إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
605

و كذلك الجزاء كقوله‏ (1) :

و مهما تشأ منه فزارة يمنعا (2)

و هذا كقوله:

يحسبه الجاهل ما لم يعلما (3)

و «إن» فى الجزاء أمثل؛ لأنه بغير الواجب أشبه، ألا ترى أنه خبر غير مبتّ كسائر الأخبار.

و في هذا الكلام شي‏ء آخر: و هو أن قوله: الجزاء إذا جاء فى الفعل معه النون الخفيفة و الثقيلة؛ لزمه ما يوهم أن «ما» لزمت لدخول النون؛ و أن لحاق النون سبب لحاق «ما» ؛ و الأمر بعكس ذلك و خلافه؛ لأن السبب الذي له دخلت النون الشرط في قوله: (فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) * (4) ، (فَإِمََّا تَرَيِنَّ مِنَ اَلْبَشَرِ أَحَداً) (5) ، (وَ إِمََّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) (6) ، و نحو ذلك عند النحويين، إنما هو لحاق «ما» أول الفعل بعد «إن» ، فلذلك صار موضعا للتنوين بعد أن لم يكن لهما موضع.

و إنما كان كذلك عند سيبويه و أصحابه، لمشابهة فعل الشرط بلحاق «ما» به بعد «إن» دون أخواتها الفعل المقسم عليه، و لمشابهة كل واحد

____________

(1) عجز بيت لابن الخرع، و صدره:

فمهما تشأ منه فزارة تعطكم‏

(الكتاب 2: 152) .

(2) الكتاب: «تمنعا» .

(3) صدر بيت لم ينسبه سيبويه، و عجزه:

شيخا على كرسيه معمما

(الكتاب 2: 152) .

(4) البقرة: 38.

(5) مريم: 26.

(6) الإسراء: 28.

606

منهما صاحبه في معنى التوكيد بهما، فسبب لحاق النون دخول «ما» ، على ما يذهب إليه النحويون، و كان لزوم النون فعل الشرط الوجه لدخول الحرف قبله، إذا كان في خبر غير مبتّ.

فإن قيل: لم لزمت النون فعل الشرط مع «إن» إذا لحقتها «ما» دون سائر أخواتها؟ و هلاّ لزمت سائر أفعال الشرط؛ إذا دخلت على حرف المجازاة «ما» كما لزمته مع «إن» ، إذ ما ذكروه من الشبه بـ «ليفعلن» موجود في سائر الحروف، و قد جاء: (أَيْنَمََا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ) (1) ، و (أَيْنَ مََا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللََّهُ) (2) ، و (أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ) (3) ، و كل ذلك لا نون فيه:

الجواب في ذلك: أن النون لم تلحق الشرط مع سائر حروف الجزاء، كما لحقت مع «إن» لاختلاف موضعى «ما» المؤكدة؟ و ذلك أنه قد استقبح أن يؤكّد الحرف و لا يؤكد الفعل، و له من الرّتبة و المزية على الحرف ما للاسم على الفعل؛ فلما أكد الحرف، و الفعل أشد تمكنا منه، قبح ترك تأكيده مع تأكيد الحرف، و ليس سائر حروف الجزاء مثل «إن» فى هذا الموضع؛ لأنها أسماء، و هي حرف، فلا تنكر أن تؤكد هى دون شروطها

____________

(1) النساء: 78.

(2) البقرة: 148.

(3) الإسراء: 110.

607

ألا ترى أن للاسم من القدمة على الفعل ما للفعل على الحرف؛ فيقبح لذلك ترك توكيد الفعل مع الاسم، كما قبح ترك توكيده مع الحرف.

فإن قلت: فما الذي يدل على أن التوكيد لا حق للحرف؟و ما ننكر أن يكون لحاقه للفعل دون الجزاء، فيكون الفعل مؤكدا من أوله إلى آخره مثل «ليفعلن» ؟ فالذى يدل على لحاقه حرف الجزاء دون الشرط أن الوقف عليه؛ و أن أحدا لم يقف على «إن» وحدها في نحو: (وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً) (1) فيستأنفوا «ما» مع الفعل؛ كما استأنفوا بـ «لا» مع الفعل، كقوله:

(لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ) (2) .

و يدل أيضا على لحاقها للحرف دون الفعل: أنها قد لحقت الحروف أيضا في نحو:

ألا ليتما هذا الحمام لنا (3)

و في الإدغام أيضا تقوية؛ لأن الكلمة لو نوى بها الانفصال جاز فيها الإظهار كما جاز فى «من ما» و ما أشبهه.

و كل هذا يدل على أن التأكيد لاحق للحرف، و إذا أكد الحرف الذي لا يستقل إلا بالفعل بعد «إن» لا يؤكّد الفعل؛ فافترق فعل شرط «إن» و فعل شرط سائر الحروف في لزوم النون لها مع «ما» لاقترانهما فيما ذكرنا.

____________

(1) الأنفال: 58.

(2) القيامة: 1.

(3) جزء من بيت للنابغة، و البيت هو:

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد

608

فهذا الذي ذكرناه يصلح أن يحتج به من زعم أن النون لازمة للشرط إذا لحقت «ما» «إن» الجزاء.

