الفتوح - ج8

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
443 /
415

يسقط كما يفعل بالأسير، فذبحوه ذبحا من قفاه و أخذوا برأسه، فمضوا به إلى طاهر بن الحسين، و تركوا جثته إلى وقت السحر، ثم أدرجوه في جل و حملوه. فلما أصبح طاهر نصب رأس الأمين على البرج برج حائط البستان الذي على باب الأنبار.

و خرج أهل بغداد إلى النظر إليه، و أقبل طاهر يقول هذا رأس المخلوع محمد[ (1) ].

فلما قتل محمد ندم جيش بغداد على تسليمهم إياه، و وثب الجند بعد قتله بطاهر بن الحسين يريدون قتله، فهرب منهم و تغيب أياما حتى أصلح أمرهم. و بعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين ابن زبيدة إلى المأمون، فلما بلغ الرأس إليه و وضع بين يديه بكى ذو الرئاستين و قال: سل علينا سيوف الناس و ألسنتهم طاهر، أمرناه أن يبعث به أسيرا فبعث به قتيلا، فقال المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار.

و كان ولاية محمد بن الرشيد و هو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخر سنة ثلاث‏[ (2) ]و تسعين و مائة، و قيل: بل من ذي القعدة.

و كانت خلافته أربع سنين و ثمانية أشهر و خمسة أيام و هو ابن خمس‏[ (3) ]و عشرين سنة.

و قيل: ثمان-و اللّه أعلم‏[ (4) ]-. و لم يل الخلافة هاشمي الأبوين إلا علي بن أبي طالب و الحسن بن علي و محمد الأمين، لأنه أمه أم العزيز الملقبة بزبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور و هي صغيرة و كانت بيضاء، و كان المنصور يرقصها و هي صغيرة و يقول: أنت زبيدة!يلصق بها.

و قال خزيمة بن الحسن يرثي المخلوع على لسان‏[ (5) ]أم جعفر يقول‏[ (6) ]:

[ (1) ]في قتله أكثر من رواية انظر مروج الذهب 3/501 و ما بعدها و الطبري 8/485 و ما بعدها. و ابن الأثير 4/135-136 و تاريخ اليعقوبي 2/441.

[ (2) ]بالأصل «ثلاثة» .

[ (3) ]بالأصل «خمسة» .

[ (4) ]انظر في يوم مقتله و مدة ولايته و مقدار عمره الطبري 10/208 مروج الذهب 3/413 ابن الأثير 4/138 التنبيه و الأشراف ص 346 تاريخ اليعقوبي 2/441 مآثر الإنافة 1/204 المعارف ص 167 تاريخ خليفة ص 468 تاريخ بغداد 3/337.

[ (5) ]عن الطبري 8/506 و ابن الأثير 4/139.

[ (6) ]الأبيات في المصدرين السابقين و مروج الذهب 3/505 باختلاف بعض الألفاظ.

416

لخير إمام قام من خير عنصر # و أفضل سام فوق أعواد[ (1) ]منبر

لوارث علم الأولين و فهمهم # و للملك المأمون من أم جعفر

كتبت و عيني تستهل دموعها # إليك ابن عمي من جفوني‏[ (2) ]و محجري

و قد مسني ذل و فقر و فاقة # و أرَّق عيني يا ابن عمي تفكري

[و همت لما لاقيت بعد مصابه # فأمري عظيم منكر حد منكر-]

سأشكو الذي لاقيته بعد فقده # شكا الحزين المستهام المقهقري

أتى طاهر لا طهّر اللّه طاهرا # فما طاهر في فعله بمطهّر

فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا # و أنهب أموالي و أحرق آدري

فعز على هارون ما قد لقيته # و ما مر بي من ناقص الخلق أعور

فإن كان ما أسدي بأمر أمرته # صبرت لأمر من قدير مقدّر

و إن تكن الأخرى فغير مدافع # إليك أمير المؤمنين فغيري

تذكّر أمير المؤمنين قرابتي # فديتك من ذي حرمة متذكر

و كان طاهر بن الحسين أعور و قال فيه قائل‏[ (3) ]:

يا ذا اليمينيين‏[ (4) ]و عين واحده # نقصان عين بيمين زائده‏

و قال الأمين: أنا أعميته في مكايدة طاهر بن الحسين حين حاصره ببغداد حيث يقول:

منيت بأشجع المقلين نفسا # تزول الراسيات و لا يزول

إذا ما الرأي قصر عن أناس # فرأي الأعور الباغي يطول

له في كل معضلة رقيب # يشاهدنا و يعلم ما نقول

فليس بمغفل أمرا عناه # إذا ما الأمر ضيعه الغفول‏[ (5) ]

و صار الأمر إلى أخيه المأمون و هو أبو العباس.

[ (1) ]عن المصادر، و بالأصل «أعود» .

[ (2) ]عن مروج الذهب و بالأصل «جفون» .

[ (3) ]هو عمرو بن نباتة كما في البداية و النهاية 10/283.

[ (4) ]اختلف في معنى قوله ذو اليمنيين فقيل لأنه ضرب رجلا بشماله فقده نصفين، و قيل لأنه ولى العراق و خراسان.

[ (5) ]الأبيات عدا البيت الثاني في الطبري 8/467. ـ

417

[خلافة المأمون بن هارون الرشيد][ (1) ]

قال: و بويع المأمون ببغداد في الشهر الذي قتل فيه محمد الأمين ابن زبيدة و المأمون بخراسان. قال: و قد كان أهل بغداد هموا بالتغلب على طاهر بن الحسين و هموا أن يعقدوا الخلافة لإبراهيم بن المهدي. قال: فعندها كتب طاهر بن الحسين إلى المأمون يخبره بذلك. قال: فبادر المأمون و قدم إلى بغداد بعد قتل محمد ابن زبيدة بشهرين و ثمانية عشر يوما. فلما دخل إلى بغداد نزل في القصر الذي يقال له باب الذهب، و أمر ببناء قصره الذي في عسكر المهدي فأخذوا في بنائه.

و في تلك السنة ظهر ابن طباطبا العلوي‏[ (2) ]بالكوفة مع أبي السرايا[ (3) ]السري بن منصور الشيباني‏[ (3) ]، فأرسل إليه المأمون في جيش عظيم، فحاربوه حربا شديدا، فأتى به المأمون فأمر به فضرب عنقه صبرا[ (4) ]. فلما استقر المأمون ببغداد خرج عليه رجل من العرب يقال له نصر بن شبث.

ذكر خبر نصر بن شبث و خروجه على المأمون بن الرشيد

قال: حدثني عبد اللّه بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه عن عبد الصمد بن يحيى عن أبيه قال: كان نصر بن شبث هذا رجلا من قيس غيلان من بني عقيل و كان يسكن مدينة يقال لها كيسوم و كان في عنقه بيعة المخلوع محمد ابن زبيدة، فلما بلغه ما كان من طاهر بن الحسين كأنه غضب لذلك و انتظر أن تأتيه الولاية من عند المأمون، فلم تأته فتغلب على البلاد و كسر الخراج، و اجتمع إليه أهل الذعارة.

قال: و بلغ المأمون ذلك فأمر طاهر بن الحسين بالخروج إليه. قال: فسار إليه طاهر في عسكر لجب، حتى إذا تقارب من بلده نزل و كتب إليه و إلى وزير له يقال له [ (1) ]زيادة عن هامش الأصل.

[ (2) ]هو أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن (الحسين) بن علي بن أبي طالب (رض) .

[ (3) ]عن الطبري 8/529 و ابن الأثير 4/147 و مروج الذهب 4/30 و بالأصل: إبراهيم بن محمد الغساني.

[ (4) ]كذا، و تجمع الروايات أن ابن طباطبا مات و لم يظفر به المأمون فأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي كما في مروج الذهب و انظر الطبري 8/529.

418

العباس بن زفر: أما بعد فإن اللََّه تعالى ولي من والاه و عدو من عاداه، و قد علم اللّه تعالى أنكما من أعدائه و لستما من أوليائه، و باللّه أحلف قسما صادقا لأوردنكما و نساءكما و ذريتكما موارد الهلكة أو تذهب نفسي قبل ذلك!و قد عرفتماني و لم يخف عليكما ما نزل بالمخلوع محمد ابن زبيدة مني!و أنا الذي يقول:

ملكت الناس قسرا و اقدارا # و قتّلت الجبابرة الكبارا

و وجهت الخلافة نحو مرو # إلى المأمون تبتدر ابتدارا[ (1) ]

قال: فأجابه نصر بن شبث:

أتيت بكذبة و نطقت زورا # و لم تحذر وقائعي الكبارا

و هيجت العفرنى في عرين # وقفت الأسد قسرا و اقتدارا

قال: فلما وصلت إليه هذه الأبيات غضب طاهر بن الحسين ثم إنه سار حتى تقارب من مدينة كيسوم، فلم يبق بينه و بينها إلا مرحلة واحدة لا أقل و لا أكثر، فكتب إليه: أما بعد فاقبل الأمان تر خيرا، و إياك من الضراب و الطعان!قال: فكتب إليه نصر بن شبث بهذه الأبيات:

إذا ظلمت حكامنا و ولاتنا # خصمناهم بالمرهفات الصوارم

سيوف تخال الموت خالف حدّها # مشطبة تفري رؤوس الجماجم‏

ثم كتب إليه أسفل كتابه: إن شئت فاستقم و إن شئت فاستأخر-و السلام-.

قال: فسار طاهر بن الحسين في جيش عرمرم، و التقى القوم للقتال، و اشتبك الطعان و الضراب بين الفريقين، فجعل نصر بن شبث يضارب القوم بسيفه و هو يرتجز و يقول:

إني غلام قد خرجت من مضر # أضرب بالسيف إذا الرمح انكسر

قال: و اقتتل القوم قتالا شديدا. قال: و جعل طاهر يكر على الخيل التي لنصر بن شبث فيقاتل أشد قتال، ثم يقف و يتروح و يقول:

دهن الغبار و صحفتي مصقولة # و مطيتي ظهر الأقب الأشقر

و إذا تنازعني أقول لها اصبري # موت يريحك أو صعود المنبر

[ (1) ]البيتان في الطبري، قالها طاهر بن الحسين بعد قتله محمد الأمين. و لعله تمثل بهما هنا.

