبر ففزع القوم فعضوا أيديهم و سلموا القلعة بما فيها، فدخلها المسلمون عنوة، و خرج صاحبها حمزين شاه هاربا على وجهه حتى صار إلى القلعة الأخرى فتحصن فيها، و أخذ المسلمون ما [ (1) ]في ابن الأثير و فتوح البلدان: سود الشعور.

[ (2) ]في فتوح البلدان: و هدب الأشفار.

[ (3) ]في فتوح البلدان: و مائة ألف مدّي قصب في أهراء الباب و أخذ منه الرهن.

[ (4) ]الأصل و ابن الأثير و فتوح البلدان، و لم نعثر عليه.

[ (5) ]في فتوح البلدان: خمسين جارية و خمسين غلاما خماسيين سود الشعور و الحواجب و هدب الأشفار.

[ (6) ]فتوح البلدان و ابن الأثير: و عشرين ألف مدّ.

[ (7) ]الأصل و فتوح البلدان و ابن الأثير، و لم نعثر عليه. و يفهم من عبارة فتوح البلدان أن حمزين هو صاحب الحصن.

266

كان فيها من الأموال و النساء و الذرية. ثم أقبل مروان على التنوخي الذي صعد القلعة فقال: إني قد كنت ضمنت لك ألف دينار و أنا أدفعها إليك، و لكن اختر أنت أي جارية شئت!قال: فوثب التنوخي إلى جارية حسناء فأخذها و قال: هذه أصلح اللّه الأمير!فقال: خذها فهي لك، قال فأخذ التنوخي الجارية و جعل ينحدر يريد العسكر فضربت الجارية بيدها إلى التنوخي فاعتنقته ثم رمت بنفسها و إياه إلى الوادي، فتقطعا جميعا على الحجارة فماتا. قال: فغضب مروان لذلك فقدم الرجال القلعة بأجمعهم فضرب أعناقهم، فما أبقى منهم أحدا، ثم إنه بث خيله بأرض حمزين فأخرب نيفا على ثلاثمائة قرية من قراهم. ثم أقبل حتى نزل على ملكهم حمزين شاه في قلعة و عزم على حصاره، فصالحه حمزين شاه على خمسمائة رأس من السبي و خمسمائة[ (1) ]مد من الطعام يحمل في كل سنة إلى مدينة الباب.

قال: و جعل مروان بن محمد يفتح قلعة بعد قلعة حتى فتح جميع قلاع بلاد السرير و حمزين و تومان و سندان‏[ (2) ]و ما والاها. ثم أقبل راجعا إلى مدينة الباب فنزلها، و هجم عليه الشتاء. و[لما]جاء الربيع أرسل إلى جميع ملوك الجبال فأقدمهم عليه من الشروان و إيران‏[ (3) ]و قيلان‏[ (4) ]و طبرستان و جميع البلاد إلا أربيس بن بسباس ملك الكر[ (5) ]فإنه امتنع عليه فلم يأته و أقبل مروان بن محمد حتى نزل على قرية يقال لها بيلستان‏[ (6) ]في بطن نهر السمور، ثم إنه بث الغارات في بلاد الكر، فجعل يغير و ينهب و يحرق، فلم يزل على ذلك حولا كاملا. فلما كان بعد ذلك و طال الحصار على أربيس خرج من قلعته ليلا و مر هاربا على وجهه في نفر من أصحابه و مروان لا يعلم بذلك. قال: و مضى أربيس على وجهه حتى جاوز مدينة الباب و الأبواب، ثم إنه مر بغلام راع فقال لأصحابه: خذوا شاة من غنم هذا الراعي، فأخذوا شاة من الغنم و نزل أربيس في موضعه ذلك، ثم إنه نزع ثيابه و جلس في قباء، و تفرق أصحابه فمنهم من يسلخ له تلك الشاة ليأكل منها و منهم من [ (1) ]في فتوح البلدان: ثلاثين ألف مدّي.

[ (2) ]كذا، و في فتوح البلدان: «سدان» و في معجم البلدان: «شنذان» و فيه: شنذان: صقع متصل ببلاد الخزر.

[ (3) ]بالأصل «الإيران» .

[ (4) ]كذا و لم نعثر عليه.

[ (5) ]فتوح البلدان و ابن الأثير: اللكز.

[ (6) ]كذا بالأصل، و لم نعثر عليه.

267

اشتغل يرعى الدواب. قال: و أقبل ذلك الغلام الراعي و في يده قوس له و سهام حتى وقف من وراء شجرة، ثم رمى أربيس بسهم له فقتله. قال: و تنازع أصحابه و قالوا بألسنتهم و كلامهم: قتل الملك!قال: و هرب الغلام الراعي حتى صار إلى القرية ثم إنه خبّر إياهم بما فعل.

قال: فأقبل الراعي حتى دخل مدينة الباب و الأبواب، ثم سار إلى أميرها أسيد بن زافر السلمي فخبّره بذلك. قال: فركب أسيد بن زافر من ساعته في نفر من أصحابه حتى صار إلى الموضع فنظر إلى أربيس بن بسباس قتيلا، فأمر برفع رأسه ثم احتوى على قليله و كثيره و رجع إلى مدينة الباب، ثم دعا بابنه يزيد فدفع إليه الرأس فقال له: سر إلى الأمير مروان فضع الرأس بين يديه. قال: فسار يزيد حتى صار إلى مروان و هو نازل في بطن نهر السمور حذاء القلعة، فاستأذن يزيد بن أسيد على مروان فأذن له، فدخل و سلم، فقال له مروان: كيف أبوك يا يزيد؟فقال: بخير أصلح اللّه الأمير!على أني جئتك ببشارة!قال: و ما بشارتك؟قال: رأس أربيس بن بسباس. قال: فعجب مروان من ذلك ثم قال: ويحك!أربيس في قلعته و أنت قد أتيتني برأسه!قال: فخبره يزيد بن أسيد بأمر أربيس، فأمر مروان بالرأس فرفع على رمح له حذاء القلعة، ثم كبر المسلمون و أشرف أهل القلعة فنظروا إلى رأس صاحبهم أربيس، فأعطوا بأيديهم و ذلوا و خضعوا، فأعطاهم الأمان و أقرهم في بلدهم و وظف عليهم في كل سنة عشرة آلاف‏[ (1) ]من الطعام يحمل إلى مدينة الباب‏[ (2) ].

قال: ثم سار مروان إلى بلاد أذربيجان فغزا أهل موقان و جيلان‏[ (3) ]و النهر و الطالقان، و قتل منهم مقتلة عظيمة و سبى منهم نيفا على عشرة آلاف من نسائهم و أولادهم ففرقهم على أصحابه. ثم أقبل حتى نزل برذعة، و قد فتح أرمينية كلها و أذربيجان و جميع البلاد، فليس أحد يناويه في سلطانه. قال: و في تلك السنة حبس كميت بن زيد[ (4) ]الأسدي رحمة اللّه عليه.

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 211 عشرين ألف مدّي.

[ (2) ]زيد في فتوح البلدان أن مروان ولى على قلعة اللكز عاملا له عليهم هو خشرم السلمي.

[ (3) ]جيلان و موقان: في معجم البلدان هما أهل طبرستان ابنا كماشح... ولاية فيها قرى و مروج كثيرة... و هي بأذربيجان.

[ (4) ]بالأصل «يزيد» خطأ، و ما أثبت عن معجم الشعراء للمرزباني. ـ

268

ذكر حبس الكميت رحمة اللّه عليه‏

حدثني إبراهيم بن عبد اللّه بن العلاء القرشي المدني قال: حدثني نصر بن خالد النحوي قال: حدثني الحكم بن سعيد الأسدي قال: أخبرني عيسى بن أعين و كان حاجبا لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد رضي اللّه عنهما قال: كان السبب في حبس الكميت بن زيد[ (1) ]الأسدي أنه كان يقعد في المحافل و على قوارع الطرق فينشد الأشعار التي يمدح فيها بني هشام‏[ (2) ]و يهجو بني أمية ثم قال هذه القصيدة:

من لقلب‏[ (3) ]متيّم مستهام # غير ما صبوة و لا أحلام‏

ففضل فيها بني هاشم على بني أمية حيث يقول:

ساسة لا كمن يرى رعية[ (4) ]النـ # اس سواء و رعية الأنعام

لا كعبد المليك أو كوليد # أو سليمان بعد أو كهشام‏

قال: و بلغ ذلك خالد بن عبد اللّه القسري و هو يومئذ أمير العراقين من قبل هشام فأخذ الكميت و حبسه في سجنه، ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، و كتب هشام إلى خالد بن عبد اللّه القسري أن خذ الكميت فأخرج لسانه من قفاه و اقطع رجليه و اصلبه على باب داره. قال: و بلغ ذلك أبان بن الوليد البجلي و كان صديقا للكميت فكتب إليه إلى السجن بهذه الأبيات:

إن كنت ذا قصبات في الخداع فرم # بدر السماء تنل أو مت على صمد

أو فاتخذ نقبا في الأرض تنج به # و ما أراك بناج آخر الأبد

كن كالحسام سطت بالجفن شقرته # و الأمر أسرع من كف إلى عدد

و لا تكن حفصا رهنا بقبضته # بذي الإماء وثق بالواحد الصمد

قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى الكميت أيقن بالقتل و علم أن أبان بن الوليد قد نصحه، فكتب إليه يجيبه على أبياته و هو يقول:

أسمعتها أذنا للغيب سامعة # أبا الوليد فلا عميت من رشد

[ (1) ]انظر الحاشية السابقة

[ (2) ]كذا بالأصل، و الصواب «بني هاشم» .

[ (3) ]من شرح الهاشميات ص 11 و بالأصل «لقب» .

[ (4) ]عن شرح الهاشميات، و بالأصل «رغبة» .

269

كم من أخي حسد باتت عقاربه # تسرى إليّ فلم تضرب و لم تكد

و بين مبتسم تبدو نواجذه # شماتة قد طوى كشحا على كمد

لو امتنانك عودا بعد بدأته # لكنت قبل ترى منّا بلا قود

قال: ثم بعث الكميت إلى امرأته أم ولد و هي ابنة عمه، و ذلك أنه الكميت بن [زيد بن‏]خنيس‏[ (1) ]، و امرأته حبى بنت عبد الواحد بن خنيس، و خنيس ابن مجالد بن ربيعة بن قيس بن الحارث بن وهيب بن عمرو بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس‏[بن مضر-]بن نزار[ (2) ].

قال: فأرسل إليها الكميت أن أدركيني فقد هلكت، و احتالي لي بحيلة و إلا فقدت الكميت و لا كميت لك. قال: و كانت ابنة عمه هذه من بنات الشيعة، و كانت برة عاقلة لبيبة من النساء، فوثبت من ساعتها إلى ثيابها فلبستها، ثم أقبلت و معها نسوة من بنات عمها إلى باب السجن، فقال السجان: من هؤلاء النسوة؟فقيل له: هذه امرأة الكميت قد جاءت لتزور زوجها، قال: فأخرج الكميت إليها، فأوقفته بين النساء ثم ألبسته ثيابها و علمته مشيتها فقالت: اخرج الآن مع هؤلاء النسوة و انج بنفسك و ذرني أنا، فليس أحد يتعرض لي!فتنقب و خرج من باب السجن مع النساء، فلما مر على السجان جعل ينظر إلى مشيته فقال: قبح اللّه هذه من مشية فما أشبهها بمشية رجل!قال: و جعل الكميت يمشي مع النساء و مشيته لا تخفى على أحد، حتى إذا صار إلى بني تميم مر على جماعة منهم‏[ (3) ]، فقال رجل من دهاتهم:

و اللّه ما هذه المشية عندي إلا مشية رجل غير أنه قد تنقب و لا شك عنه يريد إلى بعض الأعراس، ثم قال لغلام له أسود: ويلك يا غلام!اذهب و اتبع تلك المرأة فانظر إلى أين تدخل!قال: فذهب الغلام، فصاح به شيخ من بني تميم يقال له سعيد بن بديل‏[ (4) ]فقال: ويلك ارجع يا أسود!ويلك ما لك و اتباع النساء!و ذلك أن الشيخ وقع في قلبه أنه رجل فلم يحب أن يفضحه. قال: فرجع عنه الأسود و مضى الكميت حتى صار من النجع إلى آل علقمة الحضرمي، فدخل إلى دورهم فاستجار بهم فأجاروه، و هو الذي يقول فيهم حيث يقول:

[ (1) ]في المؤتلف و المختلف «الأخنس» و في تجريد الأغاني: حبيش. و في الأغاني: خنيس كالأصل.

[ (2) ]انظر عامود نسبه في الأغاني 17/1 و المؤتلف و المختلف للآمدي باختلاف عما ورد في الأصل.

[ (3) ]انظر ما ورد في الأغاني 17/4-5 عن كيفية هربه من السجن.

[ (4) ]في الأغاني 17/4 أبو الوضاح حبيب بن بديل.

270

و لو لا آل علقمة اجتدعنا # بأيدينا أنوف مصلتينا

قال: و وقع الخبر في السجن أن الكميت قد هرب، فوثب السجان فدخل السجن إلى الموضع الذي كان فيه الكميت فإذا هو بامرأة الكميت جالسة، فما نظر إليها صاحت صيحة و قالت: وراءك لا أم لك!قال: فعلم السجان أنه قد عمل عليه فخرق ثوبه و صاح و وضع التراب على رأسه ثم قال لأعوانه: ويلكم امرأة دخلت السجن فخدعتني و خدعتكم فأخرجت زوجها من السجن فجلست في موضعه و أنتم لا تعلمون!قال: و بلغ ذلك خالد بن عبد اللّه القسري فبعث إلى السجان فأحضره، ثم أمر به فجرد من ثيابه و ضربه بالسياط ضربا شديدا حتى أنه قد قتله، ثم قال:

مثلك يكون على سجن أمير المؤمنين!قال: ثم بعث خالد إلى امرأة الكميت فأحضرها و قال لها: يا عدوة نفسها[ (1) ]!أخرجت الكميت من السجن و جلست في موضعه و هو طلبة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك؟فقالت: نعم و اللّه أخرجته و وقيته بنفسي، فاصنع ما بدا لك!قال: فتبسم خالد ثم قال: هكذا فلتكن الحرة، فأطلقها و لم يتعرض إليها إلا بسبيل خير[ (2) ]، ثم إنه أخذ الطرق على الكميت أياما كثيرة و ليالي فلم يقع له على أثر فأمسك عنه، ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك، و أن الكميت هرب من السجن، و خبر الامراة و كيف خدعت السجان، فاغتاظ هشام من ذلك غيظا شديدا و لم يدر ما يصنع.

قال: و خرج الكميت من المنزل الذي كان فيه في جوف الليل بعد عشرين يوما و معه نفر من بني عمه من بني أسد يريد أرض الشام، فأخذ على طريق السماوة[ (3) ] فكان يسير الليل فيهتدي بالنجوم، فإذا أصبح نزل، فلما كان في الليلة الثانية من مسيره و أصبح أقبل على من كان معه فقال: أبشروا فقد أمنتم!ثم سار مع أصحابه نهارا فإذا بشخص قد أقبل من البعد ففزع أصحابه و أوتروا قسيهم، فقال الكميت:

ما شأنكم؟فقالوا: نرى شيئا مقبلا. قال: فنظر إليه الكميت ساعة ثم قال: لا عليكم هذا ذئب قد أتاكم، قال: و تقارب الذئب منهم فذهب بعض بني عمه ليرميه فقال الكميت: مهلا لا ترموه، فإنه إنما جاءكم مستطعما فأطعموه!قال: ثم التفت [ (1) ]الأغاني: يا عدوة اللّه.

[ (2) ]في الأغاني: اجتمعت بنو أسد إليه، و قالوا: ما سبيلك على امرأة منا خدعت، فخافهم فخلى سبيلها.

[ (3) ]الأغاني: على طريق القطقطانة.

271

الكميت إلى مولى يقال له صاعد فقال: يا صاعد!الق له شيئا!فألقى إليه صاعد ذراعا من لحم فأكلها، ثم قال: صب له شولا من ماء!قال: فصب له صاعد بقية ماء كان في القربة، فشرب. فقال الكميت: أجرنا إن شاء اللّه تعالى!قال: ثم سار القوم فجعل الذئب يعوي عواء شديدا، قال بعضهم: ويله!فما له يعوي؟أليس قد أكل و شرب؟فقال الكميت: أظنه يخبرنا أنا على غير طريق و قد صدق فتيامنوا، فتيامن القوم فسكن عواؤه. قال: فلم يزل الذئب يتبع الكميت و أصحابه و يطعم و يسقى إلى أن نظر القوم إلى أقطار الشام فانصرف عنهم الذئب، فأنشأ الكميت يقول:

لقينا بها ذئبا ضريرا كأنه # إلى كل من لاقى من الناس مذنب

مضيعا إذا أثرى كسوبا إذا عدا # لساعته ما يستفيد و يكسب

تضوّر يشكو ما به من خصاصة # و كان من الإفصاح بالشكو يعرب

فنشنا[ (1) ]له من ذي المزاود بضعة # و للزاد آسار تلقى‏[ (2) ]و توهب

و قلنا له هذا لك اليوم عندنا # و من ذي الأداوي عندنا لك مشرب

فصب له شولا من الماء صاعد # فسكّن عنه غلة تتلهب‏

قال: ثم دخل الكميت أرض الشام ليلا، و صار إلى مسلمة بن عبد الملك مستجيرا به من هشام بن عبد الملك، فوقف بين يديه و أنشأ يقول:

يا مسلم بن أبي الوليـ # د لميت‏[ (3) ]إن شئت ناشر

كم قال قائلكم لعا # لك عند عثرته لعاثر[ (4) ]

و غفرتم‏[ (5) ]لذوي الذنو # ب من الأصاغر و الأكابر

فلقد نزلت إليكم # غير المبجل للمعاذر

علقت حبالي من حبا # لك ذمة الجار المجاور

و محل بيتي من بيو # تك غير منتقض الدوائر

فالآن صرت إلى أميـ # ة و الأمور إلى المصاير

[ (1) ]من شعر الكميت و بالأصل «فلسنا» .

