الفتوح - ج8

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
443 /
365

ذكر انتقاض الخزر على المسلمين بعد موت خاتون‏

قال: و علمت الخزر بموت خاتون بنت ملك الخزر، فتحركوا على المسلمين فاجتمعوا في جيش عظيم و ساروا حتى افترقوا من الباب و الأبواب. قال: و سار إليهم يزيد بن أسيد في قريب سبعة آلاف فارس فلم يكن له بهم طاقة، فكتب إلى أبي جعفر المنصور و خبره بذلك، فلما قرأ المنصور كتاب يزيد اغتم لذلك و خشي أن ينتقض عليه أمره، فكتب إلى أهل الشام و أخبرهم بأن يلحقوا يزيد بن أسيد[ (1) ] بأرمينية!فوافى يزيد نيف عن عشرة آلاف رجل، ثم وافته عساكر العراق عسكرا بعد عسكر، فأول من وافى من العراق جبريل بن يحيى في عشرة آلاف، و مخلد بن الحسن في عشرة آلاف، و حميد بن قحطبة في عشرة آلاف، و حرب الراوندي‏[ (2) ]في خمسة آلاف، فذلك خمسة و ثلاثون ألفا من أهل العراق. قال: و سار يزيد بن أسيد[ (1) ]و معه عشرون ألفا من أهل الشام و الجزيرة، و خمسة و ثلاثون ألفا من أهل العراق، فذلك ستون ألفا. قال: و سار بهم يزيد حتى دخل نهر الكرم و صار إلى بلد الشروان. قال: و إذا كراديس الخزر قد أقبلت مثل النيل و قطع الليل في زهاء عن مائتي ألف فارس. قال: و التقى للقتال في أرض الشروان، فلم ير المسلمون يوما كان أشد منه، و ذلك أنه قتل منهم مقتلة عظيمة، و انهزم يزيد بن أسيد حتى دخل مدينة برذعة، و مضى خاقان ملك الخزر و أصحابه و قد غنموا غنيمة لم ير مثلها.

قال: و مضى يزيد إلى العراق فخبر المنصور بما نزل بالمسلمين من الخزر، فاغتم المنصور لذلك غما شديدا. ثم قال: ويحك يا يزيد!فما الحيلة؟قال:

الحيلة أن تجعل في الأبواب أجنادا يرتبون فيها فتكون ردا للخزر و حوزا للإسلام، و ما أرى رأيا غير هذا، فعندها بعث المنصور إلى جميع الكور الذي بالشام و الجزيرة و العراق، و انتخب من أهل النجدة سبعة آلاف رجل كل رجل يعد برجال. ثم دعا إبراهيم بن أبي عون و الهيثم بن سعد و ضم إليهما عشرين‏[ (3) ]ألفا، ثم أرسل إلى مدائن الشام و الجزيرة فحشر من أجنادها عشرة آلاف، ثم ضم الكل إلى يزيد بن أسيد، ثم أمره بالمسير إلى أرمينية.

و سار إلى مدينة برذعة ثم رحل منها حتى صار إلى نهر الكر فعبر بهؤلاء الخلق [ (1) ]الأصل: يزيد.

[ (2) ]عن المطبوعة، و بالأصل «الدويري» .

[ (3) ]بالأصل: عشرون.

366

و سار بهم حتى صار إلى مدينة الباب و الأبواب فنزلها و رمّها و أحكم الأبواب التي لها.

ثم أمر ببناء الأبواب فبنيت على هيئة مدينة النبات ممدودة على السور إلى جبل يقال له الكنك‏[ (1) ]. فأول الأبواب باب يقال له كمبخ ثم البردنة ثم الحميد ثم باب الحديد و باب واف و باب الرسل الصغرى و باب الرسل الكبرى و باب أرسى و باب أدر موسى و هو آخر الأبواب‏[ (2) ]. قال: ثم فرق يزيد بن أسيد هؤلاء الأجناد الذين كانوا معه فأنزلهم الباب و الأبواب و جعلها مسكنا لهم و لعقبهم، و أجرى لهم الأرزاق التي كانت بنو أمية أجرت لهم قبل ذلك.

قال: ثم بعث المنصور بعد ذلك إلى يزيد بن أسيد فعزله عن إرمينية و ولى مكانه بكار بن مسلم العقيلي فكانت ولايته سنة و أربعة أشهر، ثم عزله المنصور و ولى مكانه الحسن بن قحطبة الطائي، فأقبل حتى دخل إرمينية في خمسين ألفا من أهل خراسان و أهل الشام و العراق. فلما دخل الحسن بن قحطبة إلى بلاد إرمينية انتقضت عليه الضياربة[ (3) ]. و هم صنف من أصناف الكفار بأرض يقال لها أرض جرزان فلم يقدر الحسن بن قحطبة على أن يسكنهم فكتب إلى المنصور، فأمده المنصور بأربعة من قواده منهم عامر بن إسماعيل الجرجاني‏[ (4) ]و عيسى بن موسى الخراساني و الفضل بن دينار و مقاتل بن صالح، فأقبل هؤلاء القواد في ثلاثين ألف فارس فسار بهم الحسن بن قحطبة إلى جرزان. قال: و اجتمعت الضياربة و أهل حا [?] ط[ (5) ]و هم أيضا صنف من الكفار فاجتمعوا على المسلمين في جمع عظيم و اقتتلوا، فظفر اللََّه المسلمين بهم، فقتلوا في معركة واحدة منهم عشرة آلاف و أغنمهم اللََّه أموالهم و دوابهم و سلاحهم، و رجع قواد المنصور إلى العراق.

و بقي الحسن بن قحطبة بإرمينية، فأقبل حتى نزل إلى مدينة برذعة، و دعا بابن له يقال له قحطبة فولاه الباب و الأبواب، و دعا بابنه إبراهيم فولاه بلاد جرزان من تفليس و ما والاها، و دعا بابنه محمد فولاه إرمينية الرابعة من بلاد أخلاط و قاليقلا[ (6) ] [ (1) ]كذا بالأصل، و لم نعثر به.

[ (2) ]كذا بالأصل و انظر ما ورد في معجم البلدان في حصون و شعاب و جبال باب الأبواب.

[ (3) ]كذا، و قد ورد ذكر «الصنارية» في فتوح البلدان فقد تكون إحدى اللفظتين محرفة عن الأخرى.

[ (4) ]في مروج الذهب: «المذحجي» و في الطبري: الحارثي.

[ (5) ]كذا بالأصل بدون نقط.

[ (6) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «فاليفلا» .

367

و ما والاها[ (1) ].

ذكر موشابذ[ (2) ]البطريق و محمد بن الحسن بن قحطبة

قال: و كان بأرمينية الرابعة بطريق يقال له موشابذ[ (2) ]و كان من أبناء ملوك الروم و ساداتهم، و كان محمد بن الحسن بن قحطبة هذا رجلا شرها لا يسعه شي‏ء من شدة حرصه على أخذ الأموال، و كان لا يرى على هذا البطريق شيئا حسنا إلا يأخذه، فرأى في إصبعه خاتم فضة من ياقوت من أحسن شي‏ء يكون، فقال له: هبني هذا الخاتم فقد أعجبني!فقال موشابذ: إن هذا خاتم أبي و ليس أحب أن يصير إلى غيري، و لكن يقومه الأمير أيده اللََّه و يأخذ مني قيمته!قال: فأبي إلا أخذ الخاتم، فقال له موشابذ: إذا كان غدا و جهت به إليك مع ما يشبهه. قال: و انصرف موشابذ إلى منزله ثم كتب من ساعته إلى بطارقته الذين حوله فاستعان بهم على حرب محمد بن الحسن بن قحطبة، فأجابه إلى ذلك. فجمع موشابذ البطارقة و جعل يحاربه، و سمع بذلك حمرة بن جرجيق بطريق بلاد جرزان فجمع الجموع و جعل يقاتل إبراهيم بن الحسن بن قحطبة و هو يومئذ بمدينة برذعة، فضاق به الأمر و لم يدر ما يصنع. قال: و اجتمع إليه الكفار من كل ناحية غضبا منهم لموشابذ، فلم يكن للحسن بهم طاقة، فكتب إلى المنصور بذلك، فأمده بعشرة آلاف من أهل العراق، فساروا حتى نزلوا بمدينة أخلاط و سار إليهم الحسن بن قحطبة من برذعة في جيش عرمرم، و التقى القوم على شاطئ بحيرة أخلاط، فاقتتلوا فقتل موشابذ البطريق و قتل معه نيف من ثلاثة آلاف، و انهزم الباقون على وجوههم و السيف يأخذهم إلى أن صار المسلمون إلى كنيسة موشابذ فأصابوا فيها مالا كثيرا و سلاحا و متاعا فأخذوه، ثم رجعوا إلى موشابذ فأخذوا رأسه و رؤوس أصحابه من البطارقة و العلوج‏[و أرسلوها] إلى المنصور، فأنشد عقبة بن طير النميري يقول أبياتا مطلعها:

ألم تر أعلجا ساروا إلينا # مغلقة الكنائس بادرينا

إلى آخرها.

[ (1) ]انظر ما ورد في فتوح البلدان عن ولاية الحسن بن قحطبة الطائي لأرمينة.

[ (2) ]ورد في فتوح البلدان «موشائيل» .

368

ذكر وفاة أبي جعفر

قال: فلما أتت على أبي جعفر في خلافته عشرون‏[ (1) ]سنة دعا بوجوه بني هاشم و وجوه قواده و خاصته و أخذ عليهم البيعة لابنه محمد بن المنصور و سماه المهدي، و جعله ولي العهد من بعده. و كتب له على الناس بذلك كتابا[ (2) ]، و أخذ عليهم العهود و المواثيق. ثم دعا بابنه المهدي فأمره بالخروج إلى جرجان، و أوصاه أن يحسن إلى الناس. ثم أوصاه و قال‏[ (3) ]: يا بني!أنت خارج إلى هذا الوجه و لست أدري ما يكون من الحدثان فافهم على ما أقول لك، اعلم يا بني!أن الخليفة لا يصلحه إلا الطاعة[ (4) ]، و الرعية لا يصلحها إلا العدل، و أولى المسلمين بالعدل أقدرهم على العفو[ (5) ]، و أنقص الناس عقلا[ (6) ]من ظلم من هو دونه. قال: ثم جعل المنصور يتمثل بهذين البيتين:

العيش أحلى ما يكو # ن على حلاوة أمره

كم شامت بي إن هلك # ت و قائل للّه دره‏

قال: ثم ودعه المنصور و انصرف، و مضى المهدي إلى جرجان.

قال يزيد بن عبد اللََّه الهلالي: حدثني سراج خادم المنصور قال: خرج المنصور حاجا بعد خروج المهدي إلى جرجان و نزل منزلا في طريق مكة و نظر و إذا في وسط المنزل و الطريق هذه الأبيات:

لعمرك ما حجت قريش لحبه # و لكنها حجت لحب الدراهم

و ما حجت الأنصار إلا تعرضا # لسب ولي العهد من آل هاشم

و لا حجت الأعراب إلا ضراعة # مدنسة الأثواب ركن الدعائم

و لكنّ من قد حجّ من صلب ماله # على نية أبناء تلك الأعاجم‏

[ (1) ]الأصل: عشرين.

[ (2) ]كذا، و المشهور أن المنصور عمد سنة 147 إلى خلع عيسى بن موسى بن محمد بن علي من ولاية عهده و بويع للمهدي محمد بن المنصور (انظر الطبري-ابن الأثير) .

[ (3) ]انظر الطبري و ابن الأثير حوادث سنة 158.

[ (4) ]في ابن الأثير 3/630 لا يصلح السلطان إلا بالتقوى. و لا تصلح رعيته إلا بالطاعة.

[ (5) ]ابن الأثير: و أقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة.

[ (6) ]ابن الأثير: و أعجز الناس من ظلم.

369

قال: و إذا أسفل بيتين مكتوبة أيضا:

لعمري لئن كانت قريش تعرضت # لسب امرئ عام عن الحق ظالم

لما صادفت ذا المكرمات ابن جعفر # و لا مصعبا جمال تلك المعالم‏

قال: فعلم المنصور أنها كتابة قديمة، فقرأها و حفظها إلى أن دخل مكة، فنزل في دار من دورها، فإذا على الحائط الذي للدار مكتوب بخط جليل القدر.

قال: فأمر الربيع أن يقرأ ما على الحائط، فامتنع من قراءتها، فقام المنصور ليقرأها، و إذا هما بيتان من الشعر:

أبا جعفر حانت وفاتك و انقضت # سنوك‏[ (1) ]و أمر اللََّه لا شك‏[ (2) ]واقع‏[ (3) ]

أبا جعفر هل‏[ (4) ]كاهن أو منجم # لك اليوم عن رد المنية دافع‏[ (5) ]

قال: فرفع المنصور إلى فراشه فأسقط في يده حتى امتنع من الطعام و الشراب، فلما قضى حجه و أراد الانصراف اعتل علة شديدة و أيس من نفسه.

قال الرقاشي: حدثني أبو كلثوم صاحب المنصور قال: دعاني المنصور بمكة و هو شديد العلة، قال: قد علمت بما كان من ملك مع أبي مجرم‏[ (6) ]في أيامه و ما كنت تفشي إليه من سري، و اللََّه لأقتلنك أشر قتلة، فلا تعجل إلا أن أقوم من علتي هذه!قال: فخرجت من عنده و الموت قابض على حلقي، فمن شدة ما كان بي من الغم حملني النوم فإذا بهاتف يهتف بي بهذا البيت و هو يقول:

يعقد المرفق لي بيمين # و هو في غفلة بريب المنون‏

قال: فانتبهت فزعا مرعوبا، فارتفعت الضجة فقلت: ما الخبر؟فقالوا:

مات أمير المؤمنين.

قال أيوب بن عبد اللََّه صاحب المنصور: كانت خلافة المنصور اثنتين و عشرين [ (1) ]عن الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب، و في الأصل «سو [?] ك» .

[ (2) ]في المصادر المذكورة: لا بد.

[ (3) ]في مروج الذهب: نازل.

[ (4) ]عن المصادر السابقة، و بالأصل «كل» .

[ (5) ]في مروج الذهب:

برد قضاء اللََّه، أم أنت جاهل‏

[ (6) ]يريد «أبا مسلم الخراساني» .

370

سنة إلا سبعة أيام، و توفي ببئر ميمون بن الحضرمي و دفن هناك. و قال الرقاشي: قال أبو كلثوم: مات ببئر ميمون و دفن بالحجون‏[ (1) ]لست ليال خلون من ذي الحجة[ (2) ] سنة ثمان‏[ (3) ]و خمسين و مائة و هو ابن أربع و ستين سنة[ (4) ].

[خلافة المهدي‏]

و صار الأمر إلى ابنه المهدي و اسمه محمد، و أمه أم موسى ابنة منصور الحميرية[ (5) ]، فقدم المهدي من جرجان و قعد في الخلافة عشر[ (6) ]سنين و مات-و اللََّه أعلم و أحكم-، و كان للمهدي أخبار و أسمار لا تدخل في الفتوح.

قال ابن يقطين‏[ (7) ]: كنا عند المهدي ذات يوم فقال: إني أصبحت جائعا فأتوني بشي‏ء!قال: فأتي بأرغفة و لحم بارد، فأكل ثم قام فقال: إني داخل ذلك النهر[ (8) ]نائم فيه فلا يوقظني أحد حتى أستيقظ أنا من ذاتي!إذ سمعنا بكاءه، فبادرنا إليه و قلنا: مما بكاءك؟فقال: رأيت الساعة رجلا لو كان في مائة رجل لما خفي، فوقف على باب هذا النهر و جعل يقول هذه الأبيات فحفظتها منه‏[ (9) ]:

كأني بهذا القصر قد باد أهله # و أوحش منه أهله و منازله

و صار عميد القوم من بعد نعمة # و ملك إلى قبر عليه جنادله

فلم يبق إلا ذكره و حديثه # تنادي بليل معولات حلائله‏

[ (1) ]بالأصل «بالحجور» و الحجون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها.

[ (2) ]بالأصل «محرما» .

[ (3) ]بالأصل «تسع» .

[ (4) ]في يوم وفاته و مقدار عمره و مدة خلافته اختلاف انظر مروج الذهب 3/344 تاريخ اليعقوبي 2/381 الطبري 9/293 ابن الأثير 3/627 تاريخ خليفة ص 429 التنبيه و الأشراف ص 341 العقد الفريد 5/114 المعارف ص 378 البداية و النهاية 10/122.

[ (5) ]هي أروى بنت منصور، أخت يزيد بن منصور الحميري، كانت تكنى أم موسى انظر ابن الأثير 3/628.

[ (6) ]بالأصل «ست» خطأ.

[ (7) ]هو علي بن يقطين، كان في يده خاتم الخلافة أيام الهادي، و لم يلبث أن قتل على الزندقة.

[ (8) ]كذا بالأصل و مروج الذهب 3/395 و في الطبري و ابن الأثير (حوادث سنة 169) : البهو.

