الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
253

باب القول في الرخم‏

و قال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، و البوم، و الرّخم

925-[أسطورة الرخم‏]

و يقال: إنّه قيل للرّخمة: ما أحمقك!قالت: و ما حمقي، و أنا أقطع في أوّل القواطع، و أرجع في أوّل الرّواجع، و لا أطير في التّحسير[1]. و لا أغتر بالشّكير[2]، و لا أسقط على الجفير[3].

و قد ذكرنا تفسير هذا. و قال الكميت‏[4]: [من مجزوء الكامل‏]

إذ قيل يا رخم انطقي # في الطّير، إنّك شرّ طائر

926-[شر الطير]

و قال أبو الحسن المدائني: أمر بعض ملوك العجم الجلندي بن عبد العزيز الأزديّ، و كان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صد لي شرّ الطير، و اشوه بشرّ الحطب، و أطعمه شرّ الناس. فصاد رخمة و شواها ببعر، و قرّبها إلى خوزيّ‏[5]. فقال له الخوزيّ: أخطأت في كلّ شي‏ء أمرك به الملك: ليس الرّخمة شرّ الطير، و ليس البعرة شرّ الحطب، و ليس الخوزيّ شرّ الناس. و لكن اذهب فصد بومة، و اشوها بدفلى، و أطعمها نبطيّا ولد زنى. ففعل، و أتى الملك فأخبره، فقال: ليس يحتاج إلى ولد زنى!يكفيه أن يكون نبطيّا.

[1]التحسير: سقوط ريش الطائر. «القاموس: حسر» .

[2]الشكير: الريش الصغير. «القاموس: شكر» .

[3]الجفير: جعبة السهام «القاموس: جفر» .

[4]ديوان الكميت 1/227، و السمط 300، و المستقصى 1/81، و المعاني الكبير 292.

[5]نسبة إلى خوزستان.

254

927-[الغراب و الرخمة]

و الغراب يقوى على الرّخمة، و الرخمة أعظم من الغراب و أشدّ. و الرّخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة، و الأماكن الوحشيّة، و الجبال الشامخة، و صدوع الصّخر.

فلذلك يقال في بيض الأنوق ما يقال‏[1].

928-[ما قيل في بيض الأنوق‏]

و قال عتبة بن شمّاس‏[2]: [من الخفيف‏]

إنّ أولى بالحقّ في كلّ حقّ # ثمّ أولى أن يكون حقيقا

من أبوه عبد العزيز بن مروا # ن و من كان جدّه الفاروقا

ردّ أموالنا علينا و كانت # في ذرى شاهق تفوت الأنوقا

و طلب رجل من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولده، فأبى، فسأله لعشيرته، فقال معاوية[3]: [من الخفيف‏]

طلب الأبلق العقوق، فلمّا # لم يجده أراد بيض الأنوق‏

و ليس يكون العقوق إلاّ من الإناث، فإذا كانت من البلق كانت بلقاء. و إنما هذا كقولهم: «زلّ في سلى جمل» [4]، و الجمل لا يكون له سلى‏[5].

و قد يرون بيض الأنوق، و لكنّ ذلك قليلا ما يكون، و أقلّ من القليل، لأنّ بيضها في المواضع الممتنعة، و ليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروه.

[1]ثمار القلوب (717) .

[2]الأبيات لعتبة بن شماس في الكامل 1/400 (طبعة المعارف) ، 2/271 (أبو الفضل إبراهيم) ، و العقد الفريد 3/393، و الأول و الثاني في اللسان و التاج (فرق) ، و الأبيات لبعض ولد عيينة بن حصن في ثمار القلوب (718) ، و البيت الثاني مع جملة أبيات لرجل من الأنصار في رسائل الجاحظ 2/286، و الثالث لعقبة بن أسماء في المستقصى 1/25.

[3]الخبر مع البيت في ثمار القلوب (718) ، و الكامل 1/401 (طبعة المعارف) ، 2/271 (أبو الفضل إبراهيم) ، و النهاية 1/77، و الدرة الفاخرة 299، و جمهرة الأمثال 2/64، و ربيع الأبرار 3/316، و اللسان (عقق) ، و البيت في الفاضل 46، و المصون 30، و نظام الغريب 207، و الإصابة (1098) 8/206، و اللسان و التاج (أنق) ، و التهذيب 1/62، 9/324، و الجمهرة 371، و المقاييس 1/149.