و قد قال ذلك أبو العباس، و خالفه في ذلك سيبويه، فقال: إن «ما» إذا لحقت «إن» الجزاء تبعه الفعل منونا بإحدى النونين، و غير منوّن بهما، كما أن سائر الحروف كذلك.

و إذا لم يلزم النون مع «إن» كما لم يلزم في الحروف الأخر نحو: (أَيْنَ مََا تَكُونُوا) (1) لم يلزم على قوله الفصل بينهما؛ كما لزم في قول من زعم أن النون لازمة.

و قد استقصينا الخلاف في هذا، و اللّه أعلم.

____________

(1) البقرة: 148.

609

الباب الثامن و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل عقيب اسمين كنى عن أحدهما اكتفاء بذكره عن صاحبه و قد ذكر ذلك سيبويه فى «الكتاب» (1) ، و احتج بأبيات، و ربما أسوقها لك بعد البداية بآى التنزيل.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ وَ إِنَّهََا لَكَبِيرَةٌ) (2) ، و لم يقل: و إنهما-اكتفاء بذكر «الصلاة» عن ذكر «الصبر» ، و قد ذكرنا أنهم قالوا: إن الهاء للاستعانة.

و من ذلك قوله: (وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) (3) .

و قال: (وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) (4) ، فهذا على القياس المستمر، لأن التقدير: و إن كان أحد هذين؛ و: من يكسب أحد هذين، لأن «أو» لأحد الشيئين.

و لو صرح بهذا لصح و جاد: «له» و «به» .

فكذلك إذا قال بلفظة: أو ما.

____________

(1) الكتاب (1: 37) .

(2) البقرة: 45.

(3) النساء: 12.

(4) النساء: 112.

610

فأما قوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللََّهُ أَوْلى‏ََ بِهِمََا) (1) .

و قوله: (أَفِيضُوا عَلَيْنََا مِنَ اَلْمََاءِ أَوْ مِمََّا رَزَقَكُمُ اَللََّهُ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ حَرَّمَهُمََا عَلَى اَلْكََافِرِينَ) (2) .

فهذا على قياس الآيتين المتقدمتين، حقّهما: فاللّه أولى به، و حرّمه؛ و لكنه جاء على قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ على معنى أنه يجوز له مجالستهما.

و مثل هذا قد جاء في الشعر، أنشدوا لرجل من هذيل‏ (3) :

/و كان سيّان ألاّ يسرحوا نعما # أو يسرحوه بها و اغبرّت السّوح‏ (4)

و أنت تقول: سيان زيد و عمرو، و لكنه قال: أو يسرحوه، على ما ذكرنا.

و من ذلك قوله: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا) (5)

و لم يقل: ينفقونهما.

و قال: (وَ اَلنَّخْلَ وَ اَلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) (6) ، و لم يقل: أكلهما.

و قال: (وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (7) ، و التقدير: و اللّه أحق أن يرضوه، و رسوله أحق أن يرضوه.

____________

(1) النساء: 135.

(2) الأعراف: 50.

(3) هو أبو ذؤيب. (المغني 1-: 60) .

(4) الضمير في «بها» يعود للسنة المجدية. و السوح: جمع ساحة.

(5) التوبة: 34.

(6) الأنعام: 141.

(7) التوبة: 62.

611

و قال: (فَإِذََا حِبََالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) (1) فيمن قرأ بالتاء. و لم يقل:

يخيلان.

و قال: (وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا) (2) و لم يقل: إليهما.

و أنشد للأنصارى:

نحن بما عندنا و أنت بما # عندك راض و الرّأى مختلف‏ (3)

و لم يقل: بما عندنا راضون؛ اكتفاء بالثاني عن الأول.

و قال:

رمانى بأمر كنت منه و والدي # بريئا و من أجل الطّوىّ رمانى‏ (4)

و قال:

... و كان و أنت غير غدور (5)

فأحفظها.

____________

(1) طه: 66.

(2) الجمعة: 11.

(3) البيت لقيس بن الخطيم. (الكتاب 1: 38) .

(4) البيت لابن أحمر. (المصدر السابق) .

(5) جزء من بيت للفرزدق، و هو براية سيبويه (الكتاب 1: 38) :

إني ضمنت لمن أتاني ما جنى # و أبي فكان و كنت غير غدور

قال الأعلم: هذه الأبيات المتقدمة في حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه.

612

الباب التاسع و العشرون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل صار الفصل فيه عوضا عن نقصان لحق الكلمة و ذلك إنما يجئ في أكثر الأحوال في باب المؤنث، فيقولون: قامت هند، فإذا فصلوا بينهما قالوا: قام اليوم هند.

فمن ذلك قراءة أكثرهم: (وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ) (1) ، قالوا: إن التذكير أحسن لمكان الفصل، و قد قرئ أيضا بالتاء، و لم يعتدّ بالفصل.

كما قال: (وَ تَغْشى‏ََ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ) (2) .

و قال: (وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ) (3) .

و قال: (فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ) * (4) .