[ (9) ]في المصادر الثلاثة باختلاف بعض الألفاظ.

371

قال: فلم يشك أحد أن أجله قد اقترب. قال علي بن يقطين: فكنا معه بعد ذلك في قصر الرصافة ببغداد فأرسل إلى وجوه بني هاشم و رؤساء القوم فأحضرهم ثم أخذ عليهم البيعة لابنه موسى و سماه الهادي و جعل هارون من بعده ولي العهد و سماه الرشيد، فقال في ذلك أهل الأدب هذه الأبيات:

قد نشرت أرضنا السماء به # و قال فيه من يقرأ الكتبا

محمد مورث خلافته # موسى و هارون بيعتان أبا

و قد ذكر ذلك أيضا مروان بن أبي حفصة في قصيدة له حيث يقول:

عقدت لموسى بالرصافة بيعة # شد الإله بها عرى الإسلام

موسى الذي عرفت قريش فضله # و لها فضيلتها على الأقوام

مهدي آمنة التي أمنت به # للذل آمنة من الإعدام

موسى وصي عصا الخلافة بعده # جفت بذاك مواقع الأقلام

فلتعلون خير مدافع # أعواد منبرها و طرفك سام‏

قال: ثم لم يلبث المهدي بعد ذلك قليلا حتى مات‏[ (1) ]، فكانت مدة خلافته عشر سنين و شهرا واحدا، و توفي بموضع يقال له ما سبذان و دفن في دير الغنم ليلة الخميس لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع و ستين و مائة[ (2) ].

[خلافة موسى الهادي بن المهدي‏][ (3) ]

و صار الأمر إلى ابنه الهادي و يكنى أبا محمد[ (4) ]، و قد كان موسى يومئذ بجرجان فولى له البيعة أخوه هارون ببغداد، و قدم عليه لأخذ البيعة مولى له يقال له نصير. قال: فكان موسى هذا مفتوح الفم لا يطيق بضم شفتيه فلذلك قيل له:

موسى أطبق. و قد كان مع ذلك لا يفتر عن الشرب ليلا و نهارا، و لم يكن له شي‏ء من [ (1) ]ورد في المصادر السابقة أنه مات بعد رؤياه بعشرة أيام.

قيل إنه مات مسموما بلبإ فيه سم. و قيل إنه قدمت إليه كمثراة (من الكمثرى) مسمومة.

[ (2) ]اختلفوا في مدة ولايته و مقدار عمره، انظر الطبري 8/171 ابن الأثير 4/6 مروج الذهب 3/377 تاريخ اليعقوبي 2/402 تاريخ خليفة ص 439 المعارف ص 379.

[ (3) ]استدرك عن هامش الأصل.

[ (4) ]بالأصل «أبا القاسم» و ما أثبت عن تاريخ بغداد.

372

الفتوح، و له أخبار مع العلوية لا نحب أن نوردها.

قال أبو بشر المازني: حدثني صباح مولى المهدي قال: حدثني مراقب مولى المهدي قال: كانت تحت الهادي امرأة يقال لها أم موسى‏[ (1) ]، فقال لها الهادي: ما آسف على شي‏ء من أمر الخلافة إلا عليك و أخاف أن يتزوجك أخي هارون من بعدي، فقالت: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين!ما كنت لأفعل ذلك و لا يجتمع رأسي و رأسه أبدا!قال: فأرسل موسى إلى أخيه هارون فدعاه و استحلفه بالأيمان المؤكدة أنه لا يتزوج أم موسى من بعده، فحلف له هارون بما استحلفه. ثم مات الهادي من تلك الخبيثة التي ظهرت برجله‏[ (2) ]، فكانت خلافته سنة و شهرين و عشرين يوما، و توفي ببغداد يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين و مائة و هو ابن ثمانية و عشرين سنة[ (3) ]، و صار الأمر إلى أخيه هارون أبي جعفر بن محمد المهدي و هو الرشيد، و أمه الخيزران أم ولد، و قال قوم: لا بل كانت عربية.

[خلافة هارون الرشيد][ (4) ]

قال إبراهيم بن إسحاق الموصلي: أخبرني أبي قال: فلما أفضت الخلافة إليه بعث إلى أم موسى‏[ (5) ]امرأة أخيه فخطبها، فأرسلت إليه: أو ليس قد حلفت يا أمير المؤمنين لأخيك ما حلفت؟فأرسل إليها: إني كفّرت عن يميني!فزوجته نفسها، فبينما هي ذات يوم نائمة مع الرشيد إذا انتبهت مرعوبة فزعة، فقال لها الرشيد: ما قضيتك؟فقالت: يا أمير المؤمنين!رأيت الساعة سيدي موسى الهادي أخذ بعضادة هذا الباب و هو يقول هذين البيتين:

إن الذي غره منكن واحدة # بعدي و بعدك في الدنيا لمغرور

[ (1) ]في الطبري «أم العزيز» و قد تزوجها الرشيد بعد الهادي و أولدها علي بن الرشيد.

[ (2) ]في موته أقوال منها أن أمه الخيزران قتلته بعد ما حاول خلع الرشيد من ولاية عهده و البيعة لابنه جعفر، فدست جواريها قتلنه بالغم و الجلوس على وجهه فمات.

[ (3) ]في يوم موته و مدة ولايته و مقدار عمره أقوال. انظر في ذلك: الطبري 10/38 مروج الذهب 3/397 الأخبار الطوال ص 386 ابن الأثير 4/18 العقد الفريد 5/116 تاريخ خليفة ص 446 المعارف ص 381 التنبيه و الأشراف ص 344 تاريخ اليعقوبي 2/406.

[ (4) ]عنوان استدرك عن هامش الأصل.

[ (5) ]مرّ أنها أم العزيز.

373

أنت التي خنت عهدي بعد موثقة # إن لا يكن كذبت عنك الأخابير

قال فقال لها الرشيد: هذا من عمل الشيطان.

قال: ثم إن الرشيد اتخذ البرامكة و جعلهم وزراءه، و أفشى إليهم أسراره و قدمهم على غيرهم. قال إسماعيل بن عزوان: كنت من منزل ثمامة بن أشرس فسمعته يقول: لم يجتمع لخليفة قط من ولد العباس ما اجتمع للرشيد، وزراؤه البرامكة الذين لم ير مثلهم و لا جودهم و كرمهم فيمن مضى و سلف، و نديمه العباس‏[ (1) ]بن محمد، و حاجبه‏[ (2) ]الفضل بن الربيع أعظم الناس أبهة و أكمل الناس نعمة، و قاضيه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم و جندب دهره في الحيل و أمضى أصحابه في الحكمة، و شاعره مروان بن أبي حفصة كبير دهره، و مغنيه‏[ (3) ]إبراهيم الموصلي، و ضاربه بالعود زلزل، و زامره برصوما[ (4) ]، و أكبر من هذا قدرا و أفخر زوجته زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور التي كانت من أرغب الناس في الخير، و هي التي جاءت بالماء إلى الحرم بعد امتناعه-و غير ذلك مما لا يحصى-.

قال ثمامة بن أشرس: و لا اجتمع لأحد من بني العباس و لا غيرهم ممن مضى من الخلفاء و لا من بني أمية و لا لخلق ممن ولي الخلافة من المال ما اجتمع عند الرشيد، و ذلك أنه اجتمع في خزانته بيور من المال-و البيور: ألف ألف دينار-، و هذا لا يحصى إلا أن يكتب و يحسب بعد ذلك.

تم كتاب الفتوح [ (1) ]كذا و في البداية و النهاية: عمر بن العباس بن محمد.

[ (2) ]بالأصل «صاحبه» .

[ (3) ]بالأصل «شيعته» .

[ (4) ]عن الأغاني، و بالأصل «برصوا» . ـ

374

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

375

[حكاية الإمام الشافعي مع الرشيد][ (1) ]

حدثنا أبو محمد قال: أخبرنا عبد اللّه بن محمد البلوي قال: حدثني عمار بن يزيد المدني قال: حدثني أحمد بن عبيد الحيري-و كان من غلبة أصحاب العلم-قال:

دخلت ذات يوم أنا و محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة على الرشيد فناظرنا بين يديه ساعة، فقال الرشيد: هل تعرفان لي رجلا يقوم بصدقات اليمن أوليه ذلك؟فقال محمد بن الحسن: بلى يا أمير المؤمنين قد وجدته. قال: و من هو؟قال:

محمد بن إدريس الشافعي، و هو رجل فقيه عالم، و يجمعه و إياك يا أمير المؤمنين عبد مناف بن قصي، فقال الرشيد: عليّ به لكي أنسبه. قال: يا أمير المؤمنين!هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن‏[ (1) ]عبيد بن عبد يزيد[ (2) ]بن هاشم بن المطلب‏[ (3) ][بن عبد مناف-][ (4) ]بن قصي. فقال الرشيد:

عليّ به!فما كان بأسرع أن أتي بالشافعي، فلما دخل و قضى حق التسليم أمره بالجلوس فجلس، فقال: يا شافعي!فقال: لبيك يا أمير المؤمنين!فقال: كيف علمك بكتاب اللّه؟فإنه أولى ما يبتدأ به، فقال: يا أمير المؤمنين!إن اللّه تبارك و تعالى قد جمعه في صدري و جعل ديني دفينه، فأنا أعقد عليه في كل أموري، و لكن أعلم فأي علم تريد مني يا أمير المؤمنين؟علم بتنزيله أو علم تأويله، أم علم مكية أم علم مدنية، أم‏[علم‏]ليله أم علم نهاره، أم سفره أم حضره‏[ (5) ]، أم ناسخه [ (1) ]استدراك عن هامش الأصل.

[ (2) ]عن جمهرة ابن حزم ص 73 و بالأصل «عبد مناف» .

[ (3) ]عن ابن حزم، و بالأصل «عبد المطلب» .

[ (4) ]عن ابن حزم.

[ (5) ]بالأصل: أم سفر [?] أم حضر [?] .

376

أم منسوخه، أم محكمه أم متشابهه. قال: فتبسم أمير المؤمنين الرشيد ثم التفت إليه و قال: إن الرجل لكما و صفت إن لم تكن فيه نخوة قريش!قال: فسكت الإمام الشافعي و لم يقل شيئا، فقال له الرشيد: كيف علمك بالفرائض؟فقال: يا أمير المؤمنين ما شذّ عليّ شي‏ء منها، و إني لأعرف حلالها و حرامها و اختلافها، فقال:

و كيف علمك بالأحكام؟فقال: يسأل أمير المؤمنين عما شاء و عن أي نوع شاء من نوع الأحكام و ما اختلف فيه الإسلام، فقال: كيف علمك بالطب؟فقال: إني لأعرف ما قالت فيه فلاسفة الهند و الروم و أبقراط و جالينوس و أرسطاطاليس و غيرهم من العلماء و الحكماء، قال: فكيف علمك بالنجوم؟قال: إني لأعلم قطب الدائرة[ (1) ] و منازل القمر و البروج كلها من المؤنث و المذكر و ما يهتدى به البر و البحر، قال:

فكيف علمك بالشعر؟فقال: لقد رويت منه القديم و الحديث، و الجد و الهزل، و ما يحض على المكارم و البذل، قال: فكيف علمك بالعرب؟فقال: إني لأعرف أنساب السادة الكرام و الأراذل اللئام، فقال الرشيد: يا ابن إدريس!لقد ادعيت من العلوم عظيما و إخالك بما ذكرت عليما، فعظ أمير المؤمنين عظة تبين له بعض ما ادعيت!فقال: نعم يا أمير المؤمنين!على طرح الحشمة و ترك الهيبة و قبول النصيحة و إلقاء رداء الكبرياء عن عاتقك، فقال الرشيد: و لك ذلك و أنت آمن، فقل ما بدا لك!قال: فجثا الشافعي على ركبتيه بين يديه ثم قال: يا ذا الرجل!من أطال عنان الأمر في العز طوى عنان الحزن في المهلة، و من لم يبادر إلى طريق النجاة كان مقيما على قلة الاكتراث بالمرجعة إلى اللّه تعالى، و من استعمل حسن الظن فيما يحذر من المحذور كان في أمره كمثل نسج العنكبوت، و أليس الناس من بادر مطايا المراجعة إلى دار المقامة، و لو فعلت ذلك لما أنفذت إليك يد الندامة و لا الحسرات غدا في عرصات القيامة، و لكنك أتيت من جلد لا يؤدى حقه إلى طليل، و من أذن يمج الكلام مجي عن اذنك ثم أعقبك التواني و الاغترار بنفسك، و لو كان لك دليل يدل على ما سقط من عيبك لشغلك ذلك عن عيب غيرك لكن ضرب عليك الهوى رواق الحيرة فتركك إذا أخرجت يدك لم تكد تراها، و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور!فاتق اللّه أيها الرجل تقوى من يعلم أن اللّه عليه رقيب، و من علم أن اللّه بالقيامة حسيب. قال: فدمعت عينا أمير المؤمنين الرشيد حتى بلّ منديله، فقال له بعض خدم الخواص: اسكت فقد أبكيت أمير المؤمنين!قال: فالتفت إليه [ (1) ]بالأصل «القطب الدائر» .

377

الشافعي مغضبا ثم قال: إليكم عني يا عبيد الرجعة!أ و لستم الذين باعوا أنفسهم من هذه الدنيا بطلب الشفعة!أما رأيتم من استدرج من الأمم الماضية و القرون الخالية! أما رأيتم كيف علم مستورهم و أمطرت عليهم المنايا بالفناء فاضمحل سرورهم فأضحوا بعد خفض عيشهم و لين رفاهتهم في نسيم البطالين حصائد النعم و مدارج المتالف و النقم. قال فقال الرشيد: يا ابن إدريس: لقد سللت علينا حسامك من لسانك و هو أمضى من سيفك و سنانك!فقال: يا أمير المؤمنين!هو لك إن شئت و إن قبلت. و إن شئت كففت عن ذلك!قال الرشيد: فإنا قد قبلنا موعظتك و نحن موجهوك إلى أرض اليمن لتكون على صدقاتهم، فسر على بركة اللّه و عونه!و لا ترفعن إليّ باطلا و لا تمنعن ذا حق حقه. قال: ثم خلع عليه الرشيد و حمله و أحسن جائزته، و أمر الكاتب أن يكتب له عهدا.

و سار الشافعي حتى دخل اليمن فأقام بها حولا كاملا، و اتصل الخبر إلى الرشيد أن الشافعي يريد أن يخرج عليه علويا بأرض اليمن-و كان الخبر باطلا، فغضب الرشيد لذلك غضبا شديدا، ثم أرسل إلى الشافعي فحمله، و حمل معه بضعة من أصحابه حتى وافوا الرشيد، قال: و بلغ الخبر إلى محمد بن الحسن [فأقبل‏]على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين!تأن في أمر هذا الرجل و لا تعجل عليه، فإنه فقيه الحجاز و أنا مخالف له على مذهبه، و لعل الناس يقولون أنا الذي سعيت به إلى أمير المؤمنين!قال: فزبره الرشيد زبرة و قال: اخرج من بين يدي فأنت الذي أشرت عليّ به، فو اللّه لأقتلنه قتلة ما سبقني أحد إليها. قال: فخرجت إلى الشافعي فإذا هو في سراويله و قد عري من ثيابه، فتقدمت إليه و قلت: لا عليك أبا عبد اللّه!اتق اللّه و اتكل عليه، فإني أرجو أن يكون لك من اللّه فرج و أن يسلمك اللََّه منه، فإني قد كلمته فيك فزبرني حتى اتقيته على نفسي غير أنه رجل فصيح، و أنت بحمد اللََّه قد رزقت الفصاحة، فهيئ له كلاما تستمليه به، قال: فإني لكذلك أكلمه. إذ دعا به فأدخل، فلما رآه الرشيد قال: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ [ (1) ]فقال الرشيد: أ و ليس الكلام و الأمر على ما قيل فيك يا ابن إدريس؟ فقال: يا أمير المؤمنين!أ و ليس في الناس علوي إلا و يظن أن الناس له عبيد!فكيف أخرج رجلا يريد أن يجعلني عبدا و أغدر بسادات بني عبد المطلب و أنا منهم و هم [ (1) ]سورة الحجرات، الآية 6.

