إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
555

و قال: (إِنَّهُ كََانَ حُوباً كَبِيراً) (1) ، أي: إنّ أكله.

و قال: (وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ) (2) ، أي: إن أكله لفسق.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ اَلْعَذََابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (3) .

قيل: التقدير: و ما أحد يزحزحه من العذاب تعميره. فـ «هو» يعود إلى «أحد» و هو اسم «ما» .

و قوله: «بمزحزحه» خبر «ما» و الهاء فى «بمزحزحه» يعود إلى «هو» .

و قوله: «أن يعمّر» يرتفع «بمزحزحه» .

و يجوز أن يكون «و ما هو» «هو» ضمير التعمير، أي: ما التعمير [بمزحزحه‏]من العذاب. ثم بين فقال: «أن يعمر» ، يعنى: التعمير، أي: ما التعمير.

و قال الفراء: «هو» ضمير المجهول، أي: ما الأمر و الشأن يزحزح أحدا تعميره من العذاب. و هذا ليس بمستو، لمكان دخول الباء، و الباء لا تدخل في الواجب، إلا أن يقول: إن النفي سرى من أول الكلام إلى أوسطه، فجلب الباء.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ) (4) .

قيل: و آتى المال على حب الإعطاء.

[و]قيل: و آتى المال على حب ذوى القربى. فإن صح كان‏ (ذَوِي اَلْقُرْبى‏ََ) بدلا من الهاء-و فيه نظر.

____________

(1) النساء: 2.

(2) الأنعام: 121.

(3) البقرة: 96.

(4) البقرة: 177.

556

و قيل: على حب المال؛ فعلى هذا يكون الجار و المجرور في موضع الحال، أي: آتاه محبّا له.

و أما قوله تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ) (1) . أي: على حب الطعام، و يكون: على حب الإطعام، و يكون: على حب اللّه.

و من ذلك قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ) (2) .

قيل: معناه: فمن عفى عن الاقتصاص منه، فاتباع بالمعروف، هو أن يطلب الوليّ الدية بمعروف، و يؤدّى القاتل الدية بإحسان-عن ابن عباس.

فالهاء فى «إليه» يعود إلى «من» .

و قوله: «فاتّباع بالمعروف، أي: فعلى الوليّ اتباع بالمعروف، و على القاتل أداء إلى الولىّ بإحسان. فالهاء فى «إليه» على هذا لـ «الوليّ» .

و قيل: إن معنى قوله‏ (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (3) بمعنى: فمن فضل له فضل-و هو مروى عن السّدّىّ، لأنه قال: الآية نزلت فى فريقين كانا على عهد رسول اللّه-صلى اللّه عليه و على آله-قتل من كلا الفريقين قتلى، فتقاصّا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية/فليتبعها بالمعروف، و ليؤدّ من عليه الفاضل بإحسان.

و يكون معنى قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (4) . أي: فمن فضل من قتل أخيه القاتل له شي‏ء.

____________

(1) الإنسان: 8.

(2) البقرة: 178.

(4-3) البقرة: 178.

557

و لعل فارس الصناعة (1) أراد هذا حين قال «فمن عفى له» أي: من يسّر من قتل أخيه القاتل شي‏ء فاتباع بالمعروف، أي، ليتبعه ولى المقتول، و ليؤد إليه بإحسان، فلا يمطله، و الأداء في تقدير فعل المفعول، أي فله: أن يؤدى إليه، يعنى الميسر له، و لو قدر تقدير: أن يؤدى القاتل، جاز، و الباء حال، و لم يكن من تمام الأداء ليعلق إلى «به» .

فمقتضى ما قدمنا في قوله: (فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ) (2)

قولان:

أحدهما: أنهما عائدان إلى القاتل و المقتول «اتباع بالمعروف» عائد إلى ولىّ المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، و الأداء بإحسان عائد إلى القاتل أن يؤدى الدية بإحسان.

و الثاني: أنهما عائدان إلى القاتل، أن يؤدى الدية بمعروف و إحسان فالمعروف أن لا ينقصه؛ و الإحسان أن لا يؤخره.

ففى الآية ثلاث كنايات:

أحدها: الهاء فى «له» .

و الثاني: الهاء فى «أخيه» .

و الثالث: الهاء فى «إليه» .

فيقال الهاء فى «له» و فى «أخيه» للقاتل الذي عفى له للقصاص، ـ

____________

(1) يعني: أبا علي الفارسي.

(2) البقرة: 178.

558

و أخوه ولىّ القتيل. و الضمير فى «إليه» أيضا له. أي: يؤدى القاتل الدية إلى الولىّ العافي بإحسان عن غير مطل.

و بين الفريقين في هذه الآية كلام في موجب العمد، هل هو القود؟ أو أحد الشيئين من القود و الدية لا بعينه.

فقال الشافعي في موجبه أحدهما: فإن شاء استوفى القصاص، و إن شاء أخذ الدية، فقال في الآية: إن اللّه شرع القصاص عينا ابتداء، ثم ألزم القاتل أداء المال إلى الوليّ إذا عفى له، و لأن قوله: (فَمَنْ) (1)

كلمة مبهمة، و ذكرت لبيان تغيّر حكم القصاص بعفو يقع له؛ فدل ضرورة أن كلمة «من» تنصرف إلى من عليه القصاص، ليسقط به، و هي كناية عن الاسم المراد بقوله‏ (فَمَنْ) (2) .

فثبت ضرورة أن الثابت في اسم القاتل، الذي دل عليه القصاص، و أن العفو وقع له.

و اللّه تعالى علّق بالعفو وجوب الاتباع و القبول و الأداء، فإن قوله:

(فَاتِّبََاعٌ) (3) على/سبيل التعليق بالأول. بمنزلة قوله: «فاتبعوا» .

كقول اللّه تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) * (4) فى باب الكفّارة.

ثم بيّن أن هذا الحكم من اللّه تخفيف و رحمة، فإن الحياة لا عوض لها، و قد حي بعد الهلاك بالدية.

____________

(3-2-1) البقرة: 178.

(4) المجادلة: 3.

559

و (عُفِيَ لَهُ) (1) يجئ بمعنى: عفى عنه، فلما ثبت أن العفو وقع للقاتل علم أن العافي هو الولىّ ضرورة، و ما لأحد غيره حقّ في هذا الباب، و قد تقدّم الجواب عن هذا الكلام.

و دل قوله «شى‏ء» على التنكير، فإن اللّه أوجب القصاص ابتداء، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (2) على سبيل التّنكير، فينصرف إلى شى‏ء من الواجب عليه، أي: أي شى‏ء من القصاص.

فإن قيل: تأويله: شى‏ء من العفو بعفو القصاص دون البدل.

قلنا: لما كان «شى‏ء» نكرة من جملة وجب صرفها إلى الجملة المذكورة شائعة، و هو القصاص، دون العفو، الذي لم يذكر، كما يجب في الكناية و التعريف.

و من ذلك قوله: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ) (3) .

فيه قولان:

أحدهما: «الهاء» لنمرود، لما أوتى الملك، حاجّ في اللّه تعالى. عن الحسن.

الثاني: هو لإبرهيم، لما آتاه اللّه الملك، حاجّه نمرود: عن أبى حذيفة.

و «الملك» النبوة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاََّ فِي كِتََابٍ) (4) .

____________

(2-1) البقرة: 178.

(3) البقرة: 258.

(4) فاطر: 11.

560

فيه قولان:

أحدهما: أنه لا يمد في عمر معمّر حتى يهرم‏ (وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) (1)

أي: من عمر آخر، حتى يموت طفلا (إِلاََّ فِي كِتََابٍ) . (2) .

و قيل: (وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) (3) قدّر اللّه مدة أجله، إلا كان ما ينقص منه بالأيام الماضية و في كتاب، جلّ سبحانه و تعالى، فالهاء على هذا للمعمّر، على الأول، كقولك: عندى درهم و نصفه، أي، نصف مثله، كذلك:

لا ينقص من عمر مثل معمّر، و لا يشبه الآية «درهم و نصفه» ، لأنه ليس المعنى:

لا ينقص آخر من عمر ذلك الآخر.

إنما المعنى: و لا ينقص آخر من عمر هذا المعمّر، أي: لا ينقص بجعله أنقص عمرا منه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) (4)

فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: إلاّ ليؤمننّ بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء.

عن ابن عباس.

الثاني: إلاّ ليؤمننّ بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل اللّه من الحق و بالمسيح-/عن الحسن-فيعود الهاء من «موته» إلى «أحد» المضمر، لأن التقدير: و إن أحد من أهل الكتاب.

____________

(3-2-1) فاطر: 11.

(4) النساء: 159.

561

و القول الثالث: إلا ليؤمنن بمحمد-صلى اللّه عليه و على آله-قبل موت الكتابي. عن عكرمة. و فيه ضعف؛ لأنه لم يجر هاهنا لمحمد-عليه السلام-ذكر.