و قال: (وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ) (5) فيمن قرأ بالتاء.

ـ

____________

(1) البقرة: 48.

(2) إبراهيم: 50.

(3) هود: 94.

(4) الأعراف: 78 و 91.

(5) الكهف: 43.

613

و قال: (وَ تَكُونَ لَكُمَا اَلْكِبْرِيََاءُ) (1) فيمن قرأ بالتاء؛ و هم الأئمة السبعة، إلا حمّادا رواه عن عاصم بالياء.

و قال: (فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ) * (2) .

و قال: (أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهََا) (3) .

و قال: (أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مََا فِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ) (4) .

و قال: (لاََ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسََاءُ) (5) فيمن قرأ بالتاء.

هذه الآي و نحوها لم يعتد فيها بالفصل، كما اعتد به في قوله: (وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ) (6) فى «هود» .

و قوله: (يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُؤْمِنََاتُ يُبََايِعْنَكَ) (7) فى آي كثيرة اعتد/فيها بالفصل.

و مما اعتد فيه بالفصل قوله تعالى: (وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (8) ، لم تدخل النون هنا؛ لأنها إنما تدخل فتفصل هذه من لام الابتداء.

قال أبو علىّ في قوله: (ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ) (9) ، و هو يبطل

____________

(1) يونس: 78.

(2) الأعراف: 78 و 91.

(3) الحج: 46.

(4) طه: 133.

(5) الأحزاب: 52.

(6) هود: 67.

(7) الممتحنة: 12.

(8) آل عمران: 158.

(9) ص: 1.

614

قول الفراء: إن قوله‏ (كَمْ أَهْلَكْنََا) (1) جواب القسم، و إن التقدير:

لكم أهلكنا؛ قال: هذا لا يجوز؛ لأن اللام على هذا داخلة على الفضلة.

ثم قال: فإن قال قائل: ما ننكر أن تكون اللام التي دخلت على الأفعال مرادة فى «كم» محذوفة لطول الكلام؛ و أن دخولها فى «كم» العامل فيه «أهلكنا» بمنزلة دخولها على «إلى» المتعلقة بالفعل المنتصبة الموضع به فى قوله: (لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (2) .

و كما جاز دخولها على الجارّ المنتصب الموضع كذلك يجوز دخولها على «كم» المنتصبة الموضع.

ثم قال: الجواب عندى أن التقدير بهذه اللام في قوله: (لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (3) .

ألا ترى أن القسم إنما وقع على «أنهم يحشرون» لا على الجار و المجرور، و المقسم عليه بالفعل، و هو المؤكد باللام، و الملقى المقسم به.

و إنما دخلت اللام على الحرف الجار لتقدّمه عليه، و لم تدخل إحدى النونين على الفعل، لوقوعه على الحرف، و جاز دخولها على الحرف في كلا الموضعين؛ إذ المراد به التأخير، كما جاز دخول لام الابتداء في مثل:

إن زيدا لطعامك آكل؛ إذ المراد به التأخير إلى الخبر.

____________

(1) ص: 3.

(3-2) آل عمران: 158.

615

فإذا كان التقدير ما ذكرنا لم يجز أن يكون‏ (كَمْ أَهْلَكْنََا) * (1) بمنزلة (لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (2) في جواز دخول اللام عليها كدخولها فى «كم» ، إذا كان دخولها في قوله‏ (لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (3) بمنزلة دخولها على الفعل، و على حسب ما تكون عليه هذه اللام في سائر مواضعها و متصرفاتها، فليس يسوغ تقدير دخولها على الفعل في «كم» و الفصل الذي وقع بين اللام و بين (تُحْشَرُونَ) صار عوضا عن دخول النون.

و مما يجرى مجرى الفصل: المفعول الواقع بين المعطوف و المعطوف عليه فى نحو قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ) (4) ، و قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ) (5) .

صار المفعول هنا عوضا عن إبراز الضمير في نحو قوله: / (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ) (6) ، و هكذا قال: (مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا) (7) .

____________

(1) ص: 3.

(2) آل عمران: 158.

(3) آل عمران: 158.

(4) هود: 112.

(5) يونس: 71.

(6) المائدة: 24.

(7) الأنعام: 148.

616

الباب المتم الثلاثين‏

هذا باب ما جاء في التنزيل و قد حمل فيه اللفظ على المعنى و حكم عليه بما يحكم على معناه لا على اللفظ و قد ذكر ذلك سيبويه في غير موضع، و أنشد فيها أبياتا، ربما نسوقها لك بعد البداية بالآى.

فمن ذلك قوله تعالى:

(إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ فََاقِعٌ لَوْنُهََا تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ) (1) .

من وقف على قوله «فاقع» و جعل «فاقعا» تابعا لـ «صفراء» ابتدأ «لونها» و رفعها بالابتداء، و جعل قوله «تسرّ النّاظرين» خبرا عنها.

و إنما قال «تسر» و لم يقل: يسر؛ حملا على المعنى؛ لأن قوله «لونها» :

صفرتها؛ فكأنه قال: صفرتها تسر الناظرين.

