إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
455

و من قرأ (أشهدوا خلقهم) (1) فالمعنى: أو أحضروا ذلك؟و كان الفعل يتعدى إلى مفعولين بعد النقل، فلما بنى للمفعول به نقص مفعول، فتعدّى الفعل إلى مفعول واحد.

و يقوّى هذه القراءة قوله تعالى: (مََا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لاََ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) (2) ، فتعدّى إلى مفعولين، لمّا بنى الفعل للفاعل.

فأما قوله تعالى: (إِنِّي أُشْهِدُ اَللََّهَ وَ اِشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ) (3) ، فعلى إعمال الثاني، كما أن قوله تعالى: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) (4) ، كذلك، و التقدير:

إنى أشهد اللّه أنى برئ، و أشهد أنى برئ. فحذف المفعول الأول على حد:

ضربت و ضربنى زيد.

و هذا منقول من: شهد بكذا، إلا أن حرف الجر يحذف مع «أن» .

و من حذف المفعول قوله تعالى: (وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ) (5) أي: اتقى محارم اللّه.

و كذلك: (لِمَنِ اِتَّقى‏ََ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ) (6) أي: اتقى محارمه.

و قال: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (7) .

و قال: (وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ) (8) .

فـ «هلك» لازم في المعروف، و «يهلك» متعد، و قد جاء «هلك» متعديا، و أنشدوا:

____________

(1) الزخرف: 19.

(2) الكهف: 51.

(3) هود: 54.

(4) الكهف: 96.

(5) البقرة: 189.

(6) البقرة: 203.

(7) الأنفال: 42.

(8) البقرة: 205.

456

و مهمه هالك من تعرّجا (1)

فكأنه قال: هالك من تعرج فيه، أي: هالك المتعرج، «فمن تعرج» ، على هذا التقدير، فاعل في المعنى، و على تقدير من حمله على «مهلك» أنه حذف مفعوله في المعنى، بمنزلة: ضارب زيد.

و من حذف المفعول قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ) (2) ، أي: يغفر الذنوب، فى جميع التنزيل.

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا) (3) .

قال أبو على: يحتمل وجهين:

يجوز أن يكون من النّسيان، الذي هو خلاف الذّكر، و «الخطأ» ، من الإخطاء، الذي ليس التعمّد.

و يجوز أن يكون من «نسينا» ، على: أن تركنا شيئا من اللازم لنا.

و مثله قوله تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) (4) أي: ترك عهدنا إليه.

و منه قوله: (وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (5) .

أي: لم يلطف لهم كما يلطف للمؤمنين في تخليصهم أنفسهم من عقاب اللّه. و التقدير: و لا تكونوا كالذين نسوا أمر اللّه أو طاعته، فأنساهم تخليص نفسهم من عذاب اللّه.

____________

(1) الشعر للعجاج.

(2) البقرة: 284.

(3) البقرة: 286.

(4) طه: 115.

(5) الحشر: 19.

457

و جاز أن ينسب الإنساء إلى اللّه، و إن كانوا هم/الفاعلون له، و المذمومون عليه، كما قال: (وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ) (1) .

فأضاف الرّمى إلى اللّه، لمّا كان يقوّيه إقداره، فكذلك نسب الإنساء إليه لمّا لم يلطف لهذا المنسيّ كما لطف للمؤمن الذي قد هدى.

و كذلك قوله تعالى: (وَ قِيلَ اَلْيَوْمَ نَنْسََاكُمْ كَمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا) (2) أي:

الاستعداد للقاء يومكم هذا، و العمل من التخلص من عقابه.

و أما قوله تعالى: (وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذََا نَسِيتَ) (3) فعلى معنى التّرك، لأنه إذا كان المقابل للذّكر لم يكن مؤاخذا.

و قوله تعالى: (وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ فَنَسِيَ) (4) أي: نسى السامرىّ؛ أي: ترك التوحيد باتخاذه العجل، و قيل: نسى موسى ربّه عندنا، و ذهب يطلبه في مكان آخر.

و أما قوله تعالى: (اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسََاهُ اَلشَّيْطََانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) (5) . فإن إنساء الشّيطان هو أن يسوّل له، و يزيّن الأسباب التي ينسى معها. و كذلك: (فَإِنِّي نَسِيتُ اَلْحُوتَ وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) (6) .

و يجوز أن يكون الضمير فى «أنساه» ليوسف، أي: أنسى يوسف ذكر ربه.

كما قال: (وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ) (7) .

____________

(1) الأنفال: 17.

(2) الجاثية: 34.

(3) الكهف: 24.

(4) طه: 88.

(5) يوسف: 42.

(6) الكهف: 63.

(7) الأنعام: 68.

458

و يجوز أن يكون الضمير فى «أنساه» للذى ظن أنه ناج منهما، و يكون ربّه ملكه.

و في الوجه الأول، يكون «ربه» اللّه سبحانه و تعالى، كأنه أنساه الشيطان أن يلجأ إلى اللّه في شدته.

و أما قوله تعالى: (فَيَكْشِفُ مََا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شََاءَ وَ تَنْسَوْنَ مََا تُشْرِكُونَ) (1) .

و التقدير: تنسون دعاء ما تشركون، فحذف المضاف، أي: تتركون دعاءه و الفزع إليه، و إنما يفزعون إلى اللّه-سبحانه و تعالى. و يكون من النسيان الذي هو خلاف الذكر، كقوله تعالى: (وَ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاََّ إِيََّاهُ) (2) أي: تذهلون عنه فلا تذكرونه.

و قال: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتََّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) (3) .

فهذا يجوز أن يكون منقولا من الذي بمعنى التّرك، و يمكن أن يكون من الذي هو خلاف الذّكر، و اللفظ على: أنهم فعلوا بكم النسيان.

و المعنى: أنكم أنتم أيها المتخذون عبادى سخريّا/نسيتم ذكرى، باشتغالكم باتخاذكم إياهم سخريّا، و بالضحك منهم، أي: تركتموه من أجل ذلك، و إن كانوا ذاكرين غير ناسين. فنسب الإنساء إلى عباده الصالحين و إن لم يفعلوا، لما كانوا كالسبب لإنسائهم.

فهذا كقوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ) (4) .

____________

(1) الأنعام: 41.

(2) الإسراء: 67.

(3) المؤمنون: 110.

(4) إبراهيم: 36.

459

و على هذا قوله تعالى: (فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (1) فأسند النّسيان إليه، و المعنى على أنهم نسوا ذلك.

و أما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ) (2) ؛ فالأشبه أن يكون من الذي هو خلاف الذّكر. و هذا أشبه من أن يحمل على ما يراد به التّرك.

و ذلك أن النبي، صلى اللّه عليه و على آله، كان إذا نزل عليه القرآن أسرع القراءة و أكثرها مخافة النّسيان، فقال: (سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ`إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ) (3)

أي تنساه، لرفعه ذلك بالنّسيان كرفعه إياه بالنسخ بآية أو سنة.

و يؤكّد ذلك قوله تعالى: (لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ‏`إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏`فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (4) .

و قوله تعالى: (وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ) (5)

فحمل قوله: «فلا تنسى» ، إذا كان يسلك هذا المسلك، ليس بالوجه.

و مما حذف المفعول قوله: (وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ) * (6) أي: بشّرهم بالجنة.

و من حذف المفعول قوله: (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْدََاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللََّهِ) (7) أي كحب اللّه المؤمنين. فالمصدر مضاف إلى الفاعل، و المفعول محذوف.

____________

(1) الحشر: 19.

(2) الأعلى: 6.

(3) الأعلى: 6.

(4) القيامة: 16 و 17 و 18

(5) طه: 114.

(6) الصف: 13.

(7) البقرة: 165.

460

و إن شئت كان: كحبّ المؤمنين اللّه، فحذف الفاعل، و المضاف إليه مفعول في المعنى.

و يقوّى الأول قوله: (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ) (1) .

و مثله: (وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي) (2) ؛ إن شئت، كان التقدير: أقم الصلاة لأذكرك، فيكون مضافا إلى الفاعل. و إن شئت كان التقدير:

لذكرك إيّاى فيها.

كقوله تعالى: (فِي غِطََاءٍ عَنْ ذِكْرِي) (3) أي: عن ذكرهم إياى.

و مثله: (وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ) (4) ؛ إن شئت كان التقدير: و لذكركم اللّه أكبر من كل شى‏ء، فحذف الفاعل، و أضافه إلى المفعول، كما قال: (مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ) (5) ، أي: من دعائه الخير.

و قال: (بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ) (6) أي: بسؤاله نعجتك.

و قال: (رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيََّا) (7) أي: هذا ذكر اللّه رحمة/عبده، فحذف الفاعل، و أضاف إلى المفعول، و هو الرحمة، و الرحمة مضاف إلى الفاعل.

و نصب «بعضا» به، كقوله: (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) (8) .

____________

(1) البقرة: 165.

(2) طه: 14.

(3) الكهف: 101.

(4) العنكبوت: 45.

(5) فصلت: 49.

(6) ص: 24.

(7) مريم: 2.

(8) الحجرات: 2.

461

و كقوله: (وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) * (1) أي: أن دفع اللّه الناس، فأضاف إلى الفاعل و نصب المفعول به.

و منه قوله تعالى: (الم‏`غُلِبَتِ اَلرُّومُ‏`فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (2) أي: من بعد أن غلبهم الفرس‏ (3) يغلبون الفرس‏ (4) ، فالمصدر مضاف إلى المفعول و قد حذف الفاعل، كأن المشركين سرّتهم غلبة الفرس‏ (5)

الروم، فرجع أبو بكر إلى النبي-صلى اللّه عليه و على آله-و أخبره بأنه ذكر للمشركين ذلك، و أن بينه و بينهم خطرا، و الصدّيق ضرب المدة في ثلاث سنين.