فإن قيل: إذا كان الاختيار الأول، فما وجه قوله عزّ و جلّ: (وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) (1) ؟و كيف يشهدون على من لم يشاهدهم، و لم ير منهم ما يشهد به عليهم؟ فالجواب: أنه ليس واجبا على الشاهد ألاّ يشهد إلا بما شاهد؛ لأن الشهادة علم، و إذا علم الشي‏ء و تحقّقه فله أن يشهد.

ألا ترى أنّا نشهد بأن محمدا رسول اللّه، و لم نره و لم نشاهده، لأنّا علمنا بالتواتر كونه، و بالدليل رسالته، فكذلك عيسى نشهد بعلمه.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفََّارَةٌ لَهُ) (2) .

فيه قولان:

الأول: أنها كفارة للجارح؛ لأنه يقوم مقام آخذ الحق.

و الثاني: كفارة للمجروح. عن ابن مسعود.

و عن ابن عباس، هذا محمول على من عفى عنه بعد التوبة.

و يجوز أن يعود الضمير في قوله إلى المقتول، أي: إذا عفا وليّه زاد اللّه فى ثواب المقتول.

____________

(1) النساء: 159.

(2) المائدة: 45.

562

و يجوز أن يرجع إلى القاتل، و الهاء الأولى للقتل، أي: من تصدق بتبيين القتل منه، و أنه هو الذي فعله، و قصد استتار القاتل، و خفى أمره على الأولياء. فذلك التصدق كفّارة للقاتل؛ لأنه إنفاذ لحكم اللّه، و تخليص الناس من التّهم و الظنون.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ) (1) .

قيل: الهاء لنوح.

و قيل: لإبرهيم؛ لأن اللّه أراد تعداد الأنبياء من ولد إبراهيم- عليه السلام، امتنانا عليه بهذه النعمة.

و ليس القصد ذكر أولاد نوح، فهو له‏ (2) ، و لوطا و يونس بـ «هدينا» مضمرة عند من قال: إنه لإبرهيم. و لا وجه لاختلاف العطف.

و من ذلك قوله: (إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ) (3) . أي:

للذكر؛ لقوله: (لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ) (4)

و قيل: «و إنا له» يعنى لمحمد صلّى اللّه عليه و على آله؛ كما قال: (وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ) (5) .

و من ذلك قوله: (هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ فَنَسِيَ) (6) .

____________

(1) الأنعام: 84.

(2) يريد: فالخطاب له، أي لنوح عليه السلام.

(3) الحجر: 9.

(4) فصلت: 42.

(5) المائدة: 67.

(6) طه: 88.

563

قيل: «فنسى» /أي: نسيه موسى، فمضى يطلب ربّا سواه، فعلى هذا تقف على قوله: «فنسى» دون «موسى» .

و قيل: «هذا إلهكم و إله موسى» تمت الحكاية؛ ثم قال: «فنسى» أي: فنسى السامري.

و من ذلك قوله تعالى: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاََتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ) (1) .

قيل: علم اللّه صلاة نفسه، و تسبيح نفسه.

و قد ذكرنا ما في هذا من الاختيار فيما تقدم.

و من ذلك قوله: (وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذََلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ) (2)

أي: فإن المذكور، كما قال: (وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ) (3) .

أي: إن المذكور كما قال: (وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ لَكُمْ) (4) . أي:

ما جعل اللّه الإمداد، فكنى عن الإمداد؛ لأن قوله: (أَنْ يُمِدَّكُمْ) (5) ، يدل عليه نظيره في الأنفال: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ* `وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ) (6) .

و من ذلك قوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ) (7) أي: بالماء، ثم قال: (وَ لَقَدْ صَرَّفْنََاهُ بَيْنَهُمْ) (8)

____________

(1) النور: 41.

(2) آل عمران: 186.

(3) الشورى: 43.

(4) آل عمران: 126.

(5) آل عمران: 124.

(6) الأنفال: 9 و 10.

(7) الفرقان: 49.

(8) الفرقان: 50.

564

فقالوا: يعنى المطر، صرفه بين الخلق، فلم يخص به مكانا دون مكان، ليعتبروا و يتعظوا، و مع ذلك أبوا إلا كفورا، حين قالوا: مطرنا بنوء كذا.

و قال قوم: و لقد صرفنا القرآن بينهم؛ لأنه ذكره في أول السورة.

و الأول أوجه؛ لأنه أقرب.

و من ذلك قوله: (وَ جََاهِدْهُمْ بِهِ) (1) أي: بالقرآن، و قيل: بالإنذار؛ لأن قبله «نذيرا» يدل على الإنذار.

و من ذلك قوله: (وَ اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ) (2) ، أي: باللّه، لقوله: (مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اَللََّهِ) (3) .

و قيل: بالرسول، صلى اللّه عليه و على آله.

فأما قوله: (قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ) (4) .

فقيل: الضمير للأمر و الشأن، أي: قل الأمر و الشأن «اللّه أحد» .

و قيل: «هو» إشارة إلى «اللّه» ، و قوله: «اللّه» بدل منه، مفسر له.

و أما قوله تعالى: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ) (5) فيمن اختلس كسرة الهاء كان كناية عن المصدر، أي: اقتد اقتداء.

____________

(1) الفرقان: 52.

(2) الزمر: 33.

(3) الزمر: 32.

(4) الإخلاص: 1.

(5) الأنعام: 90.

565

و على هذا قراءة من قرأ: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) (1) بالهاء في الوصل، يكون كناية عن المصدر.

و أما قوله: (وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا) (2) .

ففى «هو» وجهان:

أحدهما-أن يكون ضمير (كل) ، أي: لكل أهل وجهة وجهة هم الذين يتولونها و يستقبلونها عن أمر نبيهم. عن مجاهد.

و الثاني-اللّه تعالى هو الذي يوليهم إليها، و أمرهم باستقبالها. عن الأخفش.

و قد قرئ: «هو مولاّها» . و هذا حسن.

يدل على الثاني من القولين قال: (مَعََاذَ اَللََّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوََايَ) (3) .

قيل: الهاء تعود إلى اللّه، أي: هو عصمنى و نجّانى من الهلكة.

و قيل: إنه سيدى أحسن مثواى؛ لأنه قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوََاهُ عَسى‏ََ أَنْ يَنْفَعَنََا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) (4) .

فأما قوله: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهََا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) (5) أي: الإجابة أو المقالة أو الكلمة، و لا يكون قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكََاناً) (6) تفسيرا لقوله‏ (فَأَسَرَّهََا) ؛ لأنه لا نظير لمثل هذا المثل، و المفسّر فى كلامهم؛ لأن المفسّر في جملة، و المفسّر في جملة أخرى، و إنما يكونان فى جملة واحدة، نحو: نعم رجلا زيد، و ربّه رجلا؛ و ما أشبه ذلك.

____________

(1) البقرة: 259.

(2) البقرة: 148.

(3) يوسف: 23.

(4) يوسف: 21.

(6-5) يوسف: 77.

566

و من ذلك قوله: (وَ أَنَّهُ كََانَ رِجََالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجََالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزََادُوهُمْ رَهَقاً) (1) .

أي: زاد الإنس الجن عظما و تكبرا.

و قيل: بل زاد الجن الإنس رهقا، و لم يعيذوهم، فيزدادوا خوفا.

و من ذلك قوله: (فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ (8) `فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ) (2) أي: فذلك النقر، فعبر عن المصدر بـ «ذا» .

و من ذلك قوله: (إِنَّهُ عَلى‏ََ رَجْعِهِ لَقََادِرٌ) (3) .

أي: على رجع الإنسان و بعثه.

و قيل: على رجع الماء إلى الإحليل.

و من ذلك قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ) (4) .

الهاء الأولى لـ «ما» من قوله: (لَمََا آتَيْتُكُمْ) (5) ؛ و الثانية للرسول، إذا جعلت «ما» بمعنى «الذي» ، و إذا جعلته شرطا، كلاهما للرسول.

و من ذلك قوله: (اَلشَّيْطََانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ) (6) .

قيل فاعل «أملى» هو اللّه؛ لقوله «أملى لهم» .

و قيل: هو الشيطان، لأنه أهملهم، و رجّاهم، و سوّل لهم، و زيّن لهم.

و من ذلك قوله: (وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) (7) ، أي: من الكافرين من أهل الكتاب.

____________

(1) الجن: 6.

(2) المدثر: 8، 9.

(3) الطارق: 8.

(5-4) آل عمران: 81.

(6) محمد: 25.

(7) المائدة: 73.

567

و من ذلك قوله: (وَ مِنَ اَلْأَنْعََامِ أَزْوََاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) (1) .

قيل: الهاء للمصدر، أي: يذرؤكم في الذرء.

و يجوز أن يكون‏ (2) ، لقوله: (أَزْوََاجاً) كما قال: (فِي بُطُونِهِ) (3) .

