الفتوح - ج8

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
443 /
315

ابتداء خبر أبي مسلم‏[ (1) ]

قال: و كان أبو مسلم في قديم الزمان غلاما حدثا و كان يعمل في السواجير[ (2) ] و اسمه عبد الرحمن بن مسلم. قال: و كان يخدم قوما من بني عجل بخراسان يقال لهم بنو عيسى بن معقل‏[ (3) ]. قال: و كان أبو مسلم مع ذلك غلاما لبيبا حسن الأدب و الفهم، فوقع في قلبه حب بني هاشم. قال: و خرج قوم من شيعة ولد العباس يريدون الحج منهم سليمان بن كثير الأحوال و مالك بن الهيثم و قحطبة بن شبيب و لا هز بن قريظ و جماعة ممن يرى رأيهم من ولد العباس، فدفعوا له مالا كانوا قد حملوه من خراسان، و جعلوا يختلفون إليه و أبو مسلم معهم لا يفارقهم، فقال محمد[ (4) ]بن علي: من هذا الغلام الذي أراه معكم؟فقالوا: غلام من أبناء السراجين موالي عيسى بن معقل، فقال محمد: أ فحر هو أم عبد؟فقالوا: أما آل معقل فيزعمون أنه من آلهم، و أما هو فيزعم أنه حر و ابن حر، فقال محمد بن علي:

ما أدري ما تقولون، و لكني أراه غلاما عاقلا لبيبا، و أرى فيه علامات بينة، و أرجو أن يكون ممن يتحرك في دولتنا. قال فقال له القوم: أيها الإمام!فمتى يكون ذلك فقد طال ملك بني أمية؟فقال محمد بن علي: هذا و اللّه زماننا و هذا وقت دولتنا!و لقد سمعت آبائي يذكرون أن إذا كانت سنة الحمار فعند ذلك يظهر أمرنا، و تجاب [ (1) ]بالأصل: و هذا ابتداء خبر أبي مسلم من أوله.

[ (2) ]السواجير: جمع ساجور و هي العصاة التي تعلق في عنق الكلب. و السواجير: نهر مشهور من عمل منبج بالشام.

[ (3) ]تنوزع في أمر أبي مسلم انظر مختلف الأقوال في مروج الذهب 3/289.

[ (4) ]بالأصل: «أبو محمد» خطأ.

316

دعوتنا، و يموت أمر بني أمية، و يظهر الرايات و البنود من كور مرو بخراسان، و تقتل بنو أمية تحت كل حجر و مدر، فقالوا: و ما سنة الحمار؟فقال: إنه لن تمضي مائة سنة من أمر قوم إلا ينتقض‏[ (1) ]أمرهم، لقول اللّه عز و جل‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا إلى قوله: كَيْفَ نُنْشِزُهََا [ (2) ]و قد اقترب الوعد الذي وعدناه و رب الكعبة!.

قال: ثم أقبل محمد بن عليّ على شيعته هؤلاء، فقال: اعلموا أنكم في سنة الحمار و كأني بهذا الغلام و قد تحرك في هذا الأمر-يعني أبا مسلم-فانظروا إذا كان ذلك فانصروه و قوموا معه في هذا الأمر و وازروه، و لعلكم لا تروني بعد عامكم، لأني أحس بضعف في بدني، و أظن أن قد اقترب أجلي، و لكن قد جعلت هذا الأمر في ابني إبراهيم المقيم بحرّان، فإن أصيب فابني عبد اللّه ابن الحارثية[ (3) ]-يعني أبا العباس-فإن أصيب فابني عبد اللّه-يعني أبا جعفر المنصور-.

قال: و قدم القوم من مكة من عند محمد بن علي إلى خراسان، فجعلوا ينظرون إلى أبي مسلم بغير العين التي كانوا ينظرون إليه بها قبل، و كتموا ما سمعوا من محمد بن علي في أبي مسلم، بل كانوا يجتمعون إليه أحيانا فيتكلمون و يديرون آراءهم بينهم و أبو مسلم يقول لهم: لا تعجلوا و أبشروا، فما أقربكم مما تريدون! و أنا وزير صاحب الرايات السود، و كأنكم بي و قد أظهرتها. قال: فلم يزل أبو مسلم بخراسان لازما منزله لا ينطق بشي‏ء و لا يتحرك، حتى إذا وقع الحرب بين الكرماني و بين نصر بن سيار و نظر أبو مسلم إلى الغلبة الكرماني أيقن بالفرج و جعل يقول لمن هو على رأيه: أبشروا فقد دنا الأمر!قال: و توفي محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس رحمه اللّه‏[ (4) ]، و بلغ ذلك أبا مسلم. فأقبل يدعو الناس إلى ما هم عليه من أمر ولد العباس، و الناس يجتمعون إليه من كل أوب، فذكر أهل العلم بهذه الأخبار أن [ (1) ]انتقض الشي‏ء: فسد بعد إحكامه.

[ (2) ]سورة البقرة الآية 259.

[ (3) ]و اسمها ريطة بنت عبد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدان بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث.

[ (4) ]كانت وفاة محمد بن علي في أيام الوليد بن يزيد، و أوصى بالأمر من بعده إلى ولده إبراهيم بن محمد فقام بأمر الشيعة، و وجه أبا هاشم ثم بكير بن ماهان إلى خراسان و بعث معه بالسيرة و الوصية فقدم مرو و جمع النقباء و الدعاة، فنعى إليهم محمد بن علي و دعاهم إلى ابنه إبراهيم و دفع إليهم كتابه. و كان ذلك في سنة 126 هـ.

317

أبا مسلم أتى إليه ألف رجل و هم الذين بايعوه بدوا غير أنهم كانوا في بيوتهم لا يظهرون. قال: و سمع بذلك نصر بن سيار، فلم يكن لأبي مسلم حيلة لاستقباله بحرب الكرماني عير أنه كتب إلى مروان بن محمد هذه الأبيات‏[ (1) ]:

أرى خلل الرماد و ميض جمر # أحاذر أن يكون لها اضطرام

فإن لا تخمدوها تجر حربا # يكون وقودها قصر وهام

فإن النار كالزندين توري # و إن الفعل يقدمه الكلام

أقول من التعجب ليت شعري # أ أيقاظ أمية أم نيام

فإن يك قومنا أضحوا رقودا # فقل قوموا فقد حان القيام

فأنتم في الكريهة أسد غاب # إذا كان النذير بها الحسام

و أكرم في زلازلها اصطبار # إذا نشرت و ثار لها قتام

تطيف بكم كرائم عبد شمس # لدى الهيجاء ضاق بها المقام

و هم عذر الأباطم من قريش # فكاهلها المقدم و المشام

إذا صدع بقية لا تأوه # و ما صدعوا فليس له التيام‏

قال: فلم يلتفت مروان بن محمد إلى ما كتب إليه نصر بن سيار و لم يجب بشي‏ء[ (2) ]، فعلم نصر بن سيار أن أمر بني أمية قد أدبر.

و كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة[ (3) ]و هو يومئذ بواب في العراق، من قبل مروان بن محمد: أما بعد، فإن البيعة واحدة و قد علمت ما أنا فيه من حرب الكرماني، و قد خرج عليّ أيضا من أبناء السراجين من لا يعرف له دين، و قد اجتمع إليه نفر من أهل خراسان من شيعة ولد العباس، فأنشدك باللّه أن تضيع بلاد خراسان فقد مضى الأمر من أيدي بني أمية، و أريد منك أن تمدني بألف عمامة شامية-و السلام-، ثم أنشد أسفل كتابه هذه الأبيات‏[ (4) ]:

[ (1) ]الأبيات في مروج الذهب 3/291 و الأخبار الطوال ص 357 ابن الأثير 3/459 الفخري ص 144 الطبري 7/369 العقد الفريد 4/439 باختلاف بين المصادر.

[ (2) ]في ابن الأثير: فكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فاحسم الثؤلول قبلك. فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل «زهير» .

[ (4) ]الأبيات في الطبري 7/369 مروج الذهب 3/293 ابن الأثير 3/460 باختلاف بين المصادر و الأصل ببعض الألفاظ.

318

أبلغ إليك و خير القول أصدقه # و قد تبينت أن لا خير في الكذب

هذي خراسان أرض قد رأيت بها # بيضا لو أفرخت قد حدّثت بالعجب

فراخ عامين إلا أنها كبرت # لما يطرن و قد سربلن بالزغب

و إن يطرن و لم يحتل لهن بها # يلهبن بلدان حرب أيما[ (1) ]لهب‏

قال: فلم يلتفت‏[يزيد بن عمر بن‏][ (2) ]هبيرة إلى كتاب نصر بن سيار و جعل يقول: و ما أصنع!و ما أبالي بخراسان إذا سلمت لي العراق‏[ (3) ].

قال: فعندها طمعت بنو هاشم في الخلافة، فكتب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم إلى عبد اللّه بن الحسن‏[بن الحسن‏]بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين هذه الأرجوزة:

دونك أمرا قد بدت أشراطه # و ريّشت من نبله أمراطه

إن السبيل واضح صراطه # لم يبق إلا السيف و اختراطه‏

قال: و طمع آل أبي طالب خاصة في الخلافة، قال: حدثني أبو الحسن المدائني قال: حدثني أبو الحسن بن الفرات قال: سايرت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس فقال داود بن على لعبد اللّه بن الحسن بن الحسن: أبا محمد!لو أمرت ابنيك محمدا و إبراهيم أن يظهروا و يتحركوا في هذا الأمر فقد انقضت دولة بني أمية إن شاء اللّه، ألا تسمع الأخبار و انتقاضها على نصر بن سيار!فقال عبد اللّه بن الحسن: إنه لم يأت الوقت الذي يظهر بعد، فقال عبد اللّه بن علي: أبا محمد إنكم لستم الذين تظهرون على بني أمية، بل نحن و اللّه نظهر عليهم، و أنا الذي و اللّه أقتلهم و أبيدهم و أنتزع الأمر منهم عن قريب إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و ما ذلك على اللّه بعزيز.

قال: فسكت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن و لم يتكلم.

[ (1) ]عن المصادر، و بالأصل «انها» .

[ (2) ]زيادة عن مروج الذهب.

[ (3) ]في مروج الذهب: «فلم يجبه يزيد بن عمر عن كتابه و تشاغل بدفع فتن العراق. و في البداية و النهاية: فبعث ابن هبيرة بكتاب نصر إلى مروان. و في الطبري: فقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة، و ليس عندي رجل.

319

قال: و نظر أبو مسلم إلى‏[أنه‏]لا مدد لنصر بن سيار فطمع فيما أراد من الخروج، ثم بعث إلى الكرماني أن اثبت على ما أنت عليه فأنا معك لا عليك! قال: فصارت كلمة أبي مسلم و الكرماني واحدة. و التأمت العسكران على نصر بن سيار جميعا. قال: ثم أمر أبو مسلم أصحابه بالسواد ثم كتب إلى جميع الكور بخراسان أن سودوا فإنا قد سودنا، و قد دنا زوال ملك بني أمية. قال: فسود أهل نيسابور و مرو الروذ و الطالقان و ما يليها و جميع الكور طاعة لأبي مسلم. قال المدائني: و إنما أمرهم أبو مسلم بالسواد لأنه جعل السواد حدادا لمصيبة زيد بن علي و يحيى بن زيد رضي اللّه عنهما. قال: فلم يبق مدينة بخراسان إلا لبسوا السواد و جعلوا ينوحون و ينعون على زيد بن علي و يحيى بن زيد و يذكرون مقتلهما.

قال: ثم بعث أبو مسلم إلى الجوزجان‏[ (1) ]و إلى نهاوند و بها يومئذ يحيى بن زيد مصلوب، فأمر به فأنزل من خشبته و كفن و صلوا عليه و دفن. ثم جعل أبو مسلم يتبع قتلته-أي يحيى بن زيد-فيقتلهم تحت كل حجر و مدر، حتى قتل بيحيى بن زيد و زيد بن علي ثمانون ألفا أو يزيدون من شيعة بني أمية و من شارك في دم يحيى بن زيد حتى قتل ولد الولد، و هو الذي يقول:

أجيبوا عباد اللّه آل محمد # فذا عنهم الداعي يجاب و يكرم

قتلت بزيد بن الحسين و ابنه # ثمانين ألفا من كمي و معلم‏

قال: فعندها أعطى نصر بن سيار بيده و اتقى على نفسه، ثم كتب إلى أهل مرو و غيرهم ممن قد علم أنهم على رأيه و مذهبه، و سألهم أن ينصروه و يقيموا معه و يوازروه على حرب الكرماني و أبي مسلم، و كتب إليهم بهذه الأبيات‏[ (2) ]:

أبلغ ربيعة في مرو و إخوتها # فليغضبوا[ (3) ]قبل أن لا ينفع الغضب

و لينصبوا الحرب إن القوم قد نصبت # حربا يحرّق من حافاتها الحطب‏[ (4) ]

ما بالكم تلحقون الحرب بينكم # كأن أهل الحجى عن فعلكم غيب‏

[ (1) ]بالأصل «الجور كان» و قد مرّ أن يحيى بن زيد قتل في إحدى قرى الجوزجان و صلبت جثته.

[ (2) ]الأبيات في العقد الفريد 4/440 و الأخبار الطوال ص 361 و ابن الأثير 3/461 باختلاف المصادر و الأصل في بعض الألفاظ.

[ (3) ]عن العقد الفريد، و بالأصل «بل يغضبوا» .

[ (4) ]عن العقد الفريد، و بالأصل «حطب» . ـ

320

و تتركون عدوّا قد أظلكم # [ممن-][ (1) ]تأشّب لا دين و لا حسب

ليسوا إلى غيره منا فنعرفهم # و لا صميم الموالي إذ هم نسبوا

قوما يدينون دينا ما سمعت به # عن الرسول و لم تنزل به الكتب

فمن يكن سائلا[ (2) ]عن أصل دينهم‏[ (3) ] # فإن دينهم أن تقتل العرب

و يقسّم الخمس من أموالكم أسرا # من العلوج و لا يبقى لكم نسب

و ينكح فيكم قسرا بناتكم # لو كان قومي أحرارا لقد غضبوا

قال: فلما نظر نصر بن سيار أنه ليس يجيبه أحد ممن يكتب إليه أحب أن يفرق بين الكرماني و بين أبي مسلم، فكتب إلى الكرماني: ويحك أبا علي!لا تغتر بأبي مسلم و أصحابه، فإنه ليس يريد هذا الأمر لك و لا لنفسه، إنما يريده لبني هاشم.

فإني خائف عليك منه، و لكن هلم حتى ندخل جميعا إلى مدينة مرو و نكتب بيننا كتابا بالصلح، و يحلف كل واحد منا لصاحبه أن تكون كلمتنا واحدة على أبي مسلم، قال: فوعد الكرماني أن يجيبه، ثم أقبل على أبي مسلم فقال: إن نصر بن سيار قد كتب لنا بكذا و كذا، فما ترى أن نخرج إليه و أسأله أن يخرج إليّ على أن يكتب بيني و بينه هذا الكتاب بين العسكرين، ثم أغتاله برجل من أصحابي فيحمل عليه و يقتله، فقال أبو مسلم: ما أرى لك رأيا غير هذا.

قال: فخرج الكرماني حتى وقف قريبا من نصر بن سيار و معه قريب من مائة، أوصى رجلا من أصحابه بما يريد من قتل نصر بن سيار، ثم بعث إليه رسوله أن اخرج إليّ حتى نكتب بيننا ذلك الكتاب الذي ذكرت في وسط العسكرين!قال:

فخرج ابن سيار في قريب من مائة فارس و قد أوصى رجلا من أصحابه يقال له الحارث بقتل الكرماني. قال: و دنا الفريقان بعضهم من بعض، و الكرماني يومئذ بلا درع، و عليه قباء أبيض و يسمى بلغة أهل خراسان خشلبود[ (4) ]. قال: فلما نظر نصر بن سيار إليه و هو في تلك الحالة التفت إلى الحارث‏[ (5) ]بن سريج و كلمه بالفارسية: هذا وقته، قال: فحمل الحارث بن سريج على الكرماني و طعنه طعنة في خاصرته جندله [ (1) ]عن الأخبار الطوال.

[ (2) ]عن العقد الفريد، و بالأصل «سائل» .

[ (3) ]عن العقد الفريد و ابن الأثير، و بالأصل «دينه» .

[ (4) ]كذا و في الطبري 7/370 قرطق خشكشونة.

[ (5) ]في الطبري 7/376 و ابن الأثير 3/459 «ابن الحارث بن سريج» .

