إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
505

و المعنى: لا يجيرنى إلا أن أعمل بما آتاني. و هو قوله: (إِنَّمََا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ/هََذِهِ اَلْبَلْدَةِ اَلَّذِي حَرَّمَهََا) (1) . و يجوز أن يكون المراد بالبلاغ ما يبلّغ به عن اللّه إلى خلقه، كما قال: (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ) (2) ، أي: أن تبلّغ ما أمرت في أداء الرسالة.

فعلى الأول: يكون «و رسالاته» جرّا عطفا على لفظة «اللّه» .

و على الثاني: يكون نصبا عطفا على المفعول المحذوف، الذي يقتضيه «بلاغ» ، فكأنه قال: إلا أن أبلّغ من اللّه ما يحب هو أن يعرف، و تعتقد صفاته.

فأما قوله: (وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكََاةِ فََاعِلُونَ) (3) . أي: يفعلون و يعملون بالطاعة لأجل طهارة النفس عن المعاصي، كقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى‏`وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى) (4) و (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا) (5) .

و من حذف المفعول قوله: (عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ) (6) ، أي: على أن يبدلكم بأمثالكم، و (عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ) (7) ، التقدير: على أن نبدلهم بخير منهم، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) (8) .

و أما قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذََا مَسَّهُمْ طََائِفٌ مِنَ اَلشَّيْطََانِ تَذَكَّرُوا) (9) .

فالتقدير: تذكروا اسم اللّه، فحذف.

____________

(1) النمل: 91.

(2) الشورى: 48.

(3) المؤمنون: 4.

(4) الأعلى: 14.

(5) الشمس: 9.

(6) الواقعة: 61.

(7) المعارج: 41.

(8) الكهف: 2.

(9) الأعراف: 201.

506

و قال: (لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) (1) أي: نعم اللّه و يفكر ليدرك العلم بقدرته، و يستدل على توحيده.

و تخفيف حمزة، على: أنه يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين في الوقت الآخر. و يجوز أن يكون: على أن يذكر تنزيه اللّه و تسبيحه.

و أما قوله تعالى: (فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ) (2) . فروى عن الحسن:

(كَلاََّ إِنَّهََا تَذْكِرَةٌ) (3) قال: القرآن.

و أما قوله: (فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ) (4) فتقديره: إن ذلك ميسّر له. كما قال:

(وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) * (5) .

أي: لأن يحفظ و يدرس، فيؤمن عليه التحريف و التبديل، الذي جاز على غيره من الكتب. لتيسيره للحفظ، و كثرة الدّرس له، و خروجه بذلك عن الحد الذي يجوز معه كذلك له، و التغيير؛ أي: من شاء اللّه ذكره، أي ذكر القرآن.

و قال اللّه تعالى: (فَمَنْ خََافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً) (6) أي: خاف ظهور الجنف.

و قال: (وَ مََا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاََّ مََا ذَكَّيْتُمْ) (7) . أي: و ما أكل السبع بعضه، فحذف.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) (8) . أي:

/أرسلنا رسلا.

____________

(1) الفرقان: 62.

(4-2) المدثر: 55-عبس: 12.

(3) المدثر: 54-عبس: 11.

(5) القمر: 22.

(6) البقرة: 182.

(7) المائدة: 3.

(8) الأنعام: 42.

507

و من ذلك قوله: (وَ مََا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهََا إِذََا جََاءَتْ لاََ يُؤْمِنُونَ) (1) ، مفعول «يشعركم» محذوف، أي: ما يشعركم إيمانهم، و «ما» ليست بنافية، لأنها تبقى «يشعركم» بلا فاعل، و لا يكون ضمير اللّه تعالى، لأنه أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله: (مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا) (2) .

و من حذف المفعول قوله تعالى: (وَ مََا ظَنُّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ) (3) .

و قال: الظرف متعلق بمحذوف، و هو مفعول ثان للظن، أي: ما ظنّهم فى الدنيا حالهم يوم القيامة، و «ما» استفهام.

و قال في موضع آخر «يوم القيامة» متعلق بالظن، الذي هو خبر المبتدأ، الذي هو «ما» .

ألا ترى أنه لا يجوز أن يتعلق «بالكذب» ، و لا «يفترون» ، لأن ذلك لا يكون في الآخرة، كأنه: ما ظنّهم: أشدة العذاب أم التجاوز عنهم؟ و من ذلك قوله تعالى: (وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ) (4) . قال الأخفش:

التقدير: من كل شى‏ء سألتموه، فحذفه و أضمره، كما قال: (وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) (5)

أي: من كل شى‏ء في زمانها.

و قال الكلبي: من كل ما سألتموه و ما لم تسألوه. و قال قوم: هذا من العامّ الذي يراد به الخاص.

____________

(1) الأنعام: 109.

(2) الأنعام: 111.

(3) يونس: 60.

(4) إبراهيم: 34.

(5) النمل: 23.

508

قال سيبويه: جاءنى أهل، الدنيا؛ و عسى أن يكون قد جاء خمسة منهم، و قيل: (وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ) (1) لو سألتموه.

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ يَكََادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (2) فيمن ضم الياء.

أي: من يخاطبونه شيئا، فحذف أحد المفعولين، و قيل: لا يفقهون غير لسانهم إياهم، و لو لم يفقهوا غيرهم شيئا، لّما صح أن يقولوا و يفهموا.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ وَهَبْنََا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنََا وَ جَعَلْنََا لَهُمْ لِسََانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) . (3) انتصاب «لسان» بالفعل الثاني دون الأول عنده. و على قول الأخفش:

«من رحمتنا» «من» (4) زائدة.

و أما قوله: (كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (5) . قيل: «السجل» اسم ملك، و قيل: اسم رجل كاتب، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، «و اللام» مثلها فى‏ (رَدِفَ لَكُمْ) (6) .

و قيل: «السجل» : الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة؛ و المصدر مضاف إلى المفعول. أي: كما يطوى السّجل على الكتاب.

و قد/رواه أبو على: كطىّ الطاوى الصحيفة مدرجا فيها الكتب.

أي: كطى الصحيفة لدرج الكتب فيها، على تأويل قتادة: و كطى الصحيفة لدرج الكتب، فحذف المضاف، و المصدر مضاف إلى الفاعل، على قول السّدى، و المعنى: كطى زيد الكتب.

____________

(1) إبراهيم: 34.

(2) الكهف: 93.

(3) مريم: 50.

(4) في الأصل: «ما زائدة» .

(5) الأنبياء: 104.

(6) النمل: 72.

509

و من ذلك قوله تعالى: (إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) (1) مفعول «ألقى» مضمر، أي: ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منه.

و من ذلك قوله: (فَأَرْسِلْ إِلى‏ََ هََارُونَ) (2) ، أي: أرسلنى مضموما إلىّ هارون، فحذف المفعول، و الجار في موضع الحال.

و أما قوله: (أَجْرَ مََا سَقَيْتَ لَنََا) (3) ، ليس التقدير: ما سقيته لنا، و هو الماء، فلا يكون للماء أجر، و ليس الجزاء للماء؛ إنما هو لاستقائه.

فإن قلت: اجعل المعنى: ليجزيك أجر الماء، لم يستقم أيضا، لأن الأجر لاستقاء الماء لا للماء.

فإذا كان كذلك، كان المعنى: ليجزيك أجر السقي لنا.

و من ذلك قوله تعالى: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ) * (4) .

قال أبو على: «أرأيتم» هذه تتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما استفهام، و الأول منصوب، و هو هاهنا مضمر، و هو للقرآن.

أي: أرأيتم القرآن إن كان من عند اللّه، و المفعول محذوف، و تقديره: أ تأمنون عقوبته، أو: لا تخشون انتقامه.

و قدّره الزجاج: قل أرأيتم القرآن إن كان من عند اللّه، إلى: قوله (فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ) (5) أ فتؤمنون به؟

____________

(1) الحج: 52.

(2) الشعراء: 13.

(3) القصص: 25.

(4) الأحقاف: 10.

(5) الأحقاف: 10.

510

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ وَ إِخْوََانِهِمْ وَ اِجْتَبَيْنََاهُمْ وَ هَدَيْنََاهُمْ) (1) ، فهذا على: (وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ) (2) .

فالمعنى: و وهبنا من ذرياته فرقا مهتدين، لأن الاجتباء إنما يقع على من كان مهتديا مرتضى، فحذف المفعول به.

ـ

____________

(1) الأنعام: 87.

(2) الأنعام: 84.

511

الباب الحادي و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الظروف التي يرتفع ما بعدهن بهن على الخلاف، و ما يرتفع‏[ما]بعدهن بهن على الاتفاق، و هو باب يغفل عنه كثير من الناس فأما الذي اختلفوا فيه فكقوله: (وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ) * (1) ، (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ) * (2) ، (وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ) * (3) .

فـ «عذاب» فى هذا و نحوه، يرتفع بالابتداء عند سيبويه، و الظرف قبله خبر عنه، و هو «لهم» .

و عند أبى الحسن و الكسائي: يرتفع «عذاب» بقوله: «لهم» ، لأن «لهم» ناب عن الفعل.

ألا ترى أن التقدير: و ثبت لهم، فحذف «ثبت» و فام «لهم» مقامه، و العمل للظرف لا للفعل.

و مثله: (وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) (4) و هو على هذا الخلاف، و غلط أبو إسحاق

____________

(1) البقرة: 7.

(2) البقرة: 8.

(3) البقرة: 10.

(4) البقرة: 78.