فأما قوله: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) (4) أي: من قبل هدايته؛ لأن قبله:

(وَ اُذْكُرُوهُ كَمََا هَدََاكُمْ) (5) .

و أما قوله: (وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ) (6) . أي:

من قبل السحاب؛ لأن السحاب جمع سحابة؛ فجرى مجرى النخل و الحب، و قد قال: (يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) (7) كما، قال: (أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) (8) (أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ) (9) . و قال: (مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ) (10) ، و لم يقل: «مواضعها» .

فأما قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ) (11) .

ففيما يعود إليه «منهما» ثلاثة أقوال:

____________

(1) الشورى: 11.

(2) في الأصل: «إن لم يكون» .

(3) النحل: 66.

(5-4) البقرة: 198.

(6) الروم: 49.

(7) النور: 43.

(8) القمر: 20.

(9) الحاقة: 7.

(10) النساء: 46.

(11) البقرة: 102.

568

أحدها-أنه لهاروت و ماروت.

و الثاني-من السحر و الكفر.

و الثالث-من الشيطان و الملكين، يتعلمون من الشياطين السحر، و من الملكين ما يفرقون به بين المرء و زوجه.

و من ذلك قوله: (سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ) (1) .

فالمعنى في الآية: أن مجترحى السيئات لا يستوون مع الذين آمنوا، كما قال: (أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ) (2) .

و كما قال: (هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي اَلظُّلُمََاتُ وَ اَلنُّورُ) (3) .

فالمراد في الآية هذا المعنى، و الضمير في قوله: (مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ) (4)

لا يخلو من أن يكون للذين آمنوا دون الذين اجترحوا السيئات، أو للذين اجترحوا من دون المؤمنين؛ أولهما جميعا.

فيجوز أن يكون الضمير فى «محياهم و مماتهم» للذين آمنوا دون غيرهم.

و يكون المعنى: كالذين آمنوا مستويا محياهم و مماتهم، فتكون الجملة في موضع الحال من «الذين آمنوا» ، كما يكون الحال من المجرور في نحو: مررت بزيد.

و يجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني من «نجعل»

____________

(4-1) الجاثية: 21.

(2) السجدة: 18.

(3) الرعد: 16.

569

أي: نجعلهم مستويا محياهم و مماتهم، كالذين آمنوا، أي: لا ينبغى ذلك لهم، فيكون الضمير فى‏ (مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ) (1) للذين اجترحوا السيئات، و «محياهم و مماتهم» يعود الضمير منه إلى الضمير الذي فى‏ (نَجْعَلَهُمْ) (2) .

و يدل على ذلك أنه قد قرئ فيما زعموا: «سواء محياهم و مماتهم» فنصب الممات‏ (3) . و قد حكى عن الأعمش.

فهذا يدل على أنه أبدل المحيا و الممات من الضمير المتصل بـ «نجعلهم» ؛ فيكون كالبدل، كقوله: (وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) (4) .

فيكون الذكر فى «محياهم و مماتهم» على هذا المعنى: للذين اجترحوا السيئات.

و يجوز أن نجعل قوله: (كَالَّذِينَ آمَنُوا) (5) فى موضع المفعول الثاني لـ «نجعل» ، و يكون الضمير فى «محياهم و مماتهم» للقبيلين.

و يكون العامل في الحال «أن نجعلهم» الذي هو مفعول «الحسبان» (6) .

و يكون المعنى: أن نجعلهم و المؤمنين متساوين في المحيا و الممات.

و قد روى عن مجاهد أنه قال/فى تفسير هذه الآية: يموت المؤمن على إيمانه و يبعث عليه، و يموت الكافر على كفره و يبعث عليه.

فهذا يكون على الوجه الثالث يجوز أن يكون حالا، من «نجعلهم» و الضمير للقبيلين.

____________

(2-1) الجاثية: 21.

(3) وجه النصب في هذه القراءة على نزع الخافض بتقدير أن الأصل: سواء في محياهم و في مماتهم.

(4) الكهف: 63.

(6-5) يريد قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ) في أول الآية.

570

فإن قلنا: إن من الكفار من يلحقه مكانه في الدنيا، و يكون له نعم و مزية، فالذى يلحق ذلك ليس يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الحرب.

فإن كان من أهل الذمة، فليس يخلو من أن يكون قد أدركه ما ضرب عليهم من الذلة في الحكم.

و إن كان من أهل الحرب، فليس يخلو من إباحة نفسه و ماله، لكونه حربا.

و من أن يكون ذلك جاريا عليه في الفعل من المسلمين بهم أو الحكم، و المؤمن مكرم في الدنيا لغلبته بالحجة، و في الآخرة في درجاته الرفيعة و منازله الكريمة.

و من ذلك قوله: (هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هََذََا) (1) . أي: اللّه سماكم المسلمين، من قبل إنزال القرآن، و في هذا القرآن. عن ابن عباس.

و قيل: بل إبراهيم سمّاكم المسلمين؛ لقوله: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (2) .

عن ابن زيد.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) (3) .

فى الهاء ثلاثة أقوال:

الأول-أنه من التكذيب.

و الثاني-أنه للكتاب.

و الثالث-للإنذار، و إن جاء «لتنذر» بعده.

____________

(1) الحج: 78.

(2) البقرة: 128.

(3) الأعراف: 2.

571

و من ذلك قوله: (حَتََّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (1) .

قال سعيد بن جبير: إن الرسل يئسوا من قومهم أن يؤمنوا به، و إنّ قومهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما قالوا لهم، فأتاهم نصر اللّه على ذلك.

و الضمير في قوله: (وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (2) للمرسل إليهم، أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به، من أنهم إن لم يؤمنوا نزل العذاب بهم، و إنما ظنوا ذلك لما شاهدوه من إمهال اللّه إياهم و إملائه.

و دلّ ذكر الرسل على المرسل إليهم، فكنّى عنهم، كما كنى عن الرعد حين جرى ذكر «البرق» فى قوله:

أمنك البرق أرقبه فهاجا # فبتّ إخاله دهما خلاجا (3)

و فيمن شدد «كذّبوا» فالضمير للرّسل، تقديره: ظن الرسل، أي: تيقنوا.

«و ظنوا» ليس/الظن الذي هو حسبان.

و معنى «كذبوا» تلقّوا بالتكذيب، كقولهم: خطّأته، و فسّقته، و جدّعته، و غفّرته، فتكذيبهم إياهم، يكون بأن تلقّوا بذلك.

و قيل في قوله تعالى: (وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً) (4)

أي: تساقط ثمرة النخلة، فأضمر «الثمرة» لجرى ذكر «النخلة» ، كالرعد مع البرق، و الرسول مع المرسل إليه.

____________

(2-1) يوسف: 110.

(3) البيت لأبي ذؤيب. والدهم: الإبل السود. و الخلاج: جمع خلوج، و هي الناقة التي جذب عنها ولدها بذبح أو موت فحنت إليه. يشبه صوت الرعد بأصوات هذه الخلاج لأنها تحن لفقد أولادها.

(4) مريم: 25.

572

و من ذلك قوله: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوََّاهََا) (1) . أي:

فسوى الدّمدمة بينهم، و هو الدّمار.

و قيل: سواهم بالأرض، أو سوى بهم بعدهم من الأمم.

(وَ لاََ يَخََافُ عُقْبََاهََا) (2) أي: اللّه تعالى، لا يخاف عاقبة إهلاكه إياهم، و لا تبعة من أحد لفعله، كقوله: (لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ) (3) .

و قيل: لم يخف الذي عقر الناقة عقباها. أي: عقبى عقر الناقة، على حذف المضاف. عن الضحاك.

و قيل: لا يخاف صالح-رسول اللّه صلّى اللّه عليه-تبعتها، أي:

قد أهلكها اللّه و دمرها و كفاه مؤونتها.

و «الواو» يجوز أن تكون للحال، أي: فسواها غير خائف عقباها، أي: غير خائف أن يتعقب عليه في شى‏ء مما فعله.

و قيل: فعقروها غير خائف عقباها. و لم يقل: و لا تخافون؛ لأن لفظ «أشقى» مفرد، فهو كقوله: (مَنْ يَسْتَمِعُ) * (4) ، و (مَنْ يَسْتَمِعُونَ) (5) .

و من ذلك قوله: (وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ فَلاََ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََائِهِ) (6) ، فيكون على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: (بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ) (7) (وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) (8) لأن الضمير للّروم، و هم المغلوبون، كأنه لما قيل: (فَخُذْهََا بِقُوَّةٍ) (9) أي: بجد و اجتهاد، علمنا أنه أخذ بما أمر به و تلقّاه بالقبول.

____________

(1) الشمس: 14.

(2) الشمس: 15.

(3) الأنبياء: 23.

(4) الأنعام: 25.

(5) يونس: 42.

(6) السجدة: 23.

(7) ص: 24.

(8) الروم: 3.

