الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
103

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد # فقد هاج لي مسراك وجدا على وجد

أ أن هتفت و رقاء في رونق الضّحى # على غصن غضّ النّبات من الرّند

بكيت كما يبكي الوليد و لم تكن # جليدا و أبديت الذي لم تكن تبدي

و قد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا # يملّ، و أنّ النّأي يشفي من الوجد

بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا # على أنّ قرب الدّار خير من البعد

683-[أنساب الحمام‏]

و قال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، و معروفات، و خارجيّات، و منسوبات.

و الذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النّسب التي تضاف إلى ابن الكلبيّ، و الشّرقيّ بن القطاميّ، و أبي اليقظان، و أبي عبيدة النحويّ، بل إلى دغفل ابن حنظلة، و ابن لسان الحمّرة، بل إلى صحار العبديّ. و إلى أبي السّطّاح اللّخميّ، بل إلى النّخّار العذريّ، و صبح الطائيّ، بل إلى مثجور بن غيلان الضّبيّ، و إلى سطيح الذئبيّ، بل ابن شريّة الجرهميّ، و إلى زيد بن الكيّس النّمريّ؛ و إلى كلّ نسّابة راوية، و كلّ متفنن علاّمة.

و وصف الهذيل المازنيّ، مثنّى بن زهير و حفظه لأنساب الحمام. فقال: و اللّه لهو أنسب من سعيد بن المسيّب، و قتادة بن دعامة للنّاس، بل هو أنسب من أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه!لقد دخلت على رجل أعرف بالأمّهات المنجبات من سحيم ابن حفص، و أعرف بما دخلها من الهجنة و الإقراف، من يونس بن حبيب.

684-[مما أشبه فيه الحمام الناس‏]

قال: و ممّا أشبه فيه الحمام النّاس في الصّور و الشّمائل و رقّة الطباع، و سرعة القبول و الانقلاب، أنّك إذا كنت صاحب فراسة، فمرّ بك رجال بعضهم كوفيّ، و بعضهم بصريّ، و بعضهم شاميّ و بعضهم يمانيّ، لم يخف عليك أمورهم في الصّور و الشمائل و القدود و النّغم أيّهم بصريّ، و أيّهم كوفيّ، و أيّهم يمانيّ، و أيهم مدنيّ و كذلك الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام و جنسها و بلادها إذا رآها.

[1]الأبيات لابن الدمينة في ديوانه 85، و لابن الطثرية في ديوانه 68-69، و لمجنون ليلى في ديوانه 112-113.

104

685-[ثمن الحمام و غيره‏]

[1] و للحمام من الفضيلة و الفخر، أن الحمام الواحد يباع بخمسائة دينار، و لا يبلغ ذلك باز و لا شاهين، و لا صقر و لا عقاب، و لا طاوس، و لا تدرج و لا ديك، و لا بعير و لا حمار، و لا بغل. و لو أردنا أن نحقّق الخبر بأنّ برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلاّ في حديث السّمر.

و أنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية، ثمّ دخلت بغداد و البصرة وجدت ذلك بلا معاناة. و فيه أنّ الحمام إذا جاء من الغاية بيع الفرخ الذّكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر، و بيعت الأنثى بعشرة دنانير أو أكثر، و بيعت البيضة بخمسة دنانير، فيقوم الزّوج منها في الغلّة مقام ضيعة، و حتى ينهض بمؤنة العيال، و يقضي الدّين، و تبنى من غلاّته و أثمان رقابه الدّور الجياد، و تبتاع الحوانيت المغلّة. هذا؛ و هي في ذلك الوقت ملهى عجيب، و منظر أنيق، و معتبر لمن فكّر، و دليل لمن نظر.

686-[عناية الناس بالحمام‏]

و من دخل الحجر و رأى قصورها المبنيّة لها بالشّامات و كيف اختزان تلك الغلاّت، و حفظ تلك المئونات؛ و من شهد أرباب الحمام. و أصحاب الهدى و ما يحتملون فيها من الكلف الغلاظ أيّام الزّجل، في حملانها على ظهور الرّجال، و قبل ذلك في بطون السفن، و كيف تفرد في البيوت، و تجمع إذا كان الجمع أمثل، و تفرّق إذا كانت التّفرقة أمثل و كيف تنقل الإناث عن ذكورتها، و كيف تنقل الذّكورة عن إناثها إلى غيرها، و كيف يخاف عليها الضّوى‏[2]إذا تقاربت أنسابها، و كيف يخاف على أعراقها من دخول الخارجيّات فيها، و كيف يحتاط في صحّة طرقها و نجلها؛ لأنّه لا يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام، فيضرب في النّجل بنصيب، فتعتريه الهجنة-و البيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها. و هم لا يحوطون أرحام نسائهم كما يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام. و من شهد أصحاب الحمام عند زجلها من الغاية، و الذين يعلّمون الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات، و كيف يتخيّرون الثّقة و موضع الصّدق و الأمانة، و البعد من الكذب و الرّشوة، و كيف يتوخّون [1]ربيع الأبرار 5/447.

[2]الضوى: الهزال و الضعف «القاموس: ضوى» .

105

ذا التّجربة و المعرفة اللّطيفة، و كيف تسخو أنفسهم بالجعالة الرّفيعة، و كيف يختارون لحملها من رجال الأمانة و الجلد و الشّفقة و البصر و حسن المعرفة-لعلم عند ذلك صاحب الدّيك و الكلب أنّهما لا يجريان في هذه الحلبة، و لا يتعاطيان هذه الفضيلة.

687-[خصائص الحمام‏]

قال: و للحمام من حسن الاهتداء، و جودة الاستدلال، و ثبات الحفظ و الذّكر، و قوّة النّزاع إلى أربابه، و الإلف لوطنه، ما ليس لشي‏ء. و كفاك اهتداء و نزاعا أن يكون طائر من بهائم الطير، يجي‏ء من برغمة، لا بل من العليق، أو من خرشنة[1]أو من الصفصاف‏[2]، لا بل من البغراس‏[3]، و من لؤلؤة[4].

ثمّ الدّليل على أنّه يستدلّ بالعقل و المعرفة، و الفكرة و العناية أنّه إنما يجي‏ء من الغاية على تدريج و تدريب و تنزيل. و الدليل على علم أربابه بأنّ تلك المقدّمات قد نجعن فيه، و عملن في طباعه، أنّه إذا بلغ الرّقّة غمّروا به بكرّة إلى الدّرب و ما فوق الدّرب من بلاد الرّوم، بل لا يجعلون ذلك تغميرا؛ لمكان المقدمات و الترتيبات التي قد عملت فيه و حذّقته و مرّنته.

و لو كان الحمام ممّا يرسل باللّيل، لكان ممّا يستدلّ بالنّجوم؛ لأنّا رأيناه يلزم بطن الفرات، أو بطن دجلة، أو بطون الأودية التي قد مرّ بها، و هو يرى و يبصر و يفهم انحدار الماء. و يعلم بعد طول الجولان و بعد الزّجال، إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة، أنّ طريقه و طريق الماء واحد، و أنه ينبغي أن ينحدر معه.

و ما أكثر ما يستدلّ بالجواد من الطّرق إذا أعيته بطون الأودية. فإذا لم يدر أ مصعد أم منحدر، تعرّف ذلك بالرّيح، و مواضع قرص الشمس في السماء. و إنّما يحتاج إلى ذلك كلّه إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه فربّما كرّ حين يزجل به يمينا و شمالا، و جنوبا و شمالا، و صبا و دبورا-الفراسخ الكثيرة و فوق الكثيرة.

[1]خرشنة: بلد قرب ملطية من بلاد الروم. معجم البلدان 2/359.

[2]الصفصاف: كورة من ثغر المصيصة، و المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية و بلاد الروم، تقارب مدينة طرسوس معجم البلدان 3/413، 5/145.

[3]بغراس: مدينة في لحف جبل اللكام، بينها و بين أنطاكية أربعة فراسخ، على يمين القاصد إلى أنطاكية من حلب. معجم البلدان 1/467.

[4]لؤلؤة: قلعة قرب طرسوس. معجم البلدان 5/26.

106

688-[الغمر و المجرّب من الحمام‏]

و في الحمام الغمر و المجرّب، و هم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين: أحدهما أن يكون الغمر عريفا فصاحبه يضنّ به، فهو يريد أن يدرّبه و يمرّنه ثمّ يكلفه بعد الشي‏ء الذي اتّخذه له، و بسببه اصطنعه و اتخذه. و إمّا أن يكون الغمر مجهولا، فهو لا يتعنّى و يشقي نفسه، و يتوقّع الهداية من الأغمار المجاهيل.

و خصلة أخرى: أنّ المجهول إذا رجع مع الهدى المعروفات، فحمله معها إلى الغاية فجاء سابقا، لم يكن له كبير ثمن حتّى تتلاحق به الأولاد. فإن أنجب فيهنّ صار أبا مذكورا و صار نسبا يرجع إليه، و زاد ذلك في ثمنه.

فأمّا المجرّب غير الغمر، فهو الذي قد عرّفوه الورود[1]و التحصّب؛ لأنّه متى لم يقدر على أن ينقضّ حتّى يشرب الماء من بطون الأودية و الأنهار و الغدران، و مناقع المياه، و لم يتحصّب بطلب بزور البراريّ، و جاع و عطش-التمس مواضع الناس. و إذا مرّ بالقرى و العمران سقط، و إذا سقط أخذ بالبايكير[2]و بالقفّاعة[3]، و بالملقف‏[4] و بالتّدبيق‏[5]و بالدّشاخ‏[6]؛ و رمى أيضا بالجلاهق‏[7]و بغير ذلك من أسباب الصّيد.

و الحمام طائر ملقّى غير موقّى‏[8]، و أعداؤه كثير، و سباع الطّير تطلبه أشدّ الطلب. و قد يترفّع مع الشّاهين، و هو للشاهين أخوف. فالحمام أطير منه و من جميع سباع الطير، و لكنّه يذعر فيجهل باب المخلص و يعتريه ما يعتري الحمار من الأسد إذا رآه، و الشاة إذا رأت الذّئب و الفارة إذا رأت السّنّور.

689-[سرعة طيران الحمام‏]

و الحمام أشدّ طيرانا من جميع سباع الطير، إلاّ في انقضاض و انحدار؛ فإنّ تلك [1]الورود: ورود الماء «القاموس: ورد» .

[2]البايكير: ما يصاد به الطير.

[3]القفاعة: شي‏ء يتخذ من جريد النخل لصيد الطائر «القاموس: قفع» .

[4]تلقف الشي‏ء: تناوله «القاموس: لقف» .

[5]الدبق: غراء يصاد به الطير «القاموس: دبق» .

[6]آلة من آلات الصيد.

[7]الجلاهق: كلمة فارسية تعني الطين المدور الذي يرمى به عن القوس. انظر المعرب للجواليقي 42.

[8]انظر الفقرة (635) .

107

تنحطّ انحطاط الصخور و متى التقت أمّة من سباع الطّير أو جفالة[1]من بهائم الطير، أو طرن على عرقة[2]و خيط ممدود، فكلّها يعتريها عند ذلك التّقصير عما ما كانت عليه، إذا طارت في غير جماعة.

و لن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن و ضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ، و قد ذكر ذلك النّابغة الذّبيانيّ في قوله‏[3]: [من البسيط]

و احكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت # إلى حمام شراع وارد الثّمد[4]

يحفّه جانبا نيق و يتبعه # مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد[5]

قال: ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتا و نصفه فقد[6]

فحسبوه فألفوه كما حسبت # تسعا و تسعين لم تنقص و لم تزد

فكمّلت مائة فيها حمامتها # و أسرعت حسبة في ذلك العدد

قال الأصمعيّ: لما أراد مديح الحاسب و سرعة إصابته، شدّد الأمر و ضيّقه عليه؛ ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا، و الطّير أخفّ من غيره، ثمّ جعله حماما و الحمام أسرع الطّير، و أكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهنّ؛ و ذلك أنّه يشتدّ طيرانه عند المسابقة و المنافسة. و قال: يحفّه جانبا نيق و يتبعه، فأراد أنّ الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتّسع عليه الفضاء.

690-[غايات الحمام‏]

و صاحب الحمام قد كان يدرّب و يمرّن و ينزل في الزّجال، و الغاية يومئذ واسط[7].

فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطّريق و تعريفه الورود و التحصّب‏[8]، مع بعد الغاية؟! [1]الجفالة: الجماعة من كل شي‏ء «القاموس: جفل» .

[2]العرقة: السطر من الطير و كل مصطفّ «القاموس: عرق» .

[3]ديوان النابغة الذبياني 23-25، و منه استقيت شرح الأبيات التالية.

[4]احكم: كن حكيما في أمرك، مصيبا في الرأي، و لم يرد الحكم في القضاء. فتاة الحي: زرقاء اليمامة. الشراع: القاصدة إلى الماء. الثمد: الماء القليل.

[5]النيق: الجبل. و قوله «و تتبعه مثل الزجاجة» ، أي عينها صافية كصفاء الزجاجة. و قوله «لم تكحل من الرمد» ، أي لم يصبها رمد فتكحل.

[6]فقد: أي حسبي.

[7]واسط: اسم لعدة مواضع، أعظمها و أشهرها واسط الحجاج، سميت بذلك لأنها متوسطة بين البصرة و الكوفة. معجم البلدان 5/347.

[8]تحصّب الحمام: خرج إلى الصحراء لطلب الحب «القاموس: حصب» .

108

691-[ما يختار للزّجل من الحمام‏]

و البغداديون يختارون للزّجال من الغاية الإناث، و البصريّون يختارون الذّكور فحجّة البغداديّين أن الذّكر إذا سافر و بعد عهده بقمط الإناث، و تاقت نفسه إلى السّفاد، و رأى أنثاه في طريقه، ترك الطّلب إن كان بعد في الجولان؛ أو ترك السّير إن كان وقع على القصد، و مال إلى الأنثى و في ذلك الفساد كلّه.

و قال البصريّ: الذّكر أحنّ إلى بيته لمكان أنثاه، و هو أشدّ متنا و أقوى بدنا، و هو أحسن اهتداء. فنحن لا ندع تقديم الشي‏ء القائم إلى معنى قد يعرض و قد لا يعرض.

692-[نصيحة شدفويه في تربية الحمام‏]

و سمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة، و هو يقول لعبد السلام بن أبي عمار: اجعل كعبة حمامك في صحن دارك، فإنّ الحمام إذا كان متى خرج من بيته إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلاّ بجمع النّفس و الجناحين، و بالنهوض و مكابدة الصعود-اشتدّ متنه، و قوي جناحه و لحمه. و متى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس و يجي‏ء منقضّا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى. و قد تعلمون أنّ الباطنيّين أشدّ متنا من الظاهريّين، و أنّ النّقرس لا يصيب الباطنيّ في رجله ليس ذلك إلاّ لأنّه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج‏[1]درجة بعد درجة، و كذلك نزوله، فلو درّبتم الحمام على هذا التّرتيب كان أصوب. و لا يعجبني تدريب العاتق و ما فوق العاتق‏[2]إلاّ من الأماكن القريبة؛ لأن العاتق كالفتاة العاتق، و كالصّبي الغرير، فهو لا يعدمه ضعف البدن، و قلّة المعرفة، و سوء الإلف. و لا يعجبني أن تتركوا الحمام حتّى إذا صار في عدد المسانّ و اكتهل، و ولد البطون بعد البطون، و أخذ ذلك من قوّة شبابه، حملتموه على الزّجل، و على التّمرين، ثمّ رميتم به أقصى غاية لا، و لكنّ التّدريب مع الشباب، و انتهاء الحدّة، و كمال القوّة، من قبل أن تأخذ القوّة في النّقصان. فهو يلقّن بقربه من الحداثة، و يعرّف بخروجه من حدّ الحداثة. فابتدءوا به التّعليم و التمرين في هذه المنزلة الوسطى.

[1]في القاموس: (الكندوج: شبه المخزن؛ معرب كندو، و كندجة الباني في الجدران و الطيقان، مولّدة) . «القاموس: كندج» .