فالنبى-صلى اللّه عليه و آله-أمره أن يرجع إليهم، و يزيد في الأجل و فى الخطر، ففعل ذلك.

و قرأها الحسن: (وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (6) مرتّبا للمفعول به. و قرئ:

(غُلِبَتِ اَلرُّومُ) بفتحتين. مرتّبا للفاعل. و فسّر ابن عمر: غلبت الروم على أدنى ريف الشام. يعنى بالريف: السواد، فيكون المصدر-أعنى «من بعد غلبهم» - مضافا إلى الفاعل، أي: من بعد أن غلبوا على الريف.

و هذه القراءة أيضا مروية عن على و ابن عمر و ابن عباس و معاوية عن قرّة.

و مثله: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) (7) .

____________

(1) البقرة: 251-الحج: 40.

(6-2) الروم: 1 و 2 و 3.

(5-4-3) في الأصل: «الفارس» .

(7) ص: 32.

462

أي: عن ذكرى ربى، فحذف الفاعل و أضاف إلى المفعول، يعنى به صلاة العصر.

و قال قوم: بل التقدير: عن ذكر ربّى إياى حيث أمرنى بالصلاة، فيكون قد حذف المفعول و المصدر.

و يجوز إضافته إلى الفاعل، و ينصب به المفعول.

و يجوز حذف المفعول، إذا أضيف إلى الفاعل به.

و يجوز إضافته إلى المفعول و رفع الفاعل.

و يجوز في هذا الوجه حذف الفاعل.

و يجوز أن ينوّن، يرفع الفاعل به، و ينصب المفعول.

و يجوز حذف الفاعل مع التنوين، و حذف المفعول مع التنوين.

فمما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ شَيْئاً) (1) «شيئا» ينتصب/بـ «رزقا» ، أي: ما لا يملك لهم أن يرزقوا شيئا. فحذف الفاعل، و نصب المفعول بالمصدر المنون.

و أما قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) `رَسُولاً) (2) . فيجوز أن ينتصب رسولا بـ (ذكرا) أي: أنزل اللّه إليكم بأن ذكر رسولا. و يجوز أن ينتصب بفعل مضمر، أي: أرسل رسولا.

____________

(1) النحل: 73.

(2) الطلاق: 10 و 11.

463

و يجوز أن يكون التقدير: أنزل اللّه إليكم ذا ذكر رسولا، فحذف المضاف، و يكون «رسولا» بدلا منه.

و من ذلك قوله تعالى: (أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) `يَتِيماً) (1) أي:

أن تطعم يتيما، فنصب «يتيما» بـ «إطعام» .

و أما قوله تعالى: (إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ) (2) .

فمن نوّن احتمل أمرين:

أحدهما: أن يكون «ذكرى» بدلا من «الخالصة» ، تقديره: إنا أخلصناهم بذكر الدار.

و يجوز أن يقدّر في قوله: «ذكرى» التنوين، فيكون «الدار» فى موضع نصب، تقديره: بأن يذكروا الدار، أي: يذكرون بالتأهب للآخرة و يزهدون فى الدنيا.

و يجوز ألا يقدّر البدل، و لكن تكون «الخالصة» مصدرا.

فتكون مثل: (مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ) (3) فيكون المعنى: بخالصة تذكير الدار.

و يقوّى هذا الوجه: ما روى من قراءة الأعمش: (بخالصتهم ذكر الدّار) فهذا يقوّى النصب، و يقوّى أن من نوّن «خالصة» أعملها فى «ذكرى الدار» ، كأنه: بأن أخلصوا تذكير الدار.

فإذا نوّنت «خالصة» احتمل أمرين:

أحدهما، أن يكون المعنى: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، فيكون «ذكرى» فى موضع رفع بأنه فاعل.

____________

(1) البلد: 14 و 15.

(2) ص: 46.

(3) فصلت: 49.

464

و الآخر: أن تقدّر المصدر الذي هو «خالصة» من الإخلاص، فحذفت الزيادة كما حذفت من نحو: دلو الدّالى، و نحوه:

فيكون المعنى: بإخلاص ذكرى، فيكون في موضع نصب، كانتصاب لاسم فى: عمرك اللّه الدار، و يجوز أن يعنى بها الآخرة.

و الذي يدل على أنه يجوز أن يراد بها الدنيا: قوله تعالى في الحكاية عن إبراهيم: (وَ اِجْعَلْ لِي لِسََانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ) (1) .

و قوله تعالى: (وَ جَعَلْنََا لَهُمْ لِسََانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (2) ، فاللسان هو القول الحسن و الثناء عليه، و ليس اللسان هنا الجارحة.

و أما جواز كون «الدار الآخرة» فى قوله تعالى: (إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ) (3) فيكون: ذلك بإخلاصهم ذكرى الدار، و يكون/ذكرهم لها و جل قلوبهم منها و من حسابها.

كما قال: (وَ هُمْ مِنَ اَلسََّاعَةِ مُشْفِقُونَ) (4) ، (إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا) (5) .

____________

(1) الشعراء: 84.

(2) مريم: 50.

(3) ص: 46.

(4) الأنبياء: 49.

(5) النازعات: 45.

465

فـ «الدار» مفعول بها، و ليست كالوجه الآخر المتقدم.

و أما من أضاف فقال: (بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ) (1) فإن «الخالصة» تكون على ضروب: تكون للذّكر و غير الذكر.

فاذا أضيفت إلى «ذكرى» اختصت «الخالصة» بهذه الإضافة، فتكون الإضافة إلى المفعول به، بإخلاصهم ذكرى الدار، أي: أخلصوا ذكرها و الخوف منها للّه.

و يكون على إضافة المصدر، الذي هو «الخالصة» إلى الفاعل، تقديره:

بأن خلصت لهم ذكرى الدار.

و «الدار» على هذا يحتمل الوجهين اللذين تقدما من كونها للآخرة و الدنيا.

و أما المصدر المعرّف باللام فإنهم كرهوا إعماله، و مع ذلك فقد جاء فى التنزيل في موضعين:

أحدهما قوله تعالى: (لاََ يُحِبُّ اَللََّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاََّ مَنْ ظُلِمَ) (2) .

فـ «من» فى موضع الرفع من «الجهر» ، أي: لا يحب اللّه أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم.

و الموضع الآخر قوله تعالى: (وَ لاََ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) (3) أي: أن يشفع أحد إلا الشاهد بالحق.

____________

(1) ص: 46.

(2) النساء: 148.

(3) الزخرف: 86.

466

و من حذف المفعول قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ) (1) .

إن أضمرت المفعول به، كما أضمر في قوله: (كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) (2) ، و المعنى: كلما أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه، جاز ذلك.

و حذف المفعول و إرادته قد كثر عنهم، فلا يكون‏ (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ) (3)

على هذا التأويل مرادا، و لكن يكون مفعولا له، و يكون المفعول المحذوف كأنه: أنا أريد كفّك عن قتلى و امتناعك منه. و نحو ذا مما يدل عليه قوله تعالى:

(مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) (4) .

ألا ترى أن معنى هذا أنه يريد الكف و الامتناع عن مقاتلته، و التقدير:

إنى أريد كفّك عن قتلى كراهة أن تبوء بإثمى و إثمك، و لأن تبوء بإثمي و إثمك.

و قال: (قَتْلَ أَخِيهِ) (5) أي: قتله أخاه، فحذف الفاعل، و قال: (وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) (6) /المصدر فيه مضاف إلى الفاعل.

و المعنى: أنكم أشركتم الآلهة مع اللّه-سبحانه-و كفرتم، كقوله:

(تَبَرَّأْنََا إِلَيْكَ) (7) فى نحو آي تشبهها.

و قوله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللََّهِ) (8) أي: يحبون الأنداد كحب اللّه، فحذف على ما تقدم.

____________

(3-1) المائدة: 29.

(2) البقرة: 20.

(4) المائدة: 28.

(5) المائدة: 30.

(6) فاطر: 14.

(7) القصص: 63.

(8) البقرة: 165.

467

و مثل ذلك جميع ما جاء في التنزيل من قوله تعالى:

(وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ) * (1) (وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْمُحْسِنِينَ) (2) .

فالمصدر مضاف إلى المفعول، و «جزى» فعل يتعدى إلى مفعولين، قال اللّه تعالى: (وَ جَزََاهُمْ بِمََا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً) (3) أي: سكنى جنة.

قال أبو على في قوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمََا صَبَرُوا) (4) أي: جزيتهم بجزاء ما صبروا.

ألا ترى أنهم لا يجزون صبرهم، إنما يجزون جزاء صبرهم، عما حظر عليهم و نهوا عنه.

و كذلك: (اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (5) أي جزاء أعمالكم، إذ أنهم لا يجزون تلك الأعمال التي عملوها، و لكن جزاءها و الثواب عليها.

و أما قوله تعالى: (وَ جَزََاهُمْ بِمََا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً) (6) فيكون على: و جزاهم بصبرهم سكنى جنة و لباس حرير، فيكون على الإلباس و الإسكان الجزاء.

و كذلك ما ذكر من قوله تعالى: (وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا) (7) أي: جزاهم جنة، أي: سكنى جنة دانية عليهم ظلالها، فيكون في المعنى كقوله:

(وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ) (8) .