(9) الأعراف: 145.

573

و المعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير «الكتاب» و في ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، و تنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل.

كقوله: (اِتَّبِعْ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (1) و (فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (2) .

و يجوز أن يكون الضمير لموسى-عليه السلام-و المفعول به محذوف، كقوله: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاََ يَسْمَعُوا دُعََاءَكُمْ) (3) و الدعاء مضاف إلى الفاعل.

و يجوز أن يكون التقدير: من لقائك موسى، فحذف/الفاعل، فيكون ذلك في الحشر، و الاجتماع للبعث، أو في الجنة، فيكون كقوله:

(فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهََا) (4) .

و من ذلك قوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ) (5) . أي: مثل نور اللّه في قلب محمد-صلى اللّه عليه و على آله.

و قيل: مثل نور القرآن.

و قيل: بل مثل نور محمد-عليه السلام.

و قيل: بل مثل نور قلب المؤمن.

[و] (6) قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ) (7) ، «ذا» إشارة إلى الإحياء، أو إلى ذكر القصة، أو للإباحة، أو للإبهام.

____________

(1) الأنعام: 106.

(2) القيامة: 18.

(3) فاطر: 14.

(4) طه: 16.

(5) النور: 35.

(6) تكملة يقتضيها السياق.

(7) البقرة: 74.

574

و في الضمير الاخر قولان:

أحدهما-للقلوب.

و الثاني-أنها للحجارة، لأنها أقرب المذكورين.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (1) الضمير للّه، لتقدّم ذكره فى قوله: (آمَنََّا بِاللََّهِ) (2) ، أو لجميع المذكورين‏ (3) .

و في قوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمْ) * (4) غير وجه:

قيل: يعرفون تحويل القبلة إلى الكعبة.

و قيل: يعرفون محمدا.

و قيل: يعود إلى العلم، من قوله: (مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ) * (5) و هو نعته.

و أما قوله تعالى: (بِمََا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمََانَ فَكَفََّارَتُهُ إِطْعََامُ عَشَرَةِ مَسََاكِينَ) (6) .

قال أبو على: الهاء تعود إلى «ما عقدتم» بدلالة أن الأسماء المتقدمة:

اللغو، و الأيمان، و ما عقدتم.

و لا يجوز أن يعود إلى اللغو؛ لأن اللغو لا شى‏ء فيه، بلا خلاف.

قال: و لا يعود إلى «الأيمان» إذ لم يقل: فكفّارتها.

و المعقود عليه ما كان موقوفا على الحنث و البر، و ما عدا ذلك لم يدخل تحت النّص.

و عندى أنه يعود إلى «الأيمان» ، كقوله: (نُسْقِيكُمْ مِمََّا فِي بُطُونِهِ) (7) .

ـ

____________

(1) البقرة: 136.

(2) البقرة: 136.

(3) أي جميع المذكورين في صدر هذه الآية.

(4) البقرة: 146.

(5) البقرة: 145.

(6) المائدة: 89.

(7) النحل: 66.

575

و من ذلك قوله: (أَلاََ إِنَّهََا قُرْبَةٌ لَهُمْ) (1) و لم يقل: ألا إنهما قربة.

و لا يجوز أن يعود إلى «الصلوات» ، لأن المفعول الثاني من «يتخذ» هو الأول، و النفقة قربة، و ليست بدعاء الرسول، و الضمير في «إنه» للنفقة التي عليها ما ينفق، فلا يكون قوله: (وَ صَلَوََاتِ اَلرَّسُولِ) (2) عطفا على‏ (قُرُبََاتٍ) (3)

و لكن يكون عطفا على لفظة (اَللََّهِ) (4) .

و قيل: يكون عطفا على لفظة «ما» ، أي يتخذ ما ينفق قربات، و يتخذ صلوات الرسول قربات.

و أما قوله: (فَانْهََارَ بِهِ فِي نََارِ جَهَنَّمَ) (5) ، فاعل «انهار» : «الجرف» فكأنه: فانهار الجرف بالبنيان في النار؛ لأن البنيان مذكر، بدلالة (لاََ يَزََالُ بُنْيََانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا) (6) .

و يجوز أن يكون/الفاعل ضمير (مِنَ) (7) و سقوط البنيان زيادة في غضب الباني؛ كالصّنم زيادة في عقاب عابده.

و إنما قوله: (وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ) (8) .

قيل: «اللام» للعاقبة، أي: إلى الاختلاف صار خلقهم؛ لأنهم خلقوا للعبادة.

____________

(4-3-2-1) التوبة: 99.

(7-5) التوبة: 109.

(6) التوبة: 110.

(8) هود: 119.

576

و قيل: هو مردود إلى قوله: (وَ أَهْلُهََا مُصْلِحُونَ) (1) ، أي. خلقهم لئلا يهلكهم و أهلها مصلحون.

و قيل: للرحمة خلقهم.

و قيل: للشقاوة و السعادة خلقهم. عن ابن عباس.

و قيل: للاختلاف خلقهم عن مجاهد.

و من ذلك قوله: (وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (2) .

قال أبو على:

الهاء ضمير المصدر الذي دل عليه قوله: (يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) (3) ، أي: و لا يحيطون علما بعلمه.

و مما يبين ذلك قوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ) (4) .

و من ذلك قوله: (وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (5) ، أي: الإعادة أهون على الخالق، و جاز لأن الفعل يدل على مصدره، أي: الإعادة أهون على الخالق من الابتداء في زعمكم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا كََانَ اَللََّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (6) .

أي: ما كان اللّه معذب المشركين.

«و هم» أي: المسلمون يستغفرون بين أظهرهم.

____________

(1) هود: 117.

(2) طه: 110.

(3) طه: 110.

(4) البقرة: 30.

(5) الروم: 27.

(6) الأنفال: 33.

577

الباب الرابع و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل، و قد أبدل الاسم من المضمر الذي قبله و المظهر، على سبيل إعادة العامل، أو تبدل «إن» و «أن» مما قبله فمن ذلك قوله تعالى: (وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) * (1)

أي: ما أمر اللّه بوصله، فـ «أن» بدل من الهاء المجرورة، نظيره فى «الرعد» فى الموضعين‏ (2) .

و دلّت هذه الآي الثلاث، على أن المبدل منه ليس في تقدير الإسقاط؛ لأنك لو قدرت ذلك، كانت الصلة منجردة عن العائد إلى الأول.

و من إبدال المظهر من المضمر: ما ذهب إليه الأخفش في قوله:

(فَإِنْ عُثِرَ عَلى‏ََ أَنَّهُمَا اِسْتَحَقََّا إِثْماً فَآخَرََانِ يَقُومََانِ مَقََامَهُمََا مِنَ اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْأَوْلَيََانِ) (3) . التقدير: فيقوم الأوليان.

و قد عزّ إبدال المظهر من المضمر عندهم؛ و قل وجوده، حتى بلغ من أمرهم أنهم أخرجوه من بيت الفرزدق:

على حالة لو أنّ في القوم حاتما # على جوده لظنّ بالماء حاتم‏ (4)

____________

(1) البقرة: 27، الرعد: 35.

(2) الموضع الثاني من سورة الرعد: (وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) الآية: 21 و 25.

(3) المائدة: 107.

(4) البيت في الديوان (ص 842) :

على ساعة لو كان في القوم حاتم # على جوده ضنت به نفس حاتم‏

و على هذه الرواية لا شاهد فيه.

578

/فقالوا: «حاتم» مجرور، بدل من الهاء فى «جوده» .

و فار فائر أحدهم، فقال: إنما الرواية: ما ضنّ بالماء حاتم.

برفع «حاتم» .

و استجاز الإقواء في القصيدة، حتى لا يكون صائرا إلى إبدال المظهر من المضمر، و قد أريتك هذا في هذه الآي، و أزيدك وضوحا حين أفسر لك قوله: (أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ تَكُونُ لَنََا عِيداً لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا) (1) .

ألا ترى أنه قال: «لأولنا و آخرنا» فأبدل من النون و الألف بإعادة اللام.

كما قال: (لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) (2) فكرر اللام، لأن العامل مكرر في البدل تقديرا أو لفظا.

و لهذا المعنى قال أبو على في قوله: (مََا جِئْتُمْ بِهِ اَلسِّحْرُ) (3)

فى قراءة أبى عمرو، فألحق حرف الاستفهام، كان «السّحر» بدلا من المبتدأ، و لزم أن يلحق «السّحر» الاستفهام، ليساوى المبدل منه في أنه استفهام.

أ لا ترى أنه ليس في قولك: «السّحر» استفهام، و على هذا قالوا:

كم مالك أ عشرون أم ثلاثون؟فجعلت «العشرون» و «الثلاثون» بدلا من «كم» .

____________

(1) المائدة: 114.

(2) الأعراف: 75.

(3) يونس: 81.

