الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
153

قليلة الشّرب للماء. و الأسد كذلك. قال أبو زبيد الطائي‏[1]: [من المنسرح‏]

تذبّ عنه كفّ بها رمق # طيرا عكوفا كزوّر العرس

إذا ونى ونية دلفن له # فهنّ من والغ و منتهس‏[2]

قال: و الطّير لا تلغ، و إنما يلغ الذباب. و جعله من الطّير، و هو و إن كان يطير فليس ذلك من أسمائه. فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر، جاز أن يستعير للطير ولغ السّباع فيجعل حسوها ولغا، و قال الشاعر: [من الطويل‏]

سراع إلى ولغ الدماء رماحهم # و في الحرب و الهيجاء أسد ضراغم‏

770-[خصلتان محمودتان في الذباب‏]

قال و في الذباب خصلتان من الخصال المحمودة:

أمّا إحداهما: فقرب الحيلة لصرف أذاها و دفع مكروهها؛ فمن أراد إخراجها من البيت فليس بينه و بين أن يكون البيت على المقدار الأوّل من الضّياء و الكنّ بعد إخراجها مع السّلامة من التأذي بالذبان-إلاّ أن يغلق الباب، فإنّهنّ يتبادرن إلى الخروج، و يتسابقن في طلب الضوء و الهرب من الظلمة، فإذا أرخي السّتر و فتح الباب عاد الضّوء و سلم أهله من مكروه الذباب، فإن كان في الباب شقّ، و إلاّ جافى المغلق أحد البابين عن صاحبه و لم يطبقه عليه إطباقا. و ربّما خرجن من الفتح الذي يكون بين أسفل الباب و العتبة. و الحيلة في إخراجها و السّلامة من أذاها يسيرة، و ليس كذلك البعوض؛ لأنّ البعوض إنما يشتدّ أذاه، و يقوى سلطانه، و يشتدّ كلبه في الظلمة، كما يقوى سلطان الذبان في الضياء، و ليس يمكن النّاس أن يدخلوا منازلهم من الضّياء ما يمنع عمل البعوض؛ لأنّ ذلك لا يكون إلاّ بإدخال الشّمس، و البعوض لا يكون إلاّ في الصّيف، و شمس الصّيف لا صبر عليها. و ليس في الأرض ضياء انفصل من الشمس إلاّ و معه نصيبه من الحرّ، و قد يفارق الحرّ الضياء في بعض المواضع، و الضّياء لا يفارق الحرّ في مكان من الأماكن.

فإمكان الحيلة في الذباب يسير، و في البعوض عسير! و الفضيلة الأخرى: أنه لو لا أن الذّبابة تأكل البعوضة و تطلبها و تلتمسها على وجوه حيطان البيوت، و في الزوايا، لما كان لأهلها فيها قرار! [1]ديوان أبي زبيد 640، و طبقات ابن سلام 516، و الحماسة الشجرية 273، و الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (عكف) .

[2]في ديوانه (ولغ السبع و الكلب: شرب بطرف لسانه، و نهس اللحم: قبض عليه بمنسره) . ـ

154

و ذكر محمد بن الجهم-فيما خبّرني عنه بعض الثقات-أنه قال لهم ذات يوم: هل تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذّباب؟قالوا: لا.

قال: بلى، إنّها تأكل البعوض و تصيده و تلقطه و تفنيه: و ذلك أنّي كنت أريد القائلة[1]، فأمرت بإخراج الذّباب و طرح السّتر و إغلاق الباب قبل ذلك بساعة. فإذا خرجن حصل في البيت البعوض، في سلطان البعوض و موضع قوّته. فكنت أدخل إلى القائلة[1]فيأكلني البعوض أكلا شديدا. فأتيت ذات يوم المنزل في وقت القائلة[1]، فإذا ذلك البيت مفتوح، و السّتر مرفوع، و قد كان الغلمان أغفلوا ذلك في يومهم، فلما اضطجعت للقائلة لم أجد من البعوض شيئا و قد كان غضبي اشتدّ على الغلمان، فنمت في عافية. فما كان من الغد عادوا إلى إغلاق الباب و إخراج الذّباب، فدخلت ألتمس القائلة[1]، فإذا البعوض كثير. ثم أغفلوا إغلاق الباب يوما آخر، فلما رأيته مفتوحا شتمتهم فلمّا صرت إلى القائلة[1]لم أجد بعوضة واحدة، فقلت في نفسي عند ذلك: أراني قد نمت في يومي الإغفال و التّضييع و امتنع منّي النّوم في أيّام التحفّظ و الاحتراس. فلم لا أجرّب ترك إغلاق الباب في يومي هذا. فإن نمت ثلاثة أيام لا ألقى من البعوض أذى مع فتح الباب، علمت أنّ الصّواب في الجمع بين الذّبان و بين البعوض؛ فإنّ الذّبّان هي التي تفنيه، و أنّ صلاح أمرنا في تقريب ما كنّا نباعد.

ففعلت ذلك، فإذا الأمر قد تمّ. فصرنا إذا أردنا إخراج الذّبّان أخرجناها بأيسر حيلة، و إذا أردنا إفناء البعوض أفنيناها على أيدي الذّبّان بأيسر حيلة.

فهاتان خصلتان من مناقب الذّبّان.

776-[طبّ القوابل و العجائز]

و كان محمد بن الجهم يقول‏[2]: لا تتهاونوا بكثير ممّا ترون من علاج القوابل و العجائز، فإنّ كثيرا من ذلك إنما وقع إليهنّ من قدماء الأطباء؛ كالذّبان يلقى في الإثمد و يسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر، و نفاذ النظر، و في تشديد مراكز شعر الأشفار[3]في حافات الجفون.

[1]القائلة: النوم في نصف النهار «القاموس: قيل» .

[2]ورد الخبر في عيون الأخبار 2/104، و العقد الفريد 6/245.

[3]الأشفار: جمع شفر، و هو أصل منبت الشعر في الجفن «القاموس: شفر» .

155

777-[فائدة دوام النظر إلى الخضرة]

و قلت له مرّة[1]: قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة[2]و سكّان البساتين، مع أكلهم الكرّاث و التمر، و شروبهم ماء السّواقي على المالح‏[3]أقلّ النّاس خفشانا و عميانا و عمشانا و عورا؟قال: إني فكّرت في ذلك فلم أجد له علّة إلاّ طول وقوع أبصارهم على الخضرة.

778-[من لا يتقزّز من الذّبّان و الزنابير و الدّود]

قال ابن الجهم: و من أهل السّفالة ناس يأكلون الذّبّان، و هم لا يرمدون. و ليس لذلك أكلوه و إنما هم كأهل خراسان الذي يأكلون فراخ الزّنابير، و الزّنابير ذبان، و أصحاب الجبن الرّطب يأخذون الجبنة التي قد نغلت دودا، فينكتها أحدهم حتّى يخرج ما فيها من الدّود في راحته، ثم يقمحها[4]كما يقمح السّويق. و كان الفرزدق يقول: ليت أنّهم دفعوا إليّ نصيبي من الذبان ضربة واحدة، بشرط أن آكله لراحة الأبد منها. و كان كما زعموا شديد التقذّر لها و التقزّز منها.

779-[دعاء أحد القصاص‏]

و قال ثمامة[5]: تساقط الذبّان في مرق بعض القصّاص و على وجهه فقال: كثّر اللّه بكنّ القبور! و حكى ثمامة[6]عن هذا القاصّ أنه سمعه بعبّادان يقول في قصصه: اللّهمّ منّ علينا بالشهادة، و على جميع المسلمين.

780-[قصّة في عمر الذّباب‏]

و قال لي المكّيّ مرّة: إنما عمر الذبّان أربعون يوما، قلت: هكذا جاء في الأثر.

و كنّا يومئذ بواسط في أيّام العسكر و ليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط، و لربّما رأيت الحائط و كأنّ عليه مسحا[7]شديد السّواد من كثرة ما عليه من الذبّان.

[1]ورد الخبر في عيون الأخبار 2/108.

[2]الأكرة: جمع أكار، و هو الحراث لحفرة الأرض «القاموس: أكر» .

[3]في عيون الأخبار «و شربهم الماء الحار على السمك المالح» .

[4]قمح: استفّ «القاموس: قمح» .

[5]ورد الخبر في البيان 2/317، و العقد الفريد 4/200.

[6]ورد الخبر في البيان 2/317.

[7]المسح: كساء من شعر «القاموس: مسح» .

156

فقلت للمكّيّ: أحسب الذبّان يموت في كل أربعين يوما، و إن شئت ففي أكثر، و إن شئت ففي أقلّ. و نحن كما ترى ندوسها بأرجلنا، و نحن هاهنا مقيمون من أكثر من أربعين يوما، بل منذ أشهر و أشهر، و ما رأينا ذبابا واحدا ميّتا. فلو كان الأمر على ذلك لرأينا الموتى كما رأينا الأحياء. قال: إنّ الذّبابة إذا أرادت أن تموت ذهبت إلى بعض الخربات، قلت: فإنّا قد دخلنا كلّ خربة في الدّنيا، ما رأينا فيها قط ذبابا ميّتا.

781-[نوادر للمكي‏]

و كان المكّيّ طيّبا طيّب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل و كان يدّعي كلّ شي‏ء على غاية الإحكام، و لم يحكم شيئا قطّ، لا من الجليل و لا من الدّقيق. و إذ قد جرى ذكره فسأحدّثك ببعض أحاديثه، و أخبرك عن بعض علله، لتلهّى بها ساعة، ثم نعود إلى بقية ذكر الذّبّان.

ادّعى هذا المكّيّ البصر بالبراذين، و نظر إلى برذون واقف، قد ألقى صاحبه في فيه اللّجام، فرأى فأس اللّجام و أين بلغ منه، فقال لي: العجب!كيف لا يذرعه القي‏ء، و أنا لو أدخلت إصبعي الصغرى في حلقي لما بقي في جوفي شي‏ء إلاّ خرج؟!!قلت:

الآن علمت أنّك تبصر!ثمّ مكث البرذون ساعة يلوك لجامه، فأقبل عليّ فقال لي:

كيف لا يبرد أسنانه؟!قلت: إنما يكون علم هذا عند البصراء مثلك!ثمّ رأى البرذون كلّما لاك اللّجام و الحديدة سال لعابه على الأرض فأقبل عليّ و قال: لو لا أنّ البرذون أفسد الخلق عقلا لكان ذهنه قد صفا!قلت له: قد كنت أشك في بصرك بالدّوابّ، فأمّا بعد هذا فلست أشكّ فيه! و قلت له مرّة و نحن في طريق بغداد: ما بال الفرسخ في هذه الطريق يكون فرسخين، و الفرسخ يكون أقلّ من مقدار نصف فرسخ؟!ففكّر طويلا ثمّ قال: كان كسرى يقطع للنّاس الفراسخ، فإذا صانع صاحب القطيعة زادوه، و إذا لم يصانع نقصوه! و قلت له مرّة: علمت أنّ الشاري حدّثني أنّ المخلوع بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم؛ كأنّه يخبر أنّ عنده من الجند بعدد ذلك الحبّ و أنّ المأمون بعث إليه بديك أعور، يريد أنّ طاهر بن الحسين يقتل هؤلاء كلّهم، كما يلقط الدّيك الحبّ! قال: فإنّ هذا الحديث أنا ولّدته. و لكن انظر كيف سار في الأفق؟! و أحاديثه و أعاجيبه كثيرة.

157

782-[معارف في الذّباب‏]

ثمّ رجع بنا القول إلى صلة كلامنا في الإخبار عن الذّبّان.

فأمّا سكّان بلاد الهند فإنّهم لا يطبخون قدرا، و لا يعملون حلوى و لا يكادون يأكلون إلاّ ليلا؛ لما يتهافت من الذّبّان في طعامهم. و هذا يدل على عفن التّربة و لخن الهواء.

و للذّبّان يعاسيب و جحلان‏[1]، و لكن ليس لها قائد و لا أمير. و لو كانت هذه الأصناف التي يحرس بعضها بعضا. و تتّخذ رئيسا يدبّرها و يحوطها، إنما أخرج ذلك منها العقل دون الطّبع، و كالشي‏ء يخصّ به البعض دون الكلّ لكان الذرّ و النّمل أحقّ بذلك من الكراكيّ‏[2]و الغرانيق‏[2]و الثّيران، و لكان الفيل أحقّ به من البعير؛ لأنه ليس للذّرّ قائد و لا حارس، و لا يعسوب يجمعها و يحميها بعض المواضع، و يوردها بعضا.

و كلّ قائد فهو يعسوب ذلك الجنس المقود. و هذا الاسم مستعار من فحل النّحل و أمير العسّالات.

و قال الشاعر و هو يعني الثّور: [من الطويل‏]

كما ضرب اليعسوب إذ عاف باقر # و ما ذنبه إذ عافت الماء باقر[3]

و كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، في صلاح الزّمان و فساده: «فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدّين بذنبه» [4].

و على ذلك المعنى قال حين مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا يوم الجمل: «لهفي عليك يعسوب قريش!جدعت أنفي و شفيت نفسي!» [5].

قالوا: و على هذا المعنى قيل: «يعسوب الطّفاوة» .

783-[أقذر الحيوان‏]

و زعم بعض الحكماء أنّه لا ينبغي أن يكون في الأرض شي‏ء من الأشياء أنتن [1]في القاموس: (الجحل: اليعسوب العظيم و الجعل. جمع جحول و جحلان) .

[2]الكراكي: جمع الكركي، و هو طائر كبير، ذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق، و هو أغبر؛ طويل الساقين. حياة الحيوان 2/244.

[3]تقدم البيت في مقدمة لمؤلف في الجزء الأول، و نسبه إلى الهيبان الفهمي ص 18.

[4]الحديث في النهاية 3/234، و أساس البلاغة (عسب) .

[5]الحديث في النهاية 3/235، و أساس البلاغة (عسب) ، و مجالس ثعلب 129.

158

من العذرة، فكذلك لا شي‏ء أقذر من الذّبان و القمل. و أمّا العذرة فلو لا أنّها كذلك لكان الإنسان مع طول رؤيته لها، و كثرة شمّه لها من نفسه في كلّ يوم صباحا و مساء، لقد كان ينبغي أن يكون قد ذهب تقذّره له على الأيّام، أو تمحّق، أو دخله النّقص.

فثباتها ستين عاما و أكثر و أقلّ على مقدار واحد من النتن في أنف الرّجل و منهم من وجدناه بعد مائة عام كذلك، و قد رأينا المران و العادات و صنيعها في الطّبائع. و كيف تهوّن الشديد، و تقلّل الكثير. فلو لا أنّا فوق كلّ شي‏ء من النّتن، لما ثبتت هذا الثّبات، و لعرض لها ما يعرض لسائر النّتن، و بعد فلو كان إنّما يشمّ شيئا خرج من جوف غيره و لم يخرج من جوف نفسه، لكان ذلك أشبه. فإذ قد ثبت في أنفه على هذا المقدار. و هو منه دون غيره، و حتّى صار يجده أنتن من رجيع جميع الأجناس- فليس ذلك إلاّ لما قد خصّ به من المكروه.

و كذلك القول في القمل الذي إنّما يخلق من عرق الإنسان، و من رائحته و وسخ جلده. و بخار بدنه. و كذلك الذّبّان المخالطة لهم في جميع الحالات، و الملابسة لهم دون جميع الهوامّ و الهمج و الطّير و البهائم و السّباع حتّى تكون ألزم من كلّ ملازم، و أقرب من كلّ قريب؛ حتى ما يمتنع عليه شي‏ء من بدن الإنسان، و لا من ثوبه، و لا من طعامه، و لا من شرابه، حتّى لزمه لزوما لم يلزمه شي‏ء قطّ كلزومه، حتى إنّه يسافر السّفر البعيد من مواضع الخصب، فيقطع البراريّ و القفار التي ليس فيها و لا بقربها نبات و لا ماء و لا حيوان، ثم مع ذلك يتوخّى عند الحاجة إلى الغائط في تلك البرّية أن يفارق أصحابه، فيتباعد في الأرض، و في صحراء خلقاء[1]، فإذا تبرّز فمتى وقع بصره على برازه رأى الذّبّان ساقطا عليه. فقبل ذلك ما كان يراه. فإن كان الذّباب شيئا يتخلّق له في تلك الساعة فهذه أعجب مما رآه و مما أردنا و أكثر ممّا قلنا. و إن كان قد كان ساقطا على الصّخور الملس، و البقاع الجرد، في اليوم القائظ، و في الهاجرة التي تشوي كلّ شي‏ء، و ينتظر مجيئه-فهذا أعجب ممّا قلنا. و إن كانت قد تبعته من الأمصار، إمّا طائرة معه، و إمّا ساقطة عليه، فلما تبرّز انتقلت عنه إلى برازه، فهذا تحقيق لقولنا إنّه لا يلزم الإنسان شي‏ء لزوم الذباب؛ لأنّ العصافير، و الخطاطيف، و الزّرازير، و السّنانير، و الكلاب و كلّ شي‏ء يألف النّاس، فهو يقيم مع النّاس. فإذا مضى الإنسان في سفره، فصار كالمستوحش، و كالنّازل بالقفار، فكلّ شي‏ء أهليّ يألف النّاس فإنّما هو مقيم على مثل ما كان من إلفه لهم، لا يتبعهم من دور النّاس إلى منازل الوحش؛ إلاّ الذّبّان.

