الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
203

846-[شعر و مثل في شيب الغراب‏]

و في المثل: «لا يكون ذلك حتّى يشيب الغراب» [1]. و قال العرجيّ‏[2]: [من الخفيف‏]

لا يحول الفؤاد عنه بودّ # أبدا أو يحول لون الغراب‏

و قال ساعدة بن جؤيّة[3]: [من الكامل‏]

شاب الغراب و لا فؤادك تارك # عهد الغضوب و لا عتابك يعتب‏

847-[نقر الغراب للدماغ و العيون‏]

و مما يذكر للغراب ما حدّث به أبو الحسن، عن أبي سليم، أنّ معاوية قال لأبي هوذة بن شمّاس الباهليّ: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم!فقال أبو هوذة: إذن لا ترضى باهلة بعدّتهم من بني أمية!قال: اسكت أيّها الغراب الأبقع!و كان به برص، فقال أبو هوذة: إنّ الغراب الأبقع ربّما درج إلى الرّخمة حتى ينقر دماغها، و يقلع عينيها!فقال يزيد بن معاوية: أ لا تقتله يا أمير المؤمنين؟ فقال: مه!و نهض معاوية. ثمّ وجهه بعد في سريّة فقتل. فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى و أصوب‏[4]! و قال آخر[5]في نقر الغراب العيون: [من الوافر]

أتوعد أسرتي و تركت حجرا # يريغ سواد عينيه الغراب

و لو لاقيت علباء بن جحش # رضيت من الغنيمة بالإياب‏

و قال أبو حيّة-في أنّ الغراب يسمّونه الأعور تطيّرا منه‏[6]-: [من الكامل‏]

و إذا تحلّ قتودها بتنوفة # مرّت تليح من الغراب الأعور[7]

لأنها تخاف من الغربان، لما تعلم من وقوعها على الدّبر.

[1]المستقصى 2/59، و فصل المقال 474، 482، و جمهرة الأمثال 1/363.

[2]ديوان العرجي 116، و رواية صدره: (لم أحل عنك ما حييت بودي) .

[3]البيت لساعدة بن جؤية في شرح أشعار الهذليين 1098، و اللسان و التاج (شيب، عتب، غضب) ، و العين 4/413.

[4]انظر الخبر في البرصان 69-70.

[5]البيتان لعبيد بن الأبرص، و الأول في ديوانه 1، و التهذيب 8/187، و بلا نسبة في اللسان (روغ) ، و الثاني في ديوانه 24، و العمدة 1/103.

[6]ديوان أبي حية النميري 59، و المعاني الكبير 260، و رواية البيت في ديوانه:

(آلت إذا ما حلّ عنها رحلها # جعلت تضيف من الغراب الأعور)

.

[7]تليح: تحذر و تشفق.

204

848-[مدح لون الغراب‏]

و مما يمدح به الشّعراء بلون الغراب قال أبو حيّة[1]: [من الوافر]

غراب كان أسود حالكيّا # ألا سقيا لذلك من غراب‏

و قال أبو حيّة[2]: [من المتقارب‏]

زمان عليّ غراب غداف # فطيّره الدّهر عني فطارا

فلا يبعد اللّه ذاك الغداف # و إن كان لا هو إلاّ ادّكارا

فأصبح موضعه بائضا # محيطا خطاما محيطا عذارا[3]

و قال أبو حيّة في غير ذلك، و هو مما يعدّ للغراب‏[4]: [من الطويل‏]

كأنّ عصيم الورس منهنّ جاسد # بما سال من غربانهنّ من الخطر[5]

849-[استطراد لغوي‏]

و الغراب ضروب، و يقع هذا الاسم في أماكن، فالغراب حدّ السكين و الفأس، يقال فأس حديدة الغراب. و قال الشّماخ‏[6]: [من الطويل‏]

فأنحى عليها ذات حدّ غرابها # عدوّ لأوساط العضاه مشارز[7]

المشارزة: المعاداة و المخاشنة.

و الغراب: حدّ الورك و رأسه الذي يلي الظهر، و يبدأ من مؤخّر الرّدف. و الجمع غربان. قال ذو الرّمّة[8]: [من الطويل‏]

و قرّبن بالزّرق الحمائل بعد ما # تقوّب من غربان أوراكها الخطر[9]

[1]ديوان أبي حية 121.

[2]ديوان أبي حية 43، و حماسة القرشي 281-282، و طبقات ابن المعتز 145، و أمالي المرتضى 1/445، و نسب البيت خطأ إلى الكميت في اللسان (غرب) .

[3]في ديوانه: (بائض: من باض النبت إذا صوّح، و بائض: أي مبيض. خطام: أي ما خطم به من الشعر.

[4]ديوان أبي حية 52.

[5]في ديوانه: (العصيم: الدرن و الوسخ و البول إذا يبس على فخذ الناقة) .

[6]ديوان الشماخ 185، و اللسان و التاج (غرب، شرز) ، و الجمهرة 321، و العين 4/413، و ديوان الأدب 1/439.

[7]في ديوانه: (أنحى عليها: عرض عليها: أي أقبل يقطعها. ذات حد: فأس ذات حد. غرابها:

حدها. العضاه: شجر عظيم له شوك. الشرز: القطع) .

[8]ديوان ذي الرمة 566، و الجمهرة 234، 703، 1097، و اللسان (غرب، خطر، زرق، جمل) .

[9]في ديوانه: (الزرق: أكثبة الدهناء) . و يقال: «جمائل و جمال» .

205

تقوّب: تقشر ما على أوراكها من سلحها و بولها، من ضربها بأذنابها.

850-[غراب البين‏]

و كلّ غراب فقد يقال له غراب البين إذا أرادوا به الشؤم، أمّا غراب البين نفسه، فإنّه غراب صغير. و إنّما قيل لكلّ غراب غراب البين، لسقوطها في مواضع منازلهم إذا بانوا عنها. قال أبو خولة الرّياحيّ‏[1]: [من الطويل‏]

فليس بيربوع إلى العقل فاقة # و لا دنس يسودّ منه ثيابها

فكيف بنوكي مالك إن كفرتم # لهم هذه، أم كيف بعد خطابها

مشائم ليسوا مصلحين عشيرة # و لا ناعب إلاّ ببين غرابها

851-[الوليد بن عقبة و عبد اللّه بن الزبير]

و من الدّليل على أنّ الغراب من شرار الطّير، ما رواه أبو الحسن قال: كان ابن الزبير يقعد مع معاوية على سريره، فلا يقدر معاوية أن يمتنع منه، فقال ذات يوم: أ ما أحد يكفيني ابن الزبير؟فقال الوليد بن عقبة: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين. فسبق فقعد في مقعده على السرير، و جاء ابن الزبير فقعد دون السرير، ثمّ أنشد ابن الزبير:

[من الطويل‏]

تسمّى أبانا بعد ما كان نافعا # و قد كان ذكوان تكنّى أبا عمرو

فانحدر الوليد حتى صار معه، ثم قال: [من الوافر]

و لو لا حرّة مهدت عليكم # صفيّة ما عددتم في النّفير

و لا عرف الزبير و لا أبوه # و لا جلس الزبير على السرير

وددنا أنّ أمّكم غراب # فكنتم شرّ طير في الطيور

852-[القواطع و الرواجع و الأوابد]

قال أبو زيد[2]: إذا كان الشتاء قطعت إلينا الغربان، أي جاءت بلادنا، فهي [1]الأبيات لأبي الأحوص الرياحي في البيان 2/260-261، و البيت الثالث للأخوص الرياحي في الإنصاف 193، و الخزانة 4/158، 160، 164، و شرح شواهد المغني 871، و شرح المفصل 2/52، و الكتاب 1/165، 306، و شرح أبيات سيبويه 1/74، 2/105، و اللسان (شأم) ، و المؤتلف 49، و هو للفرزدق في الكتاب 3/29، و ديوانه 23، و بلا نسبة في الخزانة 8/295، 554، و الخصائص 2/354، و شرح المفصل 5/68، 7/57، و مغني اللبيب 478.

[2]ورد الخبر في ثمار القلوب (655-656) .

206

قواطع إلينا، فإذا كان الصيف فهي رواجع. و الطير التي تقيم بأرض شتاءها و صيفها أبدا فهي الأوابد. و الأوابد أيضا هي الدواهي، يقال جاءنا بآبدة. و منها أوابد الوحش.

و منها أوابد الأشعار. و الأوابد أيضا: الإبل إذا توحّش منها شي‏ء فلم يقدر عليه إلا بعقر. و أنشد أبو زيد في الأوابد[1]: [من الرجز]

و منهل وردته التقاطا # طام فلم ألق به فرّاطا[2]

إلاّ القطا أوابدا غطاطا[3]

853-[صوت الغراب‏]

و يقال نغق الغراب ينغق نغيقا، بغين معجمة، و نعت ينعب نعيبا بعين غير معجمة. فإذا مرّت عليه السّنون الكثيرة و غلظ صوته قيل شحج يشحج شحيجا.

و قال ذو الرّمّة[4]: [من الطويل‏]

و مستشحجات بالفراق كأنّها # مثاكيل من صيّابة النّوب نوّح‏[5]

و النّوبة توصف بالجزع.

854-[أثر البادية في رجال الروم و السند]

و أصحاب الإبل يرغبون في اتخاذ النوبة و البربر و الرّوم للإبل، يرون أنهم يصلحون على معايشها، و تصلح على قيامهم عليها.

و من العجب أنّ رجال الرّوم تصلح في البدو مع الإبل، و دخول الإبل بلاد الروم هو هلاكها.

[1]الرجز لنقادة الأسدي في اللسان (فرط، لقط) ، و التاج (فرط، لغط، لقط) ، و بلا نسبة في اللسان (لغط، رجم) ، و الكتاب 1/371، و التهذيب 8/58، 16/252، و العين 5/101، و المقاييس 5/23، و المجمل 4/287، و المخصص 14/226، و التاج (ترجم) ، و ديوان الأدب 2/308، و إصلاح المنطق 68، 96.

[2]الفراط: المتقدمات إلى الماء «اللسان: فرط» .

[3]الغطاط: ضرب من القطا، الطوال الأرجل، البيض البطون، الغبر الظهور، الواسعة العيون. «اللسان:

غطط» .

[4]ديوان ذي الرمة 1207، و اللسان (صيب، شحج، ثكل) ، و التاج (صيب، شحج) ، و أساس البلاغة (ثكل، صيب) ، و العين 7/167، و المخصص 3/153، 4/30، 8/134، و التهذيب 4/117، و بلا نسبة في ديوان الأدب 3/460، و الجمهرة 1024.

[5]الصيابة: الخالص و الصميم و الخيار من الشي‏ء و السيد. «القاموس: صيب» .

207

فأمّا السند؛ فإنّ السّنديّ صاحب الخربة[1]إذا صار إلى البدو، و هو طفل، خرج أفصح من أبي مهديّة، و من أبي مطرف الغنويّ. و لهم طبيعة في الصّرف، لا ترى بالبصرة صيرفيّا إلا و صاحب كيسه سنديّ.

855-[تفوق أهل السند]

و اشترى محمّد بن السّكن، أبا روح فرجا السّندي، فكسب له المال العظيم.

فقلّ صيدلانيّ عندنا إلاّ و له غلام سنديّ. فبلغوا أيضا في البربهار و المعرفة بالعقاقير، و في صحّة المعاملة، و اجتلاب الحرفاء مبلغا حسنا.

و للسّند في الطبخ طبيعة، ما أكثر ما ينجبون فيه.

و قد كان يحيى بن خالد أراد أن يحوّل إجراء الخيل عن صبيان الحبشان و النّوبة، إلى صبيان السند، فلم يفلحوا فيه، و أراد تحويل رجال السّند إلى موضع الفرّاشين من الرّوم، فلم يفلحوا فيه.

و في السّند حلوق‏[2]جياد، و كذلك بنات السّند.

856-[استطراد لغوي‏]

و الغراب يسمّى أيضا حاتما. و قال عوف بن الخرع‏[3]: [من الطويل‏]

و لكنّما أهجو صفيّ بن ثابت # مثبّجة لاقت من الطّير حاتما[4]

و قال المرقّش، من بني سدوس‏[5]: [من مجزوء الكامل‏]

و لقد غدوت و كنت لا # أغدو على واق و حاتم‏

[1]الخربة: سعة خرق الأذن، و كل ثقب مستدير. «القاموس: خرب» .

[2]حلوق: جمع حلق، أراد أن أصواتهم جيدة.

[3]البيت في الأصمعيات 169.

[4]المثبجة: البوم. «القاموس: ثبج» .

[5]الأبيات للمرقش في اللسان و التاج (وقي) ، و المعاني الكبير 262، و الأزمنة و الأمكنة 2/352، 1187، و التهذيب 4/450، 9/375، و له أو لخزز بن لوذان في اللسان و التاج (حتم، يمن) ، و المؤتلف 143، و لرجل من بني سدوس في الاختيارين 171، و للمرقم في عيون الأخبار 1/145 (ورد الاسم في الحاشية، و أثبت المحقق في المتن «المرقش» مدعيا أنه الصواب) ، و حماسة البحتري 255، و بلا نسبة في الوحشيات 166، و ذيل الأمالي 106-107، و زهر الآداب 524، و العمدة 2/262، و الأغاني 11/9.

208

فإذا الأشائم كالأيا # من و الأيامن كالأشائم

و كذاك لا خير و لا # شرّ على أحد بدائم‏

و أنشد لخثيم بن عديّ‏[1]: [من الطويل‏]

و ليس بهيّاب إذا شدّ رحله # يقول عداني اليوم واق و حاتم

و لكنّه يمضي على ذاك مقدما # إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم‏

و الخثارم: هو المتطيّر من الرّجال. و أما قوله: «واق و حاتم» فحاتم هو الغراب، و الواقي هو الصّرد، كأنّه يرى أنّ الزّجر بالغراب إذا اشتقّ من اسمه الغربة، و الاغتراب، و الغريب، فإنّ ذلك حتم. و يشتق من الصّرد التصريد، و الصّرد و هو البرد. و يدلك على ذلك قوله‏[2]: [من الطويل‏]

دعا صرد يوما على غصن شوحط # و صاح بذات البين منها غرابها[3]

فقلت: أ تصريد و شحط و غربة # فهذا لعمري نأيها و اغترابها

فاشتقّ التّصريد من الصّرد، و الغربة من الغراب، و الشّحط من الشّوحط.

و يقال أغرب الرّجل: إذا اشتدّ مرضه، فهو مغرب.

قال: و العنقاء المغرب، العقاب، لأنها تجي‏ء من مكان بعيد.

857-[أصل التطير في اللغة]

قال: و أصل التطيّر إنما كان من الطّير و من جهة الطير، إذا مرّ بارحا[4]أو سانحا[5]، أو رآه يتفلى و ينتتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من النّاس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك و تطيّروا عندها، كما تطيّروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطّير هو الأصل، و منه اشتقوا التطيّر، ثمّ استعملوا ذلك في كلّ شي‏ء.