321

قتيلا. قال: و كبر أصحاب نصر بن سيار و طمعوا في أبي مسلم بعد ذلك. قال: ثم أمر نصر بن سيار برأس الكرماني فأخذه و قوّره و حمله برمحه إلى مروان بن محمد، و كتب إليه نصر بن سيار بالخبر على جبهته، و في آخر الكتاب: هذه الأبيات‏[ (1) ]:

لعمري لئن كانت نزار تتابعت # عليّ بغدر حين خابت حدودها

لقد غمزوا مني قناة صليبة # أبى على من شانها الضيم عودها

و قدّت ذوي الأحساب منهم من أقدمي # و ذا الدجل حتى عاد حربا يبيدها

و أصلحت من ساداتها كل فاسد # و أسرعت في خير الذي لا يسودها

و كنت لها كهفا منيعا و جنة # ليأوي إليها كهلها و وليدها

فمالوا على السوءات ثم تمردوا # و هل يفعل السوءات إلا مريدها

فللترك‏[قد]أوفى نزار بعدها # و لا يأمنن الغدر يوما عميدها

أحاشوا نزار الشام إن نزارها # أبوه أباي و هني‏ءٌ[ (2) ]عميدها

خليفتنا الساعي لنا ببراتنا # فطالبت‏[ (3) ]أوتار العدى و ميدها

أ مروان إني قد منيت بمعشر # خوارج سوء ما يلين شديدها

أجاهدهم في اللّه حقّا لأنني # أؤمل دارا لا يبيد خلودها

و كم كم أجاشوا من جنود و أوقدوا # أشانيب نيران سريع خمودها

فأوردت خوفا بتّها الموت عنوة # كذاك منايا الناس يدنو بعيدها

قال: فلما كان بعد قتل الكرماني زحف نصر بن سيار إلى أصحاب أبي مسلم، و نادى أبو مسلم في أصحابه، و دنا الفريقان بعضهم من بعض و اقتتلوا ساعة، و هوى عليّ بن الكرماني إلى تميم بن نصر بن سيار و هو يقاتل أشد قتال، فحمل عليه و هو يقول: أنا ابن الكرماني!ثم طعنه طعنة أصابه، ثم نادى بأعلى صوته: يا ابن سيار!كيف ترى أخذ الثأر!قال: و أسرع القتل في أصحاب نصر بن سيار، و انصرف الفريقان بعضهم عن بعض بقية يومهم ذلك، فأنشأ نصر بن سيار يرثي ولده يقول أبياتا مطلعها[ (4) ]:

نفى عني العزاء و كنت جلدا # لإجلاء الفوارس عن تميم‏

إلى آخرها.

[ (1) ]الأبيات في الأخبار الطوال ص 363 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (2) ]بالأصل «مني» و ما أثبت عن المطبوعة.

[ (3) ]بالأصل «فطالت» و ما أثبت عن المطبوعة لاستقامة الوزن.

[ (4) ]الأبيات في الأخبار الطوال ص 355.

322

قال: و باكر القوم الحرب فاقتتلوا قتالاً شديدا، و أثخن نصر بن سيار جراحا، و قتل من أصحابه جماعة، و انهزم من بين يدي أبي مسلم هزيمة قبيحة و لم يقم له قائمة. قال:

فأنشأ رجل من أصحاب أبي مسلم يقول أبياتا مطلعها:

لسنا نبالي لدى الهيجاء من أحد # مما نطالب عن عجم و لا عرب‏

إلى آخرها.

قال: و جعل أمر أبي مسلم يعلو يوما بعد يوم حتى خافه الناس من جميع النواحي بكور خراسان، و كان إذا ذكر إنما يقال «قال الأمير كذا و كذا» . و كان يخطب له فيقال: اللهم أصلح الأمير أمير آل محمد.

قال: و كان أهل بلاد خراسان على فرقتين، فكور منها يدعون‏[ (1) ]لمروان، و كور منها يدعون لأبي مسلم أنه الأمير أمير آل محمد. قال: و تفاقم الأمر بين أبي مسلم و نصر بن سيار جدا، و كانوا إذا دنوا للقتال يتشاتمون و يذم بعضهم بعضا، و كان نصر بن سيار ينشد و يقول في ذلك أبياتا مطلعها:

درجت دينا و أهلا أنت تاركهم # ما الخير دينا و أهلا لا يذمونا

إلى آخرها.

قال: و دامت الحرب بين أبي مسلم و بين نصر بن سيار، و مال أهل خراسان إلى أبي مسلم فأعطوه طاعتهم و حملوا إليه أموالهم. قال: و نظر نصر بن سيار أنه لا طاقة له بأبي مسلم فكف عن الحرب أياما، فلم يحارب و دخل مدينة مرو و جلس في منزله و سلم الأمر. قال: و دعا أبو مسلم بأربعة نفر من أصحابه منهم عامر بن إسماعيل الجرجاني و أخوه عمرو و سليمان بن كثير و لاهز بن قريظ[ (2) ]، قال: سيروا إلى أرض نصر بن سيار فأقرئوه مني السلام و قولوا إن الأمير يقول لك أن قد جاءنا كتاب من عند الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس و إنا نحب أن نعرضه عليك فصر إلينا آمنا مطمئنا!قال: فأقبل القوم فاستأذنوا على نصر بن سيار فأذن لهم، فدخلوا و سلموا و بلغوا رسالة أبي مسلم. قال: و جعل لا هز بن قريظ يقول: يََا مُوسى‏ََ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [ (3) ]فعرف نصر بن سيار أن أبا مسلم‏[ (4) ] [ (1) ]في الأصل «بدعوى» .

[ (2) ]انظر الطبري 7/384 و ابن الأثير 3/469 و الإمامة و السياسة 2/159.

[ (3) ]سورة القصص الآية 20.

[ (4) ]بالأصل «أبا موسى» .

323

يدعوه ليقتله، فقال: نعم و كرامة و نعما عيني أجيبكم إلى ما أحببتم و لكن أمهلوني الساعة حتى أنظر حاجة و أخرج إليكم، فجلس القوم و دخل نصر بن سيار بستانا له.

و ذاك في جوف الليل و كانت ليلة مظلمة. ثم دعا بصاحب دوابه فقال: ائتيني ببرذوني الفلاني، فأتاه فركب في ثلاثين غلاما[ (1) ]و ترك ماله قليله و كثيره و خرج من باب البستان هاربا على وجهه إلى ناحية نيسابور. قال: و أبطأ عن الرسل فعلموا أنه قد هرب، فرجعوا إلى أبي مسلم فخبروه بذلك، فقال أبو مسلم: ذروه الآن يمضي حيث يشاء، و لكن ما الذي استراب منكم؟فقالوا: و اللّه ما لنا بذلك من علم و لكن تكلم هذا فقال يََموسى إن الملأ يأتمرون بك و لم يتم الآية!فقال: هذا الذي دعاه إلى الهرب، قال: ثم قدم أبو مسلم لاهز بن قريظ فضرب عنقه. ثم أقبل إلى دار نصر بن سيار فانتهبها و أمر بإحراقها[ (2) ]، ثم استولى على جميع بلاد خراسان، و وجه عماله إلى جميع البلاد، فاحتوى عليها و جبى جميع خراجها.

و مضى نصر بن سيار إلى نيسابور في غلمانه و أولاده و جميع من معه من بني تميم فمضى إلى الري، ثم خرج منها يريد العراق حتى إذا صار على تسعة فراسخ من الري بموضع يقال له فسطانة[ (3) ]توفي هنالك فدفن بها، و أنشأ رجل من بني تميم يقول أبياتا مطلعها:

ألا من لنفس غاب عنها عزاؤها # و دمع لعين ما يجف بكاؤها

إلى آخرها.

قال: و بلغ أبا مسلم أن نصر بن سيار قد هلك، فدعا بقحطبة بن شبيب فضم إليه جيشا يزيدون عن عشرين ألف فارس و أمره أن يتقدم إلى جرجان فيأخذها و يتقدم منها إلى غيرها!قال: فسار قحطبة إلى نيسابور فجبى خراجها و فرقه على أصحابه، [ (1) ]في ابن الأثير: و معه ابنه تميم و الحكم بن نميلة النميري و امرأته المرزبانة، و انظر الطبري 7/384 و الإمامة و السياسة 2/160.

[ (2) ]انظر الطبري 7/384.

[ (3) ]كذا، و في مروج الذهب 3/294 نزل ساوة من بلاد همذان و الري، فمات بها كمدا. و انظر الطبري 7/403 و ابن الأثير 3/479 و كانت وفاته سنة 131 هـ. لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول و كان عمره 85 سنة.

قال ابن الأثير: و قيل مات في المفازة التي بين الري و همذان.

324

و سار منها حتى وافى جرجان، و بها يومئذ رجل من قبل بني هبيرة[ (1) ]يقال له نباتة بن حنظلة الكلابي‏[ (2) ]في جمع عظيم من أهل الشام و العراق، و قد خندق على نفسه خندقا يتحصن به من قحطبة بن شبيب و أصحابه. قال: و دنا إليهم قحطبة بن شبيب و أصحابه. قال: فجعل على ميمنته خالد بن برمك، و على ميسرته أسد بن عبد اللّه الخزاعي، و على الجناح موسى بن كعب العقيلي. ثم أقبل قحطبة على أصحابه فقال: أيها الناس!أ تدرون من تقاتلون!إنما تقاتلون قوما حرقوا[ (3) ]كتاب اللّه و بدلوا دينه و تولوا عن أمره، و إن هذه البلاد كانت لآبائهم‏[ (4) ]الأولين و كانوا ينصرون على عدوهم بالعدل و الإحسان، ثم بدلوا و غيروا و ظلموا فسخط اللّه عليهم و انتزع سلطانهم و سلط[ (5) ]عليهم أذل أمة كانت من الأرض، ثم بدلوا فغلبوهم على بلادهم و استنكحوا نساءهم و استرقوا أولادهم و قتلوا آباءهم، فلم يزالوا على ذلك من حالهم إلى وقتهم هذا، فرفع اللّه رأسكم و أعلى أمركم، ثم جاء بكم إليهم و سلطكم عليهم و ينتقم منهم بكم، ألا!و قد عهد إليّ الأمير أمير آل محمد صلّى اللّه عليه و سلّم بأنكم تلقونهم فيهربون و تقتلونهم بإذن اللّه-و اللّه مع الصابرين-[ (6) ].

قال: و دنا قحطبة بن شبيب و أصحابه من سادات أهل خراسان إلى نباتة بن حنظلة صاحب جرجان، و ذلك يوم الجمعة أول يوم من ذي الحجة[ (7) ]، فالتقوا فاقتتلوا يومهم ذلك من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فقتل جماعة من أهل خراسان، ثم وقعت الهزيمة على أصحاب جرجان، فقتل نباتة بن حنظلة[و ابنه‏][ (8) ] و قتل معهما نيف عن عشرة آلاف رجل من أهل الشام، و هرب الباقون و بدد شملهم، و أمر قحطبة برأس نباتة بن حنظلة و رأس ابنه‏[ (9) ]أن يحملا إلى أبي مسلم، [ (1) ]كان نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان.

[ (2) ]في تاريخ خليفة: أحد بني أبي بكر بن كلاب.

[ (3) ]في ابن الأثير 3/473 حرقوا بيت اللّه تعالى.

[ (4) ]في ابن الأثير: لآبائكم.

[ (5) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «سخط» .

[ (6) ]انظر خطبته في الطبري 7/391-392 و ابن الأثير 3/474.

[ (7) ]في سنة 130 هـ كما في الطبري و ابن الأثير.

[ (8) ]زيادة عن ابن الأثير.

[ (9) ]و اسمه «حبَّة» قاله خليفة، و في ابن الأثير: «حيّة» .

325

و كتب إليه بالفتح. ثم إنه دخل مدينة جرجان، فقتل من أهلها جماعة[ (1) ]ممن كان يرى برأي بني أمية، ثم جبى خراجها جميعه فأعطى أصحابه بعض ذلك، و وجه باقي الأموال إلى أبي مسلم، ثم نقلوا منها إلى الدامغان و إلى سمنان‏[ (2) ]فلم يمنعه مانع، فجبى خراجها و وجه به إلى أبي مسلم.

ثم سار إلى الري فنزلها فلم يحاربه أحد من أهلها، و كتب إليه يستأذنه في التقدم إلى غيرها. قال: فكتب إليه أبو مسلم يستأمره بالمسير إلى أصبهان. قال:

فرحل قحطبة من الري في جيشه ذلك يريد أصبهان، ثم سار إلى قاشان، و بلغ ذلك عامر بن ضبارة، فخرج في مائة ألف‏[ (3) ]أو يزيدون. قال: و دنا قحطبة بمصحف كان معه و أمر به، فعلق في رأس رمح طويل، ثم نادى مناديه: يا أهل الشام!ندعوكم إلى ما في هذا المصحف من تفضيل محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تفضيل بني هاشم!قال: و كان أصحاب عامر بن ضبارة يشتمون قحطبة و يشتمون أبا مسلم و ولد العباس، فقال قحطبة لأصحابه: احملوا عليهم و قولوا «لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» قال: فحمل الفريقان بعضهم على بعض، و اقتتلوا ساعة من النهار، فقتل من أصحاب قحطبة نفر يسير، و قتل عامر بن ضبارة صاحب أصبهان. و قتل من حضر من أهل الشام و غيرهم خلق كثير لا يحصون كثرة. و بعث قحطبة برأس عامر بن ضبارة إلى أبي مسلم و كتب إليه بالفتح، ثم إنه دخل مدينة أصبهان، فقتل منها من قتل، و جبى خراجها و وجه به إلى أبي مسلم.

ثم سار منها إلى نهاوند و بها يومئذ مالك بن أدهم بن محرز الباهلي و الحكم بن ثابت بن مسعر الخثعمي‏[ (4) ]. و بها أيضا أولاد نصر بن سيار في جماعة من أصحاب أبيهم. قال: فنزل قحطبة و أصحابه على نهاوند، فحاصروا القوم حصارا شديدا و ضيّق عليهم غاية الضيق و وضع عليهم المناجيق، فجعل يرميهم ليلا و نهارا. و هو مع ذلك يدعوهم إلى طاعة أبي مسلم و هم لا يجيبون إلى ذلك. قال: فبينما القوم في محاربة أهل نهاوند إذ أرسل مالك بن أدهم الباهلي يسأله أن يعطي له و لأصحابه [ (1) ]قتل ما يزيد على ثلاثين ألفا قاله ابن الأثير.

[ (2) ]سمنان بلدة بين الري و الدامغان.

[ (3) ]في ابن الأثير: و قيل خمسين و مائة ألف.

[ (4) ]الطبري: الحنفي.

326

الأمان و لجماعته من أهل الشام، فلما خرج مالك بن أدهم‏[ (1) ]إليه و خرج أيضا جماعة من أصحاب نصر بن سيار، قال: و علم بهم قحطبة و بقدومهم، و كانوا يزيدون على أربعين رجلا و فيهم أولاد نصر بن سيار فغدر بهم فضرب أعناقهم و وجه برؤوسهم إلى أبي مسلم و كتب إليه بالفتح. ثم دخل نهاوند و جبى خراجها و وجه به إلى أبي مسلم.

ثم سار منها إلى حلوان و بها يومئذ عبد اللّه بن العلاء الكندي‏[ (2) ]من قبل ابن هبيرة فخبر بخبر قحطبة، فلما أحس بخيل قحطبة أنها وافته خرج من حلوان هاربا إلى أن صار إلى يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة فأعلمه بذلك. قال: و وصل قحطبة إلى مدينة حلوان فجبى خراجها فقوى به أصحابه.

و عزم على المسير إلى العراق ثم ادعى برجل من أصحابه يقال له عبد الملك بن يزيد و يكنى أبا عون، فضم إليه أربعة آلاف رجل و أمره بالسير إلى شهر زور، و بها يومئذ رجل من قبل يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة يقال له عثمان بن سفيان في خمسة آلاف فارس من أهل الشام و أهل العراق، فلما بلغه مسير أبي عون إليه خرج و تلقاه على فرسخين من شهر زور فاقتتلوا هنالك، فقتل عثمان بن سفيان‏[ (4) ] و قتل جماعة من أصحابه و انهزم الباقون على وجوههم مشردين في البلاد. قال:

و بعث أبو عون ابن سفيان‏[ (5) ]إلى قحطبة بن شبيب و دخل إلى شهر زور.

قال: و بلغ ذلك إلى يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة فرحل من واسط إلى العراق في خلق عظيم حتى صار إلى جلولاء فنزلها، ثم إنه خندق على نفسه خندقا[ (6) ] و جمع إليه أصحابه. و بلغ ذلك قحطبة بن شبيب فرحل من حلوان فنزل خانقين.

و رحل يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة راجعا إلى ورائه حتى نزل بموضع يقال له [ (1) ]الأصل «قحطبة» خطأ.

[ (2) ]في تاريخ خليفة: «عبيد اللّه بن العباس الليثي» .

[ (3) ]سقطت من الأصل.

[ (4) ]الأصل و الطبري و ابن الأثير، و في تاريخ اليعقوبي 2/343 عثمان بن زياد.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: قتل عثمان بن سفيان، و قيل لم يقتل و لكنه هرب إلى عبد اللّه بن مروان بن محمد.

[ (6) ]و هو الخندق الذي احتفره العجم أيام وقعة جلولاء.