[ (2) ]من شعر الكميت، و بالأصل «أوقات ستلقى» .

[ (3) ]عن الأغاني 17/19 و بالأصل «كميت» .

[ (4) ]عن الأغاني، و بالأصل: عنده عثرة عاثر.

[ (5) ]عن الأغاني، و بالأصل «عقوبة» .

272

قال فقال له مسلمة: ويحك يا كميت!قد و اللّه رأيت أمير المؤمنين حنقا عليك شديدا، و ما أثق بنفسي لك منه، و لكني أشير عليك بواحدة، إنه قد مات له ابن يقال له معاوية، و هو غدا صائر إلى القبر[ (1) ]، فكن أنت هنالك قبل مجيئه فاستجر به و أنا أعينك على ذلك. قال: فانصرف الكميت من عند مسلمة، ثم إنه بكر إلى قبر معاوية بن هشام فجلس إليه، و قد هيأ أبياتا من الشعر، و خرج هشام من قصره يريد القبر و معه سادات بني عمه من بني أمية و مسلمة يسير عن يمينه، فلما نظر إلى الكميت من بعيد قال: إني أرى رجلا قاعدا عند القبر، فقيل: يا أمير المؤمنين لعله مستجير قد استجار بالقبر!فقال هشام: قد أجرنا كل من قد استجار إلا الكميت، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين و ما الكميت حتى يستثنى باسمه!قال هشام: فإنا قد أجرناه و إن كان الكميت. قال: و دنا هشام إلى القبر، فوثب الكميت قائما و هو يقول:

تأوب عيني داءها فاستهلت # بعبرة محزون هضاب و قلّت

على هالك من آل فهر بن مالك # له كشفت شمس النهار و كلّت

فلا تحسب الأعداء إن مات إنني # خذلت و لا أبيات قومي قلّت

سأبكيك للدنيا و للدين إنني # رأيت يد المعروف بعدك شلّت‏

قال: فدمعت عينا هشام، ثم دنا فجلس عند القبر، فوثب الكميت قائما على قدميه ثم استأذن في الكلام، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال‏[ (2) ]: إن اللّه عز و جل جعل أولياء دعوته و سيوف نقمه و أنصار دينه و رقباء عدله و ورثة فضله و عيبة علمه و معادن حكمه، و خلفاءه في عباده و بلاده آباء أمير المؤمنين أطال اللّه في العافية! و منتهى الرغبة في بقائه، فهم المطهرون من الدنس، المصفون من النجس، النجباء في النسب، البلغاء في الحسب، النخباء في الأزل، السمحاء في المحل، الحكماء المساميح، الرحماء المناصيح، لا كفره ممنوع و لا فجره، و لا معازيل و لا سائل في الهيجاء، و لا مهاذير في الملاء، و لا حمد في اللواء، و لا مناكيد عند العطاء، و لا جبن عند الأعداء، و لا قحط قنط في السنين، و لا سقط فرط عن المقلين، و لا حزر بزر للدائرين، و لا مطلق الألسنة بجهل الجاهلين، لا مروعون بالأهاويل و لا لاهون بالأباطيل، أهل الحلوم عن البوادر و العلوم بالمخاطر، و لطاف [ (1) ]و قبره بدير حنيناء كما في الأغاني، و هو من أعمال دمشق كما في معجم البلدان.

[ (2) ]بعض خطبته أمام هشام بن عبد الملك في الأغاني 17/11.

273

أمير المؤمنين أيده اللّه تعالى و كريم عنصره و طيب جوهره، شاد له ما شرف بناؤه و زهر بهاؤه، فلم يأل أن زاد بناء و نماء و علوا و بهاء باللين في رعيته، و العدل في سيرته، و البذل في فضله، و التوفيق من عدله، و الكرم من شيمته، و الصدق من ضريبته، و الحق من رأيه، و المن من آلائه، و العفو عن العثرة و الحلم بعد القدرة، ثم إنني كنت أيد اللّه أمير المؤمنين تهت في حيرة، و تحيرت في غمرة، زين لي خطلها، و استفزني أملها[ (1) ]، و عشيتني أمورها، و غرتني غرورها، أسار بي غاويها، و هتف بي داعيها، فأجبت إلى الضلالة، و تسكعت في الجهالة، حيران حائرا عن الحق، نافرا قائلا بغير الصدق، ملتبّا بالعمر، خابطا في الظلمة، جائزا عن الرشدة، متأملا بغير فهم، ناظرا إلى غير علم، حتى إذا انجلت عني غياهبها بعد اسمدرار ناظري إليها، و انقشع لي سحابها عن طمع رجائي فيها، سئمت حياء العدى من أمير المؤمنين الذي أثبت اللّه به و بآبائه أركان الإسلام، و قوّم به و بهم دعائم الأيام، فصادفت عز وجوده على منهمره، و ثمار أفنان رأفته على مهتد له، و في ذلك أقول:

ما أبالي إذا لقيت هشاما # و بنيه قبيلة و الدبيرا

البسوا العدل و السكينة # و الحلم ثيابا فلن أراها نحورا

قال: فتبسم هشام لفصاحة الكميت و لما أتى به في ذلك الوقت من هذا الكلام. ثم قال: كيف أمنتني يا كميت و قد قلت ما قلت؟فقال: إن شئتم أمير المؤمنين أيده اللّه أمنتني من سطوته، و رفع من قدري ما كان خاملا بمشافهته، و ربط من جأشي ما كان منحلا بمخاطبته، و كرمه أطمعني في عفوه و أطلق لساني بعد كعمه، ثم قال: عائب‏[ (2) ]و مذنب تاب فمحا باليقين‏[ (3) ]ذنبه و بالصدق كذبه. فالتوبة قبل الحوبة، و الصفح بعد القدرة. قال هشام: و ما الذي‏[ (4) ]أفلتك من مخالب القسري و قد أسهرت ليله و أطلت فكره؟فقال: يا أمير المؤمنين!أفلتني منه صدق النية في التوبة، فتاب عن صفاحي مناسمه، أو غشي عن عيون حرسه حتى طلقت من وثاقه. و خرجت خروج القدح من محبسي على رغم أنفه، قال هشام: فما الذي [ (1) ]الأغاني: استفزني وهلها.

[ (2) ]في الأغاني 17/21 غائب آب، و مذنب تاب.

[ (3) ]الأغاني: بالإنابة.

[ (4) ]الأغاني: ما الذي نجاك من القسري.

274

حملك على الغواية[ (1) ]؟قال: الذي أغوى آدم من قبلي «فنسي و لم نجد له عزما» . قال هشام: فهل قلت في خروجك من السجن شيئا؟قال الكميت: نعم يا أمير المؤمنين أنا القائل في ذلك:

لقد رام مني خالد و ابن خالد # دواهي شتى من جهاد و من ختل

فما أطلقا من محكماتي عقيدة # و ما ازداد إلا مرة لهما قتلي

عصيت فلم أحلل عليهم بدرة # و لم يجدوني ذا سقاط و ذا فشل

فلما أحلوني بصلعاء صيلم‏[ (2) ] # وصول عبوس الليل بين أبي الشبل

خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل # على الرغم من تلك النوابح و المشلي‏[ (3) ]

عليّ ثياب الغانيات و تحتها # عزيمة أمر شبهت سنة النصل‏

قال: فأطرق هشام يفكر في أمره ثم رفع رأسه و قال: خبرني بأي قديم و حديث هجوت بني أمية و لو لا سعة أحلامها لضاق عليك الأرض برحبها، و يخص بلهواتك زلاها و عذبها؟قال: فسكت الكميت و تكلم رجل من حاشيته، فقال: يا أمير المؤمنين!ما خسر بذلك إلا حظه، و لا أحبط إلا عمله، و لا ضر إلا نفسه إذ حاول بشعره من أراد اللّه حط درجته، و حط من أراد اللّه أن يعلي مرتبته. قال: فأشار هشام إلى ذلك الرجل أن كف فسكت الرجل و تكلم الكميت فقال: يا أمير المؤمنين!تقبل توبة مذنب راجع عن ذنبه، و لا تفزعه بما كان من تفريطه عن طريق الحق، قال هشام: فليفرج روعك فقد أجرناك، و عفونا كل ما كان منك إذا أنبت إلى الحق، و اعترفت بالذنب. قال: ثم وصله هشام بعشرة آلاف درهم‏[ (4) ]، و وصله مسلمة بخمسة آلاف درهم‏[ (5) ]. ثم أخذ له كتاب منشور من هشام: لا سبيل لأحد عليه-و السلام-.

[ (1) ]في الأغاني: قال: و من سنّ لك الغيّ و أورطك فيه؟.

[ (2) ]عن شعر الكميت، و بالأصل: صيكم.

[ (3) ]يضرب المثل بقدح ابن مقبل، لأنه وصفه بقوله:

خروج من الغمى إذا صك صكة # بدا و العيون المستكفة تلمح‏

[ (4) ]في الأغاني: بأربعين ألف درهم.

[ (5) ]في الأغاني: بعشرين ألف درهم.

275

ذكر أخبار الكميت في أهل البيت رضي اللّه عنهم و هي أخبار حسان منتخبة

قال عبد اللّه بن زرارة: سمعت أبي يقول : كنا عند أبي جعفر محمد بن علي رضي اللّه عنهما إذا الكميت قد استأذن، فأذن له فدخل ثم جلس و أنشد أبا جعفر رضي اللّه عنه قصيدته الميمية حيث يقول: «من لقلب‏[ (1) ]متيم مستهام» .

حتى إذا فرغ منها قال أبو جعفر: يا كميت!إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لحسان بن ثابت إنك لا تزال مؤيدا ما نصرتنا بلسانك.

قال: و دخل الكميت بن زيد و أخوه الورد بن زيد على أبي جعفر محمد بن علي رضي اللّه عنه في بعض أيام التشريق بمنى فقال الكميت: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!قد قلت أبياتا أ فلا أنشدكها؟فقال له أبو جعفر: يا أبا المستهل! عليك بذكر اللّه فإنها أيام ذكر، فقال: صدقت يا ابن رسول اللّه!و إني أحب أن تسمعها، فقال: هات ما بدا لك!فأنشده كميت قصيدته التي يقول فيها[ (2) ]:

ألا أبلغ أمية حيث حلّت # و إن خفت المهنّد و القطيعا[ (3) ]

قال: فرأيت أبا جعفر و قد حسر عن ذراعيه ثم تحول إلى القبلة و رفع يديه فقال: اللهم اغفر للكميت!يقوله ثلاثا.

قال حكم بن سعيد الأسدي: أخبرني عيسى بن أعين و كان راويا لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد رضي اللّه عنه قال: كنت أنشد أبا عبد اللّه أشعار الكميت، فإذا أنشدته مديحه في بني أمية يقول: ما أشعره!و إذا أنشدته فيهم يقول: هذا شاعرنا أهل البيت!فإذا أنشدته شعره في ادعائه بالقبائل يقول: ما أنسبه.

قال أبو ثميلة: قال داود بن مصعب الأسدي: دخلت أنا و الكميت بن زيد [ (1) ]عن شرح الهاشميات، و بالأصل «لقب» و تمام البيت و قد مرّ:

من لقلب متيم مستهام # غير ما صبوة و لا أحلام‏

[ (2) ]شرح هاشميات الكميت ص 195 من قصيدة مطلعها:

نفى عن عينك الأرق الهجوعا # و همّ يمتري منها الدموعا

[ (3) ]البيت في شرح الهاشميات:

فقل لبني أمية حيث حلوا # و إن خفت المهند و القطيعا

و بالأصل «الهند» . و القطيع: السوط.

276

على فاطمة بنت الحسين أم عبد اللّه بن الحسن‏[ (1) ]بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، فألقت لنا و سائد فجلسنا، ثم أقبلت على الكميت فقالت: يا كميت-جزاك اللّه عنا خيرا، فلقد أحببتنا حين أبغضنا الناس، و مدحتنا حين غلبنا الناس، و وصلتنا حين قطعنا الناس. قال: ثم دعت له بقدح سويق و ماء فجدحته بيدها و ناولته إياه، فأخذ الكميت و شربه، ثم إنها أشارت إلى الجارية بشي‏ء و قالت: يا أبا المستهل!إنا قد أمرنا لك بمركب و ستين دينارا نفقة، فإن أنت تقبل ذلك!قال: فهملت عيناه بالدموع ثم قال: و اللّه يا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!لا أرزأك و لا أرزأ غيرك على شي‏ء من مدحتكم شيئا أبدا حتى يكون الذي أقول فيكم يجزيني عليه ربي، و أيم اللّه!لو لا أني طلبت البركة في هذا السويق إذ جدحته بيدك إذا لما ذقته، ثم نهض فخرج من عندها.

قال: و قال يحيى بن يزيد قال أبي يزيد بن علي أخبرني عمي عمر بن الحسن قال: قدم علينا الكميت بن زيد إلى المدينة، فاستنشدناه ذات يوم، فأنشدنا قصيدة له في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هذه الأبيات‏[ (2) ]:

سل الهموم لقلب غير متبول # و لا رهين لدى بيضاء عطبول

و لم أقف بديار الحي أسألها # أبكي معارفها ضلا بتضليل‏[ (3) ]

ما أنت و الدار إذ صارت معارفها # للريح مدرجة ذات الغرابيل

تسدي الرياح بها ذيلا و تلحمه # ذيلا بمعتطف منها و مشمول‏[ (4) ]

نفسي فداء الذي لا الجور سنته # و لا المعاذير من بخل و تبخيل

نفسي فداء رسول اللّه قيل له # مني و من بعدها أدنى لتفليل

الحازم الأمر و الميمون طائره # و المستضاء به و الصادق القيل‏

قال: فبكى الناس بكاء شديدا، و انصرف الكميت إلى منزله، فجمع له أصحابنا ألف دينار و كسوة من الثياب الجدد و غير ذلك، ثم بعثوا بها إليه فردها، [ (1) ]بالأصل «الحسين» انظر جمهرة ابن حزم.

[ (2) ]شرح هاشميات الكميت ص 200 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (3) ]البيت في شرح الهاشميات:

و لا تقف بديار الحي تسألها # تبكي معارفها ضلاّ بتضليل‏

الضل و الضلال واحد، و التضليل تفعيل منه.

[ (4) ]البيت في شرح الهاشميات:

تسدي الرياح بها نسجا و تلحمه # ذيلين من معصف منها و مشمول‏

277

فقال: إني لم أقل ما قلته للدنيا، و لو أردت الدنيا لأتيت من الدنيا فائدة، و لكني رجوت ثواب اللّه عز و جل و التقرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمحبتكم، فأما ما أصاب أجسادكم الطاهرة من هذه الثياب فإني أقبله و ألبسه ألتمس بذلك البركة، و أما هذه الألف دينار و ما لم يصب أجسادكم فلا حاجة لي فيها، و لو كنت محتاجا لكنتم أحق من آخذ منه شيئا، و لكني غني بحمد اللّه و منّه. قال: ثم أخذ الثياب التي قد لبست، ورد سائر ذلك و لم يقبل منه شيئا.

قال: و كتب هشام بن عبد الملك إلى خالد بن عبد اللّه القسري يأمره أن يكتب إلى أخيه أسد بن عبد اللّه بخراسان‏[ (1) ]بالجهاد، فجمع أسد بن عبد اللّه المسلمين و سار نحو الترك و السغد فرجع مفلولا و لم يصنع شيئا، ثم رجع في السنة الثانية، غزا فلم يصنع شيئا، ثم غزا في السنة الثالثة فوغل في بلاد الترك و جبالهم و شعابهم فرجع و لم يصنع شيئا و قد مات من أصحابه خلق كثير من الجوع و العطش. ثم أرسل أسد بن عبد اللّه إلى وجوه قواده مثل نصر[ (2) ]بن سيار الكناني و عبد الرحمن بن نعيم المازني‏[ (3) ]و سورة بن الحر[ (4) ]الدارمي و البختري بن أبي الدرهم القيسي فقال لهم:

يا أعداء اللّه!و اللّه ما أوتى إلا من قبلكم، و ذلك أنكم لا تنصحون أمير المؤمنين في الجهاد و لا تناصحون. قال: ثم جردهم فضربهم بالسياط، و حلق رؤوسهم و لحاهم، و قيدهم و غل أيديهم إلى أعناقهم، و بعث بهم إلى أخيه خالد بن عبد اللّه القسري إلى العراق، فأنشأ نصر بن سيار يقول في ذلك‏[ (5) ]:

بعثت بالعتاب في غير جرم # في كتاب تلوم أم حكيم

لا تلومي على البلاء فإن اللـ # ه يؤتي البلاء بعد النعيم‏

قال: و بلغ ذلك هشام بن عبد الملك فغضب لما فعل أسد بن عبد اللّه بهؤلاء القوم، فأرسل إليه فعزله عن خراسان‏[ (6) ]، و ولى مكانه رجل من أهل الجزيرة يقال [ (1) ]و كان خالد قد استعمل أخاه أسدا على خراسان سنة 106 هـ.

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «أسد» خطأ.

[ (3) ]في الطبري: العامري.

[ (4) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «أبي» .

[ (5) ]من أبيات في الطبري 7/49 و ابن الأثير 3/319 باختلاف بعض الألفاظ. و البيت الثاني لم يرد في المصدرين.

[ (6) ]و كان ذلك في سنة 109 هـ.