378

مني!قال: فسكن عن الرشيد غضبه، ثم قال: أستغفر اللََّه من كل ذنب و خطيئة! اجلس، فجلس، ثم قال الرشيد: يا غلام عليّ بتخت من ثياب العلماء!فأتي به فخلع عليه، ثم قال: عليّ بمحمد بن الحسن!و أنا من وراء الستر فدخلت فرحا مسرورا، فقال الرشيد: يا محمد!قد شهد قلبي لهذا الرجل بالصدق، فاجلس معه و ناظره إلى وقت خروجي إليكما، و حلفه أن لا يرخص في يمين المكره. قال: ثم وثب الرشيد فدخل إلى قصره، قال: فأقبلت على الشافعي فقلت: يا أبا عبد اللََّه! من كان في طاعة اللََّه كان اللََّه في حاجته. قال: فناظرته ساعة، ثم قلت: الساعة يخرج أمير المؤمنين و قد أمرني أن أحلفك أن لا ترخص في اليمين المكرهة، فقال:

و قد عزمت على أن تحلفني؟فقلت: بهذا أمرني أمير المؤمنين، فقال: يا أبا عبد اللََّه!و أمير المؤمنين لا يعلم بيميني هذه التي حلفتها لك أنا هي يمين مكره، فقلت:

صدقت. فخرج الرشيد فوثبت قائما و قام الشافعي، فقال الرشيد: يا محمد!حلفته كما أمرتك؟قال فقلت: يا أمير المؤمنين!إنه يزعم أنه مكره على يمينه، فضحك الرشيد، ثم قال: يا شافعي!لا ترخص في يمين المكره فإنها لازمة لك و لمن حلف بها، فقال الشافعي: السمع و الطاعة يا أمير المؤمنين. قال الرشيد: فهل من حاجة خاصة قبل العامة؟فقال الشافعي: نعم يا أمير المؤمنين!حاجتي النظر في أمور الرعية و القسم بالسوية، فقال الرشيد: و من يطيق ذلك يا ابن إدريس؟فقال: يطيق ذلك من تسمى باسمك و استعد إلى موضعك، قال الرشيد: ثم ما ذا؟قال: انظر لجيران رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، قال الرشيد: و ما أصنع بهم؟قال: تغمر الفقير و تحسن الصنيعة إلى أولاده و أولاد أصحابه، قال الرشيد: أفعل ذلك يا غلام!احمل إلى المدينة ثلاثمائة ألف درهم و فرق عليهم، و إلى أهل مكة مثل ذلك. ثم التفت إلى محمد بن الحسن فقال: هل ناظرته بشي‏ء؟قال: نعم يا أمير المؤمنين!قد جرت بيني و بينه مناظرة. قال: فناظره بين يدي حتى أسمع، فأقبل عليه محمد بن الحسن فقال: أبا عبد اللََّه!ما تقول في رجل تزوج امرأة و دخل بها، و تزوج ثانية و لم يدخل بها، و تزوج ثالثة و دخل بها، و تزوج رابعة و لم يدخل بها، ثم أصاب الثانية أمّ الأولى، و أصاب الرابعة عمة الثالثة؟فقال الشافعي: أما الثانية فلا يدخل بها لقول اللََّه عز و جل‏ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [ (1) ]و قد دخل بابنتها فحرم عليه الدخول [ (1) ]سورة النساء، الآية 23.

379

بأمها[ (1) ]، و أما الرابعة فلا يدخل بها

لقول النبي صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم: لا يتزوج الرجل المرأة على عمتها و لا على خالتها.

ثم أقبل عليه الشافعي و قال: ما تقول رحمك اللََّه أبا عبد اللََّه!كيف استقبل النبي صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم يوم النحر و كيف كبر؟قال: فتقنع محمد بن الحسن و لم يكن عنده من ذلك جواب، فقال الشافعي: يا أمير المؤمنين!يسألني عن الأحكام فأجيبه، و أسأله عن سنة من سنن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم فلم يجبني، فقال الرشيد: قد كان ذلك. ثم قال: يا غلام!بدرة تحمل إلى منزل الشافعي!ثم أقبل عليه الرشيد و قال: إذا شئت فانصرف!قال: فانصرف الشافعي إلى منزله غانما سالما مؤيدا من ربه-رحمة اللََّه و رضوانه عليه-.

و أيضا خبر الشافعي-رحمة اللََّه عليه-

حدثنا أبو محمد قال: أخبرنا بعض أهل العلم قال: سمعت أبا العباس يقول- و هو محمد بن يزيد المبرد اليماني البصري-قال: كان الشافعي-رحمه اللََّه-من أشعر الناس، قال: فأخبرني الربيع بن سليمان أن الشافعي نعى إليه بعض إخوانه فحزن عليه حزنا شديدا و حضر جنازته، فلما صلى عليه و دفن التفت إلى ابن أخيه فأنشأ يقول هذه الأبيات:

إني أعزيك لا أني على طمع # من الحياة و لكن سنة الدين

فما المعزي بباق بعد صاحبه # و لا المعزى و إن عاشا إلى حين‏

و قال: إن الشافعي دخل أرض مصر في سنة مائتين، فأقام بها أربع سنين كوامل ثم توفي بها[ (2) ]، فقبره يقال له: المعظم-و اللََّه أعلم-، و قد ذكر ذلك محمد بن إبراهيم البوشنجي في قصيدة له يرثي بها الشافعي و يذكر فيها بضعة عشر رجلا من أجلاء أصحابه و بمن كان يقول معه بقوله و يميل إليه و يناضل عنه، منهم:

أبو عبد اللََّه أحمد بن حنبل، و أحمد بن سنان‏[ (3) ]القطان، و إسماعيل بن يحيى [ (1) ]بهامش المطبوعة: «كذا بالأصل، و الصحيح أن الثانية حرمت عليه لقوله تعالى: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ سواء كان دخل بالأولى (أي بابنتها) أو لم يدخل بها، و قيد الدخول ثابت للبنت أي إذا كانت الثانية بنت الأولى.

[ (2) ]مات بمصر سنة 204، و قد ولد سنة 150 قيل ولد بغزة و قيل بعسقلان و قيل باليمن (انظر ترجمة وافية له في البداية و النهاية (10/274) .

[ (3) ]عن طبقات الشافعية 1/186 و بالأصل: يوسف بن محمد.

380

أبو المزني‏[ (1) ]، و عبد اللََّه بن الزبير الحميدي، و الحسن بن محمد بن الصباح‏[ (2) ] الزعفراني، و الربيع بن سليمان المرادي‏[ (3) ]و[ (4) ]يوسف بن يحيى‏[ (4) ]البويطي، و أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي، و[ (5) ]أحمد بن صالح‏[ (5) ]المصري، و عبد اللََّه بن صالح الكاتب، و الليث بن سعد، و أحمد بن عقيل الحجازي، و الحارث بن مسكين صاحب مسائل مالك بن أنس، و يحيى بن سعيد القطّان، و عبد الرحمن بن مهدي، و إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، و أبو عبيد[ (6) ]القاسم بن سلام‏[ (7) ]، فهؤلاء ممن قد ذكرهم محمد بن إبراهيم البوشنجي‏[ (8) ]في شعره.

ثم رجعنا إلى أخبار الرشيد بن المهدي رضي اللََّه عنه‏

قال: ثم عقد الرشيد للفضل بن يحيى البرمكي عقدا و ولاه أذربيجان و إرمينية، فخرج إليها الفضل في جيش عظيم حتى نزل برذعة، ثم خرج منها إلى مدينة الباب و الأبواب، ثم خرج منها عازما إلى قلعة يقال لها حمزين، فحارب أهلها فلم يظفر منهم بشي‏ء، و أقبل راجعا حتى صار إلى مدينة برذعة فأقام بها مدة يسيرة، ثم دعا برجل يقال له‏[ (9) ]عمر بن أيوب الكناني‏[ (9) ]فاستخلفه على عمله و مضى إلى العراق، ثم عزل‏[ (9) ]عمر بن أيوب الكناني‏[ (9) ]و ولى مكانه أبا الصباح مولى الأشعريين. قال: و جعل أبو الصباح يجور على أهل إرمينية، فوثب عليه أهل برذعة فقتلوه و أقعدوا مكانه سعيد بن‏[ (10) ]محمد اللهبي.

[ (1) ]بالأصل «إبراهيم المزني» و ما أثبت عن طبقات الشافعية 1/238.

[ (2) ]عن تهذيب التهذيب، و بالأصل: الصاح.

[ (3) ]عن طبقات الشافعية و بالأصل: المرادني.

[ (4) ]عن طبقات الشافعية، و بالأصل: سليمان بن داود.

[ (5) ]بالأصل: الجارود بن أحمد.

[ (6) ]بالأصل: أبو عبيدة.

[ (7) ]بالأصل «سلامة» .

[ (8) ]بالأصل «سحبين» .

[ (9) ]عن تاريخ اليعقوبي 2/426 و بالأصل «عمرو بن الوليد» .

[ (10) ]بالأصل «أبي» و ما أثبت عن اليعقوبي.

381

ذكر أبي مسلم الشاري و خروجه على الرشيد

قال: و خرج أبو مسلم الشاري على الرشيد و كان خروجه من مدينة البيلقان.

فوجه إليه الرشيد برجل يقال له إسحاق بن مسلم العقيلي في خمسة آلاف فارس من أهل العراق، و بلغ ذلك أبا مسلم الشاري فزحف إلى إسحاق بن مسلم، حتى إذا وافاه بمدينة ورثان فالتقى القوم هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة على إسحاق بن مسلم صاحب الرشيد فانهزم من بين يدي أبي مسلم الشاري هزيمة قبيحة. و بلغ ذلك الرشيد فبعث إليه برجل يقال له العباس بن جرير بن خالد القسري‏[ (1) ]فهزمه أبو مسلم الشاري أيضا، فوجه إليه الرشيد برجل يقال له معدان‏[ (2) ] الحمصي فقتله أبو مسلم الشاري، ثم سار من موضعه ذلك إلى مدينة من مدائن إرمينية يقال لها القسوى‏[ (3) ]، فأخذها و جبى خراجها و فرقه على أصحابه، ثم سار منها إلى مدينة دبيل من بلاد إرمينية، فحاصرها أربعة أشهر فلم يقدر عليها، فأقبل راجعا إلى بلاد السجستان حتى صار إلى البيلقان فنزلها، ثم جعل يغير على البلاد ميمنة و ميسرة فيقتل و يحرق و ينهب.

قال: و بلغ ذلك الرشيد فوجه إليه ثلاث عساكر ثلاثين ألفا، منهم يحيى الحرشي‏[ (4) ]في عشرة آلاف و يزيد بن مزيد[ (5) ]الشيباني في عشرة آلاف. قال: فأقبل يحيى الحرشي‏[ (5) ]في عشرة آلاف على طريق الجزيرة. قال: فأقبلت هذه العساكر من كل جانب، فمات قبل أن توافيه العساكر.

قال: فلما مات أبو مسلم الشاري قام بعده السكن بن موسى بن حيان البيلقاني، فخرج من مدينة البيلقان يريد لقاء يحيى الحرشي‏[ (6) ]فلقيه ببلاد أذربيجان فقاتله هنالك، ثم انهزم السكن بن موسى و أخذ ابنه يقال له الخليل أسيرا، و مضى السكن بن موسى فيمن معه من الشراة يريد محاربة يزيد بن مزيد[ (7) ]الشيباني فاستأمن [ (1) ]في تاريخ اليعقوبي: العباس بن جرير بن يزيد بن عبد اللََّه البجلي.

[ (2) ]عن تاريخ اليعقوبي و بالأصل: معمدان الحميصي.

[ (3) ]كذا، و لم نعثر به.

[ (4) ]عن اليعقوبي و بالأصل «بحير الحرسي» .

[ (5) ]عن فتوح البلدان ص 212 و بالأصل «يزيد» .

[ (6) ]بالأصل «ابن بحير الحرسي» .

[ (7) ]بالأصل «يزيد» .

382

إليه فأمنه يزيد بن مزيد[ (1) ]و أصحابه. قال: و عزل الرشيد جميع من كان بإرمينية و أذربيجان، و دعا سعيد بن سلم‏[ (2) ]ابن قتيبة فولاه البلاد جميعها.

ذكر ولاية سعيد بن سلم بلاد إرمينية و ما نزل بالمسلمين منه في ولايته‏

قال: فأقبل سعيد بن سلم حتى نزل مدينة برذعة، ثم دعا برجل يقال له نصر بن عنان فولاه مدينة الباب و الأبواب. قال: فأقبل نصر بن عنان حتى نزل مدينة الباب و الأبواب و بالباب يومئذ رجل يقال له النجم بن هاشم‏[ (3) ]، فأرسل إليه سعيد بن سلم رجلا يقال له الحارث مولى الفضل بن يحيى البرمكي إلى مدينة الباب ليجبي خراجها، قال: فقام أهل المدينة إلى نصر بن عنان فقالوا: أيها الأمير!إن مدينتنا هذه لم يؤخذ منها خراج قط لأنها في نحر العدو و أهلها يحاربون الخزر و الأمير سعيد بن سلم‏[ (4) ]قد وجه الحارث مولى الفضل بن يحيى البرمكي ليأخذ خراجنا فاكتب إليه كتابا في ذلك. فقال نصر بن عنان: إذا لا أكتب إليه كتابا في ذلك و الرأي عندي أنكم تؤدون خراجكم، فإن أمير المؤمنين الرشيد لا يحتمل لأحد كثير الخراج!قال: فسكتوا عنه و خرجوا من عنده و صاروا إلى حيون‏[ (5) ]بن النجم بن هاشم فاستشاروا في ذلك، فقال حيون: إن صاحب الخراج بعد ما وافاكم. فإذا تقارب منكم و من أرضكم فذروني و إياه.

قال: و أقبل الحارث مولى الفضل بن يحيى يريد مدينة الباب و الأبواب ليأخذوا إليه خراجها، فخرجوا إليه في جماعة من أصحابه فحاربه و قتل من أصحابه من قتل، و أخذ ما كان معه من خيل و دواب و أثقال و لم يتركه يدنو من المدينة.

قال: فكتب الحارث مولى الفضل بن يحيى كتابا إلى سعيد بن سلم فخبره بذلك، فلما قرأ سعيد الكتاب أرسل النجم بن هاشم فخبره بما فعل ابنه حيون بصاحب الخراج. قال: فحلف النجم بن هاشم أنه لا يعلم بشي‏ء من ذلك. قال:

[ (1) ]بالأصل: «يزيد» .

[ (2) ]بالأصل «مسلم» و ما أثبت عن الطبري 8/270 و ابن الأثير 4/58 و في فتوح البلدان: «سالم» و قد صححت «سلم» في كل مواضع الخبر.

[ (3) ]في الطبري 8/270 و ابن الأثير 4/58 المنجم السلمي.

[ (4) ]بالأصل «مسلمة» .

[ (5) ]عن تاريخ اليعقوبي، و بالأصل «حيان» .

383

فغضب سعيد بن سلم ثم عمد إلى النجم بن هاشم فقيده و حبسه في سجن برذعة.

و بلغ ذلك حيون بن النجم فوثب على نصر بن عنان فحبسه كما حبس أباه ببرذعة.

قال: و بلغ ذلك سعيد بن سلم فدعا بالنجم بن هاشم و ضرب عنقه و وجه برأسه إلى ابنه حيون بن النجم، قال: فوثب حيون بن النجم على نصر بن عنان العامل فأخرجه من السجن و ضرب عنقه و بعث برأسه إلى سعيد بن سلم.

قال: فاشتد غضب سعيد بن سلم من ذلك، ثم نادى في أصحابه و خرج من مدينة برذعة في عسكر لجب يريد محاربة حيون بن النجم. قال: و بلغ ذلك حيون.

فأرسل إلى خاقان ملك الخزر بهدايا قيمتها مائة ألف درهم، و كتب إليه يسأله أن يصير إليه حتى يغنمه بلاد الإسلام. قال: و أقبل خاقان في أربعين ألف فارس من الخزر و الطراخنة إلى مدينة الباب و الأبواب ليأخذوها و ينفذوا إلى بلاد الإسلام. فقام أهل المدينة إلى حيون بن النجم فقالوا: أيها الأمير!اللََّه اللََّه فينا!فإنه إن يدخل خاقان ملك الخزر مع جيشه إلى مدينتنا هذه فقد هلكنا و هلكت معنا، فقال حيون:

صدقتم لا عليكم استقروا في مدينتكم أنتم، ثم أقبل خاقان ملك الخزر إلى حيون بن النجم، فقال: أيها الأمير!مرني بأمرك!فقال حيون: أيها الملك!ناد في أصحابك أن يتبعوني، ثم جاء بهم حيون بن النجم إلى جانب الصور من ناحية الأبواب فهدموا منه فجة، و تقدموا إلى بلاد الإسلام‏[ (1) ]. قال: و كان سعيد بن سلم و من معه قد تقاربوا إلى مدينة الباب و الأبواب، فلما بلغه ذلك ولى هاربا بين يدي الخزر حتى صار إلى برذعة. قال: و وقع خاقان و أصحابه في بلاد الإسلام فقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة و سبوا منهم مائة ألف ما بين رجل و امرأة و صبي، ثم انصرفوا إلى بلادهم‏[ (2) ]، و انصرف حيون بن النجم إلى مدينة الباب و الأبواب.

قال: و بلغ ذلك الرشيد فاغتم غما شديدا لما قد نزل بالمسلمين، ثم أرسل إلى سعيد و عزله عن البلاد، و ولى مكانه علي بن عيسى بن ماهان‏[ (3) ]فلم يقم بأمر البلاد كما يحب. فعزله الرشيد و ولى مكانه يزيد بن مزيد[ (4) ]الشيباني، فأقبل يزيد [ (1) ]في الطبري 8/270: دخل ابنه بلاد الخزر، فاستجاشهم على سعيد، فدخلوا أرمينية من الثلمة.