[2]العاتق من الحمام: فرخه ما لم يستحكم، أو فرخ الطائر إذا طار و استقل «القاموس: عتق» .

109

693-[الوقت المناسب لتمرين فراخ الحمام‏]

و هم إذا أرادوا أن يمرّنوا الفراخ أخرجوها و هي جائعة، حتى إذا ألقوا إليها الحبّ أسرعت النزول. و لا تخرج و الرّيح عاصف، فتخرج قبل المغرب و انتصاف النهار، و حذّاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام؛ فإنّ الذّكورة يعتريها النّشاط و الطّيران و التّباعد و مجاوزة القبيلة. فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس. فرياضتها شديدة، و تحتاج إلى معرفة و عناية، و إلى صبر و مطاولة؛ لأنّ الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدّمات كان أيضا من العجب العجيب.

694-[اختيار الحمام‏]

و حدّثني بعض من أثق به أنّ يعقوب بن داود، قال لبعض من دخل عليه-و قد ذهب عنّي اسمه و نسيته، بعد أن كنت عرفته-: أما ترى كي أخلف ظنّنا و أخطأ رأينا، حتّى عمّ ذلك و لم يخصّ؟!أ ما كان في جميع من اصطنعناه و اخترناه، و تفرّسنا فيه الخير و أردناه به-واحد تكفينا معرفته مئونة الاحتجاج عنه، حتّى صرت لا أقرّع إلاّ بهم، و لا أعاب إلاّ باختيارهم!!قال: فقال له رجل إنّ الحمام يختار من جهة النّسب، و من جهة الخلقة. ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتّبه و تنزّله و تدرّجه، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك التّرتيب و التّدريب إلى الغاية، فيذهب الشّطر و يرجع الشطر، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك. و أنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها و لم تتأمّل مخيلة الخير في خلقها ثمّ لم ترض حتى ضربت بها بكرّة واحدة إلى الغاية، فليس بعجب و لا منكر ألاّ يرجع إليك واحد منها، و إنما كان العجب في الرّجوع. فأمّا في الضّلال فليس في ذلك عجب. و على أنّه لو رجع منها واحد أو أكثر من الواحد لكان خطؤك موفّرا عليك، و لم ينتقصه خطأ من أخطأ؛ لأنّه ليس من الصواب أن يجي‏ء طائرا من الغاية على غير عرق و على غير تدريب.

110

باب و من كرم الحمام الإلف و الأنس و النّزاع و الشّوق‏

695-[صدق خلق الحمام‏]

و ذلك يدلّ على ثبات العهد، و حفظ ما ينبغي أن يحفظ، و صون ما ينبغي أن يصان و إنه لخلق صدق في بني آدم فكيف إذا كان ذلك الخلق في بعض الطير.

و قد قالوا[1]: عمّر اللّه البلدان بحبّ الأوطان.

قال ابن الزّبير[2]: ليس النّاس بشي‏ء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم! و أخبر اللّه عزّ و جلّ عن طبائع النّاس في حبّ الأوطان، فقال: قََالُوا وَ مََا لَنََا أَلاََّ نُقََاتِلَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنََا مِنْ دِيََارِنََا وَ أَبْنََائِنََا [3]و قال: وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيََارِكُمْ مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ [4].

و قال الشاعر[5]: [من البسيط]

و كنت فيهم كممطور ببلدته # فسرّ أن جمع الأوطان و المطرا

فتجده يرسل من موضع فيجي‏ء، ثمّ يخرج من بيته إلى أضيق موضع و إلى رخام و نقان‏[6]فيرسل من أبعد من ذلك فيجي‏ء. ثم يصنع به مثل ذلك المرار الكثيرة، و يزاد في الفراسخ، ثم يكون جزاؤه أن يغمّر به من الرّقّة إلى لؤلؤة[7]فيجي‏ء و يسترق [1]هذا القول لعمر بن الخطاب في رسائل الجاحظ 2/389، و للعبدي في 1/64، و بلا نسبة في 4/110.

[2]رسائل الجاحظ 4/110، 1/64.

[3]246/البقرة: 2.

[4]66/النساء: 4.

[5]البيت بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/406، و ديوان المعاني 2/190.

[6]نقان: بضم أوله و يكسر، اسم جبل في بلاد أرمينية معجم البلدان 5/297.

[7]لؤلؤة: قلعة قرب طرسوس. معجم البلدان 5/26.

111

من منزل صاحبه فيقصّ، و يغبر هناك حولا و أكثر من الحول، فحين ينبت جناحه يحنّ إلى إلفه و ينزع إلى وطنه، و إن كان الموضع الثّاني أنفع له، و أنعم لباله. فيهب فضل ما بينهما لموضع تربيته و سكنه، كالإنسان الذي لو أصاب في غير بلاده الرّيف لم يقع ذلك في قلبه، و هو يعالجهم على أن يعطى عشر ما هو فيه في وطنه.

ثمّ ربّما باعه صاحبه، فإذا وجد مخلصا رجع إليه، حتّى ربما فعل ذلك مرارا.

و ربّما طار دهره و جال في البلاد، و ألف الطّيران و التقلّب في الهواء، و النّظر إلى الدنيا، فيبدو لصاحبه فيقصّ جناحه و يلقيه في ديماس‏[1]، فينبت جناحه، فلا يذهب عنه و لا يتغيّر له. نعم، حتّى ربّما جدف‏[2]و هو مقصوص، فإمّا صار إليه، و إمّا بلغ عذرا.

696-[قص جناح الحمام‏]

و متى قصّ أحد جناحيه كان أعجز له عن الطّيران، و متى قصّهما جميعا كان أقوى له عليه، و لكنه لا يبعد، لأنّه إذا كان مقصوصا من شقّ واحد اختلف خلقه، و لم يعتدل وزنه، و صار أحدهما هوائيا و الآخر أرضيا فإذا قصّ الجناحان جميعا طار، و إن كان مقصوصا فقد بلغ بذلك التعديل من جناحيه أكثر مما كان يبلغ بهما إذا كان أحدهما وافيا و الآخر مبتورا.

فالكلب الذي تدّعون له الإلف و ثبات العهد، لا يبلغ هذا، و صاحب الدّيك الذي لا يفخر للدّيك بشي‏ء من الوفاء و الحفاظ و الإلف، أحقّ بألاّ يعرض في هذا الباب.

قال: و قد يكون الإنسان شديد الحضر. فإذا قطعت إحدى يديه فأراد العدو كان خطوه أقصر، و كان عن ذلك القصد و السّنن أذهب، و كانت غاية مجهوده أقرب.

697-[حديث نباتة الأقطع‏]

و خبّرني كم شئت‏[3]، أنّ نباتة الأقطع و كان من أشدّاء الفتيان و كانت يده قطعت من دوين المنكب، و كان ذلك في شقّه الأيسر؛ فكان إذا صار إلى القتال و ضرب بسيفه، فإن أصاب الضّريبة ثبت، و إن أخطأ سقط لوجهه؛ إذ لم يكن جناحه الأيسر يمسكه و يثقّله حتى يعتدل بدنه.

[1]الديماس: الكنّ «القاموس: دمس» .

[2]جدف الطائر و هو مقصوص، كأنه يرد جناحيه إلى خلفه «القاموس: جدف» .

[3]هذه العبارة يستخدمها الجاحظ كثيرا، انظر رسائله 2/264.

112

698-[أجنحة الملائكة]

و قد طعن قوم في أجنحة الملائكة. و قد قال اللّه تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مََا يَشََاءُ [1]و زعموا أنّ الجناحين كاليدين، و إذا كان الجناح اثنين أو أربعة كانت معتدلة، و إذا كانت ثلاثة كان صاحب الثّلاثة كالجادف من الطّير[2]، الذي أحد جناحيه مقصوص، فلا يستطيع الطّيران لعدم التعديل. و إذا كان أحد جناحيه وافيا و الآخر مقصوصا، اختلف خلقه و صار بعضه يذهب إلى أسفل و الآخر إلى فوق.

و قالوا: إنّما الجناح مثل اليد، و وجدنا الأيدي و الأرجل في جميع الحيوان لا تكون إلاّ أزواجا. فلو جعلتم لكلّ واحد منهم مائة جناح لم ننكر ذلك. و إن جعلتموها أنقص بواحد أو أكثر بواحد لم نجوّزه.

قيل لهم: قد رأينا من ذوات الأربع ما ليس له قرن، و رأينا ما له قرنان أملسان، و رأينا ما له قرنان لهما شعب في مقاديم القرون، و رأينا بعضها جمّا و لأخواتها قرون، و رأينا منها ما لا يقال لها جمّ لأنّها ليست لها شكل ذوات القرون، و رأينا لبعض الشاء عدّة قرون نابتة في عظم الرّأس أزواجا و أفرادا، و رأينا قرونا جوفا فيها قرون، و رأينا قرونا لا قرون فيها، و رأيناها مصمتة، و رأينا بعضها يتصل قرنه في كلّ سنة، كما تسلخ الحيّة جلدها، و تنفض الأشجار ورقها، و هي قرون الأيائل، و قد زعموا أنّ للحمار الهنديّ‏[3]قرنا واحدا.

699-[ضروب من الطير]

و قد رأينا طائرا شديد الطيران بلا ريش كالخفاش، و رأينا طائرا لا يطير و هو وافي الجناح، و رأينا طائرا لا يمشي و هو الزّرزور. و نحن نؤمن بأنّ جعفرا الطّيار ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنان، جعلا له عوضا من يديه اللتين قطعتا على لواء المسلمين في يوم مؤتة[4]. و غير ذلك من أعاجيب أصناف الخلق.

[1]1/فاطر: 35.

[2]الجادف: الطائر الذي يطير و هو مقصوص «القاموس: جدف» .

[3]الحمار الهندي: هو الكركدن، و هو عدو الفيل، يقال إنه متولد من بين الفرس و الفيل. حياة الحيوان 3/243.

[4]مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، و بها كان يوم مؤتة في السنة الثامنة للهجرة بين المسلمين و الروم. انظر أيام العرب في الإسلام 88-91، و معجم البلدان 5/219 (مؤتة) .

113

فقد يستقيم-و هو سهل جائز شائع مفهوم، و معقول قريب غير بعيد أن يكون إذا وضع طباع الطائر على هذا الوضع الذي تراه ألاّ يطير إلاّ بالأزواج. فإذا وضع على غير هذا الوضع، و ركّب غير هذا التّركيب صارت ثلاثة أجنحة و فوق تلك الطبيعة.

و لو كان الوطواط في وضع أخلاطه و أعضائه و امتزاجاته كسائر الطير، لما طار بلا ريش.

700-[الطير الدائم الطيران‏]

و قد زعم البحريّون أنّهم يعرفون طائرا لم يسقط قطّ، و إنما يكون سقوطه من لدن خروجه من بيضه إلى أن يتمّ قصب ريشه‏[1]، ثمّ يطير فليس له رزق إلاّ من بعوض الهواء و أشباه البعوض؛ إلاّ أنّه قصير العمر سريع الانحطام.

701-[بقية الحديث في أجنحة الملائكة]

و ليس بمستنكر أن يمزج الطائر و يعجن غير عجنه الأوّل فيعيش ضعف ذلك العمر. و قد يجوز أيضا أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين، فيكون الثالث للثاني كالثاني للأوّل، و تكون كلّ واحدة من ريشة عاملة في التي تليها من ذلك الجسم فتستوي في القوى و في الحصص.

و لعلّ الجناح الذي أنكره الملحد الضّيّق العطن أن يكون مركز قوادمه في حاقّ‏[2]الصّلب.

و لعلّ ذلك الجناح أن تكون الريشة الأولى منه معينة للجناح الأيمن و الثانية معينة للجناح الأيسر، و هذا مما لا يضيق عنه الوهم، و لا يعجز عنه الجواز.

فإذا كان ذلك ممكنا في معرفة العبد بما أعاره الربّ جلّ و عزّ، كان ذلك في قدرة اللّه أجوز. و ما أكثر من يضيق صدره لقلّة علمه!

702-[أعضاء المشي لدى الحيوان و الإنسان‏]

و قد علموا أنّ كلّ ذي أربع فإنّه إذا مشى قدّم إحدى يديه، و لا يجوز أن يستعمل اليد الأخرى و يقدّمها بعد الأولى حتّى يستعمل الرّجل المخالفة لتلك اليد:

إن كانت اليد المتقدّمة اليمنى حرّك الرّجل اليسرى، و إذا حرّك الرجل اليسرى لم [1]ربيع الأبرار 5/456.

[2]حاق الصلب: وسطه. ـ

114

يحرّك الرّجل اليمنى-و هو أقرب إليها و أشبه بها-حتّى يحرّك اليد اليسرى. و هذا كثير.

و في طريق أخرى فقد يقال: إنّ كلّ إنسان فإنما ركبته في رجله، و جميع ذوات الأربع فإنّما ركبها في أيديها. و كلّ شي‏ء ذي كفّ و بنان كالإنسان، و القرد، و الأسد، و الضّبّ، و الدّب، فكفّه في يده. و الطّائر كفّه في رجله.

703-[غرائب تصرفات بعض الناس‏]

1-[استعمال الإنسان رجليه ما كان يعمله بيديه‏]

و ما رأيت أحدا ليس له يد إلاّ و هو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، و ما أقف على شي‏ء من عمل الأيدي إلاّ و أنا قد رأيت قوما يتكلّفونه بأرجلهم.

و لقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة[1]نبيذ في قنانيّ رطليّات و فقّاعيّات فراهنوه، و أزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في خبرهم، فزعموا أنّه وفى و زاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم «زاد» قالوا: هو أنّه لو صبّ من رأس الدّستيجة حوالي أفواه القنانيّ كما يعجز عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. و لقد فرّغ ما فيها في جميع القناني فما ضيّع أوقيّة واحدة.

2-[قيام بعض الناس بعمل دقيق في الظلام‏]

و خبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه، أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح، و يفرغ قربة في قنانيّ فلا يصبّ إستارا[2]واحدا فعله.

و لو حكى لي الحزاميّ هذا الصّنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان يعجبني منه أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك و هو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله و هو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمّض عينيه فهو عندي عجب، و إن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السّنّور و الفأر، فإنّ هذا عندي عجب آخر و غرائب الدّنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، و كان له في العلم أصل، و كان بينه و بين التبيّن نسب.

[1]الدستيج: آنية تحول باليد، معرب دستي. «القاموس: دستج» .

[2]الإستار: من الأوزان يساوي أربعة مثاقيل و نصف «القاموس: ستر» .

115

3-[إنكار الناس للغرائب‏]

و أكثر الناس لا تجدهم إلاّ في حالتين: إمّا في حال إعراض عن التبيّن و إهمال للنّفس، و إمّا في حال تكذيب و إنكار و تسرّع إلى أصحاب الاعتبار و تتبّع الغرائب، و الرغبة في الفوائد. ثمّ يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، و أنّ ذلك باب من التوقّي، و جنس من استعظام الكذب، و أنّه لم يكن كذلك إلاّ من حاقّ الرّغبة في الصّدق. و بئس الشي‏ء عادة الإقرار و القبول. و الحقّ الذي أمر اللّه تعالى به و رغب فيه، و حثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض و استحال، و الآخر ما امتنع في الطبيعة، و خرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين، و جرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت و أن يكون الحقّ في ذلك هو ضالّتك، و الصّدق هو بغيتك، كائنا ما كان، وقع منك بالموافقة أم وقع منك بالمكروه. و متى لم تعلم أنّ ثواب الحقّ و ثمرة الصّدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على أن تعطي التثبت حقّه.

704-[تشبيه رماد الأثافي بالحمام‏]

قال: و هم يصفون الرّماد الذي بين الأثافيّ بالحمامة، و يجعلون الأثافيّ أظآرا لها، للانحناء الذي في أعالي تلك الأحجار، و لأنّها كانت معطّفات عليها و حانيات على أولادها. قال ذو الرّمّة[1]: [من الطويل‏]

كأنّ الحمام الورق في الدّار جثّمت # على خرق بين الأثافي جوازله‏

شبّه الرّماد بالفراخ قبل أن تنهض و الجثوم في الطير مثل الرّبوض في الغنم. و قال الشماخ‏[2]: [من الطويل‏]

و إرث رماد كالحمامة ماثل # و نؤيين في مظلومتين كداهما

و قال أبو حيّة[3]: [من الوافر]

من العرصات غير مخدّ نؤي # كباقي الوحي خطّ على إمام‏[4]

[1]ديوان ذي الرمة 1244، و فيه: (شبّه الأثافي بحمام ورق تضرب إلى السواد. و قوله «جثمت على خرق» يريد به الرماد. فشبه الأثافي على الرماد بحمام على الفراخ. و الجوزل: الفرخ) .