و مثله قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيََامِ اَلرَّفَثُ إِلى‏ََ نِسََائِكُمْ) (2) .

فعدّى «رفثا» بـ «إلى» حملا على الإفضاء، و كما قال: (أَفْضى‏ََ بَعْضُكُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ) (3) كذا قال: (اَلرَّفَثُ إِلى‏ََ نِسََائِكُمْ) (4) .

____________

(1) البقرة: 69.

(4-2) البقرة: 187.

(3) النساء: 21.

617

و مثل ذلك قول أبى علىّ في قوله تعالى: (وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (1) .

ثم قال: (أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ) (2) فقال: هذا محمول على المعنى؛ لأنه لما قال:

(وَ لاََ تُؤْمِنُوا) (3) كأنه قال: أ جحدوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ و مثله: (وَ نَصَرْنََاهُ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا) (4) فعدّاه بـ «من» .

كأنه قال: و نجيناه من القوم الّذين كذّبوا.

و قال: (فَمَنْ يَنْصُرُنََا مِنْ بَأْسِ اَللََّهِ إِنْ جََاءَنََا) (5) ، كأنه قال: من يعصمنا من بأس اللّه إن جاءنا؟ و قال: (وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (6) ، فحمله على الإحسان، كأنه قال:

و تحسنوا إليهم.

و من هذا الباب قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ) (7)

إلى قوله‏ (وَ فِي اَلرِّقََابِ وَ اَلْغََارِمِينَ) (8) . «فى الرقاب» لم يعطف على «الفقراء» ؛ لأن المكاتب لا يملك شيئا، و إنما ذكر لتعريف الموضع، و «الغارمين» عطف على «الفقراء» إذ لا يملكون، «و في سبيل اللّه» مثل قوله «و في الرقاب» لأن ما يخرج في سبيل اللّه يكون فيه

____________

(1) آل عمران: 73.

(2) آل عمران: 73.

(3) آل عمران: 73.

(4) الأنبياء: 77.

(5) غافر: 29.

(6) الممتحنة: 8.

(8-7) التوبة: 60.

618

ما لا يملك المخرج فيه، مثل بناء القناطر، و عقد الجسور، و سد الثغور، و قوله: «و ابن السبيل» عطف على اللام في «الغارمين» أو في «ابن السبيل» لم يكن سهلا. و المكاتب عبد؛ لقوله:

(هَلْ لَكُمْ مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ) (1) .

و من هذا الباب/قوله تعالى: (مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ) * (2) فيمن رفع قوله «غيره» .

و كذلك‏ (هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ) (3) فيمن رفع.

و كذلك قوله: (وَ مََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ وَ لاََ أَصْغَرَ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْبَرَ) (4) فيمن رفع. كان ذلك كله محمولا على المعنى؛ إذ المعنى: ما لكم إله غيره، و هل خالق غير اللّه، و ما يعزب عن ربك مثقال ذرة.

و مثله: (وَ لَقَدْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ) (5) . ثم قال:

(وَ مِنَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ) (6) ، لأن معنى قوله: أخذ اللّه ميثاق بنى إسرائيل، و أخذ اللّه ميثاقا من بنى إسرائيل، واحد؛ فجاء قوله «و من الذين قالوا» على المعنى، لا على اللفظ.

____________

(1) الروم: 28.

(2) الأعراف: 59.

(3) فاطر: 3.

(4) يونس: 61.

(5) المائدة: 12.

(6) المائدة: 14.

619

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي) (1) ، أي: هذا الشخص؛ أو: هذا المرئىّ.

و كذلك قوله تعالى: (فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) (2) ، لأن الوعظ و الموعظة، واحد.

و قالوا في قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اَللََّهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ) (3) : إنه أراد بـ «الرحمة» هنا: المطر، و يجوز أن يكون التذكير هنا إنما هو لأجل «فعيل» ، على قوله:

بأعين أعداء و هنّ صديق‏ (4)

و قوله:

... لا عفراء منك قريب‏ (5)

و أما قوله تعالى: (بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (6) ، فإنه حمله على «النفس» لأن «الإنسان» و «النفس» واحد، و قيل: بل التاء للمبالغة، و قيل: بل التقدير: عين بصيرة؛ فحذف الموصوف.

و قال مجاهد: بل الإنسان على نفسه شاهد: عينه و يداه و رجلاه، فيكون «الإنسان» مبتدأ، و الظرف فيما ارتفع به خبر، و الهاء العائد من الجملة إلى المبتدأ، و هو المجرور بالإضافة، كما تقول: زيد في داره عمرو.

و عكس الأول قول الحطيئة:

ثلاثة أنفس و ثلاث ذود # لقد جار الزّمان على عيالى‏

____________

(1) الأنعام: 78.

(2) البقرة: 275.

(3) الأعراف: 56.

(4) عجز بيت لجرير، صدره:

نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا

(اللسان: صدق) .

(5) جزء من بيت، و البيت بتمامه:

ليالي لا عفراء منك بعيدة # فتسلى و لا عفراء منك قريب‏

(اللسان: قرب) .

(6) القيامة: 14.

620

حمل «الأنفس» على «الأشخص» ؛ كأنه قال: ثلاثة أشخص.