327

الدسكرة[ (1) ]. و بلغ ذلك قحطبة فقال لبعض أصحابه: ذر ابن هبيرة ينزل أين شاء و يرحل إلى حيث يشاء فلسنا نريده، و إنا نريد لصاحبه مروان بن محمد بن مروان إلى أن تعرّض لحربنا فلا نجد بدا من دفعه عنا. قال: ثم أقبل قحطبة على أصحابه و قال: اطلبوا دليلا يدلنا على أرض العراق و طريق الكوفة و يأخذ بنا على غير الجادة، قال: فوثب رجل من همذان يقال له خلف بن مورع فقال: أيها الأمير! أعرف الطريق أنا من ههنا إلى الكوفة إلى براعن‏[ (2) ]يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة فلا تراه و لا يراك، فقال: إذا سر بين أيدينا فإذا سلم اللّه فلك عندي عشرة آلاف درهم.

قال: فسار الهمذاني بين يدي قحطبة حتى عبر لهم نهرا يقال له تامرا[ (4) ]، ثم سار في طريق قاصد حتى صار بهم إلى مدينة يقال لها عكبرا[ (5) ]على شاطئ الفرات و هي الدجلة، ثم عبر بهم من الدجلة إلى موضع يقال له أوانا[ (6) ].

قال: فنزل قحطبة أوانا[ (6) ]، و اتصل الخبر إلى يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة فقال لأصحابه: ما تقولون الآن في أمر قحطبة؟فقالوا: أيها الأمير!إن قحطبة يريد الكوفة فذره و انزل إلى خراسان فخذها، فقال ابن هبيرة[ (7) ]: أسير إلى خراسان و فيها أبو مسلم الخراساني في مائة ألف عنان، لا، و لكني أبادر إلى قحطبة و أسبقه إلى الكوفة. و سار يزيد إلى الكوفة فاقتربت العساكر بعضها من بعض، و أقبل قحطبة حتى نزل على شاطئ الفرات و أمر أصحابه بالنزول إلى الجانب الآخر و ذلك وقت المساء، فجعل القوم يعبرون و وافتهم العساكر مع يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة و قد عبر عامة الناس، فتناوش القوم و أقبلوا على شاطئ الفرات، و اختلط الظلام و ذهب قحطبة ليحمل على جماعة من بني يزيد، فانهار الجرف من تحت قوائم الفرس فسقط به في الفرات فغرق و لم يعلم به أحد من أصحابه، غير أنهم كانوا يقاتلون أشد القتال حتى أصبحوا، فانهزم أصحاب يزيد بن‏[عمر بن‏][ (3) ]هبيرة هزيمة قبيحة و قد [ (1) ]عن الطبري، و بالأصل «الدسكر» .

[ (2) ]كذا بالأصل.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

[ (4) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «نامرا» .

[ (5) ]عن ابن الأثير، و بالأصل «عكبر» .

[ (6) ]عن الطبري، و بالأصل «بوانا» .

[ (7) ]بالأصل: أبو هبيرة.

328

قتل منهم خلق كثير.

قال: و افتقد أهل خراسان قحطبة فلم يروا له خبرا، فبينما هم كذلك إذ نظروا إلى فرسه على شاطئ الفرات و جميع ما عليه مبلول، فعلموا أنه قد غرق في جوف الليل‏[ (1) ]. قال: فأقبل الناس على الحسن بن قحطبة فبايعوه. قال: فجمع الحسن الناس و سار بهم إلى الكوفة. قال: و بلغ ذلك إلى يزيد بن‏[عمر بن‏][ (2) ]هبيرة فتنحى عن سواد الكوفة راجعا إلى وسط العراق فنزل بها أيضا، و في الكوفة رجل من قبله يقال له عبد الرحمن بن بشير العجلي، فخرج عن الكوفة إلى أن لحق بصحابه.

و سار ابن قحطبة حتى دخل الكوفة في نيف و ثلاثين ألفا من أهل خراسان و من اتبعه من أهل العراق و أقبل إليه أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال و كان يعرف بالوزير وزير آل محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فلما رآه الحسن بن قحطبة قام إليه و قبل يده و تنحى عن مجلسه حتى أجلسه، ثم قال: أيها الوزير إن الأمير أبا مسلم قد أمرنا بطاعتك فما تأمرنا؟ قال: فوثب أبو سلمة من وقته و ركب معه الحسن بن قحطبة، و نودي في الناس فاجتمعوا إلى المسجد الأعظم و لم يبق هاشمي و لا غير ذلك من أشراف أهل الكوفة إلا و قد اجتمعوا و هم لا يدرون لأي شي‏ء يجتمعون.

ذكر البيعة و عقد الخلافة لولد العباس ابن عبد المطلب السفاح‏

قال: و بالكوفة يومئذ جماعة من العلوية، قوم يظنون أن البيعة تكون لولد أبي طالب، و قوم يظنون أن البيعة تكون لولد العباس. قال: فاجتمع الناس و تكاملوا في المسجد، و أقبل أبو سلمة حفص بن سليمان حتى صعد على المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه و خطب الناس، ثم قال: أيها الناس!انظروا غدا و لا يبقى أحد ممن يلبس السلاح و يركب الخيل إلا و يلبس السواد و يوافي هذا المسجد حتى تعقد البيعة لأهلها-و السلام-. قال: فعندها أيس الناس من آل أبي طالب من البيعة، و انصرف الناس إلى منازلهم فجعلوا يصبغون الأقبية و العمائم و الأعلام، فما أقبل الصباح إلا و أهل الكوفة كلهم لابسون السواد، ثم صاروا إلى المسجد الأعظم، [ (1) ]في ابن الأثير 3/485 وجدوه في جدول و حرب بن سالم (في الطبري: سلم) بن أحوز قتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه.

[ (2) ]سقطت من الأصل.

329

فركب بعضهم بعضا، و ضربت الطبول، و خفقت الرايات، و نفخت البوقات، و ارتفع التكبير، أقبل أبو سلمة حفص بن سليمان حتى دخل المسجد و عليه سواد، ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر محمدا فصلى عليه و على آله الطيبين الطاهرين، ثم قال: أيها الناس!هل أنتم راضون بما أصنع؟فقالوا: رضينا بأمرك، افعل ما بدا لك، فقال: إن الأمير أمير آل محمد أبا مسلم الخراساني عبد الرحمن بن مسلم كتب إليّ و أمرني أن أقيم للناس خليفة هاشميا، لتستريح هذا الخلق من جور بني أمية العاتين الظالمين الفسقة الذين قتلوا ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ألا!و إنا قد نظرنا في أخيار بني هاشم و ذوائبها فما رأينا فيها أحدا هو أجل و لا أعبد من علي بن عبد اللّه بن عباس و ابنه محمد، و كل بني العباس خيرون فاضلون، و قد ارتضيت لكم عبد اللّه بن‏[محمد بن‏][ (1) ]علي بن عبد اللّه بن عباس، و هو الزكي في حسبه، التقي في نسبه، العدل في سيرته، فهل رضيتم به؟قال: فضج الناس من كل جانب: نعم رضينا.

ثم نزل أبو سلمة عن المنبر و أرسل إلى عبد اللّه بن محمد فدعاه، فأقبل عبد اللّه بن محمد على بغلة له دهماء[ (2) ]و هو معتم بعمامة سوداء و عليه ثياب سود حتى دخل المسجد، و ذلك في يوم الجمعة، و قد أذن المؤذن، فصعد أبو العباس عبد اللّه بن محمد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم خطب خطبة بليغة[ (3) ]شوق فيها إلى الجنة و حذر فيها من النار، و ذكر ما وعد اللّه عباده المتقين و ما أعد اللّه للظالمين، ثم قال: أيها الناس!بايعوا و لا تختلفوا، فإنكم لم تبايعوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و الأئمة الأخيار بعده أهدى من هذه البيعة، لأنكم كنتم مقهورين مظلومين، و كنا معكم على مقت مغلوبين مغصوبين، فأقام اللّه لنا شيعتنا من أهل خراسان، فعرفوا لنا أقدارنا و طلبوا لنا بثأرنا، فالحمد للّه رب العالمين و السلام.

قال: ثم نزل فصلى بالناس صلاة الجمعة، فلما فرغ من صلاته جلس قريبا من السرير ثم بسط يديه، فازدحموا عليه بالبيعة حتى كسروا درابزين المقصور.

[ (1) ]سقطت من الأصل، و ما أثبت عن ابن الأثير.

[ (2) ]في ابن الأثير 3/490 «برذونا أبلق» و في تاريخ خليفة: «أشهب» .

[ (3) ]انظر خطيته في الطبري 7/425 ابن الأثير 3/490. ـ

330

قال: فكانت بيعته لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة-و اللّه أعلم-. فهو أول من ملك من ولد العباس، و هو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن‏[عبد]المطلب بن هاشم، و أمه امرأة من العرب من بني الحارث بن كعب و اسمها ريطة بنت عبيد اللّه‏[ (1) ]بن عبد اللّه بن عبد المدان‏[ (2) ]ابن الديان بن قطن بن زياد[ (2) ]بن الحارث بن كعب.

قال: و كان مروان بن محمد يومئذ مقيما بأرض حران. فلما بلغه أن الناس قد بايعوا ولد العباس أخذ إبراهيم بن محمد أخا العباس فقتله، و عزم على محاربة بني هاشم و ولد العباس.

ذكر حديث مروان و ما كان منه بعد بيعة بني العباس للناس‏

قال: ثم دعا مروان بإسماعيل بن عبد اللّه القسري فقال: ويحك يا أبا هاشم! أبو مسلم بخراسان قد تغلب عليها و على سائر الجبال، و هذا عبد اللّه‏[ (3) ]بن محمد بالعراق و قد بايعه الناس، و أنت المدين به في الأرض، فهات ما عندك، فقال له إسماعيل بن عبد اللّه: يا أمير المؤمنين!خبرني على ما ذا عزمت حتى أشير عليك، فقال مروان: أزمعت و اللّه على أن أسير بعيالي و أهلي و خدمي و أموالي و من يتبعني من الناس ثم إني أقطع الدرب و أصير إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها، و أكاتب ملك الروم لعله ينصرني على عدوي!فقال إسماعيل بن عبد اللّه: أعيذك باللّه‏[ (4) ]يا أمير المؤمنين من هذا الرأي أن تحكم أهل الشرك من بناتك و حريمك!و هي الروم الذي لا وفاء لها و لا ذمام، و لا تدري ما تأتي به الأيام، فإن حدث بك حادث بأرض الروم ضاع من بعدك حريمك و ولدك و مالك، و لكن أشير عليك أن تقطع الفرات و تصير إلى الشام، فإنهم إذا نظروا إليك لم يعدلوا إليه و لم يعدلوا بك أحدا، فتكون الشام [ (1) ]عن العقد الفريد، و بالأصل «الحارث» .

[ (2) ]عن العقد الفريد و بالأصل «عمرو» .

[ (3) ]بالأصل «عبيد اللّه» خطأ.

[ (4) ]عن الأخبار الطوال ص 365 و بالأصل: ما عندك باللّه. و انظر مروج الذهب 3/301-302 و الإمامة و السياسة 2/160.

331

لك و مصر، و إنه بقية من خلفك‏[ (1) ]. فإن رأيت ما تحب منها فنعمة، و إن تكن الأخرى فتمضي إلى إفريقية فهي أصلح لك من بلاد الروم. فقال مروان: صدقت يا أبا هاشم!هذا هو الرأي، غير أني قد عزمت على أمر، و هو أن أواقع القوم وقعة واحدة و أنظر كيف يكون أمري، فإن كان الذي أريده و إلا فالشام بين أيدينا.

ذكر مسير مروان بن محمد إلى محاربة ولد العباس رضي اللّه عنهم‏

قال: ثم تعبى مروان و خرج من حران في جيش غزير يريد الموصل، و جعل الناس يستنفرون الناس، فصاروا إلى مدينة الموصل و قد اجتمع إليه مائة ألف عنان.

قال: و بلغ ذلك أبا العباس فخطب الناس و خبرهم بمسير مروان إلى أرض الموصل، ثم قال: من ينتدب إليه منكم؟قال: فتكلم عم أبي العباس عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس فقال: أنا له يا أمير المؤمنين!فقال أبو العباس: أنت له فسر على بركة اللّه و عونه. قال: فجمع عبد اللّه بن علي أصحابه فعرضهم و أعطاهم الأرزاق، ثم خرج من الكوفة في عشرين ألفا أو يزيدون حتى نزل مدينة يقال لها الحديثة و هي على سبعة فراسخ من الموصل. قال: و سار إليه أبو[ (2) ]عون عبد الملك ابن يزيد من شهر زور في أربعة آلاف، فصار عبد اللّه بن علي في أربعة و عشرين ألفا و يزيدون.

فبلغ ذلك مروان بن محمد فصار من مدينة الموصل في مائة ألف عنان حتى نزل على شاطئ نهر يقال له الزاب‏[ (3) ]حذاء عسكر عبد اللّه بن علي. قال: ثم أمر مروان فعقد له جسرا على الزاب ثم نادى في أصحابه فركبوا، و ركب مروان فرسه الأشقر الذي كان يذكره الناس فيقولون: أشقر مروان، و كان فرسا عربيا عتيقا لم ير في ذلك الدهر مثله. قال: فركبه مروان حتى وقف على الجسر فنظر إليه مليا ثم قفع فرسه و عبر إلى عسكر عبد اللّه بن علي، و عبر إليه أصحابه، و عبر عبد اللّه بن علي و أصحابه إليهم، ثم إنه عبى أصحابه ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحا. و تقدم حتى وقف في القلب. و مالت الخيلان بعضها على بعض فاقتتلوا من ضحوة النهار إلى أن جاء وقت الظهر، فكانت الدائرة على أصحاب عبد اللّه بن علي و قتل منهم جماعة، فرفع [ (1) ]في مروج الذهب و الإمامة و السياسة: الشام أمامك و إفريقيا خلفك.

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «ابن» .

[ (3) ]الزاب نهر بالموصل، و الزاب أيضا عدة مواضع.

332

عبد اللّه رأسه إلى السماء فقال: إلهي و سيدي و مولاي!إلى كم نقتل فيك و في طاعتك!إلهي و سيدي و مولاي!أنت تعلم أن هؤلاء القوم الذين نقاتلهم هم الذين قتلوا أهل بيت نبيك محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و شردوهم في البلاد، اللهم!فانصرنا عليهم يا ذا الجلال و الإكرام. قال: و اشتبك الحرب بينهم، فصارت الدائرة على أصحاب مروان فقتل منهم بشر كثير و جعل بعضهم يقف خلف بعض، و صاح مروان: يا معشر السكاسك‏[ (1) ]و السكون احملوا!فقالوا: قل لبني عامر[ (2) ]أن يحملوا، فقال مروان: يا بني عامر[ (3) ]احملوا!فقالوا: قل لأسد و تميم أن يحملوا. قال: فأحس مروان بالخذلان فالتفت إلى صاحب علمه‏[ (4) ]فقال: قدم علمك!قال: لا أفعل، قال: لئن لم تفعل لأشوهن بك، قال: لئن قدرت فافعل. قال: ثم نكس علمه و قفع فرسه و صار إلى عبد اللّه بن علي، قال: و نظر أهل الشام إلى صاحب علمه قد استأمن فانكسروا لذلك، و وقع فيهم القتل و عزموا على الهزيمة. قال: و ثنى مروان رأس فرسه أيضا فظنوا أنه قد انهزم، فولى الناس و جعلوها هزيمة. قال: و جعل مروان يناديهم: و يحكم أنا أمير المؤمنين!أنا مروان بن محمد!فلم يعرج عليه أحد من الناس، فلما رأى ذلك انهزم. قال: و تبعه عبد اللّه بن علي هو و أصحابه، فجعل البعض يأخذهم من شاطئ الفرات إلى أرض الموصل. قال: و انقطع الجسر فغرق من أصحاب مروان خلق كثير، فجعل عبد اللّه بن علي يتلو هذه الآية وَ إِذْ فَرَقْنََا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْنََاكُمْ وَ أَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ (5) ]. قال: و جعل رجل من أصحاب عبد اللّه بن علي ينظر إلى هزيمة القوم و ما حل بهم من الانكسار يزدجر و يقول‏[ (6) ]:

لج الفرار بمروان فقلت له‏[ (7) ] # عاد الظلوم ظليما همه الهرب

أين الفرار و ترك الملك إن ذهبت # عنك الهوينا فلا دين و لا حسب‏

قال: و احتوى عبد اللّه بن علي على جميع ما كان في عسكر مروان و ضمه [ (1) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «السكابين» .

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل «عمران» .

[ (3) ]بالأصل «عمر» .

[ (4) ]في ابن الأثير: لصاحب شرطته.

[ (5) ]سورة البقرة الآية 50.

[ (6) ]هو من ولد سعيد بن العاص كما في الطبري 7/434 و ابن الأثير 3/495 و البيتان فيهما.

[ (7) ]عن المصدرين السابقين، و بالأصل «لهم» .