[1]البيتان للرقاص الكلبي أو لخثيم بن عدي في اللسان و التاج (حتم، خثرم، وقي) ، و لخثيم بن عدي في التهذيب 7/690، و بلا نسبة في المخصص 8/152، 13/25، و العين 5/239.

[2]البيتان بلا نسبة في زهر الآداب 524.

[3]الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. «القاموس: شحط» .

[4]البارح: من الصيد؛ ما مرّ من ميامنك إلى مياسرك. «القاموس: برح» .

[5]السانح: ضد البارح، و منه «من لي بالسانح بعد البارح» أي بالمبارك بعد الشؤم. «القاموس:

سنح» .

209

858-[أسماء الغراب‏]

و الغراب لسواده إن كان أسود، و لاختلاف لونه إن كان أبقع، و لأنّه غريب يقطع إليهم، و لأنّه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمّم، إلاّ عند مباينتهم لمساكنهم، و مزايلتهم لدورهم، و لأنّه ليس شي‏ء من الطير أشدّ على ذوات الدّبر من إبلهم من الغربان، و لأنه حديد البصر فقالوا عند خوفهم من عينه «الأعور» . كما قالوا: «غراب» لاغترابه و غربته «و غراب البين» ، لأنّه عند بينونتهم يوجد في دورهم.

و يسمّونه «ابن داية» ، لأنّه ينقب عن الدّبر حتّى يبلغ إلى دايات العنق و ما اتصل بها من خرزات الصّلب، و فقار الظهر.

859-[مراعاة التفاؤل في التسمية]

و للطّيرة سمّت العرب المنهوش بالسّليم، و البرّيّة بالمفازة، و كنوا الأعمى أبا بصير، و الأسود أبا البيضاء، و سمّوا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزّجر به على الأمور.

فصار تطيّرهم من القعيد و النّطيح‏[1]و من جرد الجراد، و من أن الجرادة ذات ألوان، و جميع ذلك-دون التّطيّر بالغراب.

860-[ضروب من الطّيرة]

و لإيمان العرب بباب الطّيرة و الفأل عقدوا الرّتائم‏[2]، و عشّروا إذا دخلوا القرى تعشير الحمار[3]، و استعملوا في القداح الآمر، و الناهي، و المتربّص. و هنّ غير قداح الأيسار.

861-[اشتقاق أسماء في الطيرة]

و يدلّ على أنهم يشتقون من اسم الشي‏ء الذي يعاينون و يسمعون، قول سوّار ابن المضرّب‏[4]: [من الوافر]

تغنّى الطائران ببين ليلى # على غصنين من غرب و بان‏

[1]القعيد: ما جاء من ورائك من ظبي أو طائر. «القاموس: قعد» . و النطيح: ما جاء من أمامك من الطير و الوحش. «القاموس: نطح» .

[2]كان من أراد سفرا يعمد إلى شجرة؛ فيعقد غصنين منها، فإن رجع و كانا على حالهما قال: إن أهله لم تخنه، و إلا فقد خانته، و ذلك الرتم و الرتيمة. «القاموس: رتم» .

[3]كانوا يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء وضع يده خلف أذنه فنهق عشر نهقات نهيق الحمار ثم دخلها أمن من الوباء، و عشّر الحمار: تابع النهيق عشر نهقات. «اللسان: عشر» .

[4]البيتان لسوار بن المضرب في الأصمعيات 243، و لجحدر العكلي في الحماسة البصرية 2/98، و أشعار اللصوص 1/195، و أمالي القالي 1/282، و الكامل 1/85، و للمعلوط في عيون الأخبار 1/149، و بلا نسبة في الوحشيات 183.

210

فكان البان أن بانت سليمى # و في الغرب اغتراب غير دان‏

فاشتقّ كما ترى الاغتراب من الغرب، و البينونة من البان.

و قال جران العود[1]: [من الطويل‏]

جرى يوم رحنا بالجمال نزفّها # عقاب و شحّاج من البين يبرح

فأمّا العقاب فهي منها عقوبة # و أمّا الغراب فالغريب المطوّح‏

فلم يجد في العقاب إلاّ العقوبة. و جعل الشّحاج هو الغراب البارح و صاحب البين، و اشتقّ منه الغريب المطوّح.

و رأى السّمهريّ غرابا على بانة ينتف ريشه، فلم يجد في البان إلاّ البينونة، و وجد في الغراب جميع معاني المكروه، فقال‏[2]: [من الطويل‏]

رأيت غرابا واقعا فوق بانة # ينتف أعلى ريشه و يطايره

فقلت، و لو أني أشاء زجرته # بنفسي، للنهديّ: هل أنت زاجره

فقال: غراب باغتراب من النّوى # و بالبان بين من حبيب تعاشره‏

فذكر الغراب بأكثر ممّا ذكر به غيره، ثمّ ذكر بعد شأن الريش و تطايره. و قال الأعشى‏[3]: [من الرمل‏]

ما تعيف اليوم في الطير الرّوح # من غراب البين أو تيس برح‏

فجعل التّيس من الطّير، إذ تقدم ذكر الطير، و جعله من الطير في معنى التطيّر.

و قال النّابغة[4]: [من الكامل‏]

زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا # و بذاك خبّرنا الغراب الأسود

[1]ديوان جران العود 3، و الشعر و الشعراء 451.

[2]الأبيات للسمهري في الأغاني 21/239، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/211، و أشعار اللصوص 1/39، و لكثير في عيون الأخبار 1/148، و زهر الآداب 525، و البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (نشش) ، و المخصص 8/131.

[3]ديوان الأعشى 287، و اللسان و التاج (روح، عيف) ، و أساس البلاغة (عيف) ، و العين 3/292، و الجمهرة 939، 1080، و المقاييس 2/455، 4/197، و المجمل 2/432، و المخصص 9/57، و التهذيب 3/231، 5/222، و التنبيه و الإيضاح 2/243.

[4]ديوان النابغة الذبياني 89، و الخصائص 1/240، و الأغاني 11/8، و بلا نسبة في اللسان (وجه) . ـ

211

و قال عنترة[1]: [من الكامل‏]

ظعن الذين فراقهم أتوقّع # و جرى ببينهم الغراب الأبقع

حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه # جلمان بالأخبار هشّ مولع

فزجرته ألاّ يفرّخ بيضه # أبدا و يصبح خائفا يتفجّع

إنّ الذين نعبت لي بفراقهم # هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا

فقال: «و جرى ببينهم الغراب» لأنّه غريب، و لأنه غراب البين، و لأنّه أبقع. ثم قال: «حرق الجناح» تطيرا أيضا من ذلك. ثمّ جعل لحيي رأسه جلمين، و الجلم يقطع. و جعله بالأخبار هشّا مولعا، و جعل نعيبه و شحيجه كالخبر المفهوم.

862-[التشاؤم بالغراب‏]

قال: فالغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به في باب الشؤم. أ لا تراهم كلما ذكروا ممّا يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه! و قد يذكرون الغراب و لا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كلّ واحد من هذا الباب لا يمكنهم أن يتطيروا منه إلاّ من وجه واحد، و الغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدّم في الشؤم.

863-[دفاع صاحب الغراب‏]

قال صاحب الغراب: الغراب و غير الغراب في ذلك سواء. و الأعرابيّ إن شاء اشتقّ من الكلمة، و توهّم فيها الخير، و إن شاء اشتقّ منها الشرّ. و كلّ كلمة تحتمل وجوها.

و لذلك قال الشاعر: [من الطويل‏]

نظرت و أصحابي ببطن طويلع # ضحيّا و قد أفضى إلى اللّبب الحبل‏[2]

إلى ظبية تعطو سيالا تصوره # يجاذبها الأفنان ذو جدد طفل‏[3]

[1]ديوان عنترة 48، و الأول و الثاني في اللسان و التاج (بين) ، و الثاني في اللسان (حرق) ، و هو بلا نسبة في أساس البلاغة (حرق) ، و المخصص 1/73، و الجمهرة 519.

[2]طويلع: هضبة بمكة، و واد في طريق البصرة إلى اليمامة، و موضع بنجد. (معجم البلدان 4/51) .

الحبل: الرمل المستطيل. «القاموس: حبل» . اللبب: ما استرق من الرمل. «القاموس: لبب» .

[3]السيال: نبات له شوك أبيض طويل. «القاموس: سيل» . الجدد: الخطوط. «القاموس: جدد» .

212

فقلت و عفت: الحبل حبل وصالها # تجذّذ من سلماك و انصرم الحبل‏[1]

و قلت: سيال!قد تسلّت مودّتي # تصور غصونا!صار جثمانها يعلو[2]

و عفت الغرير الطّفل طفلا أتت به # فقلت لأصحابي: مضيّكم جهل

رجوعي حزم و امترائي ضلّة # كذلك كان الزّجر يصدقني قبل‏

و قال ابن قيس الرّقيّات‏[3]: [من الخفيف‏]

بشّر الظّبي و الغراب بسعدى # مرحبا بالذي يقول الغراب‏

و قال آخر[4]: [من الطويل‏]

بدا إذ قصدنا عامدين لأرضنا # سنيح فقال القوم: مرّ سنيح

وهاب رجال أن يقولوا و جمجموا # فقلت لهم: جار إليّ ربيح

عقاب بإعقاب من الدار بعد ما # مضت نيّة لا تستطاع طروح

و قالوا: دم!دامت مودّة بيننا # و عاد لنا غض الشباب صريح

و قال صحابي: هدهد فوق بأنة! # هدى و بيان في الطريق يلوح

و قالوا: حمامات!فحمّ لقاؤها # و طلح!فنيلت و المطيّ طليح‏

قالوا: فهو إذا شاء جعل الحمام من الحمام و الحميم و الحمى. و إن شاء قال:

«و قالوا حمامات فحمّ لقاؤها» و إذا شاء اشتق البين من البان. و إذا شاء اشتقّ منه البيان.

و قال آخر[5]: [من الطويل‏]

و قالوا: عقاب!قلت عقبى من الهوى # دنت بعد هجر منهم، و نزوح

و قالوا: حمامات!فحمّ لقاؤها # و عاد لنا حلو الشّباب ربيح

و قالوا: تغنّى هدهد فوق بانة! # فقلت: هدى نغدو به و نروح‏

و لو شاء الأعرابيّ أن يقول إذا رأى سواد الغراب: سواد سودد، و سواد الإنسان:

[1]عفت: من العيافة و الزجر. تجذذ: تقطع. «القاموس: جذذ» . سلماك: أي حبيبته سلمى.

[2]تصور: تقطع. «القاموس: صور» .

[3]ديوان ابن قيس الرقيات 84.

[4]الأبيات لأبي حية النميري 129-130، و الحماسة البصرية 2/188-189، و الأمالي 1/24، و زهر الآداب 523.

[5]الأبيات لأبي حية النميري. انظر مصادرها في الحاشية السابقة.

213

شخصه، و سواد العراق: سعف نخله، و الأسودان: الماء و التمر، و أشباه ذلك-لقاله.

قال: و هؤلاء بأعيانهم الذين يصرّفون الزّجر كيف شاءوا، و إذا لم يجدوا من وقوع شي‏ء بعد الزّجر بدّا-هم الذين إذا بدا لهم في ذلك بداء أنكروا الطّيرة و الزّجر البتّة.

864-[تطير النابغة]

و قد زعم الأصمعي أنّ النّابغة خرج مع زبّان بن سيّار يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة إذ نظر النّابغة و إذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطيّر و قال: غيري الذي خرج في هذا الوجه!فلما رجع زبّان من تلك الغزوة سالما غانما، قال‏[1]: [من الوافر]

تخبّر طيره فيها زياد # لتخبره و ما فيها خبير

أقام كأنّ لقمان بن عاد # أشار له بحكمته مشير

تعلّم أنّه لا طير إلاّ # على متطير و هو الثّبور

بلى شي‏ء يوافق بعض شي‏ء # أحايينا و باطله كثير

فزعم كما ترى زبّان-و هو من دهاة العرب و ساداتهم-أنّ الذي يجدونه إنّما هو شي‏ء من طريق الاتفاق، و قال: [من الوافر]

تعلّم أنّه لا طير إلا # على متطيّر و هو الثّبور

و هذا لا ينقض الأول من قوله: أمّا واحدة فإنه إن جعل ذلك من طريق العقاب للمتطير لم ينقض قوله في الاتفاق. و إن ذهب إلى أنّ مثل ذلك قد يكون و لا يشعر به اللاّهي عن ذلك و الذي لا يؤمن بالطيرة، فإنّ المتوقّع فهو في بلاء ما دام متوقعا. و إن وافق بعض المكروه جعله من ذلك.

865-[تطير ابن الزبير]

و يقال إنّ ابن الزبير لما خرج مع أهله من المدينة إلى مكّة، سمع بعض إخوته ينشد: [من الطويل‏]

و كلّ بني أمّ سيمسون ليلة # و لم يبق من أعيانهم غير واحد

[1]الأبيات لزبان بن سيّار في البيان 3/304-305، و البيتان الثالث و الرابع له في العمدة 2/262، و هما بلا نسبة في عيون الأخبار 1/146، و اللسان و التاج (طير) ، و الثالث بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (علم) ، و المخصص 3/29.

214

فقال لأخيه: ما دعاك إلى هذا؟قال: أما إني ما أردته!قال: ذلك أشدّ له.

و هذا منه إيمان شديد بالطيرة كما ترى.

866-[بعض من أنكر الطيرة]

و ممن كان لا يرى الطيرة شيئا المرقش. من بني سدوس، حيث قال‏[1]: [من مجزوء الكامل‏]

إني غدوت و كنت لا # أغدو على واق و حاتم

فإذا الأشائم كالأيا # من و الأيامن كالأشائم

فكذاك لا خير و لا # شرّ على أحد بدائم‏

قال سلامة بن جندل‏[2]: [من البسيط]

و من تعرّض للغربان يزجرها # على سلامته لا بدّ مشئوم‏

و ممن كان ينكر الطيرة و يوصي بذلك، الحارث بن حلزة، و هو قوله-قال أبو عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، و ليست إلا هذه الأبيات، و سائر القصيدة مصنوع مولد- و هو قوله‏[3]: [من السريع‏]

يا أيها المزمع ثم انثنى # لا يثنك الحازي و لا الشاحج

و لا قعيد أغضب قرنه # هاج له من مربع هائج

بينا الفتى يسعى و يسعى له # تاح له من أمره خالج

يترك ما رقّح من عيشه # يعيث فيه همج هامج

لا تكسع الشّول بأغبارها # إنك لا تدري من الناتج‏

و قال الأصمعي: قال سلم بن قتيبة: أضللت ناقة لي عشراء، و أنا بالبدو، فخرجت في طلبها، فتلقاني رجل بوجهه شين من حرق النار، ثم تلقّاني رجل آخذ بخطام بعيره، و إذا هو ينشد[4]: [من مجزوء الكامل‏]

فلئن بغيت لها البغا # ة فما البغاة بواجدينا

[1]تقدمت الأبيات مع تخريجها في الفقرة (856) ص 207-208.