419

قال: و كان يقال إنه يقف و يتروح و يقول:

ما لبست الدرع مذ كنت حذارا من حمامي # لا و لا أنا بالذي كنت فرارا من مقامي‏

قال: ثم وقعت الهزيمة على طاهر بن الحسين و أصحابه، و انهزموا من باب مدينة كيسوم إلى باب مدينة الرقة زهاء عن أربعين ميلا، و يقال أربعين فرسخا.

قال: فلم يزل نصر بن شبث يضاربهم بالسيف إلى أن مات طاهر بن الحسين.

قال: و وجه المأمون إلى نصر بن شبث بعبد اللّه بن طاهر[ (1) ]في ثلاثين ألف، فلما علم نصر بن شبث بكثرة هذه الجيوش فكأنه اتقى على نفسه و بني عمه و أن تذهب نعمته و تخرب مدينته، فأرسل إلى عبد اللّه بن طاهر يسأله الأمان فأعطاه ذلك‏[ (2) ]، فدخل نصر بن شبث في أمانه فأحسن إلى عبد اللّه بن طاهر و ولاه و خلع عليه و وصله و وفى له، و انصرف إلى العراق عنه.

و روي أنه طلب الأمان على أنه لا يطأ بساط المأمون أمير المؤمنين، فقال له [ (3) ]محمد بن جعفر[ (3) ]: لم لا تطأ بساط المأمون؟فقال: لجرمي، فقال المأمون: و اللّه ما تركته على ذلك أو يطأ بساطي!أ تراه أعظم جرما من‏[ (4) ]الفضل بن الربيع‏[ (4) ]فإنه أخذ قوادي و أموالي و جندي و سلاحي و جميع ما أوصى به أبي لي فذهب به إلى محمد و تركني بمرو فريدا وحيدا و أفسد عليّ أخي حتى كان من أمره ما كان. فكتب المأمون لنصر بن شبث كتابا فيه الأمان‏[ (5) ].

ذكر خروج طاهر بن الحسين على المأمون و وفاته‏

قال: و كان طاهر بن الحسين عند المأمون فحضر في بعض أيامه مجلس الشرب، فأمره بالجلوس فقال: يا أمير المؤمنين!ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيده، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة و أنا في مجلس الخاصة، [ (1) ]كذا و في ابن الأثير 4/185 أن المأمون ولى عبد اللّه بن طاهر من الرقة إلى مصر سنة 206 و أمره بحرب نصر بن شبث، و قد كانت وفاة أبيه طاهر سنة 207.

[ (2) ]و كان ذلك سنة 209.

[ (3) ]عن ابن الأثير 4/201 و بالأصل «جعفر بن محمد» .

[ (4) ]عن الطبري 8/598 و ابن الأثير 4/201 و بالأصل الربيع بن الفضل.

[ (5) ]انظر نسخة الأمان في الطبري 8/600.

420

فأذن له أن يجلس، ثم بكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع، فقال له طاهر: لم بكيت يا أمير المؤمنين؟لا أبكى اللّه لك عينا و أذعنت لك العباد!قال: أبكي لأمر ذكرته. قال: و انصرف طاهر و استدعى بهارون بن جيغونة[ (1) ]و قال: خذ معك ثلاثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم مائتي ألف-و كان مقدما عند المأمون يطلع على جميع أسراره و ما في نفسه-و أعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف درهم و اسأله أن يسأل المأمون لم كان بكاءه. قال: ففعل ذلك، فلما تغدى المأمون قال: يا حسين!اسقني، قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين لا أسقيك حتى تقول لم كان بكاءك حين دخل عليك طاهر بن الحسين!قال: يا حسين!هذا أمر إن خرج من رأسك قتلتك!قال: يا سيدي!و متى أخرجت لك سرا!قال: إني ذكرت محمدا أخي و ما ناله من الذلة فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الإفاضة و لن يفوت طاهر مني ما يكره، فأخبر حسين طاهرا بذلك. فركب طاهر إلى أن أتى إلى‏[أحمد بن أبي-][ (2) ]خالد، فقال: إن الثناء مني ليس برخيص و إن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عنه و عن عينه-يعني المأمون-، فقال: سأفعل‏[ (3) ]ذلك، و ركب ابن أبي خالد إلى المأمون فقال له: ما نمت البارحة، فقال: لم؟فقال: لأنك وليت غسان‏[ (4) ] خراسان و هو و من معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه، قال: فمن ترى لها؟قال: طاهر بن الحسين، قال: يا أحمد!هو و اللّه خالع. قال: أنا الضامن له فأنفذه يا أمير المؤمنين!فدعا بطاهر من ساعته فعقد له، فشخص من وقته و نزل بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه في كل يوم ما أقام به مائة ألف درهم التي يحمل إلى صاحب خراسان و الجبال من حلوان، و كان خروجه من بغداد ليلة الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة[سنة 205]. فودع طاهر ابنه عبد اللّه و كتب له كتابا جمع فيه آداب الأولين و الآخرين و علمه فيه السياسة[ (5) ].

فخرج طاهر إلى خراسان و عبد اللّه ابنه إلى مصر و أرض الشام.

فلما دخلت سنة[ (6) ]سبع و مائتين‏[ (6) ]توفي فيها ذو اليمينين طاهر بن الحسين و كان [ (1) ]في الطبري 8/578 جبغويه.

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل «ما فعل» .

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل «عنان» .

[ (5) ]انظر نسخة كتابه: الوصية في الطبري 8/582.

[ (6) ]بالأصل «تسع و ثمانين» خطأ.

421

اعتل من حمى و حرارة[ (1) ]، فوجد في فراشه ميتا. و كان قبل وفاته بيوم صعد المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له و خلعه و قال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أنبياءك و اكفها مؤنة من بغى عليها!و كان كلثوم بن [ (2) ]ثابت بن أبي سعد[ (2) ]على بريد خراسان اتقى لنفسه و لمن يخصه فقال: أنا مقتول لأني لا أكتم الخبر. قال: فانصرفت فاغتسلت غسل الموتى و ائتزرت بإزار و لبست قميصا و طرحت السواد عني و كتبت إلى المأمون، فلما صلى العصر دعاني فحدث ما حدث. فخرج طلحة بن طاهر فقال: ردّوه!فردوني و قد خرجت، فقال لي: قد كتبت بما كان؟[قلت: نعم-][ (3) ]، قال: فاكتب بوفاته!فأعطاني خمسة آلاف درهم و مائتي ثوب، فكتبت بوفاته و بقيام طلحة بن طاهر بالجيش. قال: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدوة و دعا بابن أبي خالد فقال له: اشخص وائت به كما ضمنته. قال: أبيت ليلتي!فأذن لي بعد جهد، و وافت الخريطة بموته ليلا فدعاه فقال: قد مات. قال: فمن ترى؟قال: ابنه طلحة، فقال: هو الصواب.

قال: فاكتب بولايته، فكتب. و أقام طلحة واليا على خراسان في أيام المأمون ست سنين بعد موت أبيه طاهر ثم توفي، و ولى عبد اللّه بن طاهر خراسان، فكان يتولى قتال بابل‏[ (4) ]، فأقام بالدينور[ (5) ]و وجه الجيوش. فلما وردت وفاة طلحة على المأمون بعث يحيى بن أكثم إلى عبد اللََّه بن طاهر يعزيه في أخيه و يهنئه بولاية خراسان.

و ولى علي بن هشام حرب بابل‏[ (6) ]. و لما أتى المأمون نعي طاهر بن الحسين قال:

الحمد للّه الذي قدمه و أخرنا.

فلما فتح عبد اللََّه بن طاهر مصر و صار واليا عليها و على الشام كتب إلى المأمون كتابا، فكتب المأمون جوابه في ظهر الكتاب الذي له و هو يقول:

[ (1) ]و في رواية أنه مات مسموما و قد وضع له السم ابن أخي محمد بن فرخ العمركي و قد أرسله إليه أحمد بن أبي خالد، و قيل وضع له السم خادم للمأمون كان قد عهد إليه إن رأى من طاهر شيئا يريبه أن يسمه (اليعقوبي 2/457 البداية و النهاية 10/260) .

[ (2) ]عن الطبري 8/594، و بالأصل «أبي ثابت بن أبي سعيد» .

[ (3) ]زيادة عن الطبري.

[ (4) ]في الطبري: بابك.

[ (5) ]عن الطبري، و بالأصل «الدثور» .

[ (6) ]الطبري 8/595 بابك.

422

أخي أنت‏[و-]مولاي # و من أشكر نعماه

فما أحببت من أمر # فإني الدهر أهواه

و ما تكره من شي‏ء # فإني لست أرضاه

لك اللََّه على ذاك # لك اللََّه لك اللََّه‏

فقال رجل من إخوته‏[ (1) ]للمأمون: يا أمير المؤمنين!إن عبد اللََّه بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب و كذا كان أبوه قبله. فلما سمع المأمون ذلك اغتم غما شديدا و دسّ عليه رجلا في هيئة الفقراء و الزهاد و النساك و أنفذه إلى مصر، فقال له: ادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا و اذكر من مناقبه شيئا ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد اللََّه بن طاهر، ثم ائته و ادعه و ابحث معه عن دفين نيته بحثا شافيا و أتني بما تسمع منه. فعمل الرجل ذلك و دعا جماعة إلى ما أوصاه المأمون.