ـ

____________

(1) المائدة: 29.

(2) المائدة: 85.

(3) الإنسان: 12.

(4) المؤمنون: 111.

(5) الجاثية: 28.

(6) الإنسان: 12.

(7) الإنسان: 14.

(8) الرحمن: 46.

468

و من حذف المفعول قوله تعالى: (فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُرْبََاناً آلِهَةً) (1) . تقديره: الذين اتخذوهم قربانا آلهة.

«قربان» لفظه مفرد في معنى الجمع، كما أريد به التثنية في قوله:

(إِذْ قَرَّبََا قُرْبََاناً) (2) .

و المعنى: قرّب كل واحد منهما قربانا، فحذف المضاف. يقوّى ذلك أن «قربانا» جمع أنه قد جمع في قول ابن مقبل:

كانت لساسته تهدى قرابينا (3)

فلو كان هذا على الظاهر، لثنّى، كما جمع «القرابين» فى قول ابن مقبل و «قربان» فى الأصل مصدر كـ «غفران» ، فمن أفرد، حمل على الأصل، و من جمع، اعتبر اللفظ، لأنه صار اسما، و خرج عن المصدرية، كقوله:

للّه درّ اليوم من لامها (4)

ألا ترى أنه قال: هو بمنزلة: للّه بلادك.

و أما قوله: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذََابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كََاذِبٌ) (5)

فـ «من» مبتدأ الاستفهام، و «يأتيه» الخبر و «يخزيه» صفة العذاب، و «العلم» معلّق، مثلها فى: علمت‏ (6) من في الدار، (وَ مَنْ هُوَ كََاذِبٌ) ، «من» استفهام أيضا، و «هو كاذب» مبتدأ و خبر، فى موضع خبر «من» .

____________

(1) الأحقاف: 28.

(2) المائدة: 27.

(3) صدره:

من مشرف نيط البلاط به‏

(جمهرة أشعار العرب 332) .

(4) عجز بيت لعمرو بن قميئة، و صدره:

لما رأت ساتيدما استعبرت‏

و ساتيدما: جبل.

(5) هود: 93.

(6) في الأصل: «عملت» .

469

و ليس «من» موصولة، لأنه معطوف على «من يأتيه» ، و هو مبتدأ و خبر، لأنها علّقت «العلم» ، و الموصولة لا تعلّق.

و أما قوله تعالى: (قُلْ أَرُونِيَ اَلَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكََاءَ) (1) ، «أرونى» هنا منقولة من: رؤية القلب. و «شركاء» المفعول له الثالث.

و يقوّيه: (أَرُونِي مََا ذََا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ) * (2) . فأقام الجملة الاستفهامية مقام المفعولين.

و «ألحقتم» من قوله: ألحق الحاكم الولد بأبيه، أي: حكم بذلك، و المعنى على ذلك، لأن التقدير: دلونى على هذا الذي تدعونه، و هو من باب علم القلب.

و إن جعلت «أرونى» من «رؤية البصر» كان «شركاء» حالا، أي: أوجدونيهم مشركين، أي: فى هذه الحال، و يكون من «رؤية العين» ، لأن الضلال قد يكون اعتقادا فلا يحسّ.

و إن جعلته من «رؤية البصر» جاز، لأنه أراد: عبادة الأصنام، و ذلك مما يحس، فيكون‏ (شُرَكََاءُ) * (3) على هذا حالا (4)

و يقوى ذلك قوله تعالى: (وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (5) فلم يذكر المفعول الثالث.

____________

(3-1) سبأ: 27.

(2) الأحقاف: 4.

(4) السياق يشعر بتكرار.

(5) الأنعام: 75.

470

و يمكن أن يقال: إنه محذوف «أي «منا» فيكون «كذلك» حالا.

و يجوز أن يكون «كذلك» هو المفعول الثالث.

و أما قوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذََابٌ يُخْزِيهِ) * (1) ، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ) (2) ، (فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ) (3) .

«ما» فيه استفهام.

فمما يدل على ذلك قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً) . (4) ألا ترى أن «ما» لا تخلو فيه من أن تكون استفهاما أو موصولة.

فلو كان صلة لم يخل من ذكر عائد إلى الموصول، فلما جاء (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً) (5) . فلم يذكر «هو» دل على أنه استفهام و ليس بوصل.

فأما قوله تعالى: (فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ) (6) تكون الموصولة، و العائد قد حذف من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، و حذفه من اسم الفاعل لا يكثر كثرة حذفه من الفعل.

و لو جعلت «ما» استفهاما معناه الرفع، و الوضع: مما يقتضيه، يريد:

أن ما/يقتضيه ليس في شي‏ء، لأنك إنما تقتضى في العاجلة. و لو جعلت موضع «ما» نصبا بـ «قاض» لكان قولا.

____________

(1) هود: 39.

(2) الأنعام: 135.

(3) السجدة: 17.

(4) الجن: 24.

(5) الجن: 24.

(6) طه: 72.

471

و أما قوله تعالى: (أَ وَ لاََ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عََامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) (1)

فنقول: من قال «يرون» يحتمل رؤية العين، و رؤية القلب، فمن قال: هو من رؤية القلب، ففى المعنى يتعدى إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سد مسدهما. و أن تكون من رؤية العين أولى؛ لأنهم يستنظرون في مشاهدة ذلك، و الإعراض عنه، و ترك الاعتبار به، و هذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين؛ ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المنصرف عما يشاهد.

و من قرأ (أَ وَ لاََ يَرَوْنَ) فبنى الفعل للمفعول به، كان «أنّ» فى موضع نصب «أنه» مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد، و ذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا؛ و تقول: أ رأيت عمرا كذا، فيتعدى إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدّى إلى مفعول واحد، كالدرهم، فى قولك: أعطى زيد درهما.

و لا يكون «يرون» هنا كالتى في قولك: أرى زيدا منطلقا، لأن المعنى: ليس على: يظنّون أنهم يفتنون فى كل عام؛ إنما المعنى: على أنهم يشاهدون ذلك و يعلمونه علم مشاهدة.

و ليس المعنى: أنهم يظنون الفتنة في كل عام؛ لأن الظن في الفتنة ليس بموضع اعتبار، و إنما فزّعوا على ترك الاعتبار بالمشاهدة، و أنهم مع ذلك لا يتوبون و لا يذكرون فيعتبروا و يتنبهوا على ما يلزمهم الانتهاء و الإقلاع عنه.

____________

(1) التوبة: 126.

472

فهذا وجه قراءة من ضم «الياء» أن قرئ به.

قوله تعالى: (وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ) (1) دخلت اللام فى «إبراهيم» على حدّ دخولها فى: (رَدِفَ لَكُمْ) .

ألا ترى أن «بوّأ» يتعدى إلى مفعولين، قال: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً) (2) .

و قال: (وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) (3) .

فيجوز أن يكون «المبوأ» المفعول الثاني، كما أن‏ (مَكََانَ اَلْبَيْتِ) كذلك، كل واحد منهما يجوز أن يكون ظرفا، و «أن» من قوله: (أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) (4) .

يجوز أن يكون/بمعنى «أي» ، لأن ما قبلها كلام تام، و يجوز أن تكون الناصبة للفعل، وصلت بالنهى كما توصل بالأمر.

و يجوز أن يكون تقديره لإبراهيم، أي: لمكان إبراهيم، أي: مكان دعوته، و هو قوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (5) .

و أما قوله: (أَنْ تَبَوَّءََا لِقَوْمِكُمََا) (6) ، فكالتى في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ) (7) ، و المفعول الأول كعلامة الضمير في قوله: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) * (8) .

____________

(1) الحج: 2.

(2) العنكبوت: 58.

(3) يونس: 93.

(4) الحج: 26.

(5) إبراهيم: 37.

(6) يونس: 87.

(7) النمل: 72.

(8) العنكبوت: 58.

473

ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين:

أحدهما: لا يتعدى، نحو: انشوى، و انتأى، فى مطاوع: شويته، و نأيته.

و الاخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع له، و ذلك نحو: تعلّقته، و تقطّعته، فـ «تعلقته» يتعدى كما تعدى «علّقته» ، و ليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عما كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له.

فإذا كان كذلك، كان «اللام» على الحد الذي ذكرنا.

و يقوّى ذلك قوله تعالى: (وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ) (1) . فدخلت «اللام» على غير المطاوع فى قوله: (أَنْ تَبَوَّءََا لِقَوْمِكُمََا) . (2)

فأما قوله: (مَكََانَ اَلْبَيْتِ) (3) ، فيحتمل ضربين:

أحدهما: أن يكون ظرفا.

و الآخر: أن يكون مفعولا ثانيا.

فأما الظرف: فيدل عليه قول ابن هرمة:

و بوّئت في صميم معشرها # و تمّ في قومها مبوّؤها (4)

فكما أن قوله «فى صميم معشرها» ظرف، كذلك يكون‏ (مَكََانَ اَلْبَيْتِ) .

و المفعول الثاني الذي ذكر في قوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً) (5)

لم يذكره في هذه، لأن الفعل من باب «أعطيت» ، فيجوز ألاّ يذكر، و يقتصر على الأول.

____________

(3-1) الحج: 26.

(2) يونس: 87.

(4) يريد: نزلت من الكرم في صميم النسب.

(5) العنكبوت: 58.

474

و يجوز أن يكون «مكان البيت» مفعولا ثانيا.

و كذلك قوله: (وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) (1) فيجوز أن يكون:

مكانا مثل مكان البيت، و المفعول الثاني فيه محذوف، و هو: القرية، التي ذكرت في قوله: (وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهََا) (2) .