[1]خلقاء: لا نبات فيها «القاموس: خلق» .

159

قال: فإذا كان الإنسان يستقذر الذّبّان في مرقه و في طعامه هذا الاستقذار، و يستقذر القمل مع محلّه من القرابة و النّسبة هذا الاستقذار فمعلوم أنّ ذلك لم يكن إلاّ لما خص به من القذر. و إلاّ فبدون هذه القرابة و هذه الملابسة، تطيب الأنفس عن كثير من المحبوب.

784-[لجاج الذّباب‏]

قال: و في الذّبّان خبر آخر: و ذلك أنّهنّ ربّما تعوّدن المبيت على خوص فسيلة و أقلابها[1]من فسائل الدّور، أو شجرة، أو كلّة[2]، أو باب، أو سقف بيت، فيطردن إذا اجتمعن لوقتهنّ عند المساء ليلتين أو ثلاث ليال، فيتفرقن أو يهجرن ذلك المكان في المستقبل، و إن كان ذلك المكان قريبا، و هو لهنّ معرّض، ثمّ لا يدعن أن يلتمسن مبيتا غيره. و لا يعرض لهنّ من اللّجاج في مثل ذلك، مثل الذي يعرض لهنّ من كثرة الرّجوع إلى العينين و الأنف بعد الذّبّ و الطّرد، و بعد الاجتهاد في ذلك.

785-[أذى الذباب و نحوها]

و قال محمّد بن حرب: ينبغي أن يكون الذّبّان سمّا ناقعا؛ لأنّ كلّ شي‏ء يشتدّ أذاه باللّمس من غيره، فهو بالمداخلة و الملابسة أجدر أن يؤذي. و هذه الأفاعي و الثعابين و الجرّارات‏[3]قد تمسّ جلودها ناس فلا تضرّهم إلاّ بأن تلابس إبرة العقرب و ناب الأفعى الدّم و نحن قد نجد الرّجل يدخل في خرق أنفه ذباب، فيجول في أوله من غير أن يجاوز ما حاذى روثة أنفه و أرنبته‏[4]فيخرجه الإنسان من جوف أنفه بالنّفخ و شدة النّفس و لم يكن له هنالك لبث، و لا كان منه عضّ، و ليس إلا ما مسّ بقوائمه و أطراف جناحيه، فيقع في ذلك المكان من أنفه، من الدّغدغة و الأكال و الحكّة، ما لا يصنع الخردل‏[5]و بصل النّرجس، و لبن التّين. فليس يكون ذلك منه إلاّ و في طبعه من مضادّة طباع الإنسان ما لا يبلغه مضادّة شي‏ء و إن أفرط.

قال: و ليس الشّأن في أنّه لم ينخس، و لم يجرح، و لم يخز و لم يعضّ، و لم [1]الأقلاب: جمع قلب؛ و هو شحمة النخلة «القاموس: قلب» .

[2]الكلّة: ستر رقيق يتوقى به من البعوض «القاموس: كلل» .

[3]الجرارة-كجبّانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .

[4]روثة الأنف: طرف الأرنبة «القاموس: روث» ، أرنبة الأنف: طرفه «القاموس: رنب» .

[5]الخردل: حب شجر معروف، قالع للبلغم مليّن هاضم، نافع طلاؤه للنقرس و النسا و البرص «القاموس: خردل» .

160

يغمز، و لم يخدش. و إنّما هو على قدر منافرة الطّباع للطباع، و على قدر القرابة و المشاكلة.

786-[الأصوات المكروهة]

و قد نجد الإنسان يغتمّ بتنقّض‏[1]الفتيلة و صوتها عند قرب انطفاء النار، أو لبعض البلل يكون قد خالط الفتيلة، و لا يكون الصّوت بالشّديد، و لكنّ الاغتمام به، و التكرّه له و يكون في مقدار ما يعتريه من أشدّ الأصوات. و من ذلك المكروه الذي يدخل على الإنسان من غطيط النّائم، و ليست تلك الكراهة لعلّة الشّدّة و الصّلابة، و لكن من قبل الصّورة و المقدار، و إن لم يكن من قبل الجنس. و كذلك صوت احتكاك الآجرّ الجديد بعضه ببعض. و كذلك شجر الآجام‏[2]على الأجراف‏[3]؛ فإنّ النّفس تكرهه كما تكره صوت الصّاعقة. و لو كان على ثقة من السّلامة من الاحتراق، لما احتفل بالصّاعقة ذلك الاحتفال. و لعلّ ذلك الصّوت وحده ألاّ يقتله.

فأمّا الذي نشاهد اليوم الأمر عليه، فإنّه متى قرب منه قتله. و لعلّ ذلك إنّما هو لأنّ الشّى‏ء إذا اشتدّ صدمه فسخ القوّة أو لعلّ الهواء الذي فيه الإنسان و المحيط به أن يحمى و يستحيل نارا للذي قد شارك ذلك الصّوت من النّار. و هم لم يجدوا الصّوت شديدا جدّا إلاّ ما خالط منه النّار.

787-[ما يقتات بالذّباب‏]

و قال ابن حرب: الذّبّان قوت خلق كثير من خلق اللّه عزّ و جلّ، و هو قوت الفراريج، و الخفافيش، و العنكبوت، و الخلد، و ضروب كثيرة من الهمج، همج الطير، و حشرات السّباع. فأمّا الطّير و السّودانيّات، و الحصانيّات‏[4]، و الشاه‏مركات‏[5]، و غير ذلك من أصناف الطّير؛ و أمّا الضّباع-فإنّها تأكل الجيف، و تدع في أفواهها فضولا، و تفتح أفواهها للذّبّان، فإذا احتشت ضمّت عليها. فهذه إنّما تصيد الذّبّان بنوع واحد، و هو الاختطاف و الاختلاس، و إعجالها عن الوثوب إذا تلقّطته بأطراف المناقير، أو كبعض ما ذكرنا من إطباق الفم عليها.

[1]تنقضت الفتيلة: صوتت. انظر القاموس «نقض» .

[2]الآجام: الشجر الكثير الملتف «القاموس: أجم» .

[3]الجرف: المكان الذي لا يأخذه السيل «القاموس: جرف» .

[4]الحصانيات: طير «القاموس: حصن» .

[5]الشاه‏مرك : يعني ملك الطير؛ و هو الفتي من الدجاج حياة الحيوان 1/594.

161

فأمّا الصّيد الذي ليس للكلب، و لا لعناق الأرض‏[1]، و لا للفهد، و لا لشي‏ء من ذوات الأربع مثله في الحذق و الختل و المداراة، و في صواب الوثبة، و في التسدّد و سرعة الخطف، فليس مثل الذي يقال له الليث، و هو الصّنف المعروف من العناكب بصيد الذّبّان؛ فإنّك تجده إذا عاين الذّبّان ساقطا، كيف يلطأ[2]بالأرض، و كيف يسكّن جميع جوارحه للوثبة، و كيف يؤخّر ذلك إلى وقت الغرّة، و كيف يريها أنّه عنها لاه؛ فإنّك ترى من ذلك شيئا لم تر مثله من فهد قطّ، و إن كان الفهد موصوفا منعوتا.

و اعلم أنّه قد ينبغي ألاّ يكون في الأرض شي‏ء أصيد منه؛ لأنّه لا يطير، و لا يصيد إلاّ ما يطير!و يصيد طائرا شديد الحذر، ثمّ يصيد صيّادا!لأن الذّباب يصيد البعوض. و خديعتك للخدّاع أعجب، و مكرك بالماكر أغرب!فكذلك يكون صيد هذا الفن من العنكبوت.

و زعم الجرداني أنّ الوزغ تختل الذّبان، و تصيدها صيدا حسنا شبيها بصيد اللّيث.

قال: و الزّنبور حريص على صيد الذّبّان، و لكنه لا يطمع فيها إلاّ أن تكون ساقطة على خرء، دون كلّ تمر و عسل؛ لشدّة عجبها بالخرء، و تشاغلها به!فعند ذلك يطمع فيه الزنبور و يصيده.

و زعم الجرداني و تابعه كيسان: أنّ الفهد إنما أخذ ذلك عن اللّيث. و متى رآه الفهد يصيد الذّبّان حتى تعلّم منه؟!فظننت أنّهما قلّدا في ذلك بعض من إذا مدح شيئا أسرف فيه.

788-[تقليد الحيوان للحيوان‏]

و يزعمون أنّ السّبع الصّيود إذا كان مع سبع هو أصيد منه، تعلّم منه و أخذ عنه. و هذا لم أحقّه. فأمّا الذي لا أشكّ فيه فأنّ الطائر الحسن الصّوت الملحّن، إذا كان مع نوائح الطّير و مغنّياتها، فكان بقرب الطّائر من شكله، و هو أحذق منه و أكرز و أمهر، جاوبه و حكاه، و تعلّم منه، أو صنع شيئا يقوم مقام التعلّم.

[1]عناق الأرض: دويبة أصغر من الفهد، يصيد كل شي‏ء، حتى الطير، حياة الحيوان 2/79.

[2]لطأ: لصق «القاموس: لطأ» .

162

789-[تعليم البراذين و الطير]

و البرذون يراض فيعرف ما يراد منه، فيعين على نفسه. و ربّما استأجروا للطّير رجلا يعلّمها. فأمّا الذي رأيته أنا في البلابل، فقد رأيت رجلا يدعى لها فيطارحها من شكل أصواتها.

790-[اختراع الطير للأصوات و اللحون‏]

و في الطّير ما يخترع الأصوات و اللّحون التي لم يسمع بمثلها قطّ من المؤلّف للحون من النّاس؛ فإنّه ربّما أنشأ لحنا لم يمرّ على أسماع المغنّين قطّ.

و أكثر ما يجدون ذلك من الطّير في القماريّ، و في السّودانيات، ثمّ في الكرارزة[1]. و هي تأكل الذّبّان أكلا ذريعا.

791-[اللّجوج من الحيوان‏]

و يقال إن اللّجاج في ثلاثة أجناس من بين جميع الحيوان: الخنفساء، و الذّباب، و الدّودة الحمراء؛ فإنّها في إبّان ذلك تروم الصّعود إلى السّقف، و تمرّ على الحائط الأملس شيئا قليلا فتسقط و تعود، ثمّ لا تزال تزداد شيئا ثمّ تسقط، إلى أن تمضي إلى باطن السّقف، فربما سقطت و لم يبق عليها إلاّ مقدار إصبع، ثمّ تعود.

و الخنفساء تقبل قبل الإنسان فيدفعها، فتبعد بقدر تلك الطّردة و الدّفعة ثمّ تعود أيضا، فيصنع بها أشدّ من تلك ثمّ تعود، حتّى ربما كان ذلك سببا لغضبه، و يكون غضبه سببا لقتلها.

792-[اعتقاد المفاليس في الخنافيس‏]

و ما زالوا كذلك، و ما زالت كذلك، حتّى سقط إلى المفاليس أنّ الخنافس تجلب الرّزق. و أنّ دنوّها دليل على رزق حاضر: من صلة، أو جائزة، أو ربح، أو هديّة، أو حظّ. فصارت الخنافس إن دخلت في قمصهم ثمّ نفذت إلى سراويلاتهم لم يقولوا لها قليلا و لا كثيرا. و أكثر ما عندهم اليوم الدّفع لها ببعض الرّفق. و يظنّ بعضهم أنّه إذا دافعها فعادت، ثمّ دافعها، فعادت، ثمّ دافعها فعادت-أنّ ذلك كلما كان أكثر، كان حظّه من المال الذي يؤمّله عند مجيئها أجزل.

[1]الكرارزة: جمع كرّزي، هو الصقر و البازي «القاموس: كرز» .

163

فانظر، أيّة واقية و أيّة حافظة، و أيّ حارس، و أيّ حصن أنشأه لها هذا القول! و أيّ حظّ كان لها حين صدّقوا بهذا الخبر هذا التصديق!و الطّمع هو الذي أثار هذا الأمر من مدافنه، و الفقر هو الذي اجتذب هذا الطّمع و اجتلبه. و لكن الويل لها إن ألحّت على غنيّ عالم، و خاصّة إن كان مع جدته و علمه حديدا عجولا.

793-[اعتقاد العامة في أمير الذّبّان‏]

و قد كانوا يقتلون الذباب الكبير الشديد الطنين الملحّ في ذلك، الجهير الصوت، الذي تسميه العوامّ: «أمير الذّبّان» ، فكانوا يحتالون في صرفه و طرده و قتله، إذا أكربهم بكثرة طنينه و زجله و هماهمه فإنّه لا يفتر. فلمّا سقط إليهم أنّه مبشّر بقدوم غائب و برء سقيم، صاروا إذا دخل المنزل و أوسعهم شرّا، لم يهجه أحد منهم.

و إذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن ينسئ في أجل شي‏ء من الحيوان هيّأ لذلك سببا، كما أنّه إذا أراد أن يقصر عمره و يحين يومه هيّأ لذلك سببا. فتعالى اللّه علوّا كبيرا! ثمّ رجع بنا القول إلى إلحاح الذّبّان.

794-[إلحاح الذّباب‏]

كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد اللّه بن سوّار، لم ير النّاس حاكما قطّ و لا زمّيتا و لا ركينا، و لا وقورا حليما، ضبط من نفسه و ملك من حركته مثل الذي ضبط و ملك. كان يصلّي الغداة في منزله، و هو قريب الدّار من مسجده، فيأتي مجلسه فيحتبي و لا يتّكئ، فلا يزال منتصبا و لا يتحرّك له عضو، و لا يلتفت، و لا يحلّ حبوته‏[2]و لا يحوّل رجلا عن رجل، و لا يعتمد على أحد شقّيه، حتّى كأنّه بناء مبنيّ، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك، حتّى يقوم إلى صلاة الظهر ثمّ يعود إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر، ثمّ يرجع لمجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثمّ ربما عاد إلى محلّه، بل كثيرا ما كان يكون ذلك إذا بقي عليه من قراءة العهود و الشّروط و الوثائق، ثمّ يصلّي العشاء الأخيرة و ينصرف.

فالحق يقال: لم يقم في طول تلك المدّة و الولاية مرّة واحدة إلى الوضوء، و لا احتاج إليه، و لا شرب ماء و لا غيره من الشّراب. كذلك كان شأنه في طوال الأيام و في [1]وردت القصة في ثمار القلوب 396 (725) ، و أمالي المرتضى 2/105 (4/22) .

[2]الاحتباء: أن يضم الرجل رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، و يشده عليها، و هو منهي عنه كما في الحديث الوارد في النهاية 1/335، و اللسان (حبا) .

164

قصارها، و في صيفها و في شتائها. و كان مع ذلك لا يحرّك يده، و لا يشير برأسه.

و ليس إلاّ أن يتكلم ثمّ يوجز، و يبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة. فبينا هو كذلك ذات يوم و أصحابه حواليه، و في السّماطين بين يديه، إذ سقط على أنفه ذباب فأطال المكث، ثمّ تحوّل إلى مؤق عينه، فرام الصّبر في سقوطه على المؤق، و على عضّه و نفاذ خرطومه كما رام من الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه، أو يذبّ بإصبعه. فلمّا طال ذلك عليه من الذباب و شغله و أوجعه و أحرقه، و قصد إلى مكان لا يحتمل التّغافل، أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق و الفتح، فتنحّى ريثما سكن جفنه، ثمّ عاد إلى مؤقه بأشدّ من مرّته الأولى فغمس خرطومه في مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، و عجزه عن الصّبر في الثانية أقوى، فحرّك أجفانه و زاد في شدّة الحركة و في فتح العين، و في تتابع الفتح و الإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته ثمّ عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ صبره و بلغ مجهوده. فلم يجد بدّا من أن يذبّ عن عينيه بيده، ففعل، و عيون القوم إليه ترمقه، و كأنّهم لا يرونه، فتنحّى عنه بقدر ما ردّ يده و سكنت حركته ثمّ عاد إلى موضعه، ثمّ ألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، و علم أنّ فعله كلّه بعين من حضره من أمنائه و جلسائه. فلمّا نظروا إليه قال: أشهد أنّ الذّباب ألحّ من الخنفساء، و أزهى من الغراب!و أستغفر اللّه!فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد اللّه عزّ و جلّ أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا!و قد علمت أني عند الناس من أزمت الناس، فقد غلبني و فضحني أضعف خلقه!ثمّ تلا قوله تعالى: وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبََابُ شَيْئاً لاََ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ [1].

و كان بيّن اللّسان، قليل فضول الكلام، و كان مهيبا في أصحابه، و كان أحد من لم يطعن عليه في نفسه، و لا في تعريض أصحابه للمنالة.

795-[قصّة في إلحاح الذباب‏]

فأمّا الذي أصابني أنا من الذّبّان، فإنّي خرجت أمشي في المبارك‏[2]أريد دير الربيع، و لم أقدر على دابّة، فمررت في عشب أشب‏[3]و نبات ملتفّ كثير الذّبّان، [1]73/الحج: 22.

[2]المبارك: اسم نهر بالبصرة؛ احتفره خالد القسري، و المبارك: نهر و قرية فوق واسط. معجم البلدان 5/50.

[3]عشب أشب: ملتف «القاموس: أشب» .