[4]المثل برواية: (وقع القوم في سلى جمل) ، و هو في مجمع الأمثال 2/360، و الدرة الفاخرة 1/299، و جمهرة الأمثال 2/366، و المستقصى 2/377، و أمثال ابن سلام 343.

[5]ثمار القلوب (529) .

255

و أنا أظنّ أن معاوية لم يقل كما قالوا: و لكنّه قدم في اللّفظ بيض الأنوق، فقال:

«طلب بيض الأنوق، فلما لم يجده طلب الأبلق العقوق» .

929-[ما يسمّى بالهدهد]

و أمّا قول ابن أحمر[1]: [من الكامل‏]

يمشي بأوظفة شديد أسرها # شمّ السنابك لا تقي بالجدجد[2]

إذ صبّحته طاويا ذا شرّة # و فؤاده زجل كعزف الهدهد

فقد يكون ألاّ يكون عنى بهذا الهدهد، لأنّ ذكورة الحمام و كلّ شي‏ء غنّى من الطير و هدر و دعا، فهو هدهد. و من روى «كعزف الهدهد» [3]فليس من هذا في شي‏ء.

و قد قال الشاعر في صفة الحمام: [من الكامل‏]

و إذا استشرن أرنّ فيها هدهد # مثل المداك خضبته بجساد[4]

930-[ميل بعض النساء إلى المال‏]

و خطب رجل جميل امرأة، و خطبها معه رجل دميم فتزوجت الدّميم لماله، و تركته، فقال‏[5]: [من الطويل‏]

ألا يا عباد اللّه ما تأمرونني # بأحسن من صلّى و أقبحهم بعلا

يدبّ على أحشائها كلّ ليلة # دبيب القرنبى بات يقرو نقا سهلا[6]

[1]البيت الأول في ديوان ابن أحمر 56، و اللسان و التاج (جدد، وقي) ، و التنبيه و الإيضاح 2/13، و التهذيب 9/375، و بلا نسبة في الجمهرة 182، و الثاني في ديوانه 59، و اللسان و التاج (هدد) .

[2]الأوظفة: جمع وظيف، و هو مستدق الذراع و الساق من الخيل و الإبل و غيرها. «القاموس: وظف» .

السنبك: طرف الحاف. ر «القاموس: سنبك» . لا تقي: لا تتوقاه. الجدجد: الأرض الصلبة المستوية «القاموس: جدد» .

[3]في اللسان «هدد» : (الهدهد: أصوات الجن؛ و لا واحد له) .

[4]استشارت: سمنت و حسنت «القاموس: شار» . المداك: حجر يدق به الطيب. الجساد: الزعفران «القاموس: جسد» .

[5]البيتان للأخطل في حياة الحيوان 2/209 (القرنبى) ، و ليسا في ديوانه، و بلا نسبة في الكامل 1/282 (طبعة المعارف) ، 595 (الدالي) ، و الأول في قطر الندى 202، و الهمع 2/70، و الدرر 5/115، و الثاني في اللسان و التاج (قرنب) .

[6]في الكامل: (القرنبى: دويبة على هيئة الخنفس منقطة الظهر، و في قوائمها طول على الخنفس؛ و هي ضعيفة المشي) .

256

931-[الأجناس التي تطلب العذرة]

و الأجناس التي تريد العذرة و تطلبها كثيرة، كالخنازير، و الدّجاج، و الكلاب، و الجراد، و غير ذلك. و لكنها لا تبلغ مبلغ الجعل و الرّخمة.

932-[أكل الأعراب لبعض الحيوان‏]

و قال ابن أبي كريمة: كنت عند أبي مالك عمرو بن كركرة، و عنده أعرابيّ، فجرى ذكر القرنبى. قال: فقلت له: أ تعرف القرنبى؟قال: و ما لي لا أعرف القرنبى؟! فو اللّه لربّما لم يكن غدائي إلاّ القرنبى يحسحس‏[1]لي. قال: فقلت له: إنها دويبّة تأكل العذرة. قال: و دجاجكم تأكل العذرة! و قال‏[2]: قال بعض المدنيّين لبعض الأعراب: أ تأكلون الحيّات و العقارب و الجعلان و الخنافس؟فقال: نأكل كلّ شي‏ء إلاّ أمّ حبين‏[3]. قال: فقال المدنيّ:

«لتهن أمّ الحبين العافية» .