[2]ديوان الشماخ 309.

[3]ديوان أبي حية النميري 91.

[4]في ديوانه: (المخد: موضع الخد و هو الشق. الوحي: الكتابة. الإمام: الكتاب) .

116

و غير خوالد لوّحن حتى # بهنّ علامة من غير شام‏[1]

كأنّ بها حمامات ثلاثا # مثلن و لم يطرن مع الحمام‏

و قال العرجي‏[2]: [من الطويل‏]

و مربط أفراس وخيم مصرّع # و هاب كجثمان الحمامة هامد[3]

و قال البعيث: [من الطويل‏]

و يسفع ثوين العام و العام قبله # و سحق رماد كالنّصيف من العصب‏[4]

705-[ما قيل من الشعر في نوح الحمام و في ارتفاع بيوتها]

و قالوا في نوح الحمام، قال جران العود[5]: [من البسيط]

و استقبلوا واديا نوح الحمام به # كأنّه صوت أنباط مثاكيل‏

و قالوا في ارتفاع مواضع بيوتها و أعشاشها. و قال الأعشى‏[6]: [من الطويل‏]

أ لم تر أن العرض أصبح بطنه # خيلا و زرعا نابتا و فصافصا[7]

و ذا شرفات يقصر الطّرف دونه # ترى للحمام الورق فيه قرامصا

و قال عمرو بن الوليد[8]: [من الخفيف‏]

فتبدّلت من مساكن قومي # و القصور التي بها الآطام

كلّ قصر مشيّد ذي أواس # تتغنّى على ذراه الحمام‏

و الحمام أيضا ربما سكن أجواف الرّكايا، و لا يكون ذلك إلاّ للوحشيّ منها، و في البير التي لا تورد. قال الشاعر: [من الوافر]

بدلو غير مكربة أصابت # حماما في مساكنه فطارا

[1] (لوحن: غيرتهن النار. الخوالد: الأثافي) .

[2]ديوان العرجي 117.

[3]خيم: جمع خيمة «القاموس: خيم» . الهابي: الرقيق الدقيق المرتفع «القاموس: هبي» .

[4]العصب: ضرب من البرود اليمنية «القاموس: عصب» .

[5]ديوان جران العود 36.

[6]ديوان الأعشى 201، و الأول في اللسان و التاج (فصص، عرض) ، و المقاييس 4/280، و المخصص 14/41، و الثاني في اللسان و التاج (قرمص) ، و العين 5/247.

[7]العرض: موضع باليمامة. فصافص: جمع فصصة، بكسر الفاء؛ و هو نبات تعلفه الدواب.

[8]البيتان في الأغاني 1/28، و حماسة القرشي 438.

117

يقول: استقى بسفرته من هذه البئر، و لم يستق بدلو. و هذه بئر قد سكنها الحمام لأنّها لا تورد.

و قال جهم بن خلف‏[1]: [من الطويل‏]

و قد هاج شوقي أن تغنّت حمامة # مطوّقة و رقاء تصدح في الفجر

هتوف تبكّي ساق حرّ و لن ترى # لها دمعة يوما على خدّها تجري

تغنّت بلحن فاستجابت لصوتها # نوائح بالأصياف في فنن السّدر[2]

إذا فترت كرّت بلحن شج لها # يهيّج للصّبّ الحزين جوى الصّدر

دعتهنّ مطراب العشيّات و الضّحى # بصوت يهيج المستهام على الذّكر

فلم أر ذا وجد يزيد صبابة # عليها، و لا ثكلى تبكّي على بكر

فأسعدنها بالنّوح حتّى كأنّما # شربن سلافا من معتّقة الخمر

تجاوبن لحنا في الغصون كأنّها # نوائح ميت يلتدمن لدى قبر[3]

بسرّة واد من تبالة مونق # كسا جانبيه الطّلح و اعتمّ بالزّهر[4]

706-[استطراد لغوي‏]

و يقال: هدر الحمام يهدر. قال: و يقال في الحمام الوحشي من القماريّ و الفواخت و الدّباسي و ما أشبه ذلك: قد هدل يهدل هديلا. فإذا طرّب قيل غرّد يغرد تغريدا. و التغريد يكون للحمام و الإنسان، و أصله من الطير.

و أمّا أصحابنا فيقولون: إنّ الجمل يهدر، و لا يكون باللام، و الحمام يهدل و ربّما كان بالراء.

و بعضهم يزعم أنّ الهديل من أسماء الحمام الذّكر. قال الرّاعي و اسمه عبيد بن الحصين‏[5]: [من الكامل‏]

كهداهد كسر الرّماة جناحه # يدعو بقارعة الطّريق هديلا

[1]الأبيات في ربيع الأبرار 5/447، عدا البيت قبل الأخير.

[2]السدر: شجر النبق. «القاموس: سدر» .

[3]يلتدمن: يضربن صدورهن في النياحة «القاموس: لدم» .

[4]تبالة: موضع ببلاد اليمن. معجم البلدان 2/9. الطلح قيل: الموز، و قيل: شجر عظيم بالبادية كالسّمر، أو شجر حسن اللون لخضرته، له رفيف و نور طيب. عمدة الحفاظ (طلع) ، و انظر كتب التفسير في قوله تعالى: وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ [29/الواقعة: 56].

[5]ديوان الراعي 238، و اللسان و التاج (هدد، هدل) ، و الجمهرة 194، 1211، و التهذيب 5/353، 354، و العين 3/347، و المجمل 4/447، و المخصص 8/134.

118

707-[ساق حرّ]

و زعم الأصمعيّ أنّ قوله‏[1]: «هتوف تبكّي ساق حرّ» إنّما هو حكاية صوت وحشيّ الطير من هذه النّوّاحات. و بعضهم يزعم أنّ «ساق حرّ» هو الذكر، و ذهب إلى قول الطّرمّاح في تشبيه الرّماد بالحمام، فقال‏[2]: [من المديد]

بين أظآر بمظلومة # كسراة السّاق ساق الحمام‏

708-[صفة فرس‏]

و قال آخر[3]يصف فرسا: [من الراجز]

ينجيه من مثل حمام الأغلال # رفع يد عجلى و رجل شملال

تظمأ من تحت و تروي من عال‏

الأغلال: جمع غلل، و هو الماء الذي يجري بين ظهري الشّجر قال: و المعنى أنّ الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. و قوله: شملال أي خفيفة.

[1]يقصد قصيدة جهم بن خلف التي تقدمت.

[2]ديوان الطرماح 391، و البرصان 179.

[3]الرجز لدكين بن رجاء في اللسان (غلل، ظما، علا) ، و التاج (غلل) . و بلا نسبة في اللسان (ظمأ) ، و التاج (ظمأ، علا) ، و المخصص 13/144، و التهذيب 3/185، 14/402، و المقاييس 4/117.

119

باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح و الشّيات‏

709-[شيات الحمام‏]

و يكون فيها المصمت و البهيم أكثر ألوانا، و من أصناف التّحاسين ما يكون في الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمّتا، و أحمر مصمتا و أسود مصمتا، و أبيض مصمتا، و ضروبا من ذلك، كلها مصمتة[1]. إلاّ أنّ الهداية للخضر النّمر. فإذا ابيضّ الحمام كالفقيع فمثله من النّاس الصّقلابيّ، فإن الصّقلابيّ فطير[2]خام لم تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة.

و إن اسودّ الحمام فإنما ذلك احتراق، و مجاوزة لحدّ النّضج. و مثل سود الحمام من الناس الزّنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حدّ الإنضاج إلى الإحراق، و شيّطت‏[4]الشّمس شعورهم فتقبّضت.

و الشّعر إذا أدنيته من النّار تجعّد، فإن زدته تفلفل‏[5]، فإن زدته احترق.

و كما أنّ عقول سودان النّاس و حمرانهم دون عقول السّمر، كذلك بيض الحمام و سودها دون الخضر في المعرفة و الهداية.

710-[استطراد لغوي‏]

و أصل الخضرة إنّما هو لون الرّيحان و البقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، و السماء خضراء، حتّى سمّوا بذلك الكحل و اللّيل.

قال الشّمّاخ بن ضرار[5]: [من الطويل‏]

و رحن رواحا من زرود فنازعت # زبالة جلبابا من الليل أخضرا

[1]المقصود بالمصمت: الخالص.

[2]فطير: لم ينضج «القاموس: فطر» .

[3]شيطت: أحرقت «القاموس: شيط» .

[4]شعر مفلفل: شديد الجعودة «القاموس: فلّ» .

[5]ديوان الشماخ 139، و أساس البلاغة (نزع) ، و الجمهرة 684، و بلا نسبة في الجمهرة 586.

120

و قال الرّاجز[1]: [من الرجز]

حتّى انتضاه الصّبح من ليل خضر # مثل انتضاء البطل السّيف الذّكر

نضو هوى بال على نضو سفر

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ، `فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ `مُدْهََامَّتََانِ [2]قال: خضراوان من الرّي سوداوان.

و يقال: إن العراق إنّما سمّي سوادا بلون السّعف الذي في النّخل، و مائه.

و الأسودان: الماء و التمر. و الأبيضان: الماء و اللبن. و الماء أسود إذا كان مع التّمر، و أبيض إذا كان مع اللّبن.

و يقولون: سود البطون و حمر الكلى، و يقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، و أن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، و يقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا يكون في بطونها شحم.

و يقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. و قالوا:

بل يريدون ظلّه.

فأمّا خضر محارب، فإنما يريدون السّود و كذلك: خضر غسّان و لذلك قال الشاعر[3]: [من البسيط]

إنّ الخضارمة الخضر الذين غدوا # أهل البريص ثمان منهم الحكم‏[4]

و من هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه‏[5]: [من الرمل‏]

و أنا الأخضر من يعرفني # أخضر الجلدة في بيت العرب‏

و إذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنّه قد ولدته سوداء. و إذا قالوا:

[1]الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/208.

[2]64-65/الرحمن: 55.

[3]البيت للغساني في رسائل الجاحظ 1/209.

[4]البريص: اسم نهر دمشق، أو الغوطة بأجمعها. معجم البلدان 1/407.

[5]البيت للفضل بن العباس في السمط 701، و الفاخر 53، و المؤتلف 35، و معجم الشعراء 178، و الأغاني 16/172، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 224، و المعارف 126، و الأضداد 382.

و التنبيه و الإيضاح 2/117، و التهذيب 7/106، و الجمهرة 587، 685، و أساس البلاغة و التاج (خضر) ، و الحماسة المغربية 649، و نسب قريش 90، و رغبة الآمل 2/237، 8/183، و له أو لعمر بن أبي ربيعة في رسائل الجاحظ 1/208، و لعتبة بن أبي لهب في اللسان (خضر) ، و بلا نسبة في المقاييس 2/195، و المجمل 2/198، و التهذيب 7/103.

121

فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنّه حائك، لأنّ الحائك بطنه لطول التزاقه بالخشبة التي يطوى عليها الثّوب يسودّ.

و كان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النّظام، أنّه كان يسمّيه الأخضر البطن، و الأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس-يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق-حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنّما يريد أنّك من أبناء الحاكة!فعاداه لذلك.

فإذا قيل أخضر النّواجذ، فإنما يريدون أنّه من أهل القرى، ممّن يأكل الكرّاث و البصل.

و إذا قيل للثّور: خاضب؛ فإنما يريدون أنّ البقل قد خضب أظلافه بالخضرة.

و إذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه‏[1]فإنهما يحمرّان في القيظ، و إذا قيل للرّجل خاضب، فإنّما يريدون الحنّاء فإذا كان خضابه بغير الحنّاء قالوا: صبغ و لا يقال خضب.

711-[الألفاظ المثناة]

و يقولون في شبيه بالباب الأوّل: الأحمران: الذهب و الزعفران، و الأبيضان:

الماء و اللّبن، و الأسودان: الماء و التمر.

و يقولون: أهلك النّساء الأحمران: الذّهب و الزّعفران، و أهلك النّاس الأحامر:

الذهب، و الزعفران، و اللّحم، و الخمر.

و الجديدان: اللّيل و النهار، و هما الملوان.

و العصر: الدّهر، و العصران: صلاة الفجر و صلاة العشي، و العصران: الغداة و العشيّ، قال الشاعر[2]: [من الطويل‏]

و أمطله العصرين حتّى يملّني # و يرضى بنصف الدّين و الأنف راغم‏

و يقال: «البائعان بالخيار» [3]و إنّما هو البائع و المشتري‏[4]، فدخل المبتاع في البائع.

[1]الوظيف: مستدق الذراع و الساق «القاموس: وظف» .

[2]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (عصر) ، و المقاييس 3/380، و التهذيب 2/13، و المجمل 3/297، و الأضداد 202، و صدر البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه 119 و رواية عجزه: (و يرضى ببعض الدين في غير نائل) .

[3]أخرج البخاري في كتاب البيوع برقم 1973، 1976، 2002، 2004، 2008 (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا... ) ، و أخرجه مسلم في البيوع برقم 1532.

[4]أي أن «باع» هي كلمة من الأضداد، انظر الأضداد 73-75، 199. ـ

122

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ [1]، دخلت الأمّ في اسم الأبوّة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين و كقولهم: ثبيرين‏[2]، و البصرتين‏[3]. و ليس ذلك بالواجب؛ و قد قالوا: سيرة العمرين، و أبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق‏[4]: [من الطويل‏]

أخذنا بآفاق السّماء عليكم # لنا قمراها و النّجوم الطّوالع‏

و أمّا قول ذي الرّمّة[5]: [من الطويل‏]

و ليل كجلباب العروس ادّرعته # بأربعة و الشخص في العين واحد

فإنه ليس يريد لون الجلباب، و لكنّه يريد سبوغه.

712-[جواب أعرابيّ‏]

قال‏[6]: و كذلك قول الأعرابيّ حين قيل له: بأيّ شي‏ء تعرف حمل شاتك؟ قال: «إذا استفاضت خاصرتها، و دجت شعرتها» . فالدّاجي هاهنا اللابس.

قال الأصمعي و مسعود بن فيد الفزاري: أ لا ترونه يقول: «كان ذلك و ثوب الإسلام داج» . و أما لفظ الأصمعيّ فإنّه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام‏[7]. يعني أنّه ألبس كلّ شي‏ء.

713-[شيات الحمام‏]

ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام.

و زعموا أنّ الأوضاح كلّها ضعف، قليلها و كثيرها، إلاّ أنّ ذلك بالحصص على [1]11/النساء: 4.

[2]الثبيران: جبلان مفترقان يصب بينهما أفاعية، و هو واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غينى، و للآخر ثبير الأعرج. معجم البلدان 2/73 (ثبير) .

[3]البصرتان: البصرة و الكوفة. معجم البلدان 1/430 (البصرة) .

[4]ديوان الفرزدق 1/419، و الخزانة 4/391، 9/128، و شرح شواهد المغني 1/13، 2/964، و اللسان (عوي) ، و بلا نسبة في اللسان (شرق، قبل) ، و المقتضب 4/326.

[5]ديوان ذي الرمة 1108، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (روز) . و رواية صدر البيت في المصادر (و ليل كأثناء الرويزي جبته) . و البيت كرواية الجاحظ في ديوان المعاني 1/342، و أخبار أبي تمام 83.

[6]عيون الأخبار 2/75.

[7]النهاية 2/102 و فيه «دجا الإسلام: شاع و كثر» .

123

قدر الكثرة و القلّة، كذلك هي في جميع الحيوان سواء مستقبلها و مستدبرها. و ذلك ليس بالواجب حتى لا يغادر شيئا البتة؛ لأنّ الكلبة السّلوقيّة البيضاء أكرم و أصيد، و أصبر من السّوداء.