165

فسقط ذباب من تلك الذّبّان على أنفي، فطردته، فتحوّل إلى عيني فطردته، فعاد إلى موق عيني، فزدت في تحريك يديّ فتنحّى عني بقدر شدّة حركتي و ذبّي عن عيني- و لذبّان الكلإ و الغياض و الرّياض وقع ليس لغيرها-ثمّ عاد إليّ فعدت عليه ثمّ عاد إليّ فعدت بأشدّ من ذلك، فلما عاد استعملت كمّي فذببت به عن وجهي، ثمّ عاد، و أنا في ذلك أحثّ السّير، أؤمّل بسرعتي انقطاعه عنّي فلما عاد نزعت طيلساني‏[1]من عنقي فذببت به عنّي بدل كمّي؛ فلما عاود و لم أجد له حيلة استعملت العدو، فعدوت منه شوطا تامّا لم أتكلف مثله مذ كنت صبيّا، فتلقّاني الأندلسيّ فقال لي:

ما لك يا أبا عثمان!هل من حادثة؟قلت: نعم أكبر الحوادث، أريد أن أخرج من موضع للذّبّان عليّ فيه سلطان!فضحك حتى جلس. و انقطع عني، و ما صدّقت بانقطاعه عنّي حتّى تباعد جدّا.

796-[ذبّان العساكر]

و العساكر أبدا كثيرة الذّبّان. فإذا ارتحلوا لم ير المقيم بعد الظّاعن منها إلا اليسير.

و زعم بعض النّاس أنّهنّ يتبعن العساكر، و يسقطن على المتاع، و على جلال الدّواب، و أعجاز البراذين التي عليها أسبابها حتى تؤدّي إلى المنزل الآخر.

و قال المكّيّ: يتبعوننا ليؤذونا، ثمّ لا يركبون إلاّ أعناقنا و دوابّنا!

797-[تخلّق الذّباب‏]

و يقول بعضهم: بل إنما يتخلّق من تلك العفونات و الأبخرة و الأنفاس، فإذا ذهبت فنيت مع ذهابها، و يزعمون أنّهم يعرفون ذلك بكثرتها في الجنائب، و بقلّتها في الشمائل.

قالوا: و ربّما سددنا فم الآنية التي فيها الشّراب بالصّمامة، فإذا نزعناها وجدنا هناك ذبابا صغارا.

و قال ذو الرّمّة[3]: [من الطويل‏]

و أيقنّ أنّ القنع صارت نطافه # فراشا و أنّ البقل ذاو و يابس‏

[1]الطيلسان: ضرب من الأكسية، أصله فارسي «اللسان: طلس» .

[2]انظر الفقرة (803) .

[3]ديوان ذي الرمة 1121، و اللسان (فرش، قنع، ذوي) ، و التاج (فرش، قنع) ، و العين 1/171، و التهذيب 1/258، 11/346، 15/438، و ديوان الأدب 1/188.

166

القنع: الموضع الذي يجتمع فيه نقران الماء. و الفراش: الماء الرقيق الذي يبقى في أسفل الحياض.

و أخبرني رجل من ثقيف، من أصحاب النّبيذ أنّهم ربّما فلقوا السّفرجلة أيام السّفرجل للنّقل و الأكل، و ليس هناك من صغار الذّبّان شي‏ء البتّة و لا يعدمهم أن يروا على مقاطع السّفرجل ذبابا صغارا. و ربّما رصدوها و تأمّلوها، فيجدونها تعظم حتّى تلحق بالكبار في السّاعة الواحدة.

798-[حياة الذّباب و الجعلان بعد موته‏]

قال: و في الذّبان طبع كطبع الجعلان، فهو طبع غريب عجيب. و لو لا أنّ العيان قهر أهله لكانوا خلقاء أن يدفعوا الخبر عنه؛ فإنّ الجعل إذا دفن في الورد مات في العين، و فنيت حركاته كلّها، و عاد جامدا تارزا[1]و لم يفصل الناظر إليه بينه و بين الجعل الميّت، ما أقام على تأمله. فإذا أعيد إلى الروث عادت إليه حركة الحياة من ساعته.

و جرّبت أنا مثل ذلك في الخنفساء، فوجدت الأمر فيها قريبا من صفة الجعل، و لم يبلغ كلّ ذلك إلاّ لقرابة ما بين الخنفساء و الجعل.

و دخلت يوما على ابن أبي كريمة، و إذا هو قد أخرج إجّانة[2]كان فيها ماء من غسالة أوساخ الثياب، و إذا ذبّان كثيرة قد تساقطن فيه من اللّيل فموّتن. هكذا كنّ في رأي العين. فغبرن كذلك عشيّتهنّ و ليلتهنّ، و الغد إلى انتصاف النهار، حتّى انتفخن و عفنّ و استرخين؛ و إذا ابن أبي كريمة قد أعدّ آجرّة جديدة، و فتات آجرّ جديد، و إذا هو يأخذ الخمس منهنّ و الستّ، ثمّ يضعهنّ على ظهر الآجرّة الجديدة، و يذرّ عليهنّ من دقاق ذلك الآجرّ الجديد المدقوق بقدر ما يغمرها فلا تلبث أن يراها قد تحرّكت، ثمّ مشت، ثمّ طارت؛ إلاّ أنّه طيران ضعيف.

799-[غلام ابن أبي كريمة]

و كان ابن أبي كريمة يقول: لا و اللّه، لا دفنت ميّتا أبدا حتّى ينتن!قلت:

و كيف ذاك؟قال: إنّ غلامي هذا نصيرا مات، فأخّرت دفنه لبعض الأمر، فقدم أخوه تلك اللّيلة فقال: ما أظنّ أخي مات!ثمّ أخذ فتيلتين ضخمتين، فروّاهما دهنا ثمّ [1]التارز: اليابس لا روح فيه؛ و الميت «القاموس: ترز» .

[2]الإجانة: الوعاء يغسل فيه الثياب «القاموس: أجن» .

167

أشعل فيها النّار، ثمّ أطفأهما و قرّبهما إلى منخريه، فلم يلبث أن تحرّك. و ها هو ذا قد تراه!قلت له: إن أصحاب الحروب و الذين يغسلون الموتى، و الأطباء، عندهم في هذا دلالات و علامات فلا تحمل على نفسك في واحد من أولئك ألاّ تستره بالدفن حتى يجيف.

و المجوس يقرّبون الميّت من أنف الكلب، و يستدلون بذلك على أمره فعلمت أنّ الذي عاينّاه من الذّبّان قد زاد في عزمه.

800-[النّعر]

و النّعر: ضرب من الذّبان، و الواحدة نعرة. و ربما دخلت في أنف البعير أو السّبع، فيزمّ بأنفه؛ للذي يلقى من المكروه بسببه. فالعرب تشبّه ذا الكبر من الرجال إذا صعّر خده، و زمّ أنفه-بذلك البعير في تلك الحال. فيقال عند ذلك: «فلان في أنفه نعرة» [1]، و «في أنفه خنزوانة» [2]. و قال عمر: «و اللّه لا أقلع عنه أو أطيّر نعرته» [3].

و منها القمع، و هو ضرب من ذبّان الكلأ. و قال أوس‏[4]: [من الطويل‏]

أ لم تر أن اللّه أنزل مزنه # و عفر الظّباء في الكناس تقمّع‏

و ذلك مما يكون في الصيف و في الحرّ.

801-[أذى الذّبّان للدوابّ‏]

و الذّبان جند من جند اللّه شديد الأذى. و ربّما كان أضرّ من الدّبر[5]في بعض الزمان، و ربما أتت على القافلة بما فيها؛ و ذلك أنّها تغشى الدوابّ حتّى تضرب بأنفسها الأرض-و هي في المفاوز-و تسقط، فيهلك أهل القافلة؛ لأنهم لا يخرجون من تلك المفاوز على دوابهم-و كذلك تضرب الرّعاء بإبلهم، و الجمالون بجمالهم عن تلك الناحية، و لا يسلكها صاحب دابّة، و يقول بعضهم لبعض: بادروا قبل حركة الذّبان، و قبل أن تتحرك ذبّان الرّياض و الكلأ! [1]في الأمثال (في رأسه نعرة) ، و المثل في مجمع الأمثال 2/69، و المستقصى 2/83، و جمهرة الأمثال 2/99.

[2]جمهرة الأمثال 2/99.

[3]النهاية 5/80. أي حتى أخرج جهله من رأسه.

[4]ديوان أوس بن حجر 57، و اللسان و التاج (قمع، حزن) ، و المقاييس 8/28، و المخصص 8/183، و المجمل 4/124، و التهذيب 1/291، و بلا نسبة في الجمهرة 941.

[5]الدبر: جماعة النحل و الزنابير «القاموس: دبر» .

168

و الزّنابير لا تكاد تدمي إذا لسعت بأذنابها. و الذّبّان تغمس خراطيمها في جوف لحوم الدوابّ، و تخرق الجلود الغلاظ حتى تنزف الدّم نزفا. و لها مع شدّة الوقع سموم. و كذلك البعوضة ذات سمّ، و لو زيد في بدن البعوضة و زيد في حرقة لسعها إلى أن يصير بدنها كبدن الجرّارة[1]-فإنها أصغر العقارب-لما قام له شي‏ء، و لكان أعظم بليّة من الجرّارة النصيبية[2]أضعافا كثيرة. و ربّما رأيت الحمار و كأنّه ممغّر أو معصفر. و إنّهم مع ذلك ليجلّلون حمرهم و يبرقعونها، و ما يدعون موضعا إلاّ ستروه بجهدهم، فربّما رأيت الحمير و عليها الرّجال فيما بين عبدسي‏[3]و المذار[4]بأيديهم المناخس و المذابّ، و قد ضربت بأنفسها الأرض و استسلمت للموت. و ربّما رأيت صاحب الحمير إذا كان أجيرا يضربها بالعصا بكلّ جهده، فلا تنبعث.

و ليس لجلد البقرة و الحمار و البعير عنده خطر. و لقد رأيت ذبابا سقط على سالفة[5]حمار كان تحتي، فضرب بأذنيه، و حرّك رأسه بكلّ جهده، و أنا أتأمّله و ما يقلع عنه، فعمدت بالسّوط لأنحّيه به فنزا عنه، و رأيت مع نزوه عنه الدّم و قد انفجر؛ كأنّه كان يشرب الدّم و قد سدّ المخرج بفيه، فلمّا نحّاه طلع.

802-[و نيم‏الذّباب ]

و تزعم العامّة أنّ الذّبّان يخرأ على ما شاء قالوا: لأنّا نراه يخرأ على الشي‏ء الأسود أبيض، و على الأبيض أسود.

[1]الجرارة، كجبانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .

[2]الجرارة النصيبية: نسبة إلى نصيبين، و هي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام و سبب كثرة عقاربها أن أنو شروان الملك حاصرها و ما قدر أن يفتحها، فأمر أن تجمع إليه العقارب. فحملوا العقارب من قرية تعرف بطيرانشاه من عمل شهرزور، فرماهم بها في العرادات و القوارير. و كان يملأ القارورة من العقارب و يضعها في العرادة؛ و هي على هيئة المنجنيق، فتقع القارورة و تنكسر و تخرج تلك العقارب، حتى ضجّ أهلها و فتحوا له البلد، و أخذها عنوة، و ذلك أصل عقارب نصيبين. معجم البلدان 5/288.

[3]عبدسي: اسم مصنعة كانت برستاق كسكر، خربها العرب، و بقي اسمها على ما كان حولها من العمارة. معجم البلدان 4/77.

[4]المذار: مدينة بين واسط و البصرة، فتحها عتبة بن غزوان أيام عمر بن الخطاب. معجم البلدان 4/88.

[5]السالفة: ما تقدم من العنق «القاموس: سلف» .

169

و يقال قد ونم الذّباب-في معنى خرئ الإنسان-و عرّ الطائر. و صام النّعام، و ذرق الحمام. قال الشاعر[1]: [من الوافر]

و قد ونم الذّباب عليه حتّى # كأنّ ونيمه نقط المداد

و ليس طول كوم البعير إذا ركب النّاقة، و الخنزير إذا ركب الخنزيرة، بأطول ساعة من لبث ذكورة الذّبان على ظهور الإناث عند السّفاد.

803-[تخلق الذّباب‏]

[2] و الذّباب من الخلق الذي يكون مرّة من السّفاد و الولاد، و مرّة من تعفّن الأجسام و الفساد الحادث في الأجرام.

و الباقلاء إذا عتق شيئا في الأنبار[3]استحال كلّه ذبابا، فربّما أغفلوه في تلك الأنبار فيعودون إلى الأنبار[3]و قد تطاير من الكوى و الخروق فلا يجدون في الأنبار إلاّ القشور.

و الذّباب الذي يخلق من الباقلاء يكون دودا، ثمّ يعود ذبابا. و ما أكثر ما ترى الباقلاء مثقّبا في داخله شي‏ء كأنّه مسحوق، إذا كان اللّه قد خلق منه الذّبّان و صيّره.

و ما أكثر ما تجده فيه تامّ الخلق. و لو تمّ جناحاه لقد كان طار.

804-[حديث شيخ عن تخلق الذّباب‏]

و حدّثني بعض أصحابنا عن شيخ من أهل الخريبة قال: كنت أحبّ الباقلاء، و أردت، إمّا البصرة و إما بغداد-ذهب عنّي حفظه-فصرت في سفينة حملها باقلاء، فقلت في نفسي: هذا و اللّه من الحظّ و سعادة الجدّ، و من التّوفيق و التسديد، و لقد أربع من وقع له مثل هذا الذي قد وقع لي: أجلس في هذه السفينة على هذا الباقلاء، فآكل منه نيّا و مطبوخا و مقلوّا، و أرضّ‏[4]بعضه و أطحنه، و أجعله مرقا و إداما، و هو يغذو غذاء صالحا، و يسمن، و يزيد في الباه. فابتدأت فيما أمّلته، و دفعنا السّفينة، [1]البيت للفرزدق في ديوانه 215 (طبعة الصاوي) ، و اللسان و التاج (ونم) ، و المجمل 4/556، و الجمهرة 992، و بلا نسبة في ديوان الأدب 3/255، و المخصص 8/186، و التهذيب 15/535، 16/209.

[2]انظر الفقرة (797) .

[3]الأنبار: جمع نبر، و هو بيت التاجر ينضّد فيه المتاع، و الأنبار أيضا: أكداس الطعام «القاموس: نبر» .

[4]أرضّ: أدق «القاموس: رضض» . ـ

170

فأنكرت كثرة الذّبّان. فلما كان الغد جاء منه ما لم أقدر معه على الأكل و الشرب.

و ذهبت القائلة و ذهب الحديث، و شغلت بالذّبّ. على أنهنّ لم يكن يبرحن بالذّبّ، و كنّ أكثر من أن أكون أقوى عليهنّ؛ لأنّي كنت لا أطرد مائة حتى يخلفها مائة مكانها. و هنّ في أول ما يخرجن من الباقلاء كأنّ بهنّ زمانة[1]فلما كان طيرانهنّ أسوأ كان أسوأ لحالي، فقلت للملاح: ويلك!أيّ شي‏ء معك حتى صار الذبان يتبعك!قد و اللّه أكلت و شربت!قال: أ و ليس تعرف القصّة؟قلت: لا و اللّه!قال:

هي و اللّه من هذه الباقلاء، و لو لا هذه البليّة لجاءنا من الرّكاب كما يجيئون إلى جميع أصحاب الحمولات. و ما ظننته إلاّ ممن قد اغتفر هذا للين الكراء، و حبّ التفرّد بالسفينة. فسألته أن يقربني إلى بعض الفرض‏[2]، حتى أكتري من هناك إلى حيث أريد، فقال لي: أ تحبّ أن أزوّدك منه؟قلت: ما أحبّ أن ألتقي أنا و الباقلاء في طريق أبدا!.

805-[من كره الباقلاء]

و لذلك كان أبو شمر لا يأكل الباقلاء، و كان أخذ ذلك عن معلّمه معمّر أبي الأشعث. و كذلك كان عبد اللّه بن مسلمة بن محارب و الوكيعيّ و معمّر، و أبو الحسن المدائني، برهة من دهرهم.

و كان يقول: لو لا أنّ الباقلاء عفن فاسد الطّبع، ردي‏ء يخثّر الدّم و يغلّظه و يورث السّوداء و كلّ بلاء-لما ولّد الذّبان. و الذّبان أقذر ما طار و مشى!و كان يقول: كلّ شي‏ء ينبت منكوسا فهو ردي‏ء للذّهن، كالباقلاء و الباذنجان.

و كان يزعم أنّ رجلا هرب من غرمائه فدخل في غابة باقلاء، فتستّر عنهم بها، فأراد بعضهم إخراجه و الدخول فيها لطلبه، فقال: أحكمهم و أعلمهم كفاكم له بموضعه شرّا! و كان يقول: سمعت ناسا من أهل التجربة يحلفون باللّه: إنّه ما أقام أحد أربعين يوما في منبت باقلاء و خرج منه إلاّ و قد أسقمه سقما لا يزايل جسمه.

و زعم أنّ الذي منع أصحاب الأدهان و التربية بالسمسم من أن يربّوا السّماسم‏[3] [1]الزمانة: العاهة «القاموس: زمن» .

[2]الفرض: جمع فرضة، و هي محطّ السفن من البحر «القاموس: فرض» . .

[3]السّماسم: طائر «القاموس: سمم» . و في حياة الحيوان 1/566: (السّمائم: جمع سمامة، و هو ضرب من الطير كالخطاف، و قيل هو السنونو، و هو الطير الأبابيل الذي أرسله اللّه تعالى على أصحاب الفيل) .