278

له الأشرس بن عبد اللّه السلمي.

قال: فقدم الأشرس بن عبد اللّه السلمي أرض خراسان في جيش عظيم.

قال: و بلغ ذلك الترك و السغد فاجتمعوا له ببخارى في نيف على مائة ألف. قال:

و سار حتى وافى الكفار في أرض بيكند، و اقتتل الناس هنالك قتالا شديدا، فقتل من المسلمين زيادة على ألف رجل من بني تميم، و قتل من الكفار مقتلة عظيمة و ولوا منهزمين فلم تقم لهم قائمة دون سمرقند، و رجع الأشرس بن عبد اللّه بأصحابه حتى عبر النهر و صار إلى بلخ. و بلغ ذلك هشام بن عبد الملك، فأرسل أيضا إلى الأشرس بن عبد اللّه فعزله عن خراسان‏[ (1) ]، و ولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن المزني‏[ (2) ].

قال: و أقبل الجنيد حتى دخل أرض خراسان، ثم سار حتى نزل على أرض بلخ، و أمر بعقد الأطواق ثم عبر بالمسلمين. و بلغ ذلك خاقان ملك الترك، فسار نحو المسلمين في سبعين و مائة ألف حتى صار إلى نهر بلخ، فاقتتلوا قتالا شديدا، و حمل رجل من المسلمين يقال له واصل بن عمرو[ (3) ]على جميع الترك حتى خالطهم، ثم وصل إلى خاقان الملك فضربه على البيضة، فرمى بها عن رأسه، و ولى ملك الترك منهزما هو و أصحابه، و وضع فيهم السيف، فقتل منهم نحو ثلاثة آلاف رجل، فأنشأ واصل بن عمرو يقول في ذلك:

فلو لا اللّه ليس له نصير # و ضربي قويس الملك الهمام

أكرّ عليهم اليحموم كرّا # ككر الشرب آنية المدام‏

قال: و انصرف الجنيد بن عبد الرحمن إلى مدينة مرو فنزلها، و شتّى بها تلك الشتوة. فلما انسلخ عنه الشتاء أقبل بالمسلمين حتى نزل على نهر بلخ، و قد لحق به نصر بن سيار و أصحابه الذين كانوا حملوا من خراسان إلى العراق، و ذلك أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى خالد بن عبد اللّه القسري فأمره بإطلاقهم و أن يلحقهم بالجنيد بن عبد الرحمن ليكونوا معه، فعبر الجنيد بالمسلمين نهر بلخ، ثم دعا برجل [ (1) ]و كان ذلك سنة 111 هـ كما في الطبري و ابن الأثير، و في فتوح البلدان سنة 112 هـ. انظر في ابن الأثير سبب عزله.

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير و فتوح البلدان (و فيهما: المري بدل المزني) ، و بالأصل: الجنيد بن عبد اللّه المري.

[ (3) ]ابن الأثير و الطبري: و اصل بن عمرو القيسي. ـ

279

يقال له سورة بن الحر[ (1) ]الدارمي فعقد له عقدا، و ضم إليه أربعة آلاف رجل، و وجه به إلى بخارستان‏[ (2) ]. قال: و أما عمارة بن حريم المري فإنه عقد له عقدا و أرسل به إلى بخارستان، فلم يحارب أهلها حتى أذعنوا له بالسمع و الطاعة، فأخذ منهم الأموال و الرهائن و رجع إلى صاحبه الجنيد بن عبد الرحمن.

و أما سورة بن الحر فإنه سار إلى سمرقند، فلما دخلها بلغ ذلك خاقان ملك الترك فسار إليه في خمسين ألف من الترك و السغد حتى نزل على سمرقند[ (3) ]. قال:

و بلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن و هو نازل على شاطئ نهر بلخ في ثمانية و عشرين ألفا، فهم أن يسير بالمسلمين إلى سمرقند، فقال له نصر بن سيار[ (4) ]: لا تعجل فإن سورة بن الحر الدارمي و أصحابه في جوف سمرقند، و سمرقند مدينة حصينة منيعة.

فقال الجنيد: و اللّه إن معي من بني عمي خمسمائة رجل، كل رجل منهم يعد بألف من الترك، و و اللََّه لو لم يكن معي غيرهم للقيت بهم ملك الترك و جميع من معه من الكفار، قال: و جعل الجنيد يتمثل بهذا البيت‏[ (5) ]و يقول:

أليس أخو الهيجاء أن يشهد الوغى # و أن يقتل الأبطال ضخما على ضخم‏[ (6) ]

قال: ثم سار الجنيد بمن معه من المسلمين يريد إلى سمرقند و هو يرتجز و يقول:

ما حالتي اليوم و ما ذا علتي # إن لم أقاتلهم فجزّوا لحيتي‏[ (7) ]

قال: و بلغ خاقان مسير الجنيد بن عبد الرحمن إلى ما قبله، فأرسل إلى طريق [ (1) ]في تاريخ خليفة 344: سورة بن أبجر.

[ (2) ]ابن الأثير و الطبري: طخارستان.

[ (3) ]كتب إليه سورة بن الحر: إن خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم فما قدرت أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث. (ابن الأثير: فالغوث الغوث) انظر الطبري 7/71.

[ (4) ]في ابن الأثير: فقام إليه المجشر بن مزاحم السلمي و ابن بسطام الأزدي و غيرهما.

[ (5) ]بالأصل: بهذين البيتين.

[ (6) ]البيت في الطبري 7/72 و ابن الأثير 3/332.

[ (7) ]البيت في الطبري و ابن الأثير:

ما علتي ما علتي ما علتي # إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي‏

في ابن الأثير: أقتلهم.

280

كس‏[ (1) ]و نسف‏[ (2) ]من طريق البرية فغور الأبئار و الطرق. و بلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن فعلم أنه لا يقدر يسلك البرية، فأخذ على طريق آخر يقال له طريق الشعب. فلما توسطه هو و أصحابه و إذا بالترك قد أحدقوا بالمسلمين من كل ناحية على غير أهبة. قال: و دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالا لم يقاتلوا مثله في يوم مضى قبله. قال: و جعل نصر بن سيار يقاتل قتالا لم يسبقه إليه أحد من نظرائه، فلم يزل كذلك حتى انكشف على وجوههم و صارت الفعلة في أيدي المسلمين و قد قتل من الترك مقتلة عظيمة، و غنم الناس غنيمة عظيمة[ (3) ].

قال: و تكلم قوم عند الجنيد بن عبد الرحمن فقالوا: أصلح الأمير!إنه ليس يجب أن يغفل عن مثل نصر بن سيار و لا يقصر في بره لشرفه و شرف آبائه و سابقتهم في الإسلام و ما قد رأى الأمير أصلحه اللََّه من فعاله في هذا اليوم. قال: فغضب الجنيد بن عبد[الرحمن‏]و قال: من نصر بن سيار؟و ما كان من نصر بن سيار؟ فو اللََّه إن أقل رجل في بني عمي قد عمل في هذا العدو ما لم يعمله نصر بن سيار، و لا يقدر عليه و لو عمر الدهر!قال: و بلغ ذلك نصر بن سيار فأنشأ يقول‏[ (4) ]:

إن نشأت و حسادي ذوو عدد # يا ذا المعارج لا تنقص‏[ (5) ]لهم عددا

إن تحسدوني على حسن البلاء لكم‏[ (6) ] # فإن مثل بلائي ولّد الحسدا

قال: فبلغ الجنيد بن عبد الرحمن ما قال نصر بن سيار، فأرسل إليه و ترضاه و تعذره و أعتبه من موجدته عليه.

قال: و جعل خاقان يجمع الجموع لحرب المسلمين حتى صار في مائة ألف، و سار الجنيد في ثمانية و عشرين ألفا[ (7) ]، و أرسل إلى سورة بن الحر الدارمي و هو يومئذ بسمرقند أن اخرج بمن معك إلى خاقان، فإني قد زحفت إليه بخيلي و رجلي، فكن أنت من ورائه و أنا من بين يديه، فعسى اللََّه تبارك و تعالى أن يهلكه. قال:

[ (1) ]كس: مدينة تقارب سمرقند، و في ابن الأثير: كش.

[ (2) ]مدينة كبيرة بين جيحون و سمرقند.

[ (3) ]انظر تفاصيل وقعة الجنيد بالشعب في الطبري 7/73 و ابن الأثير 3/333.

[ (4) ]من أبيات في الطبري 7/84 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (5) ]عن الطبري و بالأصل «ينقص» .

[ (6) ]عن الطبري و بالأصل «لهم» .

[ (7) ]في ابن الأثير: في اثني عشر ألفا.

281

فخرج سورة بن الحر من مدينة سمرقند في عشرين ألفا من أصحابه و ممن اتبعه من أهل سمرقند. قال: و علم خاقان بذلك فقال لأصحابه: ذروا عنكم الجنيد بن عبد الرحمن، و اعطفوا بنا إلى سورة بن الحر و أصحابه!قال: فعطفت الترك و السغد نحو المسلمين الذين خرجوا من مدينة سمرقند، و التقى القوم للقتال، و الجنيد بن عبد الرحمن لا يعلم بذلك و لم يرحل بعد من موضعه، فاقتتل المسلمون مع الترك قتالا شديدا، فلم يكن لهم بهم طاقة، فقتلوا المسلمين بأجمعهم رحمة اللََّه عليهم‏[ (1) ].

قال: و إذا برجل من أهل سمرقند قد أقبل مكتوفا و في عنقه رأس ابن الحر، قال: فنظر إليه الجنيد بن عبد الرحمن من بعيد فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، قتل و اللََّه سورة بن الحر و أصحابه!قال: و ضج المسلمون بالبكاء و النحيب، فأنشأ رجل من أصحاب الجنيد يقول:

تطاول ما أنام عليّ ليلي # و لكن لا يطول على النيام

إذا أغفيت أرقت نوم عيني # حوادث قد أ نحن على التمام

مصاب عشيرتي و جلاء ثغري # على مر المصيبات العظام‏

قال: و شمت نصر بن سيار بالجنيد بن عبد الرحمن فجعل يعرض‏[ (2) ]به و هو يقول: [ (3) ]

أبغضت من عينك‏[ (4) ]تبريحها # و صورة في جسد فاسد

كنت تظن الحرب إذ رمتها # كشربك القرقف و البارد[ (5) ]

تلعب‏[ (6) ]بك الترك و أبناؤها # لعب صقور بقطا وارد

قال: ثم أرسل الجنيد بن عبد الرحمن إلى مرو و بخارستان و إلى جميع من كان على دين الإسلام فحشرهم إليه، ثم عرضهم فكانوا ثلاثة و أربعين ألفا، فضمهم [ (1) ]في ابن الأثير: لم ينج منهم غير ألفين و قيل ألف.

[ (2) ]بالأصل «يعوض» .

[ (3) ]الأبيات في الطبري 7/86 و فيه: و قال ابن عرس للجنيد في أبيات كثيرة.

[ (4) ]بالأصل «عينيك و» ، و ما أثبت عن الطبري.

[ (5) ]البيت في الطبري:

لا تحسبن الحرب يوم الضحى # كشربك المزاء بالبارد

[ (6) ]عن الطبري، و بالأصل «لعب» .

282

إلى رجل من أصحابه فوجه به نحو خاقان ملك الترك. قال: و خاقان يومئذ على باب سمرقند و قد حاصر أهلها أشد الحصار، حتى عزم أهلها أن يسلموها. قال: فلم يشعر إلا و خيل المسلمين قد أشرفت، فلما نظر إليها أهل سمرقند فرحوا بذلك و استبشروا و اشتدت ظهورهم. قال: و نظر خاقان إلى عساكر المسلمين قد وافت، فعبى أصحابه و دنا من خيل المسلمين، و التقى القوم على باب سمرقند فاقتتلوا، و نزل المسلمون عن دوابهم و جثوا على الركب و عزموا على الموت، و اشتد القتال بين الفريقين، فقتل من المسلمين يومئذ بشر كثير، و قتل من المشركين زيادة على عشرة آلاف، و انهزم خاقان في باقي أصحابه، فمروا هاربين في الجبال و الأودية و الغياض حتى صاروا إلى بلادهم. و بلغ ذلك الجنيد بن عبد الرحمن فأقبل حتى دخل مدينة سمرقند، فنزلها ثم جمع أموالها، فأعطى كل ذي حق حقه، و فضّل من أراد من أصحابه و بني عمه، و قصر بنصر بن سيار و بني عمه، فلم يفعل بهم ما يجب أن يفعل بأمثالهم من العطية و الجوائز، فأنشأ نصر بن سيار يقول:

لئن كنت في دنيا و ملك أصبته # بلا حسب زال و لا طعان

فقد يبتلي ذو الملك بالبخل و الغنى # و يصرف عن ورى الزناد هجان

لعمري لقد أصبحت في اليوم راغبا # و قد حل منك اللوم كل مكان‏

قال: و دعا الجنيد بن عبد الرحمن برجل من بني عدي يقال له موسى بن النصر[ (1) ]فضم إليه خمسة آلاف رجل من المقاتلة و جعله مقيما بمدينة سمرقند، ثم رحل حتى صار إلى مدينة مرو فنزلها، و كتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بما كان من أمر خاقان و محاربته إياه، و بعث أيضا مع الكتاب إلى هشام بهدايا و مطارف من هدايا خراسان و دوابها و أموالها، ثم إن الجنيد بن عبد الرحمن مرض بمدينة مرو مرضا شديدا و استسقى بطنه فمات‏[ (2) ]، فقبره بمرو.

فلما مات الجنيد بن عبد الرحمن وثب رجل من أصحابه يقال له الحارث بن سريج، فتغلب على خراسان، و احتوى على مرو الروذ و فارياب و النمرود[ (3) ] و الطالقان و عامة مدائن خراسان، فأخذها و جعل يجبي أموالها و يفرقها في أصحابه، [ (1) ]الطبري: «النعر» و في ابن الأثير «التعراء» .

[ (2) ]و كان ذلك في سنة 116 هـ. و كان هشام قد عزله و استعمل على خراسان عاصم بن عبد اللََّه بن يزيد الهلالي و أمره إن أدركه أن يزهق نفسه، فقدم عاصم، و قد مات الجنيد (الطبري-ابن الأثير) .

[ (3) ]كذا، و لم نجده.

283

حتى التأم إليه خلق كثير من أهل الذعارة و الفساد. قال: و بلغ ذلك هشام بن عبد الملك فدعا برجل يقال له عاصم بن عبد اللََّه بن يزيد الهلالي‏[ (1) ]، فولاه بلاد خراسان، فلم يكن له طاقة بالحارث بن سريج، فعزله هشام و ولى مكانه أسد بن عبد اللََّه القسري‏[ (2) ]. قال: فقدم أسد بن عبد اللََّه بلاد خراسان، و هذه قدمته الثانية فنزل مدينة مرو و جعل يوجه الجيوش لمحاربة الحارث بن سريج. قال: و نظر الحارث بن سريج إلى كثرة الخيل قد وافته من كل ناحية فجمع إليه أصحابه، ثم سار حتى دخل بلاد الترك فصار إلى خاقان مستأمنا إليه. قال: فأنزله خاقان مدينة من مدائن الترك يقال لها فاراب‏[ (3) ]فجعلها طعمة له و لأصحابه. قال: و سار أسد بن عبد اللََّه القسري من مدينة مرو في جيش لجب يريد حرب ابن سريج، حتى إذا صار إلى مدينة بلخ أدركته الوفاة فتوفي بها[ (4) ]، و تولى أخوه خالد بالعراق. قال: فأرسل هشام إلى يزيد بن خالد فولاه العراق جميعا مكان أبيه، و أرسل إلى نصر بن سيار فولاه بلاد خراسان بأجمعها من دون النهر إلى ورائه إلى أرض الشاش و فرغانة و ما يليها. قال: فكان نصر بن سيار عاملا على خراسان يغزو أطرافها، فكلما فتح بلدا تألف به أهله، و يخفف عنهم الخراج حتى أحبه الناس و مالوا إليه. و جعل يزيد بن خالد بن عبد اللََّه القسري يجور على أهل العراق فيأخذ أموالهم و يقتل رجالهم، حتى بلغ منهم كل مبلغ. قال: و شكاه الناس إلى هشام بن عبد الملك و رفعت فيه القصص و كتبت فيه الكتب. قال: فدعا هشام بن عبد الملك بيوسف بن عمر[ (5) ] الثقفي فولاه العراقين جميعا البصرة و الكوفة و ما والاهما، و أمره أن يأخذ يزيد بن خالد فيعذبه بكل عذاب يقدر عليه، و يستخرج ما عنده من الأموال التي جباها من أهل العراق.

ذكر ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق و ابتداء أمر زيد بن علي بن الحسين و مقتله‏

قال: فتقدم يوسف بن عمر الثقفي العراق، فأقبل حتى نزل الحيرة و وجه [ (1) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «زيد النهلاني» .

[ (2) ]في ابن الأثير 3/345 أن هشام استعمل على خراسان خالد بن عبد اللََّه القسري، فاستخلف خالد عليها أخاه أسد بن عبد اللََّه.

[ (3) ]فاراب ولاية وراء نهر سيحون في تخوم بلاد الترك.

[ (4) ]و ذلك في سنة 120 هـ. و كان سبب موته دبيلة في جوفه.

[ (5) ]بالأصل «عمرو» و ما أثبت عن ابن الأثير 3/366 و قد صحح اسمه أينما ورد في الخبر.