[ (2) ]في الطبري: أقاموا فيها سبعين يوما.

[ (3) ]عن اليعقوبي، و بالأصل «موسى الهاشمي» و في الطبري 8/270 و ابن الأثير 4/58: فوجه هارون خزيمة بن خازم و يزيد بن مزيد إلى أرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد.

[ (4) ]عن الطبري و بالأصل «يزيد» .

384

حتى دخل إرمينية، فنزل مدينة برذعة و أمن الأسود و الأبيض و سكن الناس، ثم بعث إلى الحارث مولى الفضل بن يحيى و من كان معه من شيعة سعيد بن سلم فكبلهم بالحديد و حملهم إلى الرشيد، ثم إنه كتب إلى أهل الأبواب و أعطاهم الرضى و أصلح البلاد، فأحبه الصغير و الكبير، و لم يزل مقيما ببرذعة إلى أن أدركه الموت فمات بها، فولى مكانه أسد بن يزيد، ثم عزله أيضا و ولى مكانه خزيمة بن خازم التميمي. قال: فأقبل خزيمة بن خازم حتى نزل برذعة فأصلح أمور الناس. ثم صار إلى الأبواب فحمل الفساق و الدعار و من لا خير فيه إلى باب الرشيد، و أقام خزيمة بن خازم في إرمينية و لم يزل مقيما فيها و الناس عنه راضون و قد أصلح أحوالهم.

ذكر أخبار الرشيد التي كانت منه في آخر عمره‏

قال بكر بن إسماعيل بن عروان: كان الرشيد خليفة يحب أن يسمع الأخبار الحسنة و الأخبار الغريبة و يقتدي بأهل الأخبار من الملوك و الأئمة من قبله، فأرسل إلى بعض الشعراء ذات يوم فدعاه-و أظنه سلم‏[ (1) ]الخاسر أو غيره، فقال: ويحك يا فلان!من الذي يقول هذه الأبيات:

و كنت إذا حاولت أمرا رميته # بجرمي حتى يبلغا منتهاهما

و كنت إذا ما استصعب الإلف و النوى # عليّ فله‏ [?] صان‏[ (2) ]جميعا هواهما

عمدت إلى‏[ (3) ]دار المغبة منهما # و خليت نفسي من طلاب سداهما

قال فقال له الشاعر: يا أمير المؤمنين!هذا لشماخ بن ضرار[ (4) ]فقال الرشيد:

قاتله اللََّه ما أرصن قوله و أتقن شعره. قال: ثم أمسك ساعة و أرسل إلى الأصمعي فدعاه و سأله عن هذه الأبيات. قال: فأنشده الأصمعي عن آخرها، قال الأصمعي فقال الرشيد: أحسنت اجلس!فجلست و هو ساكت عني لا يتكلم بشي‏ء. و قد أزق و قلق قلقا شديدا، فجعل يقعد مرة و يتكئ أخرى، ثم أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

[ (1) ]بالأصل «سلمة» و ما أثبت عن البداية و النهاية 10/203 و هو سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء. فيل له الخاسر لأنه باع مصحفا و اشترى به ديوان شعر امرئ القيس...

و قيل غير ذلك (الأغاني 19/361 وفيات الأعيان 2/350) .

[ (2) ]كذا بالأصل بدون نقط.

[ (3) ]بالأصل «إلا» .

[ (4) ]بالأصل «ضراب» خطأ. ـ

385

إذا عزمت على أمر بعاجله # إن الرشيد الذي بالأمر يعتصم‏

إلى آخرها[ (1) ].

قال: ثم رفع الرشيد رأسه إلى خادم له فقال: عليّ بأبي الفضل‏[ (2) ]جعفر بن يحيى!فمضى الخادم إليه فأتى به. فلما دخل و سلم و أخذ مجلسه قال: يا أبا الفضل!إن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم مات من غير وصية و الإسلام جذع و كلمة العرب مجتمعة، فاجتمع الناس على أبي بكر الصديق رضي اللََّه عنه، فما لبث أن ارتد عامة العرب و اختلف أكثرهم، فقاتل بمسلمها مرتدها. و قهر بمطيعها عاصيها، و إن أبا بكر رضي اللََّه عنه جعل الأمر إلى عمر فسلمت له‏[ (3) ]العرب شورى، فكان ما قد بلغك من أكثره و الأمور التي قد عدلت الأمة عن جهاتها و صارت هذه الأمور إلى غير أهلها و ولاتها، و قد عنيت بصحيح‏[ (4) ]هذه الأمور و تولية هذا العهد، و قد أحببت أن يكون هذا الأمر فيمن أرضى سيرته و أحمد طريقته، و بنو هاشم ما تكون إلى ابني محمد بأهوائهم و فيه ما فيهم‏[ (5) ]من الانقياد لهواه، و التبذير[ (6) ]لما حوت يداه، [ (7) ]و مشاركة النساء و الإماء في رأيه‏[ (7) ]، و ابني عبد اللََّه المرضي الطريقة الأصيل الرأي الموثوق‏[ (8) ]به في كل الأمور، فإن أنا ملت إلى ابني عبد اللََّه أسخطت بني هاشم، و إن أفردت ابني محمدا بهذا الأمر لن آمن تخليط الرعية و ضعفه عن سياستها، و قد دعوتك لهذا الأمر فأشر عليّ بمشورة يعم فضلها أو نفعها لأنك مبارك الرأي حسن الروية. قال فقال جعفر بن يحيى‏[ (9) ]: يا أمير المؤمنين!إن كل زلة مستقالة إلا هذا [ (1) ]في مروج الذهب 3/431 ورد هذا الخبر و فيه أن الرشيد أنشأ يقول:

قلد أمور عباد اللََّه ذائقة # موحد الرأي لا نكس و لا برم

و اترك مقالة ذوي خطل # لا يفهمون إذا ما معشر فهموا

[ (2) ]في مروج الذهب ثم قال لمسرور: عليّ بيحيى (و كان يكنى بأبي الفضل) .

[ (3) ]كذا، و في العبارة سقط، و تمام العبارة في مروج الذهب: فسلمت الأمة له، و رضيت بخلافته، ثم صيرها شورى...

[ (4) ]في مروج الذهب: و قد عنيت بتصحيح هذا العهد.

[ (5) ]في مروج الذهب: و فيه ما فيه.

[ (6) ]عن مروج الذهب و بالأصل «و التدبر» .

[ (7) ]عن مروج الذهب، و بالأصل: «ساركم الفسا و إلا ما فيه رأيه» .

[ (8) ]عن مروج الذهب، بالأصل «الموزون» .

[ (9) ]كذا، و في مروج الذهب أنه دعا بيحيى بن خالد والد جعفر.

386

العهد، فإن الزلة فيه لا تدرك‏[ (1) ]، و الخطر[ (2) ]فيه غير مأمون، و النظر في هذا الأمر روية و مجلس غير هذا. قال الأصمعي: فعلمت أنه يريد الخلو، فوثبت و خرجت من المجلس. فلم يزالا في مناجاة و مناظرة إلى أن مضى من الليل أكثره، ثم افترقا على ما اجتمعا عليه من الخلافة و أنها تكون من بعده لابنه محمد ابن زبيدة، و من بعد محمد لابنه عبد اللََّه.

قال: و بلغ الخبر محمدا فأقبل حتى دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين!إنك كنت وعدتني أن تعقد لي هذه البيعة و ولاية العهد، لما رجوت في ذلك أن يكون الخيرة لأمير المؤمنين أبقاه اللََّه أن يشرك معي أخي عبد اللََّه في أمري من غير أن يبلو مني شيئا أصنعه و لا و هنا عن حرمة و لا ضعفا عن جهاد، و أخي عبد اللََّه عندي كبعض إخوتي أرى له ما لهم و أحفظ له ما أحفظ لهم، و لو لم يكن أمير المؤمنين أبقاه اللََّه ينظر في ذلك!فقال له الرشيد: يا ابني!قد سمعت كلامك و لا آمن عليكما حول الزمان و مشي الناس إليكما و تفريق كلمتكما، فلا تعاودني في مثل هذا الأمر. قال: فأمسك محمد و علم أنه لا سبيل لمراجعته.

قال: و بلغ ذلك زبيدة فأقبلت حتى دخلت على الرشيد فقالت‏[ (3) ]: و اللََّه ما أنصفت ابني محمدا!وليته العراق فأعريته‏[ (4) ]من العدد و القواد، و وليت عبد اللََّه الجبال و بلاد خراسان و جعلت له الأموال و السلاح و القواد، فقال لها الرشيد: و ما أنت و تمييز الأعمال‏[ (5) ]!و مع هذا فإني أتخوف ابنك على عبد اللََّه و لا أتخوف عبد اللََّه على ابنك!قال: فسكتت زبيدة و انصرفت إلى منزلها.

و هذه أخبار حسان من أخبار الرشيد

كتبتها عن بعض أهل الأدب و ألحقتها بكتابك لتنظر فيها فإنها أخبار منتخبة.

قال أبو عبد اللََّه البجلي: حدثني يحيى بن زكريا النحوي قال: حدثني [ (1) ]مروج الذهب: لا تستدرك.

[ (2) ]مروج الذهب: و الخطأ.

[ (3) ]خبر زبيدة في مروج الذهب 3/432.

[ (4) ]أعريته: أبعدته.

[ (5) ]زيد في مروج الذهب: إني وليت ابنك السلم، و عبد اللََّه الحرب، و صاحب الحرب أحوج إلى الرجال من المسالم.

387

علي بن حمزة الكسائي قال‏[ (1) ]: دخلت على أمير المؤمنين الرشيد بعد ثلاث عشرة سنة من خلافته، فلما قضيت حق التسليم أمرني بالجلوس فقال: يا علي!فقلت:

لبيك يا أمير المؤمنين!فقال: ألا تحب أن ترى عبد اللََّه و محمدا؟فقلت: ما أشوقني إلى معاينة ذلك!قال: فأمر بعض الخدم بإحضارهما، قال: فأقبلا كأنهما كوكبان و قد غضا أبصارهما و قاربا بخطوهما حتى وقفا على باب المجلس ثم سلما على‏[أبيهما][ (2) ]بالخلافة و دعوا له بأحسن دعاء و ألطفه.

فأمرهما بالدنو منه، ثم أمرني أن استقرئهما بأبواب من النحو، فما سألتهما عن شي‏ء إلا و أحسنا الجواب و الخروج منه، فسر الرشيد بذلك سرورا شديدا، فقال: يا علي!كيف ترى مذهبهما و جوابهما؟فقلت: إن أذن لي أمير المؤمنين قلت!فقال: قل ما تشاء، فأنشأت هذه الأبيات:

أرى قمري أفق و فرعي بشامة[ (3) ] # يزينها فرع‏[ (4) ]كريم و محتد

سليلي أمير المؤمنين و حائزي # مواريث ما أبقى الأمين محمد

يجزان أعناق النفاق بسلمة # فودهما عضب و حزم مهند

قال ثم قلت: يا أمير المؤمنين!هما فرعان زكي أصلهما، و طاب‏[ (5) ] مغرسهما، فمتع اللََّه أمير المؤمنين بهما و آنس جميع الأمة ببقائه و بقائهما! ثم قلت لهما: هل ترويان شيئا من الشعر؟ فقالا: نعم. فاستنشدتهما، فأنشدني محمد هذه الأبيات:

و إني لعف الفقر مشترك الغنى # و تارك شكل‏[ (6) ]لا يوافقه شكلي

و شكلي شكل لا يقوم لمثله # من الناس إلا كل ذي سعة مثلي

ولي نيقة في البذل و المجد لم يكبر # تأنقها فيما مضى‏[ (7) ]أحد قبلي‏

[ (1) ]خبر الرشيد مع الكسائي في مروج الذهب 3/428.

[ (2) ]عن مروج الذهب، و بالأصل «باب الخلافة» .

[ (3) ]في مروج الذهب:

أرى قمري مجد و فرعي خلافة.

[ (4) ]في مروج الذهب: عرق.

[ (5) ]عن مروج الذهب، و بالأصل «صلب» .

[ (6) ]عن مروج الذهب 3/429 و بالأصل: شكلا.

[ (7) ]بالأصل: «ببائعها شي‏ء بها» و ما أثبت عن سمط النجوم العوالي 3/289.

388

و أجعل مالي دون عرضي جنة # لنفسي‏[ (1) ]و أستغني‏[ (2) ]بما كان من فضلي‏

قال: ثم أنشد عبد اللََّه هذه الأبيات يقول:

بكرت تلومك مطلع الفجر # و لقد تلوم بغير ما تدري

ما إن جعلت بها و قد عتيت # أن لا تحكم طائعا أمري

ملك الأمور عليّ مقتدر # يعطي إذا ما شاء[ (3) ]من يسر

و لرب مغتبط تمد له‏[ (4) ] # و مفجع‏[ (5) ]بنوائب الدهر

و مكاشح لي قد مددت له # نحرا بلا ضرع و لا غمر

حتى يقول لنفسه لهف # في أي مذهب غاية أجري

و يرى قناتي حين يغمزها[ (6) ] # غمز الثقاف بطيئة الكسر[ (7) ]

قال: فقلت: يا أمير المؤمنين!ما رأيت أحدا من أبناء الخلافة[ (8) ]و من معادن النبوة كأغصان هذه الشجرة الزاكية و لا أحسن ألفاظا و لا أشد اقتدارا منهما على‏[ (9) ]ما قد تحفظا و رويا، فأسأل اللََّه أن يزيد[بهما]الإسلام تأييدا و عزا، و أن يدخل بهما على أهل الترك قال: فأمن الرشيد على دعائي ثم قبضهما إلى أن رأيت دموعه تجري على صدره، ثم أمرهما فذهبا.

و أقبل علينا و قال: كأنكما بهما و قد[ (10) ]طلع نجم السماء و نزل مقادير السماء، و بلغ الكتاب أجله، و انتهى الأمر إلى وقته، و قد تشتت أمراهما و اختلف كلمتاهما و أظهرت عداوتهما و انقطعت قرائن الرحمة و الرأفة منهما، حتى تسفك بينهما الدماء و تهتك بهما ستور النساء و يكثر بينهما القتلى و يتمنى كثير من الأحياء أنهما كانا بمنزلة الموتى.

[ (1) ]عن مروج الذهب، و بالأصل: ليقيني.

[ (2) ]في مروج الذهب: و مفضال.

[ (3) ]عن مروج الذهب 3/429 و بالأصل «يشاء» .

[ (4) ]في مروج الذهب: مغتبط بمرزئة.

[ (5) ]عن مروج الذهب و بالأصل: وقح.

[ (6) ]مروج الذهب: يغمدها.

[ (7) ]عن مروج الذهب، و بالأصل: نظمه عند النفاق اليسرى.

[ (8) ]مروج الذهب: الخلفاء.

[ (9) ]مروج الذهب: على تأدية ما حفظا منهما.

[ (10) ]مروج الذهب: و قد حمّ القضاء.

389

فقلت: يا أمير المؤمنين!هذا الخبر في مولدهما أو أمر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما؟فقال: بل بأثر واحد حملته العلماء عن الأوصياء. و الأوصياء حملوه عن الأنبياء عليهم السلام.

و هذا خبر آخر حسن‏

قال الهيثم بن عدي: أخبرني خلف الأحمر النحوي‏[ (1) ]: قال بعث أمير المؤمنين هارون الرشيد لتهذيب‏[ (2) ]ابنه محمد، فلما دخلت عليه قال: يا أحمر!إن أمير المؤمنين دفع إليك مهجة قلبه و ثمرة فؤاده‏[ (3) ]و جعل يدك فيه مبسوطة و مقالتك فيه مصدقة. فكن له بحيث وضعك فيه أمير المؤمنين، أقرئه القرآن و روّه الشعر و فهّمه السنن و علمه الفرائض و بصره مواضع الكلام، و مره بالرزانة و الاقتصاد في نظره، و امنعه الضحك إلا في وقته، وجده‏[ (4) ]بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليه، و رفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه‏[ (5) ]قال فقلت: نعم يا أمير المؤمنين!لا أتعدى أمرك فيه و أكون له على ما أمرتني.

قال: و كنت كثيرا ما أشد عليه في التأديب و أمنعه الساعات التي يتفرغ فيها للعب، فشكا ذلك إلى خالصة جارية زبيدة. قال: فجاءتني خالصة ذات يوم برسالة من أمه زبيدة بالكف عنه و أن أجعل له وقتا يرتع فيه، قال: فقلت لها: إن أمير المؤمنين في عظم قدره لا يحتمل على التقصير و لا يرضى منه بالزلل و المنطق و الجهل بشرائع الدين و السنن و الغفلة عن الأمور التي فيها قوام السلطان و إحكام سياسة الرعية. فقالت خالصة: صدقت يا أحمر!غير أنها والدة و لا تملك نفسها و لا تقدر على كف إشفاقها عليه.