[2]ديوان سلامة بن جندل 252، و البيت لعلقمة في ديوانه 67، و المفضليات 401، و أمالي المرتضى 1/578، و الحماسة البصرية 2/385.

[3]الأبيات في المفضليات 430، و البيان و التبيين 3/303-304، و البخلاء 164.

[4]البيت للبيد في ديوانه 323، و عيون الأخبار 1/145.

215

ثم من بعد هذا كلّه، سألت عنها بعض من لقيته. فقال لي: التمسها عند تلك النار. فأتيتهم فإذا همّ قد نتجوها حوارا[1]، و قد أوقدوا لها نارا فأخذت بخطامها و انصرفت.

867-[عدم إيمان النّظّام بالطيرة]

و أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام قال: جعت حتّى أكلت الطين، و ما صرت إلى ذلك حتّى قلبت قلبي أتذكّر: هل بها رجل أصيب عنده غداء أو عشاء، قما قدرت عليه، و كان علي جبّة و قميصان، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات، و قصدت إلى فرضة الأهواز، أريد قصبة الأهواز، و ما أعرف بها أحدا. و ما كان ذلك إلاّ شيئا أخرجه الضّجر و بعض التعرّض. فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة، فتطيّرت من ذلك. ثم إني رأيت سفينة في صدرها خرق و هشم فتطيرت من ذلك أيضا، و إذا فيها حمولة، فقلت للملاح: تحملني؟قال: نعم. قلت: ما اسمك؟ قال: «داوداذ» و هو بالفارسية الشّيطان، فتطيرت من ذلك. ثم ركبت معه، تصكّ الشمال وجهي، و تثير بالليل الصّقيع على رأسي. فلما قربنا من الفرصة صحت: يا حمّال!معي لحاف لي سمل، و مضربة خلق، و بعض ما لا بدّ لمثلي منه، فكان أول حمّال أجابني أعور فقلت لبقّار كان واقفا: بكم تكري ثورك هذا إلى الخان؟فلما أدناه من متاعي إذا الثّور أعضب القرن، فازددت طيرة إلى طيرة، فقلت في نفسي:

الرّجوع أسلم لي. ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين فقلت: و من لي بالموت؟!فلما صرت في الخان و أنا جالس فيه، و متاعي بين يديّ و أنا أقول: إن أنا خلفته في الخان و ليس عنده من يحفظه فشّ الباب و سرق، و إن جلست أحفظه لم يكن لمجيئي إلى الأهواز وجه. فبينا أنا جالس إذ سمعت قرع الباب، قلت: من هذا عافاك اللّه تعالى؟ قال: رجل يريدك، قلت: و من أنا؟قال: أنت إبراهيم. فقلت: و من إبراهيم؟قال:

إبراهيم النّظّام. قلت: هذا خنّاق، أو عدوّ، أو رسول سلطان!ثم إني تحاملت و فتحت الباب، فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز و يقول:

نحن و إن كنّا اختلفنا في بعض المقالة، فإنّا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق الإخلاق و الحرّيّة. و قد رأيتك حين مررت بي على حال كرهتها منك، و ما عرفتك حتى خبّرني عنك بعض من كان معي و قال: ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة.

[1]الحوار: ولد الناقة. «القاموس: حور» .

216

فإن شئت فأقم بمكانك شهرا أو شهرين، فعسى أن نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمنا من دهرك. و إن اشتهيت الرّجوع فهذه ثلاثون مثقالا، فخذها و انصرف، و أنت أحقّ من عذر.

قال: فهجم و اللّه عليّ أمر كاد ينقضني. أما واحدة: فأنّي لم أكن ملكت قبل ذلك ثلاثين دينارا في جميع دهري. و الثّانية: أنّه لم يطلع مقامي و غيبتي عن وطني، و عن أصحابي الذين هم على حال أشكل بي و أفهم عنّي. و الثّالثة: ما بيّن لي من أنّ الطيرة باطل؛ و ذلك أنّه قد تتابع عليّ منها ضروب، و الواحدة منها كانت عندهم معطبة.

قال: و على مثل ذلك الاشتقاق يعمل الذين يعبّرون الرّؤيا.

868-[ضروب من العجب في غربان البصرة]

و بالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات‏[1]: لكان عندهم من أجود الطّلّسم. و ذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف، فترى النّخل و بعضها مصرومة[2]، و على كلّ نخلة عدد كثير من الغربان، و ليس منها شي‏ء يقرب نخلة واحدة من النّخل الذي لم يصرم، و لو لم يبق عليها إلا عذق واحد. و إنّما أوكار جميع الطير المصوّت في أقلاب تلك النّخل، و الغراب أطير و أقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها، بعد أن يكون قد بقي عليها عذق واحد.

869-[منقار الغراب‏]

و منقار الغراب معول، و هو شديد النّقر. و إنّه ليصل إلى الكمأة المندفنة في الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها. و لهو أبصر بمواضع الكمأة من أعرابيّ يطلبها في منبت الإجردّ[3]و القصيص‏[4]، في يوم له شمس حارّة. و إن الأعرابيّ ليحتاج إلى أن [1]الشامات: بلاد الشام.

[2]صرم: قطع «القاموس: صرم» .

[3]الإجرد: نبت يدل على الكمأة، واحدته إجردّة، و قال النضر: الإجرد: بقل، يقال: له حب كأنه الفلفل. «اللسان: جرد» .

[4]القصيص: جمع قصيصة، و هي شجرة تنبت في أصلها الكمأة، و قد يجعل غسلا للرأس.

«اللسان: قصص» .

217

يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ و الانصداع، و ما يحتاج الغراب إلى دليل.

و قال أبو دؤاد الإياديّ‏[1]: [من البسيط]

تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها # نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا

و لو أنّ اللّه عزّ و جلّ أذن للغراب أن يسقط على النخلة و عليها الثّمرة لذهبت، و في ذلك الوقت لو أنّ إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لانتثر عامّة ما فيه، و لهلكت غلاّت الناس. و لكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومة الغربان الكثيرة، و لا ترى على التي تليها غرابا واحدا، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف و أصول الكرب‏[2]لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ‏[3]الشّوك.

870-[حوار في نفور الغربان من النخل‏]

فإن قال قائل: إنما أشباح تلك الأعذاق المدلاّة كالخرق السّود التي تفزع الطير أن يقع على البزور، و كالقودام السّود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من الإبل، لكيلا تسقط عليها الغربان. فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما يفزع الطير من الخرق السّود.

قال الآخر: قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السّود فلا يسقط على البزور، يقع كله على النخل و عليه الحمل، و هل لعامّة الطيّر و كور إلا في أقلاب النّخل ذوات الحمل.

قال الآخر: يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل و لا أعذاق، و هذا الطير الذي يفزع بالخرق السّود إنّما خلقت و نشأت في المواضع التي لم تزل ترى فيها النّخيل و الأعذاق. و لا نعرف لذلك علة سوى هذا.

قال الآخر: و كيف يكون الشأن كذلك و من الغربان غربان أوابد بالعراق فلا تبرح تعشّش في رءوس النّخل، و تبيض و تفرخ، إلاّ أنّها لا تقرب النّخلة التي يكون عليها الحمل.

[1]ديوان أبي دؤاد 308.

[2]الكرب: أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكتف؛ واحدتها كربة. «اللسان:

كرب» .

[3]المنتاخ: المنقاش، و النتخ: إخراج الشوك بالمنتاخ. «اللسان: نتخ» .

218

و الدّليل على أنها تعشش في نخل البصرة، و في رءوس أشجار البادية قول الأصمعيّ: [من المتقارب‏]

و من زردك مثل مكن الضّباب # يناوح عيدانه السيمكان‏[1]

و من شكر فيه عشّ الغراب # و من جيسران و بنداذجان‏[2]

و قال أبو محمد الفقعسيّ‏[3]، و هو يصف فحل هجمة[4]: [من الرجز]

يتبعها عدبّس جرائض # أكلف مربدّ هصور هائض‏[5]

بحيث يعتش الغراب البائض‏

871-[التطير و التفاؤل من الطير و النبات‏]

و العامّة تتطيّر من الغراب إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنّى تفاءلت به.

و البوم عند أهل الرّيّ و أهل مرو يتفاءل به، و أهل البصرة يتطيرون منه. و العربيّ يتطير من الخلاف، و الفارسي يتفاءل إليه، لأنّ اسمه بالفارسية «باذامك» أي يبقى، و بالعربية خلاف، و الخلاف غير الوفاق.

و الريحان يتفاءل به، لأنه مشتقّ من الرّوح، و يتطيّر منه لأن طعمه مرّ، و إن كان في العين و الأنف مقبولا.

و قال شاعر من المحدثين‏[6]: [من الكامل‏]

أهدى له أحبابه أترجّة # فبكى و أشفق من عيافة زاجر

[1]الزردك: الجزر، و هي كلمة فارسية. الضباب: جمع ضب. المكن: البيض.

[2]شكر النخل: كثرت فراخه، و شكير النخيل: هو الخوص الذي حول السعف، «اللسان: شكر» .

الجيسران: جنس من أفخر النخل؛ معرب «عيون الأخبار 3/297» .

[3]الرجز لأبي محمد الفقعسي في اللسان (بيض، جرض) ، و التاج (عشش، جرض) ، و كتاب الجيم 1/239، و بلا نسبة في اللسان (عشش) ، و التاج (بيض) ، و العين 1/69، و المقاييس 4/46، و المخصص 8/125، 16/127.

[4]الهجمة: من الإبل أولها أربعون إلى ما زادت، أو ما بين السبعين إلى المائة؛ أو إلى دوينها «القاموس: هجم» .

[5]جمل عدبس: شديد؛ وثيق الخلق؛ عظيم. «اللسان: عدبس» . الجرائض: الجمل الذي يحطم كل شي‏ء بأنيابه. «اللسان: جرض» . المربد: الذي لونه بين السواد و الغبرة. «اللسان: ربد» . الهصور:

الذي يأخذ طرف العود و يثنيه؛ و قيل للأسد هصور، لأنه يكسر و يميل. «اللسان: هصر» . هاض:

كسر «اللسان: هيض» .

[6]البيتان للعباس بن الأحنف في زهر الآداب 1017، و نهاية الأرب 11/83. ـ

219

متطيّرا ممّا أتاه، فطعمه # لونان باطنه خلاف الظّاهر

و الفرس تحبّ الآس‏[1]و تكره الورد، لأن الورد لا يدوم، و الآس دائم.

قال: و إذا صاح الغراب مرتين فهو شرّ، و إذا صاح ثلاث مرّات فهو خير، على قدر عدد الحروف.

872-[عداوة الحمار للغراب‏]

و يقال: إنّ بين الغراب و الحمار عداوة. كذا قال صاحب المنطق.

و أنشدني بعض النحويّين‏[2]: [من الرجز]

عاديتنا لا زلت في تباب # عداوة الحمار للغراب‏

873-[أمثال في الغراب‏]

و يقال: «أصحّ من غراب» . و أنشد ابن أبي كريمة لبعضهم، و هو يهجو صريع الغواني مسلم بن الوليد: [من الوافر]

فما ريح السّذاب أشدّ بغضا # إلى الحيّات منك إلى الغواني‏[3]

و أنشد: [من الوافر]

و أصلب هامة من ذي حيود # و دون صداعه حمى الغراب‏[4]

و زعم لي داهية من دهاة العرب الحوّائين، أنّ الأفاعي و أجناس الأحناش، تأتي أصول الشّيح و الحرمل، تستظل به، و تستريح إليه.

و يقال: «أغرب من غراب» . و أنشد قول مضرّس بن لقيط: [من الطويل‏]

كأني و أصحابي و كرّي عليهم # على كلّ حال من نشاط و من سأم

غراب من الغربان أيّام قرّة # رأين لحاما بالعراص على وضم‏[5]

874-[حديث الطيرة]

و قد اعترض قوم علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة و الفأل، [1]الآس: ضرب من الرياحين، و هو شجرة ورقها عطر «اللسان: أوس» .

[2]تقدم البيت في الفقرة (285) ، ص 281.

[3]البيت بلا نسبة في ربيع الأبرار 1/277.

[4]الحيود: ما شخص من نواحي الرأس. «القاموس: حيد» .

[5]الوضم: ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب أو حصير، و الجمع: أوضام. «القاموس: وضم» .

220

و زعموا أنّه ليس لقوله: «كان يعجبه الفأل الحسن و يكره الطيرة» [1]معنى. و قالوا:

إن كان ليس لقول القائل: يا هالك، و أنت باغ، وجه و لا تحقيق، فكذلك إذا قال: يا واجد، ليس له تحقيق، و ليس قوله يا مضلّ و يا مهلك، أحقّ بأن يكون لا يوجب ضلالا و لا هلاكا من قوله يا واجد، و يا ظافر، من ألاّ يكون يوجب ظفرا و لا وجودا.

فإمّا أنّ يكونا جميعا يوجبان، و إما أن يكونا جميعا لا يوجبان. قيل لهم: ليس التأويل ما إليه ذهبتم. لو أن النّاس أمّلوا فائدة اللّه عزّ و جلّ و رجوا عائدته، عند كلّ سبب ضعيف و قويّ، لكانوا على خير. و لو غلطوا في جهة الرّجاء لكان لهم بنفس ذلك الرّجاء خير. و لو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم و رجاءهم من اللّه تعالى، لكان ذلك من الشرّ و الفأل، أن يسمع كلمة في نفسها مستحسنة. ثمّ إن أحبّ بعد ذلك أو عند ذلك أنّ يحدث طمعا فيما عند اللّه تعالى، كان نفس الطمع خلاف اليأس.

و إنما خبّر أنّه كان يعجبه. و هذا إخبار عن الفطرة كيف هي، و عن الطبيعة إلى أيّ شي‏ء تتقلب.

و قد قيل لبعض الفقهاء[2]: ما الفأل؟قال: أن تسمع و أنت مضلّ: يا واجد، و أنت خائف: يا سالم. و لم يقل إنّ الفأل يوجب لنفسه السلامة. و لكنّهم يحبّون له إخراج اليأس و سوء الظن و توقّع البلاء من قلبه على كل حال-و حال الطيرة حال من تلك الحالات-و يحبون أن يكون لله راجيا، و أن يكون حسن الظن. فإن ظنّ أن ذلك المرجوّ يوافق بتلك الكلمة ففرح بذلك فلا بأس.