284

بعماله إلى جميع البلاد، ثم أرسل إلى يزيد بن خالد القسري فأشخصه إليه من البصرة، فاستأداه جميع ما عليه من الأموال، و جعل يعذبه بأنواع العذاب لكي يستصفيه الأموال، فقال له يزيد: أيها الأمير!لا تعجل عليّ بالقتل فإن لي مالا على قوم كنت استودعتهم إياه، و أرجو أن آخذه منهم فأدفعه إليك!فقال له يوسف: و من هؤلاء الذين تذكر أنك استودعتهم هذا المال؟فقال: أصلح اللََّه الأمير!أولهم زيد بن علي بن حسين بن علي و محمد بن عمر[ (1) ]بن علي بن أبي طالب و داود بن علي بن عبد اللََّه بن العباس بن عبد المطلب و إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري و أيوب بن سلمة بن عبد اللََّه المخزومي‏[ (2) ].

قال: و كان هؤلاء القوم يومئذ بالشام عند هشام بن عبد الملك فكتب يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك فخبره بذلك، فأرسل هشام إلى هؤلاء القوم فدعاهم و ذكر لهم ما كتب به إليه يوسف بن عمر مما ادعى عليهم يزيد بن خالد القسري، فأنكروا ذلك و قالوا: يا أمير المؤمنين!ما له قبلنا دعوى و لا طلبة، و لعله إنما أراد أن يتبرد بنا من ذلك العذاب الذي هو فيه. قال هشام: فإني باعث بكم إلى يوسف بن عمر ليجمع بينكم و بين صاحبكم، فقال له زيد بن علي: أنشدك اللََّه يا أمير المؤمنين و الرحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر!فإني أخاف أن يتعدى عليّ. قال هشام:

و لم يتعدى عليك و ليس له ذلك؟قال: ثم أمر هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر[ (3) ]: أما بعد فقد وجهت إليك بالقوم الذين ادعى عليهم يزيد بن خالد ما ادعى، فإذا قدموا عليك فاجمع بينهم و بين صاحبهم، فإن هم أقروا[ (4) ]بما ادعى عليهم فوجه بهم إليّ، و إن هم أنكروا فسله البينة عليهم، فإن لم يقم البينة فاستحلفهم بعد صلاة العصر يوم الجمعة في مسجد الجامع باللّه الذي لا إله إلا هو إنه ما استودعهم يزيد بن خالد وديعة و لا له مال عليهم لا قليل و لا كثير!فإذا حلفوا فخل سبيلهم-و السلام-.

قال: فقال القوم: يا أمير المؤمنين!إنا نخاف أن يتعدى علينا يوسف بن عمر، فقال هشام: كلا إني باعث معكم رجلا لا يقدم عليكم بشي‏ء من المكروه.

[ (1) ]عن الطبري 7/160 و بالأصل «عمرو» .

[ (2) ]و قيل إن الذي ادّعى المال عند زيد بن علي هو خالد بن عبد اللََّه القسري (انظر الطبري 7/160 و ابن الأثير 3/372) .

[ (3) ]انظر كتاب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر في الطبري 7/161 و تاريخ اليعقوبي 2/325.

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل «قروا» .

285

قال: فخرج القوم من الشام فجعلوا يسيرون حتى قدموا العراق، ثم صاروا إلى الحيرة و بها يومئذ يوسف بن عمر، ثم دخلوا فسلموا فرد عليهم السلام، ثم أدناهم و رحب بهم، و قرب زيد بن علي خاصة فأقعده إلى جنبه و ألطف به في المسألة، و أقبل إليه و إلى من معه فقال: إن يزيد بن خالد القسري محبوس في سجني، غير أنه يذكر أن له عندكم مالا استودعكم إياه، فما تقولون؟قال: فأنكروا ذلك بأجمعهم و قالوا: أصلح اللََّه الأمير!ما استودعنا مالا و لا له‏[ (1) ]قبلنا دعوى و لا طلبة. قال: فأمر يوسف بن عمر بيزيد فأحضره، ثم قال له يوسف بن عمر: هؤلاء القوم الذين ادعيت عليهم، فهات ما عندك!فقال يزيد بن خالد: أيها الأمير!ما لي عندهم قليل و لا كثير، و لا دعوى و لا طلبة، بوجه من الوجوه و لا بسبب من الأسباب. قال: فغضب يوسف بن عمر ثم قال: إنما كنت تهزأ بي و بأمير المؤمنين!ثم أخرج القوم إلى المسجد الأعظم بعد صلاة العصر فحلفوا، فخلّى سبيلهم. فخلف ثلاثة منهم بالمدينة. و أقام زيد بن علي بن الحسين و محمد بن عمر بن علي بالكوفة. قال: و جعل يوسف بن عمر يعذب يزيد بن خالد القسري بأنواع العذاب حتى مات.

ابتداء خبر زيد بن علي بن الحسين رضي اللََّه عنهم‏

قال: و جعلت الشيعة من أهل الكوفة يختلفون إلى زيد بن علي و يأمرنه‏[ (2) ] بالخروج على هشام بن عبد الملك و يقولون له: و اللََّه يا ابن رسول اللََّه إنا لنرجو أن تكون المنصور من آل محمد!و إنه قد دنا هلاك بني أمية[ (3) ]. قال: فأقام زيد بن علي بالكوفة، و جعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال: إنه مقيم بالكوفة لم يبرح بعد. قال: فأرسل إليه يوسف بن عمر أن اخرج عن البلد و صر إلى غيره، فبعث إليه زيد بن علي أيها الأمير!إني عليك‏[ (4) ]و إني على الخروج!فأمسك عنه يوسف بن عمر أياما، ثم بعث إليه و استحثه على الخروج و أغلظ له في القول و تهدده، فلما رأى زيد بن علي أن يوسف بن عمر قد ألحّ عليه في الخروج لم يجد [ (1) ]الطبري: و لا له قبلنا حق.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير: و تأمره بالخروج.

[ (3) ]الطبري: و أن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية.

[ (4) ]كذا، و لعله «عليل» و في الطبري: و يعتل له بالوجع.

286

بدا من ذلك، فعزم على الرحيل إلى المدينة، ثم تجهز و خرج، و أرسل معه يوسف بن عمر برجل يبلغه العذيب‏[ (1) ]. قال: فسار زيد بن علي من الكوفة حتى صار إلى العذيب و رجع عنه رسول يوسف بن عمر، و خرجت الشيعة خلف زيد بن علي فلحقوه بالمغيثة[ (2) ]فقالوا: أين تذهب يا ابن رسول اللََّه و تذر الكوفة و لك بها مائة ألف سيف يقاتلون عنك بني مروان؟ننشدك اللََّه إلا ما رجعت!فو اللََّه لو أن قبيلة واحدة من قبائلنا همت أن تقاتل عنك أجناد الشام لما كبر ذلك عليهم. قال: فلم يزالوا به حتى أنعم لهم زيد بن علي في ذلك، فانصرفوا عنه إلى الكوفة على أن يرجع إليهم. قال: و أقبل عليه محمد بن عمر فقال: أنشدك اللََّه يا ابن رسول اللََّه إلا لحقت بأهلك و صرت إلى المدينة و لا تقبل مقالة أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه!فإني أخاف أنهم لا يفون لك بما يقولون.

قال: فلم يقبل زيد من محمد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]علي ما قال له و أقبل راجعا إلى الكوفة، فدخل مستخفيا و نزل عند رجل من شيعته يقال له نصر بن خزيمة العبسي. قال: و علمت الشيعة بذلك فجعلوا يختلفون إليه باللطف و البر من كل ناحية، و هم في ذلك يكتمون أمره خوفا من يوسف بن عمر الثقفي. قال: و أقبلت إليه امرأة من الأزد يقال لها أم عمرو بنت الصلت‏[ (4) ]و معها بر لطيف، فدخلت إليه و سلمت عليه، و كانت امرأة وسيمة من النساء، فلما نظر إليها زيد بن علي و كلمها رآها فصيحة الكلام حلوة المنطق، فقال لها زيد: من أنت أيتها الامرأة؟فقالت:

أنا امرأة من الأزد، فقال زيد بن علي: أ لك زوج؟قال: لا يا ابن رسول اللََّه!ما لي زوج، فقال لها زيد: فهل لك أن تزوجيني نفسك؟فقالت: و اللََّه إن فيك لرغبة لو أردت التزويج، قال زيد: فما الذي يمنعك من ذلك؟قالت: جعلت فداك!فأنا أعرف بنفسي، فإنه يمنعني من ذلك كبر سني، فقال زيد: كلاّ ما أنت عندي كما تقولين و رضيت بك، فقالت: أنا أعرف بنفسي بما أتت عليّ من السنين. و لو كنت مزوجة مدى الدهر ما عدلت بك أحدا، و لكن لي ابنة و هي أجمل مني و أنا أزوجكها إن أحببت ذلك!فقال زيد: فقد أحببت ذلك إن كانت مثلك، فقالت: جعلت [ (1) ]العذيب: من منازل حاج الكوفة.

[ (2) ]منزل في طريق مكة بعد العذيب.

[ (3) ]زيادة عن الطبري 7/171.

[ (4) ]انظر الطبري 7/172 و ابن الأثير 3/376.

287

فداك!إن خالقها و مصورها لم يرض أن يجعلها مثلي، لكن جعلها أنظر مني و أضوأ و أحسن شكلا[ (1) ]و أكمل مني عقلا. قال: فتبسم زيد بن علي ثم قال: لقد رزقت فصاحة و منطقا حسنا فأين فصاحة ابنتك من فصاحتك؟فقالت: جعلت فداك يا ابن رسول اللََّه!أما أنا فنشأت بالحجاز، و هي نشأت بالكوفة، و ما أقرب ما بيني و بينها في الفصاحة. فقال زيد: فإني قد رضيتها. قال: ثم واعدها وقتا، و جمع نفرا من الشيعة فتزوجها، ثم تجهزت و زفت إليه، فبنى بها و أولدها جارية، ثم ماتت بعد ذلك، فاغتم عليها زيد غما طويلا.

قال: و كان زيد بن علي رضي اللََّه عنه لا يطيل المكث في مكان واحد خوفا على نفسه من يوسف بن عمر أن لا يعلم بمكانه. فكان يكون مرة بالأزد عند بني عم امرأته و مرة في بني عبس، و الشيعة في خلال ذلك يبايعونه على كتاب اللََّه و سنة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين، و قسمة الفي‏ء بين أهله بالسوية، ورد المظالم‏[و أقفال المجمّر][ (2) ] و النصر لأهل البيت على من نصب لهم العداوة و جهل حصتهم. فكان الناس يبايعونه على ذلك، فإذا أقر الرجل منهم بذلك و بهذه البيعة يضع يده على المبايع ثم يقول:

عليك بهذه البيعة عهد اللََّه و ميثاقه و ذمته‏[ (3) ]!فإذا قال ذلك الرجل: نعم، يمسح يده على يده ثم يقول: اللهم اشهد!ثم يكتب اسمه عنده، فلم يزل كذلك حتى بايعه خمسة عشر ألف إنسان من شيعته من أهل الكوفة. قال: و يوسف بن عمر لا يعلم بشي‏ء من ذلك.

قال: ثم تحول زيد بن علي إلى جبانة[ (4) ]سالم فنزل دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة في أدنى بني فهد عند مسجد هلال بن عامر، فلم يزل على ذلك من شأنه بضعة عشر شهرا حتى أحكم أمره و أخذ البيعة على شيعته، ثم إنه أمرهم بالاستعداد و الأهبة للخروج. قال: و شاع ذلك في الناس حتى تحدثوا به سرا و علانية.

قال: و أقبل رجل من أهل الكوفة يقال له سليمان بن سراقة البارقي إلى [ (1) ]شكلا بكسر أوله و سكون ثانيه، غنج المرأة و دلّها.

[ (2) ]زيادة عن الطبري 7/172.

[ (3) ]زيد في الطبري: و ذمة رسوله، لتفين ببيعتي و لتقاتلن عدوي و لتنصحن في السر و العلانية.

[ (4) ]بالأصل بدون نقط، و ما أثبت عن الطبري 7/172.

288

يوسف بن عمر فخبره بذلك، فقال يوسف بن عمر: ويحك فكيف علمت بذلك؟ فقال: لأنه خبرني الصدوق أنه قد بايعه الناس على ذلك و وجه بكتبه إلى أهل السواد يواعدهم بالخروج، فضاقت الأرض برحبها على يوسف بن عمر، ثم إنه بعث إلى عامله الحكم بن الصلت بالكوفة و يحذره أمر زيد بن علي و يأمره بالطلب و التفتيش، ثم أرسل إلى الطرق فأخذت، فكان لا يمر أحد إلاّ فتش مخافة أن يكون معه كتاب.

قال: فبينما أهل المصالح على الطرق إذا برجل مر و في يده عصاة و هو مستعجل فصاحوا به ثم قالوا: من أين أنت؟قال: من بلاد الشام، ففتش فلم يوجد معه شي‏ء، فضرب أحدهم يده إلى العصا فأخذها و جعل يقلبها و ينظر إليها، فإذا على ناحية منها قطعة شمع ملصقة فقلع ذلك الشمع، فإذا جانب العصاء مجوفة و في جوف الحفر كتاب مدرج، فأخذ الكتاب و الرجل فأتى بهما إلى يوسف بن عمر. فأخذ الكتاب ففضه فإذا فيه: بسم اللََّه الرحمن الرحيم، من زيد بن علي بن الحسين بن علي، إلى أهل الموصل و سائر بلاد الجزيرة، سلام عليكم!أما بعد، فاتقوا اللََّه عباد اللََّه الذي خلقكم و رزقكم، و بيده أموركم و إليه مصيركم، فإنكم قد أصبحتم تعرفون الحق إذ أنتم تواصفونه بينكم، و وصفه واصف لكم، و لا ينتفع واصف الحق و لا الموصوف له حتى يعين من قام به عليه، و قد قال اللََّه تعالى‏ وَ اَلْعَصْرِ `إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ `إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ [ (1) ]. و قد دعا محمد صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم أهل الكتاب من قبل كما أمره اللََّه سبحانه فقال يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ لاََ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاََ يَتَّخِذَ بَعْضُنََا بَعْضاً أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [ (2) ]، و قد عرفتم حالكم الذي أنتم عليه من الفتنة في دينكم، و البلاء في معايشكم من أمر سفك الدماء، و الاستئثار عليكم بغيّكم، فهذا ما أنتم عليه و اليوم مقيمون و به آخذون، و أنا أدعوكم إلى كتاب اللََّه و سنة نبيه محمد صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، و الدفع عن المستضعفين، و مجاهدة الظالمين الذين انتبزوا أهل البيت بيت نبي رب العالمين، فبادروا إلى عبادة اللََّه، و احذروا أن يحل بكم عذاب اللََّه و بأسه، و ما حل على ما كان قبلكم من أهل معصيته و التولي عن أمره، و راجعوا الحق و احموا أهله، و كونوا لهم أعوانا إليه ليكونوا من المفلحين، و السلام على عباد اللََّه الصالحين، و صلى اللََّه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

[ (1) ]سورة العصر.

[ (2) ]سورة آل عمران الآية 64. ـ

289

قال: فلما قرأ يوسف بن عمر هذا الكتاب تغير وجهه و امتلأ غيظا و غضبا، ثم قدم هذا الرجل الذي معه الكتاب فضرب عنقه صبرا[ (1) ]، و بعث إلى عامله بالكوفة الحكم بن الصلت فأمره أن يطوف بالكوفة بالليل و أن يستبحث بالنهار عن زيد بن علي. قال: و بلغ ذلك زيد بن علي فخاف على نفسه أن يؤخذ قبل الأجل الذي كان بينه و بين أهل السواد فلم يدر ما يصنع، قال: و أقبل إليه نفر من أصحابه الذين كانوا قد بايعوه فقالوا له‏[ (2) ]: إنا قد بايعناك و إنا نحن خارجون معك، و لكن ما تقول في هذين الرجلين الظالمين أبي بكر و عمر؟فقال زيد بن علي: مهلا لا تقولوا فيهما إلا خيرا، فإني لا أقول فيهما إلا خيرا، و لا سمعت من آبائي أحدا يقول فيهما إلا خيرا. قال فقال له القوم: فترى أن بني أمية ما ظلموك؟فقال زيد بن علي: ليس القياس في ذلك بسواء، إن بني أمية قتلوا جدي الحسين بن علي رضي اللّه عنه و حملوا رأسه إلى الشام، و قتلوا أهل المدينة و نهبوها ثلاثة أيام، ثم رموا بيت اللّه الحرام بالحجارة و العذرة و النار، و أبو بكر و عمر لم يفعلا من ذلك شيئا. قال:

فغضب القوم ثم قالوا: إن جعفر بن محمد هو أحق بهذا الأمر منك، ثم تركوه و صاروا إلى جعفر بن محمد بالمدينة، فدخلوا و سلموا عليه و قالوا: يا ابن رسول اللّه!إنا كنا بايعنا عمك زيد بن علي و هممنا بالخروج معه، ثم إنا سألناه عن أبي بكر و عمر فذكر أنه لا يقول فيهما إلا خيرا، قال:

فقال جعفر بن محمد: و أنا لا أقول فيهما إلا خيرا، فاتقوا اللّه ربكم، و إن كنتم بايعتم عمي زيد بن علي ففوا له بالبيعة و قوموا بحقه، فإنه أحق بهذا الأمر من غيره و مني.

قال: فرجع القوم إلى الكوفة و جاءوا حتى دخلوا على زيد بن علي.

قال: فجمع للقوم الحكم بن الصلت كل فارس مذكور من أهل الكوفة فأدخلهم إلى المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بن علي بيوم واحد، و خرج زيد ليلة الأربعاء[ (3) ]من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة و معه ثمانية عشر رجلا و قد [ (1) ]في الطبري 7/180 ورد أن سليمان بن سراقة البارقي أعلم يوسف بن عمر أن زيد بن علي يختلف إلى رجلين أحدهما يقال له عامر، و الآخر رجل من بني تميم يقال له طعمة... و أخذ يوسف الرجلين، و استبان له منهما أمر زيد و أصحابه.