512

فى هذا، فقال: ارتفع «أمّيّون» بفعل، كأن المعنى: و استقرّ منهم إميون.

قال أبو على: ليس يرتفع «أمّيّون» عند الأخفش بفعل، إنما يرتفع بالظرف الذي هو «منهم» . و مذهب سيبويه أنه يرتفع بالابتداء، ففى «منهم» عنده ضمير، لقوله «أمّيّون» ، و موضع «منهم» ، على مذهبه، رفع، لوقوعه موقع خبر الابتداء.

و أما على مذهب الأخفش، فلا ضمير لقوله: «أمّيّون» فى «منهم و لا موضع له عنده، كما أنه لا موضع لـ «ذهب» من قولك: ذهب فلان.

و إنما رفع الأخفش الاسم بالظرف في نحو هذا، لأنه نظر إلى هذه الظروف فوجدها تجرى مجرى الفعل في مواضع، و هي أنها تحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، و ما قام مقامه من أسماء الفاعلين، و ما شبّه به.

و يؤكد ما فيها كما يؤكد ما في الفعل، و ما قام مقامه في نحو قولك: مررت بقوم لك أجمعون.

و تنتصب عنها الحال كما تنتصب عن الفعل، و توصل بها الأسماء الموصولة، كما توصل بالفعل و الفاعل، فيصير فيها ضمير الموصول كما يصير ضميره في الفعل، و توصف به النكرة كما توصف بالفعل و الفاعل.

فلما رآها في هذه المواضع تقوم مقام الفعل أجراها أيضا مبتدأ مجرى الفعل، فرفع بها الاسم، كما رفع بالفعل، إذا قامت هذه الظروف مقام الفعل في هذه المواضع، فقال فى: عندك زيد، و: فى الدار عمرو،

513

(وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) (1) ، (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ) (2) ، (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ) (3) ، (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْتَرِي) (4) ، (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) * (5) ، (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ) (6) ، (وَ مِنْهُمُ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ) (7) ، (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي) (8) ، (وَ مِنْهُمْ مَنْ عََاهَدَ اَللََّهَ) (9) ، (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرََابِ مُنََافِقُونَ) (10) ، و قوله تعالى: (لَهُمْ دََارُ اَلسَّلاََمِ) (11) ، و نحو ذلك: إنه مرتفع بالظرف قد أقيم مقام الفعل، فى غير هذه المواضع.

و مثل ذلك قال في أسماء الفاعلين، نحو «ضارب» و ما أشبهها؛ لمّا رآها تجرى مجرى الأفعال، يرتفع الاسم بها إذا جرت خبرا أو وصفا أو حالا على شى‏ء، أجراها مبتدأة أيضا، غير معتمدة على شى‏ء، نحو حروف الاستفهام، يكون اسم الفاعل في الاعتماد عليه مثلها إذا جرى حالا، أو خبرا، أو وصفا.

و أجاز في نحو قوله: (وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذََابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (12) ، و قوله:

(وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) (13) ، و قوله: (وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مََانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) (14)

____________

(1) البقرة: 78.

(2) البقرة: 204.

(3) البقرة: 165.

(4) لقمان: 6.

(5) الأنعام: 25-محمد: 56.

(6) التوبة: 58.

(7) التوبة: 61.

(8) التوبة: 49.

(9) التوبة: 75.

(10) التوبة: 101.

(11) الأنعام: 127.

(12) هود: 76.

(13) هود: 12.

(14) الحشر: 2.

514

ارتفاع الاسم بما قبله، يجريه مجرى الفعل غير متقدم، كما أجرى الظرف متقدما مجراه غير متقدم، فرفع الاسم/بالظرف و اسم الفاعل، و هما متقدمان غير جاريين على شى‏ء، كما رفعه و هما جاريان على ما قبلهما.

و قد قال سيبويه هذا القول في قوله تعالى: (وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنَّكَ تَرَى اَلْأَرْضَ خََاشِعَةً) (1) ، (وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ) (2) ، و قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ) (3) ، و قوله تعالى: (وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ) (4) ، و قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ فِيهِ ظُلُمََاتٌ) (5) ، و قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهََا مَتََاعٌ لَكُمْ) (6) ، و قوله تعالى: (وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ) (7) ، و قوله: (فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) (8) ، و قوله: (أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ) (9) .

إن هذه الأسماء ترتفع بالظرف، إذا جرى صلة الموصول، أو حالا لذى حال، أو صفة لموصوف، أو معتمدا على الهمزة، أو تكون لاسم إن، أو المصدر. قد قال سيبويه و الأخفش قولا واحدا في هذه الأشياء.

____________

(1) فصلت: 39.

(2) الروم: 20.

(3) هود: 106.

(4) المائدة: 46.

(5) البقرة: 19.

(6) النور: 29.

(7) الرعد: 43.

(8) آل عمران: 7.

(9) إبراهيم: 10.

515

فإن قيل: ما تنكر أن يكون ارتفاع الاسم في نحو قوله تعالى: (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ) (1) مرتفع في الحقيقة بـ «استقر» لا بـ «لكم» ؟.

فالجواب: أن المعروف المشهور من قول الأخفش في نحو قوله تعالى:

(لَهُمُ اَلْبُشْرى‏ََ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) (2) أنه مرتفع بالظرف.

و المعلوم من قول سيبويه و الأخفش و غيرهما (3) ، أنهم إذا قالوا: زيد فى الدار؛ فالضمير في الظرف لا في الفعل المحذوف، لأن ذلك مطّرح مختزل.

و الدليل على أن قولهم: زيد في الدار، فى الظرف ضمير، و الظرف هو العامل في ذلك الضمير، امتناع تقديم الحال عليه، فى قولك: زيد قائما فى الدار، لأن العامل غير متصرف، و هو الظرف دون الفعل و لا عبرة بالفعل، لأنه لا يجوز: قائما في الدار زيد، كما يجوز: قائما استقر زيد، فعلم أنه لا عبرة بالفعل؛ و لأنه قال: (إِنَّ فِيهََا قَوْماً جَبََّارِينَ) (4) ، و (إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً) * (5) ، و (لَهُمُ اَلْحُسْنى‏ََ) (6) ، فأدخل «إن» على الظرف، و هي لا تلى الفعل، فثبت أنه لا عبرة بالفعل.

____________

(1) البقرة: 179.

(2) يونس: 64.

(3) في الأصل: «و غيرهم» .

(4) المائدة: 22.

(5) النور: 44.

(6) النحل: 62.

516

و هذه الآي دليل سيبويه من أنه لا يرتفع الاسم بالظرف، حيث يقول به الأخفش، لأن الظرف دخل عليه «إن» ، فلو كان يرتفع كما يرتفع الفعل، لم يدخل عليه «إن» كما لا يدخل على الفعل.

و قد قال: (أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اَللََّهِ) (1) فنصب الاسم بـ «أن» .

فثبت أن الظرف لا يرتفع في الابتداء، و إنما يرتفع في المواضع التي/ ذكرنا، و هو: إذا جرى خبرا لمبتدأ، أو حالا لذى حال، أو صفة لموصوف، أو معتمدا على حرف النفي و الاستفهام و الموصول، لأن شبهها بالفعل فى هذه الأحوال قد قوى و استمر، كما قوى الفاعل في هذه الأحوال أن يعمل عمل الفعل دون «ما» إذا ابتدئ به.

فقوله تعالى: (إِنَّهُ مُصِيبُهََا مََا أَصََابَهُمْ) (2) ، «ما» يرتفع بالابتداء عند سيبويه، و «مصيبها» خبر، و فيه ضمير.

و عند الأخفش، يرتفع «ما» بقوله «مصيبها» لأنه بمنزلة «يصيبها» ، و لا ضمير فى «مصيبها» عنده، فهو كقوله: (وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ) * (3) .

و الخلاف في الفاعل و الظرف واحد.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ) (4) ، «أزوج» يرتفع بالابتداء عند سيبويه. و «لهم» خبره. و «فيها» معمول «لهم» .

فيرتفع «أزواج» بالظرف عند أبى الحسن، و هو «لهم» . و إن رفعته

____________

(1) آل عمران: 87.

(2) هود: 81.

(3) البقرة: 10.

(4) البقرة: 25.

517

بـ «فيها» جاز. و لو جعلت «فيها» حالا من المجرور جاز. و لو جعلتها حالا من «أزواج» على أن يكون في الأصل صفة لها، فلمّا تقدم انتصب على الحال، جاز.

و من ذلك قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ عَمِلَ صََالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (1) يرتفع بالظرف في القولين، لأن الظرف جرى خبرا للمبتدأ، و هو «من آمن» ، و لا خلاف في هذا.

كما أن قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ فِيهِ ظُلُمََاتٌ) (2) ، تقديره:

أو كأصحاب صيب من السماء ثابت فيه ظلمات، لجريه وصفا على «الصيّب» ، و كذا هاهنا يرتفع «أجر» بالظرف، لأنه جرى خبرا على المبتدأ.

فأما قوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) (3) فهو حال من «الأجر» ، أي: لهم أجرهم ثابتا عند ربهم، و لو جعلته معمول الظرف.

و مثله قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اَللََّهِ) (4) .

«لعنة اللّه» يرتفع بالظرف، لأنه جرى خبرا على «أولئك» .

____________

(1) البقرة: 62.

(2) البقرة: 19.

(3) البقرة: 62.

(4) البقرة: 161.