333

و قسمه بين أصحابه، ثم كتب إلى أمير المؤمنين أبي العباس يخبره بذلك و بالوقعة و هزيمة مروان بن محمد، فلما قرأ أبو العباس الكتاب جعل يتلو هذه الآية فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ قَتَلَ دََاوُدُ جََالُوتَ وَ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمََّا يَشََاءُ [ (1) ]، فقال له جلساؤه: قتل مروان يا أمير المؤمنين؟فقال: يقتل إن شاء اللّه، فإنه ليس بعد هزيمة الظالم إلا قتله، فأنشأ رجل من همذان في ذلك يقول أبياتا مطلعها:

تعسا أمية قد زلت بكم قدم # و أصبح الملك من أيديكم انتزعا

و ما لها من بني العباس مضطلع # بالحمل لو كلفوها غيره طلعا

خذها هنيئا أبا العباس أنت له # رود الشباب لها مستقبلا جدعا

خذها هنيئا مريئا أنت صاحبها # للدين طرا و للدنيا و ما جمعا

ميراث أحمد كانوا يلعبون به # يا ربّ مستحصد غير الذي زرعا

قال: و مرّ مروان منهزما لا يلوي على شي‏ء حتى صار إلى حرّان، فتحمل بحريمه و أولاده و حاشيته و أمواله و مرّ على وجهه هاربا حتى عبر الفرات و صار إلى قنسرين من أرض الشام، فخرجت عليه قبائل: بنو طي‏ء و تنوخ، فانتهبوا عامة أمواله، ثم صار إلى حمص ففعلوا به ذلك، ثم صار إلى دمشق و هي دار بني أمية، فخرج عليه أهلها فمنعوه دخولها فمر هاربا على وجهه حتى وصل إلى مصر و الخيل في طلبه. فصار إلى مدينة يقال له الفرما[ (2) ]فنزلها.

ذكر مسير عبد اللّه بن علي في طلب مروان ابن محمد بن مروان‏

قال: و سار عبد اللّه بن علي إلى أرض الموصل و أقام بها ثلاثة أيام، و وافاه أخواه‏[ (3) ]من العراق: صالح بن علي و عبد الصمد بن علي، و وردوا إليه في عشرة [ (1) ]سورة البقرة الآية 251.

[ (2) ]بالأصل «العزما» و ما أثبت عن معجم البلدان، و الفرما: مدينة على الساحل من ناحية مصر.

انظر في هزيمة مروان و هروبه إلى مصر الطبري 7/435 و ابن الأثير 3/499 و مروج الذهب 3/299.

[ (3) ]بالأصل «أخوه» و قد قدم عليه بأمر أبي العباس أخواه عبد الصمد بن علي و صالح بن علي مددا له، بعد أن كتب أبو العباس إلى عبد اللّه بن علي يأمره باتباع مروان.

334

آلاف‏[ (1) ]. قال: فعندها دعا عبد اللّه بن علي رجلا من أصحابه يقال له محمد بن صول فولاه الموصل و ديار ربيعة. ثم سار إلى حران فنزل‏[ (2) ]الدار التي قتل فيها إبراهيم بن محمد الإمام، ثم سار إلى منبج، ثم رحل إلى مدينة حلب، فكان لا يدخل مدينة إلا استقبله أهلها و قد تسوّدوا و برقعوا الأعلام السود، فلم يزل كذلك حتى صار إلى مدينة دمشق و فيها يومئذ الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم‏[ (3) ]، فنزل عبد اللّه على باب يقال له الشرقي، و نزل صالح بن علي على باب الجابية، و عبد الصمد على باب الفراديس، و حميد بن قحطبة على باب توما، و أحدقت العساكر بمدينة دمشق، و وثب بعضهم على بعض فجعلوا يقتلون من جوف المدينة عصبة لبني العباس و عصبة لبني أمية، فكانت الغالبة سيوف بني العباس، فوثبوا على عامل دمشق الوليد بن معاوية بن مروان‏[ (4) ]فقتلوه، و فتحت الأبواب كلها، فدخل عبد اللّه بن عليّ‏[ (5) ]فسكن الناس و أمّنهم، و أقام بدمشق أياما[ (6) ]. ثم رحل منها إلى فلسطين فنزلها، و وجه بأخيه صالح بن علي في طلب مروان بن محمد بن مروان.

ذكر مقتل مروان بن محمد

قال: فخرج صالح بن علي في عشرة آلاف عنان أو يزيدون يريدون مروان بن محمد بن مروان، و مروان يومئذ مقيم بمدينة الفرما[ (7) ]بأرض مصر. قال: فلما بلغه مسير صالح بن علي إليه ليقتله عمد إلى ما كان في البلاد من العلف و الطعام فأحرقه عن آخره، ثم خرج هاربا نحو بلاد مصر حتى جاز إلى الفسطاط، ثم رحل عنها، فكان لا يمر بشي‏ء من العلف إلا أحرقه، و صالح بن علي في طلبه حتى نزل بأرض يقال لها العيونة[ (8) ]ثم دعا بعامر بن إسماعيل الجرجاني‏[ (9) ]فضم إليه أربعة آلاف عنان [ (1) ]في ابن الأثير: قدم عبد الصمد في أربعة آلاف... و قدم صالح بن علي في ثمانية آلاف. (يعني في اثني عشر ألفا) .

[ (2) ]في ابن الأثير: فهدم الدار.

[ (3) ]عن ابن الأثير 3/498 و بالأصل عبد الملك بن مروان خطأ.

[ (4) ]بالأصل «عبد الملك» و ما أثبت عن ابن الأثير.

[ (5) ]كان دخوله دمشق يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة 132 كما في الطبري (في ابن الأثير لخمس مضين) .

[ (6) ]في ابن الأثير: خمسة عشر يوما.

[ (7) ]بالأصل «العزما» و قد مرّت قريبا.

[ (8) ]كذا، و في الطبري: «ذات الساحل» و في ابن الأثير: ذات السلاسل.

[ (9) ]في الطبري و ابن الأثير: «الحارثي» و في مروج الذهب: المذحجي.

335

و وجه به في طلب مروان بن محمد. قال: و مروان يومئذ بمدينة يقال لها عين شمس و هي مدينة فرعون، فجاء عامر بن إسماعيل حتى دخلت المدينة في جوف الليل و نظر فإذا غلام في يده برذونة يقودها، فقال: يا غلام!لمن هذه البرذونة؟فقال: لبعض غلمان أمير المؤمنين مروان، قال: و أين مروان؟قال: ها هو نازل في الكنيسة.

قال: فقصدت الخيل إلى باب الكنيسة، و علم بذلك مروان فوثب إلى درعه فأفرغه عليه و تناول سيفه و خرج إلى القوم و جعل يضاربهم. قال: و جعل عامر بن إسماعيل يقول لأصحابه بالفارسية: دهيد يا جوانكان!فبينما مروان كذلك إذ حمل عليه رجل من أصحاب عامر بن إسماعيل يقال له محمد بن شهاب المازني فطعنه في خاصرته طعنة جندله قتيلا[ (1) ]و أحدقت به الخيل، و نزل إليه غلام محمد بن شهاب فاحتز رأسه، ثم وضع السيف فيمن بقي من أصحابه، فما أفلت منهم إلا ما أخذ أسيرا.

قال: فأنشأ رجل من أهل الكوفة يقول أبياتا مطلعها:

نزع الخلافة من بني مروان # ربّ علا بالطول و الإحسان

ما زال مروان يقرّب خطوة # و يحرق الأرضين بالنيران

و يروغ منها في البلاد و لم يكن # قدر الإله يجلّ عن مروان

و لقد رماهم‏[ (2) ]صالح بفوارس # شم الأنوف معانقي الأقران

فاستخرجوه من الكنيسة صاغرا # و لعاوروه بذلة و هوان

و أتاه للحين المباح فوارسا # ألقوا الطعان بساحة الميدان

ساروا برأس الرجس مروان الذي # فتك الورى بالظلم و العدوان‏

قال: ثم احتوى عامر بن إسماعيل و أصحابه على دواب مروان و أمواله و سلاحه و قليله و كثيره، و ساروا برأسه إلى صالح بن علي حتى وضعوه بين يديه، فوجه صالح بالرأس إلى أخيه عبد اللّه بن علي‏[ (3) ]و هو مقيم بأرضه، فوجه به عبد اللّه بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس.

[ (1) ]و في الطبري اسمه «المغود» و في الأخبار الطوال ص 367 و مروج الذهب: قتله عامر بن إسماعيل.

و كان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 132 هـ.

[ (2) ]بالأصل «رماه» و ما أثبتناه «رماهم» لاستقامة الوزن.

[ (3) ]بالأصل «عباس» .

336

ذكر كتاب عبد اللّه بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس‏[عبد اللّه بن محمد بن علي‏][ (1) ] ابن عبد اللّه بن العباس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللّه أمير المؤمنين من‏[ (2) ]عبد اللّه بن علي، يسلم عليك، أما بعد، فأتبعنا عدو اللّه‏[ (3) ]الجعدي إلى مقر فرعون عدو اللّه، فقتله اللّه بمدينة شبيهه و هو فرعون ذو الأوتاد، فأراح اللّه منه العباد و البلاد، و قد فتح اللّه على أمير المؤمنين ببلاد الشام و بلاد مصر، فاسأل اللّه يا أمير المؤمنين أن يزيدك من فضله-و السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: و كان ملك مروان خمس سنين و شهرين، و قتل في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة ليلة الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، و هو يومئذ ابن اثنتين و ستين سنة[ (4) ]، و هو الأزرق الملقب بالجعدي‏[ (5) ].

قال المدائني: فبلغه: لما أتي برأس مروان بن محمد من الشام فوضع بين يدي أمير المؤمنين أبي العباس، فالتفت إلى جلسائه و قال: من منكم يعرف هذا الرأس؟قال: فتكلم فراس‏[ (6) ]بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي وجدته أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين!هذا رأس خليفتنا بالأمس، و كان و اللّه لنا نعم الخليفة!قال: فغضب أبو العباس من ذلك ثم قام من مجلسه و تفرق الناس، ثم بعث إليه دعاة و قال: ما حملك على ما تكلمت به؟فقال: يا أمير المؤمنين!إن مروان بن محمد كان بي بارا محسنا فلم أقدر على نصرته حقا لما قد [ (1) ]زيادة اقتضاها السياق. و في الطبري 7/441 أن صالح بن علي هو صاحب الكتاب إلى أبي العباس.

[ (2) ]بالأصل: ابن.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل «عبد اللّه بن» .

[ (4) ]انظر في مدة ولايته و مقدار عمره و يوم مقتله: مروج الذهب 3/282 العقد الفريد 4/469 الطبري 7/442 ابن الأثير 3/501 البداية و النهاية 10/47 البدء و التاريخ 6/55 المحبر ص 32 تاريخ الخلفاء لابن يزيد ص 36.

[ (5) ]لقب بالجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن و القدر و غير ذلك. و قيل لقب بالحمار: لثباته في الحرب (فوات الوفيات 4/128) .

[ (6) ]في مروج الذهب 3/312 أبو جعدة بن هبيرة المخزومي، و كان أحد وزراء مروان و سمّاره.

337

أخذه اللّه عليّ من ميثاقكم، و كرهت أن أخرج من الدنيا و لأحد علينا يد له لا أكافيه عليها بقول و لا فعل، و إنه و اللّه يا أمير المؤمنين أنت أبر بي و أكثر إليّ إحسانا منه فتجنب ذلك يكن شكري لك، فقال أمير المؤمنين: اجتنبت يا أبا هشام و مثلك فليصطفه الرجل. قال: ثم أمر له بثلاثين ألف دينار[ (1) ].

قال المدائني: لما نصب رأس مروان بالكوفة على رمح و اجتمع إليه الناس ينظرون إليه. و فيهم يومئذ حفص بن النعمان مولى عبد اللّه بن زياد، فجعل ينظر إليه و يترحم عليه و يقول فيه كل جميل، فرفع خبره إلى أبي العباس فدعا به ثم قال:

كيف قلت؟فقال: ما قلت إلا كل جميل، فقال رجل ممن حضر: يا أمير المؤمنين!كذب، ما قال جميلا و لكنه نظر إلى رأس مروان و جعل يترحم عليه و يستغفر له، فقال حفص بن النعمان: كذب يا أمير المؤمنين!إني نظرت إلى رأس مروان فأنشأت أقول:

عبرنا زمانا على دولة # تسام من الذل ألوانها

و كانت أمية في ملكها # تجور و تظهر طغيانها

فلما رأى اللّه أن قد طغت # و لم يطق اللّه عدوانها

رماها بسفاح آل الرسول # محمد يكفيه أعنانها

فأهلا ببيعة آل الرسول # و من كان نرقب إبانها

و رحمة ذي العرش تترى عليك # و لا رحم اللّه مروانها

فقال الناس: إنه لم يقل كذا يا أمير المؤمنين!و لكنه مدح بني أمية، فقال أبو العباس: اسكتوا فقد علمت ما قال، ثم قال: أنشدني ما قلت و أنت آمن!فقال:

نعم يا أمير المؤمنين!إن القوم كانوا إليّ محسنين فقلت هذه الأبيات شرح حالي:

إن المكارم من أمية و الألم # كانوا العيون لذي الشين اللزم

أضحى رهائن فقده صاروا بها # هاما لتحريق الرياح للنسم

صارت أكاليل الرماح رؤوسهم # و كم يقول مغرم.... [ (2) ]

لهفي عليهم سادة من بعدهم # أخنى الزمان على الفقير المعدم‏

فقال له أبو العباس: صدقت!هكذا قلت و لا تلام، ثم أمر له أبو العباس [ (1) ]الخبر في مروج الذهب باختلاف و زيادة 3/312-313.

[ (2) ]كذا بالأصل.

338

بجائزة سنية، فانصرف غانما.

قال أبو الحسن المدائني: و بلغني أن أبا عطاء السندي دخل على أمير المؤمنين أبي العباس، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

إن الخيار من البرية هاشم # و بنو أمية أرذل الأشرار

و بنو أمية عودهم من خروع # و لهاشم في المجد عود نضار

أما الدعاة إلى الجنان فهاشم # و بنو أمية من دعاة النار

قال: فلم يصله أبو العباس بشي‏ء و قال: هذا الشعر لغيره، فخرج من عنده و هو يقول:

يا ليت جور بني مروان عادلنا # و إن عدل أبي العباس في النار

قال: فبلغ ذلك لأبي العباس فضحك ثم قال: لا يلام، ردوه، فأمر له العباس بثلاثمائة دينار.

قال أبو الحسن المدائني: دخل جحد بن خرعب‏[ (1) ]على أمير المؤمنين أبي العباس فأنشده أبياتا مطلعها:

تبيت نساء بني أمية نوما # و باللطف قبلي ما ينام حميمها

إلى آخرها.

قال: فدمعت عينا أبي العباس فبكى و بكى من كان بحضرته من آل أبي طالب و سائر بني هاشم، ثم أمر بجحد بن جرعب بألف دينار.

و عقد لعمه داود بن علي على الحرمين و أمر بقتل من قدم عليه من بني أمية، فقتل منهم داود بن علي من قتل، ثم جعل يسأل عنهم فيقتلهم تحت كل حجر و مدر حتى سمع داود بن علي رجلا يلبي و هو يقول في تلبيته: لبيك اللهم لبيك يا مهلك بني أمية!قال: فدعاه داود بن علي فأعطاه ألف دينار.

ثم كتب أبو العباس إلى عمه عبد اللّه بن علي و هو بالشام كتابا يكرر فيه عليه أن لا يدع من بني أمية أحدا و يقدر عليه إلا قتله. قال: فجعل عبد اللّه بن علي و هو بالشام يقتلهم تحت كل حجر و مدر و يخبره بذلك، فكتب إليه أبو العباس أن تتبع قبورهم و تنبشها و تخرج ما فيها من العظام. فأول من نبش قبره معاوية بن أبي [ (1) ]كذا، و سيرد قريبا «جرعب» .

339

سفيان، فما أصابوا فيه إلا شبه خيط[ (1) ]، و ثانيه نبش قبر يزيد بن معاوية لعنه اللّه، فما أصابوا فيه إلا رميما، و كذلك قبر معاوية بن يزيد و مروان بن الحكم، و أما عبد الملك بن مروان فما أصابوا في قبره شيئا إلا جمجمته و أضلاعه، كذلك ابنه الوليد بن عبد الملك، أصابوا فقارات ظهره، و كذلك مسلمة بن عبد الملك بن مروان‏[ (2) ]، فما أصابوا إلا صلبه و بعض جمجمته، [و كذلك سليمان‏]بن عبد الملك، ما أصابوا إلا عظما واحدا. و كذلك ابن يزيد[ (3) ]و ابن الوليد[ (4) ] و الوليد بن مسلمة و سائر بني أمية، ما أصابوا في قبورهم إلا العظم، فجمع عبد اللّه عظامهم من كل موضع فأحرقها بالنار، إلا قبر عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه فإنه لم ينبش، ثم أنشأ عبد اللّه بن علي يقول‏[ (5) ]:

حسبت أمية أن سيرضى هاشم # عنها و يذهب زيدها و حسينها

كلا و رب محمد علم الهدى‏[ (6) ] # حتى تباح كنوزها و حزونها[ (7) ]

و يهد عرش بنائها عن قدره # و تقر من آل الرسول عيونها

و تذل كل خليلة لخليلها # بالمشرفي و يسترد ديونها

قال: فلم يزل عبد اللّه بن علي كذلك حتى فعل بهم الأفاعيل، فأنشأ شريف بن ميمونة[ (8) ]يقول أبياتا مطلعها:

يا أيها الباكي أمية طلّة # أرسل دموع العين طال بكاؤها

إلى آخرها.