[ (2) ]انظر ما جرى بين زيد بن علي و أصحابه من مناظرة في الطبري 7/180-181.

[ (3) ]و ذلك في أول ليلة من صفر سنة 122 هـ.

290

رفعت بين أيديهم النيران في هرادي‏[ (1) ]القصب و هم ينادون: يا منصور!قال:

و سمع ذلك أمير الكوفة الحكم بن الصلت فأمر بدروب الأسواق فغلقت عن آخرها، و أمر بأبواب المسجد الأعظم فغلقوها لكي لا يخرج إلى معاونة زيد بن علي أحد.

قال: و ارتفعت الضجة و التكبير من كل ناحية و الناس يخرجون إلى زيد بن علي.

قال: و اجتمع إليه مائتان و عشرون‏[ (2) ]رجلا. قال: و أصبح الناس. فنظر زيد إلى من وافاه من أصحابه فقال: يا سبحان اللّه العظيم!أين الناس؟أحصيتهم أمس في ديواني خمسة عشر ألف إنسان و إنما وافاني منهم هؤلاء فقط!قال: فقالوا له:

يا ابن رسول اللّه!الناس محصورون في المسجد الأعظم لكي لا يخرج إليك أحد، فقال زيد: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و كم يبلغ هؤلاء المحصورون في المسجد؟أين الباقون لا يخرجون إلينا؟أما!إنهم أهل النكث و الغدر.

قال: و تعالى النهار، و أقبل يوسف بن عمر من الحيرة و معه أشراف الناس حتى وقف على تل قريب من الكوفة و أمر الناس بالتقدم إلى الحرب، فتقدم الناس و اختلط بعضهم ببعض و اقتتلوا ساعة، و حمل عمرو بن عبد الرحمن‏[ (3) ]صاحب شرطة الكوفة على زيد بن علي ليضربه، فحمل عليه رجل من أصحاب زيد يقال له نصر بن خزيمة العبسي فضربه ضربة جندله صريعا، ثم حمل على جيش أمير الكوفة فقتل منهم جماعة و هزمهم هزيمة فضيحة. و تقدم زيد بن علي حتى صار إلى جبانة الصائدين‏[ (4) ]فإذا هو بجماعة من أهل الشام يزيدون على سبعمائة[ (5) ]رجل، فلم يكذب زيد بن علي أن حمل عليهم فقتل منهم جماعة و هزمهم بين يديه. ثم أقبل الناس و إذا هو أيضا بجيش عظيم من أهل الشام على الخيل العتاق و السلاح الشاك.

فلما نظر إليهم حسر عن رأسه ثم حمل عليهم فكر بعضهم على بعض، و قتل منهم خلقا كثيرا. قال: و جعل يوسف بن عمر يوجه بقائد بعد قائد من وجوه أهل الشام و زيد بن علي واقف على أقل من ثلاثمائة رجل، فليس يقدم عليه جيش إلا أتى على [ (1) ]عن الطبري، و بالأصل: «هراوي» و الهردية: قصبات تضم ملوية بطاقات الكرم تحمل عليها قضبانه.

[ (2) ]بالأصل: مائتين و عشرين، و في الطبري 7/182: فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل و ثمانية عشر رجلا. و انظر ابن الأثير 3/381.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل «عبد العزيز» و في الطبري: عمر بدل «عمرو» و في ابن الأثير فكالأصل.

[ (4) ]الطبري: الصائديين.

[ (5) ]الطبري: خمسمئة من أهل الشام.

291

عامته و هو في خلال ذلك يرفع صوته و يقول: أيها الناس!إنكم قد بايعتمونا و أخذنا عليكم العهود و المواثيق أنه قد جََاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبََاطِلُ !قال: فكان الرجل منهم يسمع النداء و هو في منزله و هو لا يخرج، فقال زيد بن علي: ما أخلفكم!قد فعلتموها يا أهل الكوفة!و و اللّه ما هي بنكر!و و اللََّه لقد فعلتموها بجدي الحسين بن علي و اللََّه حسيبكم!قال: و اشتبك الحرب بين الفريقين و نادى منادي يوسف بن عمر: ألا!من جاء برأس زيد بن علي فله ألف درهم، و من جاء بأسير فله مثل ذلك، قال: و كان يوسف بن عمر لا يأتى بأسير إلا ضرب عنقه و أحرقه بالنيران، و زيد بن علي يقاتل هو و أصحابه، و ابنه يحيى يقاتل من جانب آخر، و ليس يزيد أصحابه على ما هم عليه. فلما رأى ذلك أقبل على نصر بن خزيمة العبسي فقال: يا نصر!أخاف أن أهل الكوفة قد جعلوها خبثا[ (1) ]، فقال نصر بن خزيمة: جعلت فداك يا ابن رسول اللََّه!أما و اللََّه لأضربن بين يديك بسيفي هذا أبدا حتى أموت! فاحمل بنا يا بن رسول اللََّه حملة لعلنا أن نقرب من المسجد الأعظم فننادي الناس بالخروج إلينا فإنهم محصورون!قال: فجعل زيد بن علي يحمل على هؤلاء القوم و أصحابه معه، و يدنون رويدا رويدا حتى صاروا قريبا من دار حريث بن عمرو المخزومي فقاتل هنالك ساعة، و حمل عليه أهل الشام حتى بلغوا به و بأصحابه إلى دار عمر[ (2) ]بن سعد بن وقاص، و اشتد الحرب هنالك ساعة، ثم حمل عليهم زيد بن علي في أصحابه حتى بلغ بهم إلى المسجد الأعظم، ثم دفعهم دفعة أخرى حتى أخلاهم من المسجد، و أقبل حتى وقف على باب الفيل و جعل ينادي في المسجد ممن هو من شيعتهم و يقول: و يحكم يا أهل الكوفة!اخرجوا من الذل إلى العز!اخرجوا من الفقر إلى الغنى!اخرجوا من الضلالة إلى الهدى!اخرجوا إلى‏[ (3) ] الدين و الدنيا!فلستم في دين و لا دنيا، و يحكم!أنا زيد بن علي بن الحسين!أنا الذي بايعتموني بالأمس!اخرجوا بارك اللََّه فيكم!قال: فهم من كان في المسجد أن يكسروا باب المسجد و يخرجوا إلى زيد بن علي، فصعد أهل الشام على سطح المسجد فجعلوا يرمونهم بالحجارة و النشاب، و اشتبك الحرب على باب المسجد، فقتل نصر بن خزيمة العبسي و هو أجلّ من كان مع زيد بن علي. قال: ثم قتل من [ (1) ]في الطبري: أ تخاف (ابن الأثير: أنا أخاف) أن يكون قد جعلوها حسينية.

[ (2) ]بالأصل «عمرو» خطأ.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل «من الدين إلى الدنيا» .

292

بعده معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة و هو صاحب منزل زيد بن علي، و قتل أيضا زياد بن عبد اللََّه الفهري‏[ (1) ]و جماعة من أصحاب زيد بن علي فحملت رؤوسهم إلى يوسف بن عمر. قال: ثم صاح زيد بأصحابه فحمل و حملوا معه على أهل الشام فهزموهم حتى بلغوا بهم إلى السبخة. قال: و اشتد الحرب هنالك فقتل من أصحاب زيد بن علي سبعون رجلا[ (2) ]، و جرح منهم بشر و ثبت زيد بن علي فيمن معه هنالك، فلم يزل يقاتلهم هو و ابنه يحيى و من معه إلى أن جاء وقت المساء.

قال: و تقدمت الناشبة من أصحاب يوسف بن عمر فأفرغوا سهامهم بين أيديهم. و جعلوا يرمون رميا شديدا متداركا، و ليس يقصدون بسهامهم غير زيد بن علي، و زيد يحمل عليهم كالليث المغضب، و لا يشبه في حملاته إلا بالحسين رضي اللََّه عنه، فبينما هو كذلك إذا بسهم قد أقبل حتى وقع في جبهته فغرق في رأسه‏[ (3) ]، فسقط زيد عن فرسه و هو لما به و ذلك في المساء، فاحتمل حتى أدخل إلى دار رجل من أهل همدان‏[ (4) ]، و هرب ابنه يحيى حتى دخل إلى دار رجل من الشيعة، و تفرق أصحابه هاربين في السكك و المحال حتى صاروا إلى منازلهم مجروحين لما بهم. قال: و أتي زيد بن علي بالطبيب‏[ (5) ]لينزع السهم من جبهته، فلما نزع السهم فلم يلبث أن شهق شهقة فارق الدنيا-رضي اللََّه عنه-!فكفن في ثيابه و احتمل في جوف الليل حتى دفن في السبخة و لم يعلم أحد في ذلك الوقت بموضع قبره.

قال: و أصبح يوسف بن عمر من الغد و قد بلغه أن زيد بن علي قد مات و أنه دفن في جوف الليل فلم يعلم بموضعه، فأقبل إليه رجل من بطانته فخبره أن غلاما لزيد[ (6) ]بن علي مجروح في بعض الدور، فقال يوسف بن عمر: عليّ به!فأتي بذلك الغلام جريحا فقال يوسف بن عمر: لمن أنت؟فقال لزيد بن علي، فقال:

هل لك علم بزيد بن علي أين دفن؟فقال: لا أيها الأمير!فقال: ويلك!إنك إن [ (1) ]في الطبري: زياد النهدي.

[ (2) ]كذا و في الطبري أن زيد بن علي قتل من أهل الشام نحو سبعين رجلا.

[ (3) ]الطبري: أصاب جانب جبهته اليسرى، فتشبث في الدماغ.

[ (4) ]في الطبري: أدخل بيت حران بن كريمة (مولى لبعض العرب في سكة البريد في دور أرحب و شاكر) .

[ (5) ]يقال له شقير مولى لبني رؤاس.

[ (6) ]بالأصل «ليزيد» خطأ.

293

دللتني عليه نجوت و إلا قتلتك و أحرقتك بالنار، فاختر من ذلك ما أحببت!قال:

فكأن الغلام جزع من القتل و الحرق فقال: نعم هو مدفون بالسبخة في موضع كذا و كذا، قال: فأرسل يوسف بن عمر إلى ذلك الموضع فنبش ذلك الموضع عن زيد بن علي، فأخذ و صلب بالكناس، إلى جنبه نصر بن خزيمة العبسي و معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة و زياد بن عبد اللََّه الفهري‏[ (1) ]. قال: و بلغ ذلك كميت بن زيد الأسدي الشاعر و هو يومئذ في منزله، فبكى بكاء شديدا، ثم أنشد يقول: [ (2) ]

أتاني ابن النبي فلم أجبه # أيا لهبي على القلب الفروق

حذار منية لا بد منها # و ما دون المنية من طريق‏

قال: ثم أقبل يوسف بن عمر من الحيرة حتى دخل الكوفة فلم يكذب أن صار إلى المسجد الأعظم فدخل و صعد المنبر، فشتم علي بن أبي طالب و ولده رضي اللََّه عنهم أجمعين شتما قبيحا، ثم شتم أهل الكوفة و أوقع بهم، و قال‏[ (3) ]: أبشروا يا أهل الكوفة بالذل و الصغار!فو اللََّه لأحرمنكم العطاء و لأفعلن بكم و لأصنعن!قال:

فتهددهم بأشد التهدد و توعدهم بأعظم الوعيد ثم نزل عن المنبر و أمرهم بتفتيش الدور، فكان لا يؤتى بأسير و لا جريح إلا قتله و أحرقه بالنار. ثم أرسل إلى امرأة زيد بن علي فأتي بها، فلما دخلت عليه قال لها: يا عدوة اللََّه!تزوجت زيد بن علي؟فقالت: نعم و اللََّه تزوجت بزيد بن علي!و لو خطب إليك لزوجته ابنتك، قال: فغضب يوسف بن عمر أخزاه اللََّه ثم قال: خرقوا عليها الثياب، و عليّ بالسياط!فقالت امرأة زيد: ويلك يا عدو اللََّه!إني امرأة ليس يجب علي أن تخرق ثيابي، فقال: دعوا كلامها شقوا ثيابها!و أخذتها السياط من كل ناحية، فقالت:

ويلك!إني إحدى خالاتك، إني امرأة من الأزد و أمك امرأة من الأزد، فقال يوسف بن عمر: لعن اللََّه من أنت خالته!فقالت: نعم و لعن اللََّه من هي أقل نسبا منك أمك!فقال يوسف بن عمر للجلادين: اقتلوها!فجعل القوم يضربونها أشد ضرب يكون و هي تقول: ويلك!ما أنت حر، ما أنت من العرب، و القتل بالسيف يا ابن عبد آل ثمود!فلم يزل كذلك حتى ماتت-رحمها اللََّه-!ثم أمر بها فألقيت على قارعة الطريق، فجاء إليها قوم من بني عمها في جوف الليل فحملت و دفنت.

[ (1) ]في الطبري: زياد النهدي.

[ (2) ]البيتان في شرح الهاشميات ص 204 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (3) ]انظر الطبري 7/191.

294

قال: ثم أرسل عدو اللََّه لعنه اللََّه إلى رجل من خيار الأزد يقال له القاسم بن عمرو. فقال: أنت الذي دخلت في تزويج زيد بن علي فزوجته؟قال: نعم، كان ذلك، و ليس عن مثل زيد بن علي رغبة و هو من ولد فاطمة و علي. قال: جردوه! فجردوه و أخذته السياط، قال: فجعل الشيخ يقول: يا يوسف بن عمر القصاص! ما ذا تكون حجتك غدا بين يدي اللََّه و قد قتلت نفسا بغير حق!قال: فلم يزل الأزدي يقول ذلك حتى فاضت نفسه-رحمة اللََّه عليه-!قال: فقتل يوسف بن عمر من شيعة آل محمد خلقا كثيرا-رحمة اللََّه عليهم-! قال: ثم كتب إلى هشام بن عبد الملك كتابا يحرضه فيه على خراب الكوفة و قتل أهلها و استئصالهم عن جديد الأرض. فكتب إليه هشام: أما بعد يا ابن عمر فإن الأمر ليس كما ذكرت في أهل الكوفة، و إن أهل الكوفة لنا سامعون مطيعون، و لو لا قعودهم عن زيد بن علي و خذلانهم إياه لما قدرت عليه، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فأطلقهم و أحسن إليهم و منّ لهم بإعطائهم و زد لهم في جوائزهم و أرزاقهم، و لا تقصر لهم في شي‏ء مما كتبت به إليك-و السلام-. قال: فلما ورد كتاب هشام على يوسف بن عمر قرأه، و نادى في الناس فجمعهم إلى المسجد، ثم قام فيهم خطيبا فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أما و اللََّه يا أهل الكوفة!و لو كان الأمر إليّ ما أمرت لكم بعطاء و لا بروث أبدا ما دامت لي ولاية بالعراق، و لكن الأمر من أمير المؤمنين هشام، و قد أمر لكم بأرزاقكم، فكونوا عليّ في غد لتأخذوها.

قال:

و بلغ ذلك جعفر بن محمد رضي اللََّه عنه ما فعل به زيد بن علي رضي اللََّه عنهما بالكوفة، فاستعبر باكيا ثم قال‏ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [ (1) ]. ثم قال جعفر:

ذهب و اللََّه عمي زيد و أصحابه على ما ذهب عليه جده علي و الحسن و الحسين عليهم السلام، شهداء من أهل الجنة، التابع لهم بإحسان مؤمن، و الشاك فيهم ضالّ، و الراد عليهم كافر، و إنهم ليحشرون يوم القيامة أحسن الخلق زينة و هيئة و لباسا، و في أيديهم كتب لهم مثال الطوامير، فيقول الخلائق: من هؤلاء؟فتقول الملائكة: هؤلاء خلف الخلف و رعاة الحق، و لا يزالون كذلك حتى ينتهى بهم إلى الفردوس الأعلى، فويل لقاتلهم من جبار الأرض و السماء.

[ (1) ]سورة الأحزاب الآية 23.

295

قال موسى بن حبيب العجلي: حدثتني نخلة بنت عبد اللََّه و هي أم ولد عمر و كانت من العابدات الصالحات قالت: رأيت بعد أن قتل زيد بن علي و صلب ثلاثة أيام فيما يرى النائم كأن نسوة من السماء نزلن عليهن ثياب حسنة، حتى أحدقن بجذع زيد بن علي، ثم جعلن يندبنه و ينحن عليه كما تنوح النساء في المأتم.

قالت: و نظرت إلى امرأة قد أقبلت و عليها ثوب لها أخضر يلمع منه نور ساطع، حتى وقفت قريبا من أولئك النساء ثم رفعت رأسها و قالت: يا زيد قتلوك!يا زيد صلبوك! يا زيد سلبوك!يا زيد إنهم لن تنالهم شفاعة جدك عليه الصلاة و السلام غدا في القيامة. قالت نخلة بنت عبد اللََّه: فقلت لإحدى النسوة تلك: من هذه المرأة الوسيمة من النساء؟فقالت: هذه فاطمة بنت رسول اللََّه (صلّى اللََّه عليه و على آله و سلم) تسليما كثيرا.