و يجوز أن يكون مصدرا، أي: تبوّأ صدق.

و يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين:

أحدهما: أن/تجعله اسما غير ظرف.

و الآخر: أن تجعله اسما بعد أن استعملته ظرفا، كما قال:

... وسطها قد تفلّقا (3)

و في التنزيل: (هُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ اَللََّهِ) (4) .

و يجوز فيه وجه ثالث: و هو أن يمتنع، فيقرر نصبه، بأن كان مصدرا انتصب انتصاب المفعول به.

و قوله: (وَ بَوَّأَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ) (5) فتقديره: بوأكم في الأرض منازل، أو بلادا، و انتصاب قوله: (بُيُوتاً) (6) على أنه مفعول به، و ليست بظرف لاختصاصها بالبيوت.

____________

(1) يونس: 93.

(2) البقرة: 58.

(3) جزء من بيت للفرزدق، و البيت بتمامه:

أتته بمجموش كأن جبينه # صلاية ورس وسطها قد تفلقا

(الديوان: 596) .

(4) آل عمران: 163.

(6-5) الأعراف: 74.

475

كالـ «غرف» فى قوله: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً) (1) .

فأما قوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ) (2) ، فيجوز في قياس قول أبى الحسن أن يكون قوله «من الجنة» كقولك: نتبوأ الجنة؛ فأما قوله: (حَيْثُ نَشََاءُ) فيحتمل أن يكون ظرفا.

فإذا جعلته ظرفا، كان المفعول الثاني محذوفا، كأنه: نتبوأ الجنة منازلها حيث نشاء.

و يجوز أن يكون «حيث نشاء» فى موضع نصب، بأنه المفعول الثاني؛ و «بوأته منزلا» من قولك: باء فلان منزلا، أي: لزمه، و تعدّيه إلى مفعولين، و إن كنا لا نرى ذلك، و لكن يدل على ذلك «المباءة» ؛ و قالوا فى «المباءة» هى المراح تبيت فيه، فـ «المباءة» اسم المكان.

فإذا كان اسم المكان: مفعلا، أو مفعلة، فالفعل منه قد يكون: فعل، يفعل، أو يفعل؛ فكأنه: باء المنزل، و بوّأته أنا المنزل.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهََا رَضُوا) (3) أي: فإن أعطوا شيئا منها رضوا. و عند الأخفش: إن أعطوها رضوا و من ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ) (4) . تقديره:

أسكنت ناسا أو جماعة من ذريتى. و عن الأخفش، أسكنت ذريتى.

____________

(1) العنكبوت: 58.

(2) الزمر: 74.

(3) التوبة: 58.

(4) إبراهيم: 37.

476

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ) (1)

أي: أخفى سره، كقوله: (عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً) (2)

و قيل: بل تقديره: بل أخفى من السر، فحذف الجار و المجرور، كقوله:

اللّه أكبر، أي: أكبر من كل شى‏ء.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمََّا جََاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هََذََا) (3) .

و قيل: /التقدير: أ تقولون للحق لما جاءكم هذا سحر؟فحذف الجملة، ثم ابتدأ، فقال: أ سحر هذا؟فحسن الوقف على «جاءكم» .

و قيل: هو على التكرير، كقولك: أ تقول: أ عندك مال؟فيكون تأكيدا، لأنك لو قلت: أ عندك مال؟لكفى.

و قيل: يجوز أن يكون حكاية قولهم على التعجب، فيكون قوله «أ سحر هذا» مفعول «أ تقولون» حكاية بينهم على التعجب.

و زعم الرّازى: (لَمََّا جََاءَكُمْ) كأنه ذهب إلى قول قاسم: إن التقدير:

أ تقولون للحق لما جاءكم هذا سحر!فأضمر المفعول، ثم استأنف فقال:

(أَ سِحْرٌ هََذََا) (4) .

و من حذف المفعول، قوله تعالى: (أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (5)

____________

(1) طه: 7.

(2) الجن: 26.

(4-3) يونس: 77.

(5) المطففين: 3.

477

التقدير: أو وزنوا لهم ما يوزن يخسرونهم الموزون، فحذف المفعول من «أو وزنوهم» و المفعولين من «يخسرون» .

فأما قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) (1) ؛ فـ «من» زيادة عند الأخفش، أي: لننزعن كل شيعة، و الفعل معلّق عند يونس، نحو: علمت لزيد في الدار، لأن النزع هذا يراد به التمييز.

و قال الخليل: هو رفع على الحكاية، على تقدير: من يقال له: أيّهم.

و قال سيبويه: هو نصب، مفعول «لننزعن» لكنه بنى على الضم، على تقدير: أيّهم هو أشد.

و قد ذكرنا وجه كل قول في الخلاف.

و أما قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدََّارَ وَ اَلْإِيمََانَ) (2) فيكون على: تبوءوا دار الهجرة و اعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوّأ، فيكون كقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ) (3) .

و يجوز على: تبوّءوا الدّار مواضع الإيمان.

و يجوز أن يكون: تبوءوا الإيمان، على طريق المثل، كما قال: تبوأ من بنى فلان الصميم.

و حذف المفعول كثير جدا.

و أما قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاََ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ) (4) .

____________

(1) مريم: 69.

(2) الحشر: 9.

(3) يونس: 71.

(4) الرعد: 14.

478

فيجوز أن يكون التقدير: و الذين تدعونهم، فحذف العائد إلى «الذين» ، و يعنى به الأصنام، و الضمير فى «تدعون» للمشركين، أي: الأصنام الذين يدعوهم المشركون من دون اللّه، لا تستجيب لهم الأصنام بشى‏ء.

و يجوز أن يكون التقدير: و المشركون الذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول، و العائد إلى «الذين» «الواو» فى تدعون.

[و أما قوله تعالى‏] (1) (إِلاََّ كَبََاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى اَلْمََاءِ لِيَبْلُغَ فََاهُ) (2) [أي‏] (3) :

إلا كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، فالمصدر المحذوف المشبه به في تقدير الإضافة إلى المفعول به، و فاعل المصدر مراد في المعنى، و هو: الماء.

المعنى: كاستجابة باسط كفيه إلى الماء الماء، كما أن معنى:

(بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ) (4) ، و (مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ) (5) ، لم يذكر معهما الفاعل فكذلك هاهنا. و «اللام» متعلق بالبسط.

و أما قوله: (وَ مََا هُوَ بِبََالِغِهِ) (6) فيأتيك في اختلافهم في عود الضمير إلى ما قبله، و هو باب مفرد.

و أما قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ) (7) فيجوز فيه التقديران المتقدمان.

يجوز: أولئك الذين يدعونهم يبتغون، فحذف العائد.

و يجوز أن يكون التقدير: أولئك المشركون الذين يدعون غير اللّه يبتغون إلى ربهم الوسيلة.

و حذف العائد من الصلة إلى الموصول أكثر من أن أحصيه لك في التنزيل.

____________

(3-1) تكملة يقتضيها السياق.

(6-2) الرعد: 14.

(4) ص: 24.

(5) فصلت: 49.

(7) الإسراء: 57.

479

قال: (أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً) (1) أي: بعثه اللّه، و لم يأت في الصلة «الهاء» فى التنزيل إلا في مواضع معدودة، منها:

قوله تعالى: (اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَتْلُونَهُ) (2) و بعده: (يَعْرِفُونَهُ) * (3)

فى موضعين من البقرة.

و قال اللّه تعالى: (إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ) (4) .

و قال: (اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ) * (5) فى سورة الأنعام.

و قال: (كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ فِي اَلْأَرْضِ) (6) .

و قال: (وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا) (7) .

و قال: (وَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (8) .

و قال: (وَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَفْرَحُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (9) من ربّك و قال: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ) (10) فى الأنعام أيضا.

و قال: (وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ فَالَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (11)

فهذه مواضع، جاء فيها العوائد إلى الموصولات، و هي مفعولات، و أمكن حصرها، و لا يمكن حصر ما حذف لكثرته.

____________

(1) الفرقان: 41.

(2) البقرة: 121.

(3) البقرة: 146.

(4) البقرة: 275.

(5) الأنعام: 20.

(6) الأنعام: 71.

(7) الأعراف: 175.

(8) الأنعام: 114.

(9) الرعد: 36.

(10) الأنعام: 89.

(11) العنكبوت: 47.

480

فأمّا إذا اتصل به الجار، فإنه قد جاء محذوفا في موضعين:

أحدهما قوله: (وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا) (1) أي: خاضوا فيه.

و قال: (ذََلِكَ اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ عِبََادَهُ) (2) /التقدير: ذلك الذي يبشر اللّه به، فحذف «الباء» ثم «الهاء» .

و يحكى عن يونس أنه أجرى «الذي» فى الآيتين مجرى «ما» ، فجعله فى حكم المصدر، على تقدير: و خضتم كخوضهم، و: ذلك تبشير اللّه عباده.

كقوله تعالى: (سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ) (3) أي: بصبركم.

و قال: (كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا) (4) أي: نسيانهم. و غير ذلك.

و أما قوله: (فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ) ، (5) و (يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ) (6) .

فقد ذكرنا أن التقدير: بما تؤمر به؛ أي، بما تؤمر بالصدع به.

و قد شرحناه في باب حذف المضاف.

و قوله تعالى: (بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ) * (7) أي: بما عهد به عندك، فحذف «به» إن جعلت «ما» موصولة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللََّهُ لِمَنْ يَشََاءُ) (8) .