171

بنور الباقلاء، الذي يعرفون من فساد طبعه، و أنّه غير مأمون على الدّماغ و على الخيشوم و الصّماخ‏[1]، و يزعمون أنّ عمله الذي عمله هو القصد إلى الأذهان بالفساد.

و كان يزعم أنّ كلّ شي‏ء يكون رديئا للعصب فإنّه يكون رديئا للذّهن، و أن البصل إنما كان يفسد الذهن؛ إذ كان رديّا للعصب، و أن البلاذر[2]إنما صار يصلح العقل و يورث الحفظ؛ لأنّه صالح للعصب.

و كان يقول: سواء عليّ أكلت الذّبان أو أكلت شيئا لا يولّد إلاّ الذّبان، و هو لا يولّده إلاّ هو. و الشي‏ء لا يلد الشي‏ء إلاّ و هو أولى الأشياء به، و أقربها إلى طبعه، و كذلك جميع الأرحام، و فيما ينتج أرحام الأرض و أرحام الحيوان، و أرحام الأشجار، و أرحام الثّمار، فيما يتولّد منها و فيها.

806-[حديث أبي سيف حول حلاوة الخرء]

و بينما أنا جالس يوما في المسجد مع فتيان من المسجديّين مما يلي أبواب بني سليم، و أنا يومئذ حدث السّنّ إذ أقبل أبو سيف الممرور-و كان لا يؤذي أحدا، و كان كثير الظّرف من قوم سراة-حتى وقف علينا، و نحن نرى في وجهه أثر الجدّ، ثمّ قال مجتهدا: و اللّه الذي لا إله إلاّ هو إن الخرء لحلو. ثمّ و اللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّ الخرء لحلو. ثم و اللّه الذي لا إله إلاّ هو إن الخرء لحلو، يمينا باتّة يسألني اللّه عنها يوم القيامة!فقلت له: أشهد أنّك لا تأكله و لا تذوقه، فمن أين علمت ذلك؟فإن كنت علمت أمرا فعلّمنا مما علمك اللّه. قال: رأيت الذّبّان يسقط على النّبيذ الحلو، و لا يسقط على الحازر[3]، و يقع على العسل و لا يقع على الخلّ، و أراه على الخرء أكثر منه على التّمر. أ فتريدون حجّة أبين من هذه؟فقلت: يا أبا سيف بهذا و شبهه يعرف فضل الشّيخ على الشابّ.

807-[تخلق بعض الحيوان من غير ذكر و أنثى‏]

[4] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر خلق الذّبان من الباقلاء. و قد أنكر ناس من العوامّ [1]الصماخ: خرق الأذن، و الأذن نفسها «القاموس: صمخ» .

[2]البلاذر: يسمى باليونانية أنقرديا Anacardier و معناها: الشبيه بالقلب؛ إلماعا إلى شكل الثمر، و هو نبات طبي من فصيلة البطميات، تؤكل ثماره؛ و تسمى تفاح الأكاجو، و تفاح البلاذر، انظر معجم الألفاظ الزراعية للشهابي 36.

[3]الحازر: الحامض من اللبن و النبيذ «القاموس: حزر» .

[4]انظر الفقرة (812) .

172

و أشباه العوامّ أن يكون شي‏ء من الخلق كان من غير ذكر و أنثى. و هذا جهل بشأن العالم، و بأقسام الحيوان. و هم يظنّون أنّ على الدّين من الإقرار بهذا القول مضرّة.

و ليس الأمر كما قالوا. و كلّ قول يكذّبه العيان فهو أفحش خطأ، و أسخف مذهبا، و أدلّ على معاندة شديدة أو غفلة مفرطة.

و إن ذهب الذّاهب إلى أن يقيس ذلك على مجاز ظاهر الرّأي، دون القطع على غيب حقائق العلل، فأجراه في كلّ شي‏ء-قال قولا يدفعه العيان أيضا، مع إنكار الدّين له.

و قد علمنا أنّ الإنسان يأكل الطّعام و يشرب الشّراب، و ليس فيهما حيّة و لا دودة، فيخلق منها في جوفه ألوان من الحيّات، و أشكال من الدّيدان من غير ذكر و لا أنثى. و لكن لا بدّ لذلك الولاد و اللّقاح من أن يكون عن تناكح طباع، و ملاقاة أشياء تشبه بطباعها الأرحام و أشياء تشبه في طبائعها ملقّحات الأرحام.

808-[استطراد لغوي بشواهد من الشعر]

و قد قال الشاعر: [من الكامل‏]

فاستنكح اللّيل البهيم فألقحت # عن هيجه و استنتجت أحلاما

و قال الآخر: [من مجزوء الكامل‏]

و إذا الأمور تناكحت # فالجود أكرمها نتاجا

و قال ذو الرّمّة: [من الطويل‏]

و إنّي لمدلاج إذا ما تناكحت # مع اللّيل أحلام الهدان المثقّل‏[1]

و قال عليّ بن معاذ: [من السريع‏]

للبدر طفل في حضان الهوا # مستزلق من رحم الشّمس‏[2]

و قال دكين الرّاجز[3]، أو أبو محمد الفقعسيّ: [من الرجز]

و قد تعللت ذميل العنس # بالسّوط في ديمومة كالتّرس

إذا عرّج اللّيل بروج الشّمس‏

[1]الهدان: الأحمق الثقيل «القاموس: هدن» .

[2]أزلقت الفرس: ألقت ولدها تاما «القاموس: زلق» .

[3]تقدم الرجز في الفقرة (577) صفحة 37.

173

و قال أمية بن أبي الصّلت‏[1]: [من الكامل‏]

و الأرض نوّخها الإله طروقة # للماء حتّى كلّ زند مسفد[2]

و الأرض معقلنا و كانت أمّنا # فيها مقابرنا و فيها نولد

و ذكر أميّة الأرض فقال‏[3]: [من البسيط]

و الطّوط نزرعه فيها فنلبسه # و الصّوف نجتزّه ما أردف الوبر[4]

هي القرار فما نبغي بها بدلا # ما أرحم الأرض إلاّ أنّنا كفر

و طعنة اللّه في الأعداء نافذة # تعيي الأطبّاء لا تثوى لها السّبر[5]

ثمّ رجع إليها فقال:

منها خلقنا و كانت أمّنا خلقت # و نحن أبناؤها لو أنّنا شكر[6]

809-[ما تستنكره العامة من القول‏]

و تقول العرب: الشمس أرحم بنا!فإذا سمع السامع منهم أنّ جالينوس قال:

عليكم بالبقلة الرحيمة-السّلق-استشنعه السامع، و إذا سمع قول العرب: الشمس أرحم بنا، و قول أميّة[7]: [من البسيط]

ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر

لم يستشنعه، و هما سواء.

فإذا سمع أهل الكتاب يقولون: إنّ عيسى ابن مريم أخذ في يده اليمنى غرفة، و في اليسرى كسرة خبز، ثم قال: هذا أبي، للماء، و هذه أمّي، لكسرة الخبز.

استشنعه، فإذا سمع قول أميّة[8]: [من الكامل‏]

و الأرض نوّخها الإله طروقة # للماء حتّى كل زند مسفد

لم يستشنعه.

[1]ديوان أمية بن أبي الصلت 356، و الأول في اللسان و التاج (سفد) ، و الثاني في المخصص 13/180، و بلا نسبة في المذكر و المؤنث للأنباري 187.

[2]في ديوانه: (نوّخها: أبركها. و الطروقة: أنثى الفحل، شبه الماء و الأرض بالأنثى و الفحل) .

[3]ديوان أمية بن أبي الصلت 385.

[4]في ديوانه (الطوط: القطن، و قيل: قطن البردي خاصة، أردف: توالى و تتابع) .

[5]في ديوانه (السبر: جمع سبار، و هو فتيلة تجعل في الجرح. و ثوى في المكان: أطال الإقامة به) .

[6]في ديوانه (شكر: جمع شاكر، و هو خلاف الجاحد) .

[7]تقدم البيت في نهاية الفقرة السابقة.

[8]تقدم البيت في الفقرة السابقة.

174

و الأصل في ذلك أنّ الزّنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم، و أصحاب تهويل؛ لأنّهم حين عدموا المعاني و لم يكن عندهم فيها طائل، مالوا إلى تكلّف ما هو أخضر و أيسر و أوجز كثيرا.

810-[حظوة بعض الألفاظ لدى بعض النّاس‏]

و لكلّ قوم ألفاظ حظيت عندهم. و كذلك كلّ بليغ في الأرض و صاحب كلام منثور، و كلّ شاعر في الأرض و صاحب كلام موزون؛ فلا بد من أن يكون قد قد لهج و ألف ألفاظا بأعيانها؛ ليديرها في كلامه، و إن كان واسع العلم غزير المعاني، كثير اللّفظ.

فصار حظّ الزّنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، و اتّصلت بطبائعهم، و جرت على ألسنتهم التناكح، و النتائج، و المزاج و النّور و الظلمة، و الدفّاع و المنّاع، و الساتر و الغامر، و المنحلّ، و البطلان، و الوجدان، و الأثير و الصّدّيق و عمود السبح، و أشكالا من هذا الكلام. فصار و إن كان غريبا مرفوضا مهجورا عند أهل ملّتنا و دعوتنا، و كذلك هو عند عوامّنا و جمهورنا، و لا يستعمله إلاّ الخواصّ و إلاّ المتكلّمون.

811-[لكل مقام مقال و لكل صناعة شكل‏]

و أنا أقول في هذا قولا، و أرجو أن يكون مرضيا. و لم أقل «أرجو» لأني أعلم فيه خللا، و لكنّي أخذت بآداب وجوه أهل دعوتي و ملّتي، و لغتي، و جزيرتي، و جيرتي؛ و هم العرب. و ذلك أنّه قيل لصحار العبديّ: الرجل يقول لصاحبه، عند تذكيره أياديه و إحسانه: أما نحن فإنّا نرجو أن نكون قد بلغنا من أداء ما يجب علينا مبلغا مرضيا. و هو يعلم أنّه قد وفّاه حقّه الواجب، و تفضّل عليه بما لا يجب. قال صحار: كانوا يستحبّون أن يدعوا للقول متنفّسا، و أن يتركوا فيه فضلا، و أن يتجافوا عن حقّ إن أرادوه لم يمنعوا منه.

فلذلك قلت «أرجو» . فافهم فهّمك اللّه تعالى.

فإنّ رأيي في هذا الضّرب من هذا اللفظ، أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها، و العادة فيها، أن ألفظ بالشّي‏ء العتيد[1]الموجود، و أدع التكلّف لما عسى ألاّ يسلس و لا يسهل إلاّ بعد الرّياضة الطويلة.

[1]العتيد: الحاضر المهيأ «القاموس: عتد» .

175

و أرى أن ألفظ بألفاظ المتكلمين ما دمت خائضا في صناعة الكلام مع خواصّ أهل الكلام؛ فإن ذلك أفهم لهم عني، و أخفّ لمئونتهم عليّ.

و لكل صناعة ألفاظ قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلاّ بعد أن كانت مشاكلا بينها و بين تلك الصناعة.

و قبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلّمين في خطبة، أو رسالة، أو في مخاطبة العوام و التجار، أو في مخاطبة أهله و عبده و أمته، أو في حديثه إذا تحدث، أو خبره إذا أخبر.

و كذلك فإنّه من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، و ألفاظ العوامّ و هو في صناعة الكلام داخل. و لكلّ مقام مقال، و لكلّ صناعة شكل.

812-[خلق بعض الحيوان من غير ذكر و أنثى‏]

ثم رجع بنا القول إلى ما يحدث اللّه عزّ و جلّ من خلقه من غير ذكر و لا أنثى.

فقلنا[1]: إنّه لا بدّ في ذلك من تلاقي أمرين يقومان مقام الذّكر و الأنثى، و مقام الأرض و المطر. و قد تقرب الطّبائع، و إن لم تتحوّل في جميع معانيها، كالنطفة و الدّم، و كاللّبن و الدّم.

و قد قال صاحب المنطق: أقول بقول عامّ: لا بدّ لجميع الحيوان من دم، أو من شي‏ء يشاكل الدّم.

و نحن قد نجد الجيف يخلق منها الدّيدان، و كذلك العذرة. و لذلك المجوسيّ كلما تبرّز ذرّ على برازه شيئا من التراب؛ لئلا يخلق منها ديدان. و المجوسيّ لا يتغوّط في الآبار و البلاليع لأنّه بزعمه يكرم بطن الأرض عن ذلك، و يزعم أنّ الأرض أحد الأركان التي بنيت العوالم الخمسة عليها بزعمهم: أبرسارس و أبرمارس و أبردس و كارس و حريرة أمنة. و بعضهم يجعل العوالم ستة و يزيد أسرس، و لذلك لا يدفنون موتاهم و لا يحفرون لهم القبور، و يضعونهم في النّواويس وضعا.

قالوا: و لو استطعنا أن نخرج تلك الجيف من ظهور الأرضين و أجواف الأحراز[2]، كما أخرجناها من بطون الأرضين لفعلنا. و هم يسمّون يوم القيامة روز رستهار، كأنّه يوم تقوم الجيف. فمن بغضهم لأبدان الموتى سمّوها بأسمج أسمائهم.

[1]انظر الفقرة (807) .

[2]الأحراز: جمع حرز، و هو المكان الحصين «القاموس: حرز» .

176

قالوا: و على هذا المثال أعظمنا النّار و الماء، و ليسا بأحقّ بالتعظيم من الأرض.

و بعد فنحن ننزع الصّمامة من رءوس الآنية التي يكون فيها بعض الشراب، فنجد هنالك من الفراش ما لم يكن عن ذكر و لا أنثى، و إنما ذلك لاستحالة بعض أجزاء الهواء و ذلك الشراب إذا انضمّ عليه ذلك الوعاء. و هذا قول ذي الرمّة و تأويل شعره، حيث يقول‏[1]: [من الطويل‏]

و أبصرن أن القنع صارت نطافه # فراشا و أنّ البقل ذاو و يابس‏

و كذلك كلّ ما تخلق من جمّار النّخلة و فيها، من ضروب الخلق و الطّير، و أشباه الطير، و أشباه بنات وردان‏[2]، و الذي يسمّى بالفارسية فاذو، و كالسّوس، و القوادح‏[3]، و الأرضة، و بنات وردان اللاتي يخلقن من الأجذاع و الخشب و الحشوش. و قد نجد الأزج‏[4]الذي يكبس فيه اليخّ‏[5]بخراسان، كيف يستحيل كله ضفادع. و ما الضّفدع بأدلّ على اللّه من الفراش.

و إنما يستحيل ذلك الثّلج إذا انفتح فيه كقدر منخر الثّور، حتّى تدخله الرّيح التي هي اللاقحة، كما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيََاحَ لَوََاقِحَ [6]، فجعلها لاقحة و لم يجعلها ملقحة.

و نجد وسط الدّهناء[7]-و هي أوسع من الدوّ[8]و من الصّمّان‏[9]-و على ظهر مسجد الجامع في غبّ المطر من الضّفادع ما لا يحصى عدده. و ليس أنّ ذلك كان عن ذكر و أنثى، و لكنّ اللّه خلقها تلك الساعة من طباع تلك التّربة و ذلك المطر [1]ديوان ذي الرمة 1121، و اللسان (فرش، قنع، ذوي) ، و التاج (فرش، قنع) ، و العين 1/171، و ديوان الأدب 1/188، و التهذيب 1/258، 11/346، 15/438.

[2]بنات وردان: دويبة تتولد في الأماكن الندية، و أكثر ما تكون في الحمامات و السقايات، و هي تألف الحشوش، أي قطع النخل. حياة الحيوان 2/429.

[3]القوادح: جمع قادحة، و هي الدودة «القاموس: قدح» . و حياة الحيوان: 2/194.

[4]الأزج: ضرب من الأبنية «القاموس: أزج» .

[5]اليخ: كلمة فارسية تعني الثلج. انظر السامي في الأسامي 343، و قد وردت هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/440.

[6]22/الحجر: 15.

[7]الدهناء: واد ببادية البصرة في أرض بني سعد معجم البلدان 2/493.

[8]الدّوّ: أرض ملساء بين مكة و البصرة على الجادة، ليس فيها جبل و لا رمل. معجم البلدان 2/490.

[9]الصمّان: أرض فيها غلظ و ارتفاع، و فيها قيعان واسعة، و هي متاخمة للدهناء، و قيل: الصمان جبل في أرض تميم أحمر ليس له ارتفاع، انظر معجم البلدان 3/423.

177

و ذلك الهواء المحيط بهما، و تلك الرّيح المتحرّكة. و إن زعموا أن تلك الضّفادع كانت في السّحاب، فالذي أقرّوا به أعجب من الذي أنكروه. و إنما تقيم الضّفادع و تتربّى و تتوالد في مناقع المياه، في أرض تلاقي ماء. و السّحاب لا يوصف بهذه الصفة. قد نجد الماء يزيد في دجلة و الفرات فتنزّ البطون و الحفائر التي تليها من الأرض، فيخلق من ذلك الماء السّمك الكثير، و لم يكن في تلك الحفائر الحدث‏[1]، و لا في بحر تلك الأرضين شي‏ء من بيض السّمك.

و لم نجد أهل القاطول‏[2]يشكّون في أنّ الفأر تخلّق من أرضهم، و أنّهم ربّما أبصروا الفأرة من قبل أن يتم خلقها. فنسبوا بأجمعهم خلق الفأر إلى الذكر و الأنثى، و إلى بعض المياه و التّرب و الأجواء و الزمان، كما قالوا في السمك، و الضّفادع، و العقارب.