ثم نذكر خبر يحيى بن زيد بن علي بعد ذلك و هربه من يوسف بن عمر إلى جوزجان و مقتله بها رضي اللََّه عنه‏

قال: و خرج يحيى بن زيد من الكوفة هاربا بعد قتل أبيه بشهر أو أقل من ذلك‏[ (1) ]و معه جماعة من شيعته حتى صاروا إلى نينوى، فانكب على قبر جده الحسين بن علي رضي اللََّه عنهما و جعل يشكو ما نزل به و بأبيه زيد بن علي. ثم خرج من نينوى حتى صار إلى المدائن، و بها يومئذ عامل ليوسف بن عمر يقال له البختري المختار المحاريّ‏[ (2) ]. قال: فنزل يحيى بن زيد[بن‏][ (3) ]علي على قوم من اليهود، و إذا كتاب يوسف بن عمر قد ورد على البختري أن اطلب يحيى بن زيد بن علي، فقد بلغني أنه قد صار إلى المدائن و قد نزل على قوم من اليهود و قد استجار بهم. قال: فطلبه البختري المختار فأصابه بالمدائن، فقال له: قم فقد جاء كتاب يوسف بن عمر في طلبك و الحق أي بلد شئت!و هذه عشرة آلاف درهم لك نفقة!قال: فخرج يحيى بن زيد من المدائن فلم يزل يسير و معه نفر من شيعته حتى صاروا إلى الري و من الري إلى قومس، فنزل على رجل من أهلها يقال له [ (1) ]بعد مقتل أبيه توارى ليلة عند رجل من بني أسد ثم أجاره عبد الملك بن بشر بن مروان لقرابته به و بقي متواريا عنده إلى أن كف الطلب عنه فخرج في نفر من الزيدية إلى خراسان (الطبري 7/189 ابن الأثير 3/383) .

[ (2) ]كذا، و لم نعثر عليه.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

296

زياد بن أبي زياد القشيري، ثم رحل منها حتى صار إلى سرخس، فنزل على زيد ابن أخي تميم بن عمرو ستة أشهر، ثم رحل من سرخس حتى صار إلى بلخ فنزل على الحريش بن‏[ (1) ]عمرو بن داود الشيباني‏[ (2) ]، ثم رحل منها حتى نزل إلى مرو و بها يومئذ نصر بن سيار الليثي، فدخل يحيى بن زيد إلى مرو ليلا فنزل دار أبي حفصة رجل من بني قيس بن ثعلبة. قال: و إذا كتاب يوسف بن عمر قد ورد على البريد إلى نصر بن سيار يعلمه أن يحيى بن زيد قد صار إلى خراسان فاطلبه، و اعلم أنه فتى شاب، أسمر، أنزع، مسنون الوجه حين استوفت لحيته. قال: فجعل نصر بن سيار يطلب هذه الصفة بمدينة مرو، و بلغ الخبر يحيى بن زيد فقال لمن معه من شيعته:

تفرقوا من قبل أن تؤخذوا و ذروني و القوم!قال: فتفرق القوم عنه. قال: و اتصل الخبر بنصر بن سيار أن هذه الصفة بعينها في دار أبي حفصة، قال: فدعا نصر بن سيار برجل من أصحابه يقال له عصمة بن عبد اللََّه الأسدي فأمره أن يركب إلى دار أبي حفصة في طلب يحيى بن زيد، فأقبلت الخيل حتى أحدقت بالدار و هي دار سكان، فجعل يخرج من الدار الواحد بعد الواحد، و كلما يخرج رجل ينظر إليه عصمة بن عبد اللََّه فلا يرى الصفة، فلم يزل كذلك حتى خرج عليه يحيى بن زيد من الدار و عليه دراعة صوف و قلنسوة مثل ملابس المكاريين و قد حمل أكافا على عاتقه، قال: فعرفه عصمة بن عبد اللََّه الأسدي فضرب الأكاف بسوطه، ثم قال: يا صاحب الأكاف!إني قد عرفتك فامض عن الدار و عن البلد قبل أن تؤخذ. قال:

فخرج يحيى بن زيد من ساعته هاربا حتى صار إلى الجوزجان، فلما هم أن يدخلها لقيه رجل من أهلها فقال له: يا هذا أظنك يحيى بن زيد!فقال له يحيى بن زيد: و كيف علمت أني يحيى بن زيد؟فقال: إنه قد ورد الكتاب الساعة برمتك و صفتك من مدينة مرو، قال: فعلم يحيى بن زيد أنه مأخوذ، فرجع عن الجوزجان و لم يدخلها حتى صار إلى مدينة بلخ ثانية فدخلها ليلا، و نزل على رجل من شيعته يقال له يونس بن سليم. و قال: و أمير بلخ يومئذ رجل يقال له عقيل بن معقل الليثي‏[ (3) ]و هو ابن عم نصر بن سيار، فاتصل به الخبر أن يحيى بن زيد معه في البلد، فنادى في الناس فجمعهم إلى المسجد الأعظم، ثم جعل يفتش الدور و يطلب يحيى بن زيد، فلا يبلغه أن رجلا ببلخ يعرف بمحبة أهل البيت إلا [ (1) ]عن الطبري 7/228 و بالأصل: «أبي الحريش» .

[ (2) ]بقي ببلخ مقيما حتى هلك هشام بن عبد الملك، كما في الطبري.

[ (3) ]في الطبري 7/228 العجلي.

297

أتي به فضربه بالسياط. قال: و أقبل فتى يقال له قريش بن الحريش‏[ (1) ]فنظر إلى أبيه يضرب بالسياط، فتقدم إلى عقيل بن معقل الليثي فقال: أيها الأمير!لا تقتل أبي بالضرب فلو كان يحيى بن زيد ممن يمكن أن يكون في عين أحد من الناس ثم كان في عين أبي لما رجع جفنه عنه، و لكني أنا أرشدك إلى يحيى بن زيد و هو في دار يونس بن سليم مولى أبي بكرة في غرفة و معه عشيرته. قال: فأرسل عقيل بن معقل الليثي إلى دار يونس بن سليم. فاستخرج يحيى بن زيد من عرفة الدار ثم أتي به إلى عقيل بن معقل الليثي، فلما دخل عليه دعا له بالحديد ثم كبله و غل يمينه إلى عنقه، ثم شدت قيوده بالسلاسل بعضها إلى بعض، و حمل إلى مدينة مرو إلى نصر بن سيار الليثي، فأنشأ أبو نميلة صالح الأبار[ (2) ]مولى بني عبس يقول:

أ لم تر ليثا ما الذي ختمت به # لها الويل في سلطانها المتزايل

بنفسي و أمي فاطمي نقضوا # زمان عمي من أمة و تخاذل‏

قال: ثم إن نصر بن سيار أمر بحبس يحيى بن زيد فحبس في سجن مرو، و كتب إلى يوسف بن عمر الثقفي يخبره بذلك، و كتب يوسف بن‏[عمر إلى‏][ (3) ] هشام بن عبد الملك، و إذا هشام في السياق، فما لبث يحيى بن زيد في السجن أياما قلائل حتى توفي هشام، فكان ملكه تسع عشرة سنة و ثمانية أشهر، و توفي بموضع يقال له الرصافة لست ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس و عشرين و مائة، و هو يومئذ ابن أحد و ستين سنة[ (4) ].

قال: و صار الأمر إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فبايعه الناس و سلموا إليه [ (1) ]عن الطبري 7/228 و ابن الأثير 3/398 و بالأصل: أبي الحريش.

و في الطبري أن نصر بن سيار أخبر أن يحيى بن زيد في منزل الحريش بن عمرو، و قد أخذ الحريش و طولب أن يدفع إليهم يحيى فأنكر معرفته به أو وجوده عنده، فضربه عقيل ستمائة سوط، فلما رأى قريش بن الحريش أتى عقيلا و قال: لا تقتل أبي و أنا أدلك عليه. فأرسل معه فدله عليه و هو في بيت في جوف بيت، فأتى به نصر بن سيار. فحبسه.

[ (2) ]عن الطبري 7/196 و بالأصل أبو ثميلة صالح الأثار.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

[ (4) ]اختلفوا في مدة ولايته و وقت وفاته و مقدار عمره انظر في ذلك الطبري 8/283 مروج الذهب 3/249 العقد الفريد 4/445 البداية و النهاية 9/351 البدء و التاريخ 6/51 تاريخ الخلفاء لابن يزيد ص 33، مآثر الاناقة 1/151 تاريخ أبي الفداء 1/204 التنبيه و الإشراف ص 322 تاريخ خليفة ص 356 الفخري ص 132 ابن الأثير 3/391.

298

الخلافة و الحلة و القضيب و الخاتم، فأنشأ الوليد بن يزيد في ذلك‏[ (1) ]:

طال ليلي و بت أسقى المداما # إذ أتاني البريد ينعي هشاما

و أتاني بحلة و قضيب # و أتاني بخاتم ثم قاما

فنعى لي هشاما نعيا و حيّا # رافع الصوت مشرقا بساما

فجعلت ألوي من بعد فقدي # أفضل الناس ناشئا و غلاما

ذاك ابني و ذاك قرم قريش # خير قرم و خيرهم قداما

و هذه آخر مملكة هشام بن عبد الملك بن مروان-و اللََّه أعلم-.

ذكر إمارة الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏

قال: فلما صار الأمر إلى الوليد بن يزيد أقر محمد بن مروان‏[ (2) ]على بلاد أرمينية و أذربيجان، و أقر يوسف بن عمر على العراقين، و أقر نصر بن سيار على خراسان.

قال: ثم كتب الوليد بن يزيد إلى نصر بن سيار يأمره أن يفك يحيى بن زيد من قيوده و حديده. و أن يكرمه بغاية الكرامة، و يخلي سبيله يلتحق بأي بلد شاء. قال:

فلما ورد الكتاب على نصر بن سيار أمر بيحيى بن زيد فأخرج من سجنه و خلع عليه و أكرمه و وصله بعشرة آلاف درهم، ثم قال له: إن أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرك أن تنحدر إلى العراق فتكون بها إلى أن يأتيك أمره. فقال يحيى بن زيد: أفعل ذلك و لا أعصى لك و لا أمير المؤمنين أمرا.

قال: ثم خرج يحيى بن زيد من مدينة مرو و معه نفر من شيعته و هم قريبون من مائة رجل، فلم يسر حتى إذا صار على فرسخين من مدينة نيسابور، و بلغ ذلك عمرو بن زرارة فقال لأصحابه: اعلموا أن يحيى بن زيد قد هرب من سجن مرو و أفلت من نصر بن سيار و لا يدري ما يكون منه، و لكن تعبأوا و أخرجوا بنا إليه‏[ (3) ]! قال: ثم خرج إليه عمرو بن زرارة من مدينة نيسابور في عشرين ألفا من أصحابه [ (1) ]الأبيات في الأغاني 7/16 و مروج الذهب 3/259 و ابن الأثير 3/397 باختلاف الروي و القافية.

[ (2) ]كذا، و الصواب: مروان بن محمد، و قد مرّ.

[ (3) ]في الطبري 7/229 أن يحيى بن زيد أقبل في سبعين رجلا إلى عمرو بن زرارة و مرّ به تجار فأخذ دوابهم و قال علينا أثمانها. فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار. فكتب نصر إلى عبد اللََّه بن قيس و إلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه. ـ

299

و خاصة أهل البلد. قال: و نظر يحيى بن زيد إلى ذلك الخلق قد وافوه. فوثب إلى درعه فأفرغه عليه ثم قال لأصحابه‏[ (1) ]الذين معه: كونوا رجالا و حاموا عن أنفسكم فى هذا اليوم و إلا قتلتم!فتقدم يحيى بن زيد حتى وقف أمام أصحابه ثم قال: يا هؤلاء!لما ذا خرجتم إليّ، فو اللّه ما أردتكم، و إنما أنا رجل مجتاز فخلوا لي الطريق أجوز!قال: فلم يكلمه أحد منهم و رمي بالنشاب، فرجع إلى ورائه و جعلت السهام تأخذ أصحابه حتى قتل منهم جماعة. قال: و يحيى بن زيد يومئذ على فرس له قد حمله عليه نصر بن سيار، و عليه جبة صوف، و هو مقلد بسيف حنفي، فقال لأصحابه: يا هؤلاء أنتم تعلمون أني لم أرد هؤلاء القوم، و إنما أنا ماض إلى العراق كما أمرت، و هؤلاء القوم قد بغوا عليّ كما ترون، و هم عازمون على قتلي و قتلكم، و أنا مانع عن نفسي فامنعوا عن أنفسكم!قال فقال له أصحابه: يا بن رسول اللّه! إنهم لو كانوا في أضعاف ما هم فيه لما أمكناهم من أنفسنا، و لكن ناشد القوم و اعذر إليهم. فإن هم ارتدعوا و رجعوا عنا و إلا قاتلناهم و استعنا اللّه عليهم. قال: فعندها ناشد يحيى بن زيد و قال: يا هؤلاء اتقوا اللّه و انصرفوا عنا، فإنا لن نخرج من مدينة مرو إلا بإذن الأمير نصر بن سيار و أمير المؤمنين الوليد بن يزيد[ (2) ]، و هو الذي أرسل إلى عامله فأطلقني، فإن لم تصدقوا ما أقول فاكتبوا إلى صاحبكم نصر بن سيار و اسألوه عن ذلك، و أنا نازل على باب مدينتكم هذه إلى أن يرد عليكم الكتاب! قال: فلم يلتفت القوم إلى كلام يحيى بن زيد ثم حملوا عليه و على أصحابه، فاقتتل القوم ساعة و حمل أبو الفضل و هو أخو يحيى بن زيد من الرضاعة فقاتل قتالا شديدا حتى أتى إلى عمرو بن زرارة أمير نيسابور فلم يكذب أن ضربه ضربة جندله صريعا، و وقعت الهزيمة على أهل نيسابور، فلم يقف أولهم على آخرهم فولوا مدبرين، و أخذهم السيف من كل جانب إلى أن قتل منهم خلق عظيم، و دخل الباقون إلى مدينة نيسابور مغلولين فأنشأ بعضهم يقول:

ألم تر أهل نيسابور لما # لقوا الأبطال لم يغنوا قتيلا

لقوا مائة و هم عشرون ألفا # فما صبروا و لا منعوا قتيلا

قال: ثم أقبل يحيى بن زيد على أصحابه فقال: إنا كنا قد عزمنا على المسير [ (1) ]كانوا سبعين رجلا كما في الطبري و ابن الأثير.

[ (2) ]بالأصل: «نصر بن سيار» خطأ.

300

إلى العراق، و كان من أمر هؤلاء ما كان، و هذا حديث عظيم قد أتيناه و لم نجد بدا من ذلك، و ليست لنا العراق بعد هذا اليوم بدار، فارجعوا بنا إلى خراسان، فإن متنا متنا كراما.

قال: فعزم القوم على ذلك ثم ساروا يريدون الجوزجان، و بلغ ذلك نصر بن سيار فاغتم غما شديدا ثم قال: هذا من فعال أمير المؤمنين و جنايته علينا و على نفسه، و أما أنا فقد كنت حازم الرأي على أن لا يخرج يحيى بن زيد من سجني أبدا إلا على قفاه. قال: ثم جعل نصر بن سيار يرثي عمرو بن زرارة و من قتل معه في ذلك اليوم و أنشأ يقول:

ألمّوا[ (1) ]بالقبور فودعوها # و أقر قبورهم عني السلاما

و لو سمع السلام لرد عمرو # و لكن لا يطيقون الكلاما

هم صدعوا الفؤاد و أوجعتني # مصائبهم‏[ (2) ]غداة لقوا الحماما

قال: ثم خرج نصر بن سيار يريد يحيى بن زيد و على مقدمته خليفة له يقال له سالم‏[ (3) ]بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف و نصر بن سيار في سبعة آلاف من ورائه حتى وافوا يحيى بن زيد قد التأم إليه سبعمائة فارس من أهل البصائر و النجدة و الشجاعة.

قال: و نزل يحيى بن زيد بقرية من قرى جوزجان يقال لها أرغونة[ (4) ]، و نزل سالم بن أحوز في عشرة آلاف، و دنا القوم من القوم، و ذلك في أول النهار، و جعل يحيى بن زيد يحمل عليهم بسيفه و يطردهم بين يديه و هو يقول:

أنا ابن أمي و أبي # أنا ابن فاطمة و علي‏

قال: و اشتد القتال بين الفريقين إلى أن حانت الظهر، فصاح يحيى بن زيد:

يا هؤلاء!هذا وقت الصلاة فأمهلونا حتى نصلي و تصلون أيضا إن كنتم من أهل الصلاة!قال فقال سالم بن أحوز: صدق الرجل فذروه فليصل و تصلون أنتم أيضا.

قال: فدخل يحيى بن زيد و أصحابه إلى حديقة عظيمة و فيها نهر يجري فتوضأوا [ (1) ]بالأصل «الما» .

[ (2) ]بالأصل «مصابهم» .

[ (3) ]عن الطبري و مروج الذهب، و بالأصل «مسلم» و في ابن الأثير: «سالم» و سيرد بعد في الخبر «سالم» كما في ابن الأثير.

[ (4) ]في مروج الذهب 3/258 أرعونة.