579

و ألحقت «أم» لأنك في قولك: كم درهما مالك‏[أ عشرون أم ثلاثون‏] (1) ؟ مدّع أنه أحد الشيئين.

و لا يلزم أن تضمر لـ «السّحر» خبرا على هذا. لأنك إذا أبدلت من المبتدأ صار في موضعه، و صار ما كان خبرا لما أبدلت منه في موضع خبر البدل.

فأما قول أبى حيوة النّميرىّ:

و كأنّها ذو جدّتين كأنه # ما حاجبيه معيّن بسواد (2)

لهق السّراة كأنّه في قهره # مخطوطة يقق من الإسناد (3)

فإنه أبدل «الحاجبين» من الضمير، على حدّ قولك: ضربت زيدا رأسه.

فإن قلت: أبدل من الأول، و قدّر الخبر عن الأول؛ فلأن المبدل منه قد لا يكون في نية الإسقاط بدلالة إجازتهم: الذي مررت به زيد أبو عبد اللّه.

و لو كان البدل في تقدير الإسقاط بدلالة ما لا يعتدّ به، لم يجز هذا الكلام، فهو قول.

فإن قلت: حمل الكلام على المعنى، فلما كان «حاجباه» بعضه، حمل الكلام عليه، كأنه قال: كأن بعضه معيّن بسواد، فأفرد لذلك، فهو قول.

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

(2) في هامش الأصل بإزاء هذا البيت «خ: معين بمداد» . يعني أنها رواية عن نسخة أخرى.

(3) و قد ورد الشاهد في الكتابي لسيبويه (1: 80) على غير هذا الوجه منسوبا للأعشى:

و كأنه لهق السراة كأنه # ما حاجبيه معين بسواد

و البيت لم يرد في ديوان الأعشى.

580

و أما قوله تعالى: (عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ‏`عَنِ اَلنَّبَإِ/اَلْعَظِيمِ) (1) «عن» الثانية يتعلّق بفعل محذوف؛ أي: يتساءلون عن النبأ العظيم؛ و لا تكون متعلقة بـ «يتساءلون» هذه الظاهرة؛ لأنه لو كان يكون بدلا للزم إعادة الاستفهام كقولك: كم مالك أ ثلاثون أم أربعون؟ و حسن حذف الفعل لظهور الآخر.

و في رفع‏ (لِأَوَّلِنََا) (2) وجه آخر سوى البدل، يكون من باب: تميمي أنا؛ مبتدأ، «و آخران» خبره.

و التقدير: فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله، و أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما، كقولهم: تميمى أنا.

و يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي فآخران يقومان مقامهما الأوليان.

و يجوز أن يكون رفعا بـ «استحق» .

و يجوز أن يكون خبر «آخران» ، لأنه قد اختص بالوصف.

و يجوز أن يكون صفة بعد صفة؛ و يكون الخبر (فَيُقْسِمََانِ) (3) . و جاز دخول الفاء؛ لأن المبتدأ نكرة موصوفة.

و من البدل قوله: (قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ) (4) . فـ «أن» جرّ بدل من «كلمة» .

____________

(1) النبأ: 1 و 2.

(2) المائدة: 114.

(3) المائدة: 106.

(4) آل عمران: 64.

581

و قيل: بل «أن» رفع بالظرف، و يكون الوقف على «سواء» . أي: إلى كلمة سواء، ثم قال: (بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أَلاََّ نَعْبُدَ) (1) .

و لا يجوز أن يكون الظرف و صفا لـ «كلمة» ، لأنه لا ذكر فيه من «كلمة» .

و قيل: بل الوقف «بينكم» ثم ابتدأ: و قال‏ (أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ) (2)

أي: هى أن لا تعبدوا إلا اللّه، فأضمر المبتدأ.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) (3) «أن» جرّ بدل من «الذين» ، أي: و يستبشرون بأن لا خوف على الذين لم يلحقوا من خلفهم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) (4) .

فيمن قرأ بالتاء يكون «أن» مع اسمه و خبره بدلا من «الذين كفروا» .

و قال الفراء: هو كقوله:

(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) (5) ، «أن» نصب بدل من

____________

(2-1) آل عمران: 64.

(3) آل عمران: 170.

(4) آل عمران: 178.

(5) محمد: 18.

582

«السّاعة» كما أن قوله: (لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ) (1) جرّ/بدل من «الّذين» .

و كما أن قوله: (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) (2) بعدها جر من «الّذين» فى قوله:

(إِنَّمََا يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ) (3) .

و من ذلك قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ) (4) ، فيمن فتح، أن يكون بدلا من «الرحمة» ، كأنه: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم الرحمة، لأنه من عمل منكم.

و أما فتحها بعد الفاء (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5) ، فعلى أنه أضمر له خبرا، تقديره: فله أنه غفور رحيم، أي: فله غفرانه. و أضمر مبتدأ يكون «أن» خبره؛ كأنه: فأمره أنه غفور رحيم.

و على هذا التقدير يكون الفتح فيمن فتح‏ (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ) (6)

تقديره: فله أن له نار جهنم. إلا أن إضماره هنا أحسن؛ لأن ذكره قد جرى في صلة «أن» .

____________

(1) الممتحنة: 8.

(2) الممتحنة: 9.

(3) الممتحنة: 9.

(5-4) الأنعام: 54.

(6) التوبة: 63.

583

و إن شئت: فأمره أن له نار جهنم، فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر.

و مثل البدل في هذا قوله: (وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ) (1) . المعنى: و إذ يعدكم اللّه كون إحدى الطائفتين مثل قوله: (وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) (2) .

و مثله قوله: (وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ) (3) ، أي: فله أن للّه؛ أو: فأمره أن للّه‏ (4) .

و مثله قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاََّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) (5) ، أي: فأمره أنه يضله.

و من ذهب في هذه الآي إلى «أن» التي بعد الفاء تكرير، أو بدل من الأولى، لم يستقم قوله.

و ذلك أن «من» لا يخلو من أن تكون للجزاء الجازم الذي اللفظ عليه، أو تكون موصولة، فلا يجوز أن يقدر التكرير مع الموصولة؛ لأنه لو كانت موصولة لبقى المبتدأ بلا خبر.

____________

(1) الأنفال: 7.

(2) الكهف: 63.

(3) الأنفال: 41.

(4) في الأصل «أن اللّه» .

(5) الحج: 4.

584

و لا يجوز ذلك في الجزاء الجازم؛ لأن الشرط يبقى بلا جزاء. فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه على ما ذكرنا. على أن ثبات الفاء في قوله «فأنّ له» يمنع من أن يكون بدلا.

ألا ترى أنه لا يكون بين البدل و المبدل منه الفاء العاطفة، و لا التي للجزاء.

فإن قلت: إنها زائدة. بقي الشرط بلا جزاء؛ فلا يجوز إذن تقدير هاهنا، و إن جاءت في غير هذا الموضع.

/و أما قوله تعالى: (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ) (1) فإن جواب الشرط محذوف على ما تقدّم. و من جعل «أن» بعد الفاء بدلا مما قبله، وجب أن يقدّر زيادة الفاء.

و أما قوله: (أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُرََاباً وَ عِظََاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (2) .

فالتقدير: أ يعدكم أن إخراجكم إذا متم. فيكون المضاف محذوفا، و يكون ظرف الزمان خبرا، و يكون «أنكم مخرجون» بدلا من الأولى.

و يجوز أن يكون خبر «أن» الأولى محذوفا، لدلالة خبر الثانية عليه، و التقدير: أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما تبعثون. فحذف الخبر لدلالة الثاني عليه.

____________

(1) التوبة: 63.

(2) المؤمنون: 35.

585

و أما قوله: (فَإِذََا حِبََالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهََا تَسْعى‏ََ) (1)

فيمن قرأ بالتاء-كان فى «يخيل» ضمير «العصى» أو «الحبال» ، و يكون «أنها» بدلا من ذلك الضمير، أي: تخيل إليه سعيها.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ) (2) . «أن» رفع بدل من «الجن» ، و التقدير: فلمّا خرّ تبين للإنس جهل الجن بالغيب.

أي: لما خرّ تبين أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

و أما قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاََّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) (3) .

فقوله: «أنّه من تولاّه» رفع بـ «كتب» و «من» شرط، و «تولاّه» فى موضع الجزم بـ «من» ، و قوله «فأنّه يضلّه» جواب الشرط.

و إن شئت كان «من» موصولة و «تولّى» صلته، و قوله: «فأنّه» دخلت الفاء في خبر «من» لأن الموصولة بمنزلة الشرط.

و فتحت «أنّ» من قوله «فأنه» لأن التقدير: فشأنه أنه يضله، فحذف المبتدأ.

____________

(1) طه: 66.

(2) سبأ: 14.

(3) الحج: 4.

586

و قول من قال: إن قوله: «فأنّه يضلّه» بدل من «أنّه من تولاّه» كان خطا، لأن الفاء لا تدخل بين البدل و المبدل منه.