قال: و حدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال‏[4]: «من الدوابّ أربع لا يقتلن: النملة، و النّحلة، و الصّرد، و الهدهد» .

باب في الخفاش‏

933-[القول في الخفاش‏]

فأوّل ذلك أنّ الخفّاش طائر، و هو مع أنّه طائر من عرض الطير فإنّه شديد الطّيران، كثير التكفّي في الهواء، سريع التقلّب فيه، و لا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض، و قوته إلا من الفراش و أشباه الفراش، ثمّ لا يصيده إلاّ في وقت طيرانه في الهواء، و في وقت سلطانه، لأنّ البعوض إنّما يتسلط بالليل. و لا يجوز أن يبلغ ذلك إلاّ بسرعة اختطاف و اختلاس، و شدّة طيران، و لين أعطاف و شدّة متن، و حسن تأتّ، و رفق في الصّيد. و هو مع ذلك كلّه ليس بذي ريش، و إنما هو لحم و جلد. فطيرانه بلا ريش عجب، و كلما كان أشدّ كان أعجب.

[1]حسحس اللحم: جعله على الجمر. «القاموس: حسس» .

[2]الخبر في عيون الأخبار 3/209، و ثمار القلوب (410) ، و المرصع 140، و الدرة الفاخرة 479، و أدب الكاتب 216.

[3]أم حبين: دويبة على قدر الكف. ثمار القلوب (410) .

[4]عيون الأخبار 2/89.

257

934-[من أعاجيب الخفاش‏]

و من أعاجيبه أنّه لا يطير في ضوء و لا في ظلمة. و هو طائر ضعيف قوى البصر، قليل شعاع العين الفاصل من النّاظر. و لذلك لا يظهر في الظّلمة، لأنّها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار قوى شعاع ناظره. و لا يظهر نهارا، لأنّ بصره لضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار. و لأنّ الشي‏ء المتلألئ ضارّ لعيون الموصوفين بحدّة البصر، و لأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله و ذهابه، يكون رادعا لشعاع ناظره، و مفرّقا له. فهو لا يبصر ليلا و لا نهارا. فلما علم ذلك و احتاج إلى الكسب و الطّعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون غامرا قاهرا، و عاليا غالبا. و لا من الضّياء ما يكون معشيا رادعا، و مفرّقا قامعا. فالتمس ذلك في وقت غروب القرص، و بقيّة الشّفق، لأنّه وقت هيج البعوض و أشباه البعوض، و ارتفاعها في الهواء، و وقت انتشارها في طلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم، و طعمه دماء الحيوان، و تخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه.

و هذا أيضا مما جعل اللّه في الخفافيش من الأعاجيب.

935-[البائضة و الوالدة]

[1] و يزعمون أن السّك‏[2]الآذان و الممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيض بيضا، و أنّ كلّ أشرف‏[3]الآذان فهو يلد و لا يبيض. و لا ندري لم كان الحيوان إذا كان أشرف الآذان ولد، و إذا كان ممسوحا باض.

و لآذان الخفافيش حجم ظاهر، و شخوص بيّن. و هي و إن كانت من الطير فإنّ هذا لها، و هي تحبل و تلد، و تحيض، و ترضع.

936-[ما يحيض من الحيوان‏]

و الناس يتقزّزون من الأرانب و الضّباع، لمكان الحيض.

و قد زعم صاحب المنطق أنّ ذوات الأربع كلّها تحيض، على اختلاف في القلّة و الكثرة. و الزّمان، و الحمرة و الصفرة، و الرقّة و الغلظ. قال: و يبلغ من ضنّ أنثى [1]عيون الأخبار 2/88، و محاضرات الأدباء 4/676.

[2]السّكك: صغر الأذن و لزوقها بالرأس و قلة إشرافها «القاموس: سكك» .

[3]أذن شرفاء: طويلة. «القاموس: شرف» .