قال أبو الحسن المدائني: أخبرني أبو العباس الفلسطيني و كان من غلبة أهل العلم في عصره قال: بعث عبد اللّه بن علي إلى أمير المؤمنين أبي العباس بمشايخ [ (1) ]في الأصل «خطيط» .

[ (2) ]بالأصل: يزيد بن عبد الملك بن هشام خطأ.

[ (3) ]هو الوليد بن يزيد.

[ (4) ]هو يزيد بن الوليد.

[ (5) ]الأبيات نسبت في العقد الفريد لسديف.

[ (6) ]العقد الفريد 4/484 و إلهه.

[ (7) ]في معجم البلدان 4/487.

حتى يباد كفورها و خؤونها

[ (8) ]كذا و لم نعثر عليه.

340

أهل الشام، فلما دخلوا إليه قال لهم أبو العباس: يا أهل الشام!ما حملكم على الخروج مع بني أمية على بني هاشم و هم أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هم أولى الناس بهذا الأمر من غيرهم؟قال: فحلف الشاميون باللّه الذي لا إله إلا هو أنهم ما علموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم له ذرية و لا أهل بيت غير بني أمية حتى وليتم أنتم هذا الأمر. قال:

فتبسم‏[أبو]العباس تعجبا من جهل أهل الشام و لم يؤاخذهم بشي‏ء من أمورهم، قال: فأنشأ إبراهيم بن المهاجر يقول:

أيها الناس اسمعوا أخبركم # عجبا زاد على كل العجب

عجبا من عبد شمس أنهم # فتحوا للناس أبواب الكذب

ورثوا أحمد فيما زعموا # دون عباس بن عبد المطلب

كذبوا و اللّه فيما ادعوا # يحرز الميراث إلا من قرب‏

341

ذكر أخبار سديف بن ميمون مولى السجاد علي ابن الحسين بن أبي طالب رضي اللّه عنهم و أشعاره الملاح بين يدي أمير المؤمنين‏

قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: و لما أكثر عبد اللََّه بن علي من قتل بني أمية بالشام، و أكثر داود بن علي من قتلهم بالحجاز، هرب من كان بالشام من بني أمية و الحجاز حتى صاروا إلى العراق، حتى اجتمعوا و وفدوا على أبي العباس و فيهم سليمان بن هشام بن عبد الملك و ولدان له، فلما دخلوا على أبي العباس وقفوا بين يديه فسلموا عليه، ثم مشوا إليه بالرحم و القرابة، و أعلموه طاعتهم له، و أنهم من أمم كان آباؤهم فعلوه من قبل. قال: فقبل أبو العباس منهم و قربهم و أدناهم، و كانوا يدخلون عليه و يسلمون و يخرجون. قال: فبلغ ذلك سديف بن ميمون و هو يومئذ بالشام عند عبد اللََّه بن علي، فقال لعبد اللََّه بن علي: أنا بري‏ء من أولاد السجاد علي بن الحسين إن لم أهيج عليه أضغانه و أبعث عليهم أحقاده في أبيات من الشعر أدخل عليه بها.

قال: ثم أقبل سديف من الشام حتى وصل إلى العراق و وقف بباب أبي العباس ثم استأذنه، فدخل أبو غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين!إن رجلا أناخ راحلته بالباب و قال: استأذن لي على أمير المؤمنين، فقلت: يا هذا!انزل ودع متاع سفرك و أودع راحلتك ثم عد إليّ حتى استأذن لك، فقال: و اللََّه لا سفرت عيني إلا بين يدي أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: فهل سألت عن اسمه؟فقال: قد سألت عن ذلك، فزعم أنه سديف بن ميمون، فتبسم أمير المؤمنين و قال: ائذن له حتى يدخل: فخرج الحاجب فأذن له، فدخل و إذا به رجل طويل و هو متكئ على محجن في يده، فلما نظر إلى وجه أبي العباس سفر عن وجهه و سلم، فرد عليه أبو العباس السلام، فسأله الدنو فأذن له، فدنا إلى فصل أبي العباس، ثم رجع‏

342

القهقهرى إلى ورائه حتى قام في آخر البساط، ثم رفع صوته و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

ظهر الحق فاستبان مضيّا # إذ رأينا الخليفة المهديا

إلى آخرها.

قال: فلما فرغ سديف من إنشاده قال أبو العباس: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ يا سديف -أو قال: خلق الإنسان عجولا، ثم تمثل أبو العباس بقول سابق البربري حيث يقول:

حتى الضغائن أنى لهم سلفوا # فلم يكافوا و لا الأبناء أبناء[ (1) ]

قال: ثم أمر له بجائزة سنية.

فلما كان بعد شهر أو أقل من ذلك أقبل إلى أمير المؤمنين سديف فوقف بالباب ثم استأذن، فأذن له فدخل و المجلس غاص بالناس، فأعطى حق التسليم، فقال أبو العباس: يا سديف!قل شيئا، فأنشأ سديف يقول أبياتا مطلعها:

ألا من لقلب مستهام متيّم # تكلّم لا تبعد عن الناس تكلم‏

إلى آخرها.

قال: فلما فرغ من إنشاده قال له أبو العباس: أحسنت يا سديف!فهل من مزيد؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين!فقال: قد أذنت لك فهات و هزني ما استطعت!فأنشأ يقول أبياتا مطلعها:

أمير المؤمنين أولى رجاء # بأقوام تبيض و هي داء

و حد السيف للداء الدواء

إلى آخرها.

قال: فدمعت عينا أبي العباس و أمر بسديف بجائزة سنية، و انصرف إلى منزله و مشت إليه العلوية من ولد الحسن و الحسين فقالوا: يا سديف! إنه ليس أحد يقوم بالتحريض على أمير المؤمنين و قتلهم سواك، فما عليك أن تقول قصيدة و فيها تحريض أمير المؤمنين على قتلهم فيقتلوا كما قتلونا في سالف الدهر، قال فقال سديف: كفيتم، اسكتوا، فأنا بري‏ء من أولاد السجاد إذ لم أحرض على قتلهم و لا أبقي منهم أحدا!قال: ثم أقبل سديف حتى وقف على باب أبي العباس [ (1) ]البيت في الأغاني 4/349:

أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا # فلن تبيد و للآباء أبناء

343

و استأذن، فأذن له فدخل و سلم، فلما رآه تبسم في وجهه ثم قال أمير المؤمنين: يا سديف!أنشدنا شيئا!فرفع صوته و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

دار سلمى نهيضة الأبيات # لست من أسرتي و لا من كنّات‏

إلى آخرها.

قال: فقال أبو العباس: أحسنت يا سديف، أعد، فأعاد!ثم قال:

أعد، فأعاد، فقال أبو العباس: يا صالح!أعط سديفا ألف دينار، ثم قال للحاجب: أغلق الباب و هات الكافر كوبات‏[ (1) ]، قال: فدخل الأعوان و في أيديهم الخشب المسودة، فقال أبو العباس: انكوا على أعداء اللََّه!فإن هذا يوم قد أذن اللََّه في هلاكهم. قال: فنكوا على بني أمية بالخشب فقتلوهم عن آخرهم-و هم ثمانون رجلا أو يزيدون-فما أبقى أبو العباس منهم على أحد إلا على الثلاثة: سليمان بن هشام بن عبد الملك و ابنيه، فإنه أبقى عليهم فلم يقتلهم من وقته. ثم أمر بالأنطاع فألقيت عليهم، و أمر بالموائد فأحضرت و وضعت على الأنطاع، ثم التفت إلى من حضر من ولد العباس و ولد أبي طالب رضي اللََّه عنهم فقال: كلوا فقد برد الغليل.

قال: و كان القوم يأكلون و إن الموائد لترفع أو تحط من تحرك القوم و نفسهم. قال:

ثم أمر بهم فصلبوا في بستان له في داره. قال: و إنه ذات يوم يأكل و معه جماعة من ولد أبيه و ولد علي بن أبي طالب رضي اللََّه عنهم و باب البستان مفتوح إذ فاحت روائح القوم، فقال من كان حاضرا على المائدة: يا أمير المؤمنين!لو أمرت بغلق هذا الباب؟فقال: إن رائحتهم لأعجب من رائحة المسك!فكلوا و احمدوا اللََّه تعالى على هلاكهم.

قال: فبينا هو ذات يوم كذلك إذ استأذن سديف بن ميمون فأذن له فدخل، فلما مثل بين يديه تبسم أبو العباس في وجهه فقال: إيه أيا سديف!فطفق ينشد و يقول أبياتا مطلعها[ (2) ]:

أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل‏[ (3) ]من بني العباس‏

[ (1) ]كذا بالأصل و الأغاني 4/346 و بهامشها: لعله اسم أعجمي لآلات يضرب بها كالعمد و غيرها.

[ (2) ]انظر الأبيات في الأغاني 4/345 و الكامل للمبرد 3/1367 العقد الفريد 4/486 ابن الأثير 3/502 تاريخ اليعقوبي 2/359 عيون الأخبار 1/102 طبقات الشعراء لابن المعتز ص 38-39.

[ (3) ]بالأصل «بالتهاليل» و ما أثبت عن الأغاني و غيرها. و البهاليل جمع بهلول، قال المبرد: و البهلول:

الضحاك.

344

إلى آخرها.

قال أبو العباس: يا صالح!ألم آمرك أن تعطي سديفا ألف دينار؟قال: بلى يا أمير المؤمنين!ولي من ذلك عذر، قال: لا عذر لك، الآن أعطه ألف دينار و خيار ثيابي، ثم قال: خذها حتى ننظر فيما قلت.

قال: فلما خرج سديف بن ميمون من عند أبي العباس قال سليمان بن هشام:

يا أمير المؤمنين!إن مولاك سديفا يستحثك على قتلي و قتل ولدي هذين، و قد رأيت قتلت من أهل بيتي و بني أبي من قتلت، و قد بلغني أنك تريد أن تغتالني!قال:

فغضب أبو العباس و قطب من كلامه فقال: أما إلى وقتي هذا فإني قد كنت عزمت أن لا أطالبك و لا أطالب بنيك بشي‏ء مما كنت أطلب به أهل بيتك، و قد وقع في قلبك أني أريد أن أغتالك، فيا جاهل!ما الذي يحول بيني و بينك إن أردت قتلك حتى أريد أن أغتالك!ثم نهض أبو العباس عن مجلسه فدخل قصره، و قام سليمان بن هشام و ابناه فخرجوا. ثم عاد إلى مجلسه و دعا بأبي الجهم بن عطية و قال: علي بشرطة و بعبد الجبار بن عبد الرحمن-و كان على حرسه-، فأمرهما أن يخرجا سليمان بن هشام و ابنيه إلى القرى و يأتيا برؤوسهم‏[ (1) ]. قال: فلما أخرجوا علم سليمان ما يراد به و بولديه فقال: إنه لا بد من إنفاذ ما أمركما به و لكن قدماهما بين يدي حتى احتسبهما ثم اتبعاني بهما، قال: ففعل به و بابنيه ما سأل، وردت رؤوسهم إلى أبي العباس حتى وضعت بين يديه، فأمر بها فنصبت قبالته، ثم قال لمن حضر عنده في مجلسه: أيكم يحفظ شعر الفضل بن عبد اللََّه بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي؟فقال بعضهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين!قال: هاته، فطفق يقول أبياتا مطلعها:

و اني لأغضى عن أمور كثيرة # و لولا الذي أرجو من الأمر لم أغض‏

إلى آخرها.

قال أبو العباس: قد فعل اللََّه بهم ذلك، و إذ لو كان صاحب هذا الشعر حيّا لقرت عيناه.

[ (1) ]انظر في كيفية قتله رواية أخرى الإمامة و السياسة 2/170.

345

ذكر مسير[أبي‏][ (1) ]جعفر المنصور إلى يزيد بن [عمر بن‏]هبيرة و محاربته له‏

قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: لما فرغ أمير المؤمنين أبو العباس من قتل بني أمية دعا بأخيه أبي جعفر فضم إليه جيشا كثيفا من أهل العراق و أمره بحرب يزيد بن‏[عمر بن‏][ (1) ]هبيرة. قال: فسار أبو جعفر في جيشه حتى نزل على واسط العراق، و بها يومئذ يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة في خلق كثير من أهل الشام، و قد حصن مدينة واسط غاية التحصين. قال: فأمر أبو جعفر بالمجانيق فنصبت على المدينة و جعل يحارب القوم و قد ضرب عسكره حذاء مدينة واسط، فليس من يوم إلا و يقتل من الفريقين خلق، و أكثر القتل في أهل الشام، حتى إذا قتل منهم من قتل و رأوا أنهم لا طاقة لهم بأبي جعفر و أصحابه أقبلوا على يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة و قالوا: أيها الأمير!إن مروان بن محمد بن مروان قد قتل فنحن على ما ذا نقتل أنفسنا و عمن تقاتل و ليس لنا بالقوم طاقة!و ما الرأي ههنا إلا صلح القوم، قال: فعندها بعث يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة إلى أبي جعفر يسأله الصلح، فأجابه إلى ذلك.

فأرسل إليه يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة أني لست بخارج إليك دون أن تكتب لي كتابا يكون فيه أمان لي و لمن عندي، فأجابه أبو جعفر إلى ذلك ثم كتب إليه هذا الأمان‏[ (2) ]:

[ (1) ]سقطت من الأصل.

[ (2) ]نص كتاب الأمان في الإمامة و الساسة 2/174:

قال في الأخبار الطوال ص 373 أن أبا جعفر كتب إلى أخيه أبي العباس يسأله الإذن له بمصالحة ابن هبيرة. فكتب أبو العباس-ردا على كتاب أبي جعفر-لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف. فكتم أبو جعفر الكتاب عن جميع الناس.

346

ذكر كتاب الأمان الذي كتبه أبو جعفر-ليزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب من عبد اللََّه بن محمد بن [علي بن-][ (1) ]عبد اللََّه بن العباس أبي جعفر أخي أمير المؤمنين أبي العباس، إلى يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة و لمن معه من أهل الشام و العراق و غيرهم ممن نحا إليهم، و من هم بمدينة واسط من المسلمين و المجاهدين‏[ (2) ]، و من معهم من نسائهم و أولادهم و مواليهم و عبيدهم، أني قد آمنتكم على أنفسكم أمان اللََّه الذي لا إله إلا هو الذي يعلم من سرائر العباد ما يعلم من علانيتهم أمانا صادقا لا يصيبه غش و لا يخالطه باطل، و قد أعطيت يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة الفزاري عهدا خالصا مؤكدا، و ذمة اللََّه و ذمة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم و ذمة أنبيائه المرسلين و ملائكته المقربين، و هذا الأمان لك يا يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة و لأصحابك و لمن نحا إليك من قوادك و وزرائك و شيعتك، فأنت و هم آمنون بأمان اللََّه، لا يؤخذون بذنب و لا زلة و لا بجريرة و لا بجرم و لا بجناية في سفك دم تعمدا و لا خطأ، و لا بأمر سلف منكم، يا يزيد بن عمر بن هبيرة!و قد أذنت لك بالمقام في مدينة واسط إن شئت، ثم سر عنها إذا شئت أنت و من معك بدواب و سلاح لا تخاف عدوا سهلا و برا و بحرا، و لا ينالك أمرا تخافه في ساعة من ليل أو نهار، و لا أدخل في أماني هذا غشا و لا خديعة و لا مكرا، و لا يكون مني إليك و من ذلك دسيسة مما تخاف من مطعم و مشرب أو لباس، و قد أذنت لك و لأصحابك يا يزيد بالدخول إلى عسكري من أي وقت أحببته إلى وقت رحيلكم من مدينة واسط، فإن نقض عبد اللََّه بن محمد بن علي بن عبد اللََّه بن عباس أبو جعفر أخو أمير المؤمنين أبي العباس فاجعل لك و لأصحابك و لشيعتك من أمنتكم هذه فلا قبل اللََّه منه صرفا و لا عدلا!و عليه من المحرجات الأيمان المغلظة، و اللََّه شاهد عليه بما أكد على نفسه من هذه الأيمان، و كفى باللّه وكيلا و شاهدا و كفيلا- و السلام-. قال: فلما فرغ من أمانه ختم عليه و وجه به إلى يزيد بن‏[عمر بن‏]هبيرة.