518

و من ذلك قوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ) (1) . ترتفع «آيات» بالظرف، لأنه جرى حالا لـ «الكتاب» ، و لا يكون صفة لـ «الكتاب» لأن «الكتاب» معرفة، و الظرف نكرة.

و من ذلك قوله تعالى: (فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) (2) . يرتفع «زيغ» بالظرف، لأنه جرى صلة على «الّذين» .

و من ذلك قوله: (قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذََلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي) (3) . يرتفع/ «جنّات» بالابتداء، و «للّذين اتّقوا» خبر عند سيبويه. و يرتفع «جنّات» بالظرف عند الأخفش.

و لا يكون «للّذين اتّقوا» صفة للمجرور قبله، و هو «خير» ، لأنه لا ذكر فيه يعود إلى الموصوف ألا ترى أن الضمير الذي فيه، على قول سيبويه، ضمير «جنّات» ، و لا ضمير فيه على قول الأخفش لارتفاع الظاهر به و ينتصب قوله: (خََالِدِينَ فِيهََا) (4) على الحال من «الّذين» المجرور باللام. (وَ أَزْوََاجٌ) (5) عطف على «جنّات» . و كذا قوله:

(وَ رِضْوََانٌ) (6) .

____________

(2-1) آل عمران: 7.

(6-5-4-3) آل عمران: 15.

519

و أما قوله تعالى: (وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ) (1) .

فقوله: لكل واحد منهما، يتعلق بما يتعلق به «لأبويه» على وجه البدل.

كما أن قولك: «رأسه» من قولك: ضربت زيدا رأسه، يتعلق بـ «ضربت» على حد البدل. و من رفع بالظرف ارتفع قوله: «السّدس» بقوله:

«لكلّ واحد منهما» .

فإن قلت: أ فيكون فيمن أعمل غير الأول أن يضمر «السّدس» فى قوله «لأبويه» كما أضمر في قوله:

فهيهات هيهات العقيق‏ (2)

فى الأول جعل «السّدس» مرتفعا بالظرف الثاني، فإن ذلك لا يجوز، و ليس المعنى عليه.

ألا ترى أن الأبوين ليس لهما السدس، إنما لكل واحد منهما السدس.

فإن قلت: أ فيستقيم أن يكون «لأبويه» متعلقا بقوله «لكلّ واحد منهما، على حد: أكل يوم لك ثوب؟فإن ذلك لا يستقيم.

ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقدّر: لكلّ واحد منهما لأبويه؛ لأنه ليس ما عليه المعنى.

____________

(1) النساء: 11.

(2) هذا جزء من صدر بيت لجرير، و البيت هو:

فهيهات هيهات العقيق و أهله # و هيهات خل بالعقيق نحاوله‏

520

فأما قوله: (مِمََّا تَرَكَ) (1) فحال من «السّدس» ، و العامل فيها قوله:

«لكل واحد منهما» و لا يكون العامل فيه «لأبويه» .

و أما قوله تعالى: (وَ مِنَ اَلنَّخْلِ مِنْ طَلْعِهََا قِنْوََانٌ دََانِيَةٌ) (2) . فقوله:

«من طلعها» بدل من قوله «و من النّخل» على حد: ضرب زيد رأسه.

«و من النّخل» بدل التبعيض.

فمن رفع بالظرف، وجب أن يكون في الأول ضمير يبينه ما ارتفع بالثاني، و إن أعمل الأول صار في الثاني ذكر منه.

و قوله: (وَ جَنََّاتٍ مِنْ أَعْنََابٍ) (3) محمول على معنى الإخراج. يبين ذلك قوله: (فَأَنْشَأْنََا لَكُمْ بِهِ جَنََّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنََابٍ) (4) فقوله: «و أعناب» ، على أحد أمرين: /من نخل و شجر أعناب، أو يكون سمّى الشجر باسم ثمرها.

و أما قوله: (كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ فِي اَلْأَرْضِ حَيْرََانَ لَهُ أَصْحََابٌ) (5) .

فـ «حيران» يكون حالا من «الهاء» التي فى «استهوته» فيكون فى الصلة.

____________

(1) النساء: 11.

(2) الأنعام: 99.

(3) الأنعام: 99.

(4) المؤمنون: 19.

(5) الأنعام: 71.

521

و يمكن أن يكون حالا من «الذكر» ، فيكون العامل فيه «نردّ» .

و إن جعلته ظرفا كان الظرف في موضع الحال، فأما «له أصحاب» فيكون صفة لـ «حيران» ، فيكون «أصحاب» مرتفعا بالظرف دون الابتداء في جميع الأقاويل.

قال أبو على: فإن جعلته حالا من الضمير فى «حيران» و لم تجعله صفة له، ارتفع «اصحاب» بالابتداء في قول سيبويه، و فيه ذكر يعود إلى المبتدأ.

و عندى في هذا نظر، لأن الحال في جريه على صاحبه، إلا أن يعنى أن هناك «واوا» مضمرة على تقدير: و له أصحاب، و فيه بعد.

لأنهم زعموا أن الضمير يغنى عن الواو، و الواو يغنى عن الضمير، فلا وجه لما قال عندنا.

و قال اللّه تعالى: (لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً إِلاََّ سَلاََماً وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهََا) (1) .

فـ «الواو» للحال. و «رزقهم» يرتفع بالظرف عند الأخفش، و بالابتداء عند سيبويه.

[و قال تعالى‏] (2) : (وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مََا بَيْنَ أَيْدِينََا) (3) . هو على الخلاف أيضا.

و قال: (فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ بَعْدَ ذََلِكَ فَلَهُ عَذََابٌ أَلِيمٌ) * (4) على الخلاف.

[و قال‏] (5) : (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ) (6) . هو أيضا على الخلاف، و «فى القصاص» ظرف للخبر، و «لكم» ظرف لـ «فى القصاص» .

____________

(1) مريم: 62.

(5-2) تكملة يقتضيها السياق.

(3) مريم: 64.

(4) البقرة: 178.

(6) البقرة: 179.

522

و قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) (1) .

«تربّص» مرتفع بالابتداء. و قوله «للّذين يؤلون» خبره. و الجار في «من نسائهم» متعلق بالظرف، كما تقول: لك منّى درهم. و لا يتعلق بـ «يؤلون» ، أعنى «من» لأنه يقال: حلف على كذا، و آلى عليه.

و ما يقوله الفقهاء: آلى من امرأته، فإنهم نظروا إلى ظاهر هذه الآية.

(فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ) (2) يرتفع «نار» بالظرف على المذهبين، لأنه جرى وصفا على «الإعصار» .

و أما قوله تعالى: (وَ قََالَ اِرْكَبُوا فِيهََا بِسْمِ اَللََّهِ مَجْرََاهََا وَ مُرْسََاهََا) (3) .

فقوله «باسم اللّه» يجوز أن يكون حالا من الشيئين، من الضمير الذي فى قوله «اركبوا» . و من الضمير الذي‏[فى‏][فيها] (4) . فإن جعلت قوله «باسم اللّه مجريها» ، رافعا لـ «مجريها» على المذهبين، لم يكن إلا جملة فى موضع الحال من الضمير الذي فى «فيها» .

و لا يجوز أن يكون من الضمير في قوله: «اركبوا» لأنه/لا ذكر فيه يرجع إلى الضمير، لارتفاع الظاهر به، و لم يكن إلا حالا من الهاء المجرورة، لمكان الهاء المتصل بـ «مجريها» .

و يجوز أن يكون من الضمير فى «اركبوا» ، و كأن المعنى: اركبوا

____________

(1) البقرة: 226.

(2) البقرة: 266.

(3) هود: 41.

(4) تكملة يقتضيها السياق.

523

متبرّكين باسم اللّه، و مستمسكين بذكر اسم اللّه، فيكون فى «باسم اللّه» ذكر يعود إلى المأمورين.

فإن قلت: فكيف اتصال المصدر الذي هو «مجريها» بالكلام على هذا؟فإنه يكون متعلقا بما فى «باسم اللّه» من معنى الفعل، و جاز تعلقه به لأنه يكون ظرفا على نحو: مقدم الحاجّ، و خفوق النّجم.

كأنه: متبركين بهذا الاسم، متمسكين في وقت الجري و الإجراء، و الرّسو و الإرساء؛ على حسب الخلاف بين القراء فيه. و لا يكون الظرف متعلقا بـ «اركبوا» لأن المعنى ليس عليه، ألا ترى أنه لا يراد «اركبوا فيها» فى وقت الجري و الثبات.

إنما المعنى: اركبوا متبركين باسم اللّه في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيها منهما: من الإرساء و الإجراء؛ ليس يراد: اركبوا وقت الجري و الرسو، فموضع «مجريها» نصب على هذا الوجه، بأنه ظرف عمل فيه المعنى. و على الوجه الأول رفع بالظرف على المذهبين، و لا يكون مرتفعا بالابتداء، لجرى الظرف حالا على صاحبها.

و سها أبو علىّ هاهنا أيضا، فقال فيه ما قال في قوله: (لَهُ أَصْحََابٌ) (1) .

و زعم أن سيبويه يرفعه بالابتداء.

فسبحان اللّه!أنت تنص في عامة كتبك على أن الحال و الصفة و الصلة و الاستفهام بمنزلة واحدة، فمن أين هذا الارتباك‏ (2) ؟

____________

(1) الأنعام: 71.

(2) الأصل: «الارتكاب» .

524

و من ذلك قوله تعالى: (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنََا) (1) .

«من علم» فى موضع الرفع بالظرف لمكان، «هل» ، أي: هل عندكم علم.