و منه قوله تعالى: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا) (1) ، أنّث «العشر» لما كان «الأمثال» بمعنى: الحسنات، حمل الكلام على المعنى.

و من ذلك قوله: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ) (2) ، (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلْمَلَإِ) (3) ، (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ) (4) ، (أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ) (5) ، /عدّى «ترى» بـ «إلى» حملا على النظر؛ كأنه قال: ألم تنظر.

و إن شئت كان المعنى: ألم ينته علمك إلى كذا؟.

و عكس هذا قوله: (أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (6)

و لم يقل: إلى ملكوت، لأن المعنى: أو لم يتفكروا في ملكوت السموات.

و من الحمل على المعنى قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ) (7) بعد قوله:

(إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ) (8) كأنه قال: أ رأيت كالذى حاجّ إبراهيم في ربه، أو كالذى مر على قرية؛ فجاء بالثاني على أن الأول كأنه قد سيق كذلك.

و منه قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ) (9) إلى قوله: (فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ) (10) ، لأن معناه: إن يؤخرنى أصدّق و أكن، فحمل «أكن» على موضع «فأصدق» لأنه في موضع الجزم لما كان جواب «لو لا» .

____________

(1) الأنعام: 160.

(2) البقرة: 243.

(3) البقرة: 246.

(4) البقرة: 258.

(5) الفرقان: 45.

(6) الأعراف: 185.

(7) البقرة: 259.

(8) البقرة: 258.

(9) المنافقون: 10.

(10) المنافقون: 10.

621

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً) (1) . «الهاء» فى «إليه» يعود إلى ما تقدم ذكره، من اسم اللّه، و المعنى: و يهديهم إلى صراطه صراطا مستقيما.

كما قال: (وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) `صِرََاطِ اَللََّهِ) (2) ، و إن حملت «صراطا» على أنه لما قال: (وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ) (3) دل هذا الكلام على أنه قال: يعرفهم، فنصب «صراطا» على أنه مفعول لهذا الفعل المضمر، و الأول أشبه.

و من ذلك قوله: (دِيناً قِيَماً) (4) ، يحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه لما قال: (إِنَّنِي هَدََانِي رَبِّي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (5) ، استغنى بجرى ذكر الفعل عن ذكره ثانيا، فقال «دينا قيما» ، أي: هدانى دينا قيما؛ كما قال: (اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ) (6) .

و إن شئت نصبته على «اعرفوا» ، لأن هدايتهم إليه تعريف لهم، فحمله على «اعرفوا» .

و «دينا قيما» إن شئت حملته على الإتباع؛ كأنه قال: اتبعوا دينا قيما و التزموه، كما قال: (اِتَّبِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (7) .

و من ذلك قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً) * (8) .

____________

(1) النساء: 175.

(2) الشورى: 52 و 53.

(3) النساء: 175.

(4) الأنعام: 161.

(5) الأنعام: 161.

(6) فاتحة الكتاب: 5.

(7) الأعراف: 3.

(8) الحج: 23.

622

قال أبو على: وجه الجر في «و لؤلؤ» أنهم يحلّون أساور من ذهب و من لؤلؤ؛ أي منهما.

و هذا هو الوجه؛ لأنه إذا نصب فقال: (يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً) * (1) حمله على: و يحلون لؤلؤا، و اللؤلؤ إذا انفرد من الذهب و الفضة لم يكن حلية.

فإن قلت:

/فقد قال اللّه تعالى: (حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا و تَسْتَخْرِجُونَ) (2) فعلى أن يكون «حلية» إذا وضع في الذهب و الفضة صار حلية، كما قال في العصير (إِنِّي أَرََانِي أَعْصِرُ خَمْراً) (3) لأنه قد يستحيل إليها بالشدة؛ كما يكون ذلك حلية على الوجه بخلافه.

و يحتمل النصب وجها آخر، و هو أن تحمله على موضع الجار و المجرور؛ لأن موضعهما نصب.

ألا ترى أن معنى «يحلّون فيها من أساور» (4) : يحلون فيها أساور، فتحمله على الموضع.

و قيل في قوله تعالى: (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا) (5) -إن «من» دخلت، لأن معنى قوله: «أحرص الناس» :

أحرص من الناس، فقال: (وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا) حملا على المعنى.

و قد ذكرنا ما في هذا في حذف الموصوف.

____________

(1) الحج: 23.

(2) فاطر: 12.

(3) يوسف: 36.

(4) الحج: 23.

(5) البقرة: 96.

623

و من الحمل على المعنى قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مََا سَمِعَهُ) (1) ، و المتقدم ذكر الوصية؛ و لكن معناه الإيصاء، أي: من بدل الإيصاء.

كقوله: (وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ) (2) ثم قال: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) (3) حملا على الحظ و النصيب.

و من ذلك قوله تعالى: (مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ) (4) ، و (مََا لَنََا لاََ نَرى‏ََ رِجََالاً) (5) ، لما كان المعنى في قولك: مالى لا أراه؛ و ما لنا لا نراهم، أخبرونا عنهم؛ صار الاستفهام محمولا على معنى الكلام، حتى كأنه قال: أخبرونى عن الهدهد، أشاهد هو، أم كان من الغائبين؟.