و البياض في النّاس على ضروب: فالمعيب منه بياض المغرب و الأشقر و الأحمر أقلّ في الضّعف و الفساد، إذا كان مشتقّا من بياض البهق و البرص و البرش و الشيب و المغرب عند العرب لا خير فيه البتة. و الفقيع لا ينجب، و ليس عنده إلاّ حسن بياضه، عند من اشتهى ذلك.

714-[سوابق الخيل‏]

و زعم ابن سلاّم الجمحيّ أنّه لم ير قطّ بلقاء و لا أبلق جاء سابقا. و قال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ؛ لأنهم يمدحون المجفر[1]من الخيل، كما قال‏[2]: [من المنسرح‏]

خيط على زفرة فتمّ و لم # يرجع إلى دقّة و لا هضم‏

و يقولون: إنّ الفرس بعنقه و بطنه.

و خبّرني بعض أصحابنا، أنّه رأى فرسا للمأمون بلقاء سبقت الحلبة. و هذه نادرة غريبة.

715-[نظافة الحمام و نفع ذرقه‏]

و الحمام طائر ألوف مألوف و محبّب، موصوف بالنّظافة، حتى إنّ ذرقه لا يعاف و لا نتن له، كسلاح‏[3]الدّجاج و الدّيكة. و قد يعالج بذرقه صاحب الحصاة.

و الفلاّحون يجدون فيه أكثر المنافع. و الخبّاز يلقي الشي‏ء منه في الخمير لينتفخ العجين و يعظم الرغيف، ثمّ لا يستبين ذلك فيه. و لذرقه غلاّت، يعرف ذلك أصحاب الحجر. و هو يصلح في بعض وجوه الدّبغ.

[1]المجفر: الواسع العظيم «القاموس: جفر» .

[2]البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 156، و اللسان (زفر، هضم) ، و أساس البلاغة (زفر) ، و التاج (هضم) ، و المعاني الكبير 139، و بلا نسبة في الجمهرة 706، و المخصص 14/146.

[3]السّلاح: النجو «القاموس: سلح» .

124

باب الحمام طائر لئيم‏

<باب>

716-[لؤم الحمام‏]

و قال صاحب الدّيك: الحمام طائر لئيم قاسي القلب، و إن برّ بزعمكم ولد غيره، و صنع به كما يصنع بفرخه؛ و ذلك أنهما يحضنان كلّ بيض، و يزقّان كلّ فرخ، و ما ذاك منهما إلاّ في الفرط.

فأمّا لؤمه فمن طريق الغيرة، فإنّه يرى بعينه الذّكر الذي هو أضعف منه، و هو يطرد أنثاه و يكسح بذنبه حولها، و يتطوّس‏[1]لها و يستميلها، و هو يرى ذلك بعينه- ثمّ لم نر قط ذكرا واثب ذكرا عند مثل ذلك.

فإذا قلت: إنّه يشتدّ عليه و يمنعه إذا جثمت له و أراد أن يعلوها؛ فكلّ ذكر و أنثى هنالك يفعل ذلك، و ليس ذلك من الذكر الغريب من طريق الغيرة، و لكنّه ضرب من البخل و من النّفاسة. و إذا لم يكن من ذكرها إلاّ مثل ما يكون من جميع الحمام علم أنّ ذلك منه ليس من طريق الغيرة. و أنا رأيت النواهض تفعل ذلك، و تقطع على الذّكر بعد أن يعلو على الأنثى.

قال: و أمّا ما ذكرتم من أن الحمام معطوف على فراخه ما دامت محتاجة إلى الزّقّ، فإذا استغنت نزعت منها الرحمة، فليس ذلك كما قلتم. الحمام طائر ليس له عهد؛ و ذلك أنّ الذّكر ربما كانت معه الأنثى السّنين، ثمّ تنقل عنه و توارى عنه شهرا واحدا، ثم تظهر له مع زوج أضعف منه، فيراها طول دهره و هي إلى جنب بيته و تماريده‏[2]فكأنه لا يعرفها بعد معرفتها الدّهر الطويل، و إنما غابت عنه الأيّام اليسيرة. فليس يوجّه ذلك الجهل الذي يعامل به فراخه بعد أن كبرت، إلاّ على الغباوة و سوء الذّكر، و أنّ الفرخ حين استوى ريشه و أشبه غيره من الحمام جهل الفصل الذي بينهما.

فإن كان يعرف أنثاه و هو يجدها مع ذكر ضعيف و هو مسلّم لذلك و قانع به، و قليل الاكتراث به، فهو من لؤم في أصل الطبيعة.

[1]تطوّس: أبدى محاسنه و جماله. انظر القاموس «طوس» .

[2]التّمراد: بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه.

125

717-[قسوة الحمام‏]

قال: و باب آخر من لؤمه: القسوة، و هي ألأم اللّؤم؛ و ذلك أن الذّكر ربّما كان في البيت طائر ذكر قد اشتدّ ضعفه، فينقر رأسه و الآخر مستخذله ، قد أمكنه من رأسه خاضعا له، شديد الاستسلام لأمره، فلا هو يرحمه لضعفه و عجزه عنه، و لا هو يرحمه لخضوعه، و لا هو يملّ و ليس له عنده وتر. ثمّ ينقر يافوخه حتى ينقب عنه، ثمّ لا يزال ينقر ذلك المكان بعد النّقب حتى يخرج دماغه فيموت بين يديه.

فلو كان ممّا يأكل اللّحم و اشتهى الدماغ كان ذلك له عذرا؛ إذ لم يعد ما طبع اللّه عليه سباع الطير.

فإذا رأينا من بعض بهائم الطير من القسوة ما لا نرى من سباع الطير لم يكن لنا إلاّ أن نقضي عليه من اللؤم على حسب مباينته لشكل البهيمة، و يزيد في ذلك على ما في جوارح الطير من السّبعية.

718-[أقوال لصاحب الديك في الحمام‏]

و قال صاحب الديك:

زعم أبو الأصبغ بن ربعيّ قال: كان روح أبو همام صاحب المعمّى، عند مثنّى ابن زهير، فبينما هو يوما و هو معه في السطح إذ جاء جماعة فصعدوا. فلم يلبث أن جاء آخرون، ثمّ لم يلبث أن جاء مثلهم، فأقبل عليهم فقال: أيّ شي‏ء جاء بكم؟و ما الذي جمعكم اليوم؟قالوا: هذا اليوم الذي يرجع فيه مزاجيل الحمام من الغاية. قال:

ثمّ ما ذا؟قالوا: ثمّ نتمتّع بالنّظر إليها إذا أقبلت. قال: لكنّني أتمتّع بتغميض العين إذا أقبلت، و ترك النّظر إليها!!ثمّ نزل و جلس وحده.

719-[التلهّي بالحمام‏]

و قال مثنّى بن زهير ذات يوم: ما تلهّى النّاس بشي‏ء مثل الحمام، و لا وجدنا شيئا مما يتخذه النّاس و يلعب به و يلهى به، يخرج من أبواب الهزل إلى أبواب الجدّ- كالحمام-و أبو إسحاق حاضر-فغاظه ذلك، و كظم على غيظه. فلمّا رأى مثنّى سكوته عن الردّ عليه طمع فيه فقال: يبلغ و اللّه من كرم الحمام و وفائه، و ثبات عهده، و حنينه إلى أهله، أنّي ربّما قصصت الطّائر و بعد أن طار عندي دهرا، فمتى نبت جناحه كنباته الأوّل، لم يدعه سوء صنعي إليه إلى الذّهاب عنّي. و لربّما بعته‏

126

فيقصّه المبتاع حينا، فما هو إلاّ أن يجد في جناحه قوّة على النّهوض حتّى أراه أتاني جادفا أو غير جادف‏[1]. و ربّما فعلت ذلك به مرارا كثيرة، كلّ ذلك لا يزداد إلاّ وفاء.

قال أبو إسحاق: أمّا أنت فأراك دائبا تحمده و تذمّ نفسك. و لئن كان رجوعه إليك من الكرم إنّ إخراجك له من اللّؤم!و ما يعجبني من الرّجال من يقطع نفسه لصلة طائر، و ينسى ما عليه في جنب ما للبهيمة. ثم قال: خبّرني عنك حين تقول:

رجع إليّ مرّة بعد مرّة، و كلما زهدت فيه كان فيّ أرغب، و كلّما باعدته كان لي أطلب؛ إليك جاء، و إليك حنّ أم إلى عشّه الذي درج منه، و إلى وكره الذي ربّي فيه؟! أ رأيت أن لو رجع إلى وكره و بيته ثمّ لم يجدك، و ألفاك غائبا أو ميّتا، أ كان يرجع إلى موضعه الذي خلّفه؟!و على أنّك تتعجّب من هدايته، و ما لك فيه مقال غيره. فأمّا شكرك على إرادته لك، فقد تبيّن خطاؤك فيه، و إنما بقي الآن حسن الاهتداء، و الحنين إلى الوطن.

720-[هداية الرخم‏]

و قد أجمعوا على أنّ الرّخم من لئام الطير و بغاثها، و ليست من عتاقها و أحرارها، و هي من قواطع الطّير، و من موضع مقطعها إلينا ثمّ مرجعها إليه من عندنا، أكثر و أطول من مقدار أبعد غايات حمامكم. فإن كانت وقت خروجها من أوطانها إلينا خرجت تقطع الصّحارى و البراريّ و الجزائر و الغياض و البحار و الجبال، حتّى تصير إلينا في كلّ عام-فإن قلت إنّها ليست تخرج إلينا على سمت و لا على هداية و لا دلالة، و لا على أمارة و علامة، و إنما هربت من الثّلوج و البرد الشّديد، و علمت أنّها تحتاج إلى الطّعم، و أنّ الثّلج قد ألبس ذلك العالم، فخرجت هاربة فلا تزال في هربها إلى أن تصادف أرضا خصبا دفئا، فتقيم عند أدنى ما تجد-فما تقول فيها عند رجوعها و معرفتها بانحسار الثلوج عن بلادها؟!أ ليست قد اهتدت طريق الرّجوع!؟ و معلوم عند أهل تلك الأطراف، و عند أصحاب التّجارب و عند القانص، أنّ طير كلّ جهة إذا قطعت رجعت إلى بلادها و جبالها و أوكارها، و إلى غياضها و أعشّتها. فتجد هذه الصّفة في جميع القواطع من الطّير، كرامها كلئامها، و بهائمها كسباعها. ثمّ لا يكون اهتداؤها على تمرين و توطين، و لا عن تدريب و تجريب، و لم تلقّن بالتّعليم، و لم تثبّت بالتّدبير و التقويم. فالقواطع لأنفسها تصير إلينا، و لأنفسها تعود إلى أوكارها.

[1]جدف الطائر: طار و هو مقصوص «القاموس: جدف» .

127

و كذلك الأوابد من الحمام، لأنفسها ترجع. و إلفها للوطن إلف مشترك مقسوم على جميع الطّير. فقد بطل جميع ما ذكرت.

721-[قواطع السمك‏]

ثمّ قال: و أعجب من جميع قواطع الطّير قواطع السّمك، كالأسبور و الجواف و البرستوج، فإنّ هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من أقصى البحار، تستعذب الماء في ذلك الإبّان، كأنها تتحمّض بحلاوة الماء و عذوبته، بعد ملوحة البحر؛ كما تتحمّض الإبل فتتطلب الحمض-و هو ملح-بعد الخلّة-و هو ما حلا و عذب.

722-[طلب الأسد للملح‏]

و الأسد إذا أكثرت من حسو الدّماء-و الدّماء حلوة-و أكل اللّحم و اللّحم حلو -طلبت الملح لتتملّح به، و تجعله كالحمض بعد الخلّة.

و لو لا حسن موقع الملح لم يدخله النّاس في أكثر طعامهم.

و الأسد يخرج للتملّح فلا يزال يسير حتّى يجد ملاّحة. و ربّما اعتاد الأسد مكانا فيجده ممنوعا، فلا يزال يقطع الفراسخ الكثيرة بعد ذلك فإذا تملّح رجع إلى موضعه و غيضته و عرينه، و غابه و عرّيسته، و إن كان الذي قطع خمسين فرسخا.

723-[قواطع السمك‏]

و نحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها هذه الأصناف و هي تقبل مرّتين في كلّ سنة، ثمّ نجدها في إحداهما أسمن الجنس، فيقيم كلّ جنس منها عندنا شهرين إلى ثلاثة أشهر، فإذا مضى ذلك الأجل، و انقضت عدّة ذلك الجنس، أقبل الجنس الآخر. فهم في جميع أقسام شهور السّنة من الشتاء و الربيع، و الصّيف و الخريف، في نوع من السّمك غير النّوع الآخر. إلاّ أن البرستوج يقبل إلينا قاطعا من بلاد الزّنج، يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع الزّنج و البحريّين.

724-[بعد بلاد الزّنج و الصّين عن البصرة]

و هم يزعمون أنّ الذي بين البصرة و الزّنج، أبعد مما بين الصّين و بينها.

و إنما غلط ناس فزعموا أنّ الصّين أبعد، لأن بحر الزّنج حفرة واحدة عميقة واسعة، و أمواجها عظام، و لذلك البحر ريح تهبّ من عمان إلى جهة الزّنج شهرين، و ريح تهبّ من بلاد الزّنج تريد جهة عمان شهرين، على مقدار واحد فيما بين الشّدّة

128

و اللّين، إلاّ أنّها إلى الشدّة أقرب، فلما كان البحر عميقا و الرّيح قويّة، و الأمواج عظيمة، و كان الشّراع لا يحطّ، و كان سيرهم مع الوتر و لم يكن مع القوس، و لا يعرفون الخبّ و المكلئ‏[1]، صارت الأيّام التي تسير فيها السّفن إلى الزّنج أقل.

725-[سمك البرستوج‏]

قال: و البرستوج سمك يقطع أمواج الماء، و يسيح إلى البصرة من الزنج، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده و بحره. و ذلك أبعد ممّا بين البصرة إلى العليق المرار الكثيرة. و هم لا يصيدون من البحر فيما بين البصرة إلى الزنج من البرستوج شيئا إلاّ في إبان مجيئها إلينا و رجوعها عنّا، و إلاّ فالبحر منها فارغ خال.

فعامة الطير أعجب من حمامكم، و عامّة السّمك أعجب من الطّير.

726-[هداية الطير و السمك‏]

و الطّير ذو جناحين، يحلّق في الهواء، فله سرعة الدّرك و بلوغ الغاية بالطيران، و له إدراك العالم بما فيه بعلامات و أمارات إذا هو حلّق في الهواء، و علا فوق كل شي‏ء.

و السّمكة تسبّح في غمر البحر و الماء، و لا تسبّح في أعلاه. و نسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة من نهار لقتله و قال أبو العنبر: قال أبو نخيلة الراجز[2]و ذكر السمك: [من الرجز]

تغمّه النشرة و النسيم # فلا يزال مغرقا يعوم

في البحر و البحر له تخميم # و أمّة الوالدة الرءوم

تلهمه جهلا و ما يريم‏

يقول: النشرة و النسيم الذي يحيي جميع الحيوانات، إذا طال عليه الخموم و اللّخن و العفن، و الرّطوبات الغليظة، فذلك يغمّ السّمك و يكربه، و أمّه التي ولدته تأكله؛ لأنّ السّمك يأكل بعضه بعضا، و هو في ذلك لا يريم هذا الموضع.

و قال رؤبة[3]: [من الرجز]

و الحوت لا يكفيه شي‏ء يلهمه # يصبح عطشان و في الماء فمه‏

[1]الخب: اضطراب أمواج البحر «القاموس: خبّ» المكلأ: المرفأ «القاموس: كلأ» .

[2]الرجز في اللسان (نشر) ، و حياة الحيوان 1/567.

[3]الرجز لرؤبة في ديوانه 159، و الخزانة 4/451، 454، 460، و الدرر 1/114، و شرح شواهد المغني 1/467، و المقاصد النحوية 1/139، و بلا نسبة في المخصص 1/136، و همع الهوامع 1/40.

129

يصف طباعه و اتّصاله بالماء، و أنّه شديد الحاجة إليه، و إن كان غرقا فيه أبدا.