و قال: (مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ) * (2) ، أي: ما لكم إله غيره، فيرتفع بالظرف.

و قال: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ بِهََذََا) (3) ، أي: ما عندكم سلطان، فيرتفع بالظرف.

و قال: (هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ اَلْحَقِّ) (4) ، فمن قال: «الولاية» مبتدأ، كان «للّه» حالا من الضمير فى «هنالك» ، و من قال: إن «الولاية» رفع بالظرف كان «للّه» حالا من «الولاية» ، و قوله: «للّه» حال من الذكر فى «هنالك» ، أو من «الولاية» ، على قول سيبويه سهو أيضا، كما سها فى‏ (بِسْمِ اَللََّهِ مَجْرََاهََا وَ مُرْسََاهََا) (5) .

و قوله: (لَهُ أَصْحََابٌ) (6) . و قال: (وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ) (7) .

و (مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) (8) . (وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبََاءِ مََا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (9) . فالأسماء مرتفعة بالظرف، لجرى الظرف صلة موصول.

و قال: (لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ) (10) لا خلاف في رفع «زفير» هنا بالظرف، و هو «لهم» لأنه مثل الرحيل في قولهم: غدا الرّحيل.

____________

(1) الأنعام: 148.

(2) الأعراف: 59.

(3) يونس: 68.

(4) الكهف: 44.

(5) هود: 41.

(6) الأنعام: 71.

(7) الرعد: 43.

(8) المؤمنون: 88.

(9) القمر: 4.

(10) هود: 106.

525

و إنما رفع سيبويه «الرحيل» بالظرف في قوله: غدا الرحيل، لأنه مصدر، و قد قامت الدلالة على المصدر بالظرف في نحو: يوم الجمعة إنك ذاهب، و حقّا إنك منطلق.

و لارتفاع «التهدد» فيما أنشده عن يونس:

أ حقّا بنى أبناء سلمى بن جندل # تهدّدكم إيّاى وسط المجالس‏ (1)

فإذا ثبت ذلك كان ارتفاع «حقا» ، لـ «إنك منطلق» من أنه ظرف، و ذلك أنه لا يخلو من أن يكون مرتفعا بالظرف أو بالابتداء، و لا يجوز ارتفاعه بالابتداء. لأن ذلك لو جاز للزم دخول «أن» عليه، فيكون اجتماع حرفين بمعنى، فلما كان يؤدى إلى هذا الذي قد رفضوه و طرحوه ارتفع بالظرف، لقيام الظرف مقام الفعل في غير هذا الموضع.

و يدلك على أنه لهذا المعنى رفض أن يرتفع بالابتداء، أنهم حيث أمنوا دخول الحرف عليه رفع به، و ذلك نحو قولك: لو لا أن زيدا منطلق لكان كذا.

ألا ترى أنّ «أن» ارتفع بالابتداء بعد «لو لا» ، و إن امتنع أن يبتدأ بها أولا، كيلا يدخل الحرف الذي بمعناه عليه.

فلما ثبت ارتفاع «أن» بالظرف في قولك: أ حقّا أنك منطلق، ثبت ارتفاع المصدر بها أيضا في نحو: غدا الرحيل. لأن «الرحيل» فى أنه مصدر بمنزلة «أن» وصلتها، و أجروه مجرى مثله في الإعراب، كما يجرون المثل مجرى مثله فى غير الإعراب، نحو: عطشان «و ريّان» و طيّان، و نحو ذلك.

ـ

____________

(1) البيت للأسود بن يعفر. (الكتاب 1: 468) .

526

ألا ترى أنهم أجروه: مجرى عثمان، و سعدان، فى مواضع الصرف، و إن كان هذا صفة و ذاك علما.

و كذلك أعربوا «أيّا» فى الصلة و الاستفهام و الجزاء «لمّا» كان بمعنى «بعض» ، و لو لا ذلك لوجب بناؤه في هذه المواضع الثلاثة، كما أجروا المثل مجرى مثله.

كذلك حكم «إن» حكم إعراب «الرحيل» بعد «غد» ، و قد يفعل هذا بالخلاف كما يفعل بالمثل.

ألا ترى أنهم قالوا: ربّ رجل يقوم. فأجروه مجرى خلافه، الذي هو: كم رجل عندك. و لم يجيزوا فيه التأخير كما/أجازوا: مررت برجل.

و من ذلك قوله: (وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ) (1) .

قال أبو علّى: الظرف مع ما بعده في موضع حال، فإذا كان كذلك كان متعلّقا بمحذوف، كأنه: مستقرّا فيه هدى و نور.

و يدلّك على أنه حال، و أن الجملة في موضع نصب، لكونها في موضع الحال، قوله بعد: (وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ) (2) .

ألا ترى أن «هدى» كقولك: هاديا، و مصدقا، و الاسم مرتفع بالظرف على المذهبين.

____________

(2-1) المائدة: 46.

527

و أما قوله: (وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ) (1) . فقوله:

«إله» رفع لأنه خبر مبتدأ مضمر، و لا يخلو من أن يكون ارتفاعه على هذا الذي ذكرته من أنه خبر مضمر «راجع» إلى الموصول.

أو يكون ارتفاعه بالابتداء أو بالظرف، على قول من رأى أنه يرتفع بالظرف. و إن كان ارتفاعه بالابتداء وجب أن يكون في الظرف الذي هو قوله: «فى السّماء» ضمير و ذلك الضمير مرفوع، فإن كان الظرف، لم يحتمل ضميرا مرفوعا لارتفاع الظاهر به؛ و إذا كان كذلك، بقيت الصلة لا ذكر فيها للموصول.

فإذا كان حمله على هذين الوجهين، و يبقى الموصول على ما ذكرنا من خلو ذكره مما يوصل به، وجب أن يقدّر في الصلة مبتدأ محذوفا، كأنه: (وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ) (2) .

و تقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، و قد استحسن الخليل ذلك.

فإذا كان التقدير على هذا، ارتفع «هو» المحذوف بالابتداء «و إله» خبره، و الظرف الذي هو قوله «فى السّماء إله» متعلّق بقوله «إله» و موضعه نصب مفعول، و إن كان مقدما عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا: أ كلّ يوم لك ثوب؟فأعمل فيه المعنى مقدما.

____________

(2-1) الزخرف: 84.

528

و لا يصح أن يكون خبر المبتدأ المحذوف قوله: «فى السّماء» لأنك إن جعلته خبرا للمبتدأ المحذوف صار فيه ضميره، و ارتفع، و بقي قوله «له» معّلقا مفردا.

و مع هذا، فالمعنى إنما هو الإخبار بإلهية عن الكون في السماء.

فإن قلت: لم لا يكون قوله «فى السماء» صلة لـ «الذي» ، و يكون في الظرف ضمير الموصول، و يكون «إله» بدلا (1) من الموصول لصلته، فيكون التقدير، و هو إله.

فقلنا: إنّا نستحب التأويل الأول. و التقدير الأول الذي قدّمناه/لدلالة المعنى عليه، و دلالة ما بعده من الكلام على ذلك أيضا.

ألا ترى أن بعده‏ (وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ) (2) فإنما الإخبار عن قصده-تبارك اسمه-بالعبادة في السماء و الأرض، و قوله: «فى الأرض إله» معطوف على الصلة، و لا يجوز أن يبدل «إله» من الموصول، و قد بقي من صلته شي‏ء.

فإن قلت: أجعله كلاما منقطعا غير معطوف على الصلة، كان تعسفا، و إزالة للكلام عن وجهه.

فإن قلت: فقدر (وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ) (3) «هو» ، ثم يكون «إله» موضوعا موضع «هو» ، فإنّ وضع الظاهر موضع المضمر لم يجزه سيبويه في قوله:

و لا منسئ معن و لا متيسّر (4)

____________

(1) في الأصل: «بدل» .

(3-2) الزخرف: 84.

(4) عجز بيت للفرزدق، صدره:

لعمرك ما معن بتارك حقه‏

و معن، هو ابن زائدة الشيباني.

529

و من أجاز ذلك. لزمه أن يجيز: جاءنى الذي هو قائم.

فإن قلت: فاجعله من باب: زيد نعم الرجل، فإنّ «الرجل» جنس يتضمن «زيدا» و غيره، بخلاف لفظ «إله» .

فثبت أن التقدير: و هو الذي هو إله في السماء إله، أي: هو إله له في السماء، فحذف لطول الكلام، كما قال العرب: ما أنا بالذي قائل لك سوءا (1) ، أي. هو قائل.

فإن قلت: فلم جاز حذف «هو» مع طول الكلام فى «الذي» ، و لم يحسن:

(تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ) (2) ، كما حسن هذه الآية.

و لم فارق «الذي» «إياه» فى قوله‏ (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) (3) ، و (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) * (4)

و لم يجر (تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ) (5) مجرى «أيّهم أشدّ» نصّ فا (6) ، و هو مشكل.

قال سيبويه في قوله:

و كفى بنا فضلا على من غيرنا (7)

بالرفع فى «غيرنا» .

قال: هو أجود، و فيه ضعف، و هو نحو: مررت بأيّهم أفضل، و كما قرأ بعض الناس «تماما على الّذى أحسن» .

____________

(1) في الأصل: «شيئا» تحريف.

(5-2) الأنعام: 154.

(3) مريم: 69.

(4) الإسراء: 57.

(6) و لعله يريد: أبا علي الفارسي، فرمز إليه بحرف «فا» و سيأتي هذا في (ص 538) من هذا الجزء.