ثم كتب رقعة إلى عبد اللََّه و دفعها إليه وقت ركوبه، فلما انصرف خرج الحاجب إليه فأدخله عليه و هو قاعد وحده، فقال له: قد فهمت جملة من كلامك، فهات ما عندك!فقال الرجل: ولي أمانك و ثقة اللََّه‏[ (2) ]؟قال: لك ذلك، فأظهر له ما أراد و دعاه إلى القاسم، فقال له عبد اللََّه: أ تنصفني أيها الرجل؟قال: نعم، [قال‏] فهل يجب الشكر للّه على العباد؟قال: نعم، قال: فهل يجب الشكر للناس بعضهم لبعض عند الإحسان؟قال: نعم، قال: فتجي‏ء إليّ و أنا على هذه الحالة التي ترى، ولي خاتم بالمشرق و خاتم بالمغرب و فيما بينهما أمري مطاع و قولي مقبول، ثم إني إذا التفت عن يميني و شمالي فأرى نعمة هذا الرجل لي غامرة قد ملك بها رقبتي فتدعوني إلى الكفر بهذه النعم، و تقول لي اغتدر، و اللََّه لو دعوتني إلى الجنة عيانا لما نكثت بيعة هذا الرجل، فسكت الرجل. ثم إن عبد اللََّه قال للرجل: و اللََّه إني أخاف على نفسك فارحل عن هذا البلد لتسلم.

فلما أيس الرجل من عبد اللََّه بن طاهر و أنه لم يستجب له بشي‏ء مما حدثه عاد الرجل قافلا إلى بغداد، فوصل إلى المأمون فأخبره الخبر، فسر المأمون و قال:

ذلك غرس يدي و ترب تلقيحي، فلا تظهرن لأحد من ذلك شيئا.

و في هذه السنة و هي سنة إحدى عشرة[ (3) ]و مائتين نادى المأمون: برئت الذمة [ (1) ]أي من إخوة المأمون.

[ (2) ]الطبري: ولي أمانك و ذمة اللََّه معك.

[ (3) ]بالأصل: إحدى عشر.

423

ممن ذكر معاوية أو فضله على أحد من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم. و أظهر قوله بخلق القرآن و تفضيل علي بن أبي طالب‏[ (1) ]، و كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة و المحدثين و إظهار القول بالعدل و التوحيد و خلق القرآن-فقال كل من ذكر في الكتاب بخلق القرآن، إلا الذي كتب هذا الكتاب محمود فإنه يشهد أن القرآن منزل غير مخلوق، و نعوذ باللّه من إلحاد الملحدين، و رجعت إلى ما كان-قال: فأجاب الناس إلا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل و سجادة و القواريري و محمد بن نوح، فأمر بهم‏[ (2) ]إسحاق بن إبراهيم‏[ (2) ]فشدوا في الحديد، فأجاب سجادة فأطلقه و كذلك القواريري، و حمل محمد بن نوح و أحمد بن حنبل إلى طرسوس.

ذكر تزويج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل‏

قال: و تزوج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل و بنى بها في شهر رمضان المعظم سنة عشر[ (3) ]و مائتين، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع و تجعل في الإناء كما كانت و توضع في حجرها، فقال: هذه نحلتك و سلي حاجتك!فقالت لها جدتها: كلمي سيدك أمير المؤمنين!فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، ثم سألت الإذن لزبيدة أم جعفر في الحج، فأذن لها. فلما نظر المأمون إلى بوران و هي جالسة على حصير من ذهب و قد نثرت عليها الدر الكبار، و الدر يلوح على الحصير المذهب، فقال المأمون: قاتل اللََّه الحسن بن هانئ كأنه رآني حيث يقول:

كأن صغري و كبري من مواقعها # حصاة درّ على أرض من الذهب‏

و في تلك الليلة أوقدت شمعة عنبر وزنها أربعون منّا في تور من ذهب، فأنكر المأمون ذلك و قال: هذا إسراف. و أقام المأمون عند الحسن بن سهل تسعة عشر[ (4) ] يوما.

و مات في هذا العام شهريار بن شروين‏[ (5) ]، فصار في موضعه سابور ابنه، [ (1) ]كان ذلك سنة 212 كما في الطبري، و ابن الأثير، و ذلك في شهر ربيع الأول منها.

[ (2) ]عن الطبري 8/6 و بالأصل إبراهيم بن إسحاق.

[ (3) ]في الأصل: عشرة.

[ (4) ]بالأصل: «تسع عشرة» خطأ، و في ابن الأثير 4/206 سبعة عشر يوما.

[ (5) ]صاحب جبال طبرستان كما في الطبري و ابن الأثير.

424

فنازعه مازيار بن قارن فأسره و قتله، و صارت الجبال في يد مازيار.

ذكر خروج إبراهيم بن المهدي على المأمون‏

قال: لما ورد علي بن موسى إلى المأمون أكرمه و بر به، و جعل الخلافة له بعد موته‏[ (1) ]، و كتب له عهدا وثيقا و أشهد عليه به‏[ (2) ]، و أعطاه ابنته أم حبيب، و زوج ابنته أم الفضل من محمد بن‏[علي بن-][ (3) ]موسى-و سماه الرضى من آل محمد صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، و ضرب السكة باسمه و كتب ذلك إلى الآفاق، و أسقط لبس السواد، و لبس الخضرة و أمر بذلك. فلما ورد كتابه إلى بغداد و شق ذلك على العباسيين فخلعوا المأمون و بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة و من بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى، و قد ذكر ذلك دعبل بن علي الخزاعي في قصيدة له حيث يقول:

نفر ابن شكلة بالعراق و أهلها # فدنا إليه كل نذل مائق

أنى يكون و لا يكون و لم يكن‏[ (4) ] # يرث الخلافة[ (5) ]فاسق عن فاسق‏

و ذلك في سنة اثنتين و مائتين، و كان يعرف إبراهيم ابن شكلة و سموه المبارك.

فلما سمع المأمون منهم ذلك انتقل من خراسان و معه علي بن موسى الرضى حتى صار إلى طوس، فلما صار أقام عند قبر أبيه أياما، ثم إن علي بن موسى الرضى أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة[ (6) ]، و ذلك في آخر صفر سنة ثلاث و مائتين، فأمر به المأمون أن يدفن عند قبر أبيه الرشيد، و صلى عليه المأمون، و شخص إلى بغداد، فلما وصل ببغداد اختفى إبراهيم بن المهدي، و انكسفت الشمس انكسافا ذهب ضوءها، و غاب أكثر من ثلثيها، و ذلك يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة.

فكانت أيام إبراهيم بن المهدي كلها سنة واحدة و أحد عشر[ (7) ]شهرا، و انقطعت مادة الفتنة.

و كان بنو العباس جميعهم يختلفون إلى المأمون في الخضرة و كل من يرى عليه [ (1) ]و كان ذلك سنة 201.

[ (2) ]نسخة كتاب المأمون لعلي بن موسى الرضا في صبح الأعشى 9/312 و مآثر الإنافة 2/325.

[ (3) ]زيادة عن الطبري و ابن الأثير.

[ (4) ]عن الطبري 8/661 و بالأصل «و لم يكون و لا يكن» .

[ (5) ]في الطبري: لينال ذلك.

[ (6) ]و قيل إنه مات مسموما (انظر مروج الذهب 4/33 تاريخ اليعقوبي 2/453) .

[ (7) ]الأصل: إحدى عشر.

425

السواد يخرق، فاجتمع بنو هاشم إليه و قالوا: يا أمير المؤمنين!تركت لباس أهل بيتك و دولتهم و لبست الخضرة، فقال لهم المأمون: إن عليا رضي اللََّه عنه ولى عبد اللََّه بن العباس البصرة و عبيد اللََّه‏[ (1) ]اليمن، و معبدا[ (2) ]مكة و قثم البحرين، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافيناه في ولده بما فعلت، و لا يكون بعد هذا إلا ما تحبون، و كتب إليه في ذلك قواد خراسان، ثم إنه ورد عليه عبد اللََّه بن طاهر بن الحسين و كان يبجله و يكرمه إكراما عظيما و أمره أن يسأله حوائجه، و كان أول من سأله رد السواد و لبسه و أن يعيد دولة الآباء، فلما كان يوم السبت الذي يتلوه جلس المأمون و عليه ثياب خضر، فلما اجتمع إليه بنو العباس و القواد و الكتّاب و كان مجلسا عاما، فاجتمع الناس إليه فدعا المأمون بالسواد فلبسه، و دعا بخلعة سوداء ألبسها ابن طاهر[ (3) ]، ثم دعا بعدهم قوادا فألبسهم أقبية و قلانس سود، و ذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر. و كان المأمون لبس الخضرة بعد دخوله بغداد تسعة[ (4) ]و عشرين يوما.

و قيل: كان المأمون لما خرج من خراسان و وصل في عقبة حلوان قال لأحمد بن [أبي-][ (5) ]خالد: إني لأجد رائحة العراق و قد ذكرت في هجومنا على أهل بغداد و ليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت على قلوب الناس و استبعدوها فكيف يكون إن هاج هائج، ثم قال بعد أن أطرق مليا: اعلم أن الناس على طبقات:

ظالم، و مظلوم، و لا ظالم و لا مظلوم، أما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا، و أما المظلوم فليس يتوقع إلا أن ينتصف بنا، و من كان لا ظالما و لا مظلوما فبيته يسعه.

ثم إن المأمون لم يزل في طلب إبراهيم بن المهدي حتى أخذه متنقبا مع نسوة فجلس ثم أحضره حتى وقف بين يديه‏[ (6) ]، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللََّه و بركاته، فقال أمير المؤمنين: لا سلام اللََّه عليك استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بالأباطيل و بما ينقطع منه الأعناق. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين! [ (1) ]بالأصل «عبد اللََّه» خطأ.

[ (2) ]بالأصل: «سعيد» .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: «طاهر» يعني طاهر بن الحسين و كان لا يزال حيا، و كان ذلك في سنة 204.

[ (4) ]في الطبري 8/575 سبعة و عشرين.

[ (5) ]زيادة عن الطبري.