و كذلك الآية الأخرى، فيمن وصل الهمزة و لم يقطعها في قوله:

(أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا) (6) .

و كما استقام الحمل على المعنى في هذا النحو كذلك حمل الآية عليه، فيما ترى أنه مذهب أبى الحسن.

يعنى قوله: (إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ) (7) .

و من ذلك قوله: (وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ) (8) .

____________

(1) البقرة: 181.

(2) النساء: 8.

(3) النساء: 8.

(4) النمل: 20.

(5) ص: 62.

(6) ص: 63.

(7) الحديد: 18.

(8) الحجر: 20.

624

«من» منصوب الموضع حملا على المعنى؛ لأن معنى‏ (جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ) : أعشناكم، و كأنه قال: و أعشنا من لستم له برازقين.

و يجوز أن يكون «من» مبتدأ-و الخبر مضمر. و التقدير: و من لستم له برازقين جعلنا لكم فيها معايش.

و من ذلك ما قال سيبويه: قال: سألت الخليل عن قوله تعالى:

(أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) (1) ، قال: هذا واجب، و هو تنبيه، كأنك قلت: انتبه/إن اللّه أنزل من السماء ماء، و كان كذا و كذا.

و من ذلك قوله: (مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً) (2) فيمن قرأ بالنصب؛ لأنه إنما ينصب إذا كان السؤال على القرض؛ لو قال: أ يقرض زيد فيضاعفه عمرو؟.

و في الآية السؤال عن المقرض، لا عن الإقراض؛ و لكنه حمل على لمعنى؛ فصار السؤال عن المقرض، كالسؤال عن الإقراض.

و من ذلك قوله: (وَ إِنْ تُخْفُوهََا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرََاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

____________

(1) الحج: 63.

(2) البقرة: 245.

625

وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئََاتِكُمْ) (1) فيمن جزم «يكفّر» حملا على موضع الفاء؛ لأن الفاء في موضع الجزم.

و من الحمل على المعنى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ) (2) هو محمول على المعنى إذا جعلته يسد مسد الجواب؛ لأن «ليس» لنفى الحال، و الجزاء لا يكون بالحال تقديره: باينتم نساء المسلمين.

و يجوز أن يكون الجواب «فلا تخضعن» دون «لستنّ» ، و «لستنّ» أوجه.

و من ذلك قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ) (3) ، فيمن جزم حمله على موضع «الفاء» .

و من ذلك قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ اَلسَّبْعِ وَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ `سَيَقُولُونَ لِلََّهِ) (4) فى قراءة الجمهور، غير أبى عمرو. لأن معنى: «من رب السموات» : لمن السموات؟فقال: «للّه» حملا على المعنى.

كما أن من قال في الأول-و هو رواية العباس و أبى عمرو، (سَيَقُولُونَ لِلََّهِ) (5) حمل قوله: (لِمَنِ اَلْأَرْضُ) (6) على المعنى، كأنه قال: من رب الأرض؟فقال: اللّه.

____________

(1) البقرة: 271.

(2) الأحزاب: 32.

(3) الأعراف: 186.

(4) المؤمنون: 86 و 87.

(5) المؤمنون: 85.

(6) المؤمنون: 84.

626

و مثله: (قََالَ أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ) (1) جوابا لقولهم:

(أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً) (2) . و لو حمل على اللفظ لقال: أن أكون من الهازئين.

و أما قوله تعالى: (وَ لِتَصْغى‏ََ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) (3) .

فقد قال في التذكرة: إنه محمول على ما قبله من المصدر، و المصدر مفعول له، و هو: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً) (4) أي: للغرور.

و غرورهم على ضربين:

إما أن يغرى بعضهم بعضا، أو يغروا جميعا من يوسوسون له و يوالونه ممن لا يؤمنون.

فنقديره: للغرور، و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون.

و الضمير في «إليه» لـ «زخرف القول» . أو «لوحيهم» ، أو «ليرضوه» .

و لا يكون أن تحمله على الأمر، على قوله: / (وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ) (5)

لثبات الألف في الفعل، و ليست بفاصلة، فتكون مثل‏ (اَلسَّبِيلاَ) (6) .

فإذا كان كذلك لم يتجه إلا على هذا الذي ذكرنا؛ أو على قول أبى الحسن، مع أن ذلك عزيز غامض ما علمته مرّ بي إلا هذا البيت الذي أنشده فيه.

قال و للقائل أن يقول: إن المقسم عليه محذوف مضمر، كأنه:

إذا قال قدنى قلت آليت حلفة # لتغنى عنّى ذا إناؤك أجمعا (7)

ـ

____________

(1) البقرة: 67.

(2) البقرة: 67.

(3) الأنعام: 113.

(4) الأنعام: 112.

(5) الإسراء: 64.

(6) الأحزاب: 67.