(7) صدر بيت لحسان، عجزه:

حب النبي محمد إيانا

(الكتاب 1: 269) .

530

و اعلم أنه قبيح أن تقول: هذا من منطلق؛ إن جعلت «المنطلق» وصفا أو حشوا، فإن أطلت الكلام فقلت: خير منك، حسن في الوصف و الحشو.

و زعم الخليل أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالّذى قائل لك سوءا، و ما أنا بالذي قائل لك قبيحا، إذا أفردوه فالوصف بمنزلة الحشو، لأنه يحسن ما بعده، كما أن الحشو إنما يتم بما بعده.

فقد رجّح في الفصل رفع «غيرنا» ، على إضمار «هو» على الجر، على أن يكون وصفا.

و لكن يجوز هذا، أعنى وضع «إله» موضع الضمير، على قول أبى عثمان، فى قولهم: زيد ضربت أخاك/، و الأخ زيد.

و مثله: (أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي اَلنََّارِ) (1) .

هذا هو مذهب أبى عثمان لا الذي حرف القصر عليه، فقال هذا على مذهب أبى عثمان في قولهم: أنا الذي قمت. فإنّ ذلك قول العرب، فى نحو:

و أنا الذي قتلت، و أنا الذي شتمنى أمي.

قال أبو عثمان: لو لا أنه مسموع لرددناه‏ (2) .

و تحريفات القصر على أبى علّى كثيرة، لا يقبله إلا الجاهل الخفيف الحاذ (3) .

و في تقسيم أبى علّى نظر، لأنه ليس في القسمة ارتفاع «إله» بالابتداء، لأن الظرف جرى صلة لموصول، فليس إلا أن يقول، إن ارتفاع «إله» لا يخلو من أن يكون بإضمار هو أو بالظرف.

____________

(1) الزمر: 19.

(2) في الأصل: «لردناه» .

(3) الحاذ: الحال.

531

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَ حُورٌ عِينٌ) (1) فيمن رفع.

و التقدير: و هناك حور عين، أو: لهم حور عين، فـ «حور» رفع بالظرف المضمر عند الأخفش، و بالابتداء عند سيبويه، و جاز حذف الظرف، لأن ما قبله يدل عليه.

و من ذلك: قوله تعالى: (وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ) (2) . فيمن أفرد «و آخر» يرتفع «أزواج» بالظرف على المذهبين، لأن قوله: (مِنْ شَكْلِهِ) (3)

جرى وصفا على «آخر» ، فهو كقولك: مررت برجل في داره عمرو.

و سها الفارسىّ أيضا في هذه الآية فقال: و «من» رفع بالابتداء، و لا يرفع هذا أحد بالابتداء، و هذا كما سها في قوله: (بِسْمِ اَللََّهِ مَجْرََاهََا) (4) .

و قوله: (هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ اَلْحَقِّ) (5) ، هذه ثلاث آيات سها فيها، و تردّد كلامه، و سها أيضا في قوله: (أَصْحََابٌ يَدْعُونَهُ) (6) .

فخذها عن أوراق جمة.

و مثله في ارتفاعه بالظرف قبله قوله: (أُولََئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ) (7) ، فـ «الأمن» مرتفع بـ «لهم» لجريه خبرا على قوله «أولئك» أي: أولئك ثابت لهم الأمن.

____________

(1) الواقعة: 22.

(3-2) ص: 58.

(4) هود: 41.

(5) الكهف: 44.

(6) الأنعام: 71.

(7) الأنعام: 82.

532

و قد ذكرنا أن اسم الفاعل يرتفع ما بعده، كالظرف، فقوله: (عََالِيَهُمْ ثِيََابُ سُندُسٍ) (1) ، «ثياب» مرتفع بـ «عاليهم» سواء نصبته على الحال من «الولدان» أو الهاء و الميم فى «عليهم» من قوله: (وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ) (2) ، و نصبه على الظرف، لأن الظرف جرى وصفا على «الولدان» .

و من قال «عاليهم» فأسكن الياء فهو صفة أيضا. لـ «ولدان» لأنه لا يتعرف بالإضافة، فيرتفع «ثياب سندس» به. و لا يجوز أن يرتفع «عاليهم» بالابتداء/و «ثياب سندس» خبره، كما قاله فى «الحجة» لكونه جاريا وصفا على «ولدان» . و إن قال: هو كقوله: (سََامِراً تَهْجُرُونَ) (3) فأفرد و أراد الجمع. لم يصح ذلك، لما ذكرنا.

و من ذلك قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيََا خِزْيٌ) (4) .

إن جعلت «الّذين» وصفا لـ «أولئك» كان قوله «لهم في الدّنيا خزى» خبر المبتدأ و يرتفع «خزى» بالظرف.

و كذلك إن جعلت «الذين» خبرا كان «خزى» من قوله «لهم في الدّنيا خزى» خبرا بعد خبر.

و يرتفع «خزى» أيضا بالظرف.

____________

(1) الإنسان: 21.

(2) الإنسان: 19.

(3) المؤمنون: 17.

(4) المائدة: 41.

533

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَهُنَّ مِثْلُ اَلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (1) .

يكون «بالمعروف» متعلقا بـ «لهن» دون «عليهن» ، و إن كنت على هذا التقدير تعمل الأول اعتبارا بقوله: (وَ لِلْمُطَلَّقََاتِ مَتََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) (2) ، و بقوله: (عَلَى اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) (3) ، فما على الموسع و المقتر من ذلك فهو لهن، و إن لم يعتبر هذا جاز أن يتعلق بـ «عليهنّ» .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ‏`وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ) (4) . قوله: (وَ فِي أَنْفُسِكُمْ) (5) يحتمل أمرين:

أحدهما-أن يكون خبرا ل (آيََاتٌ) ، فمن رفع بالظرف، كان الضمير الذي فيه على حد الضمير الذي يكون في الفعل. و من رفع بالابتداء، ففيه ضمير على حد الضمير الذي يكون في خبر المبتدا.

و الوجه الآخر-من قوله، (وَ فِي أَنْفُسِكُمْ) أن يكون متعلقا بمحذوف، يدل عليه قوله: (أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ) (6) تقديره: ألا تبصرون في أنفسكم أفلا تبصرون.

و يكون هذا بمنزل قوله: (وَ كََانُوا فِيهِ مِنَ اَلزََّاهِدِينَ) (7) (وَ أَنَا عَلى‏ََ ذََلِكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (8) .

ألا ترى أن الاستفهام لا يتقدم عليه ما في حيّزه، كما أن الموصول كذلك.

____________

(1) البقرة: 228.

(2) البقرة: 241.

(3) البقرة: 236.

(4) الذاريات: 20، 21.

(5) الذاريات: 21.

(6) الذاريات: 21.

(7) يوسف: 20.

(8) الأنبياء: 56.

534

فأما دخول‏ (فِي) فى قوله: (وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ) (1) فعلى وجهين:

أحدهما-أنه لما كان في معنى. أفلا تنظرون، دخلت‏ (فِي) كما دخلت في قوله: (أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (2) .

و الآخر-أنه يمكن أن يقال: بصير بكذا، و بصير في كذا، قال زيد الخيل:

و يركب يوم الطّعن فيها فوارس # بصيرون في طعن الأباهر و الكلى‏

أي: بصيرون بالطعن.

و مما يرتفع بالظرف: قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمََا كَسَبُوا لَهُمْ شَرََابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذََابٌ أَلِيمٌ) (3) ، إن جعلت (لهم) خبرا ثانيا ارتفع (شراب) به، كقولك: زيد في الدار أبوه.

و مما يرتفع بالظرف: قوله تعالى: (وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قََاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) (4) فيمن قرأ (قتل) و أسنده إلى ضمير النبي عليه السلام.

و الدليل على جواز إسناده إلى هذا الضمير، أن هذه الآية في معنى قوله: (أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ) (5) .

و روى عن الحسن أنه قال: ما قتل نبى في حرب قطّ،

____________

(1) الذاريات: 21.

(2) الأعراف: 185.

(3) الأنعام: 70.

(4) آل عمران: 146-و قراءة حفص: «قاتل معه» .

(5) آل عمران: 144.

535

فيكون‏ (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) يحتمل أمرين:

أحدهما-أن يكون صفة لـ (نبى) . و إذا قدرته هذا التقدير كان قوله‏ (رِبِّيُّونَ) مرتفعا بالظرف بلا خلاف.

و الآخر-أن تجعله حالا من الضمير الذي فى «قتل» ، و على الأول يعود للنبى، عليه السلام.

و مما يرتفع بالظرف: قوله تعالى‏ (كَمَثَلِ صَفْوََانٍ عَلَيْهِ تُرََابٌ) (1) .

ف (تُرََابٌ) يرتفع بالظرف على المذهبين، لأنه صفة ل (صَفْوََانٍ) .

و مما يمكن أن يكون من هذا:

قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ*`فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ*`ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ) (2) .

فقوله‏ (ثُلَّةٌ) رفع بالظرف، إذا وقفت على‏ (اَلْمُقَرَّبُونَ) ، فى المذهبين جميعا؛ لأنه جرى خبرا على المبتدأ.

و مثله: (لِأَصْحََابِ اَلْيَمِينِ*`ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ) (3) إذا وقفت على قوله:

(عُرُباً أَتْرََاباً) (4) ، فأما إذا وصلت الكلام في الآيتين ارتفع قوله‏ (ثُلَّةٌ) على أنه خبر ابتداء مضمر.