[ (6) ]و كان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة 210 كما في الطبري و ابن الأثير، و في مروج الذهب سنة 207 و في اليعقوبي في أول سنة 208.

426

مهلا مهلا، فإن ولي الثأر محكّم في القصاص و العفو أقرب للتقوى، و لك من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم قرابة و شرف و عدل السياسة، و من تناوله الاغترار[ (1) ]بما مد له من أسباب العدل‏[ (2) ]و الرجاء أمن معاداة الدهر على نفسه و هجمت به الأيام على التلف، و قد جعلك اللََّه فوق كل ذي ذنب‏[ (3) ]كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فأخذت بحقك، و إن عفوت فبفضلك، و الفضل بك أولى يا أمير المؤمنين!و أنشأ يقول:

ذنبي إليك عظيم و أنت أعظم منه # فجد بحقك أولا فاصفح بعفوك عنه

إن لم أكن في منّ الكرم فكن هو

قال: فرقرق الدمع يجول في عيني المأمون ثم قال: يا إبراهيم!القدرة تذهب بالحفيظة و الندم توبة و بينهما عفو اللََّه، و هو أعظم مما يحاول و أكبر مما يؤمل، و لقد جئت إلى العفو حتى ظننت و خفت أن لا أوجر عليه‏ لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللََّهُ لَكُمْ [ (4) ]. ثم أمر بفك حديده و الأخذ من شعره، و أدخله الحمام و خلع عليه، و ردّ أمواله جميعها إليه، فأنشأ إبراهيم يقول:

رددت مالي و لم تضنن عليّ به # و قبل ردك مالي قد حقنت دمي‏[ (5) ]

فإن جحدتك ما أوليت من كرم # إني أبا للوم أولى منك بالكرم‏

قال: ثم إنه أنشأ أيضا[ (6) ]:

إن الذي خلق الفضائل كلها # في صلب آدم للإمام السابع

ملئت قلوب الناس منك مهابة # فتظل تكلؤهم بقلب خاشع

فعفوت عمن لم يكن عن مثله # عفو و لم يشفع‏[ (7) ]إليك بشافع

و رحمت أطفالا كأفراخ القطا # و عويل عانسة كقوس النازع‏

[ (1) ]مروج الذهب 4/35 من تناوله الزمان و استولى عليه الاغترار.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب: أسباب الشقاء.

[ (3) ]في المصادر: عفو.

[ (4) ]سورة يوسف، الآية 22.

[ (5) ]في مروج الذهب 4/37 مع ثلاثة أبيات أخرى و البيت الثاني لم يرد فيه.

[ (6) ]الأبيات في الطبري 8/604 ابن الأثير 4/204 مروج الذهب 4/35 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (7) ]عن المصادر، و بالأصل «لم أشفع» .

427

و في رواية أخرى: إنهما لما تخاطبا قال المأمون: إن هذين أشارا عليّ بقتلك و أومأ إلى الحسن بن سهل و ابنه العباس، فقال: يا أمير المؤمنين!إنهما أشارا عليك بما يشار على مثلك في مثلي، لكنّك دفعت ما خفت بما رجوت، و كفاك اللََّه مؤنة الكلف. فقال المأمون: مات و اللََّه الحقد عند حسن الاعتذار، و إن من الكلام لما هو أحسن من الدر، و هذا منه اعتذار من ذنبك يا عم!فقال: يا أمير المؤمنين!إن ذنبي عظيم و هو أعظم من أن أتفوه به في عذر، و عفو أمير المؤمنين أجل من أن أقابله بشكر، فقال المأمون: عد يا عم إلى رتبتك و الانبساط و كثرة النشاط، فقال: على شريطة يا أمير المؤمنين؟فقال: شريطة ممطاة، و حكومة مستجلاة، فقال إبراهيم:

إذا قد أكملت المنة، و تممت العارفة، و هممت الموهبة، فأريد أن تكون لي أمير المؤمنين بظهر كما قيل:

فما عز أن واش وشى بي عندكم # فلا ترهبنه أن يقال له مهلا

كما إنه لو قد وشى بي عندكم # لقلنا تزحزح لا قربا و لا سهلا

فقال المأمون: فأزيد عليه و أقول:

و ساعي إن أتى بعيب عزه نسوة # جعل الإله خدودهن نعالا

و أزيد عليه فأقول:

ما حطك الواشون من رتبة # عندي و ما ضرك مغتاب

كأنهم أثنوا و لم يعلوا عليك # و عندي بالذي عابوا

قال: و كان بعد ذلك إذا دخل عليه و هو نشوان أو على شرب يقول له: أنت الخليفة الأسود، فقال له يوما: ما أنت الخليفة الأسود؟فقال: أنا الذي منّ عليه أمير المؤمنين بالعفو عند المقدرة، و لكني كما قال عبد بني الحسحاس‏[ (1) ]:

أشعار عبد بني الحسحاس حين أتى # عند الفخار مقام العين و الورق

إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما # أو أسود الخلق إني أبيض الخلق‏

فقال المأمون: يا عم!أخرجك الهزل إلى الجد، لكنك كما قيل في المعنى:

[ (1) ]بالأصل: «عبيد بن الحساس» خطأ. ـ

428

ليس يزري السواد بالرجل # و لا بالفتى الأديب الأريب‏[ (1) ]

إن يك للسواد منك نصيب # فبياض الأخلاق منك نصيبي‏

قال: فما عاوده المأمون بالتقريع بعدها.

و قيل: إنما وقعت الفتنة ببغداد لأن المأمون ولى الحسن بن سهل أمور العراق، فقصر في أمور الخاصة و العامة، فوقعت الفتنة و القتال و نقموا عليه أشياء، و لهذا بايعوا إبراهيم بن المهدي، فشخص المأمون عند ذلك من خراسان، ثم إن الحسن بن سهل غلب عليه السوداء و تغير عليه عقله، فشد بالحديد و حبس في بيت‏[ (2) ]. و كان المأمون ولى الحسن بن سهل كل ما افتتحه طاهر بن الحسين من كورة الجبال و الفارس و الأهواز و البصرة و الكوفة و الحجاز، فقيل للمأمون: إن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك ما أبلى، و افتتح ما افتتح من البلاد، و قاد إليك الخلافة مزمومة، فلما وطّأ لك الأمر أخرجته من البيت و صيرته بالرقة في زاوية، حتى ضعف أمره، و إنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك و لم يجترئ عليه من اجترأ على الحسن بن سهل. و قيل: إن هذه الكلمات قالها هرثمة في حق الحسن بن سهل، فدس إليه من قتله‏[ (3) ]. ثم إن المأمون ارتحل من مرو، فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل و هو في الحمام، فقتلوه بالسيوف حتى مات، و ذلك يوم الجمعة سنة اثنتين و مائتين و له ستون سنة، قتله أربعة أنفس‏[ (4) ].

ذكر بلاد الشاري و خروجه على المأمون‏

قال: و لما مضت من خلافة المأمون بضعة عشر سنة خرج عليه رجل من الشراة يقال له بلال‏[ (5) ]بأرض الجزيرة بناحية التحديد من برية سنجار[ (6) ]. قال: و التأم [ (1) ]كذا و الوزن غير مستقيم.

[ (2) ]قيل في السبب حزنه الشديد على أخيه الفضل و كان قد قتل سنة 202، و أن مرضه كان سنة 203 (كما في الطبري و ابن الأثير) و قيل إن سببها مرض شديد أصابه فهاج به من مرضه تغير عقله فاحتبس في بيته ليتطبب فاستوزر المأمون مكانه أحمد بن أبي خالد (الفخري ص 223 وفيات الأعيان 2/123) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: قتله الفضل بن سهل.

[ (4) ]و هم غالب المسعودي الأسود، و قسطنطين الرومي، و فرج الديلمي، و موفق الصقلي (ابن الأثير 4/175) و انظر تاريخ اليعقوبي 2/451.

[ (5) ]هو بلال الضبابي الشاري خرج سنة 214 على المأمون كما في الطبري 8/622.

[ (6) ]سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة.

429

إليه الناس فصار في جمع كثيف، و جعل المأمون يوجه العساكر عسكرا بعد عسكر، فكان كلما أتاه عسكر واقعه فهزمه، فلما رأى المأمون ذلك خرج إليه بنفسه حتى نزل بقرية يقال لها العلث و هي بضع عشر فرسخا من بغداد، ثم إنه وجه القواد و الشاكردية في طلب بلال الشاري. قال: و علم بلال بذاك فتنحى بين يدي تلك العساكر حتى دخل إلى بعض البراري حتى خفي أمره، و طلب فلم يوجد. قال: و دخل شهر رمضان فرجع المأمون إلى بغداد في جميع عسكره. قال: و علم بلال بذلك و أن المأمون رجع إلى بغداد فجعل يجمع الجموع حتى صار في جمع عظيم. قال:

و بلغ ذلك المأمون، فدعا بابنه العباس و ابنه هارون و ضم إليهما جيشا عظيما و أمرهما بالمسير إلى بلال الشاري، فأقبل العباس و هارون‏[ (1) ]ابنا المأمون حتى صارا إلى الموصل، ثم رحلا من مدينة الموصل إلى مدينة يقال لها بلد، فنزلاها و أعطيا الناس الأرزاق. ثم إنهما رحلا من بلد إلى أن دخلا برية سنجار، و التقى القوم للقتال بقرية يقال لها تل أعفر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فوقعت الهزيمة على أصحاب المأمون فانهزموا إلى أن صاروا إلى مدينة بلد. و بلغ ذلك المأمون فدعا بعجيف بن عنبسة و عليّ بن هاشم‏[ (2) ]، فضم إليهما عشرة آلاف رجل، و وجه بهما مؤنة لابنيه العباس و هارون. قال: فاجتمعت العساكر ببلد، ثم ساروا نحو بلال الشاري. و التقى القوم في برية سنجار فاقتتلوا قتالا شديدا، و وقعت الهزيمة على الشاري. و التقى القوم في برية سنجار فاقتتلوا قتالا شديدا، و وقعت الهزيمة على الشاري. و قتل من عسكره نيف عن ثلاثة آلاف فارس، و انهزم الباقون مشردين في البلاد، و احتوى أصحاب المأمون على دوابهم و أسلحتهم. ثم حمل رأس بلال الشاري و رؤوس أصحابه إلى المأمون.