813-[ضعف اطراد القياس و الرأي في الأمور الطبيعية]

فإن قاس ذلك قائس فقال: ليس بين الذّبّان و بنات وردان و بين الزّنابير فرق، و لا بين الزّنابير و الدّبر و الخنافس فرق، و لا بين الزّرازير و الخفافيش و لا بين العصافير و الزّرازير فرق فإذا فرغوا من خشاش الأرض صاروا إلى بغاثها ثم إلى أحرارها، ثم إلى الطواويس و التدارج‏[3]و الزمامج‏[4]حتى يصعدوا إلى الناس. قيل لهم: ليس ذلك كذلك، و ينبغي لكم بديّا أن تعرفوا الطّبيعة و العادة، و الطبيعة الغريبة من الطبيعة العامّية، و الممكن من الممتنع، و أنّ الممكن على ضربين: فمنه الذي لا يزال يكون، و منه الذي لا يكاد يكون، و ما علة الكثرة و القلة، و تعرفوا أنّ الممتنع أيضا على ضربين: فمنه ما يكون لعلة موضوعة يجوز دفعها، و ما كان منه لعلة لا يجوز دفعها، و فصل ما بين العلة التي لا يجوز دفعها و هي على كل حال علة، و بين الامتناع الذي لا علة له إلاّ عين الشي‏ء و جنسه.

و ينبغي أن تعرفوا فرق ما بين المحال و الممتنع، و ما يستحيل كونه من اللّه عزّ و جلّ؛ و ما يستحيل كونه من الخلق.

[1]الأحداث: أمطار أول السنة. «القاموس: حدث» .

[2]القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة، و هو نهر كان في موضع سامرّاء قبل أن تعمر، و كان الرشيد أول من حفره. معجم البلدان 4/297.

[3]التدرج: طائر يغرد في البساتين بأصوات طيبة حياة الحيوان. 1/230.

[4]الزمج: طائر من الجوارح يصيد به الملوك الطير، و هو دون العقاب، تسميه العجم «دو برادران» .

حياة الحيوان 1/538. ـ

178

و إذا عرفتم الجواهر و حظوظها من القوى، فعند ذلك فتعاطوا الإنكار و الإقرار، و إلاّ فكونوا في سبيل المتعلم، أو في سبيل من آثر الرّاحة ساعة على ما يورث كدّ التعلّم من راحة الأبد. قد يكون أن يجي‏ء على جهة التوليد شي‏ء يبعد في الوهم مجيئه، و يمتنع شي‏ء هو أقرب في الوهم من غيره؛ لأنّ حقائق الأمور و مغيّبات الأشياء، لا تردّ إلى ظاهر الرّأي، و إنما يردّ إلى الرّأي ما دخل في باب الحزم و الإضاعة و ما هو أصوب و أقرب إلى نيل الحاجة. و ليس عند الرّأي علم بالنّجح و الإكداء؛ كنحو مجي‏ء الزّجاج من الرّمل، و امتناع الشّبه‏[1]و الزئبق من أن يتحوّل في طبع الذّهب و الفضّة. و الزئبق أشبه بالفضّة المائعة من الرّمل بالزجاج الفرعونيّ. و الشّبه الدمشقي بالذهب الإبريز أشبه من الرّمل بفلق‏[2]الزجاج النقيّ الخالص الصافي.

و من العجب أنّ الزّجاج-و هو مولّد-قد يجري مع الذهب في كثير مفاخر الذّهب؛ إذ كان لا يغيّر طبعه ماء و لا أرض؛ و الفضّة التي ليست بمولدة إذا دفنت زمانا غير طويل استحالت أرضا. فأمّا الحديد فإنّه في ذلك سريع غير بطي‏ء.

و قد زعم ناس أنّ الفرق الذي بينهما إنما هو أنّ كلّ شي‏ء له في العالم أصل و خميرة، لم يكن كالشي‏ء الذي يكتسب و يجتلب و يلفّق و يلزّق، و أن الذّهب لا يخلو من أن يكون ركنا من الأركان قائما منذ كان الهواء و الماء و النار و الأرض. فإن كان كذلك فهو أبعد شي‏ء من أن يولّد النّاس مثله. و إن كان الذّهب إنما حدث في عمق الأرض، بأن يصادف من الأرض جوهرا. و من الهواء الذي في خلالها جوهرا، و من الماء الملابس لها جوهرا، و من النار المحصورة فيها جوهرا، مع مقدار من طول مرور الزمان، و مقدار من مقابلات البروج. فإن كان الذّهب إنما هو نتيجة هذه الجواهر على هذه الأسباب، فواجب ألاّ يكون الذهب أبدا إلاّ كذلك.

فيقال لهؤلاء: أ رأيتم الفأرة التي خلقت من صلب جرذ و رحم فأرة، و زعمتم أنّها فأرة على مقابلة من الأمور السّماويّة و الهوائيّة و الأرضية و كانت نتيجة هذه الخصال، مع استيفاء هذه الصّفات؟ألسنا قد وجدنا فأرة أخرى تهيّأ لها من أرحام الأرضين، و من حضانة الهواء، و من تلقيح الماء، و من مقابلات السماويّات و الهوائيّات. فالزّمان أصار جميع ذلك سببا لفأرة أخرى مثلها. و كذلك كلّ ما عددناه فمن أين يستحيل أن يخلط الإنسان بين مائيّة طبيعية و مائيّة جوهر؟إمّا من طريق [1]الشّبه: النحاس الأصفر. «القاموس: شبه» .

[2]فلق: جمع فلقة، و هي القطعة. «القاموس: فلق» .

179

التبعيد و التقريب، و من طريق الظّنون و التجريب، أو من طريق أن يقع ذلك اتفاقا، كما صنع النّاطف‏[1]الساقط من يد الأجير في مذاب الصّفر[2]حتى أعطاه ذلك اللّون، و جلب ذلك النّفع، ثم إنّ الرّجال دبرته و زادت و نقصت، حتى صار شبها ذهبيّا. هذا مع النّوشاذر المولّد من الحجارة السّود.

فلو قلتم: إنّ ذلك قائم الجواز في العقل مطّرد في الرّأي، غير مستحيل في النّظر. و لكنّا وجدنا العالم بما فيه من النّاس منذ كانا فإنّ النّاس يلتمسون هذا و ينتصبون له، و يكلفون به. فلو كان هذا الأمر يجي‏ء من وجه الجمع و التوليد و التركيب و التجريب، أو من وجه الاتفاق، لقد كان ينبغي أن يكون ذلك قد ظهر من ألوف سنين و ألوف؛ إذ كان هذا المقدار أقلّ ما تؤرّخ به الأمم، و لكان هذا مقبولا غير مردود. و على أنّه لم يتبيّن لنا منه أنّه يستحيل أن يكون الذّهب إلاّ من حيث وجد. و ليس قرب كون الشي‏ء في الوهم بموجب لكونه، و لا بعده في الوهم بموجب لامتناعه.

و لو أنّ قائلا قال: إنّ هذا الأمر إذ قد يحتاج إلى أن تتهيّأ له طباع الأرض، و طباع الماء، و طباع الهواء، و طباع النار، و مقادير حركات الفلك، و مقدار من طول الزمان.

فمتى لم تجتمع هذه الخصال و تكمل هذه الأمور لم يتمّ خلق الذّهب. و كذلك قد يستقيم أن يكون قد تهيأ لواحد أن يجمع بين مائتي شكل من الجواهر، فمزجها على مقادير، و طبخها على مقادير، و أغبّها مقدارا من الزمان، و قابلت مقدارا من حركات الأجرام السماويّة، و صادفت العالم بما فيه على هيئة، و كان بعض ما جرى على يده اتفاقا و بعضه قصدا، فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة آلاف سنة مرّة، ثمّ أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر على أمثال مقادير طبائع تلك الجواهر، و لم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرّة، و أخطأ ما كان وقع له اتّفاقا، و لم يقابل من الفلك مثل تلك الحركات، و لا من العالم مثل تلك الهيئة، فلم يعد له ذلك.

فإن قال لنا هذا القول قائل و قال: بيّنوا لي موضع إحالته، و لا تحتجّوا بتباعد اجتماع الأمور به، فإنّا نقر لكم بتباعدها. هل كان عندنا في ذلك قول مقنع، و الدّليل الذي تثلج به الصّدور؟!و هل عندنا في استطاعة النّاس أن يولّدوا مثل ذلك، إلاّ بأن [1]الناطف: ضرب من الحلوى، و يسمى القبّيط، لأنه يتنطّف قبل استضرابه، أي يقطر قبل خثورته.

«اللسان: نطف» .

[2]الصفر: النحاس أو الذهب. «القاموس: صفر» .

180

يعرض هذا القول على العقول السليمة، و الأفهام التّامّة و تردّه إلى الرسل و الكتب؟! فإذا وجدنا هذه الأمور كلها نافية له، كان ذلك عندنا هو المقنع. و ليس الشأن فيما يظهر اللّسان من الشكّ فيه و التّجويز له، و لكن ليردّه إلى العقل؛ فإنّه سيجده منكرا و نافيا له، إذا كان العقل سليما من آفة المرض. و من آفة التخبيل.

814-[ضروب التخبيل‏]

و التخبيل ضروب: تخبيل من المرار، و تخبيل من الشّيطان، و تخبيل آخر كالرجل يعمد إلى قلب رطب لم يتوقّح‏[1]، و ذهن لم يستمرّ[2]، فيحمله على الدقيق و هو بعد لا يفي بالجليل، و يتخطّى المقدّمات متسكعا[3]بلا أمارة، فرجع حسيرا[4] بلا يقين، و غبر زمانا لا يعرف إلاّ الشكوك و الخواطر الفاسدة، التي متى لاقت القلب على هذه الهيئة، كانت ثمرتها الحيرة، و القلب الذي يفسد في يوم لا يداوى في سنة، و البناء الذي ينقض في ساعة لا يبنى مثله في شهر.

815-[قولهم: هذا نبيذ يمنع جانبه‏]

ثم رجع بنا القول إلى ذكر الذّبّان‏

قيل لعلّويه كلب المطبخ: أيّ شي‏ء معنى قولهم: «هذا نبيذ يمنع جانبه» ؟ قال: يريدون أن الذّبّان لا يدنو منه. و كان الرّقاشي حاضرا فأنشد قول ابن عبدل: [من الخفيف‏]

عشّش العنكبوت في قعر دنيّ # إنّ ذا من رزيّتي لعظيم

ليتني قد غمرت دني حتّى # أبصر العنكبوت فيه يعوم

غرقا لا يغيثه الدّهر إلاّ # زبد فوق رأسه مركوم‏[5]

مخرجا كفّه ينادي ذبابا # أن أغثني فإنّني مغموم

قال: دعني فلن أطيق دنوّا # من شراب يشمّه المزكوم‏

قال: و الذّبّان يضرب به المثل في القذر و في استطابة النّتن، فإذا عجز الذّباب عن شمّ شي‏ء فهو الذي لا يكون أنتن منه.

[1]وقح وقاحة: صلب. «القاموس: وقح» .

[2]يستمر: يقوى، و منه يوم نحس مستمر: أي قوي. «القاموس: مرر» .

[3]تسكع: تحير. «القاموس: سكع» .

[4]حسر: كفرح و ضرب: أعيا، فاستحسر فهو حسير. «القاموس: حسر» .

[5]الركم: جمع شي‏ء فوق آخر حتى يصير ركاما مركوما. «القاموس: ركم» .

181

و لذلك حين رمى ابن عبدل محمّد بن حسّان بن سعد بالبخر، قال‏[1]: [من الوافر]

و ما يدنو إلى فيه ذباب # و لو طليت مشافره بقند[2]

يرين حلاوة و يخفن موتا # وشيكا إن هممن له بورد

816-[أبو ذبّان‏]

و يقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان، و كانت فيما زعموا كنية عبد الملك بن مروان‏[3] و أنشدوا قول أبي حزابة: [من الرجز]

أمسى أبو ذبّان مخلوع الرّسن # خلع عنان قارح من الحصن‏[4]

و قد صفت بيعتنا لابن حسن‏

817-[شعر فيه هجاء بالذباب‏]

قال رجل يهجو هلال بن عبد الملك الهنائيّ: [من الوافر]

ألا من يشتري منّي هلالا # مودّته و خلّته بفلس

و أبرأ للذي يبتاع منّي # هلالا من خصال فيه خمس

فمنهنّ النغانغ و المكاوي # و آثار الجروح و أكل ضرس‏[5]

و من أخذ الذباب بإصبعيه # و إن كان الذّباب برأس جعس‏[6]

818-[التسوية بين الذبان و الناس في العجز]

قالوا: و ضرب اللّه عزّ و جلّ لضعف النّاس و عجزهم مثلا، فقال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبََابُ شَيْئاً لاََ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ [7]فقال [1]الأغاني 2/413، و فيه البيت الأول مع أبيات أخرى.

[2]القند: كلمة معرّبة تعني عسل قصب السكر إذا جمّد. «القاموس: قند» .

[3]ثمار القلوب 197 (393) ، و عيون الأخبار 4/61، و المرصع 177، و لطائف المعارف 26، و قيل إن الذباب كان يسقط إذا قارب فاه من شدة رائحته.

[4]القارح: الذي وقعت سنه الرّباعية. «القاموس: قرح» . الحصن: جمع حصان.

[5]النغانغ: جمع نغنغ؛ كبرقع؛ و هو لحمة في الحلق «القاموس: نغنغ» .

[6]الجعس: الرجيع. «القاموس: جعس» .

[7]73/الحج: 22.

182

بعض النّاس: قد سوّى بين الذّبّان و النّاس في العجز: و قالوا: فقد يولّد النّاس من التّعفين الفراش و غير الفراش و هذا خلق، على قوله: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ [1]و على قوله: أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ* [2]و على قول الشاعر[3]: [من الكامل‏]

و أراك تفري ما خلقت و بعـ # ض القوم يخلق ثمّ لا يفري‏

قيل لهم: إنما أراد الاختراع، و لم يرد التّقدير.

819-[قول في شعر]

و أمّا قول ابن ميّادة[4]: [من الطويل‏]

ألا لا نبالي أن تخندف خندف # و لسنا نبالي أن يطنّ ذبابها[5]

فإنّما جعل الذّباب هاهنا مثلا، و قد وضعه في غير موضع تحقير له و موضع تصغير. و هو مثل قوله‏[6]: [من الطويل‏]

بني أسد كونوا لمن قد علمتم # موالي ذلّت للهوان رقابها

فلو حاربتنا الجنّ لم نرفع العصا # عن الجنّ حتّى لا تهرّ كلابها

و ليس يريد تحقير الكلاب.

و يقال: هو ذباب العين، و ذباب السّيف، و يقال تلك أرض مذبّة أي كثيرة الذّباب.

و قال أبو الشّمقمق في هجائه لبعض من ابتلي به‏[7]: [من الرمل‏]

أسمج النّاس جميعا كلّهم # كذباب ساقط في مرقه‏

و يقال إن اللبن إذا ضرب بالكندس‏[8]و نضح به بيت لم يدخله ذبّان.

[1]110/المائدة: 5.

[2]14/المؤمنون: 23.

[3]ديوان زهير 82، و اللسان (خلق، فرا) ، و عمدة الحفاظ (خلق) ، و المقاييس 2/214، 4/497، و ديوان الأدب 2/123، و كتاب الجيم 3/49، و المخصص 4/111، و التهذيب 7/26، 15/242، و بلا نسبة في الجمهرة 619، و التاج (فرا) .

[4]ديوان ابن ميادة 78، و حماسة القرشي 143، و الأغاني 2/333، و المختار من شعر بشار 3/579.

[5]في ديوانه «تخندف: تهرول، خندف: امرأة إلياس بن مضر و اسمها ليلى. الطنين: صوت الذباب» .

[6]أي ابن ميادة، انظر المصادر في الحاشية قبل السابقة.

[7]ديوان أبي الشمقمق 157.

[8]الكندس: عروق نبات داخله أصفر و خارجه أسود، مقيئ مسله جلاء للبهق. «القاموس: كدس» .

183

820-[أبو حكيم و ثمامة بن أشرس‏]

و سمعت أبا حكيم الكيمائي و هو يقول لثمامة بن أشرس: قلنا لكم إنّنا ندلكم على الإكسير، فاستثقلتم الغرم، و أردتم الغنم بلا غرم. و قلنا لكم: دعونا نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا، فأبيتم. و قلنا لكم: ما ترجون من هذه المسنّيات‏[1] التي تهدمها المدود[2]، و تخرّبها المراديّ‏[3]؟!نحن نعمل لكم مسنّيات‏[1]بنصف هذه المئونة، فتبقى لكم أبدا. ثم قولوا للمدود أن تجتهد جهدها، و للمراديّ أن تبلغ غايتها فأبيتم. و قولوا لي: الذّباب ما ترجون منها؟!و ما تشتهون من البعوض؟ و ما رغبتكم في الجرجس‏[4]؟لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمئونة اليسيرة؟ و هو يقول هذا القول و أصحابنا يضحكون، و ابن سافري جالس يسمع.