301

و صلوا. ثم استووا على ظهور خيولهم و خرجوا إلى القوم حتى صافوهم، و تقدم رجل من أصحاب يحيى بن زيد حتى وقف أمام أصحابه و أنشأ يقول:

أيها المجلب الواجد علينا # كيف ترجو النجاة يوم الحساب

أعلى أحمد النبي اعتقدتم # خيّبته الرؤوس و الأذناب‏

قال: ثم حمل قائل هذه الأبيات بين يدي يحيى بن زيد، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم رجع، فقال: هل وفيت يا ابن رسول اللّه؟فقال يحيى: نعم و زاد على الوفاء. قال: ثم حمل يحيى بن زيد في جميع أصحابه على القوم، فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، و جعلت السهام تأخذه من كل ناحية حتى أثخن بالجراحات، ورق أصحابه حتى بقي في خمسين رجلا، فالتفت إليهم يحيى بن زيد فقال: أيها الناس!أنتم في حل من بيعتي فمن شاء أن يثبت معي فليثبت‏[و من شاء أن يرجع-]إلى هؤلاء القوم فليفعل، و أما أنا فلست بارحا من هذا الوقت حتى يقضي اللّه من أمره ما يشاء. قال فقال له أصحابه: لا و اللّه يا بن رسول اللّه لا فارقناك أبدا أو لا يبقى منا أحد، فقال يحيى بن زيد: جزاكم اللّه خيرا من قوم فلقد قاتلتم و وفيتم!ثم حمل و حملوا عليهم معه، فلم يزل يقاتل هو و أصحابه حتى قتلوا بأجمعهم و بقي وحده، فجعل يحمل عليهم و السهام تأخذه من كل ناحية حتى سقط إلى الأرض‏[ (1) ]، و أقبل سالم بن أحوز حتى وقف عليه ثم قال لأصحابه: انزلوا فخذوا رأسه!قال: فنزل إليه سورة بن محمد بن عزيز الكندي فاحتز رأسه-رحمة اللّه عليه-!فأنشأ عبد اللّه بن عرين العبدي‏[ (2) ] يقول:

قتلوا مسلما على غير جرم # لا ينّجوا من فتنة الدجال

يوم و لوا شتى عباديد عنه # كنعام هربن من أحبال

و أبت نفسه الفرار حفاظا # حين ساروا لقتله الضلال‏

ثم سلبوا يحيى ما كان عليه من درعه و ثيابه و سلاحه و تركوه عريانا بصحراء لجوزجان. قال: و ساروا برأسه إلى نصر بن سيار، فوجه نصر بالرأس إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان و خبره في كتابه بما كان من أمره. ثم أرسل نصر بن سيار إلى موضع يحيى بن زيد الذي هو فيه مدفون فاستخرجوه، و استخرجوا أخاه أبا [ (1) ]أصابه سهم في صدغه، فقتله كما في مروج الذهب.

[ (2) ]عن الطبري و بالأصل «عرين العبدي» .

302

الفضل فصلبا جميعا بالجوزجان على قارعة الطريق، أحدهما حذاء الآخر. فلم يزالا كذلك إلى أيام أبي مسلم و خروجه بخراسان، و هو الذي أمر بهما فأنزلا عن خشبتيهما فكفنا و حنطا و صلّي عليهما و دفنا بأرض الجوزجان.

ثم كتب الوليد إلى عامله يوسف بن عمر بالعراق و أمره أن يحط زيد عن خشبته، و أن يحط جميع من كان معه من أصحابه المصلبين هنالك، و أن يحرقهم بالنار و النفط حتى يصيروا رمادا، ثم وضعوا في قواصر و ذروا في الفرات، فأنشأ رجل من أهل خراسان يقول:

تقطعت الأسباب بيني و بينكم # بني عبد شمس أو تلاقون مثلما

زمانا ابن سيار يلم أخي الخنا # و داهية دهياء تجتلب الدما

أصاب بلا دخل إماما مهذبا # بريا من الفحشاء ليثا مصمما

قال: فما هو أن قتل يحيى بن زيد رحمة اللّه عليهما حتى وقع الاختلاف بالشام بين الوليد بن يزيد بن عبد الملك و بين يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فقتل الوليد و بتر اللّه عمره.

ذكر سبب الاختلاف و سبب إمارته‏

قال: و كان سبب إمارته أن أباه يزيد بن عبد الملك استخلفه بعد هشام بن عبد الملك، فلما انقضى أمر هشام صار الأمر إليه، و كان هشام ولاه الحج سنة ست عشرة[ (1) ]و مائة فحمل معه كلابا في صناديق و حمل معه قبة حمراء، و أراد أن ينصبها على الكعبة، فخوّفه أصحابه و قالوا: لا نأمن الناس عليك و لا علينا معك!فلم يحركها، و ظهر للناس منه تهاون في الدين و استخفاف حتى اتهموه بالزندقة حتى بلغ ذلك هشاما، فطمع في خلعه و البيعة لابنه مسلمة بن هشام. ثم أتاه و قال: أجعلها لك من بعده‏[ (2) ].

و تمادى الوليد في شرب الخمر و طلب اللذات فأفرط، حتى قيل إنه فتح المصحف في وقت، فخرج عليه‏ وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ `مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ [ (1) ]بالأصل «ستة عشر» .

[ (2) ]في الطبري 7/209 طمع هشام في خلعه و البيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده أن يخلعها و يبايع لمسلمة فأبى، فقال له: أجعلها له من بعدك، فأبى، فتنكر له هشام.

303

وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ [ (1) ]فنصب المصحف و رماه حتى خرقه، و قال في ذلك‏[ (2) ]:

أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب مزقني الوليد

فقال له هشام: ويحك يا وليد!و اللّه لا أدري على الإسلام أنت أم لا!ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش فيه، فكتب إليه الوليد هذا[ (3) ]:

يا أيها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا و ممزوجة # بالسخن أحيانا و بالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمة و كان يكنى أبا شاكر، و قال له: يعيرني بك الوليد و أنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب و احضر الجماعة، و ولاه الموسم سنة تسع عشرة[ (4) ]و مائة، فأظهر النسك و الوقار و اللين، و قسم بمكة و المدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة هذه الأبيات‏[ (5) ]:

يا أيها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

الواهب الجرد بأرسانها # ليس بزنديق و لا كافر

يعرض‏[ (6) ]بالوليد بن يزيد، و أم مسلمة: أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص. و كان الوليد شديد البطش طويل أصابع الرجلين، حتى كان ينزع سكة جديد بخيط يشد في رجله على الدابة و يثب و لا يمس الدابة.

و كان هشام طرد الوليد إلى مفازة[ (7) ]و قطع منه الأرزاق و الرسوم ليهلكه، و بقي [ (1) ]سورة إبراهيم الآيتان 15 و 16.

[ (2) ]البيتان في الأغاني 7/49 و مروج الذهب 3/263 و ابن الأثير 3/411 و انظر نهاية الأرب 21/484 و الفخري ص 134.

[ (3) ]البيتان في الطبري 7/210 و ابن الأثير 3/394 و الأغاني 7/3 نسبهما إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى -مؤدبه و نحله إياهما.

[ (4) ]في الأغاني: سبع عشرة.

[ (5) ]البيتان في الطبري 7/210 و ابن الأثير 3/394 و الأغاني 7/4.

[ (6) ]عن الطبري، و بالأصل «يعترض» .

[ (7) ]في ابن الأثير: «نزل بالأزرق على ماء له» . و في الطبري: «بين أرض بلقين و فزارة، على ماء يقال له الأغدف» و في الأغاني «الأبرق» .

304

بها إلى أن مات هشام، فكان يمشي مع أبي الزبير المنذر بن‏[أبي-][ (1) ]عمرو في تلك المفازة و يشكو هشاما إليه، إذ أقبل رجلان‏[ (2) ]على البريد فقال الوليد: هؤلاء رسل هشام نسأل اللّه السلامة!فلما دنوا منه سلما عليه بالخلافة، فغشي عليه فرحا ثم قال لهما: أمات هشام؟قالا: نعم، قال: فممن الكتاب؟قالا: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب الرسائل. و ولي الوليد الأمر و زاد في عطيات أهل الشام مع زيادتهم عشرا، و أجرى على زمنى أهل الشام مع زيادتهم عشرا، و أجرى على زمنى‏[ (3) ]أهل الشام و عميانهم و نسائهم، و أمر لكل إنسان منهم بخادم و قائد، و كان يطعم كل من وفد إليه، و يطعم من صدر من الحج و ينزله بمنزله يقال له زيزاء[ (4) ] ثلاثة أيام و يعلف دوابهم، و لم يقل لشي‏ء سئل عنه لا، و قال: ما تعودت غير نعم.

و حين ولي أقر نصر بن سيار على خراسان كلها، و أنفذ إلى الوليد برابط و طنابير و أبارق الذهب و الفضة و خمسمائة مملوك كلهم يضربون و يلهون‏[ (5) ] ثم بعد ذلك وقع الخلاف بينه و بين يزيد بن الوليد لخلاعته و مجانته و استخفافه بالنساك و تماديه في الخسارة و الضلالة و منادمته العشاق حتى روي عنه أنه قال‏[ (6) ]:

تلقى بالنبوة هاشمي # بلا وحي أتاه و لا كتاب

فقل للّه يمنعني طعامي # و قل للّه يمنعني شرابي‏

فما أتى عليه إلا أيام حتى جمع عليه يزيد[ (7) ]بن الوليد بن عبد الملك أهل [ (1) ]زيادة عن الطبري.

[ (2) ]أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، و الآخر جردية.

[ (3) ]كذا بالأصل مكررة.

[ (4) ]زيزياء من قرى البلقاء، قرية كبيرة يطؤها الحجاج و يقام بها لهم سوق.

[ (5) ]انظر الطبري 7/224 و في ذلك يقول بعض شعرائهم:

فأبشر يا أمين اللـ # ه أبشر بتباشير

بإبل يحمل المال # عليها كالأنابير

بغال تحمل الخمر # حقائبها طنابير

و دل البربريات # بصوت البم و الزير

و قرع الدف أحيانا # و نفخ‏ [?] بالزمامير

فهذا لك في الدنيا # و في الجنة تحبير

[ (6) ]البيتان في مروج الذهب 3/263.

[ (7) ]بالأصل: «زيد» خطأ.

305

الشام‏[ (1) ]، فهرب الوليد إلى دمشق، و روي أنه دخل القصر فأحاطوا به، فجلس الوليد و أخذ مصحفا و قال: يوم كيوم عثمان، فعلوا الحائط، و كان أول من علا يزيد بن عنبسة السكسكي فأخذ بيد الوليد و هو يريد أن يحبسه و يؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور و عبد السلام اللخمي و السري بن زياد بن أبي كبشة و غيرهم، فضربه عبد السلام على رأسه و السري على وجهه، و احتز أبو علاقة رأسه. و قدم به على يزيد بن الوليد و قال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد! و كان يزيد يتغدى فسجد للّه تعالى و من كان معه فرحا، كما سجد أبو العباس السفاح حين هلك مروان بن محمد. و كان ملكه سنة و شهرين، و قتل يوم الأربعاء لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ست و عشرين و مائة و هو ابن خمس و أربعين سنة[ (2) ].

و صار الأمر إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك و هو الملقب بالناقص‏[ (3) ]، فأقر مروان بن محمد على أرمينية و أذربيجان، و أقر نصر بن سيار على خراسان. ثم لم يلبث يزيد بن الوليد حتى مات، و كان ملكه ستة أشهر و يومين، و توفي بدمشق يوم [ (1) ]انظر في مقتله ابن الأثير 3/404 الإمامة و السياسة 2/153 (من تحقيقنا) . و لم يكن مقتله بسبب سلوكه الشخصي و انحرافه الديني و انغماسه باللهو و المجون، فحسب بل تعدى ذلك إلى اعتبار الحركة ضده أول حركة تمرد من خليفة أموي، قادته اليمانية، و هم الجناح الأساسي في النظام الأموي.

و تعود ظروف هذا التحرك إلى:

-انحراف الخلفاء الأمويين عن اليمانية منذ يزيد بن معاوية و تقريبهم القيسية.

-قتل الوليد لخالد بن عبد اللّه القسري، زعيمهم، و الأكثر طاعة و ولاء للأمويين، و في قتله قال الوليد شعرا يحرض على اليمانية (و قيل لغيره) و مما قاله:

وطئنا الأشعريين بعز قيس # فيا لك وطأة لن تستقالا

و هذا خالد فينا أسير # ألا منعوه إن كانوا رجالا

عظيمهم و سيدهم قديما # جعلنا المخزيات له ظلالا

فلو كانت قبائل ذات عز # لما ذهبت صنائعه ضلالا

فبعد سماعهم ذلك عظم عليهم و ازدادوا حنقا عليه.

[ (2) ]في يوم قتله و مدة خلافته و مقدار عمره خلاف.

انظر ابن الأثير 3/404 الإمامة و السياسة 2/155 الطبري 9/46 مروج الذهب 3/258 تاريخ اليعقوبي 2/334 مآثر الاناقة 1/157 العقد الفريد 4/452 المحبر ص 31 تاريخ خليفة ص 363 التنبيه و الأشراف ص 334.

[ (3) ]لم يكن يزيد بن الوليد ناقصا في جسمه و لا في عقله، و إنما نقص بعض الجند من أرزاقهم فقالوا:

يزيد الناقص.

306

الأحد لعشرة من المحرم سنة سبع و عشرين و مائة و هو يومئذ ابن أربعين سنة[ (1) ].

و صار الأمر إلى أخيه إبراهيم بن الوليد، و بلغ ذلك مروان بن محمد بن مروان، فدعا برجل من أصحابه يقال له عاصم بن يزيد بن عبد اللّه الهلالي فاستخلفه على أرمينية و أذربيجان، ثم شخص من معه من أهل الشام و الجزيرة حتى قدم أرض الشام، فلما تقارب من مدينة حمص، خرج إليه أهلها فحاربوه و حاربهم، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك و بايعوه، ثم سار مروان إلى دمشق، فإذا قد استقبله سليمان بن هشام و أصحابه‏[فانهزموا]من بين يدي مروان هزيمة قبيحة حتى صاروا إلى دمشق. و أقبل مروان حتى صار إلى دمشق، فخرج إليه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك فبينما خلع نفسه من الخلافة شهرين و أياما قلائل أقل من عشرة أيام صار الأمر إلى مروان بن محمد بن مروان فدخل مدينة دمشق، و أخذ خالد بن يزيد بن عبد الملك‏[ (2) ]و عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلهما جميعا ثم صلبهما على باب الجابية بدمشق، ثم صلى مروان بن محمد بالناس في المسجد الأعظم صلاة الجمعة، و خرج فنزل دير أيوب، فبايعه الناس هنالك و سلموا له الخلافة، و ذلك لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبع‏[ (3) ]و عشرين، فأرسل إلى نصر بن سيار، فأقره على أرمينية و أذربيجان، فاستقام الأمر لمروان بن محمد[ (4) ]و ظهرت الشراة بأرمينية و أذربيجان.

[ (1) ]في مدة خلافته و يوم وفاته و مقدار عمره انظر ابن الأثير 3/424 (من تحقيقنا) و انظر ثبتا فيه بمصادر ترجمته.

[ (2) ]كذا، و لم نعثر فيما لدينا، أن في أولاد يزيد بن عبد الملك من اسمه خالد.

[ (3) ]بالأصل «تسع» و ما أثبت عن الطبري و ابن الأثير.

[ (4) ]قام مروان بن محمد بحجة الثأر لمقتل الوليد بن يزيد (الخليفة المظلوم كما سماه) إنما حقيقة حركته هي اشتداد الصراع الدموي بين اليمانية و القيسية (جناحا السلطة الأموية) و قد غلبت القيسية المضرية و تلاوموا فيما بينهم لغلبة اليمانية عليهم و تكاتبوا و تداعوا و بايعوا مروان بن محمد و كان يومئذ شيخ بني أمية و رجلهم الكبير.

و كانت معركة مروان، عملية تصفية حسابات خطيرة بين اليمانية و القيسية حيث جرت بينهما تصفيات و عمليات قتل من الطرفين و بينهما و انتقل الصراع و امتد إلى خراسان ثم إلى مناطق تواجدهما في جميع مناطق الدولة الإسلامية (الطبري-ابن الأثير-الأخبار الطوال) .

307

ذكر ابتداء أمر الشراة و خروجهم في ولاية مروان بن محمد بن مروان‏

قال: و كان السبب في أمر الشراة أن رجلا من أهل البيلقان يقال له مسافر بن كثير القصاب كان يرى رأي الشراة، و كان الذي أوقفه على ذلك رجل يقال له الضحاك الحروري. قال: فخرج مسافر بن كثير هذا في جملة من يرى رأي الشراة حتى صار إلى مدينة أردبيل، و بها يومئذ قوم ممن يرى رأي الشراة، فلم يزل القوم مجتمعين حتى صاروا في جماعة من الشراة...

قال: و بلغ ذلك عاصم بن يزيد الهلالي و هو يومئذ بمدينة البيلقان، فأرسل إلى رجلين من أهل البيلقان ممن كانا يريان رأي الشراة أحدهما يقال له أبان بن ميمون و الآخر قتيبة بن صدقة، فأخذهما جميعا فحبسهما جميعا في سجن البيلقان.

و اتصل الخبر بمسافر بن كثير القصاب رئيس الشراة و هو يومئذ مقيم بمدينة ورثان‏[ (1) ]، فخرج في جوف الليل من ورثان في جماعة من أصحابه حتى أتوا البيلقان، فوضعوا السلاليم و صعدوا إلى السور. و كان أول من صعد منهم عصمة بن مسلم البيلقان، فأخذ صاحب الحرس فضرب عنقه على السور. ثم إنهم نزلوا إلى المدينة البيلقان و قد خرج عنها الأمير عاصم بن يزيد الهلالي إلى مدينة برذعة. قال: فأخذت الشراة خليفة له ثم جاءوا به إلى باب السجن، فأخرجوا قتيبة بن صدقة و أبان بن ميمون. ثم إنهم أظهروا أمر الشراة بمدينة بيلقان، فاجتمع إليه الناس من كل ناحية، حتى صاروا في عسكر لجب، فخرج بهم صاحبهم مسافر بن كثير القصاب من مدينة البيلقان حتى صاروا إلى يونان‏[ (2) ]، و بلغ ذلك الأمير عاصم بن يزيد الهلالي، فنادى في أصحابه ثم خرج، فضرب عسكره على نهر البربر[ (3) ]على باب مدينة برذعة.