و كذا قول من قال هو تكرير للأول: لا تدخل الفاء بين الاسمين.

و أما قوله: (الم‏`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا) (1) فقد قال أبو إسحاق: إن «أن» الأولى نصب/، اسم «حسب» و خبره، و موضع «أن» الثانية نصب من وجهين:

أحدهما-أن تكون منصوبة بـ «يتركوا» ، فيكون المعنى: أحسب الناس أن يتركوا لأن يقولوا، و «بأن» ، فلما حذف الجر وصل «يتركوا» إلى «أن» فنصب.

و يجوز أن تكون «أن» الثانية العامل فيها «حسب» ، كأن المعنى على هذا، و اللّه أعلم: أحسب الناس أن يقولوا آمنا و هم لا يؤمنون، و الأول أجود.

قال أبو على: لا يكون بدلا، لأنه ليس هو الأول، و لا بعضه، و لا مشتملا عليه، و لا يستقيم حمله على وجه الغلط. و لا يكون صفة، لأن «أن» لا يوصف بها شى‏ء في موضع و لم يوصف هو، فإذا كان تعلّقه بالحسبان لا يصح ثبت تعلقه بالتّرك.

____________

(1) العنكبوت: 1 و 2.

587

فأما قوله تعالى: (أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاََ يَرْجِعُونَ) (1) .

و زعم سيبويه أن قولهم «أنّهم إليهم لا يرجعون» بدل من موضع «كم أهلكنا» .

فإن قال قائل: عن «كم» (2) إنما هي استفهام، فكيف يبدل منها ما ليس باستفهام؟.

فإنما ذلك لأن معنى «كم» هاهنا الخبر، و المعنى: يؤول إلى قوله:

ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون.

و لا يجوز أن يكون بدلا من «كم» وحدها، لأن محل «كم» نصب بـ «أهلكنا» و ليس المعنى: أهلكنا أنهم لا يرجعون، لأن معنى «أنهم لا يرجعون» الاستئصال، و لا يصح أهلكنا بالاستئصال.

و إنما المعنى: ألم يروا استئصالهم، فهو بدل من موضع «كم أهلكنا» .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَوْ لاََ رِجََالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسََاءٌ مُؤْمِنََاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ) (3) . موضع «أن» رفع، لأنه بدل من «رجال» .

____________

(1) يس: 31.

(2) في الأصل: «فإن قال قائل عن فكم» .

(3) الفتح: 25.

588

و المعنى: لو لا أن تطؤوا رجالا؛ و لا تعلق له بقوله: (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) (1) ، لأن «أن» الناصبة للفعل لا تقع بعد العلم؛ و إنما تقع بعد العلم المشدّدة، أو المخففة من الثقيلة.

كقوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ََ) (2) .

و قوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا) (3) .

و كقوله: (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ) (4) .

و كقوله: (أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) (5) .

و كقوله: (وَ حَسِبُوا أَلاََّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) (6) ، فيمن رفع.

و من البدل قوله تعالى، فى قراءة الكسائي: (إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ /اَلْإِسْلاََمُ) (7) ، هو بدل من‏ (أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ) (8) ، أي: شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام.

____________

(1) الفتح: 25.

(2) المزمل: 20.

(3) الجن: 28.

(4) التوبة: 63.

(5) طه: 89.

(6) المائدة: 71.

(7) آل عمران: 19.

(8) آل عمران: 18.

589

و جوّز الكسائي أن يكون على حذف الواو، أي: و أن الدين، فهو محمول على أنه لا إله إلا هو.

و من البدل قوله تعالى: (كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا مِنْ غَمٍّ) ، (1)

«من غم» بدل من «منها» ، و «الغم» مصدر: غممته، أي: غطيته.

و منه قوله:

أتحقر الغم و الغرقا

و هذا معنى قوله: (وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوََاشٍ) (2) أي: قد عمهم العذاب و غمرهم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ إِلى‏ََ طَعََامِهِ‏`أَنََّا صَبَبْنَا اَلْمََاءَ) (3) ، فيمن فتح «أنّا» أبدله من المجرور قبله.

و من ذلك قوله تعالى: (ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ) * (4) ، «ذلك» الثانية بدل من «ذلك» الأولى.

و لا يكون «بما عصوا» بدلا (5) من قوله‏ (بِأَنَّهُمْ كََانُوا) (6) لأن العصيان أعمّ من كفرهم، لقوله: (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ قَتْلِهِمُ) (7)

(وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا) (8) ، و لا تقول: مررت برجل فكيف امرأة (9) .

____________

(1) الحج: 22.

(2) الأعراف: 41.

(3) عبس: 24 و 25.

(4) البقرة: 61.

(5) في الأصل: «بدل» .

(6) البقرة: 61.

(7) النساء: 155.

(8) النساء: 161.

(9) في الأصل: «مررت بزيد رجل خلاف المرأة» . و ما أثبتنا من الكتاب لسيبويه (1: 219) .

590

و قال اللّه تعالى: (وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ) (1) فـ «أن» بدل من «الياء» و المعطوف عليه.

و قد قال سيبويه: مررت بي المسكين، لا يجوز، و جاز هذا؛ لأنه بدل اشتمال، هكذا زعم شارحكم، و ليس بمستقيم.

و التقدير: و اجنبنى و بنىّ من أن نعبد الأصنام، أي: من عبادة الأصنام، فـ «أن» مفعول تعدّى إليه الفعل بالجار.

و قال: (وَ اَلَّذِينَ اِجْتَنَبُوا اَلطََّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهََا) (2) ، فـ «أن يعبدوها» بدل من «الطاغوت» .

و من ذلك قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا نَكََالاً مِنَ اَللََّهِ) (3) ، «نكالا» بدل من‏ (اَلْجَزََاءَ) و لا يجوز أن يكون غير بدل؛ لأن الفعل الواحد لا يعمل في اسمين كل واحد منهما مفعول له.

و من ذلك قوله: (وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ‏`مَنْ كَفَرَ بِاللََّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمََانِهِ إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ) (4) .

____________

(1) إبراهيم: 35.

(2) الزمر: 17.

(3) المائدة: 38.

(4) النحل: 105 و 106.

591

قال أبو على: لا يكون «من أكره» استثناء من قوله: «من كفر» لأنه مفرد، فإذن «من» بدل. و تقديره: أولئك من كفر إلا من أكره.

و من ذلك قوله تعالى: (جَنََّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدَ) (1) بدل من‏ (يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ) . (2) و إن شئت كان نصبا على المدح.

و من ذلك قوله: (اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللََّهُ) (3) أي: لكن/أخرجوا بهذا القول.

و المعنى: أخرجوا من ديارهم بغير حق يجب على الكفار إخراجهم به، و ليس ببدل من «حق» ، لفساد المعنى، إذ لا يوضع موضع «حق» .

و من ذلك قوله تعالى: (طَوََّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ) (4) أي: أنتم طوافون، و «بعضكم» بدل من الضمير فى «طوافون» (5) ، أي: أنتم يطوف بعضكم على بعض، و «على» يتعلق بالطواف.

و حمله الطّبرىّ على «من» . أي: بعضكم من بعض. و قد تقدم هذا بأتمّ من هذا.

____________

(1) مريم: 61.

(2) مريم: 60.

(3) الحج: 40.

(4) النور: 58.

(5) في الأصل: «طوافين» .

592

و أما قوله تعالى: (لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كََانَ) ، (1)

لا يكون اللام فى «لمن» بدلا من اللام فى «لكم» .

ألا ترى أنه لم يجز: بك المسكين، كأن الأمر: بي المسكين، لكن يكون صفة «للأسوة» .

و يجوز أن يكون متعلّقا بـ «حسنة» ، أي حسنت لهم؛ كقولك:

حسنت بهم.

و مثله: (اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) (2) بعد قوله‏ (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) (3)

لا يكون البدل من «الذين» .

و جوز الأخفش كونه بدلا؛ و ليس بالصحيح.

و أما قوله تعالى: (وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً لَجَعَلْنََا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمََنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً) (4) .

فقوله: «لبيوتهم» بدل من قوله: «لمن يكفر» و كرر اللام كما تقدم الآي الأخر.

و أما قوله: (قََالَتْ يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ) (5) إلى قوله:

(أَلاََّ تَعْلُوا عَلَيَّ) (6) فقد زعموا أن قوله: «ألاّ تعلوا» بدل من قوله:

«كتاب» .

____________

(1) الأحزاب: 21.

(3-2) الأنعام: 12.

(4) الزخرف: 33.

(5) النمل: 29.

(6) النمل: 31.

593

و التقدير: إنّى ألقى إلىّ. أن لا تعلوا علىّ.

و اضطرب كلام أبى إسحاق‏ (1) فى هذا؛ فزعم أن التقدير: إنّى ألقى إلىّ كتاب بأن لا تعلوا علىّ، أي: كتب إلىّ بأن لا تعلوا علىّ.