____________

(1) التوبة: 69.

(2) الشورى: 23.

(3) الرعد: 24.

(4) الأعراف: 51.

(5) الحجر: 94.

(6) الصافات: 102.

(7) الأعراف: 134.

(8) النجم: 26.

481

المعنى: لا تغنى شفاعتهم أن لو يشفعوا، ليس أنّ هناك شفاعة مثبتة.

فأطلق على المعنى الاسم، و إن لم يحذف، كما قال:

لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى # صوت الدّجاج و قرع بالنّواقيس‏ (1)

و المعنى، انتظار أصواتها. فأوقع عليه الاسم، و لمّا يكن، فإضافة الشفاعة إليهم كإضافة الصوت إليها.

و قوله: (لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَرْضى‏ََ) (2) أي: لمن يشاء شفاعته، على إضافة المصدر إلى المفعول به، الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف، فصار: لمن يشاؤه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء (3) ، كما أن «يرضى» تقديره: يرضاه.

و من ذلك قوله تعالى: (أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى) (4) .

«أ فرأيتم» بمنزلة «أخبرونى» . و «اللات» المفعول الأول. و «لكم» سد مسد الثاني.

و المعنى: أرأيتم أن جعلتم اللات و العزى بناتا للّه أ لكم الذّكر؟ فإن قلت: فقد نص على أن الموصول لا يحذف، فكيف ساغ هذا؟ قيل: هذا جائز لأن هذا المعنى قد تكرر، و هو معلوم، و دل على حذفه (أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ) (5) .

____________

(1) البيت لجرير بن عطية بن الخطفي.

(2) النجم: 26.

(3) في الأصل: «ثم حذف الياء» .

(4) النجم: 19.

(5) النجم: 21.

482

و من ذلك قوله: (وَ لاََ تُؤْتُوا اَلسُّفَهََاءَ أَمْوََالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ قِيََاماً) (1)

أي: جعلها اللّه لكم قياما، أي: ذا قوام معايشكم و معايش سفهائكم.

فعلى هذا «جعل» بمعنى «صير» ، فحذف المفعول الأول، و هو الهاء، و المفعول الثاني المصدر الذي هو بمعنى: القوام.

و قيل: يعنى الأموال التي جعلتم قوّاما عليها و حفظة لها على السفهاء.

فعلى هذا «قياما» جمع «قائم» . و هو في معنى الحال، و المفعول مضمر، أي:

جعلها لكم قياما على هذا، أي: لسفهائكم، كما أن «أموالكم» فى أحد التأويلين:

أموال سفهائكم، فحذف، و الذكر إلى الموصول كان مجرورا بـ «على» ، فحذف كما حذف: كالذى كانوا عليه، أي: جعلكم اللّه قواما لسفهائكم قياما عليها.

قوله تعالى: (وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ) (2) ، «فى السماء» أي:

فى كتاب، لقوله: (وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ) (3) ، و (وَ مََا تُوعَدُونَ) أي: توعدونه من الثواب و العقاب، لأن هذا اللفظ قد وقع عليهما بالثواب قوله: (هََذََا مََا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ اَلْحِسََابِ) و (هََذََا مََا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوََّابٍ) (4) .

قوله: (وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً) (5) ، «فجّر» فعل يتعدى إلى مفعول واحد.

قال اللّه: (وَ فَجَّرْنََا خِلاََلَهُمََا نَهَراً) (6) فالعيون يحتمل انتصابها على وجهين:

أحدهما: أن يكون بدلا من «الأرض» ، على حد: ضرب زيد رأسه، لأن «العيون» بعض «الأرض» .

____________

(1) النساء: 5.

(2) الذاريات: 22.

(3) الرعد: 39.

(4) ق: 32.

(5) القمر: 12.

(6) الكهف: 33.

483

أو يريد (1) : فجرناها بعيون، فحذف الجار، و لا يكون حالا، لأنه ينبغى أن يكون ذا الحال، «و العيون» لا تكون كل الأرض.

و يجوز أن يقدر: ذات عيون، على حذف المضاف.

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ اَلنََّاسِ يَسْقُونَ) (2) .

أي: يسقون مواشيهم. (وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ) (3) .

أي: تذودان مواشيهم. (قََالَ مََا خَطْبُكُمََا قََالَتََا لاََ نَسْقِي) (4) . أي: لا نسقى مواشينا (حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ) (5) . أي: يصدروا مواشيهم، فيمن ضم الياء.

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَ مََا جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْنََاكَ إِلاََّ فِتْنَةً لِلنََّاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ) (6) . «فتنة» مفعول ثان، و «الشّجرة» معطوفة على «الرؤيا» . و مفعولها الثاني مكتفى منه بالمفعول الثاني الذي هو «الفتنة» ، و «الرؤيا» ليلة الإسراء، و «الشجرة» : الزقوم. و «الفتنة» أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، و النار تأكل الشجرة.

و من ذلك قوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنََاقِ) (7) . يحتمل أمرين:

أحدهما: يكون: مكانا فوق الأعناق، فحذف المفعول/و أقيمت الصفة مقام الموصوف، و فيها ذكر منه.

و يجوز أن يجعل المفعول محذوفا. أي: فاضربوا فوق الأعناق الرؤوس، فحذفت.

ـ

____________

(1) هذا هو ثاني الوجهين.

(2) القصص: 23.

(3) القصص: 23.

(5-4) القصص: 23.

(6) الإسراء: 60.

(7) الأنفال: 12.

484

و الآخر: أن تجعل «فوق» مفعولا على السّعة، لأنه قد جاء اسما نحو:

(وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوََاشٍ) (1) . و قالوا: فوقك رأسك، فتجعل «فوق» على هذا مفعولا به، و يقوى ذلك عطف البيان عليه، كأنه قال: أضربوا الرأس، و اضربوا كل بنان.

و قال: (فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ) (2) ، كأن المعنى: ارتفعن على هذه العدة، أي: زدن عليها، و كأن الآية علم منها الزائدات على اثنتين، و علم حكم الاثنتين، و أنهما ترثان الثلثين، كما ترث الثّلثين الزائدات على الاثنتين، من أمر آخر من توقيف و إجماع عنه.

و أما قوله تعالى: (وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ) * (3) ، يكون «فوق» ظرفا، و يكون حالا، فإذا كان ظرفا كان كقوله: (وَ اَللََّهُ غََالِبٌ عَلى‏ََ أَمْرِهِ) (4) ، و يعلّق بالظاهر.

و يجوز أن يكون ظرفا حالاّ فيه ذكر مما في اسم الفاعل، و لا يجوز أن يكون فيه ذكر من الألف و اللام.

و يجوز فى (على أمره) أن يكون حالا مما فى «غالب» .

____________

(1) الأعراف: 41.

(2) النساء: 11.

(3) الأنعام: 18.

(4) يوسف: 21.

485

قال سيبويه: و تقول: «أخذتنا بالجود» .

قوله: امتنع «فوق» من الحمل على «الباء» و إن كانت «من» تدخل عليها، كما امتنعت «عند» من ذلك، أي: من مع ذلك، و لهذا امتنعت، لا لأن «الجود» ليس فوقه مطر، ألا ترى أن «الوابل» فوق الجود، قال:

إن دوّموا جادوا و إن جادوا و بل‏ (1)

و معنى هذا الكلام: أخذتنا السماء بالجود من المطر، و بمطر فوق الجود.

لأن العرب لا تكاد تدخل «الباء» على «فوق» لا يقولون: أخذتنا بفوق الجود. و إنما يقولون: أخذتنا بمطر فوق الجود، و لو جررت جاز، و ليس الاختيار.

و من ذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً) (2) .

أي: كيف تتقون عذاب يوم، أو جزاء يوم، فـ «اليوم» على هذا اسم لا ظرف.

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَ لاََ يَحُضُّ عَلى‏ََ طَعََامِ اَلْمِسْكِينِ) * (3) . من أجرى الطعام مجرى الإطعام، كما حكاه البغداديون: عجبت من طعامك طعامنا، كان المصدر مضافا إلى المفعول/و الفاعل محذوف، أي: من إطعامه المسكين، و أصله: على طعام المطعم المسكين.

____________

(1) صدره:

هو الجواد ابن الجواد ابن سبل‏

(اللسان: دوم) .

(2) المزمل: 17.

(3) الماعون: 3.

486

و من لم يعمل «الطعام» عمل الفعل كان «الطعام» عنده عينا كقوله: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ) (1) تقديره عنده: على إطعام طعام المسكين، لا يكون إلا كذلك، لأن الحض لا يقع على العين، و الطعام على هذا منصوب الموضع، بالإطعام المراد، و إضافة الطعام على هذا إلى المسكين، هو للملابسة بينهما.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ وَصََّى بِهََا إِبْرََاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يََا بَنِيَّ) (2) .

التقدير: و وصّى بها إبراهيم بنيه و يعقوب بنيه.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ) * (3) أي:

غير باغ الميتة قصدا إليها، أي: لا يطلبها تلذذا بها، و اقتضاءا لشهوة، و لا يعدو حدّ ما يسدّ به رمقه، فحذف المفعولين من «باغ» و «عاد» .

و التقدير: فمن اضطر فأكل الميتة غير باغيها و لا طالبها تلذذا بها؛ فانتصاب قوله «غير باغ» على الحال من الضمير الذي فى «أكل» المضمر، لدلالة الكلام عليه. ألا ترى أن المنصوب يقتضى الناصب. و في الآية إضمار الجملة، و إضمار المفعولين.