258

الخفافيش بولدها و من خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، و ربّما قبضت عليه بفيها، و ربّما أرضعته و هي تطير، و تقوى من ذلك، و يقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام و الشّاه‏مرك، و سباع الطير.

937-[معارف في الخفاش‏]

و قال معمر أبو الأشعث: ربّما أتأمت الخفافيش فتحمل معها الولدين جميعا، فإن عظما عاقبت بينهما.

و الخفّاش من الطير، و ليس له منقار مخروط، و له فم فيما بين مناسر السّباع و أفواه البوم. و فيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، إلاّ ما كان في نفس الخطم.

و إذا قبضت على الفرخ و عضت عليه لتطير به، عرفت ذرب أسنانها[1]، فعرفت أي نوع ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزما و لا تجعله عضّا و لا تنييبا و لا ضغما، كما تفعل الهرّة بولدها، فإنّها مع ذرب أنيابها، و حدّة أظفارها و دقّتها، لا تخدش لها جلدا، إلا أنها تمسكها ضربا من الإمساك، و تأزم عليها ضربا من الأزم قد عرفته.

و لكل شي‏ء حدّ به يصلح، و بمجاوزته و التقصير دونه يفسد.

و قد نرى الطّائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشّعرة سللها من العيجن، غير مبتلّ الرّيش، و لا لثق الجناحين. و لو أنّ أرفق الناس رفقا، راهن على أن يغمس طائرا منها في الماء غمسة واحدة ثمّ خلّى سربه ليكون هو الخارج منه، لخرج و هو متعجّن الريش، مفسد النظم، منقوض التأليف. و لكان أجود ما يكون طيرانا أن يكون كالجادف. فهذا أيضا من أعاجيب الخفاش.

938-[من أعاجيب الخفافيش‏]

و من أعاجيبها تركها ذرى الجبال و بسيط الفيافي، و أقلاب النخل، و أعالي الأغصان، و دغل الغياض و الرياض، و صدوع الصّخر، و جزائر البحر، و مجيئها تطلب مساكن الناس و قربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم و قربهم، قصدت إلى أرفع مكان و أحصنه، و إلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، و أعرض الحوائج.

[1]ذرب أسنانها: حدتها «القاموس: ذرب» .

259

939-[طول عمر الخفاش‏]

ثمّ الخفّاش بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك العقاب و الورشان إلى النسر، و يجوز حد الفيلة و الأسد و حمير الوحش، إلى أعمار الحيّات.

و من أعاجيب الخفافيش أنّ أبصارها تصلح على طول العمر، و لها صبر على طول فقد الطّعم. فيقال إنّ اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنّات المعمّرات، و إنّ أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهنّ على ضياء القمر.

و من أعاجيبها أنها تضخم و تجسم و تقبل الشّحم على الكبر و على السنّ.

940-[القدرة التناسلية]

و قد زعم صاحب المنطق أنّ الكلاب السلوقيّة كلما دخلت في السنّ كان أقوى لها على المعاظلة.

و هذا غريب جدا، و قد علمنا أنّ الغلام أحدّ ما يكون و أشبق و أنكح و أحرص، عند أوّل بلوغه. ثم لا يزال كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة.

و لا تزال الجارية من لدن إدراكها و بلوغها و حركة شهوتها على شبيه بمقدار واحد من ضعف الإرادة. و كذلك عامّتهنّ. فإذا اكتهلن و بلغت المرأة حدّ النّصف فعند ذلك يقوى عليها سلطان الشّهوة و الحرص على الباه، فإنما تهيج الكهلة عند سكون هيج الكهل و عند إدبار شهوته، و كلال حدّه.

941-[قول النساء في الخفافيش‏]

و أما قول النساء و أشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن الخفاش إذا عضّ الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشيّ. فما أنسى فزعي من سنّ الخفاش، و وحشتي من قربه!إيمانا بذلك القول، إلى أن بلغت.

و للنساء و أشباه النساء في هذا و شبهه خرافات، عسى أن نذكر منها شيئا إذا بلغنا إلى موضعه إن شاء اللّه.