فلما نزلنا أخذ بيده و مضى به إلى منزله، فغدّاه و كساه و سقاه، ثمّ قال له:

أحببت أن تخرج البعوض من داري. فأمّا الذّباب فإني أحتمله. قال: و لم تحتمل الأذى و قد أتاك اللّه بالفرج؟قال: فافعل. قال: لا بدّ لي من أن أخلط أدوية و أشتري أدوية قال: فكم تريد؟قال: أريد شيئا يسيرا. قال: و كم ذاك؟قال: خمسون دينارا.

قال: ويحك!خمسون يقال لها يسير؟!قال: أنت ليس تشتهي الرّاحة من قذر الذّبّان و لسع البعوض!ثمّ لبس نعليه و قام على رجليه. فقال له: اقعد. قال: إن قعدت قبل أن آخذها ثمّ اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به؛ فإنّي لست أدخّن هذه الدّخنة، إلاّ للذين إذا أمرتهم بإخراجهنّ أخرجوهن. و لا أكتمك ما أريد؛ إنّي لست أقصد إلاّ إلى العمّار[5]. فما هو إلاّ أن سمع بذكر العمّار حتى ذهب عقله، و دعا له بالكيس و ذهب ليزن الدّنانير، فقال له: لا تشقّ على نفسك!هاتها بلا وزن عددا، و إنّما خاف أن تحدث حادثة، أو يقع شغل، فتفوت. فعدّها و هو زمع‏[6]فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها و عدّها فوجد دنانيره تنقص، فبكر عليه يقتضيه الفضل، فضحك أبو حكيم حتّى كاد يموت، ثمّ قال: تسألني عن الفرع و قد استهلك الأصل؟!و لم يزل يختلف إليه و يدافعه حتّى قال له ثمامة: ويلك أ مجنون أنت؟!قد ذهب المال [1]المسنيات: جمع سانية و هي العرم، و العرم هي الأحباس تبنى في الأودية. «القاموس: سني، عرم» .

[2]المدود: السّيول.

[3]المرادي: جمع مردي كشرطي، و هو خشبة تدفع بها السفينة «القاموس: مرد» .

[4]الجرجس: لغة في القرمص؛ و هو البعوض الصغار حياة الحيوان 1/273.

[5]عمّار البيوت: سكانها من الجن. (اللسان: عمر 4/607) .

[6]الزمع: الدهش و الخوف. «القاموس: زمع» .

184

و السّخرية مستورة. فإن نافرته فضحت نفسك، و ربحت عداوة شيطان هو و اللّه أضرّ عليك من عمّار بيتك، الذي ليس يخرجون عنك الذباب و البعوض بلا كلفة، مع حقّ الجوار. قال: هم سكّاني و جيراني. قالوا: لو كان سمع منك أبو حكيم هذه الكلمة لكانت الخمسون دينارا مائة دينار!!.

821-[شعر في أصوات الذّباب و غنائها]

و مما قيل في أصوات الذباب و غنائها، قال المثقّب العبديّ‏[1]: [من الوافر]

و تسمع للذّباب إذا تغنّى # كتغريد الحمام على الغصون‏

و قال آخر: [من مجزوء الكامل‏]

حوّ مساربه تغـ # نّى في غياطله ذبابه‏[2]

و قال أبو النجم‏[3]: [من الرجز]

أنف ترى ذبابها تعلّله # من زهر الرّوض الذي يكلّله‏[4]

و قال أيضا[5]: [من الرجز]

و الشيخ تهديه إلى طحمائه # فالرّوض قد نوّر في عزّائه‏[6]

مختلف الألوان في أسمائه # نورا تخال الشّمس في حمرائه‏[7]

مكلّلا بالورد من صفرائه # يجاوب المكّاء من مكّائه‏[8]

صوت ذباب العشب في درمائه # يدعو كأنّ العقب من دعائه‏[9]

صوت مغنّ مدّ في غنائه‏

[1]ديوان المثقب العبدي 182، و اللسان و التاج (ذبب) ، و المفضليات 291، و بلا نسبة في المجمل 2/335، و المقاييس 2/349، و الجمهرة 222، و التاج و اللسان (وكك) .

[2]الحوة: سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد، و الأحوى: الأسود و النبات الضارب إلى السواد لشدة خضرته. «القاموس: حوو» ، المسارب: جمع مسربة، و هي المرعى. «القاموس: سرب» .

الغيطلة: الشجر الكثيف الملتف «القاموس: غطل» .

[3]ديوان أبي النجم 157، و الأول في اللسان و التاج (أنف) .

[4]الأنف: روضة لم يرعها أحد «القاموس: أنف» .

[5]ديوان أبي النجم 62-64.

[6]في ديوانه «قال أبو زيد: الشيخ شجرة و ثمرتها جرو كجرو الخرّيع، و هي شجرة العصفر، و الطحماء:

ضرب من النبات. تهديه: تهاديه» و فيه «العزاء: الأرض التي بلّها المطر فتماسكت» .

[7]في ديوانه «أراد أرضا جاءت بعشب و زهر مختلف الألوان» .

[8]في ديوانه «المكّاء: نوع من القنابر حسن الصوت» .

[9]في ديوانه «الدرماء: نبت لا يطول، بل يتجمع في نموه يشبه الكبد، يريد أن المكاء يجاوب ذباب الدرماء حين يصوّت مغنيا» .

185

و قال الشمّاخ‏[1]: [من الطويل‏]

يكلفها ألاّ تخفّض صوتها # أهازيج ذبّان على عود عوسج

بعيد مدى التطريب أوّل صوته # سحيل و أعلاه نشيج المحشرج‏[2]

822-[المغنّيات من الحيوان‏]

و الأجناس التي توصف بالغناء أجناس الحمام و البعوض، و أصنف الذّبّان من الدّبر، و النّحل، و الشّعراء، و القمع و النّعر، و ليس لذبّان الكلب غناء، و لا لما يخرج من الباقلاء. قال الشاعر[3]: [من الرجز]

تذبّ عنها بأثيث ذائل # ذبّان شعراء و صيف ما ذل‏[4]

823-[ألوان الذّبّان‏]

و ذبّان الشّعراء حمر. قال: و الذّبّان التي تهلك الإبل زرق.

قال الشاعر: [من الرجز]

تربّعت و الدّهر ذو تصفّق # حالية بذي سبيب مونق‏[5]

إلاّ من أصوات الذّباب الأزرق # أو من نقانق الفلا المنقنق‏

و الذّبّان الذي يسقط على الدواب صفر.

و قال أرطأة بن سهيّة[6]، لزميل بن أمّ دينار: [من الكامل‏]

أزميل إنّي إن أكن لك جازيا # أعكر عليك و إن ترح لا تسبق

إنّي امرؤ تجد الرّجال عداوتي # وجد الرّكاب من الذّباب الأزرق‏

و إذا مرّ بك الشّعر الذي يصلح للمثل و للحفظ، فلا تنس حظّك من حفظه.

[1]ديوان الشماخ 97.

[2]السحيل: أشد نهاق الحمار. «القاموس: سحل» .

[3]الرجز بلا نسبة في نهاية الأرب 10/299.

[4]الأثيث: الكثير الملتف. «القاموس: أثث» . ذائل: طويل «القاموس: ذيل» . الماذل: الذي تطيب نفسه عن الشي‏ء يتركه و يسترجي غيره. «اللسان: مذل» .

[5]التصفق: التقلب و التحول «القاموس: صفق» حالية: مزينة. السبيب: العضاه أو ذوائب الأشجار.

«القاموس: سبب» . المونق: المعجب. «القاموس: ونق» .

[6]البيتان لأرطأة بن سهية في الأغاني 13/38، و لسالم بن دارة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 385، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/203، و الأول بلا نسبة في المقاييس 4/106. ـ

186

و قال المتلمس‏[1]: [من الطويل‏]

فهذا أوان العرض جنّ ذبابه # زنابيره و الأزرق المتلمّس‏[2]

و به سمّي المتلمّس.

و قال ابن ميّادة: [3][من البسيط]

بعنتريس كأنّ الدّبر يلسعها # إذا تغرّد حاد خلفها طرب‏[4]

824-[ما يسمّى بالذّبان‏]

و الدّليل على أنّ أجناس النّحل و الدّبر كلّها ذبّان، ما حدث به عبّاد بن صهيب، و إسماعيل المكّي عن الأعمش، عن عطيّة بن سعيد العوفي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«كلّ ذباب في النار إلاّ النّحلة» [5].

و قال سليمان: سمعت مجاهدا يكره قتل النّحل و إحراق العظام. يعني في الغزو.

و حدثنا عنبسة قال: حدّثنا حنظلة السّدوسيّ قال: أنبأنا أنس بن مالك، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «عمر الذّباب أربعون يوما. و الذّباب في النار» .

825-[بحث كلاميّ في عذاب الحيوان و الأطفال‏]

و قد اختلف النّاس في تأويل قوله: «و الذباب في النار» و قال قوم: الذّباب خلق خلق للنّار. كما خلق اللّه تعالى ناسا كثيرا للنّار، و خلق أطفالا للنّار. فهؤلاء قوم خلعوا عذرهم فصار أحدهم إذا قال: ذلك عدل من اللّه عزّ و جلّ؛ فقد بلغ أقصى العذر، و رأى أنّه إذا أضاف إليه عذاب الأطفال فقد مجّده. و لو وجد سبيلا إلى أن يقول إنّ ذلك ظلم لقاله و لو وجد سبيلا إلى أن يزعم أن اللّه تعالى يخبر عن شي‏ء أنّه [1]ديوان المتلمس 123، و الاشتقاق 317، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 662، و الجمهرة 747، و اللسان و التاج (لمس، عرض) ، و الخزانة 4/185، و البيان 1/375، و بلا نسبة في الخصائص 2/377، و المخصص 14/96.

[2]في اللسان «الأزرق: الذباب. و قيل: كل واد عرض... و كل واد فيه شجر فهو عرض» . اللسان «عرض» .

[3]ديوان ابن ميادة 59.

[4]العنتريس: الناقة الصلبة القوية. «ديوانه» .

[5]الحديث في ثمار القلوب 839.

187

يكون و هو لا يكون، ثم يقول إلاّ أنّ ذلك صدق لقاله. إلاّ أنّه يخاف السّيف عند هذه، و لا يخاف السّيف عند تلك. و إن كانت تلك أعظم في الفرية من هذه.

و بعض يزعم أنّ اللّه عزّ و جلّ إنّما عذّب أطفال المشركين ليغمّ بهم آباءهم. ثمّ قال المتعاقلون منهم: بل عذّبهم لأنّه هكذا شاء، و لأنّ هذا له. فليت شعري أ يحتسب بهذا القول في باب التمجيد للّه تعالى؛ لأنّ كل من فعل ما يقدر عليه فهو محمود، و كل من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحا فالذي يحسن ذلك القبيح أنّ صاحبه كان في موضع أمن، أو لأنّه آمن يمتنع من مطالبة السلطان. فكيف و كون الكذب و الظّلم و العبث و اللهو و البخل كلّه محال ممّن لا يحتاج إليه، و لا تدعوه إليه الدواعي.

و زعم أبو إسحاق أنّ الطّاعات إذا استوت استوى أهلها في الثّواب، و أنّ المعاصي إذا استوت استوى أهلها في العقاب. و إذا لم يكن منهم طاعة و لا معصية استووا في التفضّل.

و زعم أنّ أجناس الحيوان و كلّ شي‏ء يحسّ و يألم، في التفضّل سواء و زعم أنّ أطفال المشركين و المسلمين كلّهم في الجنّة. و زعم أنّه ليس بين الأطفال و لا بين البهائم و المجانين فرق، و لا بين السّباع في ذلك و بين البهائم فرق.

و كان يقول: إنّ هذه الأبدان السبعيّة و البهيمية لا تدخل الجنّة، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات؛ فيركّبها في أيّ الصّور أحبّ.

و كان أبو كلدة، و معمر، و أبو الهذيل و صحصح، يكرهون هذا الجواب.

و يقولون: سواء عند خواصّنا و عوامّنا، أقلنا: إنّ أرواح كلابنا تصير إلى الجنّة، أم قلنا:

إن كلابنا تدخل الجنّة و متى ما اتّصل كلامنا بذكر الكلب على أيّ وجه كان؛ فكأنّا عندهم قد زعمنا أنّ الجنّة فيها كلاب. و لكنّا نزعم‏[1]أنّ جميع ما خلق اللّه تعالى من السّباع و البهائم و الحشرات و الهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أو حسن المنظرة ملذّ؛ فما كان كالخيل و الظباء، و الطواويس، و التّدارج فإنّ تلك في الجنّة، و يلذّ أولياء اللّه عزّ و جلّ بمناظرها. و ما كان منها قبيحا في الدّنيا مؤلم النظر جعله اللّه عذابا إلى عذاب أعدائه في النّار فإذا جاء في الأثر: أنّ الذّباب في النّار، و غير ذلك من الخلق، فإنّما يراد به هذا المعنى.

و ذهب بعضهم إلى أنها تكون في النّار، و تلذّ ذلك، كما أن خزنة جهنّم و الذين يتولّون من الملائكة التّعذيب، يلذّون موضعهم من النار.

[1]هذا القول نقله الثعالبي في ثمار القلوب (839) .

188

و ذهب بعضهم إلى أنّ اللّه تعالى يطبعهم على استلذاذ النّار و العيش فيها، كما طبع ديدان الثلج و الخلّ على العيش في أماكنها[1].

و ذهب آخرون إلى أنّ اللّه عزّ و جلّ يحدث لأبدانهما علّة لا تصل النّار إليها، و تنعم قلوبهما و أبدانهما من وجه آخر كيف شاء. و قالوا: و قد وجدنا النّاس يحتالون لأنفسهم في الدّنيا حيلا، حتى يدخل أحدهم بعض الأتاتين‏[2]بذلك الطلاء، و لا تضرّه النار، و هو في معظمها، و موضع الجاحم‏[3]منها. ففضل ما بين قدرة اللّه و قدرة عباده أكثر من فضل ما بين حرّ نار الدّنيا و الآخرة.

و ذهب بعضهم إلى أنّ سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم؛ فإنّه لما قذف فيها بعث اللّه عزّ و جلّ ملكا يقال له ملك الظلّ، فكان يحدّثه و يؤنسه؛ فلم تصل النار إلى أذاه، مع قربه من طباع ذلك الملك.

و كيفما دار الأمر في هذه الجوابات؛ فإن أخسّها و أشنعها أحسن من قول من زعم أنّ اللّه تعالى يعذّب بنار جهنّم من لم يسخطه و لا يعقل كيف يكون السخط.

و من العجب أنّ بعضهم يزعم أن اللّه تعالى إنما عذّبه ليغمّ أباه. و إنما يفعل ذلك من لا يقدر على أن يوصل إليهم ضعف الاغتمام، و ضعف الألم الذي ينالهم بسبب أبنائهم. فأمّا من يقدر على إيصال ذلك المقدار إلى من يستحقه، فكيف يوصله و يصرفه إلى من لا يستحقّه؟و كيف يصرفه عمّن أسخطه إلى من لم يسخطه؟هذا و قد سمعوا قول اللّه عزّ و جلّ: يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.

وَ صََاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ. `وَ فَصِيلَتِهِ اَلَّتِي تُؤْوِيهِ. `وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ. `كَلاََّ إِنَّهََا لَظى‏ََ. `نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ [4]و كيف يقول هذا القول من يتلو القرآن؟! ثمّ رجع بنا القول إلى الذبّان و أصناف الذّبّان.

826-[الذبان أجهل الخلق‏]

و الذّبّان أجهل الخلق؛ لأنّها تغشى النّار من ذات أنفسها حتى تحترق. و قال الشاعر: [من المتقارب‏]

ختمت الفؤاد على حبّها # كذاك الصّحيفة بالخاتم‏

[1]انتهى ما نقله الثعالبي في ثمار القلوب (839) .

[2]الأتاتين: جمع أتّون، و هو الموقد. «اللسان: أتن» .

[3]الجاحم: المكان الشديد الحر. «القاموس: جحم» .

[4]11-16/المعارج 70.

[5]البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب 399 (730) ، و الأوائل للعسكري 1/144.

189

هوت بي إلى حبها نظرة # هويّ الفراشة للجاحم‏

و قال آخر[1]: [من الوافر]

كأنّ مشافر النّجدات منها # إذا ما مسّها قمع الذّباب

بأيدي مأتم متساعدات # نعال السّبت أو عذب الثّياب‏

827-[كراع الأرنب‏]

و قال بعض الشعراء[2]، يهجو حارثة بن بدر الغدانيّ: [من الكامل‏]

زعمت غدانة أنّ فيها سيّدا # ضخما يواريه جناح الجندب‏

و زعم ناس أنّه قال: [من الكامل‏]

يرويه ما يروي الذّباب فينتشي # سكرا، و تشبعه كراع الأرنب‏[3]

قالوا: لا يجوز أن يقول: «يرويه ما يروي الذباب» و «يواريه جناح الجندب» ثم يقول: «و يشبعه كراع الأرنب» .

و إنما[4]ذكر كراع الأرنب؛ لأنّ يد الأرنب قصيرة، و لذلك تسرع في الصّعود، و لا يلحقها من الكلاب إلاّ كلّ قصير اليد. و ذلك محمود من الكلب. و الفرس توصف بقصر الذّراع.