ذكر خروج المأمون إلى بلاد الروم‏

قال: لما قتل بلال الشاري عزم المأمون على غزو بلاد الروم‏[ (3) ]، ثم إنه دعا بإسحاق بن إبراهيم بن مصعب فاستخلفه على بغداد و عزم على الغزو. و قال مسرور الكبير: فإني لواقف بين يدي المأمون في وقت خروجه إلى بلاد الروم، و في يدي درع، يريد المأمون أن يلبسه إذ خرجت عليه جارية يقال لها عر [?] [ (4) ]و كانت تهواه [ (1) ]في الطبري: هارون بن محمد بن أبي خالد.

[ (2) ]في الطبري: علي بن هشام.

[ (3) ]و كان ذلك في سنة 215 هـ.

[ (4) ]كذا، بدون نقط، و لم نعثر به.

430

و يهواها، فقالت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم، فقالت: قتلتني و اللّه يا أمير المؤمنين!ثم أدرت دموعها على خديها، و أنشأت تقول:

سأدعوك‏[ (1) ]دعوة المضطر ربّا # يثيب على الدعاء و يستجيب

لعل اللّه أن يكفيك حربا # و يجمعنا كما تهوى القلوب‏

قال: فضمها المأمون إلى صدره و أنشأ يقول:

فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها # و إذ هي تذري الدمع عنها الأنامل

عشية قالت: يا حبيبي قتلتني # و قتلي بما قالت هناك تحاول‏

ثم قال: يا مسرور!احفظها و تعهدها إلى حين رجوعي، فلو لا قول الأخطل حيث يقول:

[قوم-][ (2) ]إذا حاربوا شدوا مآزرهم # دون النساء و لو باتت بأطهار

فلو لا هذا البيت لأقمت. ثم خرج المأمون من بغداد في عسكر لجب حتى صار إلى الموصل فنزلها حتى تلاحق به الناس. ثم خرج المأمون من الموصل سائرا إلى بلاد الجزيرة حتى صار إلى الرقة إلى قصر أبيه الرشيد. ثم دعا بابنه العباس فضم إليه جيشا و أمره أن يدخل إلى بلاد الروم من ناحية طرسوس‏[ (3) ]، قال: و مضى المأمون حتى دخل بلاد الروم من درب يسمى درب الحرب، فكان أول ما فتح اللّه على يديه من بلاد الروم مطمورة و يقال لها مأجدة فأعطاهم الأمان، ثم نقلهم عنها إلى طرسوس. ثم سار حتى نزل على قرية يقال لها قرة فحاربه أهلها حربا شديدا، ثم إنهم سألوه الأمان بعد ذلك على أنهم يدفعون إليه نفرا من أسارى المسلمين قد كانوا عندهم محبسين. قال: ثم رحل المأمون عنهم حتى نزل على أخرى يقال لها أرله‏[ (4) ]، فلما قاربها أتاه الخبر أن أهل قرة قد غدروا، فسار إليهم المأمون حتى نزل عليهم، ثم أمر بالمنجنيق فنصب على حصنهم من كل ناحية، و حاربهم حربا شديدا [ (1) ]عن البداية و النهاية 10/306 و بالأصل سارعوا.

[ (2) ]زيادة عن البداية و النهاية.

[ (3) ]في الطبري 8/623 و ابن الأثير 4/219: من ملطية: و من طرسوس كان دخول المأمون إلى بلاد الروم.

[ (4) ]كذا، و لم نعثر به.

431

حتى قتل منهم جماعة و هدم ناحية من حصنهم بحجارة المجانيق. قال: فعندها صاح القوم و طلبوا الأمان، فأمنهم و رفع عنهم السيف، ثم دعا ببطريق يقال له باطليش فأعطاه ألف دينار، و أمرهم أن يرموا حصنهم لما كانت المجانيق قد أثرت فيه. قال: ثم أقبل المأمون حتى نزل على المطمورة التي يقال لها معلويه‏[ (1) ]، فلما نزل عليها و همّ بحربهم خرجوا إليه فطلبوا الأمان، فأعطاهم ذلك و كساهم و أحسن إليهم وردهم إلى حصنهم. قال: ثم دعا المأمون مولى له يقال له عجيف بن عنبسة فضم إليه جيشا و وجّه به إلى عزالينوس صاحب حصن سنان‏[ (2) ]. قال: فأقبل عجيف و معه قائد من قواد المأمون يقال له جعفر بن دينار[ (3) ]، حتى نزلا على حصن سنان.

قال: و نظر عزالينوس إلى الخيل قد أحدقت بالحصن فخرج إلى عجيف بالأمان و أعلمه بأنه سامع مطيع. قال: فبعث عجيف إلى المأمون بذلك، فبعث المأمون يأمر عجيفا بالانصراف عنهم، فانصرف عجيف من حصن سنان.

قال: و جاء الشتاء فرحل المأمون عن بلاد الروم حتى صار إلى دمشق فنزلها.

قال: فأرسل توفيل بن ميخائيل ملك الروم رسلا فقدموا على المأمون و هو يومئذ بدمشق، فدفعوا إليه كتاب صاحبهم‏[توفيل بن‏]ميخائيل، فنظر المأمون فإذا عنوان الكتاب: من توفيل بن ميخائيل إلى عبد اللّه بن هارون. قال: فغضب المأمون و رمى الكتاب من يده، ثم أقبل على الرسول فقال: خبروني ما الذي حمل صاحبكم على أن يكتب إليّ و بدأ باسمه قبل اسمي؟قالوا: لا نعلم إنما نحن رسل‏ وَ مََا عَلَيْنََا إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ ، فقال المأمون: صدقتم و ليس أكلفكم ما لا طاقة لكم به، لكن قد علمتم أني أسن منه بل بعض ولدي أسن منه؟فقالوا: قد علمنا ذلك و لا شك فيه.

فقال المأمون: كان يجب عليه أننا لو كنا متساويين في الدين أن يقدمني على نفسه، و الأخرى أني خليفة، و أبي الرشيد و جدي المهدي خليفة، و خال أبي أبو المنصور خليفة، و أنا ابن الخلائف، لا يدفعني عن ذلك دافع، و أخرى فيعلم أني قدمت من حرب محمد ابن زبيدة، و أخرى فقد علم صاحبكم أني نازل بمدينة دمشق و هي دار بني أمية و قصبة مملكتهم، فهم الذين غصبونا حقنا و بعد هذا عزالينوس صاحب حصن سنان مخالف لصاحبكم، فليس يقدر واحد منهما على ضر و لا نفع مع كثرة [ (1) ]كذا، و لم نعثر به.

[ (2) ]في ابن الأثير: سناذ.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: جعفر الخياط.

432

من معه من الخيل و الجنود، فكيف يكتب إليّ بكتاب يبدأ فيه باسمه قبل اسمي؟ قال: فقال الرسل: إن أعطيتنا الأمان تكلمنا!فقال: لكم الأمان، فقالوا: من قعد على سرير الملك فقد ساوى غيره من الملوك كائنا من كان، فغضب المأمون و قال:

لو لا ما أعطيتكم الأمان لما رجع إلى صاحبكم منكم أحد، و لكن ارجعوا بغير جواب و إن كان ملكا يساوي غيره كما تقولون. فرجعت الرسل إلى توفيل فخبروه بما كان من كلام المأمون.

قال: و جمع المأمون عساكره و سار يريد بلاد الروم، فأقبل من ناحية طرسوس من درب يقال له درب السلام. و نزل على حصن يقال له أرطيعوا[ (1) ]، فلما همّ بمحاربة أهله فلم يحاربوه و طلبوا منه الأمان، فأحسن إليهم وردهم لحصنهم. ثم سار إلى أن نزل بحصن يقال له الأخرب فافتتحه صلحا.

ثم إنه سار حتى نزل على هرقلة في جميع أصحابه فحاربهم أياما كثيرة لا يفتر من حربهم. فسألوه الأمان فأعطاهم، و إذا رسل توفيل أتوا إلى المأمون بهرقلة يطلبون الصلح، فزبرهم المأمون و قال: لا أرى منه شيئا دون أن يسلم إليّ جمعى بلاد الروم. قال: فرجعت الرسل إلى توفيل فخبّروه بما قال المأمون. و لم يزل المأمون حتى فتح‏[ (2) ]أخوه أبو إسحاق‏[ (2) ]اثنين و ثلاثين حصنا من حصون الروم. ثم سار بنفسه حتى نزل على حصن يقال له صمله‏[ (3) ]فقاتل أهله حتى فتحه عنوة و سبى من كان فيه من النساء و الذرية.

قال: فبينما المأمون كذلك إذ ورد عليه كتاب من الأفشين و كان عامله ببرقة يخبره أنه قد خرج بمصر رجل يقال له عبدوس الفهري. و قد التأم إليه خلق كثير.

قال: فرحل المأمون من بلاد الروم بعساكره يريد بلاد مصر، حتى نزل في موضع يقال له العريش و دعا بأخيه أبي إسحاق فضم إليه جيشا كثيفا و أمره أن يطلب عبدوسا الفهري. فانحاز عبدوس هو و أصحابه إلى ناحية من أرض مصر. قال: و أحدقت به الخيل من كل جانب و اشتعلت النار حواليه، فلما نظر إلى ذلك خرج هاربا هو و أصحابه، فأخذ أسيرا و معه أصحابه، فضرب المأمون عنقه و عنق أصحابه، [ (1) ]كذا بالأصل، و في الطبري 8/625 و ابن الأثير 4/220 «انطيغوا» .

[ (2) ]و بالأصل «ولديه العباس و أبي إسحاق» و ما أثبت يوافق سياق عبارة الطبري 9/625.

[ (3) ]كذا و لم نعثر به.

433

و انصرف راجعا حتى وصل مدينة دمشق، فأقام بها أيام الشتوة، و رحل بعساكره حتى نزل بلاد لؤلؤة فحارب أهلها. قال: و إذا كتاب توفيل بن ميخائيل يسأل المأمون أن يكف عن أهل لؤلؤة على أنه يطلق له كل أسير في يديه من المسلمين‏[ (1) ]. فأبي ذلك و صعب عليه أمر لؤلؤة، فحصن حولها، و وكّل بها قوما من أصحابه، و أمرهم بالمحاربة، و رحل عنها المأمون. فأقبل المأمون إلى بلاد الروم، و بلغ ذلك توفيل فرحل قبل أن يوافيه المأمون إلى بلاده، و نزل المأمون على لؤلؤة و حاصرهم حصارا شديدا إلى أن أخرجوا إليه بالأمان و سلموه لؤلؤة، فأخذ من الأموال و الثياب و الدواب و الرقيق ما أراد. ثم رحل في عساكره إلى أن صار إلى الرقة، فخرج توفيل في ثمانين ألفا فجعل يغير على أطراف بلاد المسلمين، فجعل يقتل الرجال و يذبح الأطفال إلى أن قتل خلقا كثيرا من المسلمين. قال: فأنشد عبد الرحمن في ذلك:

أبلغ لديك سفيه الروم توفيلا # قولا سيلقى له إن عاش تنكيلا

أهلكت نسوان أهل العز قاطبة # و النسل أهلكت تحريفا و تفصيلا

قال: و بلغ المأمون ما قد فعل كلب الروم توفيل بالمسلمين، فاشتد غضبه و جمع عساكره و سار إلى أن نزل في موضع يقال له البذندون‏[ (2) ]فمرض هناك، فأمر أن يكتب إلى العمال. فقال‏[الكاتب: قال لي-]أخوه أبو إسحاق: ألحق في الكتب «من عبد اللّه المأمون أمير المؤمنين و أخيه أبي إسحاق الخليفة» ، فقلت‏[ (3) ]:

إنك لتعرضني لسفك دمي، فقال: أحب منك ذلك. فرافقته يومي ذلك و سألت عنه الأطباء فقالوا: إنه لميت، فشاورته في ذلك، فنظر إليّ نظرة كاد أن يبلغني و قال:

اكتبوا ما شئتم، فكتبت ما أراد أبو إسحاق. فلما اشتد مرض المأمون صار يرفع طرفه إلى السماء و يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من يزول ملكه!يا من لا يموت ارحم من يموت!فتقدمت إليه جارية و جلست عند رأسه و أنشأت تقول:

يا ملكا لست بناسيه # يا ليتني بالنفس أفديه‏

[ (1) ]انظر كتاب توفيل إلى المأمون في الطبري 8/629 ورد المأمون عليه.

[ (2) ]في الطبري «البدندون» قرية بينها و بين طرسوس يوم من بلاد الثغر. و في مروج الذهب: بديدون على عين القشيرة، و هي عين يخرج منها النهر المعروف بالبديدون. و هي بدنس كما جاء في بلدان الخلافة الشرقية ص 123 للوستيرينج.

[ (3) ]القائل هو الكاتب.

434

ثم بكت و اشتد بكاءها، فأجابها المأمون يقول:

باكيتي من جزع أقصري # قد علق الرهن بما فيه‏

فلما كان في ليلة الأحد استمسك لسانه و توفي رحمه اللّه. و كان قد أكل الرطب و شرب بعده الماء فمات. و اعتل أخوه أبو إسحاق إلى أن عاد إلى بغداد.

و قيل: إن المأمون قال لبعض الخدم: من يغني؟قبل مرضه في بلاد الروم، فقال: يا مولاي ما يغني أحد، فقال: ويلك إنه ليغني بشي‏ء حفظته، و هو هذا:

ألم تعجب لمنزلة و دور # حلت بين المسفر و الحرور

كأن بقية الآثار فيه # بقايا الخط بالقلم الزبور

و مات من علته في اليوم الثالث، و كانت وفاته لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة و مائتين، و هو يومئذ ابن ثمان و أربعين سنة. و كان مولده سنة سبعين و مائة في شهر ربيع الأول‏[ (1) ]، و كان ربعا[ (2) ]جميلا، طويل اللحية رقيقها قد و خطه الشيب، أقنى أعين‏[ (3) ]، بخده خال أسود. و كانت خلافته عشرين سنة و ستة أشهر و سبعة عشر يوما. و قد وصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:

الموت أخرجني من دار مملكتي # فالقبر مضطجعي من بعد تتريف

للّه عبد رأى قبري فأعبره # و خاف من بعده ريب التصاريف

هذا مصير بني الدنيا و إن جمعوا # فيها و غرهم طول التساويف

أستغفر اللّه من جرمي و من زللي # و أسأل اللّه نورا يوم توقيفي‏

ذكر سيرة المأمون و ما جمع فيه من مكارم الأخلاق‏

قال: و كان المأمون فصيحا أدبيا شاعرا حكيما كريما، و إنه قال لعلي بن صالح: أريد رجلا من أهل الشام يجالسني، فالتمست ذلك فأدخلته إلى المأمون، فلما سلم استدناه و كان في مجلس الشرب. فقال: إني أردتك لمجالستي، فقال [ (1) ]انظر في يوم موته و مدة ولايته و مقدار عمره: الطبري 8/650 ابن الأثير 4/227 اليعقوبي 2/469 التنبيه و الأشراف ص 351 المعارف ص 391 العقد الفريد 5/119 نهاية الأرب 22/237 مروج الذهب 4/3.

[ (2) ]يقال: فلان ربعة و مربوع، أي ما بين الطويل و القصير.

[ (3) ]الطبري 8/651 «أحنى أعين» .

435

الشامي: إن الجليس يا أمير المؤمنين إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه يلحقه لذلك غضاضة، قال: فأمر المأمون أن يخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين!إذا كان قلبي متعلقا بعيالي فما تكون محادثتي!فأمر له بخمسين ألف درهم تحمل إلى منزله، فقال: يا أمير المؤمنين!و ثالثة، فقال: و ما هي؟فقال: دعوت إلى شي‏ء يحول بين المرء و عقله، فإن كانت مني هفوة يغفرها أمير المؤمنين، قال: لك ذلك.

و كانت الثالثة منه تمام الكرم.

و من حمله أنه لما عفا عن عمه إبراهيم عجّزه القوم من أهله و أكثرهم لاموه، فقال:

لما رأيت الذنوب جلّت # عن المكافاة بالعقاب

صيرت فيها العقاب عفوا # أحرى من الضرب للرقاب

أرجو بذاك الصلاح جهدي # و عفو ذي الأنعم الرغاب‏

و من فصاحته في الشعر أنه نظر يوما إلى غلام حسن الوجه في الموكب فقال:

ما اسمك يا غلام؟فقال: لا أدري، فقال: أو يكن أحد لا يعرف اسمه؟قال:

فاسمي الذي أعرف به لا أدري # بما يصنع الحب المبرح في صدري

لئن كان بي أمر و نهي عن الورى # فإني طوع الحب و النهي و الأمر

و لست أبالي الشمس و البدر إنني # أرى كل حسن ليس للشمس و البدر

و من عدله في حكمه أنه جلس يوما للمظالم، فأتت امرأة فقالت‏[ (1) ]:

يا خير منتصف يهدى له الرشد[ (2) ] # و يا إماما به قد أشرق البلد

تشكو إليك عميد الناس أرملة # عدي عليها فما يقوى بها الأسد

و ابتزّ مني ضياعي بعد منعتها # لما تفرق عني الأهل و الولد

قال: فأجابها عن ذلك:

في مثل ذلك عيل الصبر و الجلد[ (3) ] # و أقرح القلب هذا الحزن و الكمد

[ (1) ]الأبيات في نهاية الأرب 6/276 و العقد الفريد 1/28 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (2) ]عن العقد الفريد 1/28 و بالأصل «إلى الرشد» .

[ (3) ]في نهاية الأرب:

من دون ما قلت عيل الصبر و الجلد

ـ

436

هذا أوان صلاة العصر فانصرفي # و أحضري الخصم في اليوم الذي أعد

فالمجلس‏[ (1) ]السبت إن يقض‏[ (1) ]الجلوس لنا # أنصفك فيه و إلا المجلس الأحد

فحضرت يوم الأحد، فقال المأمون: من خصمك؟قالت: العباس ابن أمير المؤمنين، فقال‏[ (2) ]أمير المؤمنين ليحيى بن أكثم: أجلسها معه، فجعل كلامها يعلو على كلامه. فقال بعضهم: أ تصيحين على ابن أمير المؤمنين؟فقال أمير المؤمنين:

أمسك فإن الحق أنطقها و الباطل أخرسه، و أمر بردّ ضياعها و حملها إلى بلدها، و أعطاها عشرين ألف درهم. و قيل: إن العباس بن المأمون كان مولعا بشراء الضياع، و المعتصم مولعا بجمع الرجال و شراء الغلمان، فكان المأمون إذا رآهما يتمثل بهذين البيتين:

يبني الرجال و غيره يبني القرى # شتان بين قرى و بين رجال

قلق بكثرة ماله و جناده # حتى يفرقها على الأبطال‏

قال الحسن بن سعيد: أخبرني محمد بن حماد قال: كان المعتصم مع أخيه المأمون بالثغر، فلما توفي المأمون أراد الناس أن يبايعوا ابنه العباس فأبى ذلك و قال: ما هذا الحب البارد!قد بايعت و سلمت الخلافة إليه، فسكن الجند. و خرج المعتصم نحو بغداد مسرعا خوفا على نفسه من قواد المأمون، و كانوا قد هموا به لأنهم اتهموه بقتله. قال: فصار المعتصم إلى بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة و مائتين، فصلى على أخيه المأمون، و حمل هو و ابنه العباس المأمون فدفناه في دار الخاقان خادم الرشيد[ (3) ]. و صار الأمر إلى أخيه المعتصم باللّه.

[خلافة المعتصم باللّه‏][ (4) ]

قال: فلما صار الأمر إليه وجه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب إلى حرب الخرمية، و عقد له على الجبال، فحاربهم فقتل منهم ستين ألفا من الرجال، و هرب الباقون إلى الروم. و كان قد قتل منهم في مدة محاربتهم له نحو مائة ألف مقاتل سوى [ (1) ]بالأصل: «البت أن يقضى» و ما أثبت عن العقد الفريد.

[ (2) ]في العقد الفريد: فقال: يا أحمد بن أبي خالد: خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم.

[ (3) ]و ذلك في مدينة طرسوس.

[ (4) ]عنوان استدرك عن هامش الأصل.

437

النساء و الصبيان-و اللّه أعلم-.

ذكر تولية الأفشين و محاربته بابك الخرمي، و توليته إرمينية و أذربيجان‏

قال: فلما استوثق الأمر لأبي إسحاق المعتصم بعث عماله إلى جميع البلاد، ثم ولى الأفشين إرمينية و أذربيجان، و أمره أن يحارب بابك الخرمي، فأقبل الأفشين حتى نزل بموضع قد كان بمدينة يقال لها برزند، ثم إنه بناها و جعلها على مفرق هذا الطريق، و هي أربعة طرق ما بين البذ و موقان و أردبيل و ورثان و نزلها، و اجتمع إليه العساكر فعزم على محاربة بابك الخرمي. قال: و كانت أول وقعة الأفشين مع بابك بموضع يقال له أرشق على سبعة فراسخ من مدينة أردبيل، فانهزم بابك من بين يديه حتى دخل البذ، و وجه الأفشين برجل يقال له محمد بن سليمان السمرقندي إلى مدينة برذعة فولاه إياها، و أقام الأفشين على محاربة بابك، و كان يحاربه حربا دائما، فكتب إليه المعتصم أن اثبت على حربه، و لا تعجل إلى أن يرد عليك كتابي. قال: فكان الأفشين يحارب بابك على الدوام، فأقام المعتصم ببغداد سنتين. ثم خرج سنة عشرين و مائتين، فنزل بموضع يقال له القاطول‏[ (1) ]و أمر ببناء مدينة سامراء[ (2) ]، حتى إذا فرغ من بنائها انتقل إليها فنزلها.

قال: و الأفشين في خلال ذلك قد اشتغل بمحاربة بابك و قد ألحّ عليه بالحرب حتى أخرجه في بلد البذ و احتوى على بلاده، فلما رأى بابك أنه لا طاقة له به خرج من بلده هاربا في عشرين رجلا حتى صار إلى بلد يقال لها كذج‏[ (3) ]متنكرا كي لا يعرف، قال: فنظر أهل الكذج‏[ (3) ]إلى بابك فلم يعرفوه، غير أنهم ناوشوه ليأخذوا ما معه من الأثقال. قال: فحمل عليهم بابك فجعل يقاتلهم. قال: فاتصل الخبر بصاحب المدينة و اسمه سهل بن سنباط، فأقبل في جماعة من أصحابه، فلما نظر إلى بابك عرفه فجعل يخادعه و يظهر إليه بره و لطفه، حتى آنس إليه بابك فجاء به سهل بن سنباط إلى قلعته، ثم دعاه بالشراب فأكل و شرب، فلما سكر دعا له [ (1) ]عن الطبري، و بالأصل «القاطون» .

[ (2) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «سوس» .

[ (3) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «الداح» و الكذج اسم حصن و ناحية بأذربيجان من منازل بابك الخرمي.

438

سهل بن سنباط بقيد فقيده و شد يمينه إلى عنقه ثم ضمه إلى جماعة من أصحابه و بعث به إلى الأفشين، فلما نظر الأفشين إلى بابك فرح لذلك فرحا شديدا، ثم بعث إلى سهل بن سنباط بهدايا قيمتها ألف ألف درهم. قال: و بلغ المعتصم ما فعله سهل بن سنباط ببابك فأرسل إليه بتاج من ذهب مرصع بالدر و الجوهر، فقوم ذلك فكان قيمته خمسمائة ألف درهم، ثم إنه بطرقه على جميع بطارقته. قال:

و حمل الأفشين ببابك إلى المعتصم فأمر به فضرب عنقه، و صلب بسر من رأى، و صلب أخوه ببغداد. و كان ظهور بابك سنة إحدى و مائتين.

و في رواية أخرى: إن المعتصم عقد للأفشين على الجبال و حرب بابك و ذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة فعسكر بمصلى بغداد. و وجه المعتصم أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل و أمره أن يبني الحصون التي أخربها بابك بين زنجان و أردبيل. فبعث بابك سرية فهزمها محمد بن يوسف، فكانت أول هزيمة على أصحاب بابك. و لما صار الأفشين إلى برزند عسكر بها يؤم الحصون.

و أنزل محمد بن يوسف بخش‏[ (1) ]و حفر فيه خندقا. و حمل المعتصم مع بغا الكبير مالا إلى الأفشين، فأراد بابك أن يكبسه فيأخذه، فوقعت محاربة عظيمة بين الأفشين و بابك، و انصرف بابك مخذولا و أراد أن يطول الأمر على أفشين و لا يحاربه حتى تثلج تلك الجبال فيضطرب الأفشين إلى الهرب من شدة البرد. فقال بعض من في عسكر الأفشين: إني رأيت في المنام أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إن أنت حاربت هذا الرجل و جددت في أمره و إلا أمرت الجبال أن ترميك بالحجارة، فتحدث الناس في العسكر علانية، فدعا الأفشين بهذا الرجل الذي ذكر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أتاه في المنام و قال له: اللّه يعلم نيتي للناس قبل هذا و ما أريد بهذا الخلق، و لو أراد اللّه تعالى برجم الجبال لأحد لرجم الكفار و كفانا مؤنتهم. فقال رجل من الحاضرين: أيها الأمير!لا تحرمنا الشهادة إن كانت حضرت، فإنما قصدنا ثواب اللّه تعالى، دعنا وحدنا حتى نتقدم بإذنك، فلعل اللّه عز و جل أن يفتح على أيدينا، فقال الأفشين:

اعزموا على بركة اللّه و عونه أيّ يوم أردتم-و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

فعبى الأفشين الجيوش، و أحدقت بالتل الذي عليه آذين‏[ (2) ]صاحب جيش بابك، و جعل على كل ناحية واحدا من أصحاب الجيوش مثل أبي سعيد و جعفر الخياط [ (1) ]خش بضم أوله و تشديد ثانيه، من قرى اسفرايين من أعمال نيسابور.

[ (2) ]عن الطبري 9/42 و بالأصل أرزين.

439

و أحمد بن الخليل. فتقدم أبو سعيد في جماعة و حمل الناس حملة واحدة و كان آذين‏[ (1) ]قد هيأ فوق الجبل عجلا عليها صخر، فلما حمل الناس عليهم دفع العجل على الناس، فأفرج الناس له لما رأوا العجل قد خرج‏[من‏]الصخر.

فلما رأى بابك الناس قد أحدقوا به من كل جانب و لم تنفعه حيلته من العجل راسل الأفشين من حيث أن سمع كلامه أن يأخذ له أمانا من أمير المؤمنين، فوعده الأفشين بذلك، و طلب الرهائن على صدقه. و الأفشين على ذلك إذ أقبلت البشارة أن أعلام المسلمين‏[ (2) ]قد دخلت البذ و صعدت قصور بابك، و كان قد كمن في قصور بابك ستمائة رجل، و هي أربعة قصور، ففتح الكمناء أبواب القصور و خرجوا رجالة يقاتلون الناس، و مرّ بابك خارجا على وجهه حتى دخل الوادي‏[ (3) ]، و أمر الأفشين النفاطين و أصحابه أن يضربوا البلد و تلك القصور بالنار، فأحرقت كلها و هدمها و جعلها قاعا صفصفا، و قتل أصحاب بابك الذين في القصور و البذ عن آخرهم، و سبى أولاد بابك و أهله، و هرب بابك إلى ناحية إرمينية، فكتب الأفشين إلى ملوكها و بطارقتها و أمرهم أن يحفظ كل واحد ناحيته‏[ (4) ]و لا يسلكها أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه، فجاء الجواسيس إلى الأفشين فأخبروه بموضعه في الوادي و كان واديا كبيرا فيه العشب و الشجر، طرفه بإرمينية و طرفه الآخر بأذربيجان و لم يمكن الخيل أن تنزل فيه، فاستخفى فيه لكثرة الشجر و مياهه و جعل الأفشين على كل طريق خيلا من أربعمائة إلى خمسمائة. فورد كتاب المعتصم مختوما بالذهب فيه أمان لبابك‏[ (5) ].

فدعا الأفشين رجلا يحمل إليه ذلك، فلم يجسر أحد أن ينزل به من أولاده و لا من أصحابه، فقام رجلان منهم فقالا: اضمن لنا أنك تجري على عيالنا رزقا، فضمن لهما ذلك، و أخذا الكتاب و توجها به، و كتب معهما ابن بابك الكبير كتابا يعلمه الخبر و يسأله أن يصير إلى الأمان فهو أسلم له. فلما قرأ بابك كتاب ابنه ضرب عنق من حمله، و علق كتاب الأمان على صدره و لم يفضه، و قال للآخر: اذهب إلى ابني [ (1) ]انظر الحاشية السابقة.

[ (2) ]في الطبري: أعلام الفراغنة.

[ (3) ]الذي يلي «هشتاد ستر» ، و مما ساعده على الهرب انشغال الافشين و جميع قواده بالحرب على أبواب القصور.

[ (4) ]عن الطبري 9/45 و بالأصل: أن يحفظوا كل واحد ناحية.