942-[ضعف البصر لدى بعض الحيوان‏]

و من الطير و ذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، و منها ما يكون سيّئ البصر. فأمّا قولهم: إنّه الفأرة و السنّور و أشياء أخر أبصر باللّيل، فهذا باطل.

260

و الإنسان ردي‏ء البصر باللّيل، و الذي لا يبصر منهم باللّيل تسمّيه الفرس شبكور و تأويله أنّه أعمى ليل‏[1]، و ليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنّه يقال لمن لا يبصر باللّيل بعينه: هدبد. ما سمعت إلاّ بهذا، فأمّا الأغطش فإنّه السيّئ البصر بالليل و النهار جميعا.

و إذا كانت المرأة مغربة العين فكانت رديّة البصر، قيل لها: جهراء. و أنشد الأصمعيّ في الشاء[2]: [من الكامل‏]

جهراء لا تألو إذا هي أظهرت # بصرا و لا من عيلة تغنيني‏

و ذكروا أنّ الأجهر الذي لا يبصر في الشمس. و قوله «لا تألو» أي لا تستطيع.

و قوله: «أظهرت» صارت في الظهيرة. «و العيلة» : الفقر. قال: يعني به شاة.

و قال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصّعق: [من البسيط]

يا ليتني، و المنى ليست بمغنية، # كيف اقتصاصك من ثأر الأحابيش

أ تنكحون مواليهم كما فعلوا # أم تغمضون كإغماض الخفافيش‏

و قال أبو الشمقمق، و هو مروان بن محمد[3]: [من مجزوء الرمل‏]

أنا بالأهواز محزو # ن و بالبصرة داري

في بني سعد و سعد # حيث أهلي و قراري

صرت كالخفاش لا أب # صر في ضوء النهار

و قال الأخطل التغلبيّ‏[4]: [من الطويل‏]

و قد غبر العجلان حينا إذا بكى # على الزّاد ألقته الوليدة في الكسر

فيصبح كالخفاش يدلك عينه # فقبّح من وجه لئيم و من حجر[5]

و قالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، و الجمع سحا كما ترى.

[1]نقل الزمخشري هذا القول في أساس البلاغة (هدب) .

[2]البيت لأبي العيال الهذلي في شرح أشعار الهذليين 415، و اللسان و التاج (جهر، ألا) ، و المخصص 6/164، و ديوان الأدب 2/261، و للهذلي في التهذيب 6/49، 15/432، و المقاييس 1/129.

[3]ديوان أبي الشمقمق 136.

[4]ديوان الأخطل 183، و الأول في العين 5/307، و الثاني في اللسان و التاج (حجر) .

[5]حجر: أراد محجر العين. ديوانه 183.

261

943-[لغز في الخفاش‏]

و قالوا في اللّغز، و هم يعنون الخفّاش‏[1]: [من الطويل‏]

أبى شعراء النّاس لا يخبرونني # و قد ذهبوا في الشّعر في كلّ مذهب

بجلدة إنسان و صورة طائر # و أظفار يربوع و أنياب ثعلب‏

944-[النهي عن قتل الضفادع و الخفافيش‏]

هشام الدّستوائي قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال: «لا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقهنّ تسبيح. و لا تقتلوا الخفّاش فإنّه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتّى أغرقهم» .

حماد بن سلمة قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد اللّه بن عمر: «لا تقتلوا الخفّاش، فإنّه استأذن في البحر: أن يأخذ من مائه فيطفئ نار بيت المقدس حيث حرق. و لا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقها تسبيح» .

قال: و حدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن قتل الوطواط، و أمر بقتل الأوزاغ» .

قال: و الخفاش يأتي الرّمانة و هي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كلّ شي‏ء فيها حتى لا يدع إلاّ القشر وحده. و هم يحفظون الرّمّان من الخفافيش بكلّ حيلة.

قال: و لحوم الخفافيش موافقة للشواهين و الصّقورة و البوازي، و لكثير من جوارح الطير، و هي تسمن عنها، و تصحّ أبدانها عليها. و لها في ذلك عمل محمود نافع عظيم النّفع، بيّن الأثر. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

تمّ المصحف الثالث من كتاب الحيوان و يليه المصحف الرابع و أوله في الذّرّ [1]نهاية الأرب 10/284.