727-[شعر في الهجاء]

و أنشدني محمّد بن يسير لبعض المدنيّين، يهجو رجلا، و هو قوله‏[1]: [من مجزوء الرمل‏]

لو رأى في السّقف فرجا # لنزا حتّى يموتا

أو رآه وسط بحر # صار فيه الدّهر حوتا

قال: يقول في الغوص في البحر، و في طول اللبث فيه.

728-[حالة من امتلأ فمه ماء]

و قال الذّكواني‏[2]، و هو يصف الضّفدع: [من الرجز]

يدخل في الأشداق ماء ينصفه # كيما ينقّ و النّقيق يتلفه‏

قال: يقول: الضّفدع لا يصوّت، و لا يتهيّأ له ذلك حتّى يكون في فيه ماء، و إذا أراد ذلك أدخل فكه الأسفل في الماء، و ترك الأعلى حتى يبلغ الماء نصفه.

و المثل الذي يتمثّل به النّاس: «فلان لا يستطيع أن يجيب خصومه لأنّ فاه ملآن ماء» [3]. و قال شاعرهم‏[4]: [من البسيط]

و ما نسيت مكان الآمريك بذا # يا من هويت و لكن في فمي ماء

و إنّما جعلوا ذلك مثلا، حين وجدوا الإنسان إذا كان في فمه ماء على الحقيقة لم يستطع الكلام. فهو تأويل قول الذّكوانيّ: [من الرجز]

يدخل في الأشداق ماء ينصفه‏

بفتح الياء و ضمّ الصّاد، فإنّه ذهب إلى قول الشاعر[5]: [من الطويل‏]

و كنت إذا جاري دعا لمضوفة # أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري‏

المضوفة: الأمر الذي يشفق منه.

[1]البيتان لأبي نواس في الكنايات للجرجاني 37، و معاهد التنصيص 1/68.

[2]الرجز بلا نسبة في عيون الأخبار 2/97، و حياة الحيوان 1/646.

[3]في مجمع الأمثال 2/90 (في فمي ماء و هل ينطق من في فيه ماء) .

[4]البيت لأبي نواس في ديوانه 709.

[5]البيت لأبي جندب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 358، و اللسان (جور، ضيف، نصف، كون) ، و التاج (حير، ضوف، ضيف) ، و أساس البلاغة (ضيف) ، و المعاني الكبير 700، 1119، و بلا نسبة في شرح المفصل 10/81، و الممتع في التصريف 2/470، و المنصف 1/301. ـ

130

و كقول الآخر[1]: [من الوافر]

فإنّ الظّنّ ينصف أو يزيد

و هذا ليس من الإنصاف الذي هو العدل، و إنّما هو من بلوغ نصف الساق.

و أمّا قوله: [من الرجز]

كيما ينقّ و النّقيق يتلفه‏

فإنه ذهب إلى قول الشاعر[2]: [من الطويل‏]

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت # فدلّ عليها صوتها حيّة البحر

729-[معرفة العرب و الأعراب بالحيوان‏]

و قلّ معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، و قرأناه في كتب الأطبّاء و المتكلمين-إلاّ و نحن قد وجدناه أو قريبا منه في أشعار العرب و الأعراب، و في معرفة أهل لغتنا و ملّتنا. و لو لا أن يطول الكتاب لذكرت ذلك أجمع. و على أنّي قد تركت تفسير أشعار كثيرة، و شواهد عديدة مما لا يعرفه إلاّ الرّواية النّحرير؛ من خوف التطويل.

730-[حمام النساء و حمام الفراخ‏]

و قال أفليمون صاحب الفراسة: اجعل حمام النساء المسرولات العظام الحسان، ذوات الاختيال و التّبختر و الهدير؛ و اجعل حمام الفراخ ذوات الأنساب الشريفة و الأعراق الكريمة، فإنّ الفراخ إنّما تكثر عن حسن التعهّد، و نظافة القراميص‏[3]و البروج. و اتّخذ لهنّ بيتا محفورا على خلقة الصّومعة، محفوفا من أسفله إلى مقدار ثلثي حيطانه بالتماريد[4]، و لتكن واسعة و ليكن بينها حجاز.

و أجود ذلك أن تكون تماريدها محفورة في الحائط على ذلك المثال، و تعهّد البرج [1]صدر البيت‏

(فإلاّ يأتكم خبر يقين)

، و هو لأبي الفضة قاتل أحمر بن شميط، و قد تقدم في مطلع باب «في صدق الظن و جودة الفراسة» ، ص 27.

[2]البيت للأخطل في ديوانه 181، و البيان 1/270، و الكنايات 72، و بلا نسبة في عيون الأخبار 2/97.

[3]القراميص: جمع قرموص؛ و هو العش يبيض فيه الحمام «القاموس: قرمص» .

[4]التماريد: جمع تمراد، و هو بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه «القاموس مرد» .

131

بالكنس و الرّشّ في زمان الرش، و ليكن مخرجهنّ من كوّ[1]في أعلى الصّومعة، و ليكن مقتصدا في السّعة و الضّيق، بقدر ما يدخل منه و يخرج منه الواحد بعد الواحد. و إن استطعت أن يكون البيت بقرب مزرعة فافعل. فإن أعجزك المنسوب منها فالتمس ذلك بالفراسة التي لا تخطئ و قلّما يخطئ. المتفرّس.

قال: و ليس كلّ الهدى تقوى على الرّجعة من حيث أرسلت؛ لأنّ منها ما تفضل قوّته على هدايته، و منها البطي‏ء و إن كان قويّا، و منها السّريع و إن كان ضعيفا، على قدر الحنين و الاغترام. و لا بدّ لجميعها من الصّرامة، و من التّعليم أوّلا و التّوطين آخرا.

731-[جماع الفراسة أربعة]

و قال‏[2]: جماع الفراسة لا يخرج من أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، الثاني المجسّة، و الثالث الشمائل، و الرابع الحركة.

فالتقطيع: انتصاب العنق و الخلقة، و استدارة الرأس من غير عظم و لا صغر، مع عظم القرطمتين‏[3]، و اتّساع المنخرين، و انهرات الشدقين و هذان من أعلام الكرم في الخيل؛ للاسترواح و غير ذلك. ثمّ حسن خلقة العينين، و قصر المنقار في غير دقّة ثمّ اتّساع الصّدر و امتلاء الجؤجؤ، و طول العنق، و إشراف المنكبين، و طول القوادم في غير إفراط، و لحوق بعض الخوافي ببعض، و صلابة العصب في غير انتفاخ و لا يبس و اجتماع الخلق في غير الجعودة و الكزازة، و عظم الفخذين، و قصر الساقين و الوظيفين، و افتراق الأصابع، و قصر الذّنب و خفّته، من غير تفنين و تفرّق. ثم توقّد الحدقتين، و صفاء اللّون. فهذه أعلام الفراسة في التقطيع.

و أمّا أعلام المجسة، فوثاقة الخلق، و شدّة اللّحم، و متانة العصب، و صلابة القصب، و لين الرّيش في غير رقّة و صلابة المنقار في غير دقة.

و أمّا أعلام الشمائل، فقلّة الاختيال، و صفاء البصر و ثبات النّظر و شدّة الحذر، و حسن التّلفت، و قلّة الرعدة عند الفزع، و خفّة النّهوض إذا طار، و ترك المبادرة إذا لقط.

[1]الكوّ: الخرق في الحائط «القاموس: كوة» .

[2]انظر المخصص 8/170، و نهاية الأرب 10/270.

[3]القرطمتان: نقطتان على أصل منقار الحمام «القاموس: قرطم» .

132

و أمّا أعلام الحركة، فالطيران في علوّ، و مدّ العنق في سموّ، و قلة الاضطراب في جوّ السماء، و ضمّ الجناحين في الهواء، و تدافع الركض في غير اختلاط، و حسن القصد في غير دوران، و شدّة المدّ في الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الخصال فهو الطائر الكامل. و إلا فبقدر ما فيه من المحاسن تكون هدايته و فراهته.

732-[أدواء الحمام و علاجها]

قال‏[1]: فاعلموا أنّ الحمام من الطير الرقيق، الذي تسرع إليه الآفة، و تعروه الأدواء، و طبيعته الحرارة و اليبس. و أكثر أدوائه الخنان‏[2]و الكباد[3]، و العطاش، و السل، و القمّل. فهو يحتاج إلى المكان البارد و النّظيف، و إلى الحبوب الباردة كالعدس و الماش و الشّعير المنخول. و القرطم له بمنزلة اللّحم للإنسان؛ لما فيه من قوّة الدّسم.

فممّا يعالج به الكباد[4]: الزّعفران و السكر الطبرزد، و ماء الهندباء يجعل في سكرّجة، ثمّ يوجر ذلك أو يمجّ في حلقه مجّا و هو على الرّيق.

و ممّا يعالج به الخنان‏[4]: أن يليّن لسانه يوما أو يومين بدهن البنفسج، ثمّ بالرّماد و الملح، يدلك بها حتّى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت لسانه. ثمّ يطلى بعسل و دهن ورد، حتّى يبرأ.

و ممّا يعالج به السّلّ‏[4]: أن يطعم الماش‏[5]المقشور، و يمجّ في حلقه من اللّبن الحليب، و يقطع من وظيفيه عرقان ظاهران في أسفل ذلك، مما يلي المفصل من باطن.

و ممّا يعالج به القمّل: أن يطلى أصول ريشه بالزّيبق المحلّل بدهن البنفسج، يفعل به ذلك مرّات حتى يسقط قمله؛ و يكنس مكانه الذي يكون فيه كنسا نظيفا.

733-[تعليم الحمام‏]

و قال: اعلم أنّ الحمام و الطير كلّها لا يصلح التّغمير به من البعد. و هدايته على [1]عيون الأخبار 2/90.

[2]الخنان: داء يأخذ الطير في حلوقها «القاموس: خن» .

[3]الكباد: وجع الكبد.

[4]عيون الأخبار 2/91، و فيه سرد لعلاج أمراض الحمام.

[5]الماش: حب مدور أصغر من الحمص؛ أسمر اللون، يميل إلى الخضرة، يؤكل مطبوخا.

133

قدّر التعليم، و على قدر التوطين. فأوّل ذلك أن يخرج إلى ظهر سطح يعلو عليه، و ينصب عليه علم يعرفه، و يكون طيرانه لا يجاوز محلّته، و أن يكون علفه بالغداة و العشيّ، يلقى له فوق ذلك السّطح، قريبا من علمه المنصوب له، حتّى يألف المكان و يتعوّد الرّجوع إليه. و لكن لينظر من أيّ شي‏ء يتّخذ العلم؟فإنّه لا ينبغي أن يكون أسود، و لا يكون شيئا تراه من البعد أسود. و كلما كان أعظم كان أدلّ.

و لا ينبغي أن يطيّره و زوجته معا، و لكن ينتف أحدهما و يطيّر الآخر، و يخرجان إلى السّطح جميعا، ثمّ يطيّر الوافي الجناح؛ فإنّه ينازع إلى زوجته. و إذا عرف المكان، و دار و رجع، و ألف ذلك الموضع، و نبت ريش الآخر، صنع به كذلك.

و أجود من ذلك أن يخرجا إلى السّطح و هما مقصوصان، حتّى يألفا ذلك الموضع، ثمّ يطيّر أحدهما قبل صاحبه، و يصنع بالثّاني كما صنع بالأوّل.

و ما أشبه قوله هذا بقول ماسرجويه؛ فإنه وصف في كتابه، طباع جميع الألبان، و شربها للدّواء، فلمّا فرغ من الصّفة قال: و قد وصفت لك حال الألبان في أنفسها، و لكن انظر إلى من يسقيك اللّبن؛ فإنّك بدءا تحتاج إلى تنظيف جوفك، و تحتاج إلى من يعرف مقدار علّتك من قدر اللّبن، و جنس علّتك من جنس اللّبن.

734-[حوار مع نجار يفهم صناعته‏]

و مثل ذلك قول نجّار كان عندي، دعوته لتعليق‏[1]باب ثمين كريم فقلت له:

إنّ إحكام تعليق الباب شديد و لا يحسنه من مائة نجّار نجار واحد. و قد يذكر بالحذق في نجارة السقوف و القباب، و هو لا يكمل لتعليق باب على تمام الاحكام فيه. و السقوف، و القباب عند العامّة أصعب.

و لهذا أمثال: فمن ذلك أنّ الغلام و الجارية يشويان الجدي و الحمل و يحكمان الشيّ، و هما لا يحكمان شيّ جنب. و من لا علم له يظنّ أنّ شيّ البعض أهون من شيّ الجميع!.

فقال لي: قد أحسنت حين أعلمتني أنّك تبصر العمل، فإنّ معرفتي بمعرفتك تمنعني من التشفيق‏[2]. فعلّقه فأحكم تعليقه؛ ثمّ لم يكن عندي حلقة لوجه الباب إذا أردت إصفاقه، فقلت له: أكره أن أحبسك إلى أن يذهب الغلام إلى السوق [1]تعليق الباب: تركيبه «القاموس: علق» .

[2]الشفق: الردي‏ء من الأشياء «القاموس: شفق» .

134

و يرجع. و لكن اثقب لي موضعها. فلما ثقبه و أخذ و حقّه ولاّني ظهره للانصراف، و التفت إليّ فقال: قد جوّدت الثّقب، و لكن انظر أيّ نجار يدقّ فيه الزّرّة؛ فإنه إن أخطأ بضربة واحدة شقّ الباب-و الشق عيب-فعلمت أنّه يفهم صناعته فهما تامّا.

735-[قص الحمام و نتفه‏]

و بعض الناس إذا أراد أن يعلّم زوجا قصّهما و لم ينتفهما. و بين النّتف و القصّ بون بعيد. و القصّ كثير القصّ لا يوجع و لا يقرّح مغارز قصب الرّيش، و النّتف يوهن المنكبين. فإذا نتف الطائر مرارا لم يقو على الغاية، و لم يزل واهن المنكبين. و متى أبطأ عليه فنتفه و قد جفّت أصوله و قربت من الطّرح كان أهون عليه، و كلما كان النبات أطرأ كان أضرّ عليه. و إنه ليبلغ من مضرّته، و أنّ الذّكر لا يجيد الإلقاح، و الأنثى لا تجيد القبول. و ربّما نتفت الأنثى و قد احتشت بيضا، و قد قاربت أن تبيض، فتبطئ بعد وقتها الأيّام؛ و ربما أضرّ ذلك بالبيض.

736-[زجل الحمام‏]

قال: و إذا بلغ الثّاني مبلغ الأوّل في استواء الرّيش، و الاهتداء إلى العلم، طيّرا جميعا، و منعا من الاستقرار؛ إلاّ أن يظن بهما الإعياء و الكلال. ثم يوطّن لهما المراجل برّا و بحرا، من حيث يبصران إذا هما ارتفعا في الهواء السّمت و نفس العلم، و أقاصي ما كانا يريانه منها عند التّباعد في الدّوران و الجولان. فإذا رجعا من ذلك المكان مرّات زجلا من أبعد منه-و قد كانوا مرّة يعجبهم أن يزجلوا من جميع التوطينات، ما لم تبعد، مرّتين مرّتين-فلا يزالان كذلك حتّى يبلغا الغاية، و يكون أحدهما محتبسا إذا أرسل صاحبه؛ ليتذكّره فيرجع إليه. فإن خيف عليه أن يكون قد ملّ زوجته، عرضت عليه زوجة أخرى قبل الزّجل؛ فإذا تسنّمها مرّة حيل بينه و بينها يومه ذلك، ثمّ عرضوها عليه قبل أن يحمل، فإذا أطاف بها نحّيت عنه، ثمّ حمل إلى الزّاجل؛ فإنّ ذلك أسرع له.

و قال: اعلموا أنّ أشدّ المزاجل ما قلّت أعلامه، كالصّحارى و البحار.