875-[تطير بعض البصريين‏]

و قال الأصمعيّ‏[3]: هرب بعض البصريين من بعض الطّواعين، فركب و مضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه، و هو يقول: [من الرجز]

لن يسبق اللّه على حمار # و لا على ذي ميعة مطّار[4]

أو يأتي الحين على مقدار # قد يصبح اللّه أمام السّاري‏

فلما سمع ذلك رجع بهم.

[1]في النهاية 3/405 (أنه كان يتفاءل و لا يتطير) .

[2]هو ابن عون، كما في عيون الأخبار 1/146.

[3]الخبر مع الشعر في زهر الآداب 1066، و البيان 3/278، و عيون الأخبار 1/144، و محاضرات الأدباء 2/225. و أمالي المرتضى 4/112.

[4]المطار: السريع الجري.

221

876-[معرفة في الغربان‏]

قال: و الغربان تسقط في الصحارى تلتمس الطّعم، و لا تزال كذلك، فإذا وجبت‏[1]الشمس نهضت إلى أوكارها معا. و ما أقلّ ما تختلط البقع بالسّود المصمتة.

877-[الأنواع الغريبة من الغربان‏]

قال: و منها أجناس كثيرة عظام كأمثال الحداء السّود، و منها صغار. و في مناقيرها اختلاف في الألوان و الصور. و منها غربان تحكي كلّ شي‏ء سمعته، حتى إنها في ذلك أعجب من الببغاء. و ما أكثر ما يتخلّف منها عندنا بالبصرة في الصيف، فإذا جاء القيظ قلّت. و أكثر المتخلّفات منها البقع. فإذا جاء الخريف رجعت إلى البساتين، لتنال مما يسقط من التمر في كرب النّخل و في الأرض، و لا تقرب النّخلة إذا كان عليها عذق واحد، و أكثر هذه الغربان سود، و لا تكاد ترى فيهنّ أبقع.

878-[قبح فرخ الغراب‏]

و قال الأصمعيّ: قال خلف: لم أر قطّ أقبح من فرخ الغراب!رأيته مرّة فإذا هو صغير الجسم، عظيم الرأس، عظيم المنقار، أجرد أسود الجلد، ساقط النفس، متفاوت الأعضاء.

879-[غربان البصرة]

قال: و بعضها يقيم عندنا في القيظ. فأمّا في الصّيف فكثير. و أمّا في الخريف فالدّهم. و أكثر ما تراه في أعالي سطوحنا في القيظ و الصيف البقع. و أكثر ما تراه في الخريف في النخل و في الشتاء في البيوت السّود.

و في جبل تكريت‏[2]في تلك الأيّام، غربان سود كأمثال الحداء السّود عظما.

880-[تسافد الغربان‏]

و ناس يزعمون أنّ تسافدها على غير تسافد الطير، و أنّها تزاقّ بالمناقير، و تلقح من هناك.

[1]وجبت الشمس: سقطت للمغيب. «اللسان: وجب» .

[2]تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد و الموصل. معجم البلدان 2/38.

222

881-[نوادر و أشعار]

نذكر شيئا من نوادر و أشعار و شيئا من أحاديث، من حارّها و باردها.

قال ابن نجيم: كان ابن ميّادة يستحسن هذا البيت لأرطأة بن سهيّة[1]: [من الطويل‏]

فقلت لها يا أمّ بيضاء إنّه # هريق شبابي و استشنّ أديمي‏

صار شنّا.

و كان الأصمعي يستحسن قول الطرمّاح بن حكيم، في صفة الظّليم‏[2]: [من الكامل‏]

مجتاب شملة برجد لسراته # قدرا و أسلم ما سواه البرجد[3]

و يستحسن قوله في صفة الثّور[4]: [من الكامل‏]

يبدو و تضمره البلاد كأنّه # سيف على شرف يسلّ و يغمد

و كان أبو نواس يستحسن قول الطّرماح‏[5]: [من الطويل‏]

إذا قبضت نفس الطّرماح أخلقت # عرى المجد و استرخى عنان القصائد

و قال كثير[6]: [من الطويل‏]

إذا المال يوجب عليك عطاؤه # صنيعة برّ أو خليل توامقه

منعت و بعض المنع حزم و قوّة # فلم يفتلتك المال إلاّ حقائقه‏

و قال سهل بن هارون؛ يمدح يحيى بن خالد[7]: [من الطويل‏]

عدوّ تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما

[1]البيت لأرطأة بن سهية في العمدة 1/274، و لأبي حية النميري في ديوانه 194، و اللسان و التاج (شنن) ، و للطرماح في ديوانه 319.

[2]ديوان الطرماح 144 (114) ، و المعاني الكبير 328، و ربيع الأبرار 5/453.

[3]في ديوانه: (مجتاب: لابس. البرجد: كساء ضخم مخطط فيه سواد و بياض، شبّه ريش الظليم به) .

[4]ديوان الطرماح 146 (117) ، و أساس البلاغة (ضمر) ، و ديوان المعاني 2/131، و الأغاني 6/95، و العمدة 1/260.

[5]ذيل ديوان الطرماح 311، و البيان 1/46.

[6]ديوان كثير 309، و اللسان و التاج (فلذ) ، و أمالي المرتضى 2/261، و بلا نسبة في أساس البلاغة (فلذ) ، و ديوان الأدب 2/400.

[7]البيت له في البيان 3/352، و البخلاء 14، و زهر الآداب 616، و لكثير في العقد الفريد 6/192.

223

قال: و كان ربعيّ بن الجارود يستحسن قوله: [من الوافر]

فخير منك من لا خير فيه # و خير من زيارتك القعود

و قال الأعشى‏[1]: [من البسيط]

قد نطعن العير في مكنون فائله # و قد يشيط على أرماحنا البطل

لا تنتهون و لن ينهى ذوي شطط # كالطّعن يذهب فيه الزّيت و الفتل‏

و قال العلاء بن الجارود[2]: [من مجزوء الرمل‏]

أظهروا للنّاس نسكا # و على المنقوش داروا

و له صاموا و صلّوا # و له حجّوا و زاروا

و له قاموا و قالوا # و له حلّوا و ساروا

لو غدا فوق الثريّا # و لهم ريش لطاروا

و قال الآخر في مثل ذلك‏[3]: [من الكامل‏]

شمر ثيابك و استعدّ لقابل # و احكك جبينك للقضاء بثوم

و امش الدّبيب إذا مشيت لحاجة # حتى تصيب وديعة ليتيم‏

و قال أبو الحسن: كان يقال: «من رقّ وجهه رقّ علمه» .

و قال عمر: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» [4].

و قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، و كسبت بالملح» [5].

و من الأشعار الطيبة قول الشاعر في السمك و الخادم‏[6]: [من الخفيف‏]

مقبل مدبر خفيف ذفيف # دسم الثّوب قد شوى سمكات‏

[1]ديوان الأعشى 113، و الأول في اللسان و التاج (شيط، فيل) ، و أساس البلاغة (شيط) ، و شرح المفصل 5/64، و الثاني في اللسان (دنا) ، و الخزانة 9/453، 10/170، و المقاصد النحوية 3/291، و عمدة الحفاظ و أساس البلاغة (فتل) ، و بلا نسبة في الخصائص 2/386، و المقتضب 4/141.

[2]الأبيات لمحمود الوراق في العقد الفريد 2/141، 4/337.

[3]البيتان لمساور الوراق في الأغاني 18/150، و البيان 3/105، و العقد 3/216، 6/366.

[4]ورد قول عمر بن الخطاب في النهاية 2/418.

[5]ورد قول الأصمعي في البيان 1/199، 243.

[6]البيتان بلا نسبة في اللسان و التاج (شبط) .

224

من شبابيط لجة ذات غمر # حدب من شحومها زهمات‏[1]

ففكّر فيهما فإنّهما سيمتعانك ساعة.

و قال الشاعر[2]: [من الكامل‏]

إن أجز علقمة بن سيف سعيه # لا أجزه ببلاء يوم واحد

لأحبّني حبّ الصبيّ و رمّني # رمّ الهديّ إلى الغنيّ الواجد

و لقد شفيت غليلتي و نقعتها # من آل مسعود بماء بارد

و قال رجل من جرم‏[3]: [من الطويل‏]

نبئت أخوالي أرادوا عمومتي # بشنعاء فيها ثامل السّمّ منقعا

سأركبها فيكم و أدعى مفرّقا # و إن شئتم من بعد كنت مجمّعا

882-[أحاديث مستحسنة]

و قال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاء شيئا قطّ إلاّ و قد برد، و لا أكلت في صيف شيئا إلاّ و قد سخن.

و قال أبو عمرو المدينيّ: لو كانت البلايا بالحصص، ما نالني كما نالني:

اختلفت الجارية بالشاة إلى التّيّاس اختلافا كثيرا، فرجعت الجارية حاملا و الشاة حائلا.

و قال جعفر بن سعيد[4]: الخلاف موكّل بكلّ شي‏ء يكون، حتى القذاة في الماء في رأس الكوز، فإن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، و إن أردت أن تصبّ من رأس الكوز لتخرج رجعت.

883-[حديث أبي عمران و إسماعيل بن غزوان‏]

و قال إسماعيل بن غزوان: بكرت اليوم إلى أبي عمران، فلزمت الجادّة، [1]زهمات: سمينات «اللسان: زهم» .

[2]الأبيات للمرناق الطائي في معجم الشعراء 446، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1590، و بلا نسبة في البيان 3/233، و البيت الثاني لفدكي بن أعبد في اللسان و التاج (لمم) .

[3]البيتان لقيس بن رفاعة في الوحشيات 60، و معجم الشعراء 197، و الأشباه و النظائر للخالديين 1/123.

[4]الخبر في ثمار القلوب 494 (880) ، و ربيع الأبرار 1/230.

225

فاستقبلني واحد فلزم الجادّة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفت عنه يمنة فانحرف معي، فعدت إلى سمتي فعاد، فعدت فعاد ثمّ عدت فعاد. فلو لا أنّ صاحب برذون فرّق بيننا لكان إلى الساعة يكدّني. فدخلت على أبي عمران فدعا بغدائه، فأهويت بلقمتي إلى الصّباغ فأهوى إليه بعضهم، فنحّيت يدي فنحّى يده، ثمّ عدت فعاد، ثمّ نحيت فنحّى، فقلت لأبي عمران: أ لا ترى ما نحن فيه؟قال سأحدّثك بأعجب من هذا، أنا منذ أكثر من سنة أشفق أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم يتّفق لي أن يراني مرّة واحدة، فلما أن كان أمس ذكرت لأبي الحارث الصّنع في السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمس أربع مرّات!

884-[نوادر من الكلام البليغ‏]

و ذكر محمّد بن سلام، عن محمّد بن القاسم قال: قال جرير: أنّا لا أبتدي و لكنّي أعتدي‏[1].

و قال أبو عبيدة: قال الحجّاج: أنا حديد حقود حسود![2] قال: و قال قديد بن منيع، لجديع بن عليّ: لك حكم الصبيّ على أهله![3] و قال أبو إسحاق-و ذكر إنسانا[4]-: هو و اللّه أترف من ربيب ملك‏[5]، و أخرق من امرأة[6]، و أظلم من صبي‏[7].

و قال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النّظام. قلت:

و كيف؟قال: مرّ بي يوما فقلت: و اللّه لأمتحننّه، و لأسمعنّ كلامه؛ فقلت له: ما عيب الزّجاج-قال: يسرع إليه الكسر، و لا يقبل الجبر-من غير أن يكون فكّر أو ارتدع! [1]البيان 3/165.

[2]البيان 3/255.

[3]ثمار القلوب 538 (949) .

[4]انظر البيان 1/247، و رسائل الجاحظ 1/196.

[5]الدرة الفاخرة 2/445، و المثل برواية: (أترف من ربيب نعمة) في مجمع الأمثال 1/150، و الدرة الفاخرة 1/97، و المستقصى 1/34، و جمهرة الأمثال 1/286.

[6]المثل برواية (أخرق من أمة) ، و برواية (أخرق من صبي) في المستقصى 1/99، و جمهرة الأمثال 1/431.

[7]مجمع الأمثال 1/446، و المستقصى 1/234، و جمهرة الأمثال 2/27، و الدرة الفاخرة 1/293.

226

قال: و قال جبّار بن سلمى بن مالك-و ذكر عامر بن الطفيل فقال‏[1]: كان لا يضل حتّى يضلّ النّجم، و لا يعطش حتّى يعطش البعير و لا يهاب حتّى يهاب السيل، كان و اللّه خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا.

و قال ابن الأعرابيّ: قال أعرابي‏[2]: اللهمّ لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء! يقول: يدعوني قلّته إلى منعه.

و قال محمّد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إنّ الأحنف كان يكره الصّلاة في المقصورة، فقال له بعض القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في المقصورة؟قال: و أنت لم لا تصلّي فيها؟قال: لا أترك.

و هذا الكلام يدل على ضروب من الخير كثيرة.

و دخل عبد اللّه بن الحسن على هشام في ثياب سفره، فقال: اذكر حوائجك.

فقال عبد اللّه: ركابي مناخة، و عليّ ثياب سفري!فقال: إنّك لا تجدني خيرا منّي لك الساعة.

قال أبو عبيدة[3]: بلغ عمر بن عبد العزيز قدوم عبد اللّه بن الحسن، فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعين الشام، و إنّك لا تغنم أهلك خيرا لهم منك فالحق بهم، فإنّ حوائجهم ستسبقك.

و كان ظاهر ما يكلّمونه به و يرونه إيّاه جميلا مذكورا، و كان معناهم الكراهة لمقامه بالشام، و كانوا يرون جماله، و يعرفون بيانه و كماله فكان ذلك العمل من أجود التدبير فيه عند نفسه.

885-[شعر في الزهد و الحكمة]

و أنشد: [من الطويل‏]

تليح من الموت الذي هو واقع # و للموت باب أنت لا بدّ داخله‏[4]

و قال آخر: [من الوافر]

أكلكم أقام على عجوز # عشنزرة مقلّدة سخابا[5]

[1]البيان 1/54، و الأغاني 17/61.

[2]البيان 1/405، 2/283، 3/269.

[3]ثمار القلوب 435 (789) .

[4]تليح: تخاف «القاموس: ليح» . و انظر مجالس ثعلب 349.