828-[قصة في الهرب من الذّباب‏]

و حدّثني الحسن بن إبراهيم العلويّ قال: مررت بخالي، و إذا هو وحده يضحك، فأنكرت ضحكه؛ لأنّي رأيته وحده، و أنكرته، لأنّه كان رجلا زمّيتا ركينا[5]، قليل الضحك. فسألته عن ذلك فقال: أتاني فلان يعني شيخا مدينيا- و هو مذعور فقلت له: ما وراءك؟فقال: أنا و اللّه هارب من بيتي!قلت و لم؟قال: في بيتي ذباب أزرق، كلما دخلت ثار في وجهي، و طار حولي و طنّ عند أذني، فإذا وجد [1]البيتان بلا نسبة في أساس البلاغة (قمع) .

[2]البيتان للأبيرد بن المعذر الرياحي في ديوانه 273، و الأغاني 13/127، و الوافي 6/193، و لزياد الأعجم في المنتخب 129، و بلا نسبة في ثمار القلوب 325 (603) ، و الأول بلا نسبة في المقاييس 3/10.

[3]الكراع: قائمة الدابة.

[4]ثمار القلوب 325 (604) .

[5]الزمّيت: الوقور «القاموس: زمت» . الركين: الرزين. «القاموس: ركن» .

190

مني غفلة لم يخطئ موق عيني. هذا و اللّه دأبه و دأبي دهرا معه. قلت له: إنّ شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعلّ الذي آذاك اليوم أن يكون غير الذي آذاك أمس، و لعلّ الذي آذاك أمس غير الذي آذاك أوّل من أمس، فقال: أعتق ما أملك إن لم أكن أعرفه بعينه منذ خمس عشرة سنة. فهذا هو الذي أضحكني.

829-[قصة في سفاد الذباب‏]

و قال الخليل بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركب الخنزيرة عامّة نهاره، و رأيت الجمل يركب الناقة ساعة من نهاره. و كنت قبل ذلك أغبط العصفور و العصم-فإنّ الذّكر و إن كان سريع النّزول عن ظهر الأنثى فإنّه لسرعة العودة، و لكثرة العدد، كأنّه في معنى الخنزير و الجمل و حتّى رأيت الذّباب و فطنت له، فإذا هو يركب الذّبابة عامّة نهاره. فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السّفاد. قال: أمّا الذي رأت العينان فهذا حكمه. فإن كنت تريد أن تطيب نفسك بإنكار ما تعرف ممّا قسم اللّه عزّ و جلّ بين خلقه، من فضول اللّذّة، فدونك.

و يزعمون أنّ للورل‏[1]في ذلك ما ليس عند غيره.

830-[قصّة آكل الذّبّان‏]

و أنشد ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قول السّيّد الحميريّ‏[2]: [من الكامل‏]

أ ترى ضهاكا و ابنها و ابن ابنها # و أبا قحافة آكل الذّبان

كانوا يرون، و في الأمور عجائب # يأتي بهنّ تصرّف الأزمان

أنّ الخلافة في ذؤابة هاشم # فيهم تصير و هيبة السّلطان‏

و كان ابن داحة رافضيّا، و كان أبو عبيدة خارجيّا صفريا، فقال له: ما معناه في قوله: «آكل الذّبّان» ؟فقال: لأنّه كان يذبّ عن عطر ابن جدعان. قال: و متى احتاج العطّارون إلى المذابّ؟!قال: غلطت إنّما كان يذب عن حيسة ابن جدعان. قال:

فابن جدعان و هشام بن المغيرة، كان يحاس لأحدهما الحيسة[3]على عدّة أنطاع‏[4]، [1]الورل: دابة على خلقة الضب، إلا أنه أعظم منه، و ليس في الحيوان أكثر سفادا منه. حياة الحيوان 2/417-418.

[2]ديوان السيد الحميري 449.

[3]الحيس: تمر يخلط بسمن و أقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه. «القاموس: حيس» .

[4]الأنطاع: جمع نطع، و هو بساط من الأديم. «القاموس: نطع» .

191

فكان يأكل منها الراكب و القائم و القاعد فأين كانت تقع مذبّة أبي قحافة من هذا الجبل؟!قال: كان يذبّ عنها و يدور حواليها. فضحكوا منه، فهجر مجلسهم سنة.

831-[تحقير شأن الذّبابة]

قال: و في باب تحقير شأن الذبابة و تصغير قدرها، يقول الرسول: «لو كانت الدّنيا تساوي عند اللّه تعالى جناح ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئا» [1].

832-[أعجوبة في ذبان البصرة]

و عندنا بالبصرة في الذبّان أعجوبة، لو كانت بالشّامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطّلّسم؛ و ذلك أنّ التّمر يكون مصبوبا في بيادر التمر في شقّ البساتين، فلا ترى على شي‏ء منها ذبابة لا في اللّيل، و لا في النّهار، و لا في البردين‏[2]و لا في أنصاف النهار، نعم و تكون هناك المعاصر، و لأصحاب المعاصر ظلال، و من شأن الذّباب الفرار من الشّمس إلى الظّلّ. و إنّما تلك المعاصر بين تمرة و رطبة، و دبس و ثجير[3]، ثمّ لا تكاد ترى في تلك الظّلال و المعاصر، في انتصاف النهار، و لا في وقت طلب الذّبّان الكنّ، إلاّ دون ما تراه في المنزل الموصوف بقلّة الذّبّان.

و هذا شي‏ء يكون موجودا في جميع الشّقّ الذي فيه البساتين. فإن تحوّل شي‏ء من تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة، غشيه من الذّبان ما عسى إلاّ يكون بأرض الهند أكثر منه و ليس بين جزيرة نهر دبيس‏[4]، و بين موضع الذّبان إلاّ فيض البصرة، و لا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب و بين موضع الذبّان ممّا يقابله، إلاّ سيحان‏[5]، و هو ذلك التمر و تلك المعصرة، و لا تكون تلك المسافة إلاّ مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا.

833-[نوم عجيب لضروب من الحيوان‏]

و أعجوبة أخرى، و هي عندي أعجب من كلّ شي‏ء صدّرنا به جملة القول في [1]أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد الساعدي برقم 2321، و السيوطي في الجامع الصغير برقم 7480، و انظر جامع الأصول 4/510.

[2]البردان: الغداة و العشي، أو الظل و الفي‏ء. «القاموس: برد» .

[3]الثجير: ما عصر من العنب فجرت سلافته و بقيت عصارته، و ثفل البسر يخلط بالتمر. «اللسان:

ثجر» .

[4]نهر دبيس: نهر بالبصرة؛ سمي باسم رجل قصّار كان يقصر عليه الثياب. معجم البلدان 5/320.

[5]سيحان: نهر بالبصرة كان للبرامكة. معجم البلدان 3/293.

192

الذباب. فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالصافر و التنوّط؛ فإنّهما إذا كان اللّيل فإن أحدهما يتدلّى من غصن الشّجرة، و يضمّ عليه رجليه، و ينكّس رأسه، ثمّ لا يزال يصيح حتّى يبرق النور. و الآخر لا يزال يتنقّل في زوايا بيته، و لا يأخذه القرار، خوفا على نفسه، فلا يزال كذلك، و قد نتف قبل ذلك ممّا على ظهور الأشجار مما يشبه الليف فنفشه، ثمّ فتل منه حبلا، ثمّ عمل منه كهيئة القفّة، ثمّ جعله مدلّى بذلك الحبل، و عقده بطرف غصن من تلك الأغصان؛ إلاّ أنّ ذلك بترصيع و نسج، و مداخلة عجيبة؛ ثمّ يتّخذ عشّه فيه، و يأوي إليه مخافة على نفسه.

و الأعراب يزعمون أنّ الذّئب شديد الاحتراس، و أنّه يراوح بين عينيه، فتكون واحدة مطبقة نائمة و تكون الأخرى مفتوحة حارسة و لا يشكّون أنّ الأرنب تنام مفتوحة العينين.

و أمّا الدّجاج و الكلاب فإنما تعزب‏[1]عقولهما في النّوم، ثمّ ترجع إليهما بمقدار رجوع الأنفاس. فأمّا الدّجاج فإنها تفعل ذلك من الجبن و أمّا الكلب فإنّه يفعل ذلك من شدّة الاحتراس.

و جاءوا كلهم يخبرون أن الغرانيق و الكراكيّ لا تنام أبدا إلاّ في أبعد المواضع من النّاس، و أحرزها من صغار سباع الأرض، كالثعلب و ابن آوى. و أنها لا تنام حتى تقلّد أمرها رئيسا و قائدا، و حافظا و حارسا، و أن الرئيس إذا أعيا رفع إحدى رجليه، ليكون أيقظ له.

834-[سلطان النوم‏]

و سلطان النّوم معروف. و إن الرّجل ممن يغزو في البحر، ليعتصم بالشّراع و بالعود و بغير ذلك، و هو يعلم أن النّوم متى خالط عينيه استرخت يده، و متى استرخت يده باينه الشي‏ء الذي كان يركبه و يستعصم به، و أنه متى باينه‏[2]لم يقدر عليه، و متى عجز عن اللّحاق به فقد عطب. ثمّ هو في ذلك لا يخلو، إذا سهر ليلة أو ليلتين، من أن يغلبه النّوم و يقهره، و إمّا أن يحتاج إليه الحاجة التي يريه الرأي الخوّان، و فساد العقل المغمور بالعلّة الحادثة، أنّه قد يمكن أن يغفي و ينتبه في أسرع الأوقات، و قبل أن تسترخي يده كلّ الاسترخاء، و قبل أن تباينه الخشبة إن كانت خشبة.

[1]عزب: بعد و غاب. «القاموس: عزب» .

[2]باين: فارق. «القاموس: بين» .

193

835-[أعجب من نوم الذبان‏]

و ليس في جميع ما رأينا و روينا، في ضروب نوم الحيوان، أعجب من نوم الذّبّان، و ذلك أنّها ربما جعلت مأواها بالليل دروند الباب‏[1]و قد غشّوه ببطانة ساج‏[2]أملس كأنّه صفاة، فإذا كان اللّيل لزقت به، و جعلت قوائمها مما يليه، و علّقت أبدانها إلى الهواء. فإن كانت لا تنام البتّة و لا يخالطها عزوب‏[3]المعرفة فهذا أعجب: أن تكون أمّة من أمم الحيوان لا تعرف النّوم، و لا تحتاج إليه. و إن كانت تنام و يعزب عنها ما يعزب‏[3]عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا، فما تخلو من أن تكون قابضة على مواضع قوائمها، ممسكة بها، أو تكون مرسلة لها مخلّية عنها. فإن كانت مرسلة لها فكيف لم تسقط و هي أثقل من الهواء؟!و إن كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدّد و التثبيت النّوم؟!.

836-[بعض ما يعتري النائم‏]

و نحن نرى كلّ من كان في يده كيس أو درهم أو حبل، أو عصا فإنّه متى خالط عينيه النّوم استرخت يده و انفتحت أصابعه. و لذلك يتثاءب المحتال للعبد الذي في يده عنان دابّة مولاه، و يتناوم له و هو جالس؛ لأنّ من عادة الإنسان إذا لم يكن بحضرته من يشغله، و رأى إنسانا قبالته ينود[4]أو ينعس، أن يتثاءب و ينعس مثله. فمتى استرخت يده أو قبضته عن طرف العنان، و قد خامره سكر النّوم، و متى صار إلى هذه الحال-ركب المحتال الدّابّة و مرّ بها.

[1]في اللسان «نجف» : (النجاف هو أسكفّة الباب، قال الأزهري: هو درونده أي أعلاه) .

[2]الساج: الطيلسان الأخضر أو الأسود «القاموس: ساج» .

[3]عزب: بعد و غاب «القاموس: عزب» .

[4]ينود: يتمايل من النعاس. «القاموس: نود» .

194

باب القول في الغربان‏

اللهم جنبنا التكلّف، و أعذنا من الخطأ، و احمنا العجب بما يكون منه، و الثّقة بما عندنا، و اجعلنا من المحسنين.

نذكر على اسم اللّه جمل القول في الغربان، و الإخبار عنها، و عن غريب ما أودعت من الدّلالة، و استخزنت من عجيب الهداية.

و قد كنّا قدّمنا ما تقول العرب في شأن منادمة الغراب و الدّيك و صداقته له، و كيف رهنه عند الخمّار، و كيف خاس به و سخر منه و خدعه و كيف خرج سالما غير غارم، و غانما غير خائب، و كيف ضربت به العرب الأمثال، و قالت فيه الأشعار، و أدخلته في الاشتقاق لزجرها عند عيافتها و قيافتها، و كيف كان السبب في ذلك.

837-[ذكر الغراب في القرآن‏]

فهذا إلى ما حكى اللّه عزّ و جلّ من خبر ابني آدم، حين قرّبا قربانا فحسد الذي لم يتقبّل منه المتقبل منه، فقال عند ما همّ به من قتله، و عند إمساكه عنه، و التّخلية بينه و بين ما اختار لنفسه: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ [1]. ثم قال: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ `فَبَعَثَ اَللََّهُ غُرََاباً يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [2] حتّى قال القائل، و هو أحد ابني آدم ما قال: فلو لا أنّ للغراب فضيلة و أمورا محمودة، و آلة و سببا ليس لغيره من جميع الطّير لما وضعه اللّه تعالى في موضع تأديب الناس، و لما جعله الواعظ و المذكّر بذلك. و قد قال اللّه عزّ و جلّ:

[1]29/المائدة: 5.

[2]30-31/المائدة: 5.

195

فَبَعَثَ اَللََّهُ غُرََاباً يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [1]، فأخبر أنّه مبعوث، و أنه هو اختاره لذلك من بين جميع الطّير.

قال صاحب الدّيك: جعلت الدّليل على سوء حاله و سقوطه الدّليل على حسن حاله و ارتفاع مكانه. و كلما كان ذلك المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ.

أ لا تراه يقول: يََا وَيْلَتى‏ََ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هََذَا اَلْغُرََابِ فَأُوََارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ اَلنََّادِمِينَ [1].

و لو كان في موضع الغراب رجل صالح، أو إنسان عاقل، لما حسن به أن يقول: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الكريم الشّريف. و إذا كان دونا و حقيرا فقال: أعجزت و أنا إنسان أن أحسن ما يحسنه هذا الطائر، ثمّ طائر من شرار الطير. و إذا أراه ذلك في طائر أسود محترق، قبيح الشّمائل، ردي‏ء المشية، ليس من بهائم الطير المحمودة، و لا من سباعها الشريفة، و هو بعد طائر يتنكّد به و يتطيّر منه، آكل جيف، ردي‏ء الصّيد. و كلما كان أجهل و أنذل كان أبلغ في التّوبيخ و التّقريع.

و أمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ اَلنََّادِمِينَ [1]فلم يكن به على جهة الإخبار أنّه كان قتله ليلا، و إنما هو كقوله: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ [2]. و لو كان المعنى وقع على ظاهر اللّفظ دون المستعمل في الكلام من عادات الناس، كان من فرّ من الزّحف ليلا لم يلزمه وعيد.

و إنما وقع الكلام على ما عليه الأغلب من ساعات أعمال الناس، و ذلك هو النّهار دون اللّيل.

و على ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن، حين دفعوا إليه جوّابا الخارجيّ ليقتله، و قالوا: إن قتله برئت الخوارج منه، و إن ترك قتله فقد أبدى لنا صفحته. فتأوّل صالح عند ذلك تأويلا مستنكرا: و ذلك أنّه قال: قد نجد التّقيّة تسيغ الكفر، و الكفر باللسان أعظم من القتل و القذف بالجارحة. فإذا جازت التقيّة في الأعظم كانت في الأصغر أجوز. فلما رأى هذا التأويل يطّرد له، و وجد على حال بصيرته ناقصة، و أحسّ بأنّه إنما التمس عذرا و لزّق الحجّة تلزيقا فلمّا عزم على قتل جوّاب، و هو عنده واحد الصّفرية في النّسك و الفضل قال: إني يوم أقتل جوّابا على هذا الضّرب من التأويل [1]31/المائدة: 5.

[2]16/الأنفال: 8.

196

لحريص على الحياة!و لو كان حين قال إني يوم أقتل جوّابا إنما عنى النهار دون اللّيل، كان عند نفسه إذا قتله تلك القتلة ليلا لم يأثم به. و هذا أيضا كقوله تعالى: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [1].

و لو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل بين الناس، لكان إذا قال من أوّل الليل: إني فاعل ذلك غدا في السّحر، أو مع الفجر أو قال الغداة:

إني فاعل يومي كلّه، و ليلتي كلها، لم يكن عليه حنث، و لم يكن مخالفا إذا لم يستثن، و كان إذن لا يكون مخالفا إلاّ فيما وقع عليه اسم غد. فأمّا كلّ ما خالف ذلك في اللّفظ فلا. و ليس التّأويل كذلك لأنّه جلّ و علا إنما ألزم عبده أن يقول: إن شاء اللّه، ليتّقى عادة التألّي‏[2]و لئلا يكون كلامه و لفظه يشبه لفظ المستبدّ و المستغني، و على أن يكون عند ذلك ذاكر اللّه، لأنه عبد مدبّر، و مقلّب ميسر، و مصرّف مسخّر.

و إذا كان المعنى فيه، و الغاية التي جرى إليها اللفظ، إنما هو على ما وصفنا، فليس بين أن يقول أفعل ذلك بعد طرفة، و بين أن يقول أفعل ذلك بعد سنة فرق.

و أمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ اَلنََّادِمِينَ فليس أنّه كان هنالك ناس قتلوا إخوتهم و ندموا فصار هذا القاتل واحدا منهم؛ و إنما ذلك على قوله لآدم و حوّاء عليهما السلام: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ* [3]، على معنى أن كلّ من صنع صنيعكما فهو ظالم.