خبر خالصة و حديثها للأحمر

فقالت خالصة: يا أحمر!حدثتني السيدة زبيدة بنت جعفر بن المنصور أنها [ (1) ]خبر الأحمر النحوي و وصية الرشيد له في مروج الذهب 3/430-431.

[ (2) ]مروج الذهب: لتأديب.

[ (3) ]مروج الذهب: مهجة نفسه، و ثمرة فؤاده.

[ (4) ]مروج الذهب: و خذه.

[ (5) ]زيد في مروج الذهب: و لا تمرن بك ساعة إلا و أنت مغتنم منها فائدة تفيد إياها، من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، و لا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ و يألفه، و قوّمه ما استطعت بالقرب و الملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة و الغلظة.

390

رأت‏[ (1) ]في الليلة التي حملت بمحمد كأن ثلاث نسوة قد أقبلن فوصلن إليها، فقعد ثنتان عن يمينها و واحدة عن شمالها فأمرّت واحدة منهن يدها على بطنها و قالت:

ملك جزل، عظيم البذل، ثقيل الحمل، نكد الفعل، فقالت الأخرى‏[ (2) ]: ملك غمر، قصير العمر، سليم الصدر، منهتك الستر، و قالت الأخرى: ملك قصاف، عظيم الإتلاف‏[ (3) ]، قليل الإنصاف، كثير الخلاف. قالت زبيدة: فانتبهت و أنا فزعة مرعوبة لما رأيت، فلم أر هؤلاء النسوة حتى كانت الليلة التي وضعت فيها فأتينني في منامي في الزي الذي رأيتهن فيه، فقعدن عنده و اطلعن في وجهه. ثم قالت واحدة منهن: شجرة نضرة[ (4) ]، و ريحانة خضرة، و روضة زاهرة، [ثم قالت الثانية: عين غدقة][ (5) ]قليل بقاءها سريع فناءها، عجل ذهابها، فقالت الأخرى: سفيه عارم، طلاب المغارم، جري على العظائم، جسور على المآثم، فقالت الأخرى: عدو لنفسه، و ضعيف‏[في-][ (6) ]بطشه، سريع‏[إلى-][ (6) ]غشه. قالت زبيدة:

فانتبهت مرعوبة و قلت: لعل هذا مما يطرق النائم، حتى إذا تم رضاعه أتين ثلاثتهن كما رأيتهن حتى قعدن عند رأسه، فقالت واحدة منهن: ملك جبار، متلاف غدار[ (7) ]، بعيد الآثار، كثير العثار، قالت الأخرى: ملك‏[ (8) ]مخصوم، محارب مهزوم، راغب محروم، سقيم منهوم‏[ (9) ]، قالت الأخرى‏[ (10) ]: احفروا قبره، هيئوا أمره، و قربوا الكنانة، شقوا أكفانه، فإن موته خير من حياته.

ثم قالت خالصة: ويحك يا أحمر!و قد بعثت السيدة زبيدة إلى المنجمين و من يبصر تعبير الرؤيا فقصت عليهم رؤياها، فكانوا يبشرونها بطول عمره و يعدونها ببقائه، و قلبها كثير الحذر عليه لما رأت في منامها. قال: ثم بكت خالصة [ (1) ]الخبر في مروج الذهب و نسبه إلى جماعة من الأخباريين و ممن عني بأخبار العباسيين كالمدائني و العتبي و غيرهما. 3/474.

[ (2) ]في مروج الذهب: ملك ناقص الجد، مغلول الحدّ، ممذوق الود، تجور أحكامه، و تخونه أيامه.

[ (3) ]مروج الذهب: «الإيلاف» و القصاف: كثير اللهو و الشراب و المجون.

[ (4) ]عن مروج الذهب، و بالأصل «نظرة» .

[ (5) ]زيادة عن مروج الذهب.

[ (6) ]زيادة عن مروج الذهب.

[ (7) ]مروج الذهب: مهذار.

[ (8) ]مروج الذهب: ناطق.

[ (9) ]مروج الذهب: شقي مهموم.

[ (10) ]مروج الذهب: احفروا قبره، ثم شقوا خده، و قدموا أكفانه، و أعدوا جهازه فإن موته خير من حياته

391

و قالت‏[ (1) ]: ويحك يا أحمر!و هل يدفع الإشفاق و الحذار!و هل يمنع الاحتراز واقع القدر!هل يقدر الحاذر أن يدفع عن أحبابه‏[الأجل‏][ (2) ].

و هذا خبر حسن‏

قال: و قال عثمان بن سليم: حدثني العباس بن الفضل قال: كان أمير المؤمنين الرشيد قد جعل ابنه محمدا في حجر الفضل بن يحيى و أمره أن يبالغ في أمره و تأديبه و أن يدخل العلماء و الفقهاء عليه. قال: فسمعت الفضل بن يحيى ذات يوم يقول الهيثم بن بشير الواسطي إذا دخلت اليوم فأقسم على ولي العهد محمد الأمين فليكن أكثر ما تحدثه به عن سفك الدماء، فإني أحب أن يشرب اللّه قلبه للذمة لها و أن يلهمه للعفاف عن سفكها، فإني خبرني بعض العلماء عن عامة من روى الحديث و طلب العلم أنهم و جدوا في مأثور رواياتهم و الكتب التي يتدارسونها على أئمتهم أن الأمير الذي ينشر العدل و يحيي به السنة و يميت به الجور، فإن اللّه تبارك و تعالى قد جمع فيه اسمي نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم اسمين معظمين محمدا و أمينا، لأن قريشا كانت تسمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمينا قبل أن ينزل الوحي. قال: فكان الرشيد قد ألزم العناية بابنه محمد خاصة حتى كان يفتقده في أحواله، ثم إنه وضع عليه العيون ليأتوه بأخباره و أخبار من يسامره من بني هاشم أهل من أهل الأدب و غيرهم، قال: فاجتمع ذات يوم عند محمد الأمين فلم يشعر إلا بحركة وطء أمير المؤمنين فجلس على سرير كان في صدر الدار، ثم أقبل على محمد فقال: يا حبيبي!ما لي لا أرى عندك إلا مواليك!قال: ثم أشار بيده إلى ابن أم عبيدة، فقام حتى وقف بين يديه، فقال:

هل تروي شيئا من الشعر؟قال: نعم، هذه الأبيات:

كأن فاها لم يؤنسها في # ليلتها موهنا و لم ينم

بيضاء من بني حشوم # بيضاء من سحب ما بالعلم

دع عنك سلمى إذ فات مطلبها # و اذكر خليلتك من بني الحكم

ما أعطياني إلا سألتهما # ألا و إني لحاجري كرم

إلى متى لم تكن عطيته # عندي بما قد فعلت محتشم‏

قال: فصاح الرشيد: اسكت يا ابن الخنا!فو اللّه إن حمقك لشبيه بحمق [ (1) ]نسب القول في مروج الذهب إلى زبيدة أم جعفر.

[ (2) ]زيادة عن مروج الذهب.

392

أبيك!قال: ثم أمر سعيد بن جابر بالقيام إليه و استنشده، فأنشد سعيد بن جابر هذه الأبيات:

لا أرى مثل ابن بشر لأزمة # أناخت و لا ضيف من الناس نازل

إليك ابن بشر عادة يتبعنها # تباري رؤوس اليعملات الزوائل

و لم يك من ماض من الناس مثله # و لا ما يرجى في بطون الحوامل

و لكن حواها من سماطيط عادة # خلال الأعادي دارس غير مائل

فورثها بشرا بنيه فأصبحت # لهم نفلا من طيبات الأوائل‏

قال فقال الرشيد: و اللّه ما عديت عقل من آذاك. قال العباس بن الفضل: ثم أمرني بالقيام فقمت على هيبة حتى وقفت بين يديه فقال: أنشدني!فأنشدته هذه الأبيات:

تسربل هارون الخلافة فالتقت # عليه عراها و استهلت فصولها

إذا أمة الإسلام ألقت قناعها # بدارجة الأحداث بان مخيلها

فحلى بها هارون و الناس بعده # لماضية الأحكام سهل سبيلها

مكايد ترميهم بنيل مكانها # سهام المنايا في يديه سحيلها

قال: فالتفت الرشيد إلى ابنه محمد و قال: يا بني!إذا استخدمت أحدا فاستخدم أهل العقل و الأدب فإنك إن استخدمتهم سروك، و إن استعنتهم أعانوك.

قال العباس بن الفضل: و اللّه ما زلت أتعرف قدري عند الأمير من ذلك اليوم إلى أن فرق الموت بيننا.

ثم رجعنا إلى الخبر الأول من أمر الرشيد و ابنيه محمد و عبد اللّه‏

قال: ثم إن الرشيد عزم بعد ذلك على الحج لكي يأخذ البيعة لأولاده جميعا محمد و عبد اللّه في جماعة ممن يحضر الموسم، فحج بالناس في سنة[ست و-][ (1) ]ثمانين و مائة، فلما صار بالكوفة أمر لهم بعطاءين، فلما دخل إلى المدينة أمر لهم ثلاثة أعطية[ (2) ]، فلما صار إلى مكة فرق الجوائز و الصلات بها، ثم إنه أخذ البيعة لمحمد و عبد اللّه عند البيت الحرام، قال: ثم إن الرشيد استخلفهما من بعد [ (1) ]زيادة عن الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب.

[ (2) ]في ابن الأثير 4/63 هو عطاء، و محمد الأمين عطاء، و عبد اللّه المأمون عطاء.

393

بحضرة أهل الموسم و بني هاشم و سائر قريش. فقال شيخ من بني هاشم: يا أمير المؤمنين!هذا ابنك محمد ولي عهدك من بعدك، و هذا أخوه عبد اللّه من بعده، فما بال ابنك القاسم؟قال: فتبسم الرشيد ثم قال: يا شيخ!فهل سمعت فيه بشي‏ء؟ فقال: أما بعينه فلا، و لكنني‏

سمعت ابن أخي الزهري يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: يا ابن عباس!الثالث من ولد العباس من ولدك يملك الأرض، و يركب الحمار، و يلبس الصوف، و يعود المرضى، و يشهد الجنائز، و يظهر العدل.

قال: فسر الرشيد بذلك سرورا شديدا ثم لم يبرح حتى جعل‏[القاسم‏][ (1) ]أيضا ولي العهد من بعد إخوته و سماه المؤتمن، فكان محمد الأمين و عبد اللّه المأمون و القاسم المؤتمن.

ثم كتب بذلك كتابا مؤكدا[ (2) ]، و أشهد أهل الموسم على ما كتب، و أفرد ابنه محمدا بالأمر، و جعل عبد اللّه من بعده.

ثم انصرف إلى العراق فدعا بابنه المأمون و عقد له عقدا بيده و ولاه من باب الري إلى أقصى خراسان و سجستان، و أفرده بها في حياته و بعد موته، و أخذ على ابنه العهود و المواثيق أنه لا يعزله عنها و لا يبعث إليه كتابا، و كتب أيضا له بالعراق كتابا مؤكدا وثيقا على محمد و عبد اللّه، و أمر المأمون له بالسمع و الطاعة لأخيه الأمين، و أن يملك منهما صاحبه بما يحتاج إليه من خيل و رجل عند حاجته إليه، و ضم إليه قواد معروفون هرثمة بن أعين و الوليد بن المسيب و عبد اللّه بن مالك و يحيى بن معاذ و غيرهم من القواد، ثم إنه قسم بينهم الأموال و السلاح و أخذ عليهما العهود و المواثيق بالوفاء بما شرطا على أنفسهما[ (3) ]. و في تلك السنة قتل جعفر بن يحيى البرمكي، و قد أعيا قتله من حضر فكيف من غاب.

ذكر خبر الأصمعي في قتل جعفر ابن يحيى البرمكي‏

قال العباس بن الفضل: سمعت الأصمعي يقول‏[ (4) ]: بعث إليّ الرشيد في ليلة [ (1) ]زيادة عن ابن الأثير.

[ (2) ]في ابن الأثير: كتب كتابا أشهد فيه على محمد الأمين... و كتب كتابا للمأمون أشهدهم عليه فيه بالوفاء للأمين و علق الكتابين في الكعبة. انظر نسخة الكتابين في الطبري 10/73 و اليعقوبي 2/416.

[ (3) ]انظر الطبري 10/73 و ما بعدها.

[ (4) ]في مروج الذهب 3/465 و قال الأصمعي: وجه إليّ الرشيد في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال: يا أصمعي: قد قلت شعرا فاسمعه، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:

394

يرتاب فيها البري‏ء، فأردت الدخول عليه فمنعت من ذلك و أعجلت فدخلني من ذلك رعب شديد، و جعلت أتذكر ذنبا فلا أجده، فلما دخلت عليه سلمت و هو رام بجهمته على قضيب كان في يده، فرفع رأسه إليّ و قال: يا عبد الملك!من الذي يقول هذه الأبيات:

لو أن جعفر خاف‏[ (1) ]أسباب الورى # لنجا بمهجته طمرّ ملجم‏[ (2) ]

و لكان من حذر المنون بحيث لا # يربو اللحاق به العقاب القشعم‏[ (3) ]

لكنه لما تقارب يومه‏[ (4) ] # لم يدفع الحدثان منه منجم‏

قال فقلت: لا أعرف هذه الأبيات، قال: فالتفت إذا إلى ورائك!هل تعرف هذا الرأس؟فإذا بطشت من فضة و فيه رأس جعفر بن يحيى البرمكي، فقلت: و اللّه لا أعرف هذا الرأس رأس من في هذا الوقت، فقال: بلى هو رأس من كنا في ذكره، و اللّه ما قتلته حتى استخرت اللّه تعالى فيه مرارا. قال: فخرجت من عنده و قد أفرج روعي حتى صرت إلى منزلي و علمت أن الأبيات التي أنشدها له لا لغيره.

قال: فلما كان من الغد نظرت إلى الناس يتعادون إلى خشبة و عليها جثة.

قال فقال إسماعيل بن غزوان: حدثني أبو عبد اللّه المروزي-و كان متولي أمر الأسواق-قال: لما قتل جعفر بن يحيى لم يترك أحد من البرامكة إلا أخذه و استوثق منهم بالحديد و حبسهم، ثم إنه مضى إلى الري فأقام بها ما شاء اللّه أن يقيم، ثم إنه ولّى على كور خراسان من أراد من القواد و ولى علي بن عيسى على جميع الأمراء و جعله خليفة للمأمون، ثم انصرف راجعا يريد العراق فأدركه الأضحى في الطريق فنزل و ضحى في موضع يقال له قصر اللصوص، ثم رحل من هنالك حتى صار إلى بغداد، فلما بلغ الجسر نظر إلى جعفر بن يحيى على خشبة فأمر بإحراقه فأحرق، فأقام بها ما أحب اللّه أن يقيم، ثم إنه مضى يريد الرقة و قد حمل معه يحيى بن خالد و ابنه الفضل و موسى و محمدا أخوي الفضل. قال: فبينما هو يسير ذات ليلة مقمرة [ (1) ]مروج الذهب: هاب.

[ (2) ]الطمر: الفرس الجواد المستعد للوثوب.

[ (3) ]في مروج الذهب:

يسمو إليه به العقاب القشعم‏

[ (4) ]مروج الذهب: وقته.

395

باردة فقال: علي بالفضل بن يحيى الساعة!قال: و كان الفضل عديل أبيه يحيى في المحل، فلما دعا به أيس من الحياة و أيس الناس منه، ثم أنزل و عليه قميص رقيق و دراعة طاق فحمل على بغلة، و قد أوقفت عمارية الرشيد، فتقدم إليه الفضل على البغل، فقال له الرشيد: يا فضل!فقال: لبيك يا أمير المؤمنين!فقال: ادن مني!قال: فدنا منه، فقال: هات يدك!فمد يده، فوضع الرشيد في يده درهما واحدا[ (1) ]، ثم قال: إني كنت قد حلفت أفقرك حتى تحتاج إلى درهم، فقال الفضل: فقد بر اللّه قسم أمير المؤمنين!قال: و قر الرشيد كلامه لا يرتفع، فعلم أن ذلك من البرد فجعل عليه دراعة كانت عليه مبطنة فلبسها، قال: ثم أمر بفك قيوده ورده إلى محله، ثم سار حتى دخل الرقة فنزلها. و بعثت أم الفضل بن يحيى إلى مسرور الخادم فدعته، ثم قالت: إن عندي شيئا أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين و لا ينظر إليه غيره. قال: فأقبل مسرور الخادم فاستأذنه في ذلك فأذن له، فجاءه من عندها بسفط لطيف مختوم هندي و عليه قفل من ذهب، فجاء به حتى وضعه بين يديه فأمر بفتحه ففتح، فإذا فيه سرته و قميص ولادته و أمور مما يتولى الحواضن، فدمعت عينا الرشيد ثم قال: ليس إلى خلاصه سبيل، ورد السفط إليها و أرسل إليها عشرة آلاف درهم و أمرها أن تزور ابنها في الحبس في أي وقت أحبت!فيقال: إن يحيى بن خالد كان نائما فجاؤوا ليهنئوه فإذا هو مات‏[ (2) ]. و الفضل أيضا ضرب بالسياط حتى مات‏[ (3) ].