[5]العشنزرة: الشديدة الخلق العظيمة من كل شي‏ء. «القاموس: عشنزر» . السّخاب: القلادة من سكّ و قرنفل و محلب بلا جوهر. «القاموس: سخب» . ـ

227

و قال آخر[1]: [من البسيط]

الموت باب و كل الناس داخله # فليت شعري بعد الباب ما الدّار

لو كنت أعلم من يدري فيخبرني # أجنّة الخلد مأوانا أم النّار

و قال آخر[2]: [من الكامل‏]

اصبر لكلّ مصيبة و تجلّد # و اعلم بأنّ المرء غير مخلّد

فإذا ذكرت مصيبة تشجى بها # فاذكر مصابك بالنبيّ محمد

و قال آخر: [من مجزوء الكامل‏]

و الشمس تنعى ساكن الـ # دّنيا و يسعدها القمر

أين الذين عليهم # ركم الجنادل و المدر

أفناهم غلس العشا # ء يهزّ أجنحة السّحر

ما للقلوب رقيقة # و كأنّ قلبك من حجر

و لقلّما تبقى و عو # دك كلّ يوم يهتصر

و قال زهير[3]: [من الطويل‏]

و من يوف لا يذمم و من يفض قلبه # إلى مطمئن البرّ لا يتجمجم

و من يغترب يحسب عدوّا صديقه # و من لا يكرّم نفسه لا يكرّم

و مهما تكن عند امرئ من خليقة # و إن خالها تخفى على النّاس تعلم

و من لا يزل يسترحل النّاس نفسه # و لا يعفها يوما من الذّمّ يندم‏

و قال زهير أيضا[4]: [من البسيط]

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا # ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا

[1]البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 141، و البيت الأول في الأغاني 21/305 تمثل به الحسن البصري.

[2]البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 110-111.

[3]الأبيات من معلقته في ديوانه 36-37، و الأول في اللسان (جمم، فضا) ، و التاج (كشح، كنن) ، و الثاني في اللمع 215، و عجزه لأبي المثلم الهذلي في اللسان (كرم) ، و الثالث في الدرر 4/184، 5/82، و شرح شواهد المغني 386، 738، 743، و بلا نسبة في الهمع 2/35، 58، و مغني اللبيب 330، و الرابع في اللسان و التاج (رحل) ، و التهذيب 5/8.

[4]ديوان زهير 51، و عيون الأخبار 1/190، و اللسان (وصل) ، و التهذيب 1/253، و العين 5/168، و المقاييس 4/160، و بلا نسبة في اللسان (عنق) .

228

و قال‏[1]: [من الوافر]

و جار البيت و الرّجل المنادي # أمام الحيّ عقدهما سواء[2]

جوار شاهد عدل عليكم # و سيّان الكفالة و التّلاء[3]

فإن الحقّ مقطعه ثلاث: # يمين، أو نفار، أو جلاء

فتفهّم هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصّلها هذا الأعرابيّ! و قال أيضا[4]: [من الطويل‏]

فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت # و لكنّ حمد المرء ليس بمخلد

و لكنّ منه باقيات وراثة # فأورث بنيك بعضها و تزوّد

تزوّد إلى يوم الممات فإنّه # و إن كرهته النّفس آخر معهد

و قال الأسديّ‏[5]: [من الطويل‏]

فإني أحبّ الخلد لو أستطيعه # و كالخلد عندي أن أموت و لم ألم‏

و قال الحادرة[6]: [من الطويل‏]

فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم # بإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد

و قال الغنوي‏[7]: [من الكامل‏]

فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا # و من الحديث مهالك و خلود

[1]الأبيات من القصيدة الثالثة في ديوانه، و ترتيب الأبيات فيه (56، 45، 42) و هي في الصفحات 70، 67، 66، و البيت الثاني في اللسان و التاج (تلا) ، و أساس البلاغة (تلو) ، و التهذيب 14/318، و بلا نسبة في المخصص 6/84، و الثالث في اللسان و التاج (نفر، قطع، جلا) ، و التهذيب 1/194، 11/185، و المخصص 12/200، 16/29، و العين 1/138، 8/268، و عيون الأخبار 1/67.

[2]في ديوانه: (المنادي: المجالس، من النادي و الندي) .

[3]في ديوانه: (التلاء: الحوالة، قال أبو عبيدة: التلاء: أن يكتب على سهم أو قدح فلان جار فلان، يقال أتله سهما. و قد أتليته ذمة أي: أعطيته ذمة.

[4]البيتان (1-2) في ديوانه 170، و الثالث فيه 164، و الأول في شرح شواهد المغني 2/642، و الدرر 5/101، و بلا نسبة في الهمع 2/66، و مغني اللبيب 1/256، و الثالث في اللسان (بضع) ، و التاج (غفر، بضع) ، و أساس البلاغة (غفر) .

[5]البيت في البيان 3/320، و رسائل الجاحظ 1/304.

[6]ديوان الحادرة 73، و البيان 1/320، و الوساطة 340، و بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/304، و عيون الأخبار 1/161.

[7]البيت للغنوي في رسائل الجاحظ 1/304، و عيون الأخبار 1/161، و لأبي بن هريم في ديوان الحادرة 73.

229

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

فقتلا بتقتيل و عقرا بعقركم # جزاء العطاس لا يموت من اتّأر

و قال زهير[2]: [من المنسرح‏]

و الإثم من شرّ ما تصول به # و البرّ كالغيث نبته أمر[3]

أي كثير. و لو شاء أن يقول:

و البرّ كالماء نبته أمر

استقام الشعر، و لكن كان لا يكون له معنى، و إنّما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود. ثمّ قال‏[4]: [من المنسرح‏]

قد أشهد الشّارب المعذّل لا # معروفه منكر و لا حصر[5]

في فتية ليّني المآزر لا # ينسون أحلامهم إذا سكروا[6]

يشوون للضّيف و العفاة و يو # فون قضاء إذا هم نذروا[7]

يمدح كما ترى أهل الجاهليّة بالوفاء بالنّذور أنشدني حبّان بن عتبان، عن أبي عبيدة، من الشّوارد التي لا أرباب لها، قوله‏[8]: [من مجزوء الكامل‏]

إن يغدروا أو يفجروا # أو يبخلوا لم يحفلوا

يغدوا عليك مرجّليـ # ن كأنّهم لم يفعلوا

كأبي براقش كلّ يو # م لونه يتخيّل‏

[1]البيت للمهلهل في البيان 3/320، و التهذيب 11/145، و بلا نسبة في المقاييس 4/79، و رسائل الجاحظ 1/304.

[2]ديوان زهير 230، و أمالي القالي 1/103.

[3]في ديوانه: (أمر: كثير يزداد) .

[4]انظر الحاشية قبل السابقة.

[5]في ديوانه: (المعذل: الملوّم. حصر: ضيّق) .

[6]في ديوانه: (ليّني: أي أنهم ملوك، ليست ثيابهم بغلاظ جافية، لا ينسون أحلامهم: أراد أنهم حلماء لا يجهلون و لا يسفهون) .

[7]في ديوانه: (العفاة: الذين يأتونه و يطلبون ما عنده) .

[8]الأبيات لبعض بني أسد في الخزانة 9/91، و الكتاب 3/87، و شرح المفصل 1/36، و اللسان و التاج (برقش) ، و بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/338، و البيان 3/333، و عيون الأخبار 2/29، و ديوان المعاني 1/182، و ذيل الأمالي 83، و ثمار القلوب (394) ، و شرح أبيات سيبويه 2/206، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 515، و الثالث في أساس البلاغة (برقش، خيل) ، و التنبيه و الإيضاح 2/312.

230

و قال الصّلتان السعديّ، و هو غير الصّلتان العبديّ‏[1]: [من المتقارب‏]

أشاب الصغير و أفنى الكبيـ # ر كرّ الغداة و مرّ العشي

إذا ليلة هرّمت يومها # أتى بعد ذلك يوم فتي

نروح و نغدو لحاجاتنا # و حاجة من عاش لا تنقضي

تموت مع المرء حاجاته # و تبقى له حاجة ما بقي

إذا قلت يوما لدى معشر # أروني السّريّ أروك الغني

أ لم تر لقمان أوصى بنيـ # ه و أوصيت عمرا فنعم الوصي

و سرّك ما كان عند امرئ # و سرّ الثّلاثة غير الخفي‏

أنشدني محمّد بن زياد الأعرابيّ: [من الطويل‏]

و لا تلبث الأطماع من ليس عنده # من الدّين شي‏ء أن تميل به النّفس

و لا يلبث الدّحس الإهاب تحوزه # بجمعك أن ينهاه عن غيرك الترس‏[2]

و أنشدني أبو زيد النحويّ لبعض القدماء[3]: [من الطويل‏]

و مهما يكن ريب المنون فإنّني # أرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى

يعود ضئيلا ثم يرجع دائبا # و يعظم حتّى قيل قد ثاب و استوى

كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه # و تكراره في إثره بعد ما مضى‏

و قال أبو النّجم‏[4]: [من الرجز]

ميّز عنه قنزعا من قنزع # مرّ اللّيالي أبطئي و أسرعي

أفناه قيل اللّه للشّمس اطلعي # ثمّ إذا واراك أفق فارجعي‏

و قال عمرو بن هند[5]: [من الطويل‏]

و إن الذي ينهاكم عن طلابها # يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد

[1]الأبيات للصلتان العبدي و ليست للسعدي كما صرح الجاحظ و هي في معجم الشعراء 49، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1210، و عيون الأخبار 3/132، و الشعر و الشعراء 316، و العقد الفريد 2/123، و معاهد التنصيص 1/74، و السمط 532، 766.

[2]الدحس: الفساد. «القاموس: دحس» .

[3]الأبيات لحسان السعدي في نوادر أبي زيد 111-112، و لحنظلة بن أبي عفراء الطائي في معجم البلدان 2/506 (دير حنظلة) ، و لبعض شعراء طي‏ء في أمالي المرتضى 2/76.

[4]ديوان أبي النجم 133، و اللسان (قرن، قنزع) ، و بلا نسبة في التهذيب 9/94، و المخصص 1/71، و الجمهرة 815، 1154، و خلق الإنسان 75.

[5]البيتان لعمرو بن عبد هند في البيان 3/34، و لعبد هند بن زيد التغلبي في الوحشيات 19.

231

يعلّل و الأيّام تنقص عمره # كما تنقص النّيران من طرف الزّند

و قال ابن ميّادة[1]: [من البسيط]

هل ينطق الرّبع بالعلياء غيّره # سافي الرّياح و مستنّ له طنب‏[2]

و قال أبو العتاهية[3]: [من الرجز]

أسرع في نقص امرئ تمامه‏

و قال‏[4]: [من الخفيف‏]

و لمرّ الفناء في كلّ شي‏ء # حركات كأنّهنّ سكون‏

و قال ابن ميّادة[5]: [من الطويل‏]

أشاقك بالقنع الغداة رسوم # دوارس أدنى عهدهنّ قديم

يلحن و قد جرّ من عشرين حجّة # كما لاح في ظهر البنان و شوم‏

و قال آخر[6]: [من البسيط]

في مرفقيها إذا ما عونقت جمم # على الضّجيع و في أنيابها شنب‏[7]

و قال ابن ميّادة في جعفر و محمد ابني سليمان، و هو يعني أمير المؤمنين المنصور[8]: [من الطويل‏]

و فى لكما يا ابني سليمان قاسم # بجدّ النّهى إذ يقسم الخير قاسمه

فبيتكما بيت رفيع بناؤه # متى يلق شيئا محدثا فهو هادمه

لكم كبش صدق شذّب الشّول عنكم # و كسّر قرني كلّ كبش يصادمه‏[9]

[1]ديوان ابن ميادة 57، و الأغاني 2/304.

[2]في ديوانه: (استن المطر: أي انصب. الطنب: هو في الأصل حبل الخباء و السرادق، و هو هنا كناية عن غزارة المطر) .

[3]ديوان أبي العتاهية 636، و عيون الأخبار 2/322، و السمط 104، و الرسالة الموضحة 109، و البيان 1/154، و الأشباه و النظائر للخالديين 1/39، و العقد الفريد 3/58.

[4]ديوان أبي العتاهية 374.

[5]البيت لابن ميادة أو لمزاحم العقيلي في ديوان ابن ميادة 251، و لمزاحم في ديوانه 20، و معجم البلدان 4/407 (قنع) ، و التاج (قنع) .

[6]البيت لابن ميادة في ديوانه 58، و الأغاني 2/304.

[7]في ديوانه: (الجمم: كثرة اللحم. الشنب: رقة و عذوبة في الأسنان) .

[8]ديوان ابن ميادة 224-225.

[9]في ديوانه: (شذب: طرد. الشول من الإبل: التي نقصت ألبانها) .

232

باب في من يهجى و يذكر بالشؤم‏

قال دعبل بن عليّ، في صالح الأفقم-و كان لا يصحب رجلا إلاّ مات أو قتل، أو سقطت منزلته‏[1]-: [من الكامل‏]

قل للأمين أمين آل محمّد # قول امرئ شفق عليه محام

إيّاك أن تغترّ عنك صنيعة # في صالح بن عطيّة الحجّام

ليس الصّنائع عنده بصنائع # لكنهنّ طوائل الإسلام

اضرب به نحر العدوّ فإنّه # جيش من الطاعون و البرسام‏

و قال محمد بن عبد اللّه في محمد بن عائشة: [من مجزوء الرمل‏]

للهلاليّ قتيل # أبدا في كلّ عام

قتل الفضل بن سهل # و عليّ بن هشام

و عجيفا آخر القو # م بأكناف الشآم

و غدا يطلب من يقـ # تل بالسّيف الحسام

فأعاذ اللّه منه # أحمدا خير الأنام‏

يعني أحمد بن أبي دؤاد.

و قال عيسى بن زينب في الصخري، و كان مشئوما: [من السريع‏]

يا قوم من كان له والد # يأكل ما جمّع من وفر

فإنّ عندي لابنه حيلة # يموت إن أصحبه الصخري

كأنما في كفّه مبرد # يبرد ما طال من العمر

887-[شعر في مديح و هجاء]

و قال الأعشى‏[2]: [من المتقارب‏]

فما إن على قلبه غمرة # و ما إن بعظم له من وهن‏

[1]الأبيات في الأغاني 20/157، و الأبيات قالها في صالح بن عطية الأضجم الذي كان من أقبح الناس وجها.

[2]ديوان الأعشى 69، و بلا نسبة في اللسان و التاج (وهن) ، و العين 4/92، و التهذيب 6/444.