فإن قلت: فلم لا تجعل «غير باغ» حالا من الضمير فى «اضطر» دون الضمير فى «أكل» ؟فإن الآية سيقت في تحريم أكل الميتة.

ألا ترى أن قبل الآية: (إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ) * (4) ثم عقّب التحريم بقوله: (فَمَنِ اُضْطُرَّ) * ، فوجب أن يكون التقدير: فأكل غير باغ بها.

____________

(1) الإنسان: 8.

(2) البقرة: 132.

(4-3) البقرة: 173.

487

و إذا لم تحمله على «أكل» ، و حملته على «اضطرّ» ، لم يكن لقوله «باغ» مفعول، و «باغ» متعد.

ألا ترى قوله: (تَبْغُونَهََا عِوَجاً) * (1) و التقدير: تبغون لها عوجا.

فإن قيل: لا يكون «باغ» هاهنا بمعنى: الطالب، و إنما يكون من قوله:

(إِنَّ قََارُونَ كََانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ََ فَبَغى‏ََ عَلَيْهِمْ) (2) . فيكون التقدير في الآية:

فمن اضطرّ غير باغ على الإمام، و لا عاد على الأمة بقطع الطريق.

قلنا: إنك في هذا القول أضمرت الجار و المجرور، و نحن أضمرنا المفعول، و كلاهما و إن جاء في التنزيل، فإضمار المفعول أحسن، لأنه أقرب و أقل إضمارا، على أن الآية فى ذكر الميتة، و ليس من ذكر الإمام و الأمة في شى‏ء.

و أبدا إنما يليق الإضمار بما تقدم فى/الكلام حتى يعود إليه، و لا يضمر شى‏ء لم يجر ذكره، و الآية متعلقة به، فجميع ما جاء في التنزيل من قوله: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ) * (3) إنما جاء عقيب ذكر الميتة، و تحريم أكلها، و لم يأت فى موضع بعد حديث الإمام و الأمة، فما بال العدول عن نسق الآية إلى إدخال شى‏ء في الكلام، و إضماره، و لم يجر له ذكر، فانتصاب «غير» إنما هو على الحال من الضمير فى «أكل» لا فى «اضطرّ» .

____________

(1) آل عمران: 99.

(2) القصص: 76.

(3) البقرة: 173.

488

فإن قلت: فهل يجوز حذف الصلة، و إبقاء الموصول، و الصلة بعض الموصول، و لا يجوز حذف بعض الاسم، فإذا أضمرتم «أكل» فهو داخل فى صلة «من» ، فما وجه ذلك؟ قلنا: إن «من» وصلت بفعلين: أحدهما «اضطرّ» و الآخر «أكل» ، فإذا ذكر «اضطرّ» و ذكر ما انتصب عن فاعل «أكل» كان «أكل» كالمذكور الثابت في اللفظ، إذ المنصوب لا بد له من الناصب.

و إذا ذكرت «اضطرّ» و جعلت «غير باغ» حالا من الضمير فيه، ثم أضمرت بعده «أكل» كنت أضمرت شيئا يستغنى عنه في الصلة؛ لأن الموصول قد تم بالفعل و ما يقتضيه، و لم تذكر معمولا يحتاج إلى عامل، و كنت كأنك أضمرت شيئا فاضلا.

فالأحسن أن تضمر الفعل بجنب الفعل، و يصرف الحال إلى الضمير فى الفعل المضمر دون الفعل الظاهر، و إضمار «أكل» على الحد الذي أضمرنا يقتضيه نصب «غير باغ» و تعليق الغفران به.

و على الحد الذي يقوله السائل، يضمره لتعلق الغفران به، دون تعليق الحال به.

و هكذا القول‏[فى‏] (1) : (فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجََانِفٍ لِإِثْمٍ) (2)

فأكل غير متجانف لإثم.

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

(2) المائدة: 3.

489

فانتصاب «غير» إنما هو من فاعل «أكل» و فيه قولان:

أحدهما: أن يأكل ما حرّم عليه مما قدّم ذكره من غير ضرورة.

و الثاني: ألاّ يتجاوز في الضرورة ما أمسك الرمق، و لا ينتهى إلى حدّ الشّبع.

و يجوز، على القول الأول، أن ينتهى إلى حد الشبع.

فإن قيل: إذا كان هذا الأكل مباحا فلما ذا (1) عقبه قوله: (فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2) و لا معصية هناك؟ فجوابنا: أن المراد به أنه غفور إن وقع في هذه/الرّخصة ضرب من التجاوز، لأن ذلك مبنىّ على الاجتهاد؛ و أنه رحيم من حيث رخّص فى ذلك عند الشدّة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا أَكَلَ اَلسَّبُعُ) (3) أي: ما أكله السبع، أي:

أكل بعضه، فحذف المضاف المفعول.

و من ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ) (4) .

أي: و السموات غير السموات.

و مثله ما روى من قوله عليه السلام: «ألا لا يقتل مسلم بكافر و لا ذو عهد فى عهده» أي: و لا ذو عهد في عهده بكافر. و نحو ذلك مما يذكر على تكرير المفعول فيه، و حذفه لتقدم ذكره فيما تقدم من الكلام.

و من حذف الفاعل و إضافة المصدر إلى المفعول قوله تعالى: (يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ) (5) أي: كخشيتهم من اللّه. و قوله: (يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ) (6) .

____________

(1) في الأصل: «فلم ذا» .

(2) المائدة: 3.

(3) المائدة: 3.

(4) إبراهيم: 48.

(5) النساء: 77.

(6) البقرة: 74.

490

و أما قوله: (وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ) (1) ، فـ «الساعة» مفعول به حقيقة، و ليس على الاتساع، و جعل الظرف مفعولا على السعة.

ألا ترى أن الظرف إذا جعل مفعولا على السعة فمعناه: متّسعا فيه، بمعنى الظرف.

و إذا كان كذلك كان المعنى: يعلم الساعة، و ليس ذلك بالسهل، لأنه سبحانه يعلم على كل حال، و إنما معنى «يعلم الساعة» أي: يعرفها و هى حق، و ليس أمرها على ما أنتم عليه من إنكارها، من قوله: (لاََ تَأْتِينَا اَلسََّاعَةُ) (2) .

و إذا كان كذلك فمن نصب «و قيله» (3) كان حملا له على المعنى، و موضع «الساعة» منصوب في المعنى، لأنه مفعول بها.

و قيل: إن «قيله» منتصب بالعطف على قوله: (لاََ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوََاهُمْ) (4) ، «و قيله» .

قال أبو على: و وجه الجر في قوله «و قيله» على قوله: (وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ) (5) أي: يعلم الساعة، و يصدّق بها، و يعلم قيله‏ (6) .

و معنى يعلم «قيله» أي: يعلم أن الدعاء مندوب إليه، نحو قوله:

(اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (7) . و (اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً) (8) .

____________

(5-1) الزخرف: 85.

(2) سبأ: 3.

(3) الزخرف: 88.

(4) الزخرف: 80.

(7) غافر: 60.

(6) ساق المؤلف وجه المعنى على الجر و لم يسق وجه اللفظ. فمن جر جعل «و قيله» عطف على الساعة، و على أنها أمر القسم و الجواب محذوف، أي: لينصرن، أو لأفعلن بهم ما أشاء. (البحر 8: 30) .

(8) الأعراف: 55.

491

قلت: فى قول أبى علىّ هذا فيه نظر، لأن الضمير في قوله: (وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ) (1) يعود إلى اللّه سبحانه، هو العالم بوقت حلولها.

و إنما التقدير: و عنده علم وقت الساعة، و لا يتوجه على هذا عطف «و قيله» على موضع «الساعة» /على معنى ما قال أبو علىّ «و يعلم قيله» .

أي: يعلم أن الدعاء مندوب إليه، لأن هذا مما الأشبه به أن يكون من صفة الرسول، و بعد أن يعلم أن المصدر، الذي هو «قيل» ، مضاف إلى «الهاء» ، و هي مفعولة في المعنى لا فاعلة، أي، و عنده علم أن يقال: (يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ) (2) و المصدر هنا مضاف إلى المفعول لا إلى الفاعل.

و إنما هو من باب قوله: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ) (3) أي:

بسؤاله إياك نعجتك، لا بد من هذا التقدير.

ألا ترى أنه لا يجوز أن نقدره على أنه: و عنده علم أن يقول اللّه: (يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ) (4) لأن هذا إنما يقال للّه تعالى دون أن يكون هو سبحانه يقول: «يا ربّ إنّ هؤلاء» كذا، فتم الكلام على «يؤمنون» .

و أحسن من جميع ما ذكره أبو علىّ: أن يكون نصب «قيل» ، بالعطف على مفعول «يعلمون» .

و التقدير: و هم يعلمون الحق، «و قيله» أي قول الحق، أو قول محمد عليه السلام، و المراد بـ «قيله» : شكواه إلى ربه. و يجوز أن يكون ينتصب «قيله» بفعل مضمر، أي: قال قيله و شكواه.

____________

(1) الزخرف: 85.

(4-2) الزخرف: 88.

(3) ص: 24.

492

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ) (1) .

أي: أخذ ربك القرى، إذا أخذ القرى، إن أخذه القرى أليم شديد، فحذف المفعولين في الموضعين.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ) (2) ، إذا جعلته من «الإحباب» الذي هو إرادة، فإن الحب في القياس كان ينبغى أن يكون الإحباب، و لكن المصدر حذف منه، كما حذف من: عمرك اللّه،

و كما حذف في قوله: # و إن يهلك فذلك كان قدرى

أي: بقدري.