(7) البيت لحريث بن عتاب الطائي. (مجالس ثعلب 606) . و لتغني عني، أي لتبعده عني. و يروي:

لتغني، بفتح اللام و الياء، على إرادة نون التوكيد الخفيفة. و ذا إنائك، أي صاحب إنائك، يعني:

اللبن.

627

أي قلت: باللّه لتشربن أو لتقتحمن جميع ما في الإناء؛ فحذف «لتقتمحن» لدلالة الحال عليه، و لأن ما في الكلام من قوله: «لنغنى عنى» ، و إن أجاز ذلك فيه، لم يكن فيه حجة.

قلت: الذي قال «بلام الأمر» فى الآية؛ هو الجبّائى، و لم ينظر إلى إثبات الألف، و لم يعلم أن قوله «لا ترضاها» و أخواته من الضرورة؛ كأنه استأنس بقراءة زبّان: (لا تخف دركا و لا تخشى) (1) .

فزعم الفارسي أن ذاك للفاصلة ك (اَلظُّنُونَا) (2) و (اَلسَّبِيلاَ) (3) ، و ليس قوله: «و لتصغى» فاصلة.

و من ذلك ما ذهب إليه أبو علّى في قراءة أبى عمرو في نصبه‏ (وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا) (4) فزعم أنه محمول على قوله: (فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) (5) .

و أنت لا تقول: فعسى اللّه أن‏[يأتى بأن‏] (6) يقول الذين آمنوا؛ و لكن حمله على المعنى، لأن معنى: فعسى اللّه أن يأتى بالفتح، [و فعسى أن يأتى اللّه بالفتح‏] (7) ، واحد.

و جوز فيه أن يكون بدلا من قوله «أن يأتى» . أجزنا فيه قديما أن يكون محمولا على «الفتح» ، أي: و أن يأتى بالفتح و يقول المؤمنون.

كما قال الخليل في قوله تعالى: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) (8) أنه محمول على «الوحى» (9) .

____________

(1) طه: 77.

(2) الأحزاب: 10.

(3) الأحزاب: 67.

(4) المائدة: 53.

(5) المائدة: 52.

(7-6) التكملة من البحر (3: 509) .

(8) الشورى: 51.

(9) يريد: «و حيا» في قوله تعالى في هذه الآية السابقة من سورة الشورى: (وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً ... أَوْ يُرْسِلَ) .

628

و كرواية هبيرة «فنجّى» بالنصب. حملا على «نصرنا» من قوله:

(جََاءَهُمْ نَصْرُنََا فَنُجِّيَ) (1) .

و من ذلك قوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) * (2) .

و منه: (فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (3) ، حمله على‏ (يَعْدِلُونَ) * (4)

فعدّاه بـ «عن» . و هذا النحو كثير.

ألا ترى أن سيبويه قال في قولهم: أ لست أتيتنا فتحدثنا-بالرفع و النصب-فحمل مرة على اللفظ و أجاز النصب، و على المعنى فمنع النصب؛ إذ معناه الإثبات.

و لهذا جاء: (أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (5) ، بخلاف قوله: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ) (6) .

فجاء الاختلاف/فى الآيتين؛ كما جاء الرفع و النصب في المسألة فحمل مرة على الإثبات، و أخرى على النفي و من ذلك قوله: (يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ) (7) ، إن اللفظ لفظ النداء، و المعنى على غيره.

كما أن قوله: اغفر لنا أيّتها العصابة، اللفظ على النداء، و المعنى على غير النداء، إنما هو الاختصاص.

____________

(1) يوسف: 110.

(2) الأعراف: 12.

(3) النور: 63.

(4) الأنعام: 1 و 150.

(5) هود: 78.

(6) الأعراف: 172.

(7) يس: 30.

629

قال أبو علّى: مثل ما يكون اللفظ على شى‏ء و المعنى على غيره قولهم:

لا أدرى أقام أم قعد؟ألا ترى أن اللفظ على الاستفهام و المعنى على غيره.

و كذلك قولهم: «حسبك» ، اللفظ لفظ الابتداء و المعنى على غيره.

و كذلك قولهم: اتقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه؛ اللفظ لفظ الخبر و المعنى معنى الدعاء.

و كذلك: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمََنُ مَدًّا) (1) .

و إلى هذا النحو ذهب أبو عثمان في قولهم: ألا رجل ظريف؟فقال:

اللفظ لفظ الخبر، و المعنى معنى التمنّى.

و ليس هذا بسائغ؛ لأن الكلام قد دخله ما منع هذا المعنى، ألا ترى أن هذا ارتفع بالابتداء، و قد دخل الكلام من المعنى ما أزال معنى الابتداء؛ ألا ترى أن معنى الطلب قد أزال معنى الابتداء من حيث جرى مجرى:

اللهم غلاما؛ أي: هب لى.

و كذلك قولك: ألا رجل؟بمنزلة قوله: هب لى؛ و ألا آخذ؛ و ألا أعطى، و نحو ذلك.

فإذا دخل هذا المعنى أزال معنى الابتداء؛ و إذا زال معناه لم يجز ارتفاعه بالابتداء، لمعاقبة هذا المعنى له؛ و إذا عاقبه ذلك و أزاله لم يجز أن يرتفع «أفضل» بأنه خبر؛ لبطلان كون الأول أن يكون مبتدأ أوفى موضع الابتداء.