233

و قال الكميت‏[1]: [من المنسرح‏]

و لم يقل عند زلّة لهم # كرّوا المعاذير إنّما حسبوا

و قال آخر[2]: [من الطويل‏]

فلا تعذراني في الإساءة إنّه # شرار الرّجال من يسي‏ء فيعذر

و قال العتّابي‏[3]: [من الكامل‏]

رحل الرّجاء إليك مغتربا # حشدت عليه نوائب الدّهر

ردّت عليك ندامتي أملي # و ثنى إليك عنانه شكري

و جعلت عتبك عتب موعظة # و رجاء عفوك منتهى عذري‏

و قال أعشى بكر[4]: [من المنسرح‏]

قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا # الإفضال و الشّي‏ء حيث ما جعلا

و الشّعر يستنزل الكريم كما اسـ # تنزل رعد السّحابة السّبلا

لو كنت ماء عدّا جممت إذا # ما ورد القوم لم تكن و شلا[5]

أنجب آباؤه الكرام به # إذ نجلاه فنعم ما نجلا

استأثر اللّه بالبقاء و بالحمـ # د و ولّى الملامة الرّجلا

و قال الكذّاب الحرمازيّ لقومه، أو لغيرهم‏[6]: [من الرجز]

لو كنتم شاء لكنتم نقدا # أو كنتم ماء لكنتم ثمدا[7]

أو كنتم قولا لكنتم فندا[8]

[1]البيت في شرح القصائد الهاشميات 57 (ضمن كتاب الروضة المختارة) ، و البيان 1/198.

[2]البيت في أدب الدنيا و الدين للماوردي 31، و تقدم في الفقرة 607.

[3]ديوان العتابي 72، و عيون الأخبار 1/100، و طبقات ابن المعتز 263.

[4]ديوان الأعشى 285.

[5]الوشل: القليل. «القاموس: وشل» .

[6]الرجز للّعين المنقري في الأزمنة و الأمكنة 2/277، و بلا نسبة في التاج (غرد، قرد) ، و الأضداد 405، و الأشباه و النظائر للخالديين 2/164، و مجمع الأمثال 1/284، و المستقصى 1/131، و الفاخر 30، و الدرة الفاخرة 205، و جمهرة الأمثال 1/469، و ثمار القلوب (568) .

[7]النقد: جنس من الغنم قبيح الشكل. «القاموس: نقد» . ثمد: ماء قليل. «القاموس: ثمد» .

[8]الفند: الكذب. «القاموس: فند» .

234

و قال الأعشى في الثياب‏[1]: [من الخفيف‏]

فعلى مثلها أزور بني قيـ # س إذا شطّ بالحبيب الفراق

المهينين ما لهم في زمان السّ # وء حتّى إذا أفاق أفاقوا

و إذا ذو الفضول ضنّ على المو # لى و صارت لخيمها الأخلاق‏[2]

و مشى القوم بالعماد إلى الرّز # حى و أعيا المسيم أين المساق‏[3]

أخذوا فضلهم هناك و قد تجـ # ري على عرقها الكرام العتاق

و إذا الغيث صوبه وضع القد # ح و جنّ التّلاع و الآفاق

لم يزدهم سفاهة شرب الخمـ # ر و لا اللّهو فيهم و السّباق

واضعا في سراة نجران رحلي # ناعما غير أنني مشتاق

في مطايا أربابهنّ عجال # عن ثواء و همّهنّ العراق

درمك غدوة لنا و نشيل # و صبوح مباكر و اغتباق‏[4]

و ندامى بيض الوجوه كأنّ الشّ # رب منهم مصاعب أفناق‏[5]

فيهم الخصب و السّماحة و النجـ # دة جمعا و الخاطب المسلاق‏[6]

و أبيّون لا يسامون ضيما # و مكيثون و الحلوم وثاق‏[7]

و ترى مجلسا يغصّ به المحـ # راب بالقوم و الثّياب رقاق‏

و قال أيضا[8]في الثّياب: [من المتقارب‏]

أزور يزيد و عبد المسيح # و قيسا هم خير أربابها

و كعبة نجران حتم عليـ # ك حتّى تناخي بأبوابها

إذا الحبرات تلوّت بهم # و جرّوا أسافل هدّابها

[1]ديوان الأعشى 263-265.

[2]الخيم: السجية «القاموس: خيم» .

[3]العماد: الأخبية. الرزحى: النوق الهزال. المسيم: راعي الإبل.

[4]الدرمك: الذي يدرمك حتى يكون دقاقا من كل شي‏ء الدقيق و الكحل و غيرهما. «اللسان:

درمك» . النشيل: ما نشل من لحم القدر بمائه. «اللسان: نشل» .

[5]الأفناق: جمع فنيق، و هو الفحل من الإبل. «اللسان: فنق» .

[6]الخطيب المسلاق: البليغ. «القاموس: سلق» .

[7]المكيث: الرزين. «القاموس: مكث» . الحلوم: العقول.

[8]ديوان الأعشى 223، و الأول و الثاني في التاج (نجر) . ـ

235

و في الثّياب يقول الآخر[1]: [من الطويل‏]

أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه # لعين ترجّي أو لأذن تسمّع

من النّفر البيض الذين إذا انتموا # وهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا

جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه # و طيب الدّهان رأسه فهو أنزع

إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا # له حوك برديه أجادوا و أوسعوا

و قال كثيّر[2]: [من الطويل‏]

يجرّر سربالا عليه كأنّه # سبيّ هلال لم تفتق شرانقه‏

و قال الجعدي‏[3]: [من الوافر]

أتاني نصرهم و هم بعيد # بلادهم بأرض الخيزران‏

يريد أرض الخصب و الأغصان اللّيّنة.

و قال الشاعر[4]: [من البسيط]

في كفّه خيزران ريحها عبق # بكفّ أروع في عرنينه شمم‏

لأن الملك لا يختصر إلاّ بعود لدن ناعم. و قال آخر[5]: [من الطويل‏]

تجاوبها أخرى على خيزرانة # يكاد يدنيها من الأرض لينها

و قال آخر[6]: [من الطويل‏]

نبتّم نبات الخيزرانيّ في الثرى # حديثا، متى ما يأتك الخير ينفع‏

و قال المسيّب بن علس: [من الوافر]

قصار الهمّ إلاّ في صديق # كأنّ و طابهم موشى الضّباب‏[7]

[1]الأبيات لأبي الربيس في الخزانة 6/78-80، 83-89، و بلا نسبة في البيان 1/396، 3/305، و رسائل الجاحظ 1/221، و البرصان 324، و البخلاء 232، و العقد الفريد 5/343، و الكامل 1/105 (طبعة المعارف) ، الخزانة 6/156.

[2]البيت لكثير في ديوانه 308، و اللسان و أساس البلاغة (سبي) ، و المعاني الكبير 673، و التاج (هلل) ، و للراعي النميري في ملحق ديوانه 308، و التاج (سبي) .

[3]ديوان النابغة الجعدي 165، و اللسان و التاج (خزر) .

[4]تقدم البيت و تخريجه في الفقرة 624.

[5]البيت بلا نسبة في البيان 3/62.

[6]البيت للنجاشي الحارثي في ديوانه 110، و الخزانة 11/387، 395، 397، و المقاصد النحوية 4/344، و بلا نسبة في الكتاب 3/515، و الهمع 2/78.

[7]الوطاب: سقاء اللبن. «القاموس: وطب» . وشى الشي‏ء: استخرجه برفق «القاموس: وشي» .

الضباب: جمع ضب.

236

888-[عين الرضا و عين السخط]

و قال المسيب بن علس‏[1]: [من الكامل‏]

تامت فؤادك إذ عرضت لها # حسن برأي العين ما تمق‏[2]

و قال ابن أبي ربيعة[3]: [من الرمل‏]

حسن في كلّ عين من تود

و قال عبد اللّه بن معاوية[4]: [من الطويل‏]

و عين الرّضا عن كلّ عيب كليلة # و لكنّ عين السّخط تبدي المساويا

و قال روح أبو همّام‏[5]: [من الطويل‏]

و عين السّخط تبصر كلّ عيب # و عين أخي الرّضا عن ذاك تعمى‏

889-[شعر و خبر]

و قال الفرزدق‏[6]: [من الطويل‏]

ألا خبّروني أيّها النّاس إنّما # سألت و من يسأل عن العلم يعلم

سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره # و ما السائل الواعي الأحاديث كالعمي‏

و قيل لدغفل: أنّى لك هذا العلم؟قال: لسان سئول، و قلب عقول‏[7] و قال النابغة[8]: [من الطويل‏]

فآب مضلوه بعين جليّة # و غودر بالجولان حزم و نائل‏[9]

[1]البيت في الشعر و الشعراء 84.

[2]تامت فؤادك: استعبدته. «القاموس: تيم» . تمق: تحب. «القاموس: ومق» .

[3]صدر البيت (فتضاحكن و قد قلن لها) ، و هو في ديوانه 321.

[4]ديوان عبد اللّه بن معاوية 90، و عيون الأخبار 3/11، 76، و الحماسة البصرية 2/55، و الحماسة المغربية 1241، و الأغاني 12/214، 233، و ثمار القلوب 327 (499) .

[5]البيت في تزيين الأسواق 30.

[6]ديوان الفرزدق 759.

[7]القول لدغفل في عيون الأخبار 2/118، و له أو لعبد اللّه بن عباس في البيان 1/84-85.

[8]ديوان النابغة الذبياني 121، و اللسان و التاج (ضلل، جلا) ، و التهذيب 11/187، 465، و الجمهرة 1044، و بلا نسبة في الجمهرة 1077، و المقاييس 1/496، 3/356، و المجمل 3/277.

[9]في ديوانه: (بعين جلية: أي بخبر صادق أنه قد مات. و غودر بالجولان: أي دفن و ترك. و الجولان:

موضع بالشام. و قوله: «حزم و نائل» أي رجل ذو حزم. و النائل: العطاء) .

237

مضلوه: دافنوه، على حدّ قوله تعالى: أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ [1].

و قال المخبّل‏[2]: [من الطويل‏]

أضلّت بنو قيس بن سعد عميدها # و فارسها في الدّهر قيس بن عاصم‏

قوال زهير-أو غيره-في سنان بن أبي حارثة[3]: [من الكامل‏]

إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها # ما تبتغي غطفان يوم أضلّت‏

و لذلك زعم بعض النّاس أنّ سنان بن أبي حارثة خرف فذهب على وجهه، فلم يوجد[4].

900-[من هام على وجهه فلم يوجد]

و يزعمون أنّ ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا: طالب بن أبي طالب، و سنان بن أبي حارثة، و مرداس بن أبي عامر.

و قال جرير[5]: [من الطويل‏]

و إني لأستحيي أخي أن أرى له # عليّ من الفضل الذي لا يرى ليا

و قال امرؤ القيس‏[6]: [من الطويل‏]

و هل يعمن إلاّ خليّ منعّم # قليل الهموم ما يبيت بأوجال‏[7]

و قال الأصمعي: هو كقولهم: «استراح من لا عقل له!» و قال ابن أبي ربيعة[8]: [من الطويل‏]

و أعجبها من عيشها ظلّ غرفة # و ريّان ملتفّ الحدائق أخضر

و وال كفاها كلّ شي‏ء يهمّها # فليست لشي‏ء آخر اللّيل تسهر

[1]10/السجدة: 32.

[2]ديوان المخبل السعدي 318، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (ضلل) .

[3]ديوان زهير 248، و الأغاني 10/299، و صدر البيت تناوله أكثر من شاعر منهم لبيد في ديوانه 155، و عجزه: (فقدان كل أخ كضوء الكوكب) ، و منهم الفرزدق في ديوانه 1/161؛ و عجزة: (فقدان مثل محمد و محمد) ، و هو بلا نسبة في الأزهية 286؛ و عجزة: (أخواي إذ قتلا بيوم واحد) .

[4]الأغاني 10/299، و فيه عدة روايات، و انظر رسائل الجاحظ 2/375.

[5]البيت لجرير في عيون الأخبار 3/18، و بهجة المجالس 709، و السمط 289، و الموشح 308، و لسيار ابن هبيرة في ذيل الأمالي 74، و لعبد اللّه بن معاوية في ديوانه 87، و بلا نسبة في اللسان (حيا) .

[6]ديوان امرئ القيس 27، و رواية صدره: (و هل يعمن إلا سعيد و مخلّد) .

[7]في ديوانه: (الأوجال: جمع وجل ؛ و هو الفزع) .

[8]ديوان عمر 95، و البيان 3/318.

238

باب في مديح الصّالحين و الفقهاء

901-[شعر في مديح العلماء و رثائهم‏]

قال ابن الخيّاط[1]، يمدح مالك بن أنس: [من الكامل‏]

يأبى الجواب فما يراجع هيبة # و السائلون نواكس الأذقان

هدي التقيّ و عز سلطان التّقى # فهو المطاع و ليس ذا سلطان‏

و قال ابن الخياط في بعضهم: [من الطويل‏]

فتى لم يجالس مالكا منذ أن نشا # و لم يقتبس من علمه فهو جاهل‏

و قال آخر[2]: [من البسيط]

فأنت باللّيل ذئب لا حريم له # و بالنّهار على سمت ابن سيرين‏

و قال الخليل بن أحمد و ذكروا عنده الحظّ و الجدّ، فقال: أمّا الجدّ فلا أقول فيه شيئا، و أمّا الحظّ فأخزى اللّه الحظّ، فإنه يبلّد الطالب إذا اتّكل عليه و يبعد المطلوب إليه من مذمّة الطّالب.

و قال ابن شبرمة: [من البسيط]

لو شئت كنت ككرز في تعبّده # أو كابن طارق حول البيت و الحرم

قد حال دون لذيذ العيش خوفهما # و سارعا في طلاب العزّ و الكرم‏

و قال آخر[3]يرثي الأصمعيّ: [من البسيط]

لا درّ درّ خطوب الدهر إذ فجعت # بالأصمعيّ لقد أبقت لنا أسفا

[1]البيتان لابن الخياط في الكامل 1/408، و له أو لعبد اللّه بن المبارك في زهر الآداب 115، و لعبد اللّه بن المبارك في العقد الفريد 1/268، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/294.

[2]البيت بلا نسبة في البيان 3/173، و ثمار القلوب 70 (177) .

[3]الأبيات لأبي العالية الشامي في تاريخ بغداد 10/419-420، ضمن أخبار الأصمعي.

239

عش ما بدا لك في الدّنيا فلست ترى # في الدّهر منه و لا من علمه خلفا

و قال الحسن بن هانئ‏[1]، في مرثية خلف الأحمر: [من الرجز]

لو كان حيّ وائلا من التّلف # لوألت شغواء في أعلى الشّعف‏[2]

أمّ فريخ أحرزته في لجف # مزغّب الألغاد لم يأكل بكف‏[3]

هاتيك أم عصماء في أعلى الشّرف # تظلّ في الطّبّاق و النّزع الألف‏[4]

أودى جماع العلم مذ أودى خلف # قليذم من العيالم الخسف‏[5]

و قال يرثيه في كلمة له‏[6]: [من المنسرح‏]

بتّ أعزّي الفؤاد عن خلف # و بات دمعي إلاّ يفض يكف‏[7]

أنسى الرّزايا ميت فجعت به # أضحى رهينا للتّرب في جدف‏[8]

كان يسنّى برفقه غلق الـ # أفهام في لا خرق و لا عنف

يجوب عنك التي عشيت لها # حيران، حتّى يشفيك في لطف

لا يهم الحاء في القراءة بالخا # ء و لا لامها مع الألف

و لا مضلاّ سبل الكلام و لا # يكون إسناده عن الصّحف

و كان ممن مضى لنا خلفا # فليس إذ مات عنه من خلف‏

و قال آخر[9]في ابن شبرمة: [من الرجز]

إذا سألت الناس أين المكرمة # و العزّ و الجرثومة المقدّمة

و أين فاروق الأمور المحكمة # تتابع النّاس على ابن شبرمه‏

[1]ديوان أبي نواس 577.