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حدثني عمرو بن محمد النخعي الرقي و كان أبوه و عمه ممن يلعبان بالشطرنج، قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد بالرقة ألعب بالشطرنج، فلعبت معه ذات يوم و ليلة على شاطئ الفرات و الشمعة بين يديه، فارتفع عليه شاه رخ ضربته إياها فمثلت بيت شعر لأبي كبير[ (4) ]الهذيلي حيث يقول:

تلمظ[ (5) ]السيف من شوق إلى النفس # فالسيف يلحظ و الأقدار تنتظر

قال: و اللّه ما قلت هذا البيت تعمدا مني لشي‏ء، و إنما جرى على لساني، [ (1) ]الأصل: درهم واحد.

[ (2) ]مات سنة 190 في المحرم، و قيل مات سنة 189 هـ.

[ (3) ]مات سنة 193 هـ و هو في حبسه بالرقة.

[ (4) ]بالأصل «لأبي كثير» و الصواب أثبت عن ديوان الهذليين.

[ (5) ]عن الطبري 8/297 و بالأصل «تلمض» . ـ

396

فقال الرشيد: يا نخعي!أعد هذا البيت!فأعدته، ثم قال: يا مسرور!عليَّ بابن أبي شيخ صاحب جعفر بن يحيى الساعة!ثم قال: فأتي به يحجل في قيوده، فأمر به فضربت عنقه و ألقيت جثته في العراة، ثم عاد إلى لعب الشطرنج كأنه لم يصنع شيئا.

ذكر خبر رافع بن الليث بن نصر بن سيار و خروجه على الرشيد

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان علي بن عيسى بن ماهان قد جار على أهل خراسان فأذل ملوكها حتى فسدت قلوبهم، فكتب رافع بن الليث إلى الرشيد هذه الأبيات:

أرى النار قد شبّت و هبّ لها الصبا # فما وجها من جانب الليث قد سطع

إذا أشعلت في الليث نار و لم يكن # لها من طفى لم يلبث البيت أن يقع

أرى خدعا لم يبن لم يقف آرض # عليه فبادر قبل أن تبنى الخدع

فدان أمير المؤمنين و ولّها # سواه فما من قال حقا كمن خدع‏

قال: فلما نظر الرشيد إلى كتاب رافع بن الليث و فهم هذا البيت اغتم لذلك و خشي أن يعزل على بن عيسى عن خراسان فيخرج عن الطاعة فكان يقدم في ذلك‏[ (1) ]: قال: و ثار أهل خراسان و خرجوا مع رافع بن الليث على الرشيد[ (2) ]، و غلب رافع على سمرقند و ما والاها و ما كان وراء نهر بلخ، فأخذ ذلك كله و هزم علي بن عيسى فأخرجه من بلاد خراسان. قال: فوجه إليه الرشيد برجل من قواده [ (1) ]يفهم من عبارة ابن الأثير أن الرشيد، و بعد كثرة شكوى كبراء أهل خراسان و أشرافها من سوء سيرة علي بن عيسى و ظلمه لهم و استخفافه بهم سار إلى الري فأتاه علي من خراسان حاملا الأموال العظيمة و الهدايا الكثيرة، و رأى الرشيد خلاف ما كان يظن به فرده إلى خراسان (4/76) .

[ (2) ]انظر رواية أخرى في سبب خروج رافع على الرشيد في ابن الأثير 4/78 و انظر الأخبار الطوال ص 391.

397

يقال له هرثمة بن أعين في جيش عظيم، فأطال محاربته فلم يظفر منه بشي‏ء، فاشتد ذلك على الرشيد، ثم إنه كتب إلى رافع بن الليث كتابا لطيفا يسأله فيه أن يرجع عما هو عليه على أن يعطيه الرضا و يوليه خراسان و سائر أرضها و بلادها، فأبى رافع بن الليث أن يقبل شيئا من ذلك و جعل يتغلب على مدينة بعد مدينة فيأخذها، حتى احتوى على جميع بلاد خراسان. ثم كتب إلى الرشيد بهذه الأبيات يقول:

ليت الهوى و الهجر و النار # و كل بكّاء على الدار

ما الفخر لوم الناس إلا الوغى # في جحفل للموت جرار

و بدلت ما تكسبه بالقنا # في حالتي عسر و أيسار

النار لا العار فكن امرءا # فرّ من العار إلى النار

فهنّئ بأخلاق كنانية # عرفن في نصر و سيار

و هن في ليث و في رافع # تراث خيار لخيار

ثم أمر[ (1) ]بضرب الطبول و تهيأ للرحيل و أعطى الناس الأرزاق ثم خرج من بغداد في جيش عظيم‏[ (2) ]، و قد كان يجد علة في بدنه فيسأل الأطباء عن علته، فيهونون عليه الأمر و يعدونه بالسلامة و البرء من وجعه، فلم يزل كذلك يقطع البلاد حتى صار إلى طوس فنزلها، ثم دعا بابنه المأمون و ضم إليه جيشا و وجه به إلى مرو، و أمره أن ينزل بها و يوجه بالجيش إلى رافع بن الليث. قال: و سار المأمون حتى نزل إلى مدينة مرو، و دامت الحروب بين المأمون و رافع بن الليث، فاجتمعت العساكر على رافع بن الليث من كل جانب، فجعل يحاربهم حربا شديدا و لا يفتر من ذلك، و في وجهه وجوه القواد مثل علي بن عيسى و هرثمة بن أعين و من أشبههما من القواد، و المأمون مقيم بمرو.

قال: و اشتدت العلة بالرشيد و ضعف ضعفا شديدا، ثم جعل يقول: صبرا لأمر اللّه، و ينشد:

و إني من قوم كرام يزيدهم # رخاء و صبرا شدة الحدثان‏[ (3) ]

ثم إنه استراب بما كانت الأطباء تعده و تمنيه من الصحة و العافية. قال:

[ (1) ]أي هارون الرشيد.

[ (2) ]و كان خروجه من بغداد لخمس خلون من شعبان سنة 192 و استخلف على بغداد ابنه الأمين.

[ (3) ]البيت في الطبري 8/345 و ابن الأثير 4/90.

398

و اجتمعت عنده الأطباء فلم يعف عنه شيئا، قال: فأرسل الرشيد إلى طبيب من أهل فارس يقال له الأسقف‏[ (1) ]، فأشخص إليه و الرشيد يومئذ في قصر حميد الطوسي‏[ (2) ]، فقال: أنزلوا هذا الطبيب حتى يستريح، فإذا كان غداة غد فأتوني به!قال: فأنزل الطبيب، و أمر الرشيد بقوارير فيها أبوال كثيرة مختلفة فجمعت، فلما أن كان من الغد أرسل إلى الطبيب فدعاه، ثم أمر أن تعرض القوارير على الطبيب فعرضت عليه، فكان يصف لكل قارورة و صاحبها بما يعلم من علته، حتى إذا قدم إليه قارورة الرشيد و نظر إليها قال: قولوا لصاحب هذه القارورة أن يدع الحمية و يوصي، فإنه لا يقوم من علته هذه!فلما سمع الرشيد ذلك الكلام من الطبيب أيس من الحياة و ذرفت عيناه بالدموع، و جعل يتمثل بهذين البيتين‏[ (3) ]:

إن الطبيب بطبه و دوائه # لا يستطيع دفاع محذور القضا

ما للطبيب يموت بالداء الذي # قد كان يبرئ غيره فيما مضى‏

قال: ثم أقبل الرشيد بن المهدي على الفضل بن الربيع و هو واقف بين يديه فقال: يا فضل!ما يقول الناس؟قال: يقولون خيرا يا أمير المؤمنين!فقال: على كل حال اصدقني عن أراجيفهم، فإني أظنهم يقولون قد مات أمير المؤمنين الرشيد باللّه. قال: فبكى الفضل و تغرغرت عيناه بالدموع. قال: فاستوى الرشيد جالسا على خيله ثم قال: أسرجوا لي!فأسرجوا له حمارا مصريا، ثم حمل حملا حتى استوى عليه فكاد لحم فخذيه أن يسقط و لم يمكنه أن يثبت على السرج فقال:

أنزلوني، قد صدق الطبيب‏[ (4) ]، أنا و اللّه ميت لا شك في ذلك!قال: ثم دعا بأكفانه فنشرت بين يديه، و أمر بقبره فحفر و هو ينظر إليه‏[ (5) ]. ثم جعل يسترجع و يبكي على نفسه و هو يتمثل بقول صالح بن عبد القدوس حيث يقول:

و كم من ذي مصانع قد بناها # و شيدها قليل الخوف عات

فبات و لم يروع من زوال # و لا يخشى المنايا الرازيات‏

[ (1) ]في الطبري 8/344 و ابن الأثير 4/90 جبريل بن بختيشوع.

[ (2) ]الطبري: دار حميد بن أبي غانم الطائي.

[ (3) ]البيتان في مروج الذهب 3/448 و الأخبار الطوال ص 392 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (4) ]في مروج الذهب 3/449 صدق المرجفون.

[ (5) ]في مروج الذهب: فلما اطلع فيه قال: مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ، `هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ .

399

و لما صار الرشيد بطوس دعا العباس بن موسى، فقال له: يا عباس!في علمنا المدروس أنه يموت بطوس، فقال: بل يشفي اللّه أمير المؤمنين، فقال: هو ما أقول، فلما زادت عليه جعل يقول:

إني بطوس مقيم # مالي بطوس حميم

أرجو إلهي لما بي # فإنه بي رحيم

فقد أتى بي طوسا # قضاؤه المحتوم

فليس إلا رضاه # و الصبر و التسليم‏

قال: و كان في سجنه قوم من الأسارى قد كان بعث بهم هرثمة بن أعين فأمر بهم، فأخرجوا من السجن حتى وقفوا بين يديه، فقال لهم: أعداء اللّه!أنتم الذين أزعجتموني عن موضعي و خنتموني المؤنة و التعب و السفر بخروجكم عليّ، و اللّه لأقتلنكم قتلة ما سبقني أحد إليها[ (1) ]، قال: ثم أمر بهم ففصلوا عضوا عضوا حتى أتى آخرهم.

ثم دعا برؤوس القواد و من حضر من فرسان العسكر و سادات بني هاشم فلما اجتمعوا عنده:

ذكر وصية الرشيد عند موته‏

-فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال: إنكم قد علمتم أن كل حي ميت و كل حي فان‏[ (2) ]، و أن هذه الحالة التي أنا عليها هي الحالة التي لم أزل آثر فيها و أوطن نفسي على تجرع أهوالها، و قد ترون ما قد نزل بي من الأمر، و أنا أوصيكم بثلاث و أنهاكم عن خمس: أوصيكم باجتماع كلمتكم، و المناصحة لأئمتكم‏[ (3) ]، و أنهاكم عن الفرقة و القطيعة و الغش و الغل و الحسد، و أوصيكم بعد ذلك بحفظ الجنود فإنها سيوفكم القاطعة و رماحكم النافذة و سهامكم الصائبة [ (1) ]هذا القول قاله لأخي رافع بن الليث و اسمه بشير، و كان قد أسر و أرسله هرثمة بن أعين إلى الرشيد.

(مروج الذهب) .

و في ابن الأثير قال الرشيد: و اللّه و لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه، ثم أمر بقصاب، فأمر به، ففصل أعضاءه.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/449 و كل جديد بال.

[ (3) ]زيد في مروج الذهب: الحفظ لأمانتكم.

400

و ودائع اللّه فيكم، و عليكم بالمباعدة لأهل الأهواء و الضلالة و البدع‏[ (1) ]المكروهة، و لا تأخذوا بظنة. و لا تخيفوا ذا طاعة، و لا تهاونوا بذي خلاف و معصية، و انظروا ابني حنيفا محمدا و عبد اللّه، فمن بغى منهما على صاحبه فردوه عن طريقه و[أيدوا]أثبتهما حجة. قال: ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال: يا فضل! قال: لبيك يا أمير المؤمنين!فقال: إذا أنا متّ فخذ القضيب و البردة و الخاتم و الحق بابني محمد الأمين و كن معه حتى تكاتفه و تؤازره على أمره، و اكتبوا إلى ابني المأمون بما يكون من أمري. قال: ثم إنه استمسك لسانه فمات رحمه اللّه.

ذكر وفاة الرشيد و رؤياه قبل موته‏

ذكر جبريل بن بختيشوع أنه كان مع الرشيد في الرقة و كان أول من يدخل عليه في كل غدوة[ (2) ]، قال: فدخلت عليه يوما فسلمت فلم يرفع رأسه و طرفه و وجهه [و رأيته-][ (3) ]عابسا مهموما، فوقفت بين يديه مليا و هو على تلك الحالة، فلما أطال ذلك أقدمت عليه و قلت: جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين!فيا سيدي!ما حالك هكذا؟فقال: رأيت هذه الليلة رؤيا أهالتني و أفرحت قلبي، فقلت: فرّجت عني يا أمير المؤمنين!ثم دنوت و قبلت رجليه و قلت: هذا يكون من بخارات رديئة أو من السوداء، و إنما هي أضغاث أحلام، قال: فأقصها عليك و هي أني رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع كنت أعرفه و كف أعرفها لا أفهم اسم صاحبها، و في الكف تربة حمراء، فقال قائل-أعرفه-و لا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها!فقلت: و أين هذه التربة؟قال: بطوس!و غابت اليد و انقطع الكلام و انتبهت، قال فقلت: يا سيدي!هذه و اللّه رؤيا بعيدة!و أحسبك أخذت مضجعك و فكرت في خراسان و في حروبها!قال: و قد كان ذلك، قلت: لذلك جاءك هذا الفكر. ثم لم أزل به أطيب نفسه بضروب الحيل حتى سلى و انبسط.

فمضت بعد ذلك أيام فنسي و نسينا تلك الرؤيا، ثم قدر اللّه تعالى مسيرنا إلى خراسان حين تحرك رافع بن الليث فخرج، فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة حتى [ (1) ]بالأصل: و البدوع.

[ (2) ]في الطبري 8/342 فأتعرف حاله في ليلته، فإن كان أنكر شيئا وصفه... ثم يسألني عن أخبار العامة و أحوالها.

[ (3) ]زيادة عن الطبري و ابن الأثير 4/88.

401

دخلنا طوس و نزلنا في منزل حميد بن عبد اللّه‏[ (1) ]، فبينا أمير المؤمنين في بستان ذلك القصر متمرض إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملا يقوم و يسقط، فقال: يا جبريل! تذكر رؤياي في طوس، ثم رفع رأسه إلى مسرور الخادم و قال: جب لي من تربة هذا البستان!فمضى مسرور و أتى و في كفه من التربة حاسرا عن ذراعيه، فلما نظر إليها قال: هذه و اللّه الذراع التي رأيتها[ (2) ]في الشام، و هذه التربة الحمراء، فأقبل على البكاء و النحيب، ثم مات بعد ثلاثة أيام، و دفن في ذلك البستان نصف الليل لثلاث خلون من شهر جمادى الأول سنة ثلاث‏[ (3) ]و تسعين و مائة، و استخلف ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين و مائة و هو يومئذ ابن اثنتين و عشرين سنة، و توفي ليلة الأحد و هو ابن خمس‏[ (4) ]و أربعين سنة، فملك ثلاثا[ (5) ]و عشرين سنة و شهرا[ (6) ]و سبعة عشر يوما[ (7) ]، و كان مولده بالري، و في ذلك يقول أبو العتاهية:

إن أمير المؤمنين في خلقه # حن به البر إلى مولده

ليصلح الري و أقطارها # و يمطر الخير بها من يده‏

و هذا في رواية بكر بن إسماعيل، و قيل: كان ملكه ثلاثا[ (8) ]و عشرين سنة و ستة عشر يوما. و كان جسيما جميلا وسيما، أبيض جعد الشعر قد و خطه الشيب، و كان يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة، و كان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم، و إذا حج حج معه مائة من الفقهاء، فالسنة التي لا يحج فيها أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، و كان في الهيبة و السياسة مثل المنصور و[في‏]السماحة مثل السفاح. فلما مات كتب الخبر إلى المأمون و هو يومئذ بمرو، [ (1) ]في الطبري: الجنيد بن عبد الرحمن.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير: رأيتها في منامي.

[ (3) ]بالأصل: ثلاثة.

[ (4) ]بالأصل: خمسة.

[ (5) ]عن الطبري و بالأصل «اثنين» .

[ (6) ]عن الطبري و بالأصل «ثمانية أشهر» .

[ (7) ]انظر في يوم موته و مقدار عمره و مدة خلافته الطبري 8/345 ابن الأثير 4/88 مروج الذهب 3/412 التنبيه و الأشراف ص 345 تاريخ اليعقوبي 2/430 فوات الوفيات 2/616 المعارف ص 383 تاريخ خليفة ص 460 و انفرد في الإمامة و السياسة و ذكر موته سنة 195 هـ.