قال: فصار يركب في كل يوم إلى أبي جعفر فيسلم عليه و يجلس عنده ساعة و يرجع إلى منزله. فلما كان بعد ذلك اليوم بأيام بلغ أبا جعفر أن يزيد بن‏[عمر بن‏] [ (1) ]زيادة عن الإمامة و السياسة.

[ (2) ]الإمامة و السياسة: و المعاهدين.

347

هبيرة قد نقض ما كان عليه من الوفاء، و أنه يدعو إلى خلع بني العباس سرا، فبلغ أبا جعفر ذلك، و لم يبلغ ما بلغه حتى اتصل ذلك بأبي العباس أمير المؤمنين، فكتب أبو العباس إلى أخيه أبي جعفر بذلك و قال: إنه قد نقض ما كان عليه من العهد و خالف الأمر و قد أبيح دمه فاقتله!قال: فلم يقبل أبو جعفر ذلك أيضا و جعل يسأل و يبحث عن صحة ذلك حتى صح عنده من الثقات العدول، فعندها أمر بقتله‏[ (1) ]، فقتل و قتل معه أربعون‏[ (2) ]رجلا من شيعته و أهل بيته. قال و أنشد الهلالي‏[ (3) ]يقول أبياتا مطلعها:

غلب العزاء حرارة الصدر # و الصبر عقد عزيمة الأمر[ (4) ]

إلى آخرها.

خبر السيد بن محمد الحميري‏

قال أبو الحسن المدائني: أخبرني أبو العباس الفلسطيني قال: دخل السيد[ (5) ]بن محمد الحميري على أمير المؤمنين أبي العباس السفاح‏[ (6) ]فوقف بين يديه و أنشأ يقول بعد أن استأذنه في ذلك أبياتا مطلعها:

[ (1) ]كذا بالأصل، و يفهم من سياق العبارة في الطبري و ابن الأثير و الإمامة و السياسة أن قتله كان بأمر أبي العباس، دون قبول من أبي جعفر، و في الإمامة و السياسة: كان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة و أصحابه.

[ (2) ]في الأصل أربعين.

[ (3) ]هو منقذ بن عبد الرحمن الهلالي. كما في الطبري 7/457.

[ (4) ]البيت في الطبري:

منع العزاء حرارة الصدر # و الحزن عقد عزيمة الصبر

[ (5) ]هو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري.

[ (6) ]فيمن لقب بالسفاح عبد اللََّه بن علي أم ابن أخيه أبي العباس الخليفة الأول أقوال.

ناقش الأستاذ نيكلسون في كتابه ( NoteI 253: . The Preaching Of Islam) P لفظ السفاح فقال: لقد ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن السفاح معناه الرجل الكثير العطايا أو المناح و مع كل فإنه مما يهمنا ملاحظته أن هذا الاسم قد أطلق على بعض شيوخ القبائل في الجاهلية.

و يقال إن سلمة بن خالد الذي قاد بني تغلب في معركة يوم الكلاب الأول سمي السفاح لأنه أفرغ مزاد جيشه قبل الوقعة. و في اللسان: رجل سفاح للدماء: سفاك. و رجل سفاح: معطاء من ذلك، و هو أيضا الفصيح. و السفاح لقب عبد اللََّه بن محمد أول خليفة من بني العباس.

348

دونكموها يا بني هاشم # فجددوا من عهدها الدارسا[ (1) ]

إلى آخرها.

قال: فلما فرغ من إنشاده أمر له أبو العباس بجائزة سنية حسنة، ثم قال:

سل حاجة نعطها لك!قال: نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن ترضى عن سليمان الهاشمي و تكتب له بعهدة على الأهواز!قال: قد رضيت عنه، و كتب له بعهدة. قال: فأخذ السيد العهدة و سار بها إلى سليمان بن حبيب و هو يومئذ بالأهواز، فدخل إليه و ناوله العهدة و أنشأ و جعل يقول أبياتا مطلعها:

أتيناك يا خير أهل العراق # بخير كتاب من القائم‏

إلى آخرها.

قال: فقال له سليمان بن حبيب: شاعر و زائر و شفيع و شريف، سل حاجتك! فقال: نعم يا أمير المؤمنين!حاجتي جارية و خلعة و بغلة و فرس و غلام و بدرة!فقال: قد أمرنا لك بذلك، و هي لك علينا في كل سنة.

خبر عبد اللََّه بن سعيد السعدي‏

قال أبو الحسن المدائني: لما فرغ أمير المؤمنين أبو العباس من قتل بني أمية و أمر يزيد[بن عمر]بن هبيرة دخل عليه عبد اللََّه بن سعيد السعدي فمثل بين يديه قائما و قضى حق التسليم ثم استأذن في الكلام فأذن له، فقال: الحمد للّه الذي قصم بك أنياب الكفر، و أذل بك أهل الخسر، و فقأ بك عيون الفتن، و برّد بك من الأمن، و شفا بك غليل المؤمنين، و أرعب بك قلوب المخلين، فأباح لك خمارهم، و قتل بك آباءهم و أبناءهم، تكميلا لعقوبتهم، و تبديلا لتغير نيتهم، فأصبحوا أحاديث و مثلا لمن بغى و خلى، يستبشر بقتلهم البلاء. و أهل الأرض و أهل السماء، فكان قتلهم شفاء الأوجاع، وكيل الصاع بالصاع، الرحب الذراع الواسع [ () ]و الذين أيدوا أن الخليفة أبي العباس هو من لقب به استندوا إلى أول خطبة له و الذي يقول فيها: أنا السفاح المبيح و الثائر المبير.

أما الذين اعتمدوا لقب السفاح إلى عبد اللََّه بن علي فاستندوا إلى:

-غلظته و انتقامه من بني أمية، و سيظهر من سيرته الجور.

-أن المؤرخين المتقدمين أمثال الطبري و خليفة و اليعقوبي و الدينوري لم يأتوا على تلقيبه بالسفاح، إنما جاء اللقب من المؤرخين المتأخرين.

[ (1) ]عن الأغاني 7/240 و بالأصل: «فخذوا أمرا بها الطامسا» .

349

الباع، إذا علمت قلبا منصورا، و رأيا مبرورا، و سيفا مشهورا، شفيت به صدورا، و أجليت الغم، و وقعت الهم، و كشفت الظلم، و قضيت العدم، عن الوجوه إلى أصحاب الهاشميات المؤثرات، القاطعات المظلومات، على فوت من القتل، و انقراض الأهل، و دروس السبل، و وقوع المحل بصوت بعيد الهمة، قديم النعمة، سريع النقمة، كريم الضربة، ميمون النصبة، شبعي الكتبة، قال: ثم طفق يقول:

كم طالب من قبلها و طالب # و راغب من قبلها و راغب

جم المعالي دمت الضرائب # قد صح للأعداء بالكتائب‏

قال: فتبسم أبو العباس من حسن كلامه، ثم قال: إن من كلام ما يشبه الدر و هذا منه، ثم أمر له ببدرة و غلام يحملها إلى منزله و الغلام له.

ذكر مسير أبي جعفر المنصور إلى بلاد خراسان إلى أبي مسلم‏

قال أبو الحسن المدائني: و لما فرغ أبو العباس من أمر العراق و الشام و مصر و ما والاها دعا بأخيه أبي جعفر فأمره بالخروج إلى بلاد خراسان ليؤكد البيعة على أهلها و يلقى أبا مسلم فيسمع كلامه. قال: فخرج أبو جعفر من العراق‏[ (1) ]في ثلاثمائة رجل من مواليه و خدمه و حشمه، حتى صار إلى الري، و بلغ ذلك أبا مسلم فأرسل إلى جميع عماله بالبلاد فأمرهم أن يستقبلوا أبا جعفر و أمرهم أن يكرموه غاية الإكرام ففعلوا ذلك، فكان أبو جعفر يسير من مدينة إلى مدينة حتى إذا تقارب من مدينة مرو و خرج أبو مسلم فتلقاه على فرسخين منها، فلما نظر إليه نزل و بادر و قبل يده و فخذه و سار بين يديه، فأمره أبو جعفر بالركوب فركب و دخل مدينة مرو، فنزل دار أبي مسلم، فأقام بها أياما لا يسأله أبو جعفر عن شي‏ء غير أنه يرى أن أهل خراسان بأجمعهم سامعون مطيعون، فسر أبو جعفر بذلك سرورا شديدا و أخذ البيعة على أبي مسلم و أصحابه و هم بالانصراف إلى العراق. قال: فجمع أبو مسلم أموالا كثيرة من أموال خراسان فدفعها إلى أبي جعفر ليحملها إلى أمير المؤمنين، و وقّع له أنها هدايا من جوار و غلمان و دواب و ثياب فاخرة، فقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنك اليوم منا بالمكان الذي علمت و إنا نشكو إليك أبا سلمة حفص بن سليمان فإنه قد شمخ بأنفه [ (1) ]كان ذلك في سنة 132 هـ.

350

على أمير المؤمنين حتى أنه ما يعد الخلافة بشي‏ء و أنه يعترض علينا اعتراضا يجل عن الوصف، و لا و اللََّه ما يمنع أمير المؤمنين من الإساءة و الوقوف عليه إلا عصبتك لأنك أنت الذي جعلته مشيرا و وزيرا. قال: فتغير وجه أبي مسلم ثم قال: قد فعلها أبو سلمة. أما إني أذنت لأمير المؤمنين و لك فيه فاصنعا ما أحببتما، فإنما أنا عبيد من عبيد أمير المؤمنين، و أهل خراسان سامعون عبيد السمع و الطاعة، و أنا أسرع قدومي إلى أمير المؤمنين إن شاء اللََّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

قال: و جهز أبا جعفر بأحسن الجهاز و صرفه إلى العراق. فلما دخل أبو جعفر على أبي العباس خبره بجميع ما رأى من طاعة أهل خراسان و أن أبا مسلم قد أذن لك في قتل أبي سلمة. قال: فلم يبت أبو سلمة إلا مقتولا من ليلته‏[ (1) ]، و في ذلك قال سليمان بن المهاجر البجلي‏[ (2) ]شعرا:

إن الوزير وزير آل محمد # أودى فمن يشناك كان وزيرا[ (3) ]

قال: ثم أقبل أبو العباس على أبي جعفر فقال له: كيف رأيت أبا مسلم؟ فقال: و اللََّه يا أمير المؤمنين رأيته جبارا من الجبابرة!و لا الخلافة تصفو لك ما دام في الحياة، فاكتم على ما خبرتك به-و السلام-.

ثم رجعنا إلى أخبار أرمينية و أذربيجان‏

قال: ثم دعا أبو العباس برجل من أصحابه يقال له محمد بن صول، فضم ليه جيشا و ولاه أرمينية و أذربيجان، فسار إليها محمد بن صول في جيشه ذلك حتى دخل أذربيجان، و التأم إليه الناس فصار في مائة ألف عنان. قال: و في البلاد ذلك [ (1) ]في مروج الذهب 3/328 أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يشير عليه بقتله... لأنه قد نكث و غيّر و بدل (و انظر الأخبار الطوال) و لما رفض السفاح خاف أبو مسلم من ناحية أبي سلمة فأعمل الحيلة في قتله. أما ابن كثير فقال: إن ذلك تم بأمر من أبي العباس، و لما بلغه قتل أبي سلمة قال:

إلى النار فليذهب و من كان مثله # على أي شي‏ء فاتنا منه نأسف‏

و ثمة إجماع أن أبا مسلم أرسل أحد أصحابه مرار بن أنس الضبي فقتله (انظر الطبري و ابن الأثير و تاريخ اليعقوبي) .

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل «البلخي» .

[ (3) ]قبله في مروج الذهب:

إن المساءة قد تسرّ و ربما # كان السرور بما كرهت جديرا

351

اليوم مسافر بن كثير القصاب‏[ (1) ]قد استولى على بلاد أذربيجان خاصة. فلما سمع بقدوم محمد بن صول إلى البلاد مضى إلى قلعة يقال لها قلعة الكلاب‏[ (2) ]من بلاد الروم فتحصن بها، و سار محمد بن صول حتى نزل عليه، فلم يزل يحاربه حتى قتله و قتل جماعة من أصحابه و هرب الباقون إلى جبال سجستان. قال: و بعث محمد بن صول برأس مسافر بن كثير و رؤوس أصحابه إلى أمير المؤمنين أبي العباس، و أقبل إلى مدينة يقال لها البيلقان فنزل بها أياما، ثم رحل إلى مدينة برذعة فأقام بها مدة في ولايته. ثم بعث أبو العباس إلى محمد بن صول فعزله و ولى أخاه أبا جعفر أرمينية و أذربيجان و بلاد الجزيرة، فأقبل أبو جعفر حتى دخل بلاد أرمينية و كان يشتي بموضع يقال له كيران‏[ (3) ]و يصيف بمرج يقال له الضاربة من أرض جرزان.

قال: و قدم أبو مسلم من خراسان على أبي العباس في جيش عظيم، [ (4) ]و بلغ أبا جعفر[ (5) ]قدوم أبي مسلم‏[ (6) ]من خراسان فكأن لم يحب أن يكون أبو جعفر بأرمينية و أبو مسلم بالعراق، و اتقى أن يكون منه غائلة أو شي‏ء من بغض الخلافة، فدعا بالحسن بن قحطبة فاستخلفه على عمله و انصرف إلى العراق، فكان الحسن بن قحطبة خليفة أبي جعفر في البلاد إلى أن توفي أبو العباس.

قال عبد بن سالم مولى بني مخزوم: سمعت مشيخة بني سالم يقولون: كانت خلافة أبي العباس أربع سنين و سبعة أشهر، و توفي بالأنبار[ (7) ]ليلة الأحد ثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع و ثلاثين و مائة، و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة[ (8) ]، و صار الأمر إلى أخيه أبي جعفر و هو الملقب بالمنصور.

[ (1) ]بالأصل: الساري، و قد مرّ، و انظر فتوح البلدان ص 211.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 211 قلعة الكلاب بالسيسجان.

[ (3) ]كيران: مدينة بأذربيجان بين تبريز و بيلقان.

[ (4) ]و كان ذلك في سنة 136 هـ. و كان قدومه إلى السفاح لاستئذانه في الحج.

[ (5) ]بالأصل «أبي جعفر» .

[ (6) ]بالأصل «أبو مسلم» .

[ (7) ]الأنبار: مدينة كانت تقع على الفرات غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ و كانت الفرس تسميها فيروز سابور.

[ (8) ]في يوم وفاته و مدة خلافته و مقدار عمره انظر مختلف مصادر ترجمته: الطبري 9/154 ابن الأثير 3/520 مروج الذهب 3/304 التنبيه و الأشراف ص 339 تاريخ خليفة ص 412 تاريخ اليعقوبي 2/362 المعارف ص 373 البداية و النهاية 10/58. ـ

352

[خلافة أبي جعفر المنصور]

الحسن بن الحباب المقرئ البغدادي قال: حدثني داود بن رشيد قال حدثني طعمون‏[ (1) ]الخادم قال: حدثني سلامة بن المنصور قالت أمه: رأيت و أنا حاملة به كأن قد خرج من فرجي أسد فأبقى على الأرض و ضرب بيديه و زأر، فأقبلت السباع إليه من كل ناحية، فكلما أتاه سبع يسجد له، حتى سجدت له سائر السباع عن آخرها.

قال أحمد بن يحيى: حدثني زيد مولى المنصور قال: لما أفضت الخلافة إلى المنصور أقبل إليه سديف بن ميمون فدخل عليه فاستأذن فأذن له بالنشد، فقال أبياتا مطلعها:

هذا القائم العدل الذي كنا نرجيه # لذي الإسلام و الدين و أوتاد مراثيه‏

إلى آخرها.

قال: فأمر له المنصور بجائزة سنية و كساه أثوابا من و شي آل مروان.

فلما ولى من بين يديه ناداه: يا ابن السوداء!قال: فرجع إليه سديف و هو خائف مرعوب، فوقف بين يديه فقال: كأني بك يا سديف و قد قدمت المدينة تقبل رجل عبد اللّه بن الحسن‏[ (2) ]و تقول: يا بن رسول اللّه!تأخذ منهم ما يقوم بأودنا، و اللّه لئن بلغني عنك ذلك لأقتلنك أشر قتلة!فقال سديف: العبد عبدك يا أمير المؤمنين!و هل يخون عبد سيده!قال: ثم انصرف سديف إلى المدينة ففعل بعبد اللّه بن الحسن‏[ (2) ]و بابنيه ما كان المنصور قد قاله، فحقد عليه و لم يبد ذلك لأحد. قال: فقدم سديف إلى العراق بعد ذلك و بلغ ذلك المنصور، فأمر بحبسه، فلما ضاق به الحبس كتب إلى المنصور بهذه الأبيات:

بني العباس فيم سجنتموني # و كنت على مودتكم حريصا

أ تصبح من أمانكم الأعادي # و أصبح من مودتكم خميصا

[ (1) ]كذا بالأصل، و لم نعثر به.

[ (2) ]في المطبوعة: «الحسين» تحريف.