و هذا الكلام منه محتمل إن عنى أن قوله: «أن لا تعلوا على» متعلق بنفس قوله: «كتاب» فهو خطأ؛ لأن «كتابا» مصدر، و قد وصف بقوله:

«كريم» فلا يبقى من صلته شي‏ء بعد كونه موصوفا.

و إن أراد: أن «كتابا» دل على «كتب» ، و «أن لا تعلوا على» متعلق «بكتب» الذي دل عليه «كتاب» فهو وجه.

و سها الفارسىّ عن هذا الكلام فى «الإغفال» (2) .

و أما قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ) (3)

فاعتراض بين البدل و المبدل منه.

و أما قوله تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ) (4)

فيمن فتح، فإنه/يجوز أن يكون موضع «أنا» رفعا بدلا من اسم «كان» ، و التقدير: انظر كيف كان تدميرنا إيّاهم.

و يجوز أن يكون على تقدير: فهو أنّا دمرناهم.

و يجوز أن يكون على تقدير: لأنّا دمّرناهم.

____________

(1) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن السري؛ الزجاج (311 هـ) . و من كتابي: معاني القرآن.

(2) يعني: كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (377 هـ) و هو: الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني.

(3) النمل: 30.

(4) النمل: 51.

594

و لا يجوز أن يكون بدلا من «كيف» لأنه لا حرف استفهام معه.

و يجوز أن يكون «كيف» ظرفا لـ «كان» ، و يكون «عاقبة» اسم «كان» :

و «أنا دمرناهم» خبره.

و قد ذكرنا هذا فى «البيان» (1) .

و أما قوله: (ثُمَّ كََانَ عََاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا اَلسُّواى‏ََ أَنْ كَذَّبُوا) (2) ، فيجوز: أن يكون على تقدير: هى أن كذبوا؛ و على تقدير: لأن كذبوا.

و يجوز أن يكون بدلا من «السوءى» سواء جعلت «السوءى» اسم «كان» أو خبره، على حسب اختلافهم في «عاقبة الّذين» .

فأما قوله تعالى: (فَنََادَتْهُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ هُوَ قََائِمٌ يُصَلِّي فِي اَلْمِحْرََابِ أَنَّ اَللََّهَ) (3) ، بالكسر و الفتح.

فالفتح على إيقاع النداء عليه؛ أي: نادته بأن اللّه؛ و الكسر على: قال:

إن اللّه.

قال‏ (4) : و في حرف عبد اللّه: (فنادته الملائكة و هو قائم يصلّى في المحراب يا زكريّا إنّ اللّه) (5) .

ـ

____________

(1) البيان «اسم لكتب نحصّى منها» :

أ-البيان في إعراب القرآن لابن الأنباري: أبي البركات عبد الرحمن بن محمد المتوفي سنة سبع و سبعين و خمسمائة (577 هـ) .

ب-البيان في شواهد القرآن لأبي الحسن علي بن الحسن الباقول المتوفي سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة (535 هـ) .

جـ-البيان في تأويلات القرآن للحافظ أبي عمر و يوسف بن عبد البر (463 هـ) .

د-البيان في غريب القرآن للفرغاني أبي عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن يوسف (591 هـ) .

هـ-البيان في تفسير القرآن لسراج الدين محمد المخزومي (885 هـ) .

(2) الروم: 10.

(5-3) آل عمران: 39.

(4) يريد: أبي إسحاق الزجاج.

595

فهذا يوجب الكسر لقوله: (نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ) (1)

إلى قوله: (يََا مُوسى‏ََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ) فكسر؛ لأن ما بعد النداء مبتدأ.

و قال في قوله: (نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ) (2) : أي: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (3) فالكسر على قياس قراءة عبد اللّه، الوجه.

قال: و لا يكون «يا موسى» قائما مقام الفاعل، و لا «إنّى أنا ربّك؛ لأنهما جملتان، و الجملة لا تكون فاعلة.

و هذا منه خلاف قول سيبويه حين جوز فى‏ (لَيَسْجُنُنَّهُ) (4) أنه فاعل «بدا» ، و قد بيّنته «فى التّتمة» فلا يحتاج إلى إضمار المصدر فى «نودى» .

كما لا يضمر سيبويه «بدا» فى قوله «ليسجننّه» [بعد قوله‏] (ثُمَّ بَدََا) (5) .

و أما قوله: (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) (6) بالفتح و التشديد، عن الزيات و الأعمش، و هما يقرآن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (7) بالكسر؛ فقد سهوا بأسرهم.

و عندى أنه محمول على المعنى؛ لأنه‏[لمّا]كان قال: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً) (8) ، و كان معناه: افعل ذلك لأنك بالوادي المقدس، جاز أن يقول: (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) (9) ، أي اخلع: نعليك لهذا و لهذا.

و أين هم من هذا؟لم يتأملوا في أول/الكلام، و لم ينظروا في قراءة الزيات، و اللّه أعلم.

____________

(1) القصص: 30.

(2) طه: 11.

(3) طه: 12.

(4-5) يوسف: 35.

(9-6) طه: 13-و هي قراءة للزيات.

(7-8) طه: 12.

596

الباب الخامس و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الكلمات التي فيها همزة ساكنة، يترك همزها أبو عمرو و ما لا يترك همزها و أعلم أن أبا عمرو يترك الهمزة الساكنة في الأسماء و الأفعال نحو: الكأس و الفاس، و (يُؤْمَرُونَ) * (1) (وَ يَأْكُلُونَ) (2) و (يُؤْمِنُونَ) * (3) و (يُؤْفَكُونَ) * (4)

و (يَأْلَمُونَ كَمََا تَأْلَمُونَ) (5) ، و ما أشبه ذلك، فى أربعين موضعا، فيها ثلاث و ثلاثون لا خلاف عن أبى عمرو في همزها، و هو ما يكون للجزم و الوقف، أو يخرج بتركه من لغة إلى لغة، أو من معنى إلى معنى، أو يكون بترك الهمزة أثقل من الهمزة.

فأولها في البقرة: (أَنْبِئْهُمْ) (6) و فيها: (أَوْ نُنْسِهََا) (7) .

و في آل عمران: (تَسُؤْهُمْ) (8) .

و في النساء: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) (9) .

و في الأعراف: (أَرْجِهْ) (10) .

و في التوبة: (تَسُؤْهُمْ) (11) .

____________

(1) التحريم: 6.

(2) محمد: 12.

(3) البقرة: 88.

(4) المنافقون: 4.

(5) النساء: 104.

(6) البقرة: 33.

(7) البقرة: 106.

(8) آل عمران: 120.

(9) النساء: 133.

(10) الأعراف: 111.

(11) التوبة: 50.

597

و في يوسف: (نَبِّئْنََا) (1) .

و في إبراهيم: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) (2) .

و في الحجر: (نَبِّئْ عِبََادِي) (3) -و فيها: (وَ نَبِّئْهُمْ) (4) .

و في بنى إسرائيل: (اِقْرَأْ كِتََابَكَ) (5) .

و فيها: (إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) (6) .

و فيها: (إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) (7) .

و في الكهف: (وَ هَيِّئْ) (8) (وَ يُهَيِّئْ) (9) .

و في مريم: (وَ رِءْياً) (10) .

و في الشعراء: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ) (11) -و فيها: (أَرْجِهْ) (12)

و في الأحزاب: (وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ) (13) .

و في سبأ: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ اَلْأَرْضَ) (14) .

و في فاطر: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) (15) .

____________

(1) يوسف: 36.

(2) إبراهيم: 19.

(3) الحجر: 49.

(4) الحجر: 51.

(5) الإسراء: 14.

(6) الإسراء: 54.

(7) الإسراء: 54.

(8) الكهف: 10.

(9) الكهف: 16.

(10) مريم: 74.

(11) الشعراء: 4.

(12) الشعراء: 36.

(13) الأحزاب: 51.

(14) سبأ: 9.

(15) فاطر: 16.

598

و في يس: (وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ) (1) .

و في حم عسق: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ) (2) .

و في النجم: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) (3) .

و في القمر: (وَ نَبِّئْهُمْ) (4) .

و في المعارج: (تُؤْوِيهِ) (5) .

و في البلد: (مُؤْصَدَةٌ) (6) .

و في العلق: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (7) و (اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ) (8) .

و في الهمزة: (مُؤْصَدَةٌ) (9) .

و أما السبعة الباقية-فهى ستة أسماء و فعل:

فالأسماء: (البأس) (10) (و الكأس) ، و (الرّأس) ، (11) و (الضّأن) ، (12)

و (الذّئب) (13) . و (و بئر) (14)

و الفعل: (يَلِتْكُمْ) (15) .

____________

(1) يس: 43.

(2) الشورى: 33.

(3) النجم: 36.

(4) القمر: 28.

(5) المعارج: 13.