737-[اختلاف طباع الطير]

قال: و الطير تختلف في الطّباع اختلافا شديدا: فمنها القويّ، و منها الضعيف، و منها البطي‏ء، و منها السّريع، و منها الذّهول، و منها الذّكور، و منها القليل الصّبر على العطش، و منها الصّبور. و ذلك لا يخفى فيهنّ عند التّعليم و التّوطين، في سرعة

135

الإجابة و الإبطاء. فلا تبعدنّ غاية الضّعيف و الذّهول و القليل الصّبر على العطش، و لا تزجلنّ ما كان منشؤه في بلا الحرّ في بلاد البرد، و لا ما كان منشؤه في بلاد البرد في بلاد الحرّ؛ إلاّ ما كان بعد الاعتياد. و لا يصبر على طول الطيران في غير هوائه و أجوائه طائر إلا بطول الإقامة في ذلك المكان، و لا تستوي حاله و حال من لا يعدو هواءه و الهواء الذي يقرب من طباع هوائه.

738-[تعليم الحمام ورود الماء]

قال: و لا بدّ أن يعلّم الورود، فإذا أردت به ذلك فأورده العيون و الغدران و الأنهار، ثمّ حل بينه و بين النّظر إلى الماء، حتى تكفّ بصره بأصابعك عن جهة الماء و اتّساع المورد، إلاّ بقدر ما كان يشرب فيه من المساقي، ثمّ أوسع له إذا عبّ قليلا بقدر ما لا يروعه ذلك المنظر و ليكن معطّشا؛ فإنّه أجدر أن يشرب. تفعل به ذلك مرارا، ثمّ تفسح له المنظر أوّلا أوّلا، حتى لا ينكر ما هو فيه. فلا تزال به حتّى يعتاد الشّرب بغير سترة.

739-[استئناس الحمام و استيحاشه‏]

قال: و اعلم أنّ الحمام الأهليّ الذي عايش النّاس، و شرب من المساقي و لقط في البيوت يختلّ بالوحدة، و يستوحش بالغربة.

قال: و اعلم أنّ الوحشيّ يستأنس، و الأهلي يستوحش.

قال: و اعلم أنّه ينسى التّأديب إذا أهمل، كما يتأدّب بعد الإهمال.

740-[ترتيب الزجل‏]

و إذا زجلت فلا تخطرف به من نصف الغاية إلى الغاية، و لكن رتّب ذلك؛ فإنّه ربّما اعتاد المجي‏ء من ذلك البعد، فمتى أرسلته من أقرب منه تحيّر، و أراد أن يبتدئ أمره ابتداء. و هم اليوم لا يفعلون ذلك؛ لأنّه إذا بلغ الرّقّة أو فوق ذلك شيئا فقد صار عقدة، و صار له ثمن و غلّة. فهو لا يرى أن يخاطر بشي‏ء له قدر. و لكنّه إن جاء من هيت‏[1]أدرب‏[2]به؛ لأنّه إن ذهب لم يذهب شي‏ء له ثمن، و لا طائر له رئاسة؛ و ليس له اسم و لا ذكر؛ و إن جاء جاء شي‏ء كبير و خطير، و إن جاء من الغاية فقد حوى به ملكا. على هذا هم اليوم.

[1]هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار معجم البلدان 5/421.

[2]الدرب: كل مدخل إلى الروم أو النافذ منه، و درّب: عوّد المشي في الدروب «القاموس: درب» .

136

و قال: لا ترسل الزّاقّ‏[1]حتى تستأنف به الرّياضة و لا تدع ما تعدّه للزّجال أن يحصن بيضا، و لا يجثم عليه، فإنّ ذلك ممّا ينقضه‏[2]و يفتّحه‏[3]، و يعظم له رأسه، لأنّه عند ذلك يسمن و تكثر رطوبته فتقذف الحرارة تلك الرّطوبة الحادّة العارضة إلى رأسه، فإن ثقب البيض و زقّ و حضن، احتجت إلى تضميره و استئناف سياسته. و لكن إن بدا لك أن تستفرخه فانقل بيضه إلى غيره، بعد أن تعلمه بعلامة تعرفه بها إذا انصدع.

741-[علاج الحمام الفزع‏]

و إن أصاب الحمام أيضا فزع و ذعر؛ عن طلب شي‏ء من الجوارح له، فإيّاك أن تعيده إلى الزّجل حتّى ترضمه‏[4]و تستفرخه؛ فإن ذلك الذّعر لا يفارقه و لا يسكن حتى تستأنف به التّوطين.

742-[طريقة استكثار الفراخ‏]

و إن أردت أن تستكثر من الفراخ فاعزل الذّكورة عن الإناث شهرا أو نحوه، حتى يصول بعضها على بعض، ثم اجمع بينها؛ فإنّ بيضها سيكثر و يقلّ سقطه و مروقه.

و كذلك كلّ أرض أثيرت، و كذلك الحيال لما كان من الحيوان حائلا[5]. قال الأعشى‏[6]: [من الخفيف‏]

من سراة الهجان صلّبها العـ # ضّ و رعي الحمى و طول الحيال‏

و قال الحارث بن عباد[7]و جعل ذلك مثلا: [من الخفيف‏]

قرّبا مربط النّعامة منّي # لقحت حرب وائل عن حيال‏

[1]زقّ الطائر فراخه: أطعمها بمنقاره.

[2]ينقضه: يضعف قوته.

[3]تفتحه: تسمنه، و في القاموس «ناقة مفاتيح، و أينق مفاتيحات: سمان» «القاموس: فتح» .

[4]رضمت الطير: ثبتت «القاموس: رضم» .

[5]صارت إبله حائلا: أي لم تحمل «القاموس: حول» .

[6]ديوان الأعشى 55، و اللسان و التاج (صلب، عضض) ، و الجمهرة 146، و المقاييس 4/50، و العين 1/72، و التنبيه و الإيضاح 1/103، و بلا نسبة في اللسان (حيل، هجن، حما، سرا) ، و التاج (حمي) .

[7]البيت للحارث بن عباد في الأصمعيات 71، و الحماسة البصرية 1/16، و ذيل الأمالي 27، و الخزانة 1/472، 473، و السمط 757، و الأغاني 5/47، 4/59، و ديوان المعاني 2/63، و اللسان (قلص، نعم، عنن) ، و التاج (نعم، عنن) ، و أساس البلاغة (حول، لقح) ، و الصاحبي في فقه اللغة 208، و انظر حاشية الحماسة البصرية.

137

743-[حديث أفليمون عن نفع الحمام‏]

و قال أفليمون صاحب الفراسة، لصاحبه: و أنا محدّثك عن نفع الحمام بحديث يزيدك رغبة فيها: و ذلك أنّ ملكين طلب أحدهما ملك صاحبه، و كان المطلوب أكثر مالا و أقلّ رجالا، و أخصب بلادا، و كانت بينهما مسافة من الأرض بعيدة، فلما بلغه ذلك دعا خاصّته فشاورهم في أمره و شكا إليهم خوفه على ملكه، فقال له بعضهم: دامت لك أيّها الملك السلامة، و وقيت المكروه!إنّ الذي تاقت له نفسك قد يحتال له باليسير من الطمع، و ليس من شأن العاقل التّغرير، و ليس بعد المناجزة بقيّة، و المناجز لا يدري لمن تكون الغلبة، و التمسّك بالثقة خير من الإقدام على الغرر.

و قال بعضهم: دام لك العزّ، و مدّ لك في البقاء!ليس في الذّلّ درك و لا في الرّضا بالضيم بقيّة، فالرّأي اتخاذ الحصون و إذكاء العيون، و الاستعداد للقتال؛ فإنّ الموت في عزّ خير من الحياة في ذلّ! و قال بعضهم: وقيت و كفيت، و أعطيت فضل المزيد!الرّأي طلب المصاهرة له و الخطبة إليه؛ فإنّ الصهر سبب ألفة تقع به الحرمة، و تثبت به المودّة، و يحلّ به صاحبه المحلّ الأدنى. و من حلّ من صاحبه هذا المحلّ لم يخلّه مما عراه، و لم يمتنع من مناوأة من ناواه. فالتمس خلطته؛ فإنّه ليس بعد الخلطة عداوة، و لا مع الشّركة مباينة! فقال لهم الملك: كلّ قد أشار برأي، و لكلّ مدّة، و أنا ناظر في قولكم، و باللّه العصمة، و بشكره تتمّ النعمة. و أظهر الخطبة إلى الملك الذي فوقه، و أرسل رسلا، و أهدى هدايا، و أمرهم بمصانعة جميع من يصل إليه، و دسّ رجالا من ثقاته، و أمرهم باتّخاذ الحمام في بلاده و توطينهنّ، و اتخذ أيضا عند نفسه مثلهنّ، فرفّعهن من غاية إلى غاية. فجعل هؤلاء يرسلون من بلاد صاحبهم، و جعل من عند الملك يرسلون من بلاد الملك، و أمرهم بمكاتبته بخبر كلّ يوم، و تعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام. فصار لا يخفى عليه شي‏ء من أمره. و أطمعه الملك في التزويج و استفرده‏[1] و طاوله، و تابع بين الهدايا، و دسّ لحرسه رجالا يلاطفونهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه معهم. فلمّا كتب أصحابه إليه بغرّتهم وصل الخبر إليه من يومه، فسار إليه في جند [1]أفرده: عزله، و إليه رسولا: جهزه «القاموس: فرد» . ـ

138

قد انتخبهم، حتى إذا كان على ليلة أو بعض ليلة، أخذ بمجامع الطّرق، ثم بيّتهم‏[1] و وثب أصحابه من داخل المدينة و هو و جنده من خارج، ففتحوا الأعراب و قتلوا الملك. و أصبح قد غلب على تلك المدينة، و على تلك المملكة، فعظم شأنه، و أعظمته الملوك، و ذكر فيهم بالحزم و الكيد.

و إنما كان سبب ذلك كلّه الحمام!.

744-[حديث آخر في نفع الحمام‏]

قال: و أحدّثك عن الحمام أيضا بحديث آخر في أمر النساء و الرّجال و ما يصاب من اللّذّة فيهنّ، و الصّواب في معاملتهنّ. قال: و ذلك أنّ رجلا أتاني مرّة فشكا إليّ حاله في فتاة علّقها فتزوّجها، و كانت جارية غرّا حسناء، و كانت بكرا ذات عقل و حياء، و كانت غريرة فيما يحسن النّساء من استمالة أهواء الرّجال، و من أخذها بنصيبها من لذّة النساء فلما دخل بها امتنعت عليه، و دافعته عن نفسها، فزاولها بكلّ ضرب كان يحسنه من لطف، و أدخل عليها من نسائه و نسائها من ظنّ أنّها تقبل منهنّ، فأعيتهن، حتى همّ برفضها مع شدّة وجده بها، فأتاني فشكا ذلك إليّ مرة، فأمرته أن يفردها و يخلّيها من الناس، فلا يصل إليها أحد، و أن يضعف لها الكرامة في اللّطف و الإقامة لما يصلحها من مطعم و مشرب و ملبس و طيب و غير ذلك، مما تلهو به امرأة و تعجب به، و أن يجعل خادمها أعجميّة لا تفهم عنها، و هي في ذلك عاقلة، و لا تفهمها إلاّ بالإيماء؛ حتى تستوحش إليها و إلى كل من يصل إليها من النّساء و حتى تشتهي أن تجد من يراجعها الكلام و تشكو إليه وحشة الوحدة، و أن يدخل عليها أزواجا من الحمام، ذوات صورة حسنة، و تخيّل و هدير فيصيّرهنّ في بيت نظيف، و يجعل لهنّ في البيت تماريد[2]و بين يدي البيت حجرة نظيفة، و يفتح لها من بيتها بابا فيصرن نصب عينها فتلهو بهن و تنظر إليهنّ، و يجعل دخوله عليها في اليوم دفعة إلى تلك الحمام. و التسلّي بهنّ، و الاستدعاء لهنّ إلى الهدير ساعة، ثم يخرج، فإنّها لا تلبث أن تتفكّر في صنيعهنّ إذا رأت حالهن؛ فإنّ الطّبيعة لا تلبث حتى تحرّكها، و يكون أوفق المقاعد لها الدّنو منهن، و أغلب الملاهي عليها النّظر إليهن؛ لأنّ الحواس لا تؤدي إلى النّفس شيئا من قبل السمع، و البصر، و الذوق، و الشم و المجسّة إلاّ تحرّك من العقل في قبول ذلك أو ردّه، و الاحتيال في إصابته أو دفعه، [1]بيتهم: أوقع بهم ليلا «القاموس: بيت» .

[2]التماريد: جمع تمراد، و هو بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه. «القاموس: مرد» .

139

و الكراهية له أو السّرور به بقدر ما حرّك النّفس منه. فإذا رأيت الغالب عليها الدنوّ منهنّ، و التأمّل لهن، فأدخل عليها امرأة مجرّبة غزلة تأنس بها، و تفطنها لصنيعهنّ، و تعجّبها منهنّ، و تستميل فكرتها إليهنّ، و تصف لها موقع اللّذّة على قدر ما ترى من تحريك الشّهوة. ثمّ أخرج المرأة عنها، و حاول الدّنو منها، فإن رأيت كراهية أمسكت و أعدت المرأة إليها، فإنها لا تلبث أن تمكنك. فإن فعلت ما تحبّ و أمكنتك بعض الإمكان، و لم تبلغ ما تريد فأخبرني بذلك.

قال: و قلت له: مر المرأة فلتسألها عن حالها في نفسها، و حالك عندها، فلعلّ فيها طبيعة من الحياء تمنعها من الانبساط، و لعلّها غرّ لا يلتمس ما قبلها من الخرق‏[1]. ففعل، و أمر المرأة أن تكشفها عن ذات نفسها، فشكت إليها الخرق‏[1]، فأشارت عليها بالمتابعة، و قالت: اعتبري بما ترين من هذا الحمام؛ فقد ترين الزّوجين كيف يصنعان!قالت: قد تأمّلت ذلك فعجبت منه، و لست أحسنه!فقالت لها: لا تمنعي يده و لا تحملي على نفسك الهيبة، و إن وجدت من نفسك شيئا تدعوك إليه لذّة فاصنعيه؛ فإنّ ذلك يأخذ بقلبه، و يزيد في محبّتك، و يحرّك ذلك منه أكثر مما أعطاك. فلم يلبث أن نال حاجته و ذهبت الحشمة، و سقطت المداراة فكان سبب الصّنع لهما، و الخروج من الوحشة إلى الأنس، و من الحال الدّاعية إلى مفارقتها إلى الحال الدّاعية إلى ملازمتها، و الضّنّ بها-الحمام.

745-[الخوف على النساء من الحمام‏]

و ما أكثر من الرّجال، من ليس يمنعه من إدخال الحمام إلى نسائه الاّ هذا الشي‏ء الذي حثّ عليه صاحب الفراسة؛ و ذلك أنّ تلك الرّؤية قد تذكّر و تشهّي و تمحن‏[2].

و أكثر النّساء بين ثلاثة أحوال: إمّا امرأة قد مات زوجها، فتحريك طباعها خطار بأمانتها و عفافها. و المغيبة[3]في مثل هذا المعنى. و الثّالثة: امرأة قد طال لبثها مع زوجها؛ فقد ذهب الاستطراف، و ماتت الشهوة. و إذا رأت ذلك تحرّك منها كلّ ساكن و ذكرت ما كانت عنه بمندوحة.

و المرأة سليمة الدين و العرض و القلب، ما لم تهجس في صدرها الخواطر، و لم تتوهّم حالات اللّذّة و تحرّك الشهوة. فأمّا إذا وقع ذلك فعزمها أضعف العزم، و عزمها على ركوب الهوى أقوى العزم.

[1]الخرق: الدّهش من خوف أو حياء «القاموس: خرق» .

[2]تمحن: تصيب بالمحن و البلية.

[3]امرأة مغيّبة: غاب عنها زوجها «القاموس: غيب» .

140

فأمّا الأبكار الغريرات فهنّ إلى أن يؤخذن بالقراءة في المصحف، و يحتال لهن حتى يصرن إلى حال التشييخ و الجبن و الكزازة[1]و حتّى لا يسمعن من أحاديث الباه و الغزل قليلا و لا كثيرا-أحوج.