353

و كسر من طاعن خنق عليكم # تركت أخمص أخمصه رهيصا[ (1) ]

فقال المنصور: و اللّه لا تركته ظالعا رهيصا. قال: ثم أمر به فأدخل في جوالق و ضرب بالكافر كوبات‏[ (2) ]حتى مات-رحمه اللّه-.

قال: و قال يحيى بن عبد اللّه الهاشمي: لما بايع‏[ (3) ]الناس المنصور أقبل أبو مسلم إلى عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس فقال له أبو مسلم‏[ (4) ]: لم قعدت عن هذا الأمر بعد أبي العباس و أنت للخلافة أهل و محل؟فقال له عيسى بن موسى: ويحك يا أبا مسلم!إنما نحن بنو عم فأينا صار إليه الأمر فهو محل. فقال أبو مسلم: صدقت و أنت أخير إلينا من أبي جعفر، فإن شئت خلعناه و عقدنا لك البيعة!قال: فغضب عيسى بن موسى ثم قال: سبحان اللّه أبا مسلم! و يجوز هذا أن أتقدم على عمي و هو شيخ كبير و صنو أبي!و اللّه لو قدمني عليه أمير المؤمنين الماضي لكرهت ذلك فكيف طاعة عمي فأكون مخالفا للحق قاطعا للرحم متعرضا لشقاء الدنيا. قال: و بلغ أبا جعفر ما كان من كلام أبي مسلم لعيسى بن موسى فحقد عليه، فكان هذا أول حقد حقده المنصور على أبي مسلم و لم يبد له شيئا من ذلك.

ذكر خروج عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس على أبي جعفر المنصور بالشام‏

قال: و بلغ ذلك عبد اللّه بن علي‏[ (5) ]ما كان من بيعة الناس لأبي جعفر المنصور و هو يومئذ بالشام، فدعا بأخ له من الرضاع يقال له زيد فقال: ويحك يا زيد!إن الخليفة أبا العباس قد مضى لسبيله و قد بايع الناس أبا جعفر فما الرأي عندك؟فقال:

[ (1) ]كذا ورد البيت بالأصل.

[ (2) ]كافركوبات: اسم آلة، أعجمي، يضرب بها كالعمد و غيرها و قد مرّت الإشارة إلى ذلك قريبا (عن هامش الأغاني) .

[ (3) ]عن المطبوعة، و بالأصل «بلغ» .

[ (4) ]بالأصل «أبو موسى» خطأ.

[ (5) ]و كان عيسى بن موسى قد بعث أبا غسان-يزيد بن زياد-حاجب أبي العباس إلى عبد اللّه بن علي بيعة أبي جعفر، فقدم أبو غسان على عبد اللّه بأفواه الدروب (بدلّوك) متوجها يريد الروم (الطبري-ابن الأثير) .

354

إنك لأحق الناس بهذا الأمر، لأنك عم و العم والد، قال: فأرسل عبد اللّه إلى وجوه قواده و حشمه و خاصة أهل دولته و أهل بيته فدعاهم و قال لهم: إنكم علمتم أن‏[أبا] العباس أمير المؤمنين وجهني إلى مروان بن محمد فقتلته و انتزعته من هذا الأمر و من جميع بني أمية، و قد كان أمير المؤمنين أبو العباس جعل لي هذا الأمر من بعده لأني عمه و وارثه و أنا مستحق لهذا الأمر دون غيري‏[ (1) ]، غير أني أحببت أن آخذ رأيكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي، قال: فقام إليه من كان عنده فبايعوه و سلموا عليه بالخلافة، و بادر الناس إلى بيعته حتى بايعه خلق كثير من أهل الشام، و دعي له على منابرها بالخلافة. ثم إنه سار من الشام نحو أرض الجزيرة حتى صار إلى الرقة فنزلها، ثم دعا بأخيه عبد الصمد بن علي فجعله ولي عهده و ولاه بلاد الجزيرة.

قال: و بلغ المنصور أمر عبد اللّه بن علي فدعا بأبي مسلم و أمره بالخروج إليه. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين!إن لي حاجة فإن رأى أمير المؤمنين أكلمه فيها، فقال المنصور: قل ما بدا لك!فقال: يدفع إلي أمير المؤمنين عبد الجبار بن عبد الرحمن و صالح بن الهيثم‏[ (2) ]و خالد بن برمك حتى أقتلهم، ففي قتلهم صلاح أمير المؤمنين، قال: فغضب المنصور من ذلك و قال: أدفع إليك شرطتي و شرطة أخي و صاحب خراجي و خراج أخي فتقتلهم!فإذا فعلت ذلك فما يكون عذري غدا و ما ذا يقول فيّ الناس!و أطرق المنصور إلى الأرض، و ندم أبو مسلم على ما تكلم به و قد علم أن المنصور قد غضب، فجعل يترضاه و يقول: إنما كانت مني هفوة يا أمير المؤمنين فاغفرها لي، و لم يزل كذلك إلى أن أظهر أمير المؤمنين المنصور أنه قد رضي عنه.

ذكر خروج أبي مسلم إلى عبد اللّه بن علي و محاربته له‏

قال: و ظهر أبو مسلم من العراق في أربعين ألف يريد حرب عبد اللّه بن علي حتى صار إلى الجزيرة من ديار ربيعة، و انهزم عبد الصمد من بين يدي أبي مسلم إلى الرقة، و بها عبد اللّه بن علي فخبره بذلك. قال: و جمع عبد اللّه بن علي الناس [ (1) ]شهد له على صحة كلامه أبو غانم الطائي و خفاف المروروزي و غيرهما من القواد، فبايعوه.

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل «الهيثمة» .

355

و وضع لهم الأرزاق و أعطاهم، و قد جمع خمسين ألفا من أهل الشام و الجزيرة، ثم سار حتى وصل إلى مدينة حران و ترك أمواله و خزائنه بالرقة. و بلغ ذلك أبا مسلم فسار إليه في عسكره و جنوده، حتى التقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، و انتصف بعضهم من بعض. ثم إن عبد اللّه بن علي أمر فخندق على نفسه خندقا، و خندق أبو مسلم أيضا على نفسه خندقا، و دام الحرب بينهما أربعة أشهر لا يفترون من ذلك.

قال: و علم عبد اللّه بن علي أنه لا طاقة له بأبي مسلم فهم بالهرب، و جعل أهل الشام يستأمنون إلى أبي مسلم حتى استأمن منهم خلق كثير. فلما رأى عبد اللّه بن علي ذلك خرج ليلة من الليالي من عسكره بأنه يريد أن يكبس عسكر أبي مسلم، ثم مضى في جوف الليل فجعل يسير سيرا ماضيا إلى الرقة[ (1) ]. قال:

و أصبح عبد اللّه بن علي و قد فقدوه فعلموا أنه قد هرب، فأرسلوا إلى أبي مسلم يسألون الأمان فآمنهم، و كتب إلى المنصور يخبره بهروب عبد اللّه بن علي و أخيه عبد الصمد. قال: و صار كتاب أبي مسلم إلى المنصور و هو نازل بدير يقال له دير الجاثليق، فلما فتح الكتاب و قرأه سمى ذلك الدير دير الفتوح، ثم كتب إلى أبي مسلم و أمره بطلب عبد اللّه بن علي حيث كان. قال: و أرسل أبو مسلم يريد عبد اللّه بن علي، و علم عبد اللّه بن علي بذلك فترك أمواله و خزائنه بالرقة ثم عبر الفرات هو و أخوه عبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد بن علي فصار إلى الرصافة[ (2) ]فنزلها، و أما عبد اللّه بن علي فإنه صار إلى الشام و من الشام إلى مكة و من مكة إلى البصرة و من البصرة إلى أخيه سليمان بن علي‏[ (3) ]، فأنشد أبو ميسرة في ذلك شعرا.

قال: فسار أبو مسلم حتى دخل الرقة و احتوى على جميع أموال عبد اللّه بن علي و خزائنه. و ما كان أخذ من أموال بني أمية فاحتوى على ذلك كله. ثم صار إلى الرصافة فنزل عليها فحاصر عبد الصمد حتى أخذه و قيده و وجه به إلى المنصور. ثم صار إلى حران فنزلها و وضع العطاء لأصحابه و أعطاهم الأرزاق سنة.

قال: و كتب سليمان بن علي إلى المنصور يسأله أن يعطي عبد اللّه الأمان [ (1) ]انظر تفاصيل أوردها الطبري 7/474-475 و ابن الأثير 3/525.

[ (2) ]كذا، و في الطبري 7/478 أن عبد الصمد قدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه أبو جعفر و انظر ابن الأثير 3/526.

[ (3) ]كذا بالأصل و الطبري و ابن الأثير، و في الإمامة و السياسة 2/171 أن أبا مسلم أخذ عبد اللّه بن علي أسيرا.

356

فأجابه إلى ذلك، فقال عيسى بن علي لكاتبه عبد اللّه بن المقفع: أحب أن تكتب لأخي عبد اللّه أمانا مؤكدا حتى أوجه به إلى المنصور، قال: فكتب عبد اللّه كتابا لعبد اللّه بن علي لا يكون لأحد مثله و استقصى فيه غاية الاستقصاء، فلما ورد الكتاب بالأمان على أمير المؤمنين المنصور و نظر فيه شق ذلك عليه، لأنه كان مغتاظا على عبد اللّه بن علي و أراد قتله، فقال: من كتب هذا الأمان؟فقيل له: كتبه عبد اللّه بن المقفع‏[ (1) ]كاتب عيسى بن علي، فقال أما لنا من يكفينا ابن المقفع و يريحنا منه؟ قال: و بلغت هذه الكلمة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة و هو يومئذ بالبصرة من قبل المنصور، فعزم على قتل ابن المقفع‏[ (2) ].

ذكر مقتل عبد اللّه بن المقفع‏

قال المدائني: كان السبب في مقتل عبد اللّه بن المقفع أن سفيان بن معاوية المهلبي كان ربما حضر إلى الديوان بالبصرة فتقع المسألة بعد المسألة فيلقيها ابن المقفع على سفيان بن معاوية فإذا لم يفهمها يقول له ابن المقفع: وقعت و اللّه يا مهلبي!قال: فغضب المهلبي ذات يوم فشتم ابن المقفع فقال له: كم توبخني؟ فقال له ابن المقفع: يا ابن المغتلمة!أداعبك فتشتمني!و اللّه ما رضيت أمك برجال العراق حتى تزوجت برجال الشام!قال: فسكت عنه المهلبي و حقد عليه، فلما قال المنصور: أما لنا من يكفينا أمر ابن المقفع!عزم المهلبي على قتله. و دعا عيسى بن علي بابن المقفع فأرسله إلى سفيان بن معاوية في حاجة له، فقال ابن المقفع: إني أخاف على نفسي لكلام جرى بيني و بينه، فقال عيسى بن علي:

إني أخاف على نفسك و أنا حي!فقام عبد اللّه بن المقفع و صار إلى سفيان، قال:

و اللّه يا ابن المقفع أنا ابن المغتلمة كما قلت إن لم أقتلك قتلة ما سبقني إليها أحد.

ثم قام و دخل المطبخ و قال: علي به!فأتي بابن المقفع، فقال المهلبي لغلمانه:

[ (1) ]هو ابن دارويه، و كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخان فعاقبه حتى تقفعت يداه. فسمي بالمقفع. قال ابن خلكان: و منهم من يقول أن ابن المقفع نسب إلى بيع القفاع و هي من الجريد كالزبيل بلا آذان.

أسلم عبد اللّه بن المقفع على يد عيسى بن علي، و كتب له.

[ (2) ]في البداية و النهاية 10/102 أن المنصور كتب إلى سفيان بن معاوية نائبه على البصرة، يأمره بقتل ابن المقفع.

357

اسجروا التنور!فأسجر حتى حمي، ثم أمر بقطع يده اليمنى فألقيت في التنور، ثم أمر باليسرى فألقيت في التنور، ففعل ذلك بيديه و رجليه، ثم احتمل بعد ذلك فألقي في التنور و احترق‏[ (1) ]. قال: و احتبس خبر ابن المقفع على عيسى بن علي فأرسل في طلبه، فقيل: كان ههنا و انصرف. قال: و علم عيسى بما فعل بابن المقفع، فكتب في ذلك إلى المنصور، فأرسل المنصور يأمر بإشخاص المهلبي فأشخص، ثم سأل عن ذلك فأنكر و لم يكن هنالك بينة[ (2) ]، فذهب دم ابن المقفع هدرا. فأنشأ بحير بن زياد يقول في ذلك شعرا. و قال أيضا فيه مطيع بن زياد:

لا تأمن الإخوان رب فجيعة # كما فجمع الإخوان بابن المقفع

أتته المنايا فاختلسن حياته # فودعه الإخوان غير مودع‏

ذكر أبي مسلم و مخالفته على المنصور و ما كان من أمره‏

قال: و بلغ المنصور أن أبا مسلم قد احتوى على أموال كثيرة لعبد اللّه بن علي فوجه إليه يطلبها منه مع رجل يقال له يقطين بن موسى‏[ (3) ]و أخذ ما صار إليه من تلك الأموال. فلما قدم عليه يقطين أنزله أبو مسلم و أكرمه ثم قال: ما الذي أقدمك أبا علي و كيف خلفت أمير المؤمنين؟فقال: خلفته سالما بحمد اللّه غير أنه قد أرسلني إليك لقبض ما صار إليك من الأموال التي لعبد اللّه بن علي و خزائنه و هذا كتابه إليك، فلما قرأه غضب و رمى به من بين يديه ثم قال: و من ابن سلامة حتى يكتب إلي فتفحص عما صار إلي من أموال عبد اللّه بن علي و قد قتلت رجالي و هذا كتاب أمير المؤمنين. قال: فقال يقطين بن موسى: أيها الأمير!إن أمير المؤمنين رأيه فيك أحسن من رأيك فيه، فقال: لا و لا كرامة!و سيعلم ابن سلامة عن قريب كيف يكون الأمر بيني و بينه، قم و انصرف إليه و خبره بما سمعت.

و انصرف يقطين بن موسى إلى المنصور فخبره بذلك. قال: فتغير وجه [ (1) ]و كان ذلك في سنة 145 هـ. انظر البداية و النهاية 10/102.

[ (2) ]انظر الحاشية السابقة.

[ (3) ]في تاريخ اليعقوبي 2/366 أرسل جماعة منهم: إسحاق بن مسلم العقيلي، و يقطين بن موسى، و محمد بن عمرو النصيبي التغلبي. و انظر الإمامة و السياسة 2/130 و مروج الذهب 3/355 و ابن الأثير 3/526.

358

المنصور و سكت ساعة، و دعا بكاتبه فقال: اكتب إلى أبي مسلم كتابا لطيفا، و خبره في الكتاب أني قد تجاوزت عنه و تركت له جميع الأموال و أنا مضعفها له. و قد وليته الشام و أرض خراسان ليستخلف على الشام من يريد و ليقدم على بركة اللّه و عونه-و السلام-[ (1) ]. قال: فلما ورد الكتاب على أبي مسلم تبسم ضاحكا ثم قال:

و ابن سلامة يوليني الشام و خراسان أو ليس الشام و خراسان لي و في يدي!أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون، أ يخدعني ابن سلامة و قد أضاء الصبح لذي عشاء. قال: ثم رمى بكتاب المنصور من يده و تمثل بهذا البيت و هو يقول:

الق الصحيفة لا تبال و إن يكن # مكرا كمثل صحيفة المتلمس‏

قال: و كان الحسن بن قحطبة يومئذ مع أبي مسلم بالشام و قد كان يكتب بالأخبار سرا إلى المنصور، فكتب إليه يخبره بكلام أبي مسلم و كتب إليه في آخر الكتاب: إني أخبرك يا أمير المؤمنين أن الشيطان الذي كان ينفخ في رأس عبد اللّه بن علي قد انتقل إلى رأس أبي مسلم-و السلام-. قال: فضاق الأمر على المنصور و لم يدر ما يصنع.

و نادى أبو مسلم لأصحابه بالرحيل راجعا إلى خراسان، ثم صار حتى تقارب من مدينة يقال لها كفرتوثا نظر إلى نهر هنالك يقال له سريا[ (2) ]فالتفت إلى هشام ابن عمه و كان من أجلاء أصحابه فقال: ما اسم هذا النهر؟فقال: أصلح اللّه الأمير! اسمه سريا، فقال أبو مسلم: فأين علم الشيطان الذي يقول الشاعر:

و لا تهبط السريا بمال تحبه # و لا أعلم الشيطان إن كنت تفعل‏

قال: فقال هشام بن عمر: أيها الأمير!هو هذا التل عن يسار الطريق. قال:

و دخل أبو مسلم مدينة كفرتوثا فأقام بها ثلاثة أيام و رحل عنها، و تخلف عنه الحسن بن قحطبة لعلة كانت به قد اعترته في بدنه. قال: و سار أبو مسلم إلى نصيبين و أقام بها أياما حتى استراح أصحابه ثم رحل عنها، فلما خرج من باب الشرقي و عبر[فإذا] [ (1) ]في الطبري 7/482 و ابن الأثير 3/527: «كتب أبو جعفر إلى أبي مسلم: إني قد وليتك مصر و الشام فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت، و أقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قريب» .