و منه قوله: (وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهََا لِلْأَنََامِ*`فِيهََا فََاكِهَةٌ) (5) إن وقفت على (الأنام) رفعت‏ (فََاكِهَةٌ) بقوله «فيها» ، و إن وقفت على‏ (وَضَعَهََا) رفعت‏ (فََاكِهَةٌ) بقوله‏ (لِلْأَنََامِ) على مذهب الأخفش، و بالابتداء على مذهب صاحب «الكتاب» .

____________

(1) البقرة: 264.

(2) الواقعة: 11، 12، 13.

(3) الواقعة: 38 و 39.

(4) الواقعة: 37.

(5) الرحمن: 10 و 11.

536

و أما قوله تعالى: (لِكُلِّ بََابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (1) كأنه: لكل باب جزء مقسوم من الداخلين.

و لا يصح تعلّقه به في هذا الظاهر؛ لأنه صفة لـ «جزء» متعلّقه؛ إذ المعنى كقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاََئِكَةَ لاََ بُشْرى‏ََ) (2) .

و إن شئت علقّته باللام، و لا يكون «منهم» صفة للنكرة؛ لأنه لا شى فيه يعود على الموصوف.

قوله تعالى: (بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (3) .

قال أبو علىّ فى «التذكرة» : و إن شئت كان: الإنسان هو البصيرة على نفسه.

و إن شئت كان: على نفس الإنسان بصيرة، أي شهيد/، أي: يداه و رجلاه و لسانه؛ إذا جعل «الإنسان» هو البصيرة كان ارتفاعه بأنه خبر المبتدأ الذي هو «الإنسان» ، و «على نفسه» متعلّق بـ «بصيرة» و التقدير:

بل الإنسان بصيرة على نفسه، أي: شاهد عليها.

و على الوجه الآخر، بمنزلة: زيد في داره غلام، فـ «لبصيرة» يرتفع بالظرف بالابتداء، و الراجع إلى المبتدأ الأول الهاء فى «نفسه» .

____________

(1) الحجر: 44.

(2) الفرقان: 22.

(3) القيامة: 14.

537

و اعتبر قوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ) (1) .

و قال أبو زيد: «البصيرة» هو الشاهد، و ليس في قوله دلالة على أحد الوجهين المتقدمين.

قلت: هو رفع بالظرف، لأن الظرف خبر المبتدأ، و ليس فيه خلاف.

قال‏ (2) سيبويه: «و اعلم أنك إذا نصبته في هذا الباب فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء» .

يعنى «معه صقر» ، لأن «معه» عنده هنا صفة، و هو يرفع هنا بالظرف، و يمتنع منه في غير هذا الموضع؛ و إنما رفع هنا بالظرف، لأنه لا سبيل إلى التقديم، كما رفع في قولك: فى الدار إنك منطلق، بالظرف.

و قوله‏ (3) «و لا يشبه: فيها عبد اللّه قائم غداى-، يعنى أن «معه» لا يشبه «فيها» ، و «صقر» لا يشبه «عبد اللّه» ، و «صائدا به غدا» لا يشبه «قائم غدا» - «لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع» -يعنى في قوله: «فيها عبد اللّه قائم غدا» .

____________

(1) النور: 24.

(2) الكتاب (1: 243) .

(3) يعنى: سيبويه.

538

و قوله: (1) : «فإذا صار الاسم مجرورا» -يعنى «برجل» ، يعنى بقوله:

مررت برجل-أو عاملا «فيه فعل» نحو قوله: مررت برجل معه صقر.

و قوله‏ (2) «أو مبتدأ» ، يعنى مثل قولك: هذا رجل معه صقر.

فقال في الجميع: إذا صار الاسم كذا لم تلفه‏ (3) -يعنى الظرف.

و قوله‏ (4) : «و في الظروف، إذا قلت: فيها أخواك قائمان، رفعه الابتداء» .

هذا كلام فا (5) . و قد ناقض في قوله: (وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ) (6) ، و قوله: (هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ اَلْحَقِّ) (7) ، و قوله: (بِسْمِ اَللََّهِ مَجْرََاهََا) (8) ، و قوله: (بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (9) ، و قوله: (حَيْرََانَ لَهُ أَصْحََابٌ) (10) ، و زعم أنه على الخلاف.

و من ذلك قوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلى‏ََ أَنْ لاََ أَقُولَ عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ) (11) ، /فيمن قرأ «علىّ» بتشديد الياء يرتفع «أن» الظرف على المذهبين، كقوله تعالى:

(وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنَّكَ تَرَى اَلْأَرْضَ خََاشِعَةً) (12) .

____________

(4-2-1) يعني: سيبويه.

(3) العبارة في سيبويه: «أي مبتدأ لم تلفه لأنه ليس يرفعه الابتداء» .

(5) يعني: أبا علي الفارسي. و انظر الحاشية (ص 529) من هذا الجزء. و كثيرا ما يعقب المؤلف على الفارسي (ص 531 من هذا الجزء) .

(6) ص: 58.

(7) الكهف: 44.

(8) هود: 41.

(9) القيامة: 14.

(10) الأنعام: 71.

(11) الأعراف: 105.

(12) فصلت: 39.

539

الباب الثاني و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من «هو» و «أنت» فصلا، و يسميه الكوفيون بـ «العماد» و ذلك يجئ بين المبتدأ و الخبر، و بين اسم كان و خبره، و بين اسم، «إنّ» و خبره، و بين مفعولى «ظننت» و بابه، و هو كثير في التنزيل.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ) * (1) ، فـ «أولئك» مبتدأ و «المفلحون» خبر، و «هم» فصل. و الكوفيون يقولون: عماد.

و يجوز أن يكون «هم» ابتداء ثانيا، و «المفلحون» خبر، و الجملة خبر «أولئك» .

و من ذلك: قوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ) (2) ، فالكاف نصب اسم «إن» و «أنت» مبتدأ. و ما بعده خبر. و الجملة خبر «إن» .

و يجوز أن يكون «أنت» فصلا في الكلام، و الخبر «العليم» .

و يجوز أن يكون «أنت» نصبا صفة للكاف‏ (3) ، و إن كان ضميرا مرفوعا.

____________

(1) البقرة: 5.

(2) البقرة: 32.

(3) بهامش الأصل بقلم دقيق مغاير ما نصه: «فيه ما فيه فإن الضمير يوصف و لا يوصف به، فهلا كان تريد من الصفة المعنوية، إن كان غيرها فلا بد من بيان» .

540

قال‏ (1) سيبويه:

لو قلت: مررت بأنت، أو بإياك؟لم يجز، لأن هذه علامات المنصوب و المرفوع.

إن قال قائل: إذا جاز: مررت بك أنت. و رأيتك أنت، و نحوه؛ و في التنزيل: (إِنَّكَ أَنْتَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ) (2) ، فجاز أن يتبع هذه العلامات التي تختص بالرفع المجرور، كما فعل ذلك في قولك: مررت بك أنت، و: رأيتك أنت، و نحو ذلك.

فلم لا يجوز: مررت بأنت. و رأيت أنت؟فالقول في ذلك: أنه يجوز فى التابع ما لا يجوز في المتبوع، نحو: يا زيد و الحارث. و: رب رجل و أخيه.

و: مررت بهم أجمعين. و: يا زيد الطويل، و الطّويل. و قوله:

فعلفتها تبنا و ماء باردا (3)

و من ثم كان الصفة عند أبى الحسن معمول التبعية، و هذا كثير جدا.

و مثله قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ) * (4) . و (إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ) (5) .

و (لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا) * (6) . فى «أنا» الأوجه الثلاثة، و كذلك: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) (7) ، و يجوز فيه الصفة، و الفصل دون الابتداء، لانتصاب قوله: «أقلّ» .

____________

(1) الكتاب (1: 377)

(2) البقرة: 128.

(3) صدر بيت، عجزه:

حتى شتت همالة عيناها

(البحر المحيط 5: 179) .

(4) البقرة: 37.

(6-5) طه: 14.

(7) الكهف: 39.

541

و قال اللّه تعالى: (إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) (1) . «هو» على الفصل و الوصف.

و قال: (كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) (2) .

و قال: (وَ يَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ) (3) . فـ «الذي أنزل» بصلته. المفعول الأول، و «الحق» هو المفعول الثاني، و «هو» فصل لا غير، كقوله: (هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) (4) .

و قال: (وَ لََكِنْ كََانُوا هُمُ اَلظََّالِمِينَ) (5) فـ «هم» فصل.

و قال: (وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً) (6) فـ «هو» فصل، أو وصف للهاء فى «تجدوه» .

و قال اللّه تعالى: (إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ) (7) ، و قال: (إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ) (8) فأدخل اللام على الفصل.

و كذلك قوله: (وَ لاََ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ) (9) فيمن جعل اللام لام الابتداء في قوله: «لهم المنصورون» و ارتفع «هم» بالابتداء.

و قوله: «كأنّهم» مع اسمه و خبره خبر «هم» ، و كأن الوقف على قوله:

«و لا تستعجل» . و من جعل اللام جارة من صلة «تستعجل» ، وقف [على‏] (10) «من نهار» .

ـ

____________

(1) الأنفال: 32.

(2) المائدة: 117.

(3) سبأ: 6.

(4) الأنفال: 32.

(5) الزخرف: 76.

(6) المزمل: 20.

(7) الصافات: 60.

(8) الصافات: 172.

(9) الأحقاف: 35.

(10) تكملة يقتضيها السياق.