[ (8) ]الأصل «ثلاثة» .

402

و كتب أيضا بالخبر إلى محمد الأمين و هو يومئذ بمدينة السلام بغداد، و صار الأمر إلى ابنه محمد الأمين.

خلافة محمد الأمين‏

قال الحسن بن المنصور: أخبرني الفضل بن زرارة قال: لما صارت الخلافة إلى محمد الأمين أخرج كل من كان في حبس الرشيد ببغداد، و اتخذ الفضل بن الربيع وزيرا، و جعل ابنه العباس بن الفضل بن الربيع حاجبا، و اتخذ إسماعيل بن صبيح كاتبا، و نصب ابنه موسى لولاية العهد من بعده و أخذ له البيعة و سماه الناطق باللّه، و جعله في حجر علي بن موسى بن ماهان، فجعل بعض الشعراء يقول في ذلك-و هو أبو نواس:

لقد قام خير الناس من بعد خيرهم # فليس على الأيام إذ قام معتب

فأمسى أمير المؤمنين محمد # و ما بعده للطالب العرف مطلب‏

و قال فيه أبو نواس أيضا:

رضينا بالأمين عن الزمان # فأضحى الملك معمور المعاني‏[ (1) ]

تمنينا على الأيام شيئا # فقد نلنا به ثمر الأماني‏

و قال فيه أبو نواس أيضا:

لئن كان ريب الدهر غال أمامنا # و لم يخطه لما رماه مقاصدا[ (2) ]

فإن الذي كنا نؤمل بعده # و ندخره للنائبات محمدا

و قال أبو نواس أيضا:

ملكت على طين السعادة و اليمن # و حزت إليك الملك مقتتل السن

لقد طابت الدنيا بملك محمد # و زيدت به الأيام حسنا على حسن‏

قال: ثم إن الفضل بن الربيع حمل تلك الأموال التي كان الرشيد أمر بها لعبد اللّه المأمون، و حمل البردة و القضيب و الخاتم و لحق بالأمين محمد ابن زبيدة، [ (1) ]في ديوان أبي نواس: المكان.

[ (2) ]في الديوان: فاقصدا.

403

فلما قدم الفضل عليه فرح به فرحا شديدا و قربه و أدناه و جعله وزيره و صاحب أمره و أعماله، و فوض إليه ما وافى به. قال: و كان الفضل بن الربيع هو الذي يولي الأمور و الولاة و يعزلهم، و يرفع من أراد رفعه. و يضع من أراد وضعه. قال: و احتجب الأمين فلم يكن يصل إليه أحد و لا يجلس الناس إلا في فرط، و كان الفضل بن الربيع هو المتولي لجميع الأمور و أسباب الملك و تدبيرها، و قد ذكر ذلك أبو نواس في قصيدة حيث يقول:

لعمرك ما غاب الأمين محمد # عن الأمر يعينه إذا شهد الفضل

و لو لا مواريث الخلافة إنما # له‏[ (1) ]دونه ما كان بينهما فضل‏

قال: و حدثني أبو يزيد المهلبي قال: لما صارت الخلافة إلى محمد الأمين فخلى للهو و اللعب و النزهة، ثم إنه ابتاع أنواع الجواهر و اشتغل بالنساء، فلما أسرف في ذلك و طال على الناس ذلك و جدوا في قلوبهم قسوة، فدخل عليه إسماعيل بن صبيح و هو كاتبه و صاحب سره فقال: يا أمير المؤمنين!إن قوادك و جندك و عامة رعيتك قد ساءت ظنونهم، و خبثت أنفسهم، و كبر عليهم ما يرون احتجابك عنهم و إهمالك النظر في أمورهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار ليدخلوا فيسلموا على أمير المؤمنين؟فقال الأمين: إني فاعل ذلك غدا إن شاء اللّه تعالى. قال: فلما كان من الغد جلس الأمين في مجلسه و أمر ببابه ففتح، و أمر بالستور فرفعت، و أذن للناس فدخلوا عليه و جلسوا في أماكنهم و مراتبهم، فقام الخطباء فخطبوا، قام الشعراء فأنشدوا، و قام فيمن قام يومئذ أبو نواس فقال: يا أمير المؤمنين!إن هؤلاء الذين أنشدوا إنما هم أهل مدر و حجر و شياه و إبل، و قد حفت ألفاظهم و غاضت بحورهم و ليس لهم بصر بمدح الخلفاء و نشر مكارم الكرماء، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في النشيد فليفعل!قال: فإذن له الأمين في ذلك، فأنشد يقول:

ألا دارها بالماء حتى تلينها # فلم تكرم الصهباء حتى تهينها

أغالي بها حتى إذا ما ملكتها # أهنت بإكرام الخليل مصونها

و صفراء قبل المزج بيضاء بعده # كأن شعاع الشمس يلقاك دونها

قال فقال له محمد الأمين: يا عدو اللّه و عدو نفسه!أليس قد نهيت عن شرب [ (1) ]عن ديوان أبي نواس، و بالأصل: «إنها لها» .

404

الخمر و اللهو و اللغو فيها بالشعر؟فقال: يا أمير المؤمنين!ما شربت منها محرما و لا فارقت منها دينا منذ نهيتني عنها، و أنا القائل في ذلك‏[ (1) ]:

أيها الرائحان باللوم لوما # لا أذوق المدام إلا شميما

نالني بالملام فيها إمام # لا أرى في خلافه مستقيما

قال: فتبسم الأمين و أحسن جائزته و انصرف.

ذكر خبر الشعراء الثلاثة و هم أبو نواس و الرقاشي و مصعب‏[ (2) ]مع محمد الأمين‏[ (3) ]

قال: خرج محمد ابن زبيدة الأمين ذات ليلة يطوف في قصره إذ نظر بعض الجواري التي‏[ (4) ]له تطوف في القصر و هي سكرى، و قد سقط الرداء عن منكبيها و انكشف صدرها، فأعجب بها محمد الأمين ابن زبيدة فدعاها إلى نفسها، فقالت:

ذرني فإني طامث، و واعدته أن تزوره في غد، فانصرف محمد الأمين إلى فراشه ينقلب جنبا جنبا، فلما أصبح أرسل إليها فقالت: كلام الليل يمحوه النهار. فقال محمد ابن زبيدة: انظروا من بالباب من الشعراء!فقالوا: الرقاشي و مصعب‏[ (2) ]و أبو نواس، فقال: أدخل بهم عليَّ!فلما دخلوا و أعطوه حق التسليم قال لهم: ليقل كل واحد منكم بيتين من الشعر على «كلام الليل يمحوه النهار» . قال: فابتدأ الرقاشي ينشد و يقول:

متى تصحو و قلبك مستطار # و قد منع الرقاد[ (5) ]فلا قرار

و قد تركتك صبّا مستهاما[ (6) ] # فتاة لا تزور و لا تزار

إذا ما زرتها و عدتك وعدا[ (7) ] # كلام الليل يمحوه النهار

[ (1) ]الأبيات في الطبري 8/517 و ديوانه ص 325.

[ (2) ]عن العقد الفريد 6/409 و بالأصل ابن مصعب.

[ (3) ]الخبر في العقد الفريد.

[ (4) ]بالأصل «الذي» .

[ (5) ]العقد الفريد: القرار فلا قرار.

[ (6) ]عن العقد الفريد و بالأصل: تركت صب مستهام.

[ (7) ]في العقد الفريد:

إذا استنجزت منها الوعد قالت‏

405

ثم تقدم مصعب‏[ (1) ]فقال:

أما و اللّه لو تجدين وجدي # لأذهب بالردا عنك السرار

فكيف و قد تركت الجسم عبرا # و في الأحشاء من ذكراك نار

تبسم ضاحكا من غير عجب # كلام الليل يمحوه النهار

ثم تقدم أبو نواس فقال:

تمادى الحب و انقطع المزار # و جاهرنا فلم يغن الجهار

و ليلة[ (2) ]أقبلت في القصر سكرى # و لكن زين السكر الوقار

و هز الريح أردافا ثقالا # و غصنا فيه رمان صغار

و قد سقط الردا عن منكبيها # من التهييف و استرخى الإزار

فقلت الوعد سيدتي فقالت: # كلام الليل يمحوه النهار

فقلت الوصل سيدتي فقالت # غدا و إليك في ذاك الخيار

فلما أسفر الصبح التقينا # و قد غلب التصبر و القرار

فقال محمد الأمين: يا غلام!جرد أبا نواس و اضربه خمسمائة سوط، فقال أبو نواس: و لم يا أمير المؤمنين؟فقال: و اللّه ما كنت إلا ثالثا أو مطلعا علينا! فقال: و اللّه ما كنت ثالثكم و لا مطلعا عليكم، و لكن علمت مراد أمير المؤمنين فقلته، فقال: يا غلام!أعط أبا نواس عشرة آلاف درهم‏[ (3) ]، و أعط الاثنين عشرة آلاف درهم بينهما. ثم أمر فأخرجوا.

و يحكى أن الأمين كان يشرب ذات ليلة على بساط نرجس، و كانت تلك الليلة قد أبدر قمرها و كان الذي يسقيه خادمه كوثر فطرب و قال:

و صف البدر حسن وجهك حتى # خلت أني و ما أراك أراكا

و إذا ما تنفس النرجس الغـ # ضّ توهمته نسيم شذاكا

ثم أمر الأمين فنودي له في الجند أن أمير المؤمنين قد عزم على الركوب فلا يتخلف أحد له ديوان، فركب الأجناد و الكتاب و أصحاب الأقلام و الوزراء و أرباب [ (1) ]انظر أبيات مصعب في العقد الفريد 6/410 باختلاف عما ورد في الأصل.

[ (2) ]في العقد الفريد: و خود، و الخود: الشابة الحسنة الخلق.

[ (3) ]في العقد الفريد: فأمر له بأربعة آلاف درهم، و لصاحبيه بمثلها.

406

المناصب في أحسن زي و أكمل هيئة و أعدت له الحراقات و الزلالات في الدجلة، فنهض و لبس أثوابه و تقلد سيفه و ركب إلى شاطئ الدجلة، و كان قد بنى له حراقات لم يعمل مثلها: إحداهما على مثال الأسد، و الأخرى على مثال العقاب. قال:

و اصطفت الناس على شاطئ الدجلة و مر أمير المؤمنين منحدرا سائرا و الزلالات على يمينه و شماله. قال: فما يظن أحد أنه نظر إلى شي‏ء أبهى و لا أحسن من ذلك و لا أجمل منه، و في ذلك يقول أبو نواس‏[ (1) ]:

سخر اللّه للأمين مطايا # لم تسخر لصاحب المحراب

فإذا ما ركابه سار برّا # سار في الماء راكبا ليث غاب

أسدا باسطا ذراعيه‏[ (2) ]يعدو # أهرت الشدق كاشر الأنياب

لا يعانيه باللجام و لا السّ # وط[ (3) ]و لا غمز رجله في الركاب

عجب الناس إذ رأوك على صو # رة ليث يمر مر السحاب

سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب

ذات يمن و ميسر و جناحيـ # ن تشق العباب بعد العباب

بارك اللّه للأمين و أبقا # و أبقى له رداء الشباب

ملك تقصر المدائح عنه # هاشمي موفّق للصواب‏

و قال الفضل بن زياد: أخبرني و صيف خادم الأمين محمد ابن زبيدة قال:

[لما]أفضت الخلافة إلى الأمين محمد ابن زبيدة بعث إلى أسد بن يزيد بن مزيد الشيباني فعزله عن بلاد إرمينية و ولى مكانه إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، قال: فوجه إسحاق بن سليمان بابنه الفضل على مقدمته إلى إرمينية فدخلها و اتصل به أبوه، و ما زال في يد إسحاق بن سليمان الهاشمي إلى أن وقع الاختلاف بين الأمين و بين أخيه المأمون، فاتصل الحروب و الوقائع إلى أن قتل الأمين-و اللّه أعلم-.

ذكر المخالفة بينهما و مقتل الأمين‏

قال: لما دخل عام أربع و تسعين و مائة أمر محمد الأمين بالدعاء لابنه موسى [ (1) ]ديوانه ص 116 و الطبري 8/509 و ابن الأثير 4/142.

[ (2) ]عن الديوان و بالأصل: يديه.

[ (3) ]عن الديوان و بالأصل: السفط. ـ

407

على المنابر و سماه الناطق بالحق‏[ (1) ]و فسد بينه و بين المأمون و مكر كل واحد منهما بصاحبه، و لم يكن ذلك من رأي الأمين محمد و لا عزمه بل كان عزمه الوفاء لأخيه بما كان قد احتلف عليه لهما والده الرشيد من العهود و المواثيق، و لم يزل الفضل بن الربيع يصغر عن الأمين حال المأمون و يزين له خلعه، حتى قال: ما ينتظر أمير المؤمنين بعبد اللّه و القاسم!اخلعهما، فإن البيعة كانت‏[لك‏]متقدمة قبلهما و دخلا بعدك‏[ (2) ]، و عاونه على ذلك علي بن عيسى بن ماهان و السندي و بكر بن المعتمر حتى أزالوا محمدا الأمين عن رأيه، فأول ما أظهر الأمين من الخلاف أنه ترك دعاء المأمون على المنابر و دعا لابنه موسى، و الثاني أنه كتب إلى المأمون يسأله أنه يتجافى عن كورتين من كور خراسان و أنه يوجه العمال إليهما من قبله-يعني الأمين محمد-، و الثالث‏[أنه‏]تمكن من نفسه صاحب بريد يكتب إلى الأمين بخبره.

فلما ورد الكتاب على المأمون بذلك اشتد عليه و غضب غضبا شديدا، و شاور الفضل بن سهل و أخاه و جميع شيعته، فقال الجميع: السبيل أن تصبر و لا تنقض العهد فإنه إن بغى عليك أخوك فاللّه ناصرك عليه، و ليكن جوابك إليه جوابا حسنا و أظهر له التواضع و الطاعة، ففعل ما أشاروا عليه به‏[ (3) ]. و أمر المأمون عماله و حراسه من حدود الري أن لا يأتي أحد من العراق و لا أحد من خراسان إلا بجواز بعد أن يفتش غاية التفتيش، فكان أهل خراسان يحبون المأمون و يتقربون إليه و يوالونه موالاة صادقة. و كان للمأمون ببغداد أموال و أولاد فطلب من الأمين فلم يردها إليه.

و شاور الأمين يحيى بن سليم و كان ذا رأي و عقل رصين و معرفة بأمور الدول في خلع المأمون، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين!لا تجاهره مجاهرة يستنكرها الناس و يظهر شناعتها للعامة، و لكن الرأي يا أمير المؤمنين!أن تستدعي‏[ (4) ]الجند بعد الجند[ (4) ]و القائد بعد القائد، و تنوبهم‏[ (5) ]بالألطاف و الهدايا، و تستميلهم [ (1) ]عن مروج الذهب 3/484، و بالأصل «الناطق باللّه» .

[ (2) ]و كان الفضل بن الربيع قد خاف المأمون بعد نكثه العهود التي أخذها عليه الرشيد لابنه عبد اللّه و انصرف إلى محمد الأمين، و علم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوما و هو حي لم يبق عليه (انظر الطبري و ابن الأثير حوادث سنتي 193-194) .

[ (3) ]انظر نسخة كتاب المأمون إلى الأمين في الطبري 8/379 و ابن الأثير 4/102.

[ (4) ]عن الطبري 8/385 و ابن الأثير 4/103 و بالأصل: الحيدري.

[ (5) ]في الطبري: و تؤنسه. و في ابن الأثير: و تؤنسهما.

408

بالأطماع، فإذا ذهبت‏[ (1) ]قوته و استقرت‏[ (2) ]رجاله أمرته بالقدوم عليك، فإن قدم كان الذي تريد، و إن أبى كنت قد تناولته و قد قل جنوده و ضعف ركنه. و كان للمأمون بباب الأمين صاحب خبر ينتهي إليه بالأخبار، فكتب إلى المأمون في ذلك كتابا و جعله في عود منقور من أعواد الأكاف مع امرأة، و كانت الامرأة تمضي على المسالح، و قد سد الفضل بن الربيع أفواه الطرق و أن لا يجوزها أحد، فجاءت المرأة إلى صاحب البريد و عرفته، فرفع الخبر إلى المأمون، فأشخص طاهر بن الحسين فيمن ضم إليه من قواده و أجناده، فسار مجدا لا يلوي على أحد حتى ورد الريّ فنزلها.