746-[نادرة لعجوز أعجمية]

[2] و لقد ركبت عجوز سندية ظهر بعير، فلما أقبل بها هذا البعير و أدبر و طمر، فمخضها مرّة مخض السقاء، و جعلها مرّة كأنّها ترهز[3]فقالت بلسانها-و هي سنديّة أعجميّة-أخزى اللّه هذا الذّمل؛ فإنه يذكّر بالسّرّ[4]!تريد: أخزى اللّه هذا الجمل، فإنه يذكّر بالشر. حدثنا بهذه النادرة محمّد بن عبّاد بن كاسب.

747-[نادرة لعجوز أعرابية]

و حدّثنا ربعيّ الأنصاريّ: أنّ عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا لهم، فسقوها قدحا فطابت نفسها، و تبسمت؛ ثمّ سقوها قدحا آخر فاحمرّ وجهها و ضحكت، فسقوها قدحا ثالثا فقالت: خبّري عن نسائكم بالعراق، أ يشربن من هذا الشراب؟فقالوا: نعم. فقالت: زنين و ربّ الكعبة!

748-[عقاب خصيّ بسبب الحمام‏]

و زعم إبراهيم الأنصاريّ المعتزليّ أنّ عباس بن يزيد بن جرير دخل مقصورة لبعض حواريه، فأبصر حماما قد قمط حمامة، ثمّ كسح بذنبه و نفش ريشه، فقال:

لمن هذا الحمام؟فقالوا: لفلان خادمك-يعنون خصيّا له-فقدّمه فضرب عنقه.

749-[داعية الزنا]

[5] و قد قال الحطيئة لفتيان من بني قريع-و قد كانوا ربّما جلسوا بقرب خيمته، فتغنّى بعضهم غناء الرّكبان-فقال: يا بني قريع!إيّاي و الغناء؛ فإنّه داعية الزّنا[6]!.

[1]الكزازة: البخل «القاموس: كزز» .

[2]الخبر في البيان و التبيين 1/74.

[3]الرهز: حركة الرجل و المرأة عند الجماع «اللسان: رهز» .

[4]السرّ: النكاح «القاموس: سرر» ، و لم ترد العجوز ذلك، بل أرادت «الشر» كما ذكر الجاحظ.

[5]الخبر في الأغاني 2/179، و ثمار القلوب (955) ، و الشعر و الشعراء 1/327، و انظر مثل هذا الخبر في الأغاني 4/273، و التوفيق للتلفيق 198.

[6]في مجمع الأمثال 2/67 (الغناء رقية الزنا) ، و هذا المثل ينسب إلى أكثم بن صيفي و إلى بزر جمهر في العقد الفريد 3/77، و إحكام صنعة الكلام 38.

141

750-[حمام واسط]

و أما أبو أحمد التمار المتكلم، فإنّه شاهد صاحب حمام في يوم مجي‏ء حمامه من واسط، و كانت واسط يومئذ الغاية، فرآه كلما أقبل طائر من حمامه نعر[1]و رقص، فقال له: و اللّه إني لأرى منك عجبا؛ أراك تفرح بأن جاءك حمام من واسط، و هو ذلك الذي كان، و هو الذي جاء. و هو الذي اهتدى؛ و أنت لم تجئ و لم تهتد؛ و حين جاء من واسط، لم يجئ معه بشي‏ء من خبر أبي حمزة، و لا بشي‏ء من مقاريض‏[2]واسط، و بزيون‏[3]واسط، و لا جاء معه أيضا بشي‏ء من خطميّ‏[4]، و لا بشي‏ء من جوز و لا بشي‏ء من زبيب. و قد مرّ بكسكر[5]فأين كان عن جداء كسكر، و دجاج كسكر، و سمك كسكر، و صحناة[6]كسكر، و ربيثاء كسكر و شعير كسكر؟!و ذهب صحيحا نشيطا، و رجع مريضا كسلان، و قد غرمت ما غرمت!!فقل لي: ما وجه فرحك؟ فقال: فرحي أنّي أرجو أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: و من يشتريه منك بخمسين دينارا؟قال: فلان، و فلان. فقام و مضى إلى فلان فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه حماما جاء من واسط بخمسين دينارا؟قال: صدق. قال: فقل لي لم تشتريه بخمسين دينارا؟قال: لأنّه جاء من واسط. قال: فإذا جاء من واسط فلم تشتريه بخمسين دينارا؟قال: لأنّي أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير، و البيضة بدينارين. قال:

و من يشتري منك؟قال: مثل فلان و فلان. فأخذ نعله و مضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه فرخا من طائر جاء من واسط بثلاثة دنانير، و البيضة بدينارين.

قال: صدق، قال: فقل لي: لم تشتري فرخة بثلاثة دنانير؟قال: لأنّ أباه جاء من واسط. قال: و لم تشتريه بثلاثة دنانير إذا جاء أبوه من واسط؟قال: لأني أرجو أن يجي‏ء من واسط. قال: و إذا جاء من واسط فأيّ شي‏ء يكون؟قال: يكون أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: و من يشتريه منك بخمسين دينارا؟قال: فلان. فتركه و مضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّ فرخا من فراخه إذا جاء أبوه من واسط اشتريته أنت منه [1]نعر: صاح «القاموس: نعر» .

[2]في القاموس «قرض» : (المقارض: أوعية الخمر، و الجرار الكبار) .

[3]البزيون: السندس، و هو رقيق الديباج «القاموس: بزيون، سندس» .

[4]الخطمي: نبات محلّل منضّج مليّن، نافع لعسر البول و الحصا و النسا و قرحة الأمعاء و الارتعاش و تسكين الوجع «القاموس: خطم» .

[5]كسكر: كورة بين الكوفة و البصرة. معجم البلدان 4/461.

[6]الصحناة: إدام يتخذ من السمك الصغار و الملح «القاموس: صحن» .

142

بخمسين دينارا. قال: صدق. قال: و لم تشتريه بخمسين دينارا قال: لأنّه جاء من واسط. قال: و إذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارا؟قال: فأعاد عليه مثل قول الأوّل. فقل: لا رزق اللّه من يشتري حماما جاء من واسط بخمسين دينارا، و لا رزق اللّه إلاّ من لا يشتريه بقليل و لا بكثير.

751-[نوادر لأبي أحمد التمار]

و أبو أحمد هذا هو الذي قال-و هو يعظ بعض المسرفين-لو أنّ رجلا كانت عنده ألف ألف دينار ثم أنفقها كلّها لذهبت كلها. و إنما سمع قول القائل: لو أنّ رجلا عنده ألف ألف دينار فأخذ منها و لم يضع عليها لكان خليقا أن يأتي عليها.

و هو القائل في قصصه: و لقد عظّم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم حقّ الجار، و قال فيه قولا أستحيي و اللّه من ذكره! و هو الذي قال لبعضهم: بلغني أنّ في بستانك أشياء تهمّني، فأحبّ أن تهب لي منه أمرا من أمر اللّه عظيم.

و كان زجّالا قبل أن يكون تمارا.

و زعم سليمان الزجّال و أخوه ثابت، أنّه قبل أن يكون تمارا قال يوما-و ذكر الحمام، حين زهد في بيع الحمام؛ و ذكر بعض الملوك-فقال: أمّا فلان فإنّه لما بلغني أنه يلعب بالحمام سقط من عيني! و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

تمّ القول في الحمام، و الحمد للّه وحده.

143

باب القول في أجناس الذّبّان‏

بسم اللّه، و باللّه و الحمد للّه و لا حول و لا قوّة إلا باللّه. و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ و على آله و صحبه و سلّم، و على أبرار عترته الطيّبين الأخيار.

أوصيك أيّها القارئ المتفهّم، و أيها المستمع المنصت المصيخ، ألاّ تحقر شيئا أبدا لصغر جثّته، و لا تستصغر قدره لقلّة ثمن.

752-[دلالة الدقيق من الخلق على اللّه‏]

ثمّ اعلم أنّ الجبل ليس بأدلّ على اللّه من الحصاة، و لا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على اللّه من بدن الإنسان. و أنّ صغير ذلك و دقيقه كعظيمه و جليله.

و لم تفترق الأمور في حقائقها، و إنما افترق المفكّرون فيها، و من أهمل النّظر، و أغفل مواضع الفرق، و فصول الحدود.

فمن قبل ترك النّظر، و من قبل قطع النّظر، و من قبل النظر من غير وجه النّظر، و من قبل الإخلال ببعض المقدّمات، و من قبل ابتداء النّظر من جهة النّظر، و استتمام النظر مع انتظام المقدّمات-اختلفوا.

فهذه الخصال هي جمّاع هذا الباب، إلاّ ما لم نذكره من باب العجز و النقص، فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النّقصان الذي في الخلقة باب على حدة.

و إنما ذكرنا باب الخطأ و الصّواب، و التّقصير و التكميل. فإياك أن تسي‏ء الظّنّ بشي‏ء من الحيوان لاضطراب الخلق، و لتفاوت التركيب، و لأنّه مشنوء في العين، أو لأنّه قليل النّفع و الرّدّ؛ فإنّ الذي تظنّ أنّه أقلّها نفعا لعله أن يكون أكثرها ردّا، فإلاّ يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. و ثواب الدين و عقابه باقيان، و منافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدّمت الآخرة على الأولى.

فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، و جاهلا بسبب المكانفة[1]، أو [1]المكانفة: المعاونة «القاموس: كنف» .

144

كان مما يشتدّ ضرره، و تشتدّ الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيّات و الذئاب و ذوات المخالب من الأسد و النّمور، و ذوات الإبر و الشعر من العقارب و الدّبر، فاعلم أنّ مواقع منافعها من جهة الامتحان، و البلوى. و من جهة ما أعد اللّه عزّ و جلّ للصابرين، و لمن فهم عنه، و لمن علم أنّ الاختيار و الاختبار لا يكونان و الدنيا كلّها شرّ صرف أو خير محض؛ فإنّ ذلك لا يكون إلاّ بالمزواجة بين المكروه و المحبوب، و المؤلم و الملذّ، و المحقّر و المعظّم، و المأمون و المخوف. فإذا كان الحظّ الأوفر في الاختبار و الاختيار. و بهما يتوسل إلى ولاية اللّه عزّ و جلّ، و آبد[1]كرامته، و كان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير و الشرّ، و المشتركة و المركّبة بالنّفع و الضر، المشوبة باليسر و العسر-فليعلم موضع النّفع في خلق العقرب، و مكان الصّنع في خلق الحيّة، فلا يحقرنّ الجرجس‏[2]و الفراش و الذرّ و الذّبان و لتقف حتّى تتفكّر في الباب الذي رميت إليك بجملته، فإنّك ستكثر حمد اللّه عزّ و جلّ على خلق الهمج و الحشرات و ذوات السّموم و الأنياب، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء و النّسيم.

فإن أردت الزّراية و التّحقير، و العداوة و التّصغير، فاصرف ذلك كلّه إلى الجنّ و الإنس، و احقر منهم كلّ من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به الاحتقار، و يستحقّ به غاية المقت من وجه، و التصغير من وجه.

فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة، و استثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان: ضربا يقتلك بسمه، و ضربا يقتلك بشدة أسره‏[3]لم تلم. إلاّ أنّ عليك أن تعلم أنّ خالقهما لم يخلقهما لأذاك، و إنما خلقهما لتصبر على أذاهما، و لأن تنال بالصّبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلاّ بالصّبر. و الصبر لا يكون إلاّ على حالّ مكروه. فسواء عليك أ كان المكروه سبعا وثّابا، أو كان مرضا قاتلا، و على أنّك لا تدري لعلّ النزع‏[4]، و العلز[5]و الحشرجة، أن يكون أشدّ من لدغ حيّة، و ضغمة[6] [1]آبد: دائم «القاموس: أبد» .

[2]الجرجس: البعوض الصغار «القاموس: جرجس» .

[3]الأسر: الشد و العصب و شدة الخلق و الخلق «القاموس: أسر» .

[4]يقال: هو في النزع: أي قلع الحياة «القاموس: نزع» .

[5]العلز: هلع يصيب المحتضر «القاموس: علز» .

[6]الضغمة: العضّة «القاموس: ضغم» .

145

سبع. فإلاّ تكن له حرقة كحرق النار و ألم كألم الدّهق‏[1]، فلعلّ هناك من الكرب ما يكون موقعه من النّفس فوق ذلك.

و قد عمنا أنّ النّاس يسمّون الانتظار لوقع السيف على صليف‏[2]العنق جهد البلاء؛ و ليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، و لا من شكل ألم الضرب بالعصا.

فافهم فهمك اللّه مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة و أصحاب الأحساس الصحيحة.

و لا تذهب في الأمور مذهب العامّة، و قد جعلك اللّه تعالى من الخاصة، فإنك مسئول عن هذه الفضيلة، لأنّها لم تجعل لعبا، و لم تترك هملا. و اصرف بغضك إلى مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلاّ و لا ذمّة، و لا مودة، و لا كتابا و لا سنّة. و كلما زادك اللّه عزّ و جلّ نعمة ازداد عليك حنقا، و لك بغضا. و فرّ كلّ الفرار و اهرب كلّ الهرب، و احترس كلّ الاحتراس، ممن لا يراقب اللّه عزّ و جلّ؛ فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن يكون لا يعرف ربّه مع ظهور آياته و دلالاته، و سبوغ آلائه، و تتابع نعمائه، و مع برهانات رسله، و بيان كتبه؛ و إمّا أن يكون به عارفا و بدينه موقنا، و عليه مجترئا، و بحرماته مستخفّا. فإن كان بحقّه جاهلا فهو بحقّك أجهل، و له أنكر. و إن كان به عارفا و عليه مجترئا فهو عليك أجرأ، و لحقوقك أضيع و لأياديك أكفر.

فأمّا خلق البعوضة و النّملة و الفراشة و الذّرّة و الذّبّان و الجعلان، و اليعاسيب و الجراد-فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، و تستخف بالآلة التي في هذا الذّرء[3]؛ فربّت أمة أجلاها عن بلادها النمل، و نقلها عن مساقط رءوسها الذّرّ، و أهلكت بالفأر، و جردت بالجراد، و عذّبت بالبعوض، و أفسد عيشها الذّبّان، فهي جند إن أراد اللّه عزّ و جلّ أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم و تجبّرهم و عتوّهم؛ ليعرفوا أو ليعرف بهم أنّ كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر اللّه عزّ و جلّ. و فيها بعد معتبر لمن اعتبر، و موعظة لمن فكّر، و صلاج لمن استبصر، و بلوى و محنة، و عذاب و نقمة، و حجّة صادقة، و آية واضحة، و سبب إلى الصّبر و الفكرة. و هما جماع الخير في باب المعرفة و الاستبانة، و في باب الأجر و عظم المثوبة.

[1]الدهق: خشبتان يغمز بهما الساق «القاموس: دهق» .

[2]صليف العنق: عرضه «القاموس: صلف» .

[3]الذرء: النسل و الخلق «القاموس: ذرأ» . ـ

146

و سنذكر جملة من حال الذّبّان، ثم نقول في جملة ما يحضرنا من شأن الغربان و الجعلان.

753-[أمثال في الفراش و الذباب‏]

و يقال في موضع الذمّ و الهجاء: «ما هم إلاّ فراش نار و ذبّان طمع» [1]. و يقال:

«أطيش من فراشة» [2]، «و أزهى من ذبّان» [3].

و قال الشاعر[4]: [من الوافر]

كأنّ بني ذويبة رهط سلمى # فراش حول نار يصطلينا

يطفن بحرّها و يقعن فيها # و لا يدرين ما ذا يتّقينا

و العرب تجعل الفراش و النّحل و الزّنابير و الدّبر كلّها من الذّبان. و أما قولهم:

«أزهى من ذباب» فلأن الذّباب يسقط على أنف الملك الجبّار، و على موق عينيه ليأكله، ثم يطرده فلا ينطرد.

754-[أمثال في الأنف‏]

و الأنف هو النّخوة و موضع التّجبّر.

و كان من شأن البطارقة[5]و قوّاد الملوك إذا أنفوا من شي‏ء أن ينخروا كما ينخر الثّور عند الذّبح، و البرذون عند النّشاط.

و الأنف هو موضع الخنزوانة[6]و النّعرة. و إذا تكبّرت النّاقة بعد أن تلقح فإنّها تزمّ بأنفها.