و كما قال: أبغضت قوما، يريد: قياما.

و أضاف المصدر إلى المفعول، و إن كان محذوفا، كما نصب الاسم فى «عمرك اللّه» و أضافه إلى المفعول، و إن كان محذوفا منه، و كما قال:

و بعد عطائك المائة الرتّاعا (3)

أي: «إعطائك» ، و استغنى بإضافة المصدر إلى المفعول عن إعمال الفعل الذي هو «أحببت فيه» .

لأن المفعول قد يحذف من الكلام، إذا قامت عليه دلالة في مواضع، و من حمل «أحببت» على البروك، من قوله:

بعير السّوء إذ أحبّا (4)

فإن «حبّ الخير» ينبغى أن ينتصب على أنه مفعول له.

____________

(1) هود: 102.

(2) ص: 32.

(3) عجز بيت للقطامي، صدره:

أ كفرا بعد رد الموت عني‏

(4) جزء من بيت لأبي محمد الفقعسي، و البيت:

حلت عليه بالقفيل ضربا # ضرب بعير السوء إذ أحبا

القفيل: السوط. و معنى الآية على هذا: لصقت بالأرض لحب الخيل حتى فاتتني الصلاة.

493

قوله تعالى/: (فَاجْعَلْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لاََ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لاََ أَنْتَ مَكََاناً سُوىً) (1) .

فانتصاب «مكان» على أحد أمرين: إما أن تنصبه «بموعد» على: موعد مكانا. أي: تعدنا مكانا، مثل:

مغار ابن همّام على حىّ خثعما (2)

و الآخر: أن يكون مفعولا ثانيا لـ «جعلت» ، على أن يكون على الكلام قبل دخول «جعل» : موعدك مكانا سوى، كما تقول: موعدك باب الأمير، و كما قرئ: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ) (3) ، فيجعل «الموعد» الباب، و «اليوم» المكان على الاّتساع، و تدخل «جعلت» عليه كما دخلت في قوله تعالى: (وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً) (4) .

و أن تحمله على» جعلت «أوجه، لأن «الموعد» قد وصف، و إذا وصف لم يسغ أن يعمل عمل الفعل.

ألا ترى أنه لم يستحسن: هذا ضارب ظريف زيدا، و لا يكون (مَكََاناً سُوىً) محمولا (5) على «نخلفه» لأنه ليس المعنى: لا نخلف الموعد فى مكان عدل و وسط بيننا و بينكم، إنما المعنى: تواعدوا مكانا وسطا بيننا لنحضره جميعا.

____________

(1) طه: 58.

(2) عجز بيت لحميد بن ثور، صدره:

و ما هي إلا في إزار و علقة

(3) طه: 59.

(4) الزخرف: 19.

(5) في الأصل: «محمول» . تحريف.

494

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمََا عَلَّمْنََاهُ) (1) ، العامل فى «اللام» المصدر الذي هو «العلم» ، و نحمله على ضربين:

أحدهما: أن يكون مفعولا له.

و الآخر: أن يكون مثل: (رَدِفَ لَكُمْ) (2) .

و المعنى أنه يعلم ما علمناه، أي: لم ينسه، و لكن تمسّك به فلم يضيعه.

و قال: (وَ إِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ مََا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ) (3) ، لا يجوز أن يكون «ما» نفيا.

ألا ترى أن من نابذهم أصحاب الكهف و خرجوا عنهم كانوا كفارا؛ فإذا حملت «ما» على النفي كان عكس المعنى، فإذا لم يجز أن يكون «ما» نفيا مع القراءة بالياء، احتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون بمعنى «الذي» ، كأنه: و إذ اعتزلتموهم و الذين يعبدونه من دون اللّه، و ذلك آلهة كانوا اتخذوها.

يدلك على ذلك قوله: (هََؤُلاََءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (4) .

و يقوّى ذلك قوله تعالى: (وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ) (5)

فى قصة إبراهيم، و كانوا قد اتخذوا أيضا آلهة.

و يجوز أن تكون «ما» مصدرية/على تقدير: و إذ اعتزلتموهم و عبادتهم إلا عبادة اللّه، فيكون الاستثناء منقطعا و المضاف محذوفا، و «ما» منصوب المحل بالعطف على المفعول.

____________

(1) يوسف: 68.

(2) النمل: 72.

(3) الكهف: 16.

(4) الكهف: 15.

(5) مريم: 48.

495

و من حذف المفعول قوله تعالى: (فَلَمََّا آتََاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ) (1) .

أي: فلما آتاهم ما تمنّوا.

و مثله: (مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْعََاجِلَةَ عَجَّلْنََا لَهُ فِيهََا مََا نَشََاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) (2) أي: لمن نريد تعجيله له، و «الهاء» فى «تعجيله» يعود إلى «ما نشاء» ، و التي فى «له» تعود إلى الموصول.

و ليس هذا على حد: الذي مررت زيد، و أنت تريد: الذي مررت به، فيمكن أن يكون على حد: من تنزل عليه أنزل.

ألا ترى أن «اللام» الجارة و التعجيل قد جرى ذكرهما، و ما حذف على هذا النحو كان في حكم المثبت، فأما اللام فى «لمن نريد» فيحتمل ضربين:

أحدهما: أن يكون المعنى: هذا التعجيل «لمن نريد» ليس لكل أحد، كقوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى‏ََ) . (3) أي: هذه التوسعة لمن اتقى ما أمر أن يتقيه.

و الآخر: أن يكون بدلا من «اللام» الأولى التي في قوله: (عَجَّلْنََا لَهُ) (4) ، كأنه: عجلنا لمن نريد ما نشاء، فيكون «ما نشاء» منتصبا بـ «عجّلنا» .

و من حذف المفعول قوله تعالى: (وَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ) . (5) أي: و وهبنا لهم من ذرياتهم فرقا مهتدين، لأن الاجتباء يقع على من كان مهتديا.

____________

(1) التوبة: 76.

(4-2) الإسراء: 18.

(3) البقرة: 203.

(5) الأنعام: 87.

496

و أما قوله تعالى: (وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (1) الضمير الذي بعد الضمير المرفوع فى «كالوا» منصوب، و ليس بمرفوع على أن يكون وصفا للمضمر، لأن المعنى ليس عليه.

و ذلك أن المراد: أنهم إذا قبضوا من الناس استوفوا منهم المكيال، و إذا دفعوا إليهم بخسوهم، فمن هنا استحقوا الوعيد في التّطفيف، و إنما هو على: «كلتك» و «وزنتك» .

فالمعنى: إذا قبضوا من الناس استوفوا، و إذا أقبضوا الناس لم يوفوهم، فهذا موضع ذمهم، و المكان الذي استحقوا منه الوعيد. و التقدير: و إذا كالوا الناس أو وزنوهم، أخسروهم مكيلهم و موزونهم فيخسرون، يراد تعديته إلى مفعولين/، و حذف المفعولين، يدلك على ذلك، أن «خسر» يتعدى إلى مفعول، بدلالة قوله تعالى: (خَسِرَ اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةَ) (2) فإذا نقلته بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، تقول: أخسرت زيدا ماله، فتعديه إلى مفعولين، و هو من باب «أعطيت» ، فكذلك أريد المفعولان في قوله: (يُخْسِرُونَ) ، فحذف المفعولان، كما حذف فيما يتعدى إلى مفعولين، الثاني منه هو الأول في المعنى، كقوله: (كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) * (3) و قوله: (فَهُوَ يَرى‏ََ) (4) .

ـ

____________

(1) المطففين: 3.

(2) الحج: 11.

(3) القصص: 62.

(4) النجم: 35.

497

و من حذف المفعول قوله: (بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ) (1) . أي: بما حفظهن اللّه. و قد قرئ بالنصب.

قال الفراء: و تقدير هذا: بالذي حفظ أمر اللّه، نحو قوله: (وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ) (2) . و قوله: (مُحْصَنََاتٍ غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ وَ لاََ مُتَّخِذََاتِ أَخْدََانٍ) (3) .

و لست أشتهى النصب، لأنه مصدر، و ليس يقصد شيئا، فأما إذا كان مصدرا، خلا الفعل من الفاعل، لأنه حرف عندهم ذهبو فيه إلى قول سيبويه، و لكن إذا نصب جعل «ما» بمنزلة «الذي» .

قوله تعالى: (وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللََّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ) (4) .

استدل مستدل على أن الحركات «ترى» لأنه لم يتعد «رأيت» إلا إلى مفعول واحد. فلو لا أن معناها الرؤية، التي هي حسّ البصر، لتعدّى إلى مفعول ثان.

فالقول عندنا: إن الذي ذهب إليه في ذلك ليس له دلالة فيه، على ما ذكر، لغير شي‏ء:

أحدها: أن (سيرى) من قوله: (فَسَيَرَى اَللََّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ) (5) لا يراد به الحس، لأن من أعمالهم ما لا يحس بالأبصار، نحو الآراء و الاعتقادات.

____________

(1) النساء: 34.

(2) الإسراء: 32.

(3) النساء: 25.

(5-4) التوبة: 105.

498

و لأن المعنى فى‏ (فَسَيَرَى اَللََّهُ) أنهم يجازون على أعمالهم جزاء هو ثواب أو عقاب، كما يعرف عريف الجيش من هو عليهم بحلاهم و صفاتهم.

و على هذا تقول لمن توعد: قد علمت ما صنعت، لا تريد أن تفيده أنك فهمته، و لكن توعده و تهدده بالجزاء عليه.