542

و الفصل يفارق حكمه حكم ما كان صفة للأول، و يفارق أيضا حكم ما كان مبتدأ و خبرا في موضع خبر الأول.

فأما مفارقته للصفة، فإن الصفة إذا كانت ضميرا، لم يجز أن يوصف به غير المضمر.

تقول: قمت أنت، و رأيتك أنت، و مررت بك أنت؛ و لا يكون صفة للظاهر، لا تقول: قام زيد هو، و لا: قام الزيدان هما.

و ليس الفصل كذلك، لأنه يدخل بعد الظاهر، و مفارقة البدل له أنك إذا أردت البدل قلت: ظننتك أنت خيرا من زيد؛ و ظننته هو خيرا منه و مما يفصل بين الفصل و الصفة و البدل: أن الفصل يدخل عليه اللام، و لا يدخل على الصفة و البدل، كما تقول في الفصل: إن كان كذلك لهو الظريف.

و في التنزيل: (إِنْ كُنََّا نَحْنُ اَلْغََالِبِينَ) * (1) ، «و إن كنّا لنحن الصّالحين» .

فنصب: «الظريف» ، و «الغالبين» ، و «الصالحين» .

و قال اللّه تعالى: (وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ) (2) ، (وَ إِنََّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ) (3) .

____________

(1) الشعراء: 41.

(2) الحج: 58.

(3) الصافات: 165.

543

و لا يجوز أن تقول: إن كنا لنحن الصالحين، فى الصفة و البدل، لأن اللام تفصل بين الصفة و الموصوف، و البدل و المبدل منه.

و أما مفارقته لما كان مبتدأ و خبرا؛ فإن الفصل لا يغير الإعراب عما كان قبل دخوله و المبتدأ يغير، تقول إذا أردت الفصل: كان زيدا هو خيرا منك.

/و إذا جعلت «هو» مبتدأ قلت: كان زيدا هو خير منك. و ليس للفصل موضع من الإعراب.

و اعلم أنه لا يقع الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة و ما قارب منها.

و لا يقع بين نكرتين، و لا بين معرفة و نكرة.

فقوله: (تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً) (1) «خيرا» مقارب للمعرفة؛ لأن «خيرا» «أفعل» ، و «أفعل» يستعمل معها «من كذا» ظاهرا أو مضمرا، فيخصصه و يوضحه.

و أما قوله تعالى: (هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) (2) ، فـ «هؤلاء» مبتدأ، و «بناتي» عطف بيان، و «هنّ» فصل، و «أطهر لكم» خبر، و «هؤلاء بناتي» معرفتان جميعا، و «أطهر لكم» منزلته منزلة المعرفة في باب الفصل؛ لأنه من باب: زيد هو خير منك.

____________

(1) المزمل: 20.

(2) هود: 78.

544

و قرأ محمد بن مروان من أهل المدينة: «أطهر» بالنصب. و قد روى عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنه قرأها: «هنّ أطهر لكم» بالنصب.

فقال: احتبى في لحنه.

و قد روى عن سعيد بن جبير أنه قرأ: «هنّ أطهر لكم» بالنصب.

و معنى قول أبى عمر (1) : «احتبى في لحنه» : كقولك: اشتمل بالخطأ، و تمكن في الخطأ؛ و نحو هذا مما يوجب تثبيت الخطأ عليه، و إحاطته به.

قال أبو عثمان: وجه النصب فى «أطهر لكم» : أن تجعل «هنّ» أحد جزءى الجملة، و تجعله خبر «بناتي» كقولك: زيد أخوك هو.

و تجعل «أطهر» حالا من «هنّ» أو من «بناتي» و العامل فيه معنى الإشارة كقولك: هذا زيد هو قائما، أو جالسا، أو نحو ذلك.

و إنما لحّن من لحّن؛ لأنه لم ير قوله «هنّ» تمام الكلام، و إنما رأى قوله «هنّ» فصلا، و رأى «أطهر» الخبر. فلم ير ذلك... (2) تم به الكلام.

و من طريف ما ذكرنا:

أن‏ (3) سيبويه قال: و أما أهل المدينة فينزلون «هو» هاهنا منزلة قوله:

ما أظن أحدا هو خيرا منك، و يجعلونها فصلا في هذا الموضع.

____________

(1) كنية عيسى بن عمرو الثقفي المتقدم.

(2) بياض بالأصل.

(3) الكتاب (1: 397) .

545

و زعم يونس: أن أبا عمرو رواه لحنا و قال: احتبى ابن مروان في ذه‏ (1) ، فى اللحن.

و ذلك أنه كان يقرأ: (هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) .

و كان الخليل يقول: و اللّه‏[إنه ل]عظيم جعلهم «هو» فصلا في المعرفة، و تصييرهم إياها بمنزلة «ما» إذا كانت «ما» لغوا؛ لأن «هو» بمنزلة/ «أبوه» ، و لكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا[كما جعلوا «ما» فى بعض المواضع بمنزلة «ليس» ، و إنما قياسها أن تكون بمنزلة «كأنما» و «إنما» .

و مما يقوى ترك ذلك في النكرة: أنه لا يستقيم أن تقول: رجل خير منك، و لا أظن رجلا خيرا منك، حتى تنفى و تجعله بمنزله «أحد» فلما خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، و في الابتداء لم يجر فى النكرة مجراه، لأنه قبيح في الابتداء، و فيما أجرى مجراه من الواجب، فهذا مما يقوّى ترك الفصل‏] (2) .

و هذه الآية ما وقع «هنّ» فيها بين نكرتين؛ و ليس بحجة لأهل المدينة؛ و لكنه وقع فى «الكتاب هاهنا موقعه في باب آخر، و قد بيّنا هذا.

و أما قوله تعالى: (وَ لاََ مَوْلُودٌ هُوَ جََازٍ عَنْ وََالِدِهِ شَيْئاً) (3) يرتفع «مولود» بالعطف على «والد» لإعادة العاطف مؤكدا.

____________

(1) الكتاب (1: 397) : «هذه» .

(2) التكملة من الكتاب.

(3) لقمان: 33.

546

و لأن كونه مبتدأ، ممتنع لتنكيره، فيستدعى التخصيص بالوصف، و لو كانت الجملة وصفا، احتاج إلى الخبر، و لا خبر هنا، و هو تأكيد لما فى «مولود» أو مبتدأ، و «جاز» خبره، و الجملة وصف له، و لا يكون «هو» فصلا؛ لأن ما هو بينهما نكرتان.

و أما قوله تعالى: (وَ مَكْرُ أُولََئِكَ هُوَ يَبُورُ) (1) فإن «هو» فصل، و «يبور» خبر المبتدأ الذي هو «مكر أولئك» ، و «أولئك» جر بالإضافة.

قال أبو عثمان: زيد هو يقول ذاك، «هو» فصل، و لا أجيز: زيد هو قال ذاك؛ لأنى أجيز الفصل بين الأسماء و الأفعال‏ (2) .

و لا يجوز في الماضية، كما جاز في المضارعة؛ و ذلك أن سيبويه قد قال: إنى لأمرّ بالرجل خير منك؛ و بالرجل يكرمنى؛ و هما صفة، على توهم الألف و اللام، فكذلك في الفصل أتوهم الألف و اللام في الفعل، و يكون بمنزلة الغاية بين المعرفتين.

كما أقول: «كان زيد هو خيرا منك» على توهم الألف و اللام فى «خير منك» .

و لا يجوز: كان زيد هو منطلقا. لأنى أقدر على الألف و اللام، و إنما يجوز هذا فيما لا يقدر فيه على الألف و اللام.

____________

(1) فاطر.

(2) مقتضى الكلام أن يقول: لأني أجيز الفصل في الفعل المضارع و لا أجيزه في الفصل الماضي، و بذلك يصح الاستدلال بالمثالين.

547

و أما قوله تعالى: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى‏ََ مِنْ أُمَّةٍ) (1) ، فموضع «أربى» رفع؛ لأن قوله «أمة» اسم «تكون» و هي ابتداء، و «أربى» خبره، و الجملة خبر «كان» ، و لا يجوز أن تكون «هى» هاهنا فاصلة؛ لأن أمة» نكرة، و «أربى» و إن قاربت المعرفة فيستدعى كون معرفة قبلها.

و أما قوله: (قََالُوا جَزََاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزََاؤُهُ) (2) ، فقوله «جزاؤه» مبتدا. و قوله «من وجد» خبر المبتدأ، و التقدير:

أخذ من وجد، أي: أخذ الإنسان الذي وجد الصاع في رحله؛ و المضاف محذوف، و فى «وجد» ضمير «الصاع» العائد إلى «من» ، الضمير المجرور بالإضافة، «فهو جزاؤه» ذكرت هذه الجملة تأكيدا للأول، أي أخذه جزاؤه، و «من» بمعنى الذي/على هذا، و إن جعلت «من» شرطا، و «وجد في رحله» فى موضع الجزم، و الفاء فى قوله «فهو جزاؤه» جواب الشرط، و الشرط و الجزاء خبر المبتدا، جاد و جاز.

و كان‏ (3) التقدير: جزاؤه إن وجد الصاع في رحل إنسان فهو هو، لكنه وضع من الجملة إلى المبتدأ عائد، لأنه إذا كان «من» شرطا، أو بمعنى «الذي» ، كان ابتداء ثانيا، و يكون الفاء مع ما بعده خبرا، و تكون الجملة خبر المبتدأ، و العائد هو الذي وضع الظاهر موضعه.

____________

(1) النحل: 92.