[2]في ديوانه: (وائلا: ناجيا. و وألت: نجت الشغواء: العقاب. الشعف: رأس الجبل) .

[3]في ديوانه: (اللجف: محبس السيل، أو كل ما أشرف على الغار من صخرة و نحوها. المزغب: ذو الزغب؛ و هو الريش الدقيق. الألغاد: جمع لغد؛ و هو لحم الحلق) .

[4]العصماء: من الظباء و الوعول ما كان في ذراعيها أو أحدهما بياض؛ و سائرهما متخلف. الشرف:

المكان المرتفع.

[5]القليذم: البئر الغزيرة. العيالم: جمع عيلم؛ و هو البحر أو البئر الكثيرة الماء. الخسف: جمع خسيفة؛ و هي البئر حفرت في حجارة فنبعت بماء كثير لا ينقطع) .

[6]ديوان أبي نواس 575-576.

[7]في ديوانه: (يكف: يسيل) .

[8] (الجدف: القبر) .

[9]الرجز ليحيى بن نوفل في البيان 1/337، و لرؤبة في أمالي الزجاجي 100، و ليس في ديوانه.

240

902-[شعر مختار]

و قال ابن عرفطة[1]: [من الطويل‏]

ليهنيك بغض للصّديق و ظنّة # و تحديثك الشّي‏ء الذي أنت كاذبه

و أنّك مشنوء إلى كلّ صاحب # بلاك، و مثل الشر يكره جانبه

و إنّك مهداء الخنا نطف النّثا # شديد السّباب رافع الصّوت غالبه‏

و قال النّابغة الجعدي‏[2]: [من المتقارب‏]

أبى لي البلاء و أنّي امرؤ # إذا ما تبيّنت لم أرتب‏

و ليس يريد أنّه في حال تبيّنه غير مرتاب، و إنّما يعني أنّ بصيرته لا تتغيّر و قال ابن الجهم، ذات يوم: أنا لا أشكّ!قال له المكيّ: و أنا لا أكاد أوقن! و قال طرفة[3]: [من الطويل‏]

و كرّي إذا نادى المضاف محنّبا # كسيد الغضى في الطّخية المتورّد[4]

و تقصير يوم الدّجن و الدّجن معجب # ببهكنة تحت الخباء الممدّد[5]

أرى قبر نحّام بخيل بماله # كقبر غويّ في البطالة مفسد[6]

لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى # لكالطّول المرخى و ثنياه باليد[7]

أرى الموت أعداد النّفوس و لا أرى # بعيدا غدا، ما أقرب اليوم من غد[8]

و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع الحسام المهنّد

و في كثرة الأيدي عن الظلم زاجر # إذا خطرت أيدي الرّجال بمشهد

[1]تقدم تخريج الشعر في نهاية الفقرة (599) .

[2]ديوان النابغة الجعدي 27، و البيان 1/100، و المقاييس 1/294.

[3]الأبيات من معلقته في ديوانه، البيت الأول ص 32، و الثاني و الثالث ص 33، و الرابع ص 34، و السادس ص 36، و الخامس في ديوانه 44 (طبعة سلغسون) .

[4]في ديوانه: (الكر: العطف. المضائق: الخائف و المذعور. المحنب: الذي في يده انحناء. السيد:

الذئب) ، و البيت في اللسان (حنب، ورد، ضيف) ، و التاج (ورد، ضيف) ، و التهذيب 14/166.

[5]في ديوانه: (الدجن: الغيم. البهكنة: المرأة الحسنة الخلق السمينة الناعمة) ، و البيت في اللسان (خدر) ، و الجمهرة 754، و المخصص 13/200.

[6]في ديوانه: (النحّام: الحريص على الجمع و المنع. الغوي: الغاوي الضال) . و البيت في اللسان و التاج (نحم) ، و التهذيب 4/381، و بلا نسبة في العين 3/252.

[7]في ديوانه: (الطّول: الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه. الإرخاء: الإرسال. الثني: الطرف) ، و البيت في اللسان (طول، ثنى، مها) ، و التاج (طول، ثنى) ، و المقاييس 3/434، و الجمهرة 926، و أساس البلاغة و عمدة الحفاظ (طول) ، و العين 7/451.

[8]البيت في اللسان (عدد) ، و التهذيب 1/92، 8/170.

241

باب القول في الجعلان و الخنافس‏

903-[صداقة الحيوانات لبعضها]

و سنقول في هذه المحقرات من حشرات الأرض، و في المذكور من بغاث الطّير و خشاشه، ممّا يقتات العذرة و يوصف باللؤم، و يتقزّز من لمسه و أكل لحمه، كالخنفساء و الجعل، و الهداهد و الرّخم، فإنّ هذه الأجناس أطلب للعذرة من الخنازير.

فأوّل ما نذكر من أعاجيبها صداقة ما بين الخنافس و العقارب، و صداقة ما بين الحيّات و الوزغ.

و تزعم الأعراب أنّ بين ذكورة الخنافس و إناث الجعلان تسافدا و أنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا.

و أنشد خشنام الأعور النحويّ عن سيبويه النّحويّ، عن بعض الأعراب في هجائه عدوّا له كان شديد السّواد: [من الرجز]

عاديتنا يا خنفسا كام جعل # عداوة الأوعال حيّات الجبل‏[1]

من كلّ عود مرهف النّاب عتل # يخرق إن مسّ و إن شمّ قتل‏[2]

و يثبت أكل الأوعال للحيّات الشّعر المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، و هو:

[من الرمل‏]

علّ زيدا أن يلاقي مرّة # في التماس بعض حيّات الجبل

غاير العينين مفطوح القفا # ليس من حيّات حجر و القلل‏[3]

[1]كام: سفد. «القاموس: كوم» .

[2]العتل: الشديد. «القاموس: عتل» .

[3]مفطوح: عريض. «القاموس: فطح» .

242

يتوارى في صدوع مرّة # ربذى الخطفة كالقدح المؤل‏[1]

و ترى السمّ على أشداقه # كشعاع الشّمس لاحت في طفل‏[2]

طرد الأروى فما تقربه # و نفى الحيّات عن بيض الحجل‏

و إنما ذكر الأروى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأنّ الأروى من بينها تأكل الحيّات، للعداوة التي بينها و بين الحيّات.

904-[استطراد لغوي‏]

و الأروى: إناث الأوعال، واحدتها أرويّة. و الناس يسمّون بناتهم باسم الجماعة، و لا يسمّون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمّون بأرويّة، و يسمّون بأروى.

و قال شماخ بن ضرار[3]: [من الوافر]

فما أروى و إن كرمت علينا # بأدنى من موقّفة حرون‏[4]

و أنشد أبو زيد في جماعة الأرويّة[5]: [من الطويل‏]

فما لك من أروى، تعاديت بالعمى # و لاقيت كلابا مطلاّ و راميا[6]

يقال: تعادى القوم و تفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض.

و قالت في ذلك ضباعة بنت قرط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة[7]: [من السريع‏]

إنّ أبا عثمان لم أنسه # و إنّ صمتا عن بكاه لحوب‏

[1]الربذ: السريع «القاموس: ربذ» . المؤل. المحدد. «القاموس: ألل» .

[2]الطّفل: الغروب. «القاموس: طفل» .

[3]ديوان الشماخ 319، و السمط 663، و أمالي القالي 2/29، و اللسان و التاج (وقف، حرن) ، و المقاييس 2/47، و المخصص 8/30، 15/210.

[4]في ديوانه: (الموقفة: من التوقيف؛ و هو البياض مع السواد، و المراد هنا: الأروية التي في قوائمها خطوط تخالف لونها، و الحرون من الدواب: التي إذا استدر جريها وقفت فلم تبرح. و المعنى: إن هذه المرأة ليست بأقرب منالا من الأروية التي تعتصم بأعلى الجبل فتمتنع على الصياد) .

[5]البيت لعمرو بن أحمر في ديوانه 173، و اللسان (أبي) ، و التاج (عدو، أبي) ، و التهذيب 3/116، 15/104، و بلا نسبة في اللسان (عدا) ، و الجمهرة 236، 1091، و المجمل 3/456، و المخصص 5/72، 6/125، 13/155.

[6]في ديوانه: (تعاديت بالعمى: يدعون عليها بالهلاك. الكلاب: الصائد. المطل: المشرف المترصد) .

[7]البيتان في العمدة 1/278، و انظر أعلام النساء 2/355. ـ

243

تفاقدوا من معشر ما لهم # أيّ ذنوب صوّبوا في القليب‏[1]

905-[طلب الحيّات البيض‏]

و أما قوله: [من الرمل‏]

و نفى الحيّات عن بيض الحجل‏

فإنّ الحيّات تطلب بيض كلّ طائر و فراخه. و بيض كلّ طائر مما يبيض على الأرض أحبّ إليها. فما أعرف لذلك علّة إلا سهولة المطلب.

و الأيائل تأكل الحيّات، و الخنازير تأكل الحيّات و تعاديها.

906-[عداوة الحمار للغراب‏]

و زعم صاحب المنطق أن بين الحمار و الغراب عداوة. و أنشدني بعض النحويّين‏[2]: [من الرجز]

عاديتنا لا زلت في تباب # عداوة الحمار للغراب‏

و أنشد ابن أبي كريمة لبعض الشّعراء في صريع الغواني‏[3]: [من الوافر]

فما ريح السّذاب أشدّ بغضا # إلى الحيّات منك إلى الغواني‏

907-[أمثال في الخنفساء]

و يقال: «ألجّ من الخنفساء» [4]، و «أفحش من فاسية» و هي الخنفساء و «أفحش من فالية الأفاعي» [5].

و الفساء يوصف بن ضربان من الخلق: الخنفساء، و الظّربان و في لجاج الخنفساء يقول خلف الأحمر[6]: [من المتقارب‏]

لنا صاحب مولع بالخلاف # كثير الخطاء قليل الصّواب

ألجّ لجاجا من الخنفساء # و أزهى إذا ما مشى من غراب‏

[1]الذّنوب: الدلو العظيمة «القاموس: ذنب» . القليب: البئر. «القاموس: قلب» .

[2]تقدم الرجز في الفقرة (872) .

[3]تقدم البيت في الفقرة (873) .

[4]المستقصى 1/308، و مجمع الأمثال 2/250، و أمثال ابن سلام 374، و الدرة الفاخرة 2/369.

[5]المستقصى 1/267، و مجمع الأمثال 2/85، و الدرة الفاخرة 1/331، و جمهرة الأمثال 2/89، 106.

[6]البيتان في حياة الحيوان 1/437، و معجم الأدباء 16/161.

244

908-[طول ذماء الخنفساء]

و قال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي أعرابيّ: الخنفساء أصبر منه، و لقد رأيت صبيّا من صبيانكم البارحة و أخذ شوكة و جعل في رأسها فتيلة، ثمّ أوقد نهارا، ثمّ غرزها في ظهر الخنفساء، حتّى أنفذ الشّوكة. فغبرنا ليلتنا و إنّها لتجول في الدّار و تصبح لنا. و اللّه إنّي لأظنها كانت مقربا[1]، لانتفاخ بطنها.

قال: و قال القنانيّ: العواساء: الحامل من الخنافس، و أنشد[2]: [من الرجز]

بكرا عواساء تفاسا مقربا

909-[أعاجيب الجعل‏]

قال: و من أعاجيب الجعل أنّه يموت من ريح الورد، و يعيش إذا أعيد إلى الرّوث. و يضرب بشدّة سواد لونه المثل. قال الرّاجز و هو يصف أسود سالخا[3]: [من الرجز]

مهرّت الأشداق عود قد كمل # كأنّما قمّص من ليط جعل‏[4]

و الجعل يظلّ دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغبر دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، و ذلك عند هلكته.

910-[تطور الدعاميص‏]

و الدّعاميص‏[5]قد تغبر حينا بلا أجنحة، ثم تصير فراشا و بعوضا. و ليس كذلك الجراد و الذّبّان، لأنّ أجنحتها تنبت على مقدار من العمر و مرور من الأيام.

و زعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أنّ البرغوث قد يستحيل بعوضة.

[1]مقرب: قرب ولادها. «القاموس: قرب» .

[2]الرجز بلا نسبة في اللسان (قنب، عوس، فسا) ، و التاج (فسا) ، و المقاييس 4/187، و المخصص 2/18، و ديوان الأدب 4/136، و التهذيب 3/88، 9/195، 13/95.

[3]الرجز بلا نسبة في البيان 3/225.

[4]الهرت: الواسع. «القاموس: هرت» . العود: المسن من الإبل. «القاموس: عود» . قمّص: ألبس قميصا. الليط: قشر القصب. «القاموس: لوط» .

[5]الدعموص: دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا نشّت. «القاموس: دعمص» ، و انظر حياة الحيوان 1/479.

245

911-[عادة الجعل‏]

و الجعل يحرس النّيام، فكلما قام منهم قائم فمضى لحاجته تبعه، طمعا في أنّه إنّما يريد الغائط. و أنشد بعضهم قول الشاعر[1]: [من البسيط]

يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم # كأنّه شرطيّ بات في حرس‏

و أنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلا بالفسولة، و بكثرة الأكل، و بعظم حجم النّجو[2]: [من الرجز]

حتّى إذا أضحى تدرّى و اكتحل # لجارتيه ثمّ ولّى فنثل

رزق الأنوقين القرنبى و الجعل‏

سمى القرنبي و الجعل-إذ كانا يقتاتان الزّبل-أنوقين. و الأنوق: الرّخمة، و هي أحد ما يقتات العذرة. و قال الأعشى‏[3]: [من الرجز]

يا رخما، قاظ على ينخوب # يعجل كفّ الخارئ المطيب‏[4]

المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسّح بها. و هم يسمّون بالأنوق كلّ شي‏ء يقتات النّجو و الزّبل، إلاّ أنّ ذلك على التشبيه لها بالرّخم في هذا المعنى وحده.

و قال آخر[5]: [من الرجز]

يا أيهذا النّابحي نبح القبل # يدعو عليّ كلما قام يصل‏[6]

رافع كفّيه كما يفري الجعل # و قد ملأت بطنه حتى أتل

غيظا فأمسى ضغنه قد اعتدل‏

و القبل: ما أقبل عليك من الجبل. و قوله أتل، أي امتلأ عليك غيظا فقصّر في مشيته. و قال الجعديّ‏[7]: [من الرمل‏]

منع الغدر فلم أهمم به # و أخو الغدر إذا همّ فعل‏

[1]البيت بلا نسبة في البرصان 157، و تقدم في الفقرة (185) .