و وجّه محمد الأمين عصمة بن حماد بن سالم الهمذاني إلى همذان و ولاه حرب كور الجبل و أمره أن يقيم بهمذان و يوجه مقدمته إلى ساوة[ (3) ]، و أقبل بعد ذلك علي بن عيسى بن ماهان على محمد الأمين فقال: إن أهل خراسان كتبوا إليّ أني إن خرجت إليهم أطاعوني و انقادوا إليّ، فولاه محمد نهاوند و همذان و الجبل و قم و أصبهان حربها و خراجها. و ضم إليه جماعة من القواد، و أمر له بمائتي ألف دينار و لابنه بخمسة آلاف دينار[ (4) ]، و أمر له بألفي سيف محلّى و ستة آلاف ثوب للخلع، فشخص علي بن عيسى في أربعين ألف فارس لحرب المأمون، و ذلك في سنة خمس و تسعين و مائة[ (5) ]، و حمل معه قيد من فضة ليقيد به المأمون بزعمه، و شخص معه الأمين إلى النهروان حتى روع العسكر و كتب إلى عصمة بالانصراف إلى عند علي بن عيسى بن ماهان.

فلما نزل علي بن عيسى همذان ولّى عليها عبد اللّه بن حميد[ (6) ]بن قحطبة، ثم شخص علي بن عيسى يريد الري فسار حتى بلغ الري على تعبئته، فلقيه طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف، فحاربه و قتله‏[ (7) ]و قطع رأسه و أرسل به إلى [ (1) ]الطبري: أوهنت. و ابن الأثير: و هنت.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير: و استفرغت.

[ (3) ]مدينة بين الري و همذان في وسط.

[ (4) ]الطبري 8/390 بخمسين ألف دينار.

[ (5) ]ورد في ابن الأثير أن الفضل ذي الرياستين كتاب إلى عينه لدى الفضل بن الربيع أن يشير على الفضل بإنفاذ علي بن عيسى لحرب المأمون، و كان عليا مكروها من أهل خراسان لسوء سيرته و ظلمه إياهم عند ما كان واليا أيام الرشيد.

[ (6) ]عن الطبري، و بالأصل: جنيد.

[ (7) ]انظر تفاصيل حول القتال وردت في الطبري 8/393 ابن الأثير 4/107 مروج الذهب

409

المأمون‏[ (1) ].

و قال شاعر من بغداد في ذلك لما رأى تشاغل محمد بلهوه و بطالته و تخليته التدبير على الفضل و تسليم الأمور إليه:

أضاع الخلافة غش الوزير # و فسق الإمام و جهل المشير

لواط الأمور أعجوبة # و أعجب منه خلاق الوزير

ففضل وزير و بكر مشير # يريدان ما فيه حتف‏[ (2) ]الأمير

و من ليس يحسن غسل استه # و لم يخل من بوله في سرير

فلما انتهى إلى الأمين قتل علي بن عيسى بن ماهان و استباحة عسكره وجه عبد الرحمن بن جبلة في عشرين ألف فارس من الأنبار و حمل الأموال معه، و ولاه ما بين حلوان إلى ما غلب من أرض خراسان و أمره بسرعة السير، فتوجه حتى نزل همذان و ضبط أطرافها و استعد للقاء طاهر بن الحسين. و كان يحيى بن علي بن عيسى لما قتل أبوه هرب في جماعة و أقام بين الري و همذان، و كتب إليه‏[محمد الأمين‏]أن استعد و ازحف إلى طاهر!و استقبله طاهر مع جيشه على قاتله قتالا شديدا، فهرب عبد الرحمن و دخل مدينة همذان، فأقام طاهر مع جيشه على باب المدينة و قطع عنهم الماء حتى تبرموا للقتال، فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر بن الحسين و سأله الأمان له و لمن معه، فآمنه طاهر و وفى له‏[ (3) ]، و كان عبد الرحمن خائفا من أهل همذان أن يقبضوه، و صالح لما رأى أيضا من ظفر طاهر و نصره و خذلان أصحابه.

و سمي طاهر ذا اليمينين و صاحب حبل الدين‏[ (4) ]لما قتل علي بن عيسى و كاتب إلى المأمون يخبره و أن رأسه في حجره و خاتمه في إصبعه و سلم على المأمون بإمرة المؤمنين.

[ (3) ]/476-477.

[ (1) ]الأبيات في الطبري 8/396 ابن الأثير 4/110.

[ (2) ]بالأصل «حتف ما فيه» و ما أثبت عن الطبري.

[ (3) ]كذا بالأصل و الطبري و ابن الأثير، أما اليعقوبي فذكر أن طاهرا قتله و استباح كل ما في عسكره، و لم يذكر أنه أمنه ثم قتله.

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل «اللذين» .

410

فلما دخلت سنة ست و تسعين و مائة خلع محمد بن هارون ببغداد و أخذت البيعة للمأمون، و حبس محمد في قصر أبي جعفر مع زبيدة، و كان الحسين بن علي بن ماهان حبسه، فقام أسد الحارثي‏[ (1) ]و جمع خلقا و جاء إلى باب القصر، و قاتل الحسين بن علي و أصحابه قتالا شديدا و أسره، و دخل أسد على محمد و كسر قيده و أقعده في مجلس الخلافة، ثم رضي محمد عن الحسين بن علي و خلع عليه و على أصحابه ورد إليه قيادته، و جددت البيعة لمحمد، و كان حبسه يومين.

و توجه طاهر بن الحسين إلى الأهواز و بها يومئذ محمد بن يزيد المهلبي مع جيش عظيم متوجه نحو طاهر، و قاتله بنفسه قتالا عظيما لم ير مثله في هذه الأيام، و انتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد و طعنه طعنة عظيمة بالرمح صرعه، و تبادر أهل العسكر بالطعن و الضرب حتى قتلوه و حزوا رأسه، و خرج طاهر حتى حصل بباب بغداد فأخذ أصحاب محمد في الغارة.

و قام العيارون و أهل الفساد يتعلقون بالمرأة الصالحة بالسوق و لا يمنع، و يحملون أولاد التجار و هم عند آبائهم و لا يجترئون على منعهم، و انتشر أمر محمد و ضعف و تبدد جنده و أحس من طاهر العلو عليه و الظفر. ثم استأمن خزيمة بن خازم و محمد بن علي بن عيسى و خلعا محمدا و دعوا للمأمون، فسكن العسكر و ألزموا مساكنهم و استقروا في منازلهم، و غدا الطاهر على المدينة الشرقية و أرباضها[ (2) ] و الكرخ و أسواقها و هدم قنطرتي الصراة العتيقة و الحديثة، و اشتد عندهما القتال على أصحابه، و باشر القتال بنفسه، و قاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ و هزم أصحاب محمد، و قصد إلى المدينة التي لأبي جعفر فأحاط بها و بقصر زبيدة، و حاصر قصر الخلد، و خرج محمد و ابنه و أمه إلى مدينة أبي جعفر و تفرق عامة جنده و خصيانه و جواريه في السكك و الطرق لا يلوي أحد منهم على الآخر، و تفرق الغوغاء و السفلة، و تحصن محمد بالمدينة هو و من يقاتل معه، و حاصره طاهر و أخذ عليه الأبواب و منع منه و من أهل المدينة الدقيق و الماء، و بلغ أمره إلى أنه أكل و طلب الماء فلم يجده.

و ذكر عن إبراهيم المهدي أنه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور [ (1) ]في الطبري 8/430 أسد الحربي.

[ (2) ]عن الطبري 8/473 و بالأصل «المدينة الشريفة و أرباضها» .

411

لما حاصره طاهر، فخرج ذات ليلة من قصره يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه فصار إلى قصر القرار[ (1) ]فقال لي: يا إبراهيم!أما ترى طيب هذه الليلة و حسن هذا القمر في السماء و ضوءه في الماء فهل لك و الشرب؟فقلت: شأنك و ما تريد جعلني اللّه فداك!فدعا برطل من نبيذ فشربه، ثم أمر بسقيته مثله، فابتدرت أغنيه من غير أن يسألني لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كان يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟فقلت: ما أحوجني إلى ذلك!فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها صعب‏[ (2) ]، فتطيرت من اسمها و نحن في ذاك الحال الذي نحن فيه من الضيق و الحصر، فلما صارت بين يديه قال: غني!فغنت‏[ (3) ]بشعر النابغة الجعدي:

كليب لعمري‏[ (4) ]كان أكثر ناصرا # و أيسر ذنبا[ (5) ]منك ضرّج بالدم‏

قال: فاشتد عليه ذلك البيت الذي غنته له ثم تطير منه، فقال: غني غير هذا!فغنت‏[ (6) ]:

أبكي فراقهم عيني فأرّقها # إن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم # حتى تفانوا و ريب‏[ (7) ]الدهر عداء

فقال لها: لعنك اللّه!أما تعرفين تغني غير هذا؟فقالت: يا سيدي!ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه، و ما هو إلا شي‏ء جاءني، ثم أخذت في غناء آخر:

أما و رب السكون‏[ (8) ]و الحرك # إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل و النهار و لا # دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك # قد انقضى ملكه إلى ملك‏

[ (1) ]عن الطبري 8/476 و بالأصل «فصار إلى قصر الفرات» و هو في قرنة الصراة، أسفل من قصر الخلد.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/479 «ضعف» .

[ (3) ]في مروج الذهب: فوضعت العود في حجرها و غنت.

[ (4) ]عن الطبري 8/477 و ابن الأثير 4/132 و مروج الذهب، و بالأصل «كلبت غيرى» .

[ (5) ]في مروج الذهب: حزما.

[ (6) ]البيتان في الطبري و ابن الأثير.

[ (7) ]عن المصدرين و بالأصل «رب» .

[ (8) ]عن الطبري و مروج الذهب و ابن الأثير و بالأصل «السماء» .

412

و ملك ذي العرش دائم أبدا # ليس بفان و لا بمشترك‏[ (1) ]

فقال لها: قومي عليك غضب اللّه!فقامت و بين يديه قدح محكم الصنعة، فعثرت بالقدم فكسرته. فقال لي: يا إبراهيم!أما ترى ما جاءت به هذه الجارية ثم ما كان من أمر القدح، و اللّه ما أظن أمري إلا و قد قرب!فقلت: أطال اللّه عمر أمير المؤمنين و أعز ملكه!فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيََانِ [ (2) ]فقال لي: يا إبراهيم!أما سمعت ما سمعت؟قلت: لا يا أمير المؤمنين ما سمعت شيئا، ثم عاود بالحديث فعاد الصوت‏[ (3) ]، فوثب من مجلسه ذلك مغتما، ثم ركب و رجع إلى موضعه في المدينة، فما كان بعدها إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل و حدث من أمره ما حدث.

و في رواية أخرى أنه لما اشتد به الحصار اشتد اغتمامه فضاق ذرعا، فدعا بندمائه و الشراب ليتسلى به، و كان له جارية يختصها من بين جواريه، فأمرها أن تغني، و تناول كأسا يشربه، فحبس اللّه لسانها عن كل شي‏ء فغنت:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا # و أكثر ذنبا منك ضرج بالدم‏

فرماها بالكأس فطرحها الأرض ثم دعا بكأس أخرى فتناولها، و دعا بجارية أخرى فأمرها بالغناء فغنت:

قومي هم قتلوا أميم أخي # فإذا رميت يصيبني سهمي‏[ (4) ]

قال: فرمى وجهها بالقدح و رمى الصينية برجله و عاد إلى ما كان فيه من همه و غمه، فلم يلبث أن قتل بعد ذلك بأيام يسيرة. و يروى أن محمدا الأمين لما حاصره [ (1) ]و قيل إنها غنت:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس و لم يسر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر

[ (2) ]سورة يوسف، الآية 41.

[ (3) ]في مروج الذهب: قال ابن مهدي: فقمت و قد وثب، فسمعت منشدا من ناحية القصر ينشد هذين البيتين:

لا تعجبن من العجب # قد جاء ما يقضي العجب

قد جاء أمر فادح # فيه لذي عجب عجب‏

[ (4) ]البيت للحارث بن و علة الذهلي (ديوان الحماسة: التبريزي 1/199) .

413

طاهر بن الحسين قال:

يا فضل قد حاصرني طاهر # إني على ما فاتني صابر

لم يبق من ملكي إلا الذي # تراه و الخسران و الناصر

و قال محمد الأمين أيضا حين يئس من الملك و علا عليه طاهر بن الحسين حيث يقول:

يا نفس قد حق الحذر # أين المفر من القدر

كل امرئ مما يخا # ف و يرتجيه على خطر

من يرتشف صرف الزما # ن يعض يوما بالكدر

و يحكى أن كوثرا الخادم كان عند الأمين محمد عزيزا، فخرج يوما ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه، فجعل يبكي و يمسح الدم عن وجهه، فاشتد عليه ذلك فقال في المعنى:

ضربوا قرة عيني # و لأجلي ضربوه

أخذ اللّه بقلبي # من أناس أحرقوه‏

و لما صار محمد الأمين إلى المدينة و علم قواده أنه ليس لهم و له فيها عدة الحصار دخل على محمد حاتم بن الصقر و محمد بن إبراهيم‏[بن-][ (1) ]الأغلب الإفريقي فقالوا له: قد آل حالك و حالنا إلى ما ترى و قد رأينا رأيا نريد أن نعرضه عليك و نرجو أن يكون صوابا، فقال: و ما هو؟فقالوا: قد تفرق الناس عنك من كل جانب و أحاط بك العدو، و قد بقي معك من خيلك ألف‏[ (2) ]فارس خيارها، فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأغراء تسعمائة[ (3) ]رجل، فتحملهم على هذه الخيل و تخرج ليلا من بعض الأبواب حتى تلحق بالجزيرة فتفرض الفروض و تجبي الخراج و تصير في مملكة واسعة و ملك جديد، فيسارع إليك الناس و تنقطع عنك الجنود التي في طلبك، فقال لهم: نعم ما رأيتم!و عزم على ذاك.

و اتصل الخبر بطاهر بن الحسين، فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر و محمد بن [ (1) ]زيادة عن الطبري 8/478 و ابن الأثير 4/133.

[ (2) ]في ابن الأثير: «سبعة آلاف» . و مثله في مروج الذهب 3/500.

[ (3) ]في الطبري: سبعمائة.

414

عيسى بن نهيك‏[ (1) ]و السندي بن شاهك‏[ (2) ]: و اللّه إن لم تقروه و تردوه عن هذا الرأي لا تركت لهم ضيعة إلا قبضتها و لا يكون لي همة إلا أنفسكم، فدخلوا على محمد و قالوا[ (3) ]: قد بلغنا الذي عزمت عليه فنحن نذكرك اللّه في نفسك إن هؤلاء صعاليك و قد ضاقت عليهم المذاهب و هم يريدون الأمان على أنفسهم عند أخيك و عند طاهر و هم بين يأخذوك أسيرا أو يأخذوا رأسك فيتقربوا بك إلى عدوك و يجعلوك سبب أمانهم. و لما انتقض هذا الرأي عزم على الخروج إلى هرثمة، فقالوا: الخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة.

فقال: و يحكم!أنا أكره الخروج إلى طاهر و ذلك لمنام رأيته، و ذلك أني رأيت في منامي كأني على حائط من آجر شاهق في الهواء عريض الأساس وثيق لم أر حائطا يشبهه في الطول و العرض و الوثاقة، و عليَّ سوادي و سيفي و قلنسوتي و خفي.

و كان طاهر في أصل ذلك الحائط بيده شي‏ء يضرب به ذلك الحائط حتى سقط الحائط و سقطت قلنسوتي عن رأسي، و أنا أتطير من طاهر و أكره الخروج إليه، و هرثمة مولانا، و همّ بالخروج إليه و عملت حراقة ليركبها مع هرثمة، فعلم طاهر بن الحسين، فوثب طاهر و أكمن نفسه في الخلد، فلما صار إلى الحراقة[ (4) ]خرج طاهر إليه و أصحابه فرموا الحراقة[ (5) ]بالسهام و الحجارة، فمالوا ناحية الماء فانكفأت الحراقة، فغرق محمد و هرثمة و من كان فيها، فسبح محمد حتى سار إلى بستان موسى‏[ (6) ]، فظن أن غرقه كان حيلة من هرثمة عليه، فعبر الدجلة حتى صار إلى قرية الصراة، و كان محمد بن حميد[ (7) ]هناك، فصاح بأصحابه فأخذوه و حبسوه و حملوه على برذون، و ألقي عليه إزار من أزر الحبل غير مفتول، و صار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، و كان نازلا بباب الكوفة و أردف رجلا يركب خلفه كي لا [ (1) ]عن الطبري، و مروج الذهب و بالأصل «عقيل» .

[ (2) ]عن الطبري و مروج الذهب و بالأصل: شاهيك.

[ (3) ]انظر ما جرى في مقابلته لقواده في الطبري 8/479 و ابن الأثير 4/133 و مروج الذهب 3/500.

[ (4) ]و كان ذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة 198.

[ (5) ]الحراقة نوع من السفن فيها مرامي النيران يرمى بها.

[ (6) ]في مروج الذهب: و شق محمد ثيابه عن نفسه و سبح فوقع نحو السراة إلى عسكر قرين الديراني غلام طاهر.

[ (7) ]عن الطبري، و بالأصل «حميل» .