فالقول في ذلك قول سيبويه لهذه الآية.

____________

(1) مريم: 75.

630

الباب الحادي و الثلاثون‏

باب ما جاء في التنزيل من حذف «أن» و حذف المصادر، و الفصل بين الصلة و الموصول و هو من باب لطائف الصّناعة، لأنهم زعموا أنّ «أن» موصولة، و حذف الموصول و إبقاء صلته منكر عندهم، و مع ذلك فقد جاء في التنزيل.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ لاََ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ) (1) .

قالوا: التّقدير: بأن لا تعبدوا إلا اللّه، فلما حذفت «أن» عادت «النون» .

و كذلك قوله: (لاََ تَسْفِكُونَ دِمََاءَكُمْ) (2) . تقديره: /بأن لا تسفكوا دماءكم، فحذف «أن» و عادت «النون» .

قالوا: و مثله قولهم: «تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه‏ (3) » أي: أن تسمع.

و من ذلك قوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ اَلرَّسُولَ) (4) ، أي: بعد إيمانهم أن شهدوا، فحذفت «أن» ليصح عطفه على «إيمانهم» .

و إن شئت كان التقدير: بعد أن آمنوا و شهدوا، فتضع المصدر موضع «أن» ليصحّ عطف «شهدوا» عليه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) (5) فيمن قرأ بالياء، أي: أن سبقوا، ليصح قيامه مقام المفعولين.

____________

(1) البقرة: 83.

(2) البقرة: 84.

(3) هذا مثل، يضرب لمن خبره خير من مرآه. (مجمع الأمثال 1: 113) .

(4) آل عمران: 86.

(5) الأنفال: 59.

631

و من ذلك قوله تعالى: (قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ) (1) ، فقال: «تأمرونى» لغو، كقولك: هذا يقول ذاك بلغني، فـ «بلغني» لغو، و كذلك «تأمرونى» ؛ كأنّه قال: فيما تأمرونى؛ و كأنه قال: فيما بلغني، و إن شئت كان بمنزلة:

ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الوغى‏ (2)

قال «س» (3) : «غير» منصوب بـ «أعبد» على القول الأول، و على القول الثاني بـ «تأمرونى» .

و لا يجوز انتصابه بـ «أعبد» ؛ لأن «أعبد» فى صلة «أن» و «غير» قبله، و لا يعمل ما في الصلة فيما قبل الموصول.

«فا» (4) : يؤكد أنهم يراعون الحال الأولى، بعد حذف «أن» ما روى أبو عثمان المارنى عن قطرب: «أحضر الوغى» بنصب «أحضر» .

قال أبو سعيد (5) : أجود ما يقال فيه ما ذكره سيبويه عن الخليل، و هو نصب «غير» «بأعبد» ، و «تأمرونى» غير عامل، كما تقول: هو يقول ذلك فيما بلغني، و زيد قائم ظننت، كأنك قلت: هو يقول ذاك فيما بلغني، و زيد قائم فيما ظننت.

قال: و قال سيبويه: «و إن شئت كان بمنزلة:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى‏

و هو ضعيف؛ لأنه‏[يؤدى إلى أن‏] (6) يقرر «أعبد» بمعنى: عابدا غير اللّه، و فيه فساد.

____________

(1) الزمر: 64.

(2) صدر بيت لطرفة بن العبد، و عجزه:

و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

(3) يريد: «سيبويه» . (الكتاب 1: 452) .

(4) يريد: «الفارسي أبا علي» .

(5) هو: أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد اللّه (368 هـ) .

(6) التكملة من شرح السيرافي بهامش الكتاب لسيبويه (1: 452) .

632

و الذي عليه الناس، هو الوجه الأول الذي ذكرناه» .

و قد قال سيبويه هذا الكلام هاهنا، و قال في الباب المترجم عنه:

«هذا باب‏ (1) ما يكون فيه «إلا» و ما بعده وصفا بمنزلة: «مثل» ، و «غير» .

و مضى في كلامه «[و لا يجوز أن تقول: ما أتانى إلا زيد، و أنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة «مثل» ، إنما يجوز ذلك صفة] (2) ثم قال: و لا يجوز أن يكون رفع «زيد» على إضمار: إلا أن يكون زيدا؛ لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن «أن» يكون اسما و ما بعده صلة له» .

و يجوز في الآية الأولى حذف «أن» و لم يجوزّه في الفصل الثاني.

و أبو إسحاق تكلم على الآية، أعنى قوله: (أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي) (3) و نقل كلامه أبو علىّ فى «الإغفال» و أراد أن يتكلم عليه، فبيّض الموضع.

و هذا كلام أبى إسحاق: «أ فغير» منصوب بـ «أعبد» لا بقوله «تأمرونى» .

المعنى: أ فغير اللّه أعبد أيها الجاهلون فيما تأمرونى.

و لو كان أبو العباس حين تتبّع سيبويه، و تكلم بمثل هذا الكلام البارد الذي لا يخدش شيئا من كلامه، و تتبعