الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
53

و قال أعرابيّ‏[1]: [من الطويل‏]

فما وجد ملواح من الهيم خلّئت # عن الماء حتّى جوفها يتصلصل‏[2]

تحوم و تغشاها العصيّ و حولها # أقاطيع أنعام تعلّ و تنهل

بأكثر منّي غلّة و تعطّفا # إلى الورد، إلاّ أنّني أتجمّل‏

و قال خالد بن علقمة ابن الطّيفان، في عيب أخذ العقل و الرّضا بشي‏ء دون الدّم، فقال‏[3]: [من الطويل‏]

و إنّ الّذي أصبحتم تحلبونه # دم غير أنّ اللّون ليس بأحمرا

فلا توعدوا أولاد حيّان بعد ما # رضيتم و زوّجتم سيالة مسهرا[4]

و أعجب قرد يقصم القمل حالقا # إذا عبّ في البقية بربرا

إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم # رأوا لونه في القعب وردا و أشقرا

[1]الأبيات بلا نسبة في البيان و التبيين 3/55.

[2]الهيم: الإبل العطاش «القاموس: هيم» . حلئت: منعت من الماء «القاموس: حلأ» .

[3]الأبيات في الوحشيات 81، و الأول بلا نسبة في السمط 673.

[4]في الوحشيات (رضيتم و زوجتم سبالا مشعّرا) .

54

باب آخر في ذكر الغضب، و الجنون، في المواضع التي يكون فيها محمودا

604-[شعر في الجنون‏]

قال الأشهب بن رميلة[1]: [من الطويل‏]

هرّ المقادة من لا يستقيد لها # و اعصوصب السّير و ارتدّ المساكين‏[2]

من كلّ أشعث قد مالت عمامته # كأنّه من ضرار الضّيم مجنون‏

و قال في شبيه ذلك أبو الغول الطّهويّ‏[3]: [من الوافر]

فدت نفسي و ما ملكت يميني # معاشر صدّقت فيهم ظنوني

معاشر لا يملّون المنايا # إذا دارت رحى الحرب الطّحون

و لا يجزون من خير بشر # و لا يجزون من غلظ بلين

و لا تبلى بسالتهم و إن هم # صلوا بالحرب حينا بعد حين

هم أحموا حمى الوقبى بضرب # يؤلّف بين أشتات المنون‏[4]

فنكّب عنهم درء الأعادي # و داووا بالجنون من الجنون‏

و قال ابن الطّثريّة[5]: [من البسيط]

لو أنّني لم أنل منكم معاقبة # إلا السّنان لذاق الموت مظعون

أو لاختطبت فإني قد هممت به # بالسّيف إن خطيب السّيف مجنون‏

[1]البيتان في ديوانه 244.

[2]هرّ: كره «القاموس: هرّ» . المقادة: القود، و هو نقيض السوق «القاموس: قود» .

[3]الأبيات لأبي الغول الطهوي في الأمالي 1/260، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 39-40، و السمط 580، و الخزانة 6، 433، 8/314، و الأبيات (1، 2، 5) في معجم البلدان 5/380 (الوقبى) ، و (1، 2) في شرح المفصل 5/55، و (3، 5، 6) في الشعر و الشعراء 256-257 (طبعة ليدن) ، و الثالث في اللسان (سوا) ، و الرابع في اللسان (صلا) ، و (1، 2) بلا نسبة في الخصائص 2/121.

[4]الوقبى: ماء لبني مالك بن مازن بن مالك، و كانت لهم به وقائع مشهورة، و هو على طريق المدينة من البصرة. معجم البلدان 5/380 (الوقبى) .

[5]ديوان ابن الطثرية 107.

55

و قال آخر[1]: [من الكامل‏]

حمراء تامكة السّنام كأنّها # جمل بهودج أهله مظعون‏[2]

جادت بها يوم الوداع يمينه # كلتا يدي عمرو الغداة يمين

ما إن يجود بمثلها في مثله # إلاّ كريم الخيم أو مجنون‏[3]

و في هذا المعنى يقول حسّان، أو ابنه عبد الرحمن بن حسّان‏[4]: [من الخفيف‏]

إنّ شرخ الشّباب و الشّعر الأسـ # ود ما لم يعاص كان جنونا

إن يكن غثّ من رقاش حديث # فبما نأكل الحديث سمينا

و في شبيه بذلك قول الشّنفرى‏[5]: [من الطويل‏]

فدقّت و جلّت و اسبكرّت و أكملت # فول جنّ إنسان من الحسن جنّت‏

و قال القطاميّ‏[6]-حين وصف إفراط ناقته في المرح و النّشاط: [من البسيط]

يتبعن سامية العينين تحسبها # مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل‏

و قال ابن أحمر[7]، في معنى التشبيه و الاشتقاق: [من الوافر]

بهجل من قسا ذفر الخزامى # تداعى الجربياء به الحنينا[8]

[1]الأبيات لجميل في ديوانه 198، و البرصان 349، و لابن الطثرية في ديوانه 106، و لعبيد بن أيوب في أشعار اللصوص 1/232، 233، و البيت الثالث لعبيد بن أيوب في الرسالة الموضحة 38، و أخبار أبي تمام 33، و الأبيات بلا نسبة في الوحشيات 268.

[2]التامكة: الناقة العظيمة السنام «القاموس: تمك» .

[3]الخيم: السجية «القاموس: خيم» .

[4]البيتان لحسان بن ثابت في ديوانه 473، و الأول في اللسان و التاج (شرخ) ، و الجمهرة 92، 585، و التهذيب 7/81، و ديوان الأدب 1/101، و بلا نسبة في المقاييس 3/269، و المخصص 1/38، و الثاني في اللسان و التاج (ما) ، و التهذيب 15/628.

[5]البيت للشنفرى في المفضليات 109، و شرح اختيارات المفضل 519، و رسائل الجاحظ 2/98، و البيان و التبيين 3/224، و اللسان (جنن) ، و الأغاني 21/187.

[6]ديوان القطامي 27.

[7]ديوان ابن أحمر 159، و البيان و التبيين 3/223، و معجم البلدان (قسا) ، و الجمهرة 289، و الأول في اللسان (قسأ، فقأ، جرب، ذفر، قسا، هجل) ، و الجمهرة 266، و التاج (فقأ، قسأ، جرب، ذفر، هجل، جنن) ، و بلا نسبة في المخصص 11/207، 15/201، و الثاني في السان (فقأ، خوز، قلع، جنن) ، و التاج (فقأ، قسأ، جرب، خوز، قلع، جنن) ، و الخزانة 6/442، و إصلاح المنطق 44.

[8]الهجل: المطمئن من الأرض «القاموس: هجل» . الجربياء: الريح الشمالية الباردة «القاموس جرب» . الحنين: صوت الريح «القاموس: حنّ» .

56

تفقّأ فوقه القلع السّواري # و جنّ الخازباز به جنونا[1]

و في مثل ذلك يقول الأعشى‏[2]: [من الخفيف‏]

و إذا الغيث صوبه وضع القد # ح و جنّ التّلاع و الآفاق

لم يزدهم سفاهة نشوة الخمـ # ر و لا اللّهو فيهم و السّباق‏

و قال آخر في باب المزاح و البطالة، مما أنشدنيه أبو الأصبغ بن ربعيّ: [من الطويل‏]

أتوني بمجنون يسيل لعابه # و ما صاحبي إلاّ الصّحيح المسلّم‏

605-[إبراهيم بن هانئ و الشعر]

و أنشدني إبراهيم بن هانئ، و عبد الرحمن بن منصور: [من الطويل‏]

جنونك مجنون و لست بواجد # طبيبا يداوي من جنون جنون‏

و كان إبراهيم بن هانئ لا يقيم شعرا و لا أدري كيف أقام هذا البيت! و كان يدّعى بحضرة أبي إسحاق علم الحساب، و الكلام، و الهندسة، و اللحون، و أنه يقول الشعر؛ فقال أبو إسحاق: نحن لم نمتحنك في هذه الأمور، فلك أن تدّعيها عندنا. كيف صرت تدّعي قول الشعر، و أنت إذا رويته لغيرك كسرته؟!قال:

فإنّي هكذا طبعت، أن أقيمه إذا قلت، و أكسره إذا أنشدت!قال أبو إسحاق: ما بعد هذا الكلام كلام!

606-[جواب أعرابي في شدة الغلمة]

و قلت لأعرابيّ، أيّما أشدّ غلمة: المرأة أو الرجل؟فأنشد[3]: [من الطويل‏]

فو اللّه ما أدري و إنّي لسائل # الأير أدنى للفجور أو الحر

و قد جاء هذا مرخيا من عنانه # و أقبل هذا فاتحا فاه يهدر

607-[مقطعات شتى‏]

و أنشد بعضهم‏[4]: [من الخفيف‏]

أصبح الشّيب في المفارق شاعا # و اكتسى الرأس من بياض قناعا

[1]القلع: قطع من السحاب «القاموس: قلع» .

[2]ديوان الأعشى 265.

[3]البيتان في محاضرات الأدباء 2/118 (3/261) و فيه (قيل لقطرب: أيهما أسرع على المباضعة؛ الأير أم الحر؟فقال... ) .

[4]البيتان بلا نسبة في البيان و التبيين 2/334.

57

ثم ولّى الشّباب إلاّ قليلا # ثم يأبى القليل إلاّ نزاعا

و أنشد محمد بن يسير[1]: [من المنسرح‏]

قامت تخاصرني لقبّتها # خود تأطّر ناعم بكر[2]

كلّ يرى أنّ الشّباب له # في كل مبلغ لذّة عذر

و قال الآخر في خلاف ذلك، أنشدنيه محمد بن هشام السّدري: [من الطويل‏]

فلا تعذراني في الإساءة إنّه # أشرّ الرّجال من يسي‏ء فيعذر[3]

و قال ابن فسوة[4]: [من الطويل‏]

فليت قلوصي عرّيت أو رحلتها # إلى حسن في داره و ابن جعفر

إلى معشر لا يخصفون نعالهم # و لا يلبسون السّبت ما لم يحضّر[5]

و قال الطّرمّاح بن حكيم، و هو أبو نفر[6]: [من الطويل‏]

لقد زادني حبّا لنفسي أنّني # بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل

إذا ما رآني قطّع الطّرف بينه # و بيني فعل العارف المتجاهل

ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها # من الضّيق في عينيه كفّة حابل‏

و قال آخر: [من الوافر]

إذا أبصرتني أعرضت عنّي # كأنّ الشّمس من قبلي تدور

و قال الخريمي‏[7]و ذكر عماه: [من المنسرح‏]

أصغي إلى قائدي ليخبرني # إذا التقينا عمّن يحيّيني‏

[1]البيتان لمحمد بن يسير الرياشي في ديوانه 139، و البيان و التبيين 1/198 و فيه «و أنشدني محمد ابن يسير للأحوص بن محمد» ، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/341، و هما لمحمد بن بشير في المحب و المحبوب 4/380، و انظر ديوان الأحوص 113، المقطوعة رقم 42.

[2]في البيان و التبيين 1/198 «تخاصرني: آخذ بيدها و تأخذ بيدي. و القنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. و الخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. و الغادة: الناعمة اللينة» .

[3]البيت في أدب الدنيا و الدين للماوردي 31، و روضة المحبين 57.

[4]البيتان لعتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة في الأغاني 22/230، و البيان و التبيين 3/109، و الأول في الشعر و الشعراء 218.

[5]السّبت: جلود البقر: و كل جلد مدبوغ «القاموس: سبت» ، و أراد الشاعر هنا النعال.

[6]ديوان الطرماح 346-347، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 227-228.

[7]ديوان الخريمي 61، و نكت الهميان 71، و ربيع الأبرار 5/116-117، و عيون الأخبار 4/57، و معاهد التنصيص 1/253، و الشعر و الشعراء 543. ـ

58

أريد أن أعدل السّلام و أن # أفصل بين الشّريف و الدّون

اسمع ما لا أرى فأكره أن # أخطئ، و السّمع غير مأمون

للّه عيني التي فجعت بها # لو أنّ دهرا بها يواتيني

لو كنت خيّرت ما أخذت بها # تعمير نوح في ملك قارون‏

و قال بعض القدماء[1]: [من الوافر]

أ لم تر حوشبا أضحى يبنّي # قصورا نفعها لبني بقيله

يؤمّل أن يعمّر عمر نوح # و أمر اللّه يحدث كلّ ليله‏

و قال ابن عبّاس بعد ما ذهب بصره‏[2]: [من البسيط]

إن يأخذ اللّه من عينيّ نورهما # ففي لساني و قلبي منهما نور

قلبي ذكيّ و عقلي غير ذي دخل # و في فمي صارم كالسّيف مأثور

و قال حسّان يذكر بيان ابن عبّاس‏[3]: [من الطويل‏]

إذا قال لم يترك مقالا و لم يقف # لعيّ و لم يثن اللّسان على هجر

يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى # و ينظر في أعطافه نظر الصّقر

608-[شعر لأعرابي في الخصب و الجدب‏]

و قال بعض الأعراب‏[4]يذكر الخصب و الجدب: [من الطويل‏]

مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت # شقاشق فيها رائب و حليب

و رامت رجالا من رجال ظلامة # و عدّت ذحول بينهم و ذنوب‏

[1]البيتان أنشدهما أبو العباس متمثلا؛ و هما في معجم البلدان 3/46 (رصافة أبي العباس) ، و عيون الأخبار 1/211، 314، و الوحشيات 174، و الأغاني 21/120، و الأنوار و محاسن الأشعار 2/96، و أساس البلاغة (بنى) .

[2]البيتان لابن عباس في نكت الهميان 71 نقلا عن الجاحظ، و عيون الأخبار 4/56، و معاهد التنصيص 1/87، و ربيع الأبرار 5/116، و الشعر و الشعراء 543، و هما لحسان بن ثابت في ديوانه 221، و ذيل الأمالي 15، و هما لأبي العيناء في معجم الأدباء 18/203.

[3]لم يرد البيتان في ديوان حسان بن ثابت، و هما في معجم الأدباء 6/189.

[4]الأبيات لأعرابي في ديوان المعاني 2/45، و الإمتاع و المؤانسة 1/196، و انظر المخصص 10/180.

59

و نصّت ركاب للصّبا فتروّحت # لهنّ بما هاج الحبيب خبيب‏[1]

و طنّ فناء الحيّ حتّى كأنّه # رحى منهل من كرّهنّ نحيب

بني عمّنا لا تعجلوا، ينضب الثّرى # قليلا و يشفى المترفين طبيب

فلو قد تولّى النّبت و امتيرت القرى # و حنّت ركاب الحيّ حين تثوب

و صار غبوق الخود و هي كريمة # على أهلها، ذو جدّتين مشوب‏[3]

و صار الّذي في أنفه خنزوانة # ينادى إلى هادي الرّحى فيجيب‏[3]

أولئك أيّام تبيّن ما الفتى # أكاب سكيت أم أشمّ نجيب‏

609-[شعر لأنس بن أبي إياس‏]

و قال: و لما ولي حارثة بن بدر سرّق، كتب إليه أنس بن أبي إياس الدّؤلي‏[4]:

[من الطويل‏]

أ حار بن بدر قد وليت ولاية # فكن جرذا فيها تخون و تسرق

و باه تميما بالغنى إنّ للغنى # لسانا به المرء الهيوبة ينطق

و لا تحقرن يا حار شيئا ملكته # فحظّك من ملك العراقين سرّق

فإنّ جميع النّاس إمّا مكذّب # يقول بما يهوى، و إمّا مصدّق

يقولون أقوالا و لا يعرفونها # و لو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا

و قال بعض الأعراب: [من الطويل‏]

فلمّا رأينا القوم ثاروا بجمعهم # رعينا الحديث و هو فيهم مضيّع

و أدركنا من عزّ قيس حفيظة # و لا خير فيمن لا يضرّ و ينفع‏

610-[أقوال مأثورة]

و يقال إنّ رجلا قال لبعض السّلاطين: الدّنيا بما فيها حديث، فإن استطعت أن تكون من أحسنها حديثا فافعل! [1]خبيب: سرعة الجري «القاموس: خبّ» .

[2]الغبوق: ما يشرب بالعشي «القاموس: غبق» الخود: الشابة الحسنة الخلق «القاموس: خود» .

[3]الخنزوانة: الكبر. هادي الرحى: مقبضها.

[4]الأبيات لأنس الدؤلي في عيون الأخبار 1/58، و أمالي المرتضى 2/49-51، و معجم البلدان (سرق) ، و محاضرات الراغب 1/83، و زهر الآداب 986 (طبعة زكي مبارك) .

60

و قال حذيفة بن بدر لصاحبه يوم جفر الهباءة[1]، حين أعطاهم بلسانه ما أعطى: إيّاك و الكلام المأثور[2].

و أنشد الأصمعي: [من الخفيف‏]

كلّ يوم كأنّه يوم أضحى # عند عبد العزيز أو يوم فطر

و قال: و ذكر لي بعض البغداديّين أنّه سمع مدنيّا مرّ بباب الفضل بن يحيى- و على بابه جماعة من الشعراء-فقال‏[3]: [من الخفيف‏]

ما لقينا من جود فضل بن يحيى # ترك النّاس كلّهم شعراء

و قال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: الفارسيّ إذا تظرّف تساكت، و النّبطيّ إذا تظرّف أكثر الكلام.

و قال الأصمعيّ: قال رجل لأعرابيّ: كيف فلان فيكم؟قال: مرزوق أحمق! قال: هذا الرّجل الكامل.

قال: و قال أعرابيّ لرجل: كيف فلان فيكم؟قال: غنيّ حظيّ، قال: هذا من أهل الجنّة!

611-[السواد و البياض في البادية]

الأصمعيّ قال: أخبرني جوسق قال: كان يقال بالبدو: «إذا ظهر البياض قلّ السّواد، و إذا ظهر السّواد قلّ البياض» . قال الأصمعيّ: يعني بالسّواد التّمر، و بالبياض اللّبن و الأقط[4]، يقول: إذا كانت السّنة مجدبة كثر التّمر و قلّ اللّبن و الأقط. و قال: إذا كان العام خصيبا ظهر في صدقة الفطر البياض يعني الإقط و إذا كان جدبيا ظهر السّواد، يعني التّمر.

و تقول الفرس: إذا زخرت الأودية بالماء كثر التّمر، و إذا اشتدّت الرّياح كثر الحبّ.

[1]يوم الهباءة: هو يوم الجفر؛ لعبس على ذبيان، و فيه قتل حذيفة بن بدر و أخوه حمل سيدا بني فزارة. العمدة 2/202-203.

[2]ورد القول في البيان و التبيين 2/105.

[3]البيت لنصيب الأصغر أبي الحجناء في الأغاني 23/20.

[4]الأقط: شي‏ء يتخذ من اللبن المخيض؛ يطبخ ثم يترك حتى يمصل «اللسان: أقط» .

61

612-[أثر الريح في المطر]

و حدّثني محمّد بن سلام، عن شعيب بن حجر قال: جاء رجل على فرس فوقف بماء من مياه العرب فقال: أ عندكم الرّيح الّتي تكبّ‏[1]البعير؟قالوا: لا. قال:

فتذري‏[2]الفارس؟قالوا: لا. قال: فكما تكون يكون مطركم.

و حدّثني العتبيّ قال: هجمت على بطن بين جبلين، فلم أر واديا أخصب منه، و إذا رجال يتركّلون على مساحيهم‏[3]، و إذا وجوه مهجّنة، و ألوان فاسدة فقلت:

واديكم أخصب واد، و أنتم لا تشبهون المخاصيب قال: فقال شيخ منهم: ليس لنا ريح.

613-[شعر في الخصب‏]

و قال النّمر بن تولب‏[4]: [من البسيط]

كأنّ جمرة، أو عزّت لها شبها # في العين يوما تلاقينا بأرمام‏[5]

ميثاء جاد عليها وابل هطل # فأمرعت لاحتيال فرط أعوام

إذا يجفّ ثراها بلّها ديم # من كوكب بزل بالماء سجام

لم يرعها أحد و اربتها زمنا # فأو من الأرض محفوف بأعلام‏[6]

تسمع للطّير في حافاتها زجلا # كأنّ أصواتها أصوات جرّام‏[7]

كأنّ ريح خزاماها و حنوتها # باللّيل ريح يلنجوج و أهضام‏[8]

قال: فلم يدع معنى من أجله يخصب الوادي و يعتمّ نبته إلاّ ذكره و صدق النمر! [1]تكب البعير: تقلبه «القاموس: كبّ» .

[2]ذرت الريح الشي‏ء: أطارته و أذهبته «القاموس: ذرو» .

[3]المسحاة: المجرفة من الحديد «اللسان: سحا» .

[4]ديوان النمر بن تولب 386-387، و ديوان المعاني 2/13، و البرصان 187، و شرح الأبيات التالية في ديوانه.

[5]أرمام: جبل في ديار باهلة بن أعصر، و قيل: أرمام: واد.

[3]الفأو: قطعة من الأرض تطيف بها الجبال.

[4]الجرام: الذين يصرمون التمر، أي يقطعونه.

[5]الحنوة: نبات سهلي طيب الرائحة. اليلنجوج: عود طيب الريح، و قيل: هو الذي يتبخر به.

الأهضام: كل شي‏ء يتبخر به.

62

و قال الأسديّ في ذكر الخصب و رطوبة الأشجار و لدونة الأغصان و كثرة الماء[1]: [من الكامل‏]

و كأنّ أرحلنا بجوّ محصّب # بلوى عنيزة من مقيل التّرمس‏[2]

في حيث خالطت الخزامى عرفجا # يأتيك قابس أهله لم يقبس‏

ذهب إلى أنّه قد بلغ من الرّطوبة في أغصانه و عيدانه، أنّها إذا حكّ بعضها ببعض لم يقدح.

و في شبيه بذلك يقول الآخر، و ذهب إلى كثرة الألوان و الأزهار و الأنوار[3]:

[من الرجز]

كانت لنا من غطفان جاره # كأنها من دبل و شاره

و الحلي حلي التّبر و الحجاره # مدفع ميثاء إلى قراره‏

ثم قال‏[4]: [من الرجز]

إيّاك أعني و اسمعي يا جاره‏

و قال بشّار[5]: [من الخفيف‏]

و حديث كأنّه قطع الرّو # ض و فيه الحمراء و الصّفراء

[1]البيتان للأسدي في البيان و التبيين 3/34، و المخصص 10/133، 176، 11/32، و هما من قصيدة للمرار بن منقذ، ورد منها ثلاثة أبيات في معجم الشعراء 338. و هما للمرار بن سعيد في أشعار اللصوص 2/363. و انظر الحيوان 4/488، الفقرة (1245) .

[2]الترمس: ماء لبني أسد، و موضع قرب القنان من أرض نجد. معجم البلدان 2/27 (ترمس) .

[3]الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (نوق، حلا) ، و الثالث في المخصص 4/40.

[4]الرجز من الأمثال في مجمع الأمثال 1/49، و الفاخر 158، و جمهرة الأمثال 1/8، 29، و المستقصى 1/450، و فصل المقال 76-77، و أمثال ابن سلام 65، و نسب مع أبيات أخرى إلى سهل بن مالك الفزاري، و بلا نسبة في اللسان و التاج (نوق، حلا) .

[5]ديوان بشار 1/119، و البرصان 188، و العقد الفريد 5/417.

63

باب من الفطن و فهم الرّطانات و الكنايات و الفهم و الإفهام‏

614-[حديث المرأة التي طرقها اللصوص‏]

الأصمعي قال: كانت امرأة تنزل متنحّية من الحيّ، و تحبّ العزلة و كان لها غنم، فطرقها اللّصوص فقالت لأمتها: اخرجي!من هاهنا؟قالت: هاهنا حيّان، و الحمارس، و عامر و الحارث، و رأس عنز و شادن. و راعيا بهمنا: فنحن ما أولئك. أي:

فنحن أولئك. فلما سمعوا ذلك ظنّوا أنّ عندها بنيها. و قال الأصمعيّ مرّة: فلما سمعت حسّهم قالت لأمتها: أخرجي سلح بنيّ من هاهنا.

قال: و سلح جمع سلاح‏[1]. و حيّان و الحمارس: أسماء تيوس لها.

615-[قصة الممهورة الشياه و الخمر]

قال الأصمعيّ‏[2]: تزوّج رجل‏[3]امرأة فساق إليها مهرها ثلاثين شاة، و بعث بها رسولا، و بعث بزقّ خمر. فعمد الرّسول فذبح شاة في الطريق فأكلها، و شرب بعض الزّقّ. فلما أتى المرأة نظرت إلى تسع و عشرين و رأت الزّقّ ناقصا، فعلمت أنّ الرجل لا يبعث إلاّ بثلاثين و زقّ مملوء فقالت للرسول: قل لصاحبك: إن سحيما قد رثم‏[4]، و إن رسولك جاءنا في المحاق!فلما أتاه الرّسول بالرّسالة: قال يا عدوّ اللّه، أكلت من الثّلاثين شاة شاة، و شربت من رأس الزّق!فاعترف بذلك.

616-[قصة العنبريّ الأسير]

الأصمعيّ قال‏[5]: أخبرني شيخ من بني العنبر قال: أسر بنو شيبان رجلا من [1]السّلاح: النجو «القاموس: سلح» .

[2]الخبر باختصار في البيان و التبيين 3/211، و الكنايات 63، و محاضرات الأدباء 1/143 (1/67) .

[3]في البيان و التبيين «قسامة بن زهير العنبري» ، و في محاضرات الأدباء «امرؤ القيس» .

[4]رثم أنفه أو فاه: كسره حتى تقطر منه الدم، و كل ما لطخ بدم و كسر فهو رثيم «القاموس: رثم» .

[5]الخبر في محاضرات الأدباء 1/143 (1/67) ، و الكنايات 64، و أمالي المرتضى 1/12، و أخبار الظراف 64، و المعاني للأشنانداني 57، و طراز المجالس 254.

64

بني العنبر، قال: دعوني حتى أرسل إلى أهلي ليفدوني. قالوا: على ألاّ تكلّم الرّسول إلاّ بين أيدينا. قال: نعم. قال: فقال للرسول. ائت أهلي فقل: إنّ الشّجر قد أورق.

و قل: إنّ النّساء قد اشتكت و خرزت القرب. ثمّ قال له: أ تعقل؟قال: نعم. قال: إن كنت تعقل فما هذا؟قال: الليل. قال: أراك تعقل انطلق إلى أهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب، و اركبوا ناقتي الحمراء، و سلوا حارثا عن أمري-و كان حارث صديقا له-فذهب الرّسول فأخبرهم. فدعوا حارثا فقصّ عليه الرّسول القصة، فقال أمّا قوله: «إنّ الشّجر قد أورق» فقد تسلّح القوم. و أمّا قوله: «إن النساء قد اشتكت و خرزت القرب» فيقول: قد اتخذت الشّكا[1]و خرزت القرب للغزو. و أما قوله: «هذا الليل» فإنّه يقول: أتاكم جيش مثل الليل. و أمّا قوله: «عرّوا جملي الأصهب» فيقول: ارتحلوا عن الصّمّان. و أما قوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» فيقول انزلوا الدّهناء و كان القوم قد تهيّئوا لغزوهم، فخافوا أن ينذرهم، فأنذرهم و هم لا يشعرون فجاء القوم يطلبونهم فلم يجدوهم.

617-[قصة العطاردي‏]

و كذلك صنع العطاردي في شأن شعب جبلة[2]، و هو كرب بن صفوان؛ و ذلك أنه حين لم يرجع لهم قولا حين سألوه أن يقول، و رمى بصرّتين في إحداهما شوك، و الأخرى تراب، فقال قيس بن زهير: هذا رجل مأخوذ عليه ألا يتكلّم، و هو ينذركم عددا و شوكة[3].

قال اللّه عزّ و جلّ: وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [4].

618-[شعر في صفة الخيل و الجيش‏]

قال أبو نخيلة[5]: [من الرجز]

لما رأيت الدّين دينا يؤفك # و أمست القبة لا تستمسك‏

[1]الشكاء: جمع شكوة: و هي وعاء من أدم «القاموس: شكو» .

[2]شعب جبلة: من أيام العرب، و كان لبني عامر و عبس على أسد و ذبيان. العمدة 2/203، و الأغاني 11/131، و معجم البلدان 2/104 (جبلة) .

[3]ورد الخبر في الأغاني 11/139، و محاضرات الأدباء 1/143 (1/67) .

[4]7/الأنفال: 8.

[5]الرجز في طبقات ابن المعتز 64، و ديوان المعاني 2/116، و بلا نسبة في المخصص 7/55، و الجمهرة 798.

65

يفتق من أعراضها و يهتك # سرت من الباب فطار الدّكدك

منها الدّجوجيّ و منها الأرمك # كاللّيل إلاّ أنّها تحرّك‏

و قال منصور النّمري‏[1]: [من البسيط]

ليل من النّقع لا شمس و لا قمر # إلاّ جبينك و المذروبة الشّرع‏[2]

و قال آخر: [من السريع‏]

كأنّهم ليل إذا استنفروا # أو لجّة ليس لها ساحل‏

و قال العجاج‏[3]: [من الرجز]

كأنّما زهاؤه إذا جهر # ليل و رزّ وغره إذا وغر

سار سرى من قبل العين فجر

و في هذا الباب و ليس منه يقول بشّار[4]: [من الطويل‏]

كأنّ مثار النّقع فوق رءوسهم # و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه‏

و قال كلثوم بن عمرو[5]: [من البسيط]

تبني سنابكهم من فوق أرؤسهم # سقفا كواكبه البيض المباتير

و هذا المعنى قد غلب عليه بشّار، كما غلب عنترة على قوله‏[6]: [من الكامل‏]

فترى الذّباب بها يغنّي وحده # هزجا كفعل الشّارب المترنّم

غردا يحكّ ذراعه بذراعه # فعل المكبّ على الزّناد الأجذم‏

فلو أنّ امرأ القيس عرض في هذا المعنى لعنترة لافتضح.

[1]ديوان منصور النمري 101، و ديوان المعاني 2/67، و الأغاني 13/196، و أخبار أبي تمام 18، و معاهد التنصيص 1/143.

[2]المذروبة: المحددة «القاموس: ذرب» الشرع: المشروعة، و المراد بها السيوف.

[3]ديوان العجاج 1/26-27 (السطلي) ، 75 (عزة حسن) ، و ديوان المعاني 2/71، و البيتان (1 -2) في اللسان (زها، لها) ، و التاج (لها) ، و الجمهرة 468، و المجمل 1/465، و التهذيب 6/49، 374، و العين 3/389، و بلا نسبة في اللسان و التاج (جهر، وغر) ، و المقاييس 1/487، و المخصص 6/202، و البيت الثالث في المخصص 16/185، و أساس البلاغة (عيط) .

[4]ديوان بشار 1/318، و الأغاني 3/196، و ديوان المعاني 2/67، و الحماسة البصرية 1/8، و طبقات ابن المعتز 26، و أخبار أبي تمام 18، و الوساطة 313، و عيون الأخبار 2/190.

[5]البيت في أخبار أبي تمام 19، و المختار من شعر بشار 1، و الصناعتين 190.

[6]البيتان من معلقة عنترة في ديوانه 19، و البيان و التبيين 3/326، و الأول في أساس البلاغة (هزج) ، و الثاني في اللسان و التاج (قدح) ، و التهذيب 4/33، 8/70.

66

619-[مقطعات شتى‏]

و قال بعضهم في غير هذا المعنى: [من الخفيف‏]

و فلاة كأنّما اشتمل اللّيـ # ل على ركبها بأبناء حام

خضت فيها إلى الخليفة بالرّ # قّة بحري ظهيرة و ظلام‏

و قال العرجيّ‏[1]: [من البسيط]

سمّيتني خلقا بخلّة قدمت # و لا جديد إذا لم يلبس الخلق

يا أيها المتحلّي غير شيمته # و من خلائقه الإقصاد و الملق

ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه # إن التّخلق يأتي دونه الخلق‏

و قال آخر[2]: [من الكامل‏]

أودى الخيار من المعاشر كلهم # و استبّ بعدك يا كليب المجلس

و تنازعوا في كلّ أمر عظيمة # لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا

و أبيات أبي نواس على أنه مولّد شاطر، أشعر من شعر مهلهل في إطراق النّاس في مجلس كليب، و هو قوله‏[3]: [من الطويل‏]

على خبز إسماعيل واقية البخل # و قد حلّ في دار الأمان من الأكل

و ما خبزه إلاّ كآوى يرى ابنها # و لم تر آوى في الحزون و لا السّهل

و ما خبزه إلاّ كعنقاء مغرب # تصوّر في بسط الملوك و في المثل

يحدث عنها النّاس من غير رؤية # سوى صورة ما أن تمرّ و لا تحلي

و ما خبزه إلاّ كليب بن وائل # ليالي يحمي عزّه منبت البقل‏

[1]الأبيات للعرجي في ديوانه 33، و الشعر و الشعراء 365-366 (ليدن) ، و العقد الفريد 33، و زهر الآداب 124-125 (طبعة مبارك) ، و الأبيات لسالم بن وابصة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 710، و البيان 1/233، و نوادر أبي زيد 181، و الكامل 1/11 (طبعة المعارف) ، و الثاني له في اللسان و التاج (خلق) ، و الأبيات بلا نسبة في مجالس ثعلب 248، و الثالث بلا نسبة في عيون الأخبار 2/6.

[2]البيتان لمهلهل بن ربيعة في أمالي القالي 1/95، و السمط 298-299، و ثمار القلوب (191) ، و ديوان المعاني 2/176، و الحماسة البصرية 1/234، و مجالس ثعلب 38، 584- 585، و مجمع الأمثال 2/42، و المستقصى 1/247، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/385.

[3]ديوان أبي نواس 515، و ثمار القلوب 77 (192) ، و ديوان المعاني 1/203-204، و القصيدة في هجاء إسماعيل النيبختي، انظر البخلاء 72.

67

و إذ هو لا يستبّ خصمان عنده # و لا القول مرفوع بجد و لا هزل

فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي # أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل

و لكن قضاء ليس يسطاع دفعه # بحيلة ذي دهي و لا فكر ذي عقل‏

620-[الأعراب أشعر من أهل الأمصار]

و القضية التي لا أحتشم منها، و لا أهاب الخصومة فيها: أنّ عامّة العرب و الأعراب و البدو و الحضر من سائر العرب، أشعر من عامّة شعراء الأمصار و القرى، من المولدة و النابتة. و ليس ذلك بواجب لهم في كلّ ما قالوه.

و قد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولّدين، و يستسقطون من رواها و لم أر ذلك قطّ إلاّ في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. و لو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان، و في أيّ زمان كان.

و أنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ و قد بلغ من استجادته لهذين البيتين، و نحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة و قرطاسا حتّى كتبهما له.

و أنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. و لو لا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا، و هما قوله‏[1]: [من السريع‏]

لا تحسبنّ الموت موت البلى # فإنّما الموت سؤال الرّجال

كلاهما موت و لكنّ ذا # أفظع من ذاك لذلّ السّؤال‏

621-[القول في المعنى و اللفظ]

و ذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى، و المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ و العربيّ، و البدويّ و القروي، و المدنيّ. و إنّما الشأن في إقامة الوزن، و تخيّر اللفظ، و سهولة المخرج، و كثرة الماء، و في صحّة الطبع و جودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، و ضرب من النّسج، و جنس من التّصوير.

و قد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشّعر؟قال: «الذي يجيئني لا أرضاه، و الذي أرضاه لا يجيئني» [2].

[1]البيان بلا نسبة في البيان و التبيين 2/171.

[2]نسب هذا القول إلى ابن المقفع في البيان و التبيين 1/208.

68

فأنا أستحسن هذا الكلام، كما أستحسن جواب الأعرابيّ حين قيل له: كيف تجدك؟قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، و أشتهي ما لا أجد[1]!

622-[شعر ابن المقفع‏]

و قيل لابن المقفّع: ما لك لا تجوز البيت و البيتين و الثلاثة!قال: إن جزتها عرفوا صاحبها. فقال له السائل: و ما عليك أن تعرف بالطّول الجياد؟!فعلم أنّه لم يفهم عنه.

623-[الفرق بين المولد و الأعرابي‏]

و نقول: إن الفرق بين المولّد و الأعرابي: أنّ المولّد يقول بنشاطه و جمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلّت قوّته، و اضطرب كلامه.

624-[شعر في تعظيم السادة]

و في شبيه بمعنى مهلهل و أبي نواس، في التّعظيم و الإطراق عند السّادة، يقول الشاعر في بعض بني مروان‏[2]: [من البسيط]

في كفّه خيزران ريحه عبق # في كفّ أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء و يغضى من مهابته # فما يكلّم إلاّ حين يبتسم

إن قال قال بما يهوى جميعهم # و إن تكلّم يوما ساخت الكلم

كم هاتف بك من داع و هاتفة # يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم‏

و قال أبو نواس في مثل ذلك‏[3]: [من المديد]

فترى السادات ماثلة # لسليل الشّمس من قمره

فهم شتّى ظنونهم # حذر المطويّ من خبره‏

[1]نسب هذا القول إلى أبي الدقيش في عيون الأخبار 3/49. و بلا نسبة في البيان و التبيين 1/210.

[2]الأبيات للفرزدق في ديوانه 2/179-180، و أمالي المرتضى 1/68، و له أو لكثير بن كثير السهمي في المؤتلف و المختلف 89، و للفرزدق أو لداود بن سلم أو للحزين الكناني في زهر الآداب 103-105 (طبعة مبارك) ، و الأغاني 15/337، و لهم جميعا أو للعين المنقري في العمدة 2/138، و للحزين في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1622، و بلا نسبة في البيان و التبيين 1/370، 3/41-42، و عيون الأخبار 1/294، 2/196.

[2]ديوان أبي نواس 431.

69

و قال إبراهيم بن هرمة في مديح المنصور، و هو شبيه بهذا و ليس منه‏[1]: [من الطويل‏]

له لحظات عن حفافي سريره # إذا كرّها فيها عقاب و نائل

فأمّ الذي أمّنت آمنة الرّدى # و أمّ الذي أو عدت بالثّكل ثاكل‏

625-[شعر في الحلف‏]

و قال مهلهل، و هو يقع في باب الحلف وكّد بعقد[2]: [من المنسرح‏]

ملنا على وائل و أفلتنا # يوما عديّ جريعة الذّقن‏[3]

دفعت عنه الرّماح مجتهدا # حفظا لحلفي و حلف ذي يمن

أذكر من عهدنا و عهدهم # عهدا وثيقا بمنحر البدن

ما بلّ بحر كفا بصوفتها[4] # و ما أناف الهضاب من حضن‏[5]

يزيده اللّيل و النّهار معا # شدّا، خراط الجموح في الشّطن‏[6]

626-[شعر في مصرع عمرو بن هند]

و قال جابر بن حنيّ التغلبيّ‏[7]: [من الطويل‏]

و لسنا كأقوام قريب محلهم # و لسنا كمن يرضيكم بالتملق

فسائل شرحبيلا بنا و محلّما # غداة نكرّ الخيل في كلّ خندق

لعمرك ما عمرو بن هند و قد دعا # لتخدم ليلى أمّه بموفّق‏

[1]ديوان ابن هرمة 168، و الحماسة البصرية 1/146، و عيون الأخبار 1/294، و ذيل الأمالي 41، و الأغاني 6/109، 111.

[2]البيت الأول في ثمار القلوب 511، و المستقصى 1/274، و اللسان (جرع) ، و التاج (فلت) .

[3]من الأمثال قولهم «أفلت فلان بجريعة الذقن» ، و هو مثل للمفلت من الهلاك بعد قربه منه. ثمار القلوب 511، و مجمع الأمثال 2/69، و المستقصى 1/274، و جمهرة الأمثال 1/115.

[4]من الأمثال في المستقصى 2/246 «ما بل بحر صوفة» ، و في مجمع الأمثال 2/230 «لا أفعل كذا ما بل بحر صوفة» . و صوف البحر: شي‏ء على شكل هذا الصوف الحيواني؛ واحده صوفه.

اللسان (صوف) .

[5]حضن: جبل بأعلى نجد، و هو أول حدود نجد، و أشهر جبالها، معجم البلدان 2/271 (حضن) .

[6]الخراط: الجماح «القاموس: خرط» . الشطن: الحبل «القاموس: شطن» .

[7]الأبيات (3-4-5) لأفنون التغلبي في الأغاني 11/55، و البيتان (1-2) في النقائص 886 -887، و الأول في الشعر و الشعراء 119، 249.

70

فقام ابن كلثوم إلى السّيف مغضبا # فأمسك من ندمانه بالمخنّق

و عممه عمدا على الرّأس ضربة # بذي شطب صافي الحديدة مخفق‏

627-[شعر في الأقارب‏]

و قال المتلمّس‏[1]: [من الطويل‏]

على كلّهم آسى و للأصل زلفة # فزحزح عن الأدنين أن يتصدّعوا

و قد كان إخواني كريما جوارهم # و لكنّ أصل العود من حيث ينزع‏

و قال المتلمس‏[2]: [من الطويل‏]

و لو غير أخوالي أرادوا نقيضتي # جعلت لهم فوق العرانين ميسما

و ما كنت إلاّ مثل قاطع كفّه # بكفّ له أخرى فأصبح أجذما

يداه أصابت هذه حتف هذه # فلم تجد الأخرى عليها مقدّما

فأطرق إطراق الشجاع و لو يرى # مساغا لنابيه الشجاع لصمّما

أ حارث إنا لو تساط دماؤنا # تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما

628-[تفسير كلمة لعمر بن الخطاب‏]

قال: و سألت عن قول عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لأبي مريم الحنفي:

و اللّه لأنا أشدّ بغضا لك من الأرض للدّم‏[3]!قال: لأنّ الدّم الجاري من كلّ شي‏ء بيّن، لا يغيض في الأرض؛ و متى جفّ و تجلّب ففرقته رأيت مكانه أبيض‏[4].

إلاّ إنّ صاحب المنطق قال في كتابه في الحيوان: كذلك الدّماء، إلاّ دم البعير.

629-[أشعار شتى‏]

و قال النّمر بن تولب‏[5]: [من الطويل‏]

إذا كنت في سعد، و أمّك منهم # غريبا فلا تغررك أمّك من سعد

[1]ديوان المتلمس 155، 160.

[2]ديوان المتلمس 29-34، و الأصمعيات 245-246، و الخزانة 10/59.

[3]في البيان و التبيين 2/89 «و اللّه لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح. قال: فتمنعني لذلك حقا؟قال: لا. قال: فلا ضير، إنما يأسف على الحب النساء» . و انظر الخبر في روايات مختلفة في البيان و التبيين 1/376، و عيون الأخبار 3/13 و الكامل 1/355 «طبعة المعارف» .

[4]في البيان 1/376 «و الأرض لا تنشف الدم المسفوح و لا تمصه، فمتى جف الدم و تجلّب لم تره أخذ من الأرض شيئا» .

[5]البيت للنمر بن تولب في ملحق ديوانه 397، و الحماسة البصرية 2/287، و عيون الأخبار 3/89، و الكامل 1/346 (المعارف) ، و المستقصى 1/260 لغسان بن وعلة في اللسان

71

و قال‏[1]: [من الطويل‏]

و إنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤه # إذا لم يزاحم خاله بأب جلد

و قال آخر[2]: [من الطويل‏]

تخيّره اللّه الغداة لدينه # على علمه و اللّه بالعلم أفرس‏

و قال آخر[3]: [من الطويل‏]

و ما ترك الهاجون لي في أديمكم # مصحّا و لكنّي أرى مترقّعا

و قال العجليّ، أو العكليّ، لنوح بن جرير: [من الكامل‏]

أ تسبّني فأراك مثلي سبّة # و أسبّ جدّكم بسبّ أبينا

و لقد أرى و المقتضى متجوّز # يا نوح أنّ أباك لا يوفينا

و قال عمرو بن معد يكرب‏[4]: [من الوافر]

إذا لم تستطع شيئا فدعه # و جاوزه إلى ما تستطيع

وصله بالزّماع فكلّ أمر # سما لك أو سموت له و لوع‏

و قال المقنّع الكنديّ‏[5]: [من البسيط]

و صاحب السّوء كالدّاء العياء إذا # ما ارفضّ في الجوف يجري هاهنا و هنا

ينبي و يخبر عن عورات صاحبه # و ما رأى عنده من صالح دفنا

كمهر سوء إذا رفّعت سيرته # رام الجماع و إن خفّضته حرنا

إن يحي ذاك فكن منه بمعزلة # أو مات ذاك فلا تعرف له جننا

- التاج (شطر) ، و شرح ديوان الحماسة 1/172، و محاضرات الراغب 1/177، و للنمر أو لضمرة ابن ضمرة في اللسان و التاج (كيس) ، و لدريد بن الصمة في نظام الغريب 38.

[1]البيت في المصادر السابقة، و بلا نسبة في المخصص 13/161، و أساس البلاغة (صفا) ، و التهذيب 8/159.

[2]البيت للبعيث في أساس البلاغة (فرس) .

[3]البيت للبعيث في التاج (رقع) ، و بلا نسبة في اللسان (رقع) ، و المقاييس 2/429، و أساس البلاغة (رقع) .

[4]ديوان عمرو بن معدي كرب 145، و الأصمعيات 175، و التاج (زمع، طوع، ودع) ، و الأغاني 15/207، 225، 236، و الحماسة البصرية 1/33.

[5]ديوان المقنع الكندي 215، و هي لرافع بن هريم في أمالي القالي 2/182، و للمثقب العبدي في بهجة المجالس 1/722.

72

باب ذكر خصال الحرم‏

[1]

630-[خصال الحرم‏]

فمن خصاله: أنّ الذّئب يصيد الظّبي و يريغه و يعارضه، فإذا دخل الحرم كفّ عنه‏[2].

و من خصاله: أنّه لا يسقط على الكعبة حمام إلاّ و هو عليل. يعرف ذلك متى امتحن و تعرّفت حاله‏[3]. و لا يسقط عليها ما دام صحيحا.

و من خصاله: أنّه إذا حاذى أعلى الكعبة عرقة من الطّير كاليمام و غيره، انفرقت فرقتين و لم يعلها طائر منها[4].

و من خصاله‏[5]: أنّه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق، كان الخصب و المطر في تلك السّنة في شقّ العراق، و إذا أصاب الذي من شقّ الشّام كان الخصب و المطر في تلك السّنة في شقّ الشام. و إذا عمّ جوانب البيت كان المطر و الخصب عامّا في سائر البلدان.

و من خصال الحرم‏[6]: أنّ حصى الجمار يرمى بها في ذلك المرمى، مذ يوم حجّ النّاس البيت على طوال الدّهر، ثمّ كأنّه على مقدار واحد. و لو لا موضع الآية و العلامة و الأعجوبة التي فيها، لقد كان ذلك كالجبال. هذا من غير أن تكسحه السّيول، و يأخذ منه النّاس.

[1]ربيع الأبرار 1/300-301.

[2]ثمار القلوب 13 (67) ، و محاضرات الأدباء 2/263.

[3]في ثمار القلوب «يعرف ذلك من امتحن و تعرف حاله» .

[4]ثمار القلوب 13 (67) .

[5]ثمار القلوب 13 (67) ، و عيون الأخبار 1/222.

[6]انظر الحاشية السابقة.

73

و من سنّتهم‏[1]: أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك على من علاها، و لا يجمعون بين عزّ علوّها و ذلة الملك.

و بمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ.

و كانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا؛ تعظيما للكعبة[2]. و العرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة، و منه: كعبة نجران‏[3]. و كان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزّى.

ثمّ البركة و الشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر و كثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلاّ أتاها، و أقام عندها، و شرب منها، و استنقع فيها[4].

هذا مع شأن الفيل، و الطّير الأبابيل، و الحجارة السّجّيل، و أنّها لم تزل أمنا و لقاحا[5]، لا تؤدّي إتاوة، و لا تدين للملوك، و لذلك سمّي البيت العتيق؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد.

و قال حرب بن أميّة في ذلك‏[6]: [من الوافر]

أبا مطر هلمّ إلى صلاح # فتكفيك النّدامى من قريش

فتأمن وسطهم و تعيش فيهم # أبا مطر هديت لخير عيش

و تنزل بلدة عزّت قديما # و تأمن أن يزروك ربّ جيش‏

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى [7]و قال عزّ و جلّ، حكاية عن إبراهيم: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [8].

[1]انظر الحاشية السابقة.

[2]ثمار القلوب (66) .

[3]نجران: أقدم بلاد اليمن، و كانت لها كعبة تحجّ فخرّبت و بطلت. و ضرب بها المثل في الخراب و زوال الدولة. انظر ثمار القلوب (751) ، و معجم البلدان 5/268.

[4]انظر ثمار القلوب (804-805) .

[5]اللقاح: الذي ليس في سلطان ملك. الكامل 2/306 (طبعة المعارف) .

[6]الأبيات في معجم البلدان 3/419 (صلاح) ، و الكامل 2/306، و اللسان و التاج و أساس البلاغة و عمدة الحفاظ (صلح) ، و ما بنته العرب على فعال 18، و الأول في التنبيه و الإيضاح 1/253، و هو بلا نسبة في المخصص 13/181، و الجمهرة 543.

[7]125/البقرة: 2.

[8]37/إبراهيم: 14.

74

631-[خصال المدينة]

[1] و المدينة هي طيبة، و لطيبها قيل تلفظ خبثها و ينصع طيبها. و في ريح ترابها و بنّة تربتها، و عرف ترابها و نسيم هوائها، و النعمة التي توجد في سككها و في حيطانها-دليل على أنّها جعلت آية حين جعلت حرما.

و كلّ من خرج من منزل مطيّب إلى استنشاق ريح الهواء و التّربة في كل بلدة فإنّه لا بدّ عند الاستنشاق و التثبّت من أن يجدها منتنة. فذلك على طبقات من شأن البلدان، إلاّ ما كان في مدينة الرّسول، رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فللصّيّاح‏[2]و العطر و البخور و النضوح، من الرائحة الطيبة-إذا كان فيها-أضعاف ما يوجد له في غيرها من البلدان، و إن كان الصّيّاح أجود، و العطر أفخر، و البخور أثمن.

632-[بعض البلدان الرديئة]

و ربّت بلدة يستحيل فيها العطر و تذهب رائحته، كقصبة الأهواز.

و قد كان الرشيد همّ بالإقامة بأنطاكية[3]، و كره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم، و صدقه: يا أمير المؤمنين، ليست من بلادك، و لا بلاد مثلك، لأنّ الطّيب الفاخر يتغيّر فيها حتّى لا ينتفع منه بكثير شي‏ء، و السّلاح يصدأ فيها و لو كان من قلعة الهند[4]، و من طبع اليمن، و مطرها ربّما أقام شهرين، ليس فيه سكون. فلم يقم بها.

ثمّ ذكر المدينة فقال‏[5]: و إنّ الجويرية السّوداء، لتجعل في رأسها شيئا من بلح، و شيئا من نصوح، مما لا قيمة له؛ لهوانه على أهله، فتجد لذلك خمرة طيّبة و طيب رائحة لا يعدلها بيت عروس من ذوي الأقدار. حتّى إنّ النّوى المنقع، الذي يكون عند أهل العراق في غاية النّتن، إذا طال إنقاعه، يكون عندهم في غاية الطّيب.

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

[1]ثمار القلوب (790-791) ، و رسائل الجاحظ 4/130، و لطائف المعارف 155.

[2]الصياح: العطر «القاموس: صيح» .

[3]ورد الخبر في معجم البلدان 1/268 (أنطاكية) .

[4]قلعة الهند: قلعة عظيمة ببلدة «كله» و هي أول بلاد الهند من جهة الصين، فيها الرصاص القلعي لا يكون إلا في قلعتها، و في هذه القلعة تضرب السيوف القلعية؛ و هي الهندية العتيقة. معجم البلدان 4/389 (الصين) ، و انظر أيضا 3/445 «الصين» حيث ذكر الخبر نفسه.

[5]ثمار القلوب 436 (790) .

75

باب ذكر الحمام‏

633-[أجناس الحمام‏]

قال صاحب الحمام: الحمام وحشيّ، و أهليّ، و بيوتيّ، و طوراني‏[1]. و كلّ طائر يعرف بالزّواج، و بحسن الصّوت، و الهديل، و الدّعاء، و الترجيع فهو حمام، و إن خالف بعضه بعضا في بعض الصّوت و اللّون، و في بعض القدّ. و لحن الهديل. و كذلك تختلف أجناس الدّجاج على مثل ذلك و لا يخرجها ذلك من أن تكون دجاجا:

كالدّيك الهندي و الخلاسيّ‏[2]و النّبطيّ، و كالدّجاج السّنديّ و الزنجيّ و غير ذلك.

و كذلك الإبل: كالعراب و البخت، و الفوالج، و البهونيّات‏[3]و الصّرصرانيّات‏[4]، و الحوش، و النّجب، و غير ذلك من فحول الإبل؛ و لا يخرجها ذلك من أن تكون إبلا.

و ما ذاك إلاّ مخالفة الجرذان و الفأر، و النّمل و الذّر، و كاختلاف الضّأن و المعز، و أجناس البقر الأهليّة و البقر الوحشيّة، و كقرابة ما بينهما و بين الجواميس.

و قد تختلف الحيّات و العقارب بضروب الاختلاف، و لا يخرجها ذلك من أن تكون عقارب و حيّات، و كذلك الكلاب، و الغربان.

و حسبك بتفاوت ما بين النّاس: كالزّنج و الصقالبة، في الشّعور و الألوان، و كيأجوج و مأجوج، و عاد و ثمود، و مثل الكنعانيّين و العمالقة.

فقد تخالف الماعزة الضائنة حتّى لا يقع بينهما تسافد و لا تلاقح. و هي في ذلك غنم و شاء.

قال: و القمريّ حمام، و الفاختة حمام، و الورشان حمام. و الشّفنين حمام، و كذلك [1]الطوراني: نسبة إلى جبل طور «القاموس: طور» ، و في معجم البلدان 4/24 «طرآن» : (و طرآن جبل فيه حمام كثير؛ إليه ينسب الحمام الطرآني، و العامة تقول طوراني و هو خطأ) .

[2]الخلاسي: الديك بين دجاجتين هندية و فارسية «القاموس: خلس» .

[3]البهونية من الإبل: ما بين الكرمانية و العربية «القاموس: بهن» .

[4]الصرصرانيات من الإبل: ما بين البخاتي «الخراسانية» و العراب «القاموس: صرّ» .

76

اليمام و اليعقوب. و ضروب أخرى كلها حمام. و مفاخرها التي فيها ترجع إلى الحمام التي لا تعرف إلاّ بهذا الاسم.

قال‏[1]: و قد زعم أفليمون (صاحب الفراسة) أنّ الحمام يتّخذ لضروب: منها ما يتخذ للأنس و النساء و البيوت، و منا ما يتخذ للزّجال و السباق.

و الزّجال: إرسال الحمام الهوادي‏

634-[مناقب الحمام‏]

و من مناقب الحمام حبّه للناس، و أنس الناس به، و أنّك لم تر حيوانا قطّ أعدل موضعا، و لا أقصد مرتبة من الحمام. و أسفل النّاس لا يكون دون أن يتّخذها، و أرفع الناس لا يكون فوق أن يتّخذها. و هي شي‏ء يتّخذه ما بين الحجّام إلى الملك الهمام.

و الحمام مع عموم شهوة النّاس له، ليس شي‏ء مما يتّخذونه هم أشدّ شغفا به و لا أشدّ صبابة منهم بالحمام، ثمّ تجد ذلك في الخصيان كما تجده في الفحول، و تجده في الصّبيان كما تجده في الرّجال، و تجده في الفتيان كما تجده في الشيوخ، و تجده في النساء كما تجده في الرّجال.

و الحمام من الطّير الميامين، و ليس من الحيوان الذي تظهر له عورة و حجم قضيب كالكلب و الحمار و أشباه ذلك، فيكون ذلك مما يكون يجب على الرّجال ألاّ يدخلوه دورهم.

635-[الحمام ملقّى‏]

قال مثنّى بن زهير: و من العجب أنّ الحمام ملقّى، و السّكران موقّى، فأنشده ابن يسير بيت الخريميّ‏[2]: [من الطويل‏]

و أعددته ذخرا لكلّ ملمّة # و سهم المنايا بالذّخائر مولع‏

636-[شرب الحمام‏]

و متى رأى إنسان عطشان الدّيك و الدّجاجة يشربان الماء، و رأى ذئبا و كلبا يلطعان الماء لطعا، ذهب عطشه من قبح حسو الديك نغبة نغبة و من لطع الكلب.

[1]نهاية الأرب 10/257.

[2]ديوان الخريمي 43، و البيان و التبيين 1/406، و نهاية الأرب 3/87، و الكامل 2/303 (طبعة المعارف) .

77

و إنّه ليرى الحمام و هو يشرب الماء!و هو ريّان فيشتهي أن يكرع في ذلك الماء معه.

637-[صدق رغبة الحمام في النّسل‏]

[1] و الدّيك و الكلب في طلب السّفاد و في طلب الذّرء كما قال أبو الأخزر الحمّانيّ: [من السريع‏]

لا مبتغي الضّن‏ء و لا بالعازل‏

و الحمام أكثر معانيه الذّرء و طلب الولد. فإذا علم الذّكر أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد تقدّما في إعداد العشّ، و نقل القصب و شقق الخوص، و أشباه ذلك من العيدان الخوّارة الدّقاق حتى يعملا أفحوصة و ينسجاها نسجا مداخلا، و في الموضع الذي قد رضياه اتخذاه و اصطنعاه، بقدر جثمان الحمامة، ثمّ أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة؛ لتحفظ البيض و تمنعه من التّدحرج، و لتلزم كنفي الجؤجؤ و لتكون رفدا لصاحب الحضن، و سدا للبيض، ثمّ يتعاوران ذلك المكان و يتعاقبان ذلك القرموص و تلك الأفحوصة، يسخّنانها و يدفّيانها و يطيّبانها، و ينفيان عنها طباعها الأوّل، و يحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما، و مستخرجة من رائحة أبدانهما و قواهما الفاصلة منهما؛ لكي تقع البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام، مع الحضانة و الوثارة؛ لكي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، و لئلا ينكر طباعها طباع المكان، و ليكون على مقدار من البرد و السّخانة و الرّخاوة و الصّلابة. ثمّ إن ضربها المخاض و طرّقت‏[2] ببيضتها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدّته، و تحاملت إلى المكان الذي اتّخذته و صنعته، إلاّ أن يقرّعها رعد قاصف، أو ريح عاصف فإنّها ربّما رمت بها دون كنّها و ظل عشها، و بغير موضعها الذي اختارته. و الرّعد ربما مرق‏[3]عنده البيض و فسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع، و يموت جنينها من الرّوع.

638-[عناية الحمام بالبيض‏]

و إذا وضعت البيض في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن و يتعاورانه، حتّى إذا بلغ ذلك البيض مداه و انتهت أيّامه، و تمّ ميقاته الذي وظّفه خالقه، و دبّره [1]نهاية الأرب 10/271.

[2]طرّقت: حان خروج بيضها «القاموس: طرق» .

[3]مرقت البيضة: فسدت فصارت ماء «القاموس: مرق» .

78

صاحبه، انصدع البيض عن الفرخ، فخرج عاري الجلد، صغير الجناح، قليل الحيلة، منسدّ الحلقوم. فيعينانه على خلاصه من قيضه‏[1]و ترويحه من ضيق هوّته‏[2].

639-[عناية الحمام بالفراخ‏]

و هما يعلمان أن الفرخين لا تتّسع حلوقهما و حواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما عند ذلك همّ إلاّ أن ينفخا في حلوقهما الريح، لتتسع الحوصلة بعد التحامها، و تنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أنّ الفرخ و إن اتّسعت حوصلته شيئا، أنّه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ عند ذلك باللّعاب المختلط بقواهما و قوى الطعم-و هم يسمّون ذلك اللّعاب اللّباء-ثم يعلمان أنّ طبع حوصلته يرق عن استمراء الغذاء و هضم الطّعم، و أنّ الحوصلة تحتاج إلى دبغ و تقوية، و تحتاج إلى أن يكون لها بعض المتانة و الصلابة، فيأكلن من شورج أصول الحيطان، و هو شي‏ء بين الملح الخالص و بين التّراب الملح، فيزقّان الفرخ حتّى إذا علما أنّه قد اندبغ و اشتدّ زقّاه بالحبّ الذي قد غبّ في حواصلهما ثم زقّاه بعد ذلك بالحبّ الذي هو أقوى و أطرى‏[3]. فلا يزلان يزقّانه بالحبّ و الماء على مقدار قوّته و مبلغ طاقته، و هو يطلب ذلك منهما، و يبضّ‏[4]نحوهما؛ حتى إذا علما أنّه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط فيتعوّده، حتى إذا علما أن أداته قد تمّت، و أن أسبابه قد اجتمعت و أنّهما إن فطماه فطما مقطوعا مجذوذا قوي على اللّقط، و بلغ لنفسه منتهى حاجته -ضرباه إذا سألهما الكفاية، و نفياه متى رجع إليهما ثمّ تنزع عنهما تلك الرحمة العجيبة منهما له، و ينسيان ذلك العطف المتمكّن عليه، و يذهلان عن تلك الأثرة له، و الكدّ المضني من الغدوّ عليه، و الرّواح إليه، ثم يبتديان العمل ابتداء ثانيا، على ذلك النظام و على تلك المقدّمات.

فسبحان من عرّفهما و ألهمهما، و هداهما، و جعلهما دلالة لمن استدلّ، و مخبرا صادقا لمن استخبر، ذلكم اللّه رب العالمين.

640-[حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان‏]

و ما أعجب حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان، و كيف تتصرّف به [1]القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة «القاموس: قيض» .

[2]الهوّة: الكوة، و هي الخرق في الحائط، و الثقب في البيت «القاموس: الهوة، الكوة» .

[3]عيون الأخبار 2/91.

[4]البضّ: أن يسأل عن الحاجة فيتمطق بشفتيه «القاموس: بض» .

79

الحالات، و تختلف في أجناسه الوجوه: فمنها ما يكون مثل زق الحمام لفرخه، و الزقّ في معنى القي‏ء أو في معنى التقيؤ و ليس بهما؛ و جرّة البعير و الشاة و البقرة في معنى ذلك، و ليس به. و البعير يريد أن يعود في خضمه‏[1]الأوّل و استقصاء طعمه. و ربّما كانت الجرّة رجيعا. و الرّجيع: أن يعود على ما قد أعاد عليه مرّة حتّى ينزعه من جوفه، و يقلبه عن جهته.

641-[زقّ الحمام‏]

و الحمام يخرجه من حوصلته و من مستكنّه و قراره، و موضع حاجته و استمرائه، بالأثرة و البرّ، إلى حوصلة ولده. قد ملك ذلك و طابت به نفسه و لم تغنث عليه نفسه و لم يتقذّر من صنيعه، و لم تخبث نفسه، و لم تتغيّر شهوته. و لعلّ لذّته في إخراجه أن تكون كلذّته في إدخاله، و إنما اللذة في مثل هذا بالمجاري، كنحو ما يعتري مجرى النّطفة من استلذاذ مرور النّطفة، فهذا شأن قلب الحمام ما في جوفه، و إخراجه بعد إدخاله. و التمساح يخرجه على أنّه رجعه و نجوه الذي لا مخرج له و لا فرج له في سواه.

642-[طبيعة الإنسان و الحيوان في الطعام‏]

و قد يعتري ذلك الإنسان لما يعرض من الدّاء، فلا يعرف إلاّ الأكل و القي‏ء، و لا يعرف النّجو إلاّ في الحين على بعض الشّدّة. و ليس ما عرض بسبب آفة كالذي يخرج على أصل تركيب الطبيعة.

و السّنّور و الكلب على خلاف ذلك كلّه، لأنهما يخرجانه بعارض يعرض لهما من خبث النّفس، و من الفساد، و من التّثوير و الانقباض ثمّ يعودان بعد ذلك فيه من ساعتهما، مشتهيين له، حريصين عليه.

و الإنسان إذا ذرعه ذلك لم يكن شي‏ء أبغض إليه منه، و ربّما استقاء و تكلّف ذلك لبعض الأمر. و ليس التكلف في هذا الباب إلاّ له.

و ذوات الكروش كلها تقعص بجرّتها، فإذا أجادت مضغه أعادته، و الجرّة هي الفرث، و أشدّ من ذلك أن تكون رجيعا، فهي تجيد مضغها و إعادتها إلى مكانها، إلاّ أنّ ذلك ممّا لا يجوز أفواهها. و ليس عند الحافر من ذلك قليل و لا كثير، بوجه من الوجوه.

[1]الخضم: الأكل بأقصى الأضراس «القاموس: خضم» .

80

و قد يعتري سباع الطير شبيه بالقي‏ء، و هو الذي يسمّونه «الزّمّج» [1]. و بعض السّمك يقي‏ء قيئا ذريعا، كالبال‏[2]، فإنّه ربّما دسع الدّسعة، فتلقى بعض المراكب، فيلقون من ذلك شدّة. و الناقة الضجور ربّما دسعت بجرّتها في وجه الذي يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشدّ الأذى. و معلوم أنّها تفعل ذلك على عمد.

فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، و لذوات الكروش من الظّلف و الخفّ في ذلك مذهب، و لذوات الأنياب في ذلك مذهب، و للسّمك و التمساح الذي يشبه السّمك في ذلك مذهب.

و يزعمون أن جوف التمساح إن هو إلاّ معاليق فيه، و أنه في صورة الجراب، مفتوح الفم، مسدود الدّبر، و لم أحقّ ذلك، و ما أكثر من لا يعرف الحال فيه.

643-[القوة التناسلية لدى الحمام‏]

ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، و بعد أن نزعت الرحمة منه، و ذلك أنّه يبتدئ الذّكر الدّعاء و الطرد، و تبتدئ الأنثى بالتأتّي و الاستدعاء، ثمّ تزيف و تتشكّل، ثمّ تمكّن و تمنع، و تجيب و تصدف بوجهها، ثم يتعاشقان و يتطاوعان، و يحدث لهما من التغزّل و التفتّل و من السّوف و القبل، و من المصّ و الرّشف، و من التنفّخ و التنفّج، و من الخيلاء و الكبرياء، و من إعطاء التقبيل حقه، و من إدخال الفم في الفم، و ذلك من التطاعم، و هي المطاعمة. و قال الشاعر[3]: [من البسيط]

لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها # إلاّ تطاول غصن الجيد بالجيد

كما تطاعم في خضراء ناعمة # مطوّقان أصاخا بعد تغريد

هذا مع إرسالها جناحيها و كفّيها على الأرض، و مع تدرعها و تبعّلها و مع تصاوله و تطاوله، و مع تنفّجه و تنفّخه، مع ما يعتريه مع الحكة و التفلّي و التنفّش حتّى تراه و قد رمى فيه بمثله.

ثمّ الذي ترى من كسحه بذنبه، و ارتفاعه بصدره، و من ضربه بجناحه، و من [1]الزمج: طائر دون العقاب حمرته غالبة، يصيد به الملوك الطير. حياة الحيوان 1/538.

[2]البال: حوت عظيم، جناحه كالشراع الظيم. و أهل المراكب يخافون منها أعظم خوف. حياة الحيوان 1/159.

[3]البيتان بلا نسبة في اللسان و التاج (طعم) ، و الثاني في أساس البلاغة (طعم) ، و التهذيب 2/192، و تقدم البيتان في الفقرة (566) ، مع بيت ثالث.

81

فرحه و مرحه بعد قمطه و الفراغ من شهوته، ثمّ يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر فيه أنكح النّاس.

و تلك الخصلة يفوق بها جميع الحيوان، لأنّ الإنسان الذي هو أكثر الخلق في قوّة الشهوة، و في دوامها في جميع السّنة، و أرغب الحيوان في التصنّع و التغزل، و التشكّل‏[1]و التفتّل أفتر ما يكون إذا فرغ، و عندها يركبه الفتور، و يحبّ فراق الزّوج، إلى أن يعود إلى نشاطه، و ترجع إليه قوّته.

و الحمام أنشط ما يكون و أفرح، و أقوى ما يكون و أمرح، مع الزّهو و الشكل، و اللهو و الجذل، أبرد ما يكون الإنسان و أفتره، و أقطع ما يكون و أقصره.

هذا، و في الإنسان ضروب من القوى: أحدها فضل الشّهوة، و الأخرى دوام الشهوة في جميع الدّهر، و الأخرى قوة التصنّع و التكلف، و أنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته و هذه فضيلة لا ينكرها أحد، و مزيّة لا يجحدها أحد!!

644-[الشبق المفرط في البغال‏]

و يقال: إنّ النّاس لم يجدوا مثل نشاط الحمام في وقت فترة الإنسان إلاّ ما وجدوه في البغال؛ فإنّ البغال تحمل أثقالا عشيّة، فتسير بقيّة يومها و سواد ليلتها، و صدر نهار غدها، حتّى إذا حطّوا عن جميع ما كان محمّلا من أصناف الدواب أحمالها، لم يكن لشي‏ء منها همّة، و لا لمن ركبها من النّاس إلاّ المراغة[2]و الماء و العلف، و للإنسان الاستلقاء و رفع الرّجلين و الغمز و التأوّه، إلاّ البغال فإنها في وقت إعياء جميع الدواب و شدّة كلالها، و شغلها بأنفسها ممّا مرّ عليها، ليس عليها عمل إلاّ أن تدلي أيورها و تشظّ[3]و تضرب بها بطونها؛ و تحطها و ترفعها. و في ذلك الوقت لو رأى المكاري امرأة حسناء لما انتشر لها و لا همّ بها. و لو كان منعظا ثم اعتراه بعض ذلك الإعياء لنسي الإنعاظ[4].

و هذه خصلة تخالف فيها البغال جميع الحيوان، و تزعم العملة[5]أنّها تلتمس [1]الشكل: الغنج و الدلاب «القاموس: شكل» .

[2]تمرغ في التراب: تقلّب فيه، و الاسم منه المراغة «القاموس: مرغ» .

[3]تشظ: تنعظ «القاموس: شظ» .

[4]انظر مثل هذا الخبر في رسائل الجاحظ 2/324.

[5]العملة: العمال. ـ

82

بذلك الرّاحة و تتداوى به. فليس العجب-إن كان ذلك حقّا-إلاّ في إمكان ذلك لها في ذلك الوقت، و ذلك لا يكون إلاّ عن شهوة و شبق مفرط.

645-[نشاط الأتراك‏]

و شبه آخر و شكل من ذلك، كالذي يوجد عند الأتراك عند بلوغ المنزل بعد مسير اللّيل كلّه و بعض النّهار، فإن النّاس في ذلك الوقت ليس لهم إلاّ أن يتمددوا و يقيّدوا دوابّهم. و التركي في ذلك الوقت إذا عاين ظبيا أو بعض الصّيد، ابتدأ الرّكض بمثل نشاطه قبل أن يسير ذلك السير، و ذلك وقت يهمّ فيه الخارجيّ و الخصيّ أنفسهما؛ فإنّهما المذكوران بالصّبر على ظهر الدّابّة.

646-[فطام البهائم أولادها]

و ليس في الأرض بهيمة تفطم ولدها عن اللّبن دفعة واحدة، بل تجد الظّبية أو البقرة أو الأتان أو الناقة، إذا ظنت أنّ ولدها قد أطاق الأكل منعته بعض المنع، ثمّ لا تزل تنزّل ذلك المنع و ترتبه و تدرّجه، حتّى إذا علمت أنّ به غنّى عنها إن هي فطمته فطاما لا رجعة فيه، منعته كلّ المنع.

و العرب تسمّي هذا التّدبير من البهائم التّعفير، و لذلك قال لبيد[1]: [من الكامل‏]

لمعفّر قهد تنازع شلوه # غبس كواسب ما يمنّ طعامها

و على مثل هذه السّيرة و العادة يكون عمل الحمام في فراخه.

647-[من عجيب أمر الحمام‏]

و من عجيب أمر الحمام أنّه يقلب بيضه، حتى يصير الذي كان منه يلي الأرض يلي بدن الحمام من بطنه و باطن جناحه، حتّى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن، و من مسّ الأرض، لعلمها أن خلاف ذلك العمل يفسده.

و خصلة أخرى محمودة في الحمام، و ذلك أنّ البغل المتولّد بين الحمار و الرّمكة لا يبقى له نسل، و الرّاعبي المتولّد فيما بين الحمام و الورشان، يكثر نسله و يطول عمر ولده. و البخت و الفوالج، إن ضرب بعضها بعضا خرج الولد منقوص [1]ديوان لبيد 308، و اللسان و التاج (قهد، عفر، منن) ، و التهذيب 6/57، 13/348، و المقاييس 4/67، و المجمل 3/384، و ديوان الأدب 1/104، 3/135، و كتاب الجيم 3/116.

83

الخلق لا خير فيه. و الحمام كيفما أدرته، و كيفما زاوجت بين متّفقها و مختلفها، يكون الولد تامّ الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي و الورداني. و على أنّ للورداني غرابة لون و ظرافة قد، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن و الفراخ، و له من الهديل و القرقرة ما ليس لأبويه، حتّى صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه، و علّة للحرص على اتّخاذه.

و الغنم على قسمين: ضأن و معز، و البقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش. و الظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد و لا تلاقح، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال و الإلقاح، و اتّساع الأرحام لأصناف القبول. و على أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، و القماريّ، و الفواخت، تسافدا و تلاقحا.

648-[مما أشبه فيه الحمام الناس‏]

و ممّا أشبّه فيه الحمام النّاس، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، و إنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا، و الأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه و تمرّضه، و تتعهده بالتمهيد و التّحريك. حتّى إذا ذهب الحضن و انصرم وقته، و صار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطّعام و الشّراب، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى.

و ممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير و هو إمام النّاس في البصرة بالحمام و كان جيّد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير-و اسم الخارجيّ عندهم: المجهول-و عالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة و سوء الهداية. و قد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين و يندب ابن خوزيّ‏[1]من نبطيّة. و إنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر، و السّقوط في أولاد السفلة أعمّ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلاّ السفلة و العلية لا تلد إلاّ العلية، و قد يلد المجنون العاقل و السخيّ البخيل، و الجميل القبيح.

و قد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، و أعمامها، و إخوتها، فإنها لا تخطئ الشّبه بواحد منهم!و إن كان هذا الموصي و الحكيم، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول، و إن كان ذهب إلى التّخويف و الزّجر و الترهيب كي يختار لنفسه، و لأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن.

[1]الخوزي: نسبة إلى خوزستان.

84

و قال مثنّى بن زهير[1]: لم أر قطّ في رجل و امرأة إلاّ و قد رأيت مثله في الذّكر و الأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلاّ ذكرها، كالمرأة لا تريد إلاّ زوجها و سيّدها، و رأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، و رأيت امرأة لا تمنع يد لامس، و رأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد و شدة طلب، و رأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، و رأيت من النساء كذلك، و رأيت حمامة لها زوج و هي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، و رأيت مثل ذلك من النساء، و رأيتها تزيف لغير ذكرها و ذكرها يراها، و رأيتها لا تفعل ذلك إلاّ و ذكرها يطير أو يحضن، و رأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، و رأيت الحمامة تقمط الحمامة، و رأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، و رأيت أخرى تقمط الإناث فقط، و لا تدع أنثى تقمطها.

قال: و رأيت ذكرا يقمط الذّكورة و تقمطه؛ و رأيت ذكرا يقمطها و لا يدعها تقمطه، و رأيت أنثى تزيف للذّكورة و لا تدع شيئا منها يقمطها.

قال: و رأيت هذه الأصناف كلّها في السّحاقات من المذكّرات و المؤنثات، و في الرّجال الحلقيّين‏[2]و اللّوطيّين. و في الرجال من لا يريد النساء، و في النساء من لا يريد الرجال.

قال: و امتنعت عليّ خصلة، فو اللّه لقد رأيت من النساء من تزني أبدا و تساحق أبدا و لا تتزوج أبدا، و من الرجال من يلوط أبدا، و يزني أبدا و لا يتزوّج، و رأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي و لا يزاوج. و رأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر و أنثى، و تقمط الذكورة و الإناث، و لا تزاوج. و رأيتها تزاوج و لا تبيض، و تبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج و هي عاقر، و كالمرأة تلد و تكون خرقاء ورهاء. و يعرض لها الغلظة و العقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب.

و أمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام و لربّما ولدت من زوجها، فيكون عطفها و تحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلاّ أن تزني أو تقحب فكأنّ اللّه لم يضرب بينها و بين ذلك الولد بشبكة رحم، و كأنّها لم تلده.

قال مثنّى بن زهير: و رأيت ذكرا له أنثيان و قد باضتا منه، و هو يحضن مع هذه [1]انظر الخبر في عيون الأخبار 2/91، و العقد الفريد 6/240، و محاضرات الأدباء 4/660.

[2]الحلقي: من ألفاظ المولدين، و تعني: الذي فسد عضوه فانعكس ميل شهوته. انظر شفاء الغليل 70.

85

و مع تلك، و يزقّ مع هذه و مع تلك، و رأيت أنثى تبيض بيضة، و رأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات.

و زعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها و لم يظنه بالذّكر، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر، و كانت تبيض كذلك.

و رأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلاّ اشتدّت نحوه بحدّة و نزق و تسرّع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصدّ عنها كالهارب منها، و كان زوجها جميلا في العين رائعا، و كان لها في المنزل بنون و بنو بنين و بنات و بنات بنات، و كان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ. و قد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، و قد كن يمتنعن من غيره، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها!فقلت لخادمي: ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم؟فقال: إني رحّلت زوجها من القاطول‏[1]فذهب، و لهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنّى بن زهير: و قد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، و رأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث، و رأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل و الجماع.

ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس.

649-[معرفة مثنّى بن زهير بالحمام‏]

و زعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق‏[2]و المخلف، فيظن أنّه يجي‏ء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. و كان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، و قالوا: لم يطلبه إلاّ و قد رأى فيه علامة المجي‏ء من الغاية، و كان يدسّ في ذلك ففطنوا له و تحفظوا منه، فربّما اشترى نصفه و ثلثه، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية.

و كان له خصيّ يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما.

[1]القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة؛ و هو نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمّر. معجم البلدان 4/299.

[2]العاتق: فرخ الطائر إذا طار و استقل «القاموس: عتق» .

86

650-[المدة التي يبيض فيها الحمام و الدجاج‏]

قال: و الحمام تبيض عشرة أشهر من السّنة، فإذا صانوه و حفظوه، و أقاموا له الكفاية و أحسنوا تعهّده، باض في جميع السّنة.

قالوا: و الدّجاجة تبيض في كلّ السّنة خلا شهرين.

651-[ضروب من الدجاج‏]

و من الدّجاج ما هو عظيم الجثّة، يبيض بيضا كبيرا، و ما أقل ما يحضن، و من الدجاج ما يبيض ستّين بيضة، و أكثر الدجاج العظيم الجثّة يبيض أكثر من الصغير الجثّة.

قال: أما الدّجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن و يبيض في كلّ يوم، و هي صعبة الخلق و تقتل فراريجها.

و من الدّجاج الذي يربّى في المنازل ما يبيض مرّتين في اليوم، و من الدجاج ما إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض.

652-[عدد مرات البيض عند الطيور]

قال: و الخطّاف تبيض مرّتين في السّنة، و تبني بيتها في أوثق مكان و أعلاه.

فأمّا الحمام و الفواخت، و الأطرغلاّت و الحمام البريّ، فإنّها تبيض مرّتين في السنة، و الحمام الأهليّ يبيض عشر مرات. و أما القبج و الدّرّاج فهما يبيضان بين العشب، و لا سيما فيما طال شيّا و التوى.

653-[خروج البيضة]

و إذا باض الطّير بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد و التّلطيف، بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، و كان الظنّ يسرع إلى أنّ الرأس المحدّد هو الذي يخرج أوّلا.

قال: و ما كان من البيض مستطيلا محدّد الأطراف فهو للإناث، و ما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذّكور.

قال: و البيضة عند خروجها ليّنة القشر. غير جاسية[1]و لا يابسة و لا جامدة.

654-[بيض الريح و التراب‏]

قال‏[2]: و البيض الذي يتولد من الريح و التّراب أصغر و ألطف، و هو في الطّيب [1]جاسية: صلبة «القاموس: جسي» .

[2]عيون الأخبار 2/92.

87

دون الآخر. و يكون بيض الرّيح من الدجاج و القبج، و الحمام، و الطاوس، و الإوزّ.

655-[أثر حضن الطائر]

قال: و حضن الطائر و جثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا لبدن البيض. و لا كذلك الحضن على الفراخ و الفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك السبب.

656-[تكوّن بيض الريح‏]

و زعم ناس أن بيض الرّيح‏[1]إنما تكوّن من سفاد متقدّم. و ذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. و الوجه الآخر:

أن بيض الريح لم يكن منه فرّوج قطّ إلاّ أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي أيضا خلق البيض.

657-[معارف شتى في البيض‏]

قال: و بيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء و لذلك تحضن الدجاجة البيضة في الصّيف خمس عشرة ليلة.

قال: و ربّما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. و على كل حال ففساده في الصيف أكثر، و الموت فيها في ذلك الزمان أعمّ.

و أكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب‏[2]، و لذلك كان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلاّ و الرّيح شمال. و هذا عندي تعرّض للبلاء، و تحكك بالشرّ، و استدعاء للعقوبة.

و قال: و بعضهم يسمّي بيض الرّيح: البيض الجنوبيّ، لأنّ أصناف الطّير تقبل الرّيح في أجوافها.

و ربّما أفرخ بيض الرّيح بسفاد كان، و لكنّ لونه يكون متغيّرا و إن سفد الأنثى طائر من غير جنسها، غيّر خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذّكر المتقدّم. و هو في الديكة أعمّ.

و يقولون‏[3]: إنّ البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التّراب، و منه [1]انظر عيون الأخبار 2/92.

[2]الجنائب: جمع جنوب، و هي الريح الجنوبية.

[3]عيون الأخبار 2/92.

88

ما يكون من السفاد، و منه ما يكون من النّسيم إذا وصل إلى أرحامهن و في بعض الزّمان، و منه شي‏ء يعتري الحجل و ما شاكله في الطّبيعة، فإنّ الأنثى ربّما كانت على سفالة الريح التي تهبّ من شقّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا. و لم أرهم يشكون أن النّخلة المطلعة تكون بقرب الفحّال و تحت ريحه، فتلقح بتلك الريح و تكتفي بذلك. قال: و بيض أبكار الطّير أصغر، و كذلك أولاد النساء. إلى أن تتسع الأرحام و تنتفخ الجنوب.

658-[هديل الحمام‏]

و يكون هديل الحمام الفتيّ ضئيلا فإذا زقّ مرارا فتح الزّقّ جلدة غببه و حوصلته، فخرج الصّوت أغلظ و أجهر.

659-[حياة البكر]

و هم لا يثقون بحياة البكر من النّاس كما يثقون بحياة الثاني، و يرون أنّ طبيعة الشباب و الابتداء لا يعطيانه شيئا إلاّ أخذه تضايق مكانه من الرّحم، و يحبّون أن تبكّر بجارية!و أظنّ أن ذلك إنما هو لشدّة خوفهم على الذكر. و في الجملة لا يتيمّنون بالبكر الذكر. فإن كان البكر ابن بكر تشاءموا به، فإن كان البكر ابن بكرين فهو في الشؤم مثل قيس بن زهير، و البسوس، فإن قيسا كان أزرق و بكرا ابن بكرين. و لا أحفظ شأن البسوس حفظا أجزم عليه.

660-[ما يعتري الحمام و الإوز بعد السفاد]

قال: و أمّا الحمام فإنّه إذا قمط تنفّش و تكبّر و نفض ذنبه و ضرب بجناحه، و أمّا الإوزّ فإنّه إذا سفد أكثر من السباحة، اعتراه في الماء من المرح مثل ما يعتري الحمام في الهواء.

661-[مدة تخلق البيض‏]

قال: و بيض الدجاج يتمّ خلقه في عشرة أيام و أكثر شيئا، و أمّا بيض الحمام ففي أقلّ من ذلك.

662-[سبب احتباس بيض الحمامة]

و الحمامة ربّما احتبس البيض في جوفها بعد الوقت لأمور تعرض لها: إمّا لأمر عرض لعشّها و أفحوصها. و إمّا لنتف ريشها، و إمّا لعلّة وجع من أوجاعها و إمّا لصوت‏

89

رعد؛ فإنّ الرّعد إذا اشتدّ لم يبق طائر على الأرض واقع إلاّ عدا فزعا، و إن كان يطير رمى بنفسه إلى الأرض. قال علقمة بن عبدة[1]: [من الطويل‏]

رغا فوقهم سقب السّماء فداحض # بشكته لم يستلب و سليب

كأنّهم صابت عليهم سحابة # صواعقها لطيرهنّ دبيب‏

663-[تقبيل الحمام‏]

قال: و ليس التّقبيل إلاّ للحمام و الإنسان، و لا يدع ذلك ذكر الحمام إلاّ بعد الهرم. و كان في أكثر الظّنّ أنّه أحوج ما يكون إلى ذلك التّهييج به عند الكبر و الضّعف.

و تزعم العوامّ أنّ تسافد الغربان هو تطاعمها بالمناقير، و أنّ إلقاحها إنّما يكون من ذلك الوجه. و لم أر العلماء يعرفون هذا.

قال: و إناث الحمام إذا تسافدت أيضا قبّل بعضهنّ بعضا، و يقال إنّها تبيض عن ذلك، و لكن لا يكون عن ذلك البيض فراخ، و إنّه في سبيل بيض الريح.

664-[تكوّن الفرخ في البيضة]

قال: و يستبين خلق الفراخ إذا مضت لها ثلاثة أيّام بليالها و ذلك في شباب الدّجاج، و أمّا في المسانّ منها فهو أكثر، و في ذلك الوقت توجد الصّفرة من النّاحية العليا من البيضة، عند الطرف المحدّد و حيث يكون أوّل نقرها، فثمّ يستبين في بياض البيضة مثل نقطة من دم، و هي تختلج و تتحرّك. و الفرخ إنّما يخلق من البياض، و يغتذي الصّفرة، و يتمّ خلقه لعشرة أيّام. و الرّأس وحده يكون أكبر من سائر البدن.

665-[البيض ذو الصفرتين‏]

قال: و من الدّجاج ما يبيض بيضا له صفرتان في بعض الأحايين، خبّرني بذلك كم شئت‏[2]من ثقات أصحابنا.

و قال صاحب المنطق: و قد باضت فيما مضى دجاجة ثماني عشرة بيضة، لكلّ بيضة محّتان، ثمّ سخّنت و حضنت، فخرج من كلّ بيضة فرّوجان، ما خلا البيض [1]ديوان علقمة 46، و المفضليات 395، و الأول في اللسان و التاج (دحص) ، و التهذيب 4/230، و المقاييس 2/332، و المجمل 2/319، و بلا نسبة في الجمهرة 503، و الثاني بلا نسبة في اللسان (صوب) ، و التهذيب 12/252.

[2]هذه العبارة يستخدمها الجاحظ كثيرا، انظر رسائله 2/264. ـ

90

الذي كان فاسدا في الأصل. و قد يخرج من البيضة فرّوجان، و يكون أحدهما أعظم جثّة، و كذلك الحمام. و ما أقلّ ما يغادر الحمام أن يكون أحد الفرخين ذكرا و الآخر أنثى.

666-[معارف في البيض‏]

قال: و ربّما باضت الحمامة و أشباهها من الفواخت ثلاث بيضات، فأمّا الأطر غلاّت و الفواخت فإنها تبيض بيضتين، و ربّما باضت ثلاث بيضات و لكن لا يخرج منها أكثر من فرخين، و ربّما كان واحدا فقط.

قال: و بعض الطير لا يبيض إلاّ بعد مرور الحول عليه كاملا، و الحمامة في أكثر أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا و الآخر أنثى، و هي تبيض أوّلا البيضة التي فيها الذّكر، ثمّ تقيم يوما و ليلة. ثمّ تبيض الأخرى، و تحضن ما بين السّبعة عشر يوما إلى العشرين، على قدر اختلاف طباع الزّمان، و الذي يعرض لها من العلل. و الحمامة أبرّ بالبيض، و الحمام أبرّ بالفراخ.

قال: و أمّا جميع أجناس الطير ممّا يأكل اللّحم، فلم يظهر لنا أنّه يبيض و يفرخ أكثر من مرّة واحدة، ما خلا الخطّاف فإنّه يبيض مرّتين.

667-[حضانة الطيور فراخها]

و العقاب تبيض ثلاث بيضات، فيخرج لها فرخان. و اختلفوا فقال بعضهم:

لأنها لا تحضن إلاّ بيضتين، و قال آخرون: قد تحضن و يخرج لها ثلاثة أفراخ، و لكنّها ترمي بواحد استثقالا للتكسّب على ثلاثة. و قال آخرون: ليس ذلك إلاّ بما يعتريها من الضعف عن الصّيد، كما يعتري النّفساء من الوهن و الضّعف. و قال آخرون: العقاب طائر سيّئ الخلق، ردي‏ء التّربية، و ليس يستعان على تربية الأولاد إلاّ بالصّبر. و قال آخرون: لا، و لكنّها شديدة النّهم و الشّره، و إذا لم تكن أمّ الفراخ ذات أثرة لها، ضاعت.

و كذلك قالوا في العقعق‏[1]، عند إضاعتها لفراخها، حتى قالوا: «أحمق من عقعق» [2]، كما قالوا: «أحذر من عقعق» [3].

[1]العقعق: طائر على قدر الحمامة و على شكل الغراب، و هو ذو لونين أبيض و أسود. حياة الحيوان 2/67.

[2]المستقصى 1/83، و أمثال ابن سلام 365، و مجمع الأمثال 1/226، و جمهرة الأمثال 1/395، و الدرة الفاخرة 1/155.

[3]المستقصى 1/62، و جمهرة الأمثال 1/343، 396، و الدرة الفاخرة 1/133، 2/441.

91

و قالوا: و أمّا الفرخ الذي يخرجه العقاب، فإنّ المكلّفة، و هي طائر يقال لها كاسر العظام، تقبله و تربّيه.

و العقاب تحضن ثلاثين يوما، و كذلك كلّ طائر عظيم الجثّة، مثل الإوزّ و أشباه ذلك، فأمّا الوسط فهو يحضن عشرين يوما. مثل الحدأ و مثل أصناف البزاة كالبواشق و اليآيئ.

و الحدأة تبيض بيضتين. و ربّما باضت ثلاث بيضات و خرج منهن ثلاثة فراخ.

قالوا: و أما العقبان السّود الألوان، فإنّها تربّي و تحضن.

و جميع الطير المعقّف المخالب تطرد فراخها من أعشاشها عند قوّتها على الطّيران. و كذلك سائر الأصناف من الطير، فإنّها تطرد الفراخ ثمّ لا تعرفها، ما عدا الغداف، فإنها لا تزال لولدها قابلة، و لحاله متفقّدة.

668-[أجناس العقبان‏]

و قال قوم: إن العقبان و البزاة التّامّة، و الجهاررانك، و السّمنان. و الزّمامج و الزّرارقة إنها كلّها عقبان. و أمّا الشّواهين و الصّقورة و اليوايئ، فإنها أجناس أخر.

669-[حضن الطير]

قال: و قالوا: فراخ البزاة سمينة طيّبة جدّا. و أما الإوزة فإنها التي تحضن دون الذكر، و أمّا الغربان فعلى الإناث الحضن، و الذكورة تأتي الإناث بالطّعمة.

و أمّا الحجل فإنّ الزّوج منها يهيّئان للبيض عشّين وثيقين مقسومين عليهما، فيحضن أحدهما الذّكر، و الآخر الأنثى، و كذلك هما في التّربية. و كلّ واحد منهما يعيش خمسا و عشرين سنة، و لا تلقح الأنثى بالبيض و لا يلقح الذكر إلاّ بعد ثلاث سنين.

670-[الطاوس‏]

قال: و أمّا الطّاوس فأوّل ما تبيض ثماني بيضات. و تبيض أيضا بيض الريح.

و الطاوس يلقي ريشه في زمن الخريف إذا بدا أوّل ورق الشّجر يسقط. و إذا بدأ الشّجر يكتسي ورقا. بدأ الطاوس فاكتسى ريشا.

671-[ما ليس له عشّ من الطير]

قال: و ما كان من الطّير الثّقيل الجثّة فليس يهيئ لبيضه عشّا؛ من أجل أنّه لا

92

يجيد الطّيران، و يثقل عليه النهوض و لا يتحلّق، مثل الدّرّاج و القبج، و إنما يبيض على التّراب. و فراخ هذه الأجناس كفراريج الدّجاج، و كذلك فراريج البطّ الصّيني، فإنّ هذه كلّها تخرج من البيض كاسية كاسبة تلقط من ساعتها، و تكفي نفسها.

672-[القبجة]

قال: و إذا دنا الصّيّاد من عشّ القبجة و لها فراخ، مرّت بين يديه مرّا غير مفيت، و أطمعته في نفسها ليتبعها، فتمرّ الفراخ في رجوعها إلى موضع عشّها. و الفراخ ليس معها من الهداية ما مع أمّها. و على أنّ القبجة سيّئة الدّلالة و الهداية، و كذلك كلّ طائر يعجّل له الكيس و الكسوة، و يعجّل له الكسب في صغره.

و هذا إنّما اعتراها لقرابة ما بينها و بين الدّيك.

قال: فإذا أمعن الصّائد خلفها و قد خرجت الفراخ من موضعها، طارت و قد نحّته إلى حيث لا يهتدي الرّجوع منه إلى موضع عشّها، فإذا سقطت قريبا دعتها بأصوات لها، حتّى يجتمعن إليها.

قال: و إناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة إلى ستّ عشرة بيضة. قال: و القبج طير منكر و هي تفرّ ببيضها من الذّكر؛ لأنّ الأنثى تشتغل بالحضن عن طاعة الذّكر في طلب السّفاد. و القبج الذّكر يوصف بالقوّة على السّفاد، كما يوصف الدّيك و الحجل و العصفور.

قال: فإذا شغلت عنه بالحضن، طلب مواضع بيضها حتى يفسده فلذلك ترتاد الأنثى عشّها في مخابئ إذا أحسّت بوقت البيض.

673-[و ثوب الذكورة على الذكورة]

و إذا قاتل بعض ذكورة القبج بعضا فالمغلوب منها مسفود و الغالب سافد. و هذا العرض يعرض للدّيكة و لذكور الدّراريج، فإذا دخل بين الدّيكة ديك غريب، فما أكثر ما تجتمع عليه حتّى تسفده!.

و سفاد ذكورة هذه الأجناس إنما يعرض لها لهذه الأسباب، فأمّا ذكورة الحمير و الخنازير و الحمام، فإنّ ذكورها تثب على بعض من جهة الشّهوة.

و كان عند يعقوب بن صباح الأشعثيّ، هرّان ضخمان، أحدهما يكوم الآخر متى أراده، من غير إكراه، و من غير أن يكون المسفود يريد من السّافد مثل ما يريد

93

منه السّافد. و هذا الباب شائع في كثير من الأجناس، إلاّ أنّه في هذه الأجناس أوجد.

674-[صيد البزاة للحمام‏]

ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر الحمام، من غير أن يشاب بذكر غيره.

زعم صاحب المنطق أنّ البزاة عشرة أجناس، فمنها ما يضرب الحمامة و الحمامة جاثمة، و منها ما لا يضرب الحمام إلاّ و هو يطير، و منها ما لا يضرب الحمام في حال طيرانه و لا في حال جثومه، و لا يعرض له إلاّ أن يجده في بعض الأغصان، أو على بعض الأنشاز و الأشجار. فعدّد أجناس صيدها، ثمّ ذكر أنّ الحمام لا يخفى عليه في أوّل ما يرى البازي في الهواء أيّ البزاة هو، و أيّ نوع صيده، فيخالف ذلك. و لمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال: أوّل ذلك أنّ الحمام في أوّل نهوضه يفصل بين النّسر و العقاب، و بين الرّخمة و البازي، و بين الغراب و الصّقر؛ فهو يرى الكركيّ و الطّبرزين‏[1]و لا يستوحش منهما!و يرى الزّرّق فيتضاءل. فإن رأى الشّاهين فقد رأى السّمّ الذعاف الناقع.

675-[إحساس الحيوان بعدوّه‏]

و النّعجة ترى الفيل و الزّندبيل‏[2]و الجاموس و البعير، فلا يهزّها ذلك، و ترى السّبع و هي لم تره قبل ذلك، و عضو من أعضاء تلك البهائم أعظم و هي أهول في العين و أشنع، ثمّ ترى الأسد فتخافه. و كذلك الببر[3]و النمر. فإن رأت الذئب وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في مكان واحد. و ليس ذلك عن تجربة، و لا لأنّ منظره أشنع و أعظم، و ليس في ذلك علّة إلاّ ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها. فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة بين البازي و البازي، كما فصلت بين البازي و الكركيّ.

فإن زعمت أنّها تعرف بالمخالب فمنقار الكركيّ أشنع و أعظم و أفظع، و أطول و أعرض. فأمّا طرف منقار الأبغث فما كان كلّ سنان و إن كان مذرّبا[4]ليبلغه.

[1]الطبرزين: الفأس التي يعلقها الفارس في سرج جواده. انظر المعرب للجواليقي 194.

[2]الزندبيل: الفيل الكبير. حياة الحيوان 1/540.

[3]الببر: ضرب من السباع، يسابق الأسد، يقال إنه متولد من الزبرقان و اللبوة. حياة الحيوان 1/159.

[4]المذرب: المحدد «القاموس: ذرب» .

94

676-[بلاهة الحمام‏]

قال صاحب الدّيك: و كيف يكون للحمام من المعرفة و الفطنة ما تذكرون، و قد جاء في الأثر[1]: «كونوا بلها كالحمام» ! و قال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة» [2]، و ممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص‏[3]: [من مجزوء الكامل‏]

عيّوا بأمرهم كما # عيّت ببيضتها الحمامه

جعلت لها عودين من # نشم و آخر من ثمامه‏

فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، و إحكامها لصنعة عشاشها و أفاحيصها.

و إن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي و البرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. و عبيد لم يخصّ حماما دون حمام.

677-[رغبة عثمان في ذبح الحمام‏]

و حدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان-رضي اللّه تعالى عنه-أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لو لا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، و لكن قصّوهنّ» . فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، و يلعب بهنّ من الفتيان و الأحداث و الشّطّار، و أصحاب المراهنة و القمار، و الذين يتشرّفون على حرم الناس و الجيران، و يختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، و يرمون بالجلاهق‏[4]و ما أكثر من قد فقأ عينا و هشم أنفا، و هتم فما، و هو لا يدري ما يصنع، و لا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ و يعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل و لا قود و لا قصاص و لا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.

[1]ورد الأثر في البيان و التبيين 2/242. و عيون الأخبار 2/72، و محاضرات الراغب 2/300.

[2]مجمع الأمثال 1/255، و جمهرة الأمثال 1/431، و المستقصى 1/99، و أمثال ابن سلام 366، و ثمار القلوب (682) .

[3]ديوان عبيد ابن الأبرص 126، و عيون الأخبار 2/72، و هما لسلامة بن جندل في ديوانه 248، و النظام الغريب 208.

[4]الجلاهق كلمة فارسية تعنى الطين المدور الذي يرمى به عن القوس، انظر المعرب للجواليقي 42.

95

و على شبيه بذلك كان عمر-رضي اللّه عنه-أمر بذبح الدّيكة و أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بقتل الكلاب‏[1].

قالوا: ففيما ذكرنا دليل على أنّ أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم و لا أخلاقهم، و لا من دواعي شهواتهم. و لو لا ذلك لما جاء الأثر عن النبيّ-صلّى اللّه عليه و سلم-و عمر و عثمان-رضي اللّه تعالى عنهما بذبح الدّيكة و الحمام، و قتل الكلاب. و لو لا أنّ الأمر على ما قلنا، لقالوا: اقتلوا الدّيوك و الحمام كما قال: اقتلوا الكلاب. و في تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم.

قال: حدّثني أسامة بن زيد، و إبراهيم بن أبي يحيى، أنّ عثمان شكوا إليه الحمام، و أنّه قال: «من أخذ منهنّ شيئا فهو له» . و قد علمنا أنّ اللفظ و إن كان قد وقع على شكاية الحمام، فإن المعنى إنّما هو على شكاية أصحاب الحمام؛ لأنّه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية.

قال: و حدّثنا عثمان قال: سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده النّاس، قال:

لا تأكله، فإنّه من أموال الناس!فجعله مالا، و نهى عن أكله بغير إذن أهله. و كلّ ما كان مالا فيبيعه حسن و ابتياعه حسن. فكيف يجوز لشي‏ء هذه صفته أن يذبح، إلاّ أن يكون ذلك على طريق العقاب و الزّجر لمن اتّخذه لما لا يحلّ!!.

قال: و رووا عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب قال: نهى عثمان عن اللعب بالحمام، و عن رمي الجلاهق. فهذا يدلّ على ما قلنا.

678-[أمن حمام مكة و غزلانها]

و الناس يقولون: «آمن من حمام مكّة، و من غزلان مكة» [2]. و هذا شائع على جميع الألسنة، لا يردّ أحد ممن يعرف الأمثال و الشّواهد. قال عقيبة الأسديّ لابن الزّبير: [من الكامل‏]

ما زلت مذ حجج بمكة محرما # في حيث يأمن طائر و حمام

فلتنهضنّ العيس تنفخ في البرا # يجتبن عرض مخارم الأعلام‏[3]

أ بنو المغيرة مثل آل خويلد؟! # يا للرّجال لخفّة الأحلام!

[1]انظر ما تقدم في الفقرة (225) .

[2]المستقصى 1/9، و مجمع الأمثال 1/87، و الدرة الفاخرة 1/69.

[3]البرا: جمع برة، و هي الحلقة في أنف البعير «القاموس: برّ» .

96

و قال النابغة في الغزلان و أمنها، كقول جميع الشّعراء في الحمام: [من البسيط]

و المؤمن العائذات الطير تمسحها # ركبان مكّة بين الغيل و السّعد[1]

و لو أنّ الظّباء ابتليت ممّن يتّخذها بمثل الذي ابتليت به الحمام ثمّ ركبوا المسلمين في الغزلان بمثل ما ركبوهم به في الحمام، لساروا في ذبح الغزلان كسيرتهم في ذبح الحمام.

و قالوا[2]: إنّه ليبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت الحرام، أنّ أهل مكة يشهدون عن آخرهم أنّهم لم يروا حماما قطّ سقط على ظهر الكعبة، إلاّ من علة عرضت له. فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا من الحمام فالحمام فوق جميع الطير و كلّ ذي أربع. و إن كان هذا إنّما كان من طريق الإلهام، فليس ما يلهم كما لا يلهم.

و قال الشّاعر في أمن الحمام: [من الوافر]

لقد علم القبائل أنّ بيتي # تفرّع في الذّوائب و السّنام‏[3]

و أنّا نحن أول من تبنّى # بمكّتها البيوت مع الحمام‏

و قال كثيّر-أو غيره من بني سهم‏[4]-في أمن الحمام: [من الخفيف‏]

لعن اللّه من يسبّ عليّا # و حسينا من سوقة و إمام

أ يسبّ المطيّبون جدودا # و الكرام الأخوال و الأعمام

يأمن الظبي و الحمام و لا يأ # من آل الرّسول عند المقام!!

رحمة اللّه و السّلام عليهم # كلما قام قائم بسلام‏

و ذكر شأن ابن الزبير و شأن ابن الحنفيّة، فقال‏[5]: [من الطويل‏]

و من ير هذا الشّيخ بالخيف من منى # من النّاس يعلم أنّه غير ظالم‏

[1]ديوان النابغة الذبياني 25، و المقاييس 1/135، و في ديوانه: (قوله «و المؤمن العائذات» يعني اللّه تعالى أمّنها أن تهاج أو تصاد في الحرم، و العائذات: التي عاذت بالحرم. و الغيل: الشجر الملتف، و كذلك السعد) .

[2]ثمار القلوب 13 (67) .

[3]البيتان للزبير بن عبد المطلب في المؤتلف و المختلف 130-131.

[4]الأبيات لكثير بن كثير بن المطلب السهمي في معجم الشعراء 240، و نسب قريش 60، و لكثير عزة في ديوانه 537، و ثمار القلوب (678-679) ، و لعبد اللّه بن كثير السهمي في البيان و التبيين 3/360، و بلا نسبة في الرسالة البغدادية 54.

[5]الأبيات لمحمد بن كثير في معجم البلدان 4/66 (عارم) ، و لكثير عزة في ديوانه 224-225، و اللسان و التاج (لزم) ، و الكامل 1124، 1193 (الدالي) ، و العقد الفريد 4/413.

97

سميّ النبيّ المصطفى و ابن عمّه # و فكّاك أغلال و نفّاع غارم

أبى فهو لا يشري هدى بضلالة # و لا يتّقي في اللّه لومة لائم

و نحن بحمد اللّه نتلو كتابه # حلولا بهذا الخيف خيف المحارم

بحيث الحمام آمنات سواكن # و تلقى العدوّ كالوليّ المسالم‏

679-[حمامة نوح و طوقها]

قال صاحب الحمام‏[1]: أمّا العرب و الأعراب و الشّعراء، فقد أطبقوا على أنّ الحمامة هي التي كانت دليل نوح و رائده، و هي التي استجعلت‏[2]عليه الطّوق الذي في عنقها، و عند ذلك أعطاها اللّه تعالى تلك الحلية؛ و منحها تلك الزّينة، بدعاء نوح عليه السلام، حين رجعت إليه و معها من الكرم ما معها، و في رجليها من الطّين و الحمأة ما برجليها، فعوّضت من ذلك الطّين خضاب الرّجلين، و من حسن الدّلالة و الطّاعة طوق العنق.

680-[شعر في طوق الحمامة]

و في طوقها يقول الفرزدق‏[3]: [من الوافر]

فمن يك خائفا لأذاة شعري # فقد أمن الهجاء بنو حرام

هم قادوا سفيههم و خافوا # قلائد مثل أطواق الحمام‏

و قال في ذلك بكر بن النّطّاح‏[4]: [من الطويل‏]

إذا شئت غنّتني ببغداد قينة # و إن شئت غنّاني الحمام المطوّق

لباسي الحسام أو إزار معصفر # و درع حديد أو قميص مخلّق‏

فذكر الطّوق، و وصفها بالغناء و الإطراب. و كذلك قال حميد بن ثور[5]: [من الطويل‏]

رقود الضّحى لا تعرف الجيرة القصا # و لا الجيرة الأدنين إلاّ تجشّما

[1]ثمار القلوب (679) .

[2]استجعلت: طلبت الجعالة، و هي الرشوة.

[3]البيتان للفرزدق في طبقات ابن سلام 325، و ثمار القلوب 368 (681) و التشبيهات 229، و العمدة 1/66، و الأول في اللسان و التاج (حرم) ، و لم يرد البيتان في ديوانه.

[4]ديوان بكر بن النطاح 255، و العمدة 2/17.

[5]ديوان حميد بن ثور 17-27، و هي الأبيات (48، 50، 78، 89، 92، 93، 94) ، و الوحشيات 193، و الكامل 2/98، و البيتان التاليان في عيون الأخبار 4/145، و الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (قصر) ، و المقاييس 1/458، و المخصص 4/3. ـ

98

و ليست من اللائي يكون حديثها # أمام بيوت الحيّ إنّ و إنّما

ثمّ قال:

و ما هاج هذا الشّوق إلاّ حمامة # دعت ساق حرّ ترحة و ترنّما[1]

مطوّقة خطباء تصدح كلما # دنا الصّيف و انجاب الربيع فأنجما[2]

ثمّ قال بعد ذكر الطوق‏[3]:

إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشة # أو النّخل من تثليث أو بيلملما

عجبت لها، أنّى يكون غناؤها # فصيحا و لم تفغر بمنطقها فما

و لم أر محزونا له مثل صوتها # و لا عربيّا شاقه صوت أعجما

و قال في ذكر الطّوق-و أنّ الحمامة نوّاحة-عبد اللّه بن أبي بكر و هو شهيد يوم الطائف، و هو صاحب ابن صاحب‏[4]: [من الطويل‏]

فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها # و لا مثلها في غير جرم تطلّق

أ عاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا # و ما ناح قمريّ الحمام المطوّق‏

و قال جهم بن خلف، و ذكرها بالنّوح، و الغناء، و الطّوق، و دعوة نوح؛ و هو قوله‏[5]: [من المتقارب‏]

و قد شاقني نوح قمرية # طروب العشيّ هتوف الضّحى

من الورق نوّاحة باكرت # عسيب أشاء بذات الغضا

[1]البيت له في معجم البلدان 5/428 (يبمبم) ، و الحماسة البصرية 2/150، و اللسان (حرر، سوق، حمم) ، و التاج (حرر، علط، سوق، وحى) ، و المقاييس 2/6، و المجمل 2/8، و بلا نسبة في العين 3/24.

[2]اللسان (صدح، جول) ، و التاج (جول) .

[3]الأبيات الثلاثة التالية في معجم البلدان 5/428 (يبمبم) . و هي عدا الأخير في ديوان المعاني 1/326، و الأول منها في اللسان و التاج (فغر، غنا) ، و أساس البلاغة (فغر) ، و بلا نسبة في الخزانة 1/37، و الثاني في اللسان (ببم) ، و التاج (ببم، يبمبم) ، و التهذيب 15/591. و الأغاني 14/355.

[4]الأبيات في الأغاني 18/59، و تزيين الأسواق 245، و ذم الهوى 647، و ربيع الأبرار 5/297، و نوادر المخطوطات 1/61، و أخبار النساء 214، و حياة الحيوان 2/222، و الظرف و الظرفاء 173-174، و روضة المحبين 281-282.

[5]ورد البيت الأول و الرابع منسوبا إلى جهم بن خلف في ثمار القلوب (681) ، و القصيدة منسوبة إلى أبي صفوان الأسدي في الأمالي 2/238، و سرور النفس 107.

99

تغنّت عليه بلحن لها # يهيّج للصّبّ ما قد مضى

مطوّقة كسبت زينة # بدعوة نوح لها إذ دعا

فلم أر باكية مثلها # تبكّي و دمعتها لا ترى

أضلّت فريخا فطافت له # و قد علقته حبال الرّدى

فلما بدا اليأس منه بكت # عليه، و ما ذا يردّ البكا

و قد صاده ضرم ملحم # خفوق الجناح حثيث النّجا[1]

حديد المخالب عاري الوظيـ # ف ضار من الورق فيه قنا

ترى الطّير و الوحش من خوفه # جوامز منه إذا ما اغتدى‏

681-[نزاع صاحب الدّيك في الفخر بالطوق‏]

قال صاحب الديك: و أمّا قوله: [من الوافر]

مطوّقة كساها اللّه طوقا # و لم يخصص به طيرا سواها

كيف لم يخصص بالأطواق غير الحمام، و التّدارج أحقّ بالأطواق و أحسن أطواقا منها، و هي في ذكورتها أعمّ؟!و على أنّه لم يصف بالطّوق الحمامة التي فاخرتم بها الدّيك؛ لأنّ الحمامة ليست بمطوّقة، و إنما الأطواق لذكورة الوارشين و أشباه الوارشين، من نوائح الطّير و هواتفها و مغنّياتها. و لذلك قال شاعركم، حيث يقول‏[2]:

[من الطويل‏]

أ عاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا # و ما ناح قمريّ الحمام المطوّق‏

و قال الآخر[3]: [من المتقارب‏]

و قد شاقني نوح قمرية # طروب العشيّ هتوف الضّحى‏

و وصفها فقال: [من المتقارب‏]

مطوّقة كسيت زينة # بدعوة نوح لها إذ دعا

فإن زعمتم أنّ الحمام و القمريّ و اليمام و الفواخت و الدّباسيّ‏[4]و الشّفانين [1]الضرم: الشديد الجوع «القاموس: ضرم» . الملحم: الذي يطعم اللحم «القاموس: لحم» . حثيث النجا: السريع الطيران.

[2]البيت لعبد اللّه بن أبي بكر؛ كما تقدم في الصفحة السابقة.

[3]البيت لجهم بن خلف أو لأبي صفوان الأسدي؛ كما تقدم في الصفحة السابقة.

[4]الدباسي: جمع دبسي، طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، و هو من الحمام البري. حياة الحيوان 1/466.

100

و الوارشين حمام كلّه، قلنا: إنّا نزعم أنّ ذكورة التّدارج و ذكورة القبج، و ذكورة الحجل ديوك كلها. فإن كان ذلك كذلك، فالفخر بالطّوق نحن أولى به.

قال صاحب الحمام‏[1]: العرب تسمّي هذه الأجناس كلها حماما، فجمعوها بالاسم العامّ، و فرّقوها بالاسم الخاص، و رأينا صورها متشابهة، و إن كان في الأجسام بعض الاختلاف، و في الجثث بعض الائتلاف و كذلك المناقير. و وجدناها تتشابه من طريق الزّواج، و من طريق الدّعاء و الغناء و النّوح، و كذلك هي في القدود و صور الأعناق، و قصب الريش، و صيغة الرّءوس و الأرجل و السّوق و البراثن.

و الأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم و لا بلدة، و لا صورة و لا زواج. و ليس بين الدّيكة و بين تلك الذّكورة نسب إلاّ أنّها من الطّير الموصوفة بكثرة السّفاد، و أنّ فراخها و فراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه. و البطّ طائر مثقل، و قد ينبغي أن تجعلوا فرخ البطّة فرّوجا، و الأنثى دجاجة و الذّكر ديكا، و نحن نجد الحمام، و نجد الوراشين، تتسافد و تتلاقح، و يجي‏ء منها الراعبيّ و الوردانيّ؛ و نجد الفواخت و القماريّ تتسافد و تتلاقح، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك الوجوه. و هذا كلّه يدلّ على أنّ بعضها مع بعض كالبخت و العراب و نتائج ما بينهما، و كالبراذين و العتاق، و كلها خيل، و تلك كلها إبل. و ليس بين التّدارج و القبج و الحجل و الدّجاج هذه الأمور التي ذكرنا.

و على أنّا قد وجدنا الأطواق عامّة في ذوات الأوضاح من الحمام، لأنّ فيها من الألوان، و لها من الشّيات و أشكال و ألوان الريش ما ليس لغيرها من الطّير. و لو احتججنا بالتّسافد دون التّلاقح، لكان لقائل مقال، و لكنّا وجدناها تجمع الخصلتين، لأنّا قد نجد سفهاء النّاس، و من لا يتقذّر من الناس و الأحداث و من تشتدّ غلمته عند احتلامه، و يقلّ طروقه، و تطول عزبته؛ كالمعزب من الرّعاء فإنّ هذه الطّبقة من النّاس، لم يدعوا ناقة، و لا بقرة، و لا شاة، و لا أتانا، و لا رمكة، و لا حجرا، و لا كلبة، إلاّ و قد وقعوا عليها.

و لو لا أنّ في نفوس النّاس و شهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة، لما وجدت هذا العمل شائعا في أهل هذه الصفة، و لو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد و البصرة. ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أنّ بعض هذه الأجناس يتلقى ذلك بالشّهوة المفرطة.

[1]ثمار القلوب (681) .

101

و لقد خبّرني من إخواني من لا أتّهم خبره أنّ مملوكا كان لبعض أهل القطيعة -أعني قطيعة الربيع-و كان ذلك المملوك يكوم بغلة و أنّها كانت تودق‏[1]و تتلمّظ و أنّها في بعض تلك الوقعات تأخّرت و هو موعب فيها ذكره تطلب الزيادة، فلم يزل المملوك يتأخّر و تتأخّر البغلة حتّى أسندته إلى زاوية من زوايا الإصطبل، فاضّغطته حتّى برد[2]، فدخل بعض من دخل فرآه على تلك الحال فصاح بها فتنحّت و خرّ الغلام ميّتا[3].

و أخبرني صديق لي قال: بلغني عن برذون لزرقان المتكلّم، أنّه كان يدربخ‏[4] للبغال و الحمير و البراذين حتى تكومه، قال: فأقبلت يوما في ذلك الإصطبل، فتناولت المجرفة[5]، فوضعت رأس عود المجرفة[5]على مراثه و إنّه لأكثر من ذراع و نصف، و إنه لخشن غليظ غير محكوك الرأس و لا مملّسه، فدفعته حتى بلغ أقصى العود، و امتنع من الدّخول ببدن المجرفة. فحلف أنّه ما رآه تأطّر و لا انثنى.

قال صاحب الحمام: فهذا فرق ما بيننا و بينكم.

682-[ما وصف به الحمام من الإسعاد و حسن الغناء]

و نذكر ما وصف به الحمام من الإسعاد، و من حسن الغناء و الإطراب و النّوح و الشّجا. قال الحسن بن هانئ‏[6]: [من المنسرح‏]

إذا ثنته الغصون جلّلني # فينان ما في أديمه جوب

تبيت في مأتم حمائمه # كما ترنّ الفواقد السّلب

يهبّ شوقي و شوقهنّ معا # كأنّما يستخفّنا طرب‏

و قال آخر[7]: [من الطويل‏]

لقد هتفت في جنح ليل حمامة # على فنن و هنا و إنّي لنائم‏

[1]ودقت: أرادت الفحل «القاموس: ودق» .

[2]برد: مات.

[3]ورد هذا الخبر في رسائل الجاحظ 2/262.

[4]دربخت الحمامة لذكرها: طاوعته للسفاد «القاموس: دربخ» .

[5]المجرفة: المكنسة «القاموس: جرف» .

[6]ديوان أبي نواس 4.

[7]الأبيات لنصيب في ديوانه 124، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/250، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1289، و هي لمجنون ليلى في ديوانه 238، و الظرف و الظرفاء 140، و للمجنون أو لنصيب في الحماسة البصرية 2/152، و لقيس بن الذريح في الحماسة المغربية 929.

102

فقلت اعتذارا عند ذاك و إنّني # لنفسي مما قد سمعت للائم

كذبت و بيت اللّه لو كنت عاشقا # لما سبقتني بالبكاء الحمائم‏

و قال نصيب‏[1]: [من الطويل‏]

و لو قبل مبكاها بكيت صبابة # بسعدي شفيت النّفس قبل التندّم

و لكن بكت قبلي فهيّج لي البكا # بكاها فقلت الفضل للمتقدّم‏

و قال أعرابي: [من الطويل‏]

عليك سلام اللّه قاطعة القوى # على أنّ قلبي للفراق كليم

قريح بتغريد الحمام إذا بكت # و إن هبّ يوما للجنوب نسيم‏

و قال المجنون‏[2]، أو غيره: [من الطويل‏]

و لو لم يهجني الرائحون لها جني # حمائم ورق في الدّيار وقوع

تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى # نوائح لا تجري لهنّ دموع‏

و قال الآخر[3]: [من الطويل‏]

ألا يا سيالات الدّحائل باللّوى # عليكنّ من بين السّيال سلام

أرى الوحش آجالا إليكنّ بالضحى # لهنّ إلى أفيائكنّ بغام‏[4]

و إنّي لمجلوب لي الشّوق كلما # ترنّم في أفنانكنّ حمام‏

و قال عمرو بن الوليد[5]: [من الخفيف‏]

حال من دون أن أحلّ به النّأ # ي و صرف النّوى و حرب عقام

فتبدّلت من مساكن قومي # و القصور التي بها الآطام‏[6]

كلّ قصر مشيّد ذي أواس # تتغنّى على ذراه الحمام‏[7]

[1]البيتان لنصيب في ديوانه 130، و له أو لعدي بن الرقاع في الحماسة البصرية 2/142، و لعدي بن الرقاع في شرح الحماسة للمرزوقي 1290، و الكامل 2/99 (طبعة المعارف) ، و بلا نسبة في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/251، و الثاني بلا نسبة في الرسالة الموضحة 130.

[2]البيتان للمجنون في ديوانه 191، و الحماسة البصرية 2/198، و لقيس بن الذريح في ديوانه 114، و لهما في أمالي القالي 1/136.

[3]الأبيات بلا نسبة في ربيع الأبرار 3/144، و معجم البلدان 2/444 (دحائل) .

[4]آجال: جمع إجل، و هو القطيع من بقر الوحش «القاموس: أجل» .

[5]الأبيات لأبي قطيفة، عمرو بن الوليد في الأغاني 1/28، و حماسة القرشي 438.

[6]في الأغاني «الآطام: الدور المسطحة السقوف» .

[7]في الأغاني «أواس: واحدها آسي، و الآسي و الأساس واحد» .