(6) البلد: 20.

(7) العلق: 1.

(8) العلق: 3.

(9) الهمزة: 8.

(10) البقرة: 177.

(11) مريم: 4.

(12) الأنعام: 143.

(13) يوسف: 13.

(14) الحج: 45.

(15) الحجرات: 14.

599

الباب السادس و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من العطف على الضمير المرفوع، و قد أكد بعض ذلك و بعضه لم يؤكد فمن ذلك قوله: (اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ) * (1) ، عطف «و زوجك» على الضمير فى «اسكن» بعد ما أكّد بقوله «أنت» .

و قال: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ) (2) فأكّد.

و قال: (سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ) * (3) .

و مما أكّد من ذلك من غير تأكيد/بـ «أنت» و لكن بشئ آخر:

قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ) (4) فيمن رفع، أكد بالمفعول دون أنتم» و المفعول يقوم مقام «أنتم. ثم عطف على قوله:

(وَ شُرَكََاءَكُمْ) (5) .

و من ذلك: (فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ وَ مَنْ تََابَ مَعَكَ) (6) معطوفا على الضمير فى «استقم» ، و قام قوله «كما أمرت» مقام التأكيد، و يجوز أن يكون «من» فى موضع النصب مفعولا معه.

____________

(1) البقرة: 35.

(2) المائدة: 24.

(3) الأعراف: 71.

(5-4) يونس: 71.

(6) هود: 112.

600

و من ذلك قوله: (جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا وَ مَنْ صَلَحَ) (1) ، يجوز فى «من» الرفع و النصب، على ما تقدّم.

و قد قلنا في حذف المضاف: مذهب أبى علّى فى «من» أن التقدير:

و دخول من صلح من آبائهم و أزواجهم.

فأما قوله تعالى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ََ (6) `وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلى‏ََ) (2) . فقد قال أبو على فى «التذكرة» : قوله: «هو» مرتفع بالابتداء، و ليس بمحمول على الضمير الذي فى «استوى» .

فإن قلت: فإن (استوى) يقتضى فاعلين، ألا ترى أنك تقول:

استوى زيد و عمرو، فإن هذا المفعول يكون على ضربين:

الأول-ما ذكرنا.

و الثاني-أن تقتصر به على فاعل واحد كقوله: (عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ) (3)

و إذا احتمل ذا لم يكن لمن زعم أنّ الضمير المرفوع يعطف عليه من غير أن يؤكّد دلالة في هذه الآية؛ لاحتمالها غير ما ذكر، و هو ما حملناه عليه.

و هذا القائل هو الفراء؛ لأنه قال: المعنى: استوى النبي و جبريل عليهما السلام بالأفق الأعلى ليلة المعراج، حين أسرى به صلّى اللّه عليه و آله.

و منه قوله تعالى: (أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً وَ آبََاؤُنََا) (4) ، عطف «آباؤنا» على الضمير فى «كنّا» لمكان قوله: «ترابا» .

____________

(1) الرعد: 23.

(2) النجم: 6 و 7.

(3) طه: 5.

(4) النمل: 67.

601

و أما قوله: (وَ كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) (1)

فيمن رفع «العين» . و جوّز فيه أبو علىّ: أن يكون «العين» مرفوعا على الابتداء و الجارّ خبر، و جوّز أن يكون محمولا على موضع «أن» ، و جوّز أن يكون رفعا عطفا على الضمير الذي في الظرف، و إن لم يؤكد.

كما جاء (مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا) (2) فعطف «آباؤنا» على الضمير الذي في «أشركنا» ، قال: و لم يؤكده؛ فكذا هاهنا.

فإن قلت: إن «لا» يقوم مقام التأكيد، فقد قال في الجواب:

إنما يقوم «لا» مقام التأكيد/إن كانت قبل الواو؛ فأما إذا جاءت بعد الواو، لم تقم مقام التأكيد، ألا ترى أن التأكيد في الآي التي تلونا قبل الواو، نحو: (اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ) * (3) ، و قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ) (4) .

و هذا من أبى علىّ استدراك على البصريين قاطبة؛ لا سيما و سيبويه قال فى الآية الأولى:

إن قوله: «و لا آباؤنا» بمنزلة: قمت أنت و زيد؛ فلا يرى العطف على المضمر إلا بعد التأكيد؛ و التأكيد بأنت، و أنا، أو ما يقوم مقامهما من المفعول و غيره.

و لم يروا التأكيد بقولهم «نفس» فلم يجيزوا: قمت نفسك و زيد؛ كما أجازوا: قمت أنت و زيد، و قمتم أجمعون و زيد.

قالوا: لأن «النفس» اسم منصرف، تدخلها العوامل بخلاف: أنت، و أجمعين.

____________

(1) المائدة: 45.

(2) الأنعام: 148.

(3) البقرة: 35.

(4) هود: 112.

602

و قد يقع في التأكيد بها ليس في بعض كلامهم؛ كقولهم: هند خرجت نفسها؛ فيكون كقولك: خرجت هي نفسها-فيكون تأكيدا لـ «هى» و يقال: هند خرجت نفسها؛ فتكون الفاعلة، كما تقول: خرجت جاريتها؛ و المعنيان مختلفان؛ فلم يجر مجرى «أجمعين» .

و من هنا قال أبو علىّ: لو قلت جاءونى أنفسهم؛ لم يحسن حتى تؤكد، فتقول: جاءونى هم أنفسهم؛ لما ذكرنا.

فلم يحسن لذلك أن تحمله على الضمير حتى تؤكد؛ يعنى حتى تقول:

قمت أنت نفسك و زيد.

و لو قلت: مررت بك نفسك؛ جاز تأكيد الكاف بالنفس؛ لأنك كأنك قلت: مررت بنفسك-و لم تذكر المؤكد بخلاف العطف؛ إذ لا يجوز: مررت بك و زيد.

و إن قلت: جاءونى أنفسهم، لا يجوز؛ لأن المضمر المتصل في غاية الضعف، و المؤكد متبوع، فيكون أقوى من التأكيد، و هنا «النفس» أقوى من المضمر؛ فلا يكون تابعا له؛ فإذا انفصل المضمر جاز أن تكون «النفس» تابعا له؛ بمنزلة الأسماء الأجنبية، أو بقيت بعدها بمنزلة أخرى، بخلاف المتصل؛ إذ ليس بعدها بمنزلة أخرى.

و قد ذكر سيبويه امتناع تأكيد المضمر بـ «النفس» فى ثلاثة مواضع:

فى حد أسماء الأفعال‏ (1) .

____________

(1) الكتاب (1: 124-125) .

603

و في حد الأحرف الخمسة (1) .

و في حد علامات المضمرين‏ (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلََّهِ وَ مَنِ اِتَّبَعَنِ) ، (3) فـ «من» رفع عطف على «التاء» .

و منه: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طََائِفَةٌ) (4)

رفع عطف على الضمير فى «تقوم» .

و من ذلك قوله: (لاََ أَمْلِكُ إِلاََّ نَفْسِي وَ أَخِي) (5) ، «أخى» عطف على الضمير فى «لا أملك» .

و إن شئت كان مبتدأ، و التقدير: و أخى كذلك؛ فحذف الخبر؛ و لا يكون جرا بالعطف على الياء؛ لأنه مضمر مجرور.

____________

(1) الكتاب (1: 279) .

(2) الكتاب (1: 390) .

(3) آل عمران: 20.

(4) المزمل: 20.

(5) المائدة: 25.

604

الباب السابع و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل، لحقت «إن» التي للشرط «ما» ، و لحقت النون فعل الشرط فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ) (1) .

و قال: (فَإِمََّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنََّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) `أَوْ نُرِيَنَّكَ) (2)

و قال: (فَإِمََّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) (3) .

و قال: (وَ إِمََّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) (4) فى السورتين.

قال أبو إسحاق: إعراب «إما» فى هذا الموضع إعراب حرف الشرط و الجزاء؛ لأن الجزاء إذا جاء في الفعل، معه النون الثقيلة و الخفيفة، لزمه «ما» ، و فتح ما قبل النون فى «يأتينكم» لسكون الياء و سكون النون الأولى.

قال أبو علّى: ليس الشرط و الجزاء من مواضع النونين؛ إنما يدخلان على الأمر و النهى، و ما أشبههما من غير الواجب. و في قوله «لأن الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة و الخفيفة» ما يوهم أنه من مواضعهما فى الكلام، و أن لدخولها مساغا فيه؛ و إنما يلحق الشرط في ضرورة الشعر، كقوله:

من يثقفن منهم فليس بآيب # أبدا و قتل بنى قتيبة شافى‏ (5)

____________

(1) البقرة: 38.

(2) الزخرف: 41 و 42.

(3) غافر: 77.

(4) يونس: 46، الرعد: 40.

(5) الكتاب (2: 152) . و البيت لم ينسبه سيبويه لقائل.