و الأصيد: الملك الذي تراه أبدا من كبره مائل الوجه. و شبّه بالأسد فقيل أصيد؛ لأنّ عنق الأسد من عظم واحد، فهو لا يلتفت إلاّ بكلّه، فلذلك يقال للمتكبّر: «إنّما أنفه في أسلوب» [7]، و يقال: أرغم اللّه أنفه و أذلّ معطسه!و يقال:

[1]ثمار القلوب (730) .

[2]مجمع الأمثال 1/438، و المستقصى 1/230، و جمهرة الأمثال 2/32، و أمثال ابن سلام 374.

[3]المستقصى 1/151، و الدرة الفاخرة 1/213، و مجمع الأمثال 1/327.

[4]البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب (730) .

[5]البطريق؛ ككبريت؛ القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل «القاموس: بطرق» .

[6]الخنزوانة: الكبر «القاموس: خنز» . و كذلك النعرة.

[7]جمهرة الأمثال 2/99.

147

ستفعل ذلك و أنفك راغم!و الرّغام: التّراب. و لو لا كذا و كذا لهشّمت أنفك. فإنما يخصّون بذلك الأنف؛ لأنّ الكبر إليه يضاف قال الشاعر[1]: [من السريع‏]

يا ربّ من يبغض أذوادنا # رحن على بغضائه و اغتدين‏[2]

لو نبت البقل على أنفه # لرحن منه أصلا قد أبين‏

و يقال «بعير مذبوب» إذا عرض له ما يدعو الذّبّان إلى السّقوط عليه. و هم يعرفون الغدّة[3]إذا فشت أو أصابت بعيرا بسقوط الذّبّان عليه.

755-[احتيال الجمالين على السلطان‏]

و بسقوط الذّبّان على البعير يحتال الجمّال للسّلطان، إذا كان قد تسخّر إبله و هو لذلك كاره، و إذا كان في جماله الجمل النفيس أو الناقة الكريمة؛ فإنه يعمد إلى الخضخاض‏[4]فيصبّ فيه شيئا من دبس ثم يطلى به ذلك البعير، فإذا وجد الذّبّان ريح الدّبس تساقطن عليه. فيدّعي عند ذلك أنّ به غدّة و يجعل الشاهد له عند السّلطان ما يوجد عليه من الذّبان!فما أكثر ما يتخلصون بكرائم أموالهم بالحيل من أيدي السلطان و لا يظنّ ذلك السّلطان إلاّ أنه متى شاء أن يبيع مائة أعرابي بدرهم فعل. و الغدّة[3]عندهم تعدي، و طباع الإبل أقبل شي‏ء للأدواء التي تعدي، فيقول الجمّال عند ذلك للسّلطان: لو لم أخف على الإبل إلاّ بعيري هذا المغدّ أن يعدي لم أبال، و لكنّي أخاف إعداء الغدّة و مضرّتها في سائر مالي!فلا يزال يستعطفه بذلك، و يحتال له به حتّى يخلّي سبيله.

756-[نفور الذّبّان من الكمأة]

و يقال إنّ الذّبّان لا يقرب قدرا فيه كمأة. كما لا يدخل سامّ أبرص بيتا فيه زعفران.

[1]البيتان لعمرو بن لأي بن موألة في معجم الشعراء 24-25، و الوحشيات 9، و الأول لعمرو بن قميئة في ديوانه 82، و الكتاب 2/108، و الأزهية 101، و بلا نسبة في شرح المفصل 4/11، و محاضرات الأدباء 2/63، و المقتضب 1/41.

[2]الأذواد: جمع ذود، و هو القطيع من الإبل «القاموس: ذود» .

[3]الغدة: طاعون الإبل «القاموس: غدد» .

[4]الخضخاض: نقط أسود رقيق تهنأ به الإبل الجربى «القاموس: خضض» .

148

757-[الخوف على المكلوب من الذّبّان‏]

و من أصابه عض الكلب حموا وجهه من سقوط الذّبان عليه. قالوا: و هو أشدّ عليه من دبيب النّبر على البعير.

758-[النّبر]

و النّبر دويبّة إذا دبّت على البعير، تورّم، و ربّما كان ذلك سبب هلاكه.

قال الشاعر[1]و هو يصف سمن إبله، و عظم أبدانها: [من الكامل‏]

حمر تحقّنت النّجيل كأنّما # بجلودهنّ مدارج الأنبار[2]

759-[مميزات خلقيّة لبعض الحيوان‏]

[3] و ليس في الأرض ذباب إلاّ و هو أقرح‏[4]، و لا في الأرض بعير إلاّ و هو أعلم‏[5]، كما أنّه ليس في الأرض ثور إلاّ و هو أفطس‏[6].

و في أنّ كلّ بعير أعلم يقول عنترة[7]: [من الكامل‏]

و حليل غانية تركت مجدّلا # تمكو فريصته كشدق الأعلم‏[8]

كأنّه قال: كشدق البعير؛ إذ كان كله بعير أعلم.

و الشعراء يشبّهون الضربة بشدق البعير، و لذلك قال الشاعر[9]: [من البسيط]

كم ضربة لك تحكي فا قراسية # من المصاعب في أشداقه شنع‏[10]

[1]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (حقن) ، و التهذيب 4/65.

[2]تحقنت: امتلأت. النجيل: خير الحمض كله و ألينه على السائمة. المدارج: مواضع الدروج؛ و هو المشي.

[3]انظر عيون الأخبار 2/75.

[4]الأقرح: الذي بوجهه قرحة كالغرة «القاموس: قرح» .

[5]الأعلم: المشقوق المشفر الأعلى «القاموس: علم» .

[6]الأفطس: الذي تطامنت قصبة أنفه و انتشرت، أو انشرم أنفه في وجهه «القاموس: فطس» .

[7]البيت من معلقته في ديوانه 24، و اللسان و التاج (حلل، مكا) ، و أساس البلاغة (مكو) ، و التهذيب 10/411، و المجمل 4/342، و المقاييس 5/344، و العين 2/152.

[8]حليل: زوج. تمكو: تصفر. الفريصة: لحمة في وسط الجنب عند منبض القلب.

[9]البيت للنمر بن تولب في البيان 1/55، و لم يرد في ديوانه.

[10]القراسية: الضخم الشديد من الإبل «القاموس: قرس» . المصاعب: جمع مصعب؛ و هو الفحل «القاموس: صعب» . الشنع: القبح «القاموس: شنع» .

149

و قال الكميت‏[1]: [من المتقارب‏]

مشافر قرحى أكلن البريرا[2]

و إذا قيل الأعلم، علم أنّه البعير، كما أنّه إذا قيل الأقرح علم أنّه الذّبّان، قال الشاعر[3]: [من الكامل‏]

و لأنت أطيش، حين تغدو سادرا # حذر الطعان، من القدوح الأقرح‏[4]

يعني الذبّان لأنه أقرح، و لأنّه أبدا يحكّ بإحدى ذراعيه على الأخرى كأنّه يقدح بعودي مرخ و عفار، أو عرجون، أو غير ذلك مما يقدح به.

760-[إغارة الشعراء على المعاني‏]

و لا يعلم في الأرض شاعر تقدّم في تشبيه مصيب تامّ، و في معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلاّ و كلّ من جاء من الشعراء من بعده أو معه، إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره، فإنّه لا يدع أن يستعين بالمعنى، و يجعل نفسه شريكا فيه؛ كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم، و أعاريض أشعارهم، و لا يكون أحد منهم أحقّ بذلك المعنى من صاحبه. أو لعلّه أن يجحد أنّه سمع بذلك المعنى قطّ، و قال إنّه خطر على بالي من غير سماع، كما خطر على بال الأوّل. هذا إذا قرّعوه به. إلاّ ما كان من عنترة في صفة الذباب؛ فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم. و لقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسّن القول، فبلغ من استكراهه لذلك المعنى، و من اضطرابه فيه، أنّه صار دليلا على سوء طبعه في الشعر. قال عنترة[5]: [من الكامل‏]

جادت عليها كلّ عين ثرّة # فتركن كلّ حديقة كالدّرهم‏

[1]صدر البيت (تشبّه في الهام آثارها) ، و هو في ديوان الكميت 1/191، و البيان و التبيين 1/55، و اللسان و التاج (قرح) ، و التهذيب 4/38.

[2]البرير: الأول من ثمر الأراك «القاموس: برر» .

[3]البيت بلا نسبة في مجمع الأمثال 1/438، و جمهرة الأمثال 2/23، و المستقصى 1/230، و الدرة الفاخرة 1/289، و الأمثال للسدوسي 63، و ثمار القلوب (724) ، و أساس البلاغة (قدح) .

[4]السادر: الراكب رأسه «القاموس: سدر» ، القدوح: الذي يحك ذراعا بذراع «القاموس: قدح» .

[5]الأبيات من معلقته في ديوانه 18-19.

150

فترى الذّباب بها يغنّي وحده # هزجا كفعل الشّارب المترنّم

غردا يحكّ ذراعه بذراعه # فعل المكبّ على الزّناد الأجذم‏

قال: يريد فعل الأقطع المكبّ على الزّناد. و الأجذم: المقطوع اليدين. فوصف الذّباب إذا كان واقعا ثمّ حكّ إحدى يديه بالأخرى، فشبّهه عند ذلك برجل مقطوع اليدين، يقدح بعودين. و متى سقط الذّباب فهو يفعل ذلك.

و لم أسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة.

761-[قول في حديث‏]

و قد كان عندنا في بني العدوية شيخ منهم منكر، شديد العارضة فيه توضيع، فسمعني أقول: قد جاء في الحديث: «إنّ تحت جناح الذّباب اليمين شفاء و تحت جناحه الأيسر سمّا. فإذا سقط في إناء أو في شراب أو في مرق فاغمسوه فيه؛ فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء، و يحطّ الجناح الذي تحته السمّ» [1].

فقال: بأبي أنت و أمي هذا يجمع العداوة و المكيدة!

762-[قصّة لتميمي مع أناس من الأزد]

و قد كان عندنا أناس من الأزد، و معهم ابن حزن، و ابن حزن هذا عدويّ من آل عموج، و كان يتعصّب لأصحابه من بني تميم و كانوا على نبيذ، فسقط ذباب في قدح بعضهم، فقال له الآخر: غطّ التميمي، ثمّ سقط آخر في قدح بعضهم، فقال الباقون: غطّ التميميّ!فلمّا كان في الثالثة قال ابن حزن: غطّه فإن كان تميميّا رسب، و إن كان أزديّا طفا. فقال صاحب المنزل: ما يسرّني أنّه كان نقصكم حرفا.

و إنما عنى أنّ أزد عمان ملاّحون.

763-[ضروب الذّبّان‏]

و الذّبّان ضروب سوى ما ذكرناه من الفراش و النّحل و الزّنابير. فمنها الشّعراء، و قال الراجز[2]: [من الرجز]

ذبّان شعراء و بيت ما ذل‏

[1]أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب 17، حديث 3142، و أعاده برقم 5445.

[2]الرجز بلا نسبة في نهاية الأرب 10/299.

151

و للكلاب ذباب على حدة يتخلّق منها و لا يريد سواها. و منها ذبّان الكلأ و الرياض. و كلّ نوع منها يألف ما خلق منه. قال أبو النّجم‏[1]: [من الرجز]

مستأسد ذبّانه في غيطل # يقلن للرّائد أعشبت انزل‏[2]

764-[ما قيل في طنين الذّباب‏]

و العرب تسمّي طنين الذّبّان و البعوض غناء. و قال الأخطل‏[3]في صفة الثّور:

[من البسيط]

فردا تغنّيه ذبّان الرّياض كما # غنّى الغواة بصنج عند أسوار[4]

و قال حضرميّ بن عامر[5]في طنين الذباب: [من الكامل‏]

ما زال إهداء القصائد بيننا # شتم الصّديق و كثرة الألقاب

حتّى تركت كأنّ أمرك بينهم # في كلّ مجمعة طنين ذباب‏

و يقال: «ما قولي هذا عندك إلاّ طنين ذباب» .

765-[سفاد الذباب و أعمارها]

و للذّباب وقت تهيج فيه للسّفاد مع قصر أعمارها. و في الحديث: «أنّ عمر الذباب أربعون يوما» و لها أيضا وقت هيج في أكل النّاس و عضّهم، و شرب دمائهم.

و إنما يعرض هذا الذّبّان في البيوت عند قرب أيّامها؛ فإنّ هلاكها يكون بعد ذلك وشيكا. و الذّبّان في وقت من الأوقات من حتوف الإبل و الدوابّ.

766-[ذوات الخراطيم‏]

و الذّباب و البعوض من ذوات الخراطيم، و لذلك اشتدّ عضّها و قويت على خرق الجلود الغلاظ. و قال الراجز[6]في وصف البعوضة: [من الرجز]

مثل السّفاة دائم طنينها # ركّب في خرطومها سكّينها[7]

[1]ديوان أبي النجم العجلي 178-179، و الطرائف الأدبية 58، و اللسان (عشب، أسد) ، و التاج (عشب، أسد، مرع) ، و أساس البلاغة (عشب، أسد) ، و العين 1/262، 7/286، و المقاييس 4/323، و مجالس ثعلب 191.

[2]الغيطل: الشجر الكثير الملتف «القاموس: غطل» .

[3]ديوان الأخطل 167.

[4]الأسوار: قائد الفرس «ديوان الأخطل» .

[5]البيتان له في ثمار القلوب 397 (727) .

[6]الرجز بلا نسبة في الأمالي 3/129، و حياة الحيوان 1/180 مادة (البعوض) .

[7]السفاة: جمع السفا، و هو شوك البهمى و السنبل، أو كل شوك «القاموس: سفى» .

152

و قالوا: ذوات الخراطيم من كلّ شي‏ء أقوى عضّا و نابا و فكّا؛ كالذيب و الخنزير، و الكلب. و أمّا الفيل فإنّ خرطومه هو أنفه، كما أنّ لكلّ شي‏ء من الحيوان أنفا، و هو يده، و منه يغنّي و فيه يجري الصّوت، كما يجري الزّامر الصّوت في القصبة بالنّفخ.

و متى تضاغط الهواء صوّت على قدر الضّغط، أو على قدر الثّقب.

768-[أمثال من الشعر في الذباب‏]

و الذباب: اسم الواحد، و الذّبّان: اسم الجماعة. و إذا أرادوا التّصغير و التقليل ضربوا بالذبّان المثل. قال الشاعر[1]: [من الوافر]

رأيت الخبز عزّ لديك حتّى # حسبت الخبز في جوّ السّحاب

و ما روّحتنا لتذبّ عنا # و لكن خفت مرزية الذّباب‏

و قال آخر[2]: [من الكامل‏]

لما رأيت القصر أغلق بابه # و تعلّقت همدان بالأسباب

أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب # لم يبق منها قيس أير ذباب‏

قال بعضهم: لم يذهب إلى مقدار أيره و إنما ذهب إلى مثل قول ابن أحمر[3]:

[من السريع‏]

ما كنت عن قومي بمهتضم # لو أنّ معصيّا له أمر

كلفتني مخّ البعوض فقد # أقصرت لا نجح و لا عذر[4]

769-[ما يلغ من الحيوان و ما لا يلغ‏]

قال: و ليس شي‏ء مما يطير يلغ في الدّم، و إنما يلغ في الدماء من السّباع ذوات الأربع. و أمّا الطّير فإنّها تشرب حسوا، أو عبّة بعد عبّة. و نغبة بعد نغبة. و سباع الطّير [1]البيتان لأبي الشمقمق في البخلاء 73، و عيون الأخبار 2/36، 3/247، و بلا نسبة في البخلاء 126، و الثاني بلا نسبة في ديوان المعاني 1/187، و العقد الفريد 6/191.

[2]البيتان لعبد اللّه بن همام السلولي في ديوانه 37-38، و بلا نسبة في ثمار القلوب 398 (728) .

[3]ديوان ابن أحمر 94-95، و المقاييس 1/270، و الثاني في ثمار القلوب 399 (729) ، و المعاني الكبير 608، و المستقصى 2/223.

[4]قوله «كلفتني مخ البعوض» من الأمثال في مجمع الأمثال 2/147، و المستقصى 2/223.