قال: فإذا رجل قد أقبل من ناحية برذعة فأخذته الشراة و أقبلوا به إلى صاحبهم مسافر بن كثير، فقال له مسافر: من أين أقبلت؟قال: من برذعة، قال: فهل لك علم من عاصم بن زيد؟قال: نعم. هو نازل على شاطئ نهر البربر على غير الجادة بموضع كذا و كذا. قال له مسافر: فهل تعرف الطريق إلى عسكره بالليل؟ [ (1) ]ورثان: بلد في آخر حدود أذربيجان بينه و بين وادي الرس فرسخان و بين ورثان و بيلقان سبعة فراسخ.

[ (2) ]موضع بينه و بين برذعة سبعة فراسخ-و منه إلى بيلقان سبعة فراسخ.

[ (3) ]كذا، و في معجم البلدان: الثرثور نهر من مدينة برذعة على أقل من فرسخ.

308

قال: نعم، قال مسافر: فإني قد جعلت لك في هذه الليلة ثلاثمائة درهم على أن تسير معنا فتوقفنا على عسكره!فقال الرجل: قد أحببتك إلى ذلك. قال: فنادى مسافر بن كثير في أصحابه و سار بهم ذلك الرجل، و سار بأصحابه في جوف الليل حتى وافى بهم عسكر عاصم بن يزيد قبل الصبح، و نظرت إليه الشراة فكبروا و حملوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أمير برذعة عاصم بن يزيد و قتل معه جماعة من أصحابه، و انهزم الباقون و معهم ابن لعاصم يقال له زفر حتى دخلوا برذعة بشر حالة تكون، فاحتوى مسافر بن كثير و أصحابه على سواد عاصم بن يزيد، و أخذوه و رجعوا إلى مدينة البيلقان فنزلوها.

و بلغ ذلك مروان بن محمد بن مروان و هو يومئذ خليفة بالشام. فاشتد ذلك عليه، ثم إنه دعا برجل من قواد أهل الشام يقال له عبد الملك بن مسلم العقيلي، فضم إليه جيشا كثيفا، و عقد له عقدا و ولاية على بلاد أرمينية و أذربيجان بأجمعها حربها و خراجها، و أمره بمحاربة الشراة. قال: فأقبل عبد الملك بن مسلم بن الشام في جيش لجب حتى إذا صار إلى برذعة فنزلها، ثم خرج منها في جيشه الذي قتل الشراة إياه قبل ذلك حتى نزل بموضع يقال له جسر الحجارة، فعسكر هنالك حتى اجتمع إليه الناس، ثم إنه سار يريد حرب الشراة، فالتقى الفريقان ما بين برذعة و يونان و اقتتلوا هنالك، فقتل عبد الملك بن مسلم هنالك، فقام أخوه إسحاق بن مسلم العقيلي في الناس من بعده، و دام الحرب بين إسحاق بن مسلم و بين الشراة، و كانوا لا يفترون ليلا و لا نهارا من الحرب، و كانت حروبهم ما بين برذعة و يونان، فلم يزل إسحاق بن مسلم يحارب مسافر بن كثير القصاب و أصحابه الشراة إلى أن ظهرت المسودة بأرض خراسان مع أبي مسلم، و دنا زوال بني أمية-فهذا أكرمك اللّه آخر الفتوح، و نبتدئ بعد هذا في أخبار نصر بن سيار و الكرماني و أبي مسلم الخولاني الخراساني. ـ

309

ابتداء خبر خراسان مع نصر بن سيار و جديع ابن علي الكرماني و أبي مسلم عبد الرحمن بن مسلم‏

و كان السبب في ذلك أن نصر بن سيار الليثي كان متحاملا على غير قومه شديد العصبية على ربيعة و اليمن، و كان يقدم بني عمه من بني مضر عليهم، فتولى على كورة من كور خراسان رجلا من مضر من بني كنانة أو من بني أسد و تميم و غيرهم من قبائل مضر و لا يحفل بربيعة و لا باليمن، فغضبوا لذلك، ثم إنهم مشوا إلى رجل من الأزد أزد عمان من بني عم المهلب بن أبي صفرة يقال له جديع بن علي و يعرف بالكرماني، و ذلك أنه ولد بكرمان بمدينة يقال لها جيرفت في أيام الأزارقة، و كان جده من شيعة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فكان هذا الكرماني كبيرا في قومه من الأزد، عظيم القدر و الخطر في اليمن، فمشت إليه ربيعة و بنو عمه من الأزد و سائر اليمن فشكوا إليه نصر بن سيار و شدة عصبيته عليهم، و سألوه أن يركب إليه فيكلمه في ذلك، فقال الكرماني: أما إني أردت أن أكلمه في هذا الذي ذكرتم، غير أني ما أعرف كيف يكون موقع كلامي منكم، فقالوا له: صر إليه و قل له ما شئت.

قال: فلما دخل عليه بجل به نصر بن سيار، فقال: يا مولاي!ما هذا الفعل الذي تفعله؟تفضل بني عمك على أهل اليمن و ساداتهم من غيرهم!قال: فغضب نصر بن سيار من كلامه، ثم أمر به إلى السجن‏[ (1) ]، فانطلقوا به يجرونه جرا عنيفا إلى السجن. فبلغ ذلك أهله و عشيرته فاجتهدوا في تخليصه في الليل‏[من‏]مسيل العذرة الخارجة من السجن و أعلموه بذلك أن صر إلينا منه، و كان رجلا جسيما، فلما كان في وقت هدوء الليل أخذه غلام له و يجعل يشحطه لعظم جسده إلى أن [ (1) ]ثمة رواية أخرى في سبب حبسه ذكرها ابن الأثير في الكامل 3/420-421.

310

خرجوا به من السجن‏[ (1) ]. فلما كان من الغد سمع بذلك نصر بن سيار فأرسل إلى السجان، فلما حضر سأله عن حاله فقال: يا مولاي!لم يخرج من باب السجن و إنما خرج من مسيل الماء، فقال له: كذبت بل أخذت منه جعلا و تركته!ثم أمر به فضرب بالسياط إلى أن مات.

ثم أرسل صاحب شرطته إلى الكرماني أن صر إلينا فنحن ما أردنا بك ذلك إلا خوفا لفتنة، و لكن نريد أن نستشيرك في أمر، فصر إلينا مطمئنا آمنا. فلما دخل صاحب شرطته على الكرماني و بلغه ذلك، قال له: صر إلى صاحبك و قل له:

يا ابن الخبيثة و ابن القطعاء لا كان ذلك أبدا، أ تريد أن يدهمني بمكره و بلائه، فو اللّه لولا أنك رسول لضربت عنقك!قال: فخرج عصمة[ (2) ]من عنده فقال: أيها الأمير! ما رأيت علجا قط أشد منه، و لكني أعجب من يحيى بن نعيم الربعي‏[ (3) ]و أصحابه، و اللّه إنه لأشد تعظيما له و إجلالا من بني عمه. قال: فدعا نصر بن سيار بدواة و بيضاء، ثم كتب إلى يحيى بن نعيم بهذه الأبيات:

إنا و هذا الحي من يمن # عند الفجار معاشر أكفاء

قوم لنا منهم تراث جمة # و لهم لدينا إحنة و دماء

قال: فلما وصلت هذه الأبيات إلى يحيى بن نعيم الربعي و فهمها أقبل على الرسول و قال: لولا أنك رسول لبعثت إليه برأسك، و لكن أبلغه عني و قل له: يقول لك يحيى بن نعيم: خبرنا عن يد أبيك التي قطعت اليمنى كانت أم اليسرى؟قال:

فانطلق الرسول إلى نصر بن سيار فأبلغه ذلك، فقال نصر: ما أعرفني بقلة عقول ربيعة!.

ثم دعا نصر برجل من أصحابه يقال له‏[قديد بن-][ (4) ]منيع، و كان صديق الكرماني و قال له: صر إليه و أعذر إليه أن يقع بيننا و بينه. قال: فأقبل‏[قديد بن‏] [ (1) ]و ذلك بعد تسعة و عشرين يوما بقاها في السجن كما في الطبري 7/289.

[ (2) ]في الطبري 7/291 أن نصرا أرسل إلى الكرماني مع سلم بن أحوز و قال له: إني و اللّه ما أردت بك في حبسك سوءا و لكن خفت أن تفسد الناس فأتني. فقال الكرماني: لولا أنك في منزلي لقتلتك...

فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خير و شر... فبعث إليه عصمة بن عبد اللّه الأسدى.

[ (3) ]في الطبري: يحيى بن حصين.

[ (4) ]زيادة عن الطبري 7/292.

311

منيع حتى دخل على الكرماني و قال: يا هذا!تعرف ما بيني و بينك من الصداقة، فلا توقع الخلف بيننا و بينه، و إن كنت حقدت عليه بحبسك فاحبسه كما حبسك أو تأخذ منه رهنا و يأخذ منك رهنا و صر إليه، فإن كان منه شي‏ء بعد ذلك فيد بيد، فأجاب الكرماني إلى ذلك و قال: نعم، هؤلاء ولداي عليّ و عثمان، فما يعطيني هو؟فو اللّه ما نعرف له ولدا و لا والدا و لا عشيرة غير العشيرة التي ينتمي إليها. قال فقال له: مهلا أبا علي!فإنك لم تكن سفيها قط، فأسألك باللّه أن لا يكون خراب هذه البلدة على يديك، فإني ما أظن أن أحدا من العرب أنصح لي منك، قال: فلم يجبه الكرماني إلى شي‏ء، و انصرف قديد بن منيع إلى نصر بن سيار. فأعلمه بذلك.

قال: و وثب بنو تميم إلى نصر بن سيار و قالوا: أيها الأمير!ما ننتظر بهذا الكلب. عاجله قبل أن يكثر جمعه، قال: فوثب إلى نصر بن سيار ابن عم له يقال له عقيل بن معقل الكناني‏[ (1) ]فقال: أصلح اللّه الأمير!لا تلتفت إلى أقوال هؤلاء و لا إلى ما يشيرون به عليك، فإني أخاف بشؤم نفسك أن يدخل البلاء على عشيرتك في محاربتك لهذا الرجل، فإن أمير المؤمنين مروان بن محمد قد انتقض عليه بعض أمره و قد خرجت عليه طائفة من الشراة و أخاف أن يزول عنه أمره إلى غيره، فلا تعجل في أمرك. فقال له نصر بن سيار: صدقت يا عقيل!و لكن صر إليه و كلمه فلعله يرتدع عما هو عليه. قال: فأقبل عقيل بن معقل حتى دخل على الكرماني فسلم و جلس ثم قال: أبا علي!اعلم أنك قد سننت لهؤلاء السفهاء سنة لم تكن بخراسان قيل اليوم، و أخاف أن يوقعك هذا الأمر أنت و نصر بن سيار فيما تكرهان، و بعد فأنت اليوم شيخ العرب و سيد قومك، فقل ما أحببت فإنك مجاب إلى ما تحب، و لا تطمع هؤلاء السفهاء فيما دخلوا فيه، فإني أرى شيئا أخاف أن تذهل فيه العقول و تشخص فيه الأبصار. قال فقال له الكرماني: صدقت يا عقيل!و لكنه ابن الأقطع، فقال عقيل:

عزمت عليك ألا سكتّ عن ذكره بقبيح، فإني ما سمعته ما يذكرك إلا بالجميل. قال فقال الكرماني: يا عقيل!لا تكثر فليس إلى ما يريد ابن الأقطع من سبيل، قال فقال له عقيل: يا أبا عليّ!ههنا شي‏ء آخر، قال: و ما ذاك؟قال: يتزوج إليك و تتزوج إليه، فقال الكرماني‏[ (2) ]: إذا لا أفعل ذاك لأنه ليس لي بكفوء، فقال عقيل:

[ (1) ]في الطبري: الليثي.

[ (2) ]في الطبري: لا آمنه على حال.

312

سبحان اللّه يا أبا علي!تقول بمثل هذا الرجل من بني كنانة و شرفه و قدره!فقال:

و اللّه لو كان مصاصا في بني كنانة لفعلت!و لكن ليس كذلك، قال عقيل: فما تقول أبا علي؟أنصرف عنك اليوم و أعود إليك غدا؟فقال الكرماني: إنما أنت تعود بمثل هذا الكلام فلا تعد، فقال عقيل‏[ (1) ]: أبا علي!إنه ليس بعد هذا شي‏ء و أخاف أن تهلك غدا بدار مضيعة!فقال الكرماني: أقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم قال‏[ (2) ]: فرجع عقيل إلى نصر بن سيار، فقال: أيها الأمير!أنت و اللّه في غرو من أمر هذا الرجل!و ذلك أنه قد عظم أمره و كثف جمعه و اشتدت شوكته، فإن كنت رجلا تقوم في هذا الأمر و إلا فالزم منزلك، فإنك قد خيرت ذلك إما أن تلزم منزلك حتى يولي هو من يريد، و إما أن تحمل من أموال خراسان ما أحببت و تنصرف إلى أمير المؤمنين مروان، فاختر من الثلاث‏[ (3) ]ما بدا لك. قال: فغضب نصر بن سيار من ذلك غضبا شديدا، ثم صاح بصاحب شرطته سالم‏[ (4) ]بن أحوز المازني، فقال له: يا سالم!سر إلى هذا الملاح فاكفني أمره و ائتني برأسه الساعة.

قال: فنادى سالم في أصحاب نصر بن سيار فركبوا، و سار إلى باب الكرماني و على بابه يومئذ أربعة آلاف رجل ما يرى منهم إلا الحدق. قال: فصاح سالم بن أحوز بقائد من قواد الكرماني يقال له محمد[ (5) ]بن المثنى، فقال: يا بن المثنى!قل لصاحبك هذا الملاح: يخرج إلينا!فقال له ذلك محمد بن المثنى، فخرج إليه في أصحابه فاقتتلوا ساعة، فقتل من أصحاب الكرماني قريب من عشرين رجلا، و قتل من أصحاب نصر بن سيار نيف على مائة رجل، فانهزم سالم بن أحوز إلى دار نصر بن سيار فأعلمه بذلك. قال: فأرسل إليه نصر بعصمة بن عبد اللّه الأسدي حتى وقف قبالة أصحاب الكرماني، ثم قال: أما و اللّه لو علمتم‏[ (6) ]أن السمك لا يغلب [ (1) ]في الطبري: قال: ما بعد هذا خير.

[ (2) ]في الطبري: فقال له عقيل: أعود إليك؟قال: لا و لكن أبلغه عني و قل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، و لكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، و أسفك الدماء فيها.

[ (3) ]كذا، و لم يذكر الأمر الثالث، و لعله يريد: القتال.

[ (4) ]في الطبري: سلم.

[ (5) ]عن الطبري، و بالأصل «أحمد» .

[ (6) ]في الطبري 7/368 لتعلمن.

313

اللخم‏[ (1) ]أبدا!فصاح به يحيى بن نعيم الربعي‏[ (2) ]: يا ابن الفاعلة إن كنت صادقا فاثبت لنا!ثم حمل الفريقان بعضهم على بعض، فقتل من أصحاب الكرماني ثمانية نفر و من أصحاب نصر بن سيار سبعون رجلا، و انهزم عصمة بن عبد اللّه الأسدي و أصحابه، و أصحاب الكرماني في أقفيتهم حتى ألحقوهم بصاحبهم. فأقبل عصمة بن عبد اللّه مجروحا لما به حتى دخل على نصر بن سيار فخبره بذلك. فلم يزل نصر يوجه إلى حرب الكرماني واحدا بعد واحد حتى وجه إليه سبعة قواد، ما منهم قائد إلا يرجع مفلولا و مجروحا، حتى كان آخر قائد وجه به إليه مالك بن عمرو الحماني‏[ (3) ]و كان من المعدودين في بني تميم، فصار إلى باب الكرماني في قريب من أربعة آلاف فارس، ثم وقف و صاح بابن المثنى: إن كنت رجلا فابرز إليّ و ذر الناس جانبا!فقال له محمد بن المثنى: قد أنصفت يا أخا تميم!ثم برز إليه و التقيا للضراب فبدره التميمي بضربة على حبل عاتقه فقطع درعه، و ضربه محمد بعمود كان في يده على بيضته فهشم البيضة حتى وصل العمود إلى رأس التميمي فجندله صريعا. قال: و التحم القتال و الأمر بين الفريقين، فاقتتلوا ساعة، و جعل نصر بن سيار يمد أصحابه و الكرماني يمد أصحابه، حتى كثرت من الجانبين القتلى يومهم ذلك. و غلق أهل مرو أبواب حوانيتهم و أبواب دورهم و عطلت الأسواق.

قال: ثم تواعد القوم و خرجوا إلى موضع يقال له الجياد[ (4) ]، فخندقوا على أنفسهم و جعلوا يقتتلون الليل و النهار، حتى اقتتلوا سنة كاملة لا يفترون و لا يملّون.

قال: و كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد بهذه الأبيات:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة # مخبرة عن محكمات الرسائل

بأن عداة اللّه أضحوا بأرضنا # يسوموننا إطفاء حق بباطل

و نحن حماة الدين نسمو إليهم # بأسيافنا و المسندات الأوائل‏

قال: فلما ورد هذا الشعر على مروان بن محمد اغتم لذلك غما شديدا، [ (1) ]اللخم دابة من دواب الماء، تشبه السبع تأكل السمك. (عن ابن الأثير) .

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: فقال له محمد (ابن المثنى) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: التميمي.

[ (4) ]في الطبري 7/368 خرجوا جميعا إلى الخندقين.

314

و جعل نصر بن سيار يفكر في أمره فلم يجد له حيلة، و رحل مروان بن محمد من الشام بحيلة حتى نزل مدينة حران من بلاد الجزيرة فجعلها دار مملكته، و عزم أن يصير إلى خراسان بنفسه، ثم إنه خشي أن يذهب الشام و الجزيرة من يده فجعل يقدم في ذلك و يؤخر، و تحرك أبو مسلم عند ذلك و عزم على الخروج.