838-[الاستثناء في القسم‏]

و عجبت من ناس ينكرون قولنا في الاستثناء، و قد سمعوا اللّه عزّ و جلّ يقول:

إِنََّا بَلَوْنََاهُمْ كَمََا بَلَوْنََا أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهََا مُصْبِحِينَ. `وَ لاََ يَسْتَثْنُونَ.

فَطََافَ عَلَيْهََا طََائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نََائِمُونَ. `فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [4]، مع قوله عزّ و جلّ: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [5].

839-[تسمية الغراب ابن دأية]

و العرب تسمّي الغراب ابن دأية، لأنّه إذا وجد دبرة[6]في ظهر البعير، أو في عنقه [1]23/الكهف: 18.

[2]الإلّ: الحلف «القاموس: ألل» .

[3]35/البقرة: 2.

[4]17-20/القلم: 68.

[5]23/الكهف: 18.

[6]الدبرة: القرحة. «القاموس: دبر» .

197

قرحة سقط عليها، و نقره و أكله، حتّى يبلغ الدّايات. قال الشاعر[1]: [من الطويل‏]

نجيبة قرم شادها القتّ و النّوى # بيثرب حتى نيّها متظاهر[2]

فقلت لها سيري فما بك علّة # سنامك ملموم و نابك فاطر[3]

فمثلك أو خيرا تركت رذيّة # تقلّب عينيها إذا مرّ طائر[4]

و مثله قول الرّاعي: [من الطويل‏]

فلو كنت معذورا بنصرك طيّرت # صقوري غربان البعير المقيد

هذا البيت لعنترة، في قصيدة له. ضرب ذلك مثلا للبعير المقيّد ذي الدّبر، إذا وقعت عليه الغربان.

840-[علّة غرز الريش و الخرق في ظهر البعير]

و إذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إمّا قوادم ريش أسود و إمّا خرقا سودا، لتفزع الغربان منه، و لا تسقط عليه. قال الشاعر، و هو ذو الخرق الطّهوي‏[5]: [من البسيط]

لما رأت إبلي حطت حمولتها # هزلى عجافا عليها الرّيش و الخرق‏[6]

قالت أ لا تبتغي عيشا نعيش به # عمّا نلاقي، فشرّ العيشة الرّنق‏

الرّنق، بالرّاء المهملة، و بالنون، هو الكدر غير الصافي.

و قال آخر: [من البسيط]

كأنّها ريشة في غارب جرز # في حيثما صرفته الرّيح ينصرف‏

[1]الأبيات للجون المحرزي أو لأبي الربيس التغلبي في الخزانة 6/85، و لأبي الربيس التغلبي في شرح أبيات سيبويه 1/572، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/306-307، و الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (ضزز) ، و الثالث في اللسان و التاج (رهب) .

[2]القرم: الفحل الكريم. «القاموس: قرم» . القت: العلف. نيها: شحمها.

[3]ناب فاطر: مشقوق و ظاهر. «القاموس: فطر» .

[4]الرذية: الناقة المهزولة من السير. «القاموس: رذي» .

[5]البيتان في الأصمعيات 124-125، و التاج (خرق) ، و الأول في اللسان (خرق) ، و المقاييس 2/173، و الجمهرة 591، و المجمل 2/178.

[6]العجف: ذهاب السّمن؛ و هو أعجف؛ و هي عجفاء. و الجمع عجاف. «القاموس: عجف» .

198

جرز: عظيم. قال رؤبة[1]: [من الرجز]

عن جرز منه و جوز عار

و قد توضع الرّيش في أسنمتها و تغرز فيها لغير ذلك‏[2]، و ذلك أنّ الملوك كانت تجعل الرّيش علامة لحباء الملك، تحميها بذلك و تشرّف صاحبها.

قال الشاعر[3]: [من الكامل‏]

يهب الهجان بريشها و رعائها # كاللّيل قبل صباحه المتبلج‏[4]

و لذلك قالوا في الحديث: فرجع النّابغة من عند النّعمان و قد وهب له مائة من عصافيره بريشها[5].

و للرّيش مكان آخر: و هو أنّ الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظّفر غرزت فيها قوادم ريش سود.

841-[غربان الإبل‏]

و قال الشاعر[6]: [من الطويل‏]

سأرفع قولا للحصين و مالك # تطير به الغربان شطر المواسم

و تروى به الهيم الظماء، و يطّبي # بأمثاله الغازين سجع الحمائم‏

يعني غربان الليل. و أمّا قوله: «و تروى به الهيم الظّماء» فمثل قول الماتح‏[7]:

[من الرجز]

علقت يا حارث عند الورد # بجاذل لا رفل التّردّي‏[8]

و لا عييّ بابتناء المجد

[1]الرجز ليس لرؤبة؛ بل للعجاج في ديوانه 1/117، و اللسان و التاج (جزر، همم، وري) ، و الجمهرة 170، و بلا نسبة في ديوان الأدب 3/183، و التهذيب 5/382، 10/608، و المخصص 4/136، و العين 3/358.

[2]البيان 3/96، و مجالس ثعلب 35.

[3]البيت بلا نسبة في البيان 3/96.

[4]الهجان: الإبل البيض. «القاموس: هجن» .

[5]الأغاني 11/28، 39، و الشعر و الشعراء 71، 75، و أساس البلاغة (عصفر) .

[6]البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (غرب) ، و التهذيب 8/120.

[7]الرجز في البيان 1/4. الماتح: المستقي من أعلى البئر، و المائح: الذي يملأ الدلو من أسفل البئر «اللسان: متح» .

[8]جذل الشي‏ء يجذل جذولا: انتصب و ثبت لا يبرح. «اللسان: جذل» . الرفل: الذي يجر ثوبه متبخترا. «اللسان: رفل» . التردي: ارتداء اللباس.

199

و قالوا في البعير إذا كان عليه حمل من تمر أو حبّ، فتقدّم الإبل بفضل قوّته و نشاطه، فعرض ما عليه للغربان. قال الرّاجز[1]: [من الرجز]

قد قلت قولا للغراب إذ حجل # عليك بالقود المسانيف الأول‏[2]

تغدّ ما شئت على غير عجل‏

و مثله‏[3]: [من الرجز]

يقدمها كلّ علاة مذعان # حمراء من معرّضات الغربان‏[4]

842-[أمثال في الغراب‏]

و يقال: «أصحّ بدنا من غراب» ، و «أبصر من غراب» [5]، و «أصفى عينا من غراب» [6].

و قال ابن ميّادة[7]: [من الطويل‏]

ألا طرقتنا أمّ أوس و دونها # حراج من الظّلماء يعشى غرابها

فبتنا كأنّا بيننا لطميّة # من المسك، أو داريّة و عيابها[8]

[1]الرجز بلا نسبة في المخصص 10/167، و التنبيه للبكري 48، و مجالس ثعلب 112، و اللسان و التاج (سنف) .

[2]المسانيف: المتقدمة «اللسان: سنف» .

[3]الرجز للشماخ في ديوانه 416-417، و له أو للأجلح بن قاسط في اللسان و التاج (عرض) ، و للأجلح بن قاسط في اللسان (علا) ، و لرجل من غطفان في التنبيه للبكري 47. و بلا نسبة في التهذيب 1/461، و المقاييس 4/118، 279، و المجمل 3/471، و المخصص 4/17، 7/137، و أساس البلاغة (عرض) ، و الجمهرة 355، 748، 1320، و أمالي القالي 1/119، و المعاني الكبير 1/259.

[4]في التنبيه للبكري: (العلاة: الشديدة الصلبة، مشبهة بالعلاة، و هو السندان) ، و فيه: (الحمر أجلد الإبل، و المعرضات التي تقدم الإبل فتقع الغربان على حملها إن كان تمرا أو غيره فتأكله) .

[5]مجمع الأمثال 1/115، و الدرة الفاخرة 1/78، و جمهرة الأمثال 1/240، و المستقصى 1/21، و فصل المقال 491، و أمثال ابن سلام 360.

[6]المثل برواية (أصفى من عين الغراب) في مجمع الأمثال 1/417، و الدرة الفاخرة 1/250، 263، و جمهرة الأمثال 1/567، و المستقصى 1/210.

[7]ديوان ابن ميادة 77، و المستقصى 1/21، و الأول في اللسان و التاج و أساس البلاغة (حرج) ، و التهذيب 4/140، و ثمار القلوب 461 (673) ، و المعاني الكبير 1/258.

[8]في ديوانه: (اللطمية: من معانيها: الجمال التي تحمل العطر، و هي عند ابن الأعرابي سوق الإبل، و المقصود بها هنا الوعاء الذي يوضع فيه المسك. دارية: المسك المنسوب إلى دارين، و هو مرفأ في البحرين كانت ترفأ إليه السفن التي فيها المسك. العياب: الوعاء الذي يوضع فيه المسك) .

200

يقول‏[1]: إذا كان الغراب لا يبصر في حراج الظلماء. و واحد الحراج حرجة، و هي هاهنا مثل، حيث جعل كلّ شي‏ء التفّ و كثف من الظلام حراجا، و إنّما الحراج من السّدر و أشباه السّدر.

يقول: فإذا لم يبصر فيها الغراب مع حدّة بصره، و صفاء مقلته فما ظنّك بغيره؟! و قال أبو الطمحان القينيّ‏[2]: [من الطويل‏]

إذا شاء راعيها استقى من وقيعة # كعين الغراب صفوها لم يكدّر

و الوقيعة: المكان الصلب الذي يمسك الماء، و الجمع الوقائع.

843-[استطراد لغوي‏]

قال: و أنشدنا أبو عمرو بن العلاء، في الوقائع: [من الطويل‏]

إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهم # وقائع للأبوال و الماء أبرد[3]

يقول: كانوا في فلاة فاستبالوا الخيل في أكفهم، فشربوا أبوالها من العطش.

و يقال شهد الوقيعة و الوقعة بمعنى واحد. قال الشاعر[4]: [من الطويل‏]

لعمري لقد أبقت وقيعة راهط # على زفر داء من الشّرّ باقيا

و قال زفر بن الحارث‏[5]: [من الطويل‏]

لعمري لقد أبقت وقيعة راهط # لمروان صدعا بيننا متنائيا

و قال الأخطل‏[6]: [من الطويل‏]

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة # إلى اللّه منها المشتكى و المعوّل‏

[1]ثمار القلوب 461 (673) .

[2]البيت لأبي الطمحان في الأغاني 13/14، و قصائد جاهلية نادرة 220، و أشعار اللصوص 1/78، و المعاني الكبير 259، و ثمار القلوب (673) ، و بلا نسبة في المخصص 10/162، و الجمهرة 944.

[3]البيت لمالك بن نويرة في ديوانه 64، و الأصمعيات 195، و السمط 347، و اللسان (بول) ، و بلا نسبة في اللسان (وقع) ، و الجمهرة 944، و الاشتقاق 291.

[4]البيت لجواس بن القعطل الكلبي في المؤتلف و المختلف 74.

[5]ديوان زفر بن الحارث الكلابي 171، و الحماسة البصرية 1/26، و الأغاني 19/196، و التاج (رهط) ، و معجم البلدان 3/21 (راهط) ، و حماسة القرشى 136، و الوحشيات 50، و هو بلا نسبة في اللسان (شأي) ؛ و قافيته فيه (متشائيا) مكان (متنائيا) .

[6]ديوان الأخطل 32، و معجم البلدان 1/427 (بشر) ، و التاج (بشر) ، و الجمهرة 310، و بلا نسبة في اللسان (عول) .

201

844-[أمثال من الشعر و النثر في الغراب‏]

و في صحّة بدن الغراب يقول الآخر[1]: [من المنسرح‏]

إنّ معاذ بن مسلم رجل # قد ضجّ من طول عمره الأبد

قد شاب رأس الزّمان و اكتهل الدّهـ # ر و أثواب عمره جدد

يا نسر لقمان كم تعيش و كم # تسحب ذيل الحياة يا لبد

قد أصبحت دار آدم خربت # و أنت فيها كأنّك الوتد

تسأل غربانها إذا حجلت # كيف يكون الصّداع و الرّمد

و يقال: «أرض لا يطير غرابها» [2]. قال النّابغة[3]: [من الكامل‏]

و لرهط حرّاب و قد سورة # في المجد ليس غرابها بمطار[4]

جعله مثلا. يعني أنّ هذه الأرض تبلغ من خصبها أنّه إذا دخلها الغراب لم يخرج منها، لأنّ كلّ شي‏ء يريده فيها.

و في زهو الغراب يقول حسّان، في بعض قريش‏[5]: [من الكامل‏]

إنّ الفرافصة بن الاحوص عنده # شجن لأمّك من بنات عقاب

أجمعت أنّك أنت ألأم من مشى # في فحش مومسة و زهو غراب‏

و يقال: «وجد فلان تمرة الغراب» [6]، كأنّه يتّبع عندهم أطيب التمر.

و يقال: «إنّه لأحذر من غراب» [7]و: «أشد سوادا من غراب» [8].

[1]الأبيات للخزرجي في مروج الذهب 2/322، و وفيات الأعيان 5/218، و ثمار القلوب (695) ، و لمحمد بن مناذر في العقد الفريد 3/55، و بغية الوعاة 393، و لابن عبدل في الدرة الفاخرة 316، و بلا نسبة في أمالي الزجاجي 17، و المعاني الكبير 58، و عيون الأخبار 4/59، و إنباه الرواة 3/290، و البيت الثاني في مجالس ثعلب 163.

[2]المثل في كتاب الأمثال لأبي عكرمة الضبي 73.

[3]ديوان النابغة الذبياني 55، و اللسان و التاج (قدد، سور، طير) ، و أساس البلاغة (غرب) .

[4]في ديوانه: حراب و قد: رجلان من بني أسد. و السورة: المنزلة الرفيعة. و قوله: «ليس غرابها بمطار» أي شرفهم ثابت باق و ليس بزائل.

[5]ديوان حسان 116، و الثاني في ثمار (491) ، و اللسان (زنك) ، و التاج (زوك) ، و بلا نسبة في اللسان (زوك) ، و المخصص 3/103، و المجمل 3/33، و المقاييس 3/37.

[6]مجمع الأمثال 2/362، و جمهرة الأمثال 2/333، و المستقصى 2/373، و الأمثال لمجهول 116.

[7]مجمع الأمثال 1/226، و جمهرة الأمثال 1/396، و المستقصى 1/62، و الأمثال لمجهول 7، و الدرة الفاخرة 1/133، 156، 196.

[8]المثل في المستقصى 1/192 برواية «أشد سوادا من حنك الغراب» .

202

و قد مدحوا بسواد الغراب. قال عنترة[1]: [من الكامل‏]

فيها اثنتان و أربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم‏

و قال أبو دؤاد[2]: [من البسيط]

تنفي الحصى صعدا شرقيّ منسمها # نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا[3]

و المغاريد: كم‏ء. صغار. و أنشد[4]: [من البسيط]

يحجّ مأمومة في قعرها لجف # فاست الطبيب قذاها كالمغاريد[5]

و قد ذكرنا شدّة منقاره، و حدّة بصره في غير هذا المكان.

845-[شعر في مديح السواد]

و قالوا في مديح السواد، قال امرؤ القيس‏[6]: [من البسيط]

العين قادحة و اليد سابحة # و الأذن مصغية و اللّون غربيب‏

و في السّواد يقول ربيعة أبو ذؤاب الأسدي‏[7]، قاتل عتيبة بن الحارث بن شهاب: [من الكامل‏]

إن المودة و الهوادة بيننا # خلق كسحق اليمنة المنجاب‏[8]

إلاّ بجيش لا يكتّ عديده # سود الجلود من الحديد غضاب‏[9]

[1]البيت من معلقته في ديوانه 17، و الخزانة 7/390، و المقاصد النحوية 4/487، و بلا نسبة في شرح المفصل 3/55، 6/24.

[2]ديوان أبي دؤاد 308.

[3]منسم الناقة: خفها «اللسان: نسم» .

[4]البيت لعذار بن درة الطائي في اللسان و التاج (حجج، لفف) ، و المجمل 2/32، 4/266، و التنبيه و الإيضاح 1/197، و بلا نسبة في اللسان و التاج (غرد) ، و المقاييس 1/23، 2/30، 5/235، و الجمهرة 86، 633، 1234، و المخصص 13/182، 16/62، و التهذيب 3/390، و الكامل 1/65 (طبعة المعارف) .

[5]في الكامل قوله «في قعرها لجف» أي تقلع، و يقال تلجفت البئر إذا انقلع طيّها من أسفلها.

[6]البيت لامرئ القيس في ديوانه 226، و الجمهرة 516، و لعمران بن إبراهيم الأنصاري في شرح شواهد الإيضاح 497، و لإبراهيم بن عمران في اللسان (قصب) ، و بلا نسبة في الجمهرة 278، و اللسان (لحب، قبب) ، و التاج (قبب) ، و التهذيب 8/299، و أساس البلاغة (قدح) .

[7]البيتان في أمالي القالي 1/72، و الأول في اللسان و التاج (يمن) ، و الثاني في الجمهرة 79، و بلا نسبة في اللسان و التاج (كتت) .

[8]اليمنة: ضرب من برود اليمن. «اللسان: يمن» .

[9]كتّ القوم يكتّهم: عدّهم و أحصاهم، و أكثر ما يستعملونه في النفي. «اللسان: كتت» .