[ (2) ]كذا، و لم نعثر به.

359

رجل يقال له الهرماس جعل يقول:

إني لأذكر منيتي و تحيتي # خلفي فأرفعها بحب زميلا

إني لأكره أن أعيش مظلما # طول الحياة و أن أموت ذليلا

ثم أقبل على هشام بن عمر فقال له: اكتب بهذين البيتين إلى ابن سلامة حتى يعلم أني أبو مسلم.

قال: ثم سار حتى دخل الموصل، فلما نزلها أقبل إليه جماعة من أصحابه ممن يهوى دولة المنصور فقالوا: أيها الأمير!إنا نريد الحج فأذن لنا في ذلك، فتبسم أبو مسلم و قال: ليس هذا وقت أوان حج، فمن أراد أو أحب منكم الانصراف فلينصرف مصاحبا!قال: فتفرق عن أبي مسلم جماعة من أصحابه فصاروا إلى المنصور. و خرج أبو مسلم من الموصل يريد بلاد خراسان و معه دليل يدله على الطريق حتى أخرجه من شهر زور إلى حلوان، فلما نزلها إذا كتاب المنصور قد ورد عليه من هنالك يأمره بالانصراف إلى ما قبله و يحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه لا يبدأه بمكروه و أنه يكون له أكثر مما كان و يجعله وزيره و صاحب أمره. قال: فلما قرأ أبو مسلم كتاب المنصور التفت إلى كاتب له يقال له شبيب، فقال: يا شبيب!لئن رجعنا إلى العراق بعد أن شارفنا جبال خراسان فإنا كما قال الأول: «أتتك بحائن رجلاه» [ (1) ]. قال: ثم رحل أبو مسلم من حلوان يقطع البلاد و يطوي المراحل طيا و لا يعرج على شي‏ء حتى صار إلى الري فلم يقم بها إلا يوما واحدا، ثم رحل عنها مجدا حتى صار إلى مرو ثم كتب إلى المنصور.

ذكر كتاب أبي مسلم إلى المنصور

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللّه عبد اللّه أمير المؤمنين، من عبد الرحمن أبي مسلم‏[ (2) ]، أما بعد يا أمير المؤمنين!فإني كنت اتخذت أخاك إماما و دليلا على ما فرض اللّه على خلقه، فكان ظني أنني أنزلت منه بمحله العلم لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل من حطام دار قد [ (1) ]مثل. انظر المستقصى للزمخشري 1/37.

[ (2) ]انظر الطبري 7/483 و ابن الأثير 3/528.

360

نعاه‏[ (1) ]اللّه إلى خلقه و زهد عباده فيها، ثم إنه مثل لي الضلالة في صورة الهدى، و أمرني أن أجرد السيف و أرفع الرحمة و لا أقيل العثرة و لا أقبل المعذرة و البلاء في ذلك كله واقع بنفسي لا يزجرني عن ذلك بتوفيق و لا رشاد، حتى سقم عندي البري‏ء و برئ السقيم، فوترت أهل الدين و الدنيا في طاعتكم و توكيد[ (2) ]سلطانكم حتى عرفكم من كان جهلكم‏[ (3) ]، و خافكم من كان يهون عليه أمركم و أوطأت غيركم ممن كان فوقكم من آل الرسول بالذل و الهوان و الإثم و العدوان، ثم إن اللّه تعالى قد أدركني منه بالندم و استنقذني بالتوبة فإن يعف و يصفح فإنه كان للأوابين غفورا.

جوابه‏[ (4) ]

قال: فكتب إليه المنصور: أما بعد أبا المجرم العاصي!فإن أخي رحمه اللّه تعالى كان إمام الهدى يدعو إلى اللّه على بصيرة و يقين من أمره، فأوضح السبيل و قد تفرقت بالناس السبل، و أقامك فيها على منهاج الحق الذي عليه آثار النبوة و ما في الكتاب، فلو بأخي الرضى اقتديت و برأيه اهتديت و إلى أمره انتهيت لما كنت عن الحق جائرا، لكنك لم تكن لنا في طاعة قط يوما واحدا، و ما زلت منذ انتحلت مودتنا و ولايتنا يهوي بك الريح من مكان سحيق، لا يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا، و لأغواهما مؤاتيا، تقتل على الغضب و تبطش بطش الجبارين، فأوقع اللّه بك الثلاث الموجبات من اللّه تبارك و تعالى إنه عز و جل قال: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ [ (5) ]و فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ [ (6) ]، و فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ [ (7) ]، فجمعهن اللّه فيك، فرويدا أبا مجرم حتى يبلغ الكتاب أجله، و أمير المؤمنين يقسم باللّه رب العالمين و ملائكته المقربين و أنبيائه المرسلين [ (1) ]الطبري: «تعافاه» و في ابن الأثير: «تعاه» .

[ (2) ]ففعلت توطيدا لسلطانكم، في الطبري، و في ابن الأثير: توطئة.

[ (3) ]ابن الأثير: يحملكم.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير أن أبا جعفر أمر بأن يكتب إلى أبي مسلم كتابا يعظمونه فيه و يشكرون له ما كان منه، و يسألونه أن يتم على ما كان منه و عليه من الطاعة، و يحذرونه عاقبة الغدر و يأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين و أن يلتمس رضاه.

[ (5) ]سورة المائدة، الآية 44.

[ (6) ]سورة المائدة، الآية 47.

[ (7) ]سورة المائدة، الآية 45.

361

و عباده الصالحين و أخيه العباس أنهما قد برئا إلى اللََّه منك فيما اقترفت من القتل و الأمر العظيم، و ستعلم عن قريب أبا مجرم إذا أحاطت بك العساكر و أخذتك الصفائح أي رجل تكون!و أقسم باللّه العظيم الذي لا إله غيره إن عبرت البحر لطلبتك و لو بلغت إلى مطلع الشمس و مغربها، و حسب أمير المؤمنين اللّه و نعم الوكيل.

قال: فلما فرغ و ورد الكتاب على أبي مسلم و قرأه ضاق به ذرعا، ثم إنه ذل و خضع و خشي أن تأتيه الجيوش من العراق و لا يقوم لها، فكتب إلى المنصور يستعطفه و يسأله أن يعطيه الأمان، ثم بعث بكتابه مع أبي إسحاق صاحب حرسه‏[ (1) ]، فأجابه المنصور إلى ذلك.

ذكر قدوم أبي مسلم من خراسان على المنصور و مقتله بين يديه‏

قال: فخرج أبو مسلم من خراسان و معه خلق عظيم حتى صار إلى العراق.

قال: فكان لا يمر و لا يقدم على موضع إلا استقبلوه بالبر و الإحسان و الإكرام حتى إذا صار إلى باب المنصور خرج إليه أبو الخصيب الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تنصرف إلى المنزل الذي قد استعد لك!قال: فانصرف إليه، و قد أعد له جميع ما يحتاج إليه من فرش و غير ذلك من طعام و شراب، و جعلت الألطاف تأتيه من عند المنصور في كل وقت، فأقام كذلك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع أرسل إليه المنصور فدعاه، قال: فركب أبو مسلم و صار إلى الباب فدخل الحاجب فأعلم المنصور، فقال: ذره و لا تعجل، و المنصور جالس في مجلسه وحده ليس عنده أحد إلا من لا يحتشمه غير أنه يفكر في أمر أبي مسلم و ما يريد أن يصنع و هو يقول شعرا، قال: ثم أذن لأبي مسلم بالدخول، فدخل و سلم، فلم يرد عليه السلام ثم أومأ إليه أن اجلس!فجلس أبو مسلم على و سادة و عليه يومئذ قباء ديباج أسود، فأقبل [ (1) ]يفهم من عبارة الطبري و ابن الأثير: أن أبا جعفر استمال أبا إسحاق إلى جانبه، و أنه وعده بولاية خراسان إن هو أقنع أبا مسلم بالمجي‏ء إليه، و بالفعل فقد قال أبو إسحاق لأبي مسلم لما عاد من رحلته إلى أبي جعفر: ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، و أشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، و يعتذر إليه مما كان منه. ـ

362

عليه المنصور فقال: أبا مجرم!إني أريد أذكرك شيئا لا أراك تنكرها، أتنكر دخولك على أمير المؤمنين الماضي رحمة اللّه عليه و تسليمك عليه و أنا جالس في مجلسه و لا تراني أهلا للسلام؟أتذكر مقالتك لابن أخي عيسى بن موسى‏[ (1) ]إن شئت خلعنا أبا جعفر و بايعناك؟أتذكر شتمك لي بالشام بين يدي يقطين بن موسى‏[ (2) ]و قولك له:

و من ابن سلامة؟أ كانت أبا مجرم أمك أفضل من سلامة و هي تحت محمد بن عبد اللّه بن عباس؟قال: و جعل المنصور يذكره شيئا بعد شي‏ء[ (3) ]، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين!لا تذكر هذه الأقاويل، و اذكر حسن بلائي و قوامي لكم بهذه الدولة!قال: فعندها شتمه المنصور و قال: يا عدو نفسه!أنت ما فعلت ذلك، [إنما عملت‏]بحميتنا[ (4) ]و قيام شيعتنا و ما سبق من اللّه تعالى في أمر دولتنا، و لو كان الأمر إليك لما قطعت فتيلا، أ لست الكاتب إليّ و تبدأ باسمك قبل اسمي؟ أ و لست الذي كتبت إلينا تخطب آمنة[ (5) ]بنت علي بن عبد اللََّه بن عباس و تزعم أنك ابن بنت سليمان بن علي‏[ (6) ]!و إنما أنت عبد لعيسى بن معقل العجلي لقد ارتقيت يا عدو اللََّه مرتقى صعبا. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين!إنه لا يجب أن يبلغ منك الغضب كل هذا، فإن قدري أصغر من ذلك، فقال له المنصور: أنسيت استخفافك بحقي و تهجمك إياي بالكلام مرة بعد أخرى؟أنسيت نظرك إليّ شزرا؟قال: ثم غمز عليه المنصور من على رأسه، فضربه عثمان بن نهيك ضربة بالسيف على حبل عاتقه، فسقط أبو مسلم عن الوسادة و هو يقول: وا نفساه!قال: المنصور: يا ابن الخبيثة!فعال الجبارين و جزع الصبيان!قال: ثم ضربه أبو الخصيب الحاجب بالسيف ضربة على رأسه فاضطرب اضطرابا شديدا، و جعل المنصور يقول هذه الأبيات:

[ (1) ]الأصل «موسى بن عبسى» .

[ (2) ]كان المنصور قد بعث يقطين بن موسى لقبض خزائن عبد اللََّه بن علي و أمواله و ما وقع بين يدي أبي مسلم من غنائم، و ذلك بعد هزيمة عمه عبد اللََّه بن علي.

[ (3) ]انظر الطبري 7/490 و ابن الأثير 3/531.

[ (4) ]بالأصل: «بتحمنا» و لا معنى لها، و ما أثبت يناسب سياق المعنى. انظر الإمامة و السياسة 2/184 و مروج الذهب 3/357 و الأخبار الطوال ص 381.

[ (5) ]عن ابن الأثير، و بالأصل «أمية» و في مروج الذهب و ابن خلكان: آسية، و في الطبري: أمينة.

[ (6) ]في المصادر السابقة: سليط بن عبد اللََّه بن عباس.

363

اشرب‏[ (1) ]بكأس كنت تسقي بها[ (2) ] # أمرّ في الحلق من العلقم

زعمت أن الدين لا ينقضي # فاستوف بالكيل‏[ (3) ]أبا مجرم‏

قال: فلم تزل السيوف تأخذه حتى برد، فأنشأ بعضهم يقول أبياتا مطلعها:

أبا مجرم اشرب بكأس سقيته # بكف امرئ ما همّ أن يتكلما

إلى آخرها.

قال: و كان أبو دلامة الشاعر قد خدمه قبل ذلك فلم يعطه شيئا و هدده بالقتل، فلما كان ذلك اليوم و بلغه قتله أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

أبا مجرم عبدا لعيسى بن معقل # أخا دلف لا قول من يتكذب‏

إلى آخرها.

قال: و ضج أصحاب أبي مسلم و هم بالباب فاستعظموا قتله، فخرج إليهم أبو الخصيب الحاجب فقال: اسكتوا!فإن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام و قد أمر لكم بأرزاق سنية و ضمكم إلى من أحببتم من أهل خراسان، و بعد فإن أبا مسلم إنما كان عبدا من بعض عبيد أمير المؤمنين، فتعدى طوره و جاوز حده في صنائع أمير المؤمنين، مثله كثير. قال: فسكت الناس و وضعت لهم الأرزاق، ثم بعث برأس أبي مسلم إلى خراسان، و كتب المنصور إلى أبي داود[ (4) ]و هو يومئذ خليفة أبي مسلم على خراسان فولاه البلاد و بعث إليه بالخلع، و استقر أهل خراسان و نسوا أبا مسلم‏[ (5) ] كأنه لم يكن، و استقام الأمر للمنصور بعد قتل أبي مسلم، لأنه لم يبق أحد غيره.

ذكر فتح أبي جعفر[ (6) ]المنصور إرمينية و أذربيجان‏

قال: ثم دعا المنصور يزيد بن أسيد بن زافر السلمي فعقد له و ولاه بلاد إرمينية، و دعا بيزيد بن حاتم فولاه بلاد أذربيجان. قال: فسار يزيد بن أسيد من العراق إلى إرمينية، فنزل مدينة يقال لها برذعة ثم فرق عماله في البلاد، و كتب إليه [ (1) ]قبلها بالأصل: «مجرم» و قد حذفت لاستقامة الوزن.

[ (2) ]في الأصل «به» و ما أثبت عن الطبري و ابن الأثير.

[ (3) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل: و استوف بالكيد.

[ (4) ]بالأصل «ابن أبي داود» و ما أثبت عن الطبري و ابن الأثير، و اسمه خالد بن إبراهيم.

[ (5) ]بالأصل «أبو مسلم» خطأ.

[ (6) ]بالأصل: «ذكر لما فتح أبو جعفر» .

364

المنصور: أما بعد فإن بلاد إرمينية لا تستقيم و لا تصلح إلا بمصاهرة الخزر، و الرأي عندي أن تصاهر القوم حتى تستقيم البلاد، و إلا فإني خائف عليك و على جميع عمالك من الخزر، فإنهم إذا أرادوا و اجتمعوا غلبوا، فانظر و لا تخالف أمري و اجتهد في مصاهرة الخزر-و السلام-.

ذكر تزويج يزيد بن أسيد بن زافر السلمي إلى ملك الخزر

قال: فلما ورد كتاب المنصور على يزيد أرسل إلى خاقان ملك الخزر و اسمه تعاطر[ (1) ]فخطب إليه ابنته و كان يقال لها خاتون، فأجابه ملك الخزر إلى ذلك، فتزوجها يزيد بن أسيد على مائة ألف درهم، و زفت خاتون من بلاد الخزر إلى بلاد الإسلام و معها عشرة آلاف من أهل بيت من الخزر، و معها أربعة آلاف رمكة بفحولها، و ألف بغل و بغلة، و ألف إنسان، و عشرة آلاف جمل خزري من الجمال الصغار، و ألف جمل تركي كل جمل منها بسنامين، و عشرون‏[ (2) ]ألف شاة، و عشر عجلات على مثل القباب، لها أبواب مضروبة بصفائح الذهب و الفضة، مفروشة بالسمور، و مجللة بالديباج، و عشرون‏[ (2) ]عجلة فيها أمتعة و آنية من الذهب و الفضة و غير ذلك.

قال: فلما وردت بنت ملك الخزر إلى بلاد الإسلام و معها هذا الخير الكثير أنزلت بموضع يقال له القباب على باب البرذعة، قال: فأنزلت هنالك ثم أرسلت إلى يزيد أن ابعث لي نساء من نساء المسلمين حتى يعلمنني الإسلام و يقرئنني القرآن، فإذا تعلمت ذلك فشأنك بي. فأرسل إليها يزيد بعدة نساء من برذعة، فعلمنها الإسلام و أقرأنها القرآن. قال: و لم يبق قائد من قواد يزيد بن أسيد إلا و هدى لها من الهدايا على قدر طاقته، حتى إذا تعلمت خاتون القرآن و عرفت الإسلام ألقت عنها السيف و الخنجر، فعلم يزيد بن أسيد أنها أذنت له في الدخول، فأقبل عليها بإذنها و إذا قد اختضبت و تزينت. قال: فبنى بها يزيد بن أسيد، و أقامت عنده سنتين و أربعة أشهر، و ولدت منه ولدين ثم ماتت‏[ (3) ]بعد ذلك و مات ولداها جميعا ببرذعة، فاغتم عليها يزيد غما شديدا.

[ (1) ]كذا و لم نعثر به. و انظر خبر مصاهرة يزيد ملك الخزر في فتوح البلدان ص 211.

[ (2) ]بالأصل: عشرين.

[ (3) ]في فتوح البلدان: ولدت منه ابنا فمات و ماتت في نفاسها.