و كذلك قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (1) أي: يرى الجزاء عليه، /و ليس يراد به الرؤية التي هي إدراك البصر؛ ألا ترى أن فى الجزاء و في الثواب أو العقاب ما لا يعلم بإدراك البصر.

و مثله قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ) (2) أي:

يجازيهم عليه.

و كذلك قراءة من قرأ: (فَلَمََّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اَللََّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) (3) .

أي: جازى على بعض، و هو إفشاء السر، الذي كان أسرّه-عليه السلام-إلى بعض أزواجه، و أعرض عن بعض ما أغضى عنه، و لم يخبر به.

و ليس المعنى على أنه عرف ذلك عرفانا، ألا ترى أنه-عليه السلام- عرف جميع ما أسره، و لا يجوز أن يكون عرّف بعضا، و لم يعرّف بعضا.

فكما أن هذه الآي على الجزاء، فكذلك‏ (فَسَيَرَى اَللََّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ) (4) .

____________

(1) الزلزلة: 7.

(2) النساء: 63.

(3) التحريم: 3.

(4) التوبة: 105.

499

و جزاء الرسول هو دعاؤه لهم أو عليهم، و تزكيته إياهم بذلك أو لعنه لهم، و جزاء المسلمين هو الولاية أو البراءة.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا جََاوَزََا) (1) أي: مكان الحوت؛ فحذف المفعول.

قوله: (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (2) (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) * (3) ، فالقول في ذلك أنّ «تبع» فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة تعدّى إلى مفعولين.

يدلك على ذلك قوله تعالى: (وَ أَتْبَعْنََاهُمْ فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً) (4) ، و في أخرى: (وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ لَعْنَةً) . (5) لما بنى الفعل للمفعول، قام أحد المفعولين مقام الفاعل.

فأما «أتبع» ، فـ «افتعل» يتعدى إلى مفعول واحد، كما تعدى «فعل» إليه، مثل: شويته و اشتويته، و حفرته و أحتفرته، و جرحته و اجترحته.

و في التنزيل: (اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ) (6) .

و فيه: (وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ) (7) .

____________

(1) الكهف: 62.

(2) الكهف: 85.

(3) الكهف: 89، 92.

(4) القصص: 42.

(5) هود: 99.

(6) الجاثية: 21.

(7) الأنعام: 60.

500

و كذلك: فديته و افتديته، و هذا كثير.

و أما قوله تعالى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) (1) فتقديره: فأتبعوهم جنودهم، فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) (2) ، و من قوله: (لاََ يَكََادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (3) .

المعنى: لا يفقهون أحدا، و لينذر الناس بأسا شديدا.

(وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ََ رَبِّهِمْ) (4) أي: عذابه أو حسابه.

فقوله: (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (5) إنما هو افتعل/الذي للمطاوعة؛ فيعدى إلى مفعول واحد، كقوله: (وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ) (6) (وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ) (7) .

و أما قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً) (8) . فتقديره:

أتبعهم فرعون طلبته إياهم، أو تتبّعه لهم.

كذلك‏ (فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ مُبِينٌ) (9) . المعنى: أتبعه شهاب مبين الإحراق، أو المنع من استراق السمع.

و قوله تعالى: (وَ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا) (10) . مطاوع «تبع» يتعدى إلى مفعول

____________

(1) الشعراء: 60.

(2) الكهف: 2.

(3) الكهف: 93.

(4) الأنعام: 51.

(5) الكهف: 85.

(6) البقرة: 102.

(7) الشعراء: 111.

(8) يونس: 90.

(9) الحجر: 18.

(10) هود: 116.

501

واحد و مثله. (وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ) (1) .

و من قرأ (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (2) أي: أتبع سببا سببا، أو: أتبع أمره سببا، أو أتبع ما هو عليه سببا.

و قوله: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) (3) فقد يكون «الباء» زيادة، أي:

أتبعهم جنوده، و قد يكون «الباء» للحال، أي: أتبعهم عقوبته، و معه جنوده.

قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ) (4) ، «هدى» فعل يتعدى إلى مفعولين، يتعدى إلى الثاني منهما بأحد حرفى الجر: إلى، و اللام.

فمن تعدّيه بـ «إلى» قوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْجَحِيمِ) (5) ، (وَ اِهْدِنََا إِلى‏ََ سَوََاءِ اَلصِّرََاطِ) (6) .

و من تعدّيه بـ «اللام» قوله تعالى: (اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا) (7) .

و قوله: (قُلِ اَللََّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) (8) .

____________

(1) الشعراء: 111.

(2) الكهف: 85.

(3) طه: 78.

(4) الأعراف: 186.

(5) الصافات: 23.

(6) ص: 22.

(7) الأعراف: 43.

(8) يونس: 35.

502

فهذا الفعل بتعدّيه مرة باللام، و أخرى بإلى، مثل: (أَوْحى‏ََ) فى قوله: (وَ أَوْحى‏ََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ) (1) ، و قوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ََ لَهََا) (2) .

و قد يحذف الحرف في قولك من قولهم: هديته لكذا؛ و إلى كذا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني، كما قال: (اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ) (3)

أي دلّنا عليه، و اسلك بنا فيه، فكأنه سؤال و استنجاز لما وعدوا به.

و قوله: (يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ) (4) أي:

سبل دار السلام، بدلالة قوله: (لَهُمْ دََارُ اَلسَّلاََمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (5) .

و من ذلك قوله: (ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا) (6) أي: ثم ائتوني صفّا، إن جعلت «صفّا» حالا أضمرت المفعول، و يجوز أن تجعل «الصف» مفعولا به.

و من ذلك قوله تعالى: (إِمََّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمََّا أَنْ نَكُونَ) * (7) ، أي: إما أن تلقى العصا، و إما أن نكون أول من ألقى ما معه. قال: (بَلْ أَلْقُوا) . (8)

أي: ألقوا ما معكم.

____________

(1) النحل: 68.

(2) الزلزلة: 5.

(3) فاتحة الكتاب: 5.

(4) المائدة: 16.

(5) الأنعام: 127.

(6) طه: 64.

(7) طه: 65.

(8) طه: 66.

503

و مثل هذا كثير يتسع على العادّ الخرق اتساعه على الراقع.

/و من ذلك قوله: (وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ) (1) .

قال كعب: ألف قصر في الجنة، كل قصر مخلوق من درّ واحد.

«فترضى» أ فترضى بالعطاء عن المعطى؟قال: بلى‏ (2) (أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ََ) (3) أي: فآواك. (وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ) (4) عن الطريق‏ (فَهَدى‏ََ) (5) أي:

فهداك، (وَ وَجَدَكَ عََائِلاً فَأَغْنى‏ََ) أ (6) أي: فأغناك، كما قال: (أَغْنى‏ََ وَ أَقْنى‏ََ) (7) ، و (أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏ََ) (8) ، و (أَمََاتَ وَ أَحْيََا) (9) .

فحذف المفعول فيهن كلهن.

(لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ) (10) أي: تعبدونه، (وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ) (11)

أي: ما أعبده، و كذلك: (مََا عَبَدْتُّمْ) (12) أي: ما عبدتموه. (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) * (13) أي: فسبّحه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَقَدْ فَتَنََّا سُلَيْمََانَ وَ أَلْقَيْنََا عَلى‏ََ كُرْسِيِّهِ جَسَداً) (14) .

التقدير: و ألقيناه على كرسيه جسدا، ذا جسد. أي: مريضا، فقوله:

«جسدا» ، فى موضع الحال، و المفعول محذوف.

و قال قوم بخلاف هذا، و جعلوا «جسدا» مفعولا به، و إنه ما أقعد مكانه جسد آخر، فى قصة يذكرونها طويلة.

____________

(1) الضحى: 5.

(2) بالأصل: «فلا» .

(5-4-3) الضحى: 6.

(6) تكملة يقتضيها السياق.

(7) النجم: 48.

(8) النجم: 43.

(9) النجم: 44.

(10) الكافرون: 2.

(11) الكافرون: 3 و 5.

(12) الكافرون: 4.

(13) النصر: 3.

(14) ص: 34.

504

و من ذلك قوله: (وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) (1) ، أي: أوتيت من كل شى‏ء شيئا.

و عليه قوله: (فَغَشََّاهََا مََا غَشََّى) (2) . أي: ما غشاها إياه، فحذف المفعولين جميعا.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنََاهََا لَكُمْ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ) (3) ، فـ «جعل» هنا من أخوات «ظننت» ، و قد قالوا: زيدا ظننته منطلقا، فلما أضمرت الفعل، فسّرته بقولك «ظننته» ، و حذفت المفعول الثاني من الفعل الأول المقدّر، اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر، و كذلك بقية أخوات «ظننت» .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ دَعْ أَذََاهُمْ) (4) ، و التقدير: دع الخوف من أذاهم.

فحذف المفعول و الجار، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) (5) .

و من ذلك قوله تعالى: (فَمِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا) (6) .

قيل: التقدير: آتنا ما نريد في الدنيا، فحذف المفعول الثاني. و قيل: «فى» زائدة، أي: آتنا الدنيا.

و من ذلك قوله تعالى: (إِلاََّ بَلاََغاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِسََالاََتِهِ) (7) .

يجوز أن يكون المراد بالبلاغ، ما بلّغ النبي-صلى اللّه عليه و على آله-عن اللّه و آتاه.

____________

(1) النمل: 23.

(2) النجم: 54.

(3) الحج: 36.

(4) الأحزاب: 48.

(5) الكهف: 2.

(6) البقرة: 200.

(7) الجن: 23.