[ (5) ]انظر الطبري 9/46. )

440

و قل له: لئن عشت يوما واحدا و أنت ملك كان أصلح من أن تعيش أربعين سنة عبدا.

و لم يزل بابك في تلك الغيضة حتى فني زاده‏[ (1) ]. و كان أصحاب مسالح الأفشين كلهم يحفظون الأرض، فأصاب بابك الجوع فأشرف، فإذا هو بحراث على فدّان له في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحراث و خذ معك دنانير، فإن كان معه خبز فخذه و أعطه!و كان للحراث شريك، فنظر إلى الرجل من بعيد فأخذ خبز شريكه، فظن أنه يأخذه غصبا، فعدا إلى المسلحة و أعلمهم أن رجلا جاءهم و عليه سيف و سلاح، فركب صاحب المسلحة و كان في جبال ابن سنباط، [و وجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط-][ (2) ]و جماعة معه حتى صار إلى بابك، فنزل ابن سنباط فقبل الأرض بين يديه و قال: يا سيدي!إلى أين تريد؟ قال: بلاد الروم، فقال: لا تجد أحدا أعرف مني بحقك و ليس بيني‏[ (3) ]و بينك لسلطان عمل، و لا يدخل عليّ أحد و أنت عارف بقصتي‏[ (4) ]، فكن عندي في حصني هذه الشتوة و بعد ترى رأيك فأنا عبدك، فركن بابك إلى كلام ابن سنباط و أقام في حصنه. فكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه أن بابك عنده و عبد اللّه‏[في حصن‏] ابن اصطفانوس‏[ (5) ]أخوه جميعا عندي في الحصن. فكتب إليه الأفشين: إن كان هذا صحيحا فلك عندي و عند أمير المؤمنين ما تريد، و وصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته و وجه به إلى ابن سنباط، و كتب إليه يعلمه أنه قد وجه برجل يحب أن يرى بابك، فقال للرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون فيه منكبا على طعامه للغداء، فإذا رأيتنا قد طلبنا الغداء فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئتنا فتفقد منه على ما تريد. ففعل ذلك، فرفع بابك رأسه فأنكره و قال: من هذا الرجل؟فقال ابن سنباط: هذا رجل نصراني من أهل خراسان منقطع إلينا منذ كذا و كذا سنة، فقال بابك: لم طاب لك المقام ههنا؟قال: تزوجت. قال: صدقت، [ (1) ]و بعد نفاد زاده خرج مما يلي طريقا بعيدا عن العسكر لبعده عن الماء، و قد خرج هو و أمه و امرأة له، فلاحقهم العسكر فأفلت هو و غلام له و أخذت المرأتان. (انظر الطبري 9/46-47) .

[ (2) ]زيادة عن الطبري 9/47.

[ (3) ]في الطبري: ليس بيني و بين السلطان عمل.

[ (4) ]الطبري: بقضيتي و بلدي.

[ (5) ]عن الطبري 9/48 و بالأصل «اصطفاوس» .

441

يقول المثل‏[ (1) ]: من أين أنت؟فيقول: من حيث امرأتي.

ثم رجع إلى الأفشين و وصف له ما رأى، فوجه الأفشين أبا سعيد و بوزباره إلى ابن سنباط و كتب معهما إليه‏[و أمرهما ألا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به-][ (2) ]ففعلا ذلك. فكتب ابن سنباط إليهما بالمقام في موضع ذكره لهما، و أنفذ إليهما بالميرة الكثيرة[ (3) ]. ثم إنه قال لبابك: أنت مغموم في هذا الحصن، و ههنا واد طيب، فلو خرجنا إليه و معنا باز و باشق نتفرج إلى وقت الغداء في الصيد؟فقال بابك: إذا شئت فافعل ذلك. قال: و كتب ابن سنباط إلى أبي سعيد و بوزباره يعلمهما بذلك و بما قد عزم عليه، و يأمرهما أن يوافياه واحد من ذا الجانب و الآخر من الجانب الآخر بعسكريهما، و ركبا بالغداة و واعدهما إلى موضع كذا و كذا، فأنزلا و أخذا بابك فجاءة.

فلما نظر بابك إليهما و أحدقت به العساكر قالا له: انزل!قال: و من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، و الآخر: بوزباره. فقال: نعم، فثنى رجله و نزل، و نظر إلى ابن سنباط فشتمه و قال: بعتني ليهودي بالشي‏ء اليسير، لو أردت لأعطيتك أضعافه، فقال أبو سعيد: فاركب إذا، فحملوه إلى الأفشين و عليه دراعة بيضاء و خف قصير. فلما وقف بين يدي الأفشين حبسه مع أخيه في بيت واحد[ (4) ]. و كان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند، و ذلك لعشر خلون من شوال سنة اثنتين و عشرين و مائتين.

و كان المعتصم قد أوقف على كل رأس فرسخ من سامرا إلى معسكر الأفشين فرسا مضمرا يحمل الثوب إليه و كانت الخريطة تصل إليه في أربعة أيام أو أقل من الأفشين إلى سامرا. و لقد قالوا: لما قدم الأفشين على المعتصم ببابك تلقاه هارون بن المعتصم و أهل بيته‏[ (5) ]، و أراد أن يشهره و يريه للناس. فقال: على أيّ شي‏ء يحمل هذا و كيف يشهر؟فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين!لا شي‏ء أشهر من [ (1) ]الطبري: إذا قيل للرجل...

[ (2) ]زيادة عن الطبري.

[ (3) ]الطبري: بالميرة و الزاد.

[ (4) ]و كان الإفشين، بعد أخبر بمكان عبد اللّه أخي بابك، قد كتب إلى ابن اصطفانوس أن يوجه إليه بعبد اللّه، فوجه به ابن اصطفانوس إلى الإفشين (انظر الطبري 9/51) .

[ (5) ]و قد استقبلوه عند قناطر حذيفة. و لما صار الإفشين ببابك إلى سامرا أنزله الإفشين في قصره بالمطيرة.

442

الفيل، قال: صدقت، و أمر بتصنع‏[ (1) ]الفيل كعادته، و حمل بابك عليه في قباء ديباج و قلنسوة سمور، فقال محمد بن عبد الملك الزيات في ذلك:

قد خضب الفيل كعاداته # يحمل سلطان خراسان

و الفيل لا تخضب أعضاؤه # إلا لذي شأن من الشان‏

فلما دخل إلى المعتصم من باب العامة أمر أن يحضر سياف بابك-و كان اسمه نورنون‏[ (2) ]-فحضر، فأمر أن يقطع يدي بابك و رجليه، فقطعهما فسقط، فأمر بذبحه، و شق بطنه و احتز رأسه و وجه به إلى خراسان، و صلب بدنه بسامرا عند العقبة.

و أمر المعتصم لسهل بن سنباط بألف ألف درهم و تاج البطرقة و منطقة مغرقة بالجوهر، و لابنه معاوية بمائة ألف درهم. و كان يعطي لأفشين كل يوم يحارب فيه عشرة آلاف درهم سوى الأرزاق و الأموال و المعاون، و في كل يوم لم يركب فيه خمسة آلاف درهم. ثم إن المعتصم توّج الأفشين و ألبسه و شاحين بالجواهر و وصله‏[ (3) ].

و كانت مدة قتاله سنتين و خمسة أشهر و أياما[ (4) ]-و اللّه أعلم-.

و لقد كانت مدة خلافته‏[ (5) ]مثل مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، و كان عمره أربعا و عشرين سنة، و كانت وفاته بسامرا في القصر المهذب‏[ (6) ]، و صلى عليه أحمد بن محمد بن‏[أبي‏][ (7) ]إسحاق المعتصم باللّه-و هو المستعين باللّه-، و كنيته أبو [ (1) ]الطبري: بتهيئة الفيل.

[ (2) ]في الطبري 9/53 نود نود.

[ (3) ]وصله بعشرين ألف ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة و عشرة آلاف ألف درهم يفرقها في عسكره.

[ (4) ]كان المعتصم قد عقد للأفشين خيذر بن كاوس على الجبال و وجه به لحرب بابك و ذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة 220 و كان أسر بابك.... ثم إن وصوله إلى الإفشين ببرزند لعشر خلون من شوال سنة 222 (انظر الطبري) .

[ (5) ]كذا بالأصل، و الظاهر أن سقطا وقع في الأصل لأن العبارة التالية تتعلق بخلافة المنتصر.

و انظر مدة خلافة المعتصم في مروج الذهب 4/54 الطبري 11/7 اليعقوبي 2/478.

[ (6) ]في الطبري 9/254 القصر المحدث و فيه مات المنتصر سنة 248 و كانت مدته ستة أشهر سواء.

و في مقدار عمره أقوال: في مروج الذهب 4/153: خمسا و عشرين سنة، و في العقد الفريد و الوافي بالوفيات: ستا و عشرين سنة.

[ (7) ]زيادة اقتضاها السياق.

443

العباس‏[ (1) ]، و دفن في موضع يقال له الجوسق. و صار الأمر من بعده إلى المستعين باللّه، ثم خلع نفسه بعد ثلاث سنين و ثمانية أشهر و عشرين يوما[ (2) ]فهذا آخر الفتوح.

و اللّه أعلم و أحكم‏[ (3) ].

[ (1) ]الطبري: أبو جعفر.

[ (2) ]في مروج الذهب: كانت خلافته ثلاث سنين و ثمانية أشهر، و قيل: ثلاث سنين و تسعة أشهر.

[ (3) ]بعده في الأصل: «تم الجزء الثاني من فتوح ابن أعثم الكندي على التمام و الكمال، على يد أضعف عباد اللّه تعالى محمد بن علي بن محمد الطنبذي غفر اللّه له و لوالديه و لجميع المسلمين. و كان الفراغ من تعليقه في يوم الاثنين المبارك خامس عشر ربيع الأول سنة ثلاث و سبعين و ثمانمائة. و الحمد للّه وحده. و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» .