[2]تقدم الرجز في الفقرة (184) .

[3]ديوان الأعشى 315، و اللسان (خرأ، طلب، طيب، قيظ، رخم) ، و التاج (سلب، قلب، رخم) و التنبيه و الإيضاح 1/14، و التهذيب 14/40، و بلا نسبة في اللسان (سلب) ، و التهذيب 12/435، و الجمهرة 340، 1194.

[4]ينخوب: موضع؛ لم يحدده ياقوت، معجم البلدان 5/450؛ و فيه استشهد برجز الأعشى.

[5]الرجز بلا نسبة في نوادر أبي زيد 49، و الأول و الثاني في اللسان (قبل) ، و الرابع و الخامس في اللسان و التاج (أتل) ، و المقاييس 1/47.

[6]القبل: الجبل. «اللسان: قبل» .

[7]ديوان النابغة الجعدي 96، و البخلاء 243، و اللسان و التاج (قبل) ، و التهذيب 9/165، و بلا نسبة في الجمهرة 372.

246

خشية اللّه و أنّي رجل # إنما ذكري كنار بقبل‏

و قال الرّاجز-و هو يهجو بعضهم بالفسولة، و بكثرة الأكل، و عظم حجم النّجو[1]-:

بات يعشّي وحده ألفي جعل‏

و قال عنترة[2]: [من الوافر]

إذا لاقيت جمع بني أبان # فإني لائم للجعد لاحي

كسوت الجعد جعد بني أبان # ردائي بعد عري و افتضاح‏

ثم شبّهه بالجعل فقال:

كأنّ مؤشر العضدين جحلا # هدوجا بين أقلبة ملاح‏[3]

تضمن نعمتي فغدا عليها # بكورا أو تهجّر في الرّواح‏

و قال الشمّاخ‏[4]: [من الطويل‏]

و إن يلقيا شأوا بأرض هوى له # مفرّض أطراف الذّراعين أفلج‏

و الشأو هاهنا: الرّوث، كأنه كثره حتّى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، كما يقول أحدهم إذا أراد أن ينقي البئر: أخرج من تلك البئر شأوا أو شأوين، يعني من التراب الذي قد سقط فيها، و هو شي‏ء كهيئة الزّبيل الصّغير.

و الشاو: الطّلق. و الشأو: الفوت.

و المفرّض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأنّ الجعل في قوائمه تحزيز، و فيها تفريج.

912-[معرفة في الجعل‏]

و للجعل جناحان لا يكادان يريان إلاّ عند الطّيران، لشدّة سوادهما، و شبههما بجلده، و لشدّة تمكنهما في ظهره.

[1]تقدم الرجز في الفقرة (186) .

[2]ديوان عنترة 115.

[3]مؤشر: مرقق. الجحل: العظيم من الجعلان. «اللسان: جحل» . الهدوج: الذي يمشي رويدا «اللسان: هدج» . أقلبة: جمع قليب، و هو البئر. «اللسان: قلب» . و البيت في اللسان (قلب، ملح، أشر، حجل) (و التاج، قلب، ملح، أشر) و المخصص 17/35.

[4]ديوان الشماخ 93، و اللسان (فرض، قرض، شأي) ، و التاج (فرض، شأي) ، و التهذيب 11/447، و العين 6/297، و بلا نسبة في التهذيب 8/343.

247

قال الشاعر، حيث عدّد الخونة، و حثّ الأمير على محاسبتهم: [من البسيط]

و اشدد يديك بزيد إن ظفرت به # و اشف الأرامل من دحروجة الجعل‏

و الجعل لا يدحرج إلاّ جعرا يابسا، أو بعرة.

و قال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر[1]: [من البسيط]

و ذاك أسود نوبيّ له ذفر # كأنّه جعل يمشي بقرواح‏[2]

و سنذكر شأنه و شأن بلال في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

913-[أبو الخنافس و أبو العقارب‏]

و كان بالكوفة رجل من ولد عبد الجبّار بن وائل بن حجر الحضرميّ يكنى أبا الخنافس راضيا بذلك، و لم تكن الكنية لقبا و لا نبزا، و كان من الفقهاء، و له هيئة و رواء. و سألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس؟فإن أبا العقارب في آل سلم مولى بني العباس كثير على اتّباع أثر. و كان أبو الخنافس هذا اكتنى به ابتداء.

914-[طول ذماء الخنفساء]

و قال لي أبو الفضل العنبريّ: يقولون: الضّبّ أطول شي‏ء ذماء، و الخنفساء أطول منه ذماء، و ذلك أنه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة، و فيها ذبالة تستوقد و تصبح لأهل الدّار، و هي تدبّ بها و تجول!و ربما كانت في تضاعيف حبل قتّ، أو في بعض الحشيش و العشب و الخلا، فتصير في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضغم الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه و هي حيّة جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله.

فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواريّ و العلوفات، خوفا من الخنافس.

915-[هجاء جواس لحسّان بن بحدل‏]

و قال جوّاس بن القعطل في حسّان بن بحدل: [من الكامل‏]

هل يهلكنّي لا أبا لكم # دنس الثياب كطابخ القدر

جعل تمطّى في عمايته # زمر المروءة ناقص الشّبر[3]

[1]البيت في البرصان 156.

[2]القرواح: البارز الذي لا يستره من السماء شي‏ء، و هو الفضاء. «القاموس: قرح» .

[3]الزمر: القليل. «القاموس: زمر» . الشبر: العطاء. «القاموس: شبر» .

248

لزبابة سوداء حنظلة # و العاجز التّدبير كالوبر[1]

فأمّا الهجاء و المدح، و مفاخرة السّودان و الحمران، فإنّ ذلك كلّه مجموع في كتاب «الهجناء و الصّرحاء» و قد قدّمنا في صدر هذا الكتاب جملة في القول في الجعلان و غير ذلك من الأجناس اللئيمة و المستقذرة، في باب النّتن و الطّيب، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

[1]الزبابة: فأر عظيم أصم؛ أو أحمر الشعر؛ أو بلا شعر. «القاموس: زبب» .

249

باب القول في الهدهد

و أما القول في الهدهد، فإنّ العرب و الأعراب كانوا يزعمون أنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من اللّه تعالى على ما كان من برّه لأمّه!لأنّ أمّه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة.

و الهدهد طائر منتن الريح و البدن، من جوهره و ذاته، فربّ شي‏ء يكون منتنا من نفسه، من غير عرض يعرض له، كالتيوس و الحيّات و غير ذلك من أجناس الحيوان فأمّا الأعراب فيجعلون ذلك النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في رأسه. و قد قال في ذلك أميّة أو غيره من شعرائهم. فأمّا أميّة فهو الذي يقول‏[1]: [من الكامل‏]

اعلم بأنّ اللّه ليس كصنعه # صنيع و لا يخفى على اللّه ملحد

و بكلّ منكرة له معروفة # أخرى على عين بما يتعمّد

جدد و توشيم و رسم علامة # و خزائن مفتوحة لا تنفد

عمن أراد بها و جاب عنانها # لا يستقيم لخالق يتزيّد

غيم و ظلماء و غيث سحابة # أزمان كفّن و استراد الهدهد[2]

يبغي القرار لأمّه ليجنّها # فبنى عليها في قفاه يمهد[3]

مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله # في الطّير يحملها و لا يتأوّد[4]

من أمّه فجزى بصالح حملها # ولدا، و كلف ظهره ما تفقد

فتراه يدلح ما مشى بجنازة # فيها و ما اختلف الجديد المسند[5]

[1]ديوان أمية 353-356.

[2]في ديوانه: (استراد: خرج يبحث عن الكلأ، و أراد خروج الهدهد باحثا عن مكان صالح لدفن أمه) .

[3]في ديوانه (يجنها: يدفنها بالجنن؛ و هو القبر) .

[4]في ديوانه (تأود: تعوّج و تثنى) .

[5]في ديوانه (دلح الرجل بحمله: مر متثاقلا غير منبسط الخطو. المسند: الدهر) .

250

916-[معرفة الهدهد بمواضع المياه‏]

[1] و يزعمون أنّ الهدهد هو الذي كان يدلّ سليمان عليه السلام على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شي‏ء منها.

917-[سؤال في الهدهد]

[2] و يروون أنّ نجدة الحروريّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنّ الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه و بين الماء، و الهدهد لا يبصر الفخّ دوين التراب، حتى إذا نقر التّمرة انضمّ عليه الفخّ!فقال ابن عبّاس: «إذا جاء القدر عمي البصر» [3].

و من أمثالهم: «إذا جاء الحين غطّى العين» [4].

و ابن عباس إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهد سليمان عليه السلام بعينه؛ فإنّ القول فيه خلاف القول في سائر الهداهد.

و سنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و قد قال الناس في هدهد سليمان، و غراب نوح، و حمار عزير، و ذئب أهبان بن أوس، و غير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، و سنقول في ذلك بجملة من القول في موضعه إن شاء اللّه.

918-[اتخاذ الهدهد عشه من الزبل‏]

و قد قال صاحب المنطق و زعم في كتاب الحيوان، أنّ لكلّ طائر يعشّش شكلا يتخذ عشّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع و على قدر اختلاف صور تلك القراميص و الأفاحيص. و زعم أنّ الهدهد من بينها يطلب الزّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأرضة من التّراب، و يبني منه بيتا، كما تبني الأرضة، و يضع جزءا على جزء، فإذا طال مكثه في ذلك البيت، و فيه أيضا ولد، أو في مثله، و تربّى ريشه و بدنه بتلك الرائحة، فأخلق به أيضا أن يورث ابنه النّتن الذي علقه، كما أورث جدّه أباه، و كما أورثه أبوه. قال: و لذلك يكون منتنا.

[1]ثمار القلوب 384 (706) .

[2]المصدر السابق، و الكامل 3/225-226 (أبو الفضل إبراهيم) .

[3]ورد قول ابن عباس في مجمع الأمثال 1/123، و أمثال ابن سلام 326، و جمهرة الأمثال 1/118، و الأمثال لمجهول 32.

[4]المستقصى 1/123، و أمثال ابن سلام 326، و هو برواية (إذا جاء الحين حارت العين) في مجمع الأمثال 1/20، و جمهرة الأمثال 1/10، 118-119، و الأمثال لمجهول 32. ـ

251

و هذا وجه أن كان معلوما أنّه لا يتّخذ عشّه إلاّ من الزّبل.

فأمّا ناس كثير، فيزعمون أن ربّ بدن يكون طيب الرّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت. و من ذلك ما يكون منتن البدن، كالذي يحكى عن الحيّات و الأفاعي و الثّعابين، و يوجد عليه التّيوس.

919-[طائر الاغتيولس‏]

و ذكر صاحب المنطق أنّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عشّه و يتقنه، و يجعله مستديرا مداخلا كأنّه كرة معمولة. و روى أنّهم يزعمون أنّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيّ من موضعه، فيفرش به عشّه، و لا يعشّش إلاّ في أعالي الشّجر المرتفعة المواضع.

قال: و ربّما عمد الناس إلى سهام يشدّون عليها رصاصا، ثمّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيّ، فيلتقطونه و يأخذونه.

920-[زعم البحريين في الطير]

و يزعم البحريّون أنّ طائرين يكونان ببلاد السّفالة[1]، أحدهما يظهر قبل قدوم السفن إليهم، و قبل أن يمكن البحر من نفسه، لخروجهم في متاجرهم فيقول الطائر:

قرب آمد، فيعلمون بذلك أنّ الوقت قد دنا، و أن الإمكان قد قرب.

قالوا: و يجي‏ء به طائر آخر، و شكل آخر، فيقول: سمارو. و ذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمّون هذين الجنسين من الطير: قرب، و سمارو، كأنّهم سمّوهما بقولهما، و تقطيع أصواتهما، كما سمّت العرب ضربا من الطّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، و تقطيع أصواتها قطا، و كما سمّوا الببغاء بتقطيع الصّوت الذي ظهر منه.

فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبدا إلاّ في إناث، و أنّ الآخر لا يطير أبدا إلاّ في ذكورة.

921-[وفاء الشفنين‏]

و زعم لي بعض الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشّفنين‏[2]إذا هلكت أنثاه لم يتزوّج و إن طال عليه التعزّب. و إن هاج سفد و لم يطلب الزواج.

[1]السفالة: آخر مدينة تعرف بأرض الزنج، معجم البلدان 3/224.

[2]الشفنين: هو اليمام، و من طبعه إيثار العزلة. حياة الحيوان 1/601.

252

922-[من عجائب الطير]

و حكوا أنّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين و هو لم يطر قطّ، و الآخر وافي الجناحين، و لكنه من لدن ينهض للطّيران فلا يزال يطير و يقتات من الفراش و أشباه الفراش، و أنّه لا يسقط إلاّ ميّتا. إلاّ أنهم ذكروا أنه قصير العمر.

923-[كلام في قول أرسطو]

و لست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، و إن كنت لا أعرف الوجه في أنّ طائرا ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمّ و يعمد نحو بلاد الدارصيني، و هو لم يجاوز موضعه و لا قرب منه. و ليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع. و إن كان من القواطع فكيف يقطع الصّحصحان‏[1] الأملس و بطون الأودية، و أهضام الجبال‏[2]بالتّدويم في الأجواء، و بالمضيّ على السّمت، لطلب ما لم يره و لم يشمّه و لم يذقه. و أخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره و رجليه، ما يصير فراشا له و مهادا، إلا بالاختلاف الطويل. و بعد فإنّه ليس بالوطي‏ء الوثير، و لا هو له بطعام.

فأنا و إن كنت لا أعرف العلّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة. فاذكر هذا.

924-[قول أبي الشيص في الهدهد]

و قال أبو الشّيص في الهدهد[3]: [من البسيط]

لا تأمننّ على سرّي و سرّكم # غيري و غيرك أو طيّ القراطيس

أو طائر سأحلّيه و أنعته # ما زال صاحب تنقير و تدسيس

سود براثنه، ميل ذوائبه # صفر حمالقه، في الحسن مغموس

قد كان همّ سليمان ليذبحه # لو لا سعايته في ملك بلقيس‏

و قد قدّمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدّة مقطّعات في أخبار الهدهد.

[1]الصحصحان: ما استوى من الأرض. «القاموس: صحح» .

[2]الأهضام: جمع هضم؛ مسقط الجبل، و هو ما دنا من السهل من أصله. «اللسان: هضم» .

[3]الأبيات في الحماسة البصرية 2/341، و عيون الأخبار 1/41، و المختار من شعر بشار، و نهاية الأرب 10/248، و حياة الحيوان 2/394.