(2) يوسف: 75.

(3) توجيه هذا الرأي كما ساقه أبو حيان في البحر (5: 331) «جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فموضع الجزاء موضع هو» .

548

و يجوز أن يكون «جزاؤه» خبرا، و «هو» فصل.

و أما قوله: (وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ) * (1) لا يجوز الفصل هنا.

فإذا لم يجز الفصل كان «هم» الثانية: إما صفة، و إما ابتداء، و جازت الصفة، لأن الأول مضمر، فيجوز أن يكون المضمر و صفا له.

و نراها أشبه؛ لأنك إذا جعلته ابتداء، فصلت بين اسم الفاعل و ما يتصل به بمبتدأ، و هما أذهب في باب كونها أجنبيات من الصفة؛ لأن الصفة متعلق بالأول، و المبتدأ أجنبى من اسم الفاعل.

و أما قوله: (وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (2) . يحتمل «هم» ثلاثة أضرب:

أحدها-أن يكون مرتفعا بمضمر دل عليه «ينتصرون» ؛ لأن هذا الموضع فعل.

ألا ترى أن جواب «إذا» حقه أن يكون فعلا؛ فإن أظهرت ذلك الفعل كان «ينتصرون» ؛ لأن الضمير حقه أن يتعلق بالفعل، كما يكون «أنت» ، فانظر في بيت عدى‏ (3) .

____________

(1) يوسف: 37-هود: 19.

(2) الشورى: 39.

(3) يريد: عدي بن زيد العبادي، و بيته هو:

فمتى واغل ينبهم يحيّو # ه تعطف عليه كأس السّاقي‏

قدم الاسم على الفعل للضرورة مع أنه مجزوم بمتى، و ارتفاع الاسم بعدها بإضمار فعل يفسره الظاهر، لأن الشرط لا يكون إلا بالفعل (الكتاب ج 1: 458) .

549

و من أجاز إضمار الفاء و استدل بقوله: (وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (1) جاز أن يرتفع «هم» على قوله بالابتداء، و التقدير: فهم ينتصرون، إلا أنه حذف الفاء (2) .

و هو على تقدير العربية أن يكون صفة (3) للضمير المنصوب فى «أصابهم» ، و ليس بالقوى في المعنى‏ (4) .

ألا ترى أن البغي إذا أصابهم هم، أو أصاب أصحابهم، وجب عليهم الانتصار لهم، كما يجب انتصارهم لأنفسهم.

و إنما قلنا قياس قول سيبويه رفع قوله «هم» بمضمر، لأنه قد قال فى قوله «إن يأتنى زيد يضرب» : إنه يرتفع بفعل مضمر يفسره «يضرب» ، و لا فصل بين «إذا» و «إن» .

و وصل «الذين» بـ «إذا» يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله: أزيد إذا أتاك يضرب إذا جعلته جوابا و لم تقدر به التقديم-و إن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ/مضمر يفسره «يضرب» ، و لا فصل بين «إذا» و «إن» ، و وصل «الذين» بـ «إذا» يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله:

أزيد إذا أتاك يضرب-إذا جعلته جوابا و لم تقدر به التقديم، و أن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر أو صلة تشبّه بـ «إن» ، كما شبهت «إذا» أيضا بها في قول من جازى بها في الشعر.

و لا يجوز ذلك فى «حين» ، و لا في غير الأسماء التي تتضمن معنى الشرط و الجزاء.

____________

(1) الأنعام: 121.

(2) و هذا هو الوجه الثاني في «هم» .

(3) و هذا هو الوجه الثالث في «هم» .

(4) البحر المحيط (7: 522) : «توكيدا» .

550

و لا يحمل «إذن» على اسم الزمان في وصل «الذي» بها.

هذا كله، كما ترى، درر نظمتها لك، و في الكتاب فصل يخالف هذا (1) .

قال سيبويه: و اعلم أن «هو» تكون فصلا إلا في الفعل، و لا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، و ذكر باب «حسبت» و «كان» فقط (2) .

قال أبو بكر: و لم يذكر باب «إن» هنا، و لا باب «الابتداء بإن» قال: فأذكر أنه لا يكون فصلا إلا في الأفعال، و تأول الآية في حد «إن» على أنها مبتدأة، و هي قوله: (لاََ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ هُمُ اَلْأَخْسَرُونَ) (3) .

و يدل أيضا على صحة قوله: أن سيبويه لما ذكر في هذا الكتاب ما يكون «هو و أخواتها فيه فصلا» ذكر باب «حسبت و أخواتها» ، و «كان و أخواتها» و لم يذكر «إن» .

قال أبو سعيد: و من مذهبه أنهن يكن فصلا فى «إن» و في «الابتداء» .

و إنما ابتدأ بالفعل و خصه؛ لأنه لا يتبين الفصل إلا فيه و «إن» و «الابتداء» لا يتبين الفصل بهما في اللفظ، لأنك إذا قلت: زيد هو خير منك؛ فما بعد «هو» مرفوع على كل حال، و إن جعلت «هو» فصلا، أو جعلته مبتدأ.

____________

(1) الكتاب (1: 431-452) .

(2) الكتاب (1: 394) .

(3) هود: 22.

551

و إنما يتبين فى «كان، و أخواتها» ، و «ظننت، و أخواتها» الفصل من الابتداء؛ لأن أخبارها منصوبة، تقول: كان زيد هو أخوك، إذا جعلت «هو» ابتداء، و «أخوك خبره، و الجملة خبر زيد» و كذلك:

ظننت زيدا هو أخوك، و إذا كان فصلا قلت: كان زيد هو أخاك، و ظننت زيدا هو أخاك.

552

الباب الثالث و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من المضمرين إلى أي شي‏ء يعود مما قبلهم و هو كثير في التنزيل، لكنّا نذكر نبذا منها:

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (1)

قيل: من مثل محمد-عليه السلام-فالهاء تعود إلى «عبدنا» .

و قيل: تعود الهاء إلى قوله «ما» ، أي: فأتوا بسورة من مثله/ما نزلناه على عبدنا-فيكون «من» زيادة-على قول أبى الحسن-دليله قوله:

(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) .

و قيل: الهاء تعود إلى الأنداد، كما قال سيبويه في قوله: (وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمََّا فِي بُطُونِهِ) (2) و في الأخرى: (مِمََّا فِي بُطُونِهََا) (3) لأن «أفعالا» و «أفعلا» و «أفعلة» و «فعلة» جرت عندهم مجرى الآحاد؛ لأنهم جمعوها في قولهم: أناعيم، و أكالب، و أساق، و غير ذلك، و صغروها تصغير الآحاد فى: أنيعام، و أكيلب. فجاز عودها إلى الأنداد في قوله:

(فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً) (4) ، و المعنى يقتضى الأوجه الثلاثة، و قرب اللفظ يقتضى عوده إلى «عبدنا» .

____________

(1) البقرة: 23.

(2) النحل: 66.

(3) المؤمنون: 21.

(4) البقرة: 22.

553

و من ذلك قوله: (وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ) (1) .

قيل: التقدير: أول كافر بالتّوراة، و هو مقتضى قوله: (لِمََا مَعَكُمْ) (2)

فيعود إلى «ما» .

و قيل: يعود الهاء إلى قوله‏ (بِمََا أَنْزَلْتُ) (3) و هو القرآن. و الوجه الأول أقرب.

و يجوز أن تعود الهاء إلى النبي-صلى اللّه عليه و على آله-و ذلك مذكور دلالة، لأن قوله: (وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ) أي: أنزلته على محمد، عليه السلام.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ وَ إِنَّهََا لَكَبِيرَةٌ) (4) .

قيل: الهاء تعود إلى «الصلاة» . أي: إن الصلاة لكبيرة-أي:

لثقيلة-إلا على الخاشعين، كقوله: (وَ إِنْ كََانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاََّ عَلَى اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ) (5) .

و عندى: أن الهاء تعود إلى المصدر، لأن قوله: «و استعينوا» يدل على الاستعانة، أي: إن الاستعانة لكبيرة إلا على الخاشعين، كما قال:

من كذب كان شرّا له.

____________

(1) البقرة: 41.

(2) البقرة: 41.

(3) البقرة: 41.

(4) البقرة: 45.

(5) البقرة: 143.

554

و من ذلك قوله: (وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) * (1) .

قيل: يعود إلى ذبح الأبناء، و استحياء النساء. أي: فى المذكور نقمة من ربكم.

و وحّد «ذا» و لم يقل: «ذينكم» ، لأنه عبّر به عن المذكور المتقدم.

و قيل: يعود «ذلكم» إلى «الإنجاء» من آل فرعون.

و مثل الأول قوله: (فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) (2) ، أي: ذلكم المذكور المتقدم.

و مثله: (لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ) (3) .

أي: بين المذكور المتقدم، لأن «بين» يضاف إلى أكثر من واحد، كقولك: المال بين زيد و عمرو.

و مثله: (وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرََاجُهُمْ) (4) ، «هو» عبارة عن المصدر، /أي. الإخراج محرّم عليكم، ثم قال: «إخراجهم» .

فبيّن ما عاد إليه هو.

و قال: (اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ََ) (5) أي: العدل أقرب للتقوى.

و قد تقدم‏ (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) (6) على معنى: البخل خيرا لهم؛ لأن «ينجلون» يدل عليه.

____________

(1) البقرة: 49.

(2) البقرة: 54.

(3) البقرة: 68.

(4) البقرة: 85.

(5) المائدة: 8.

(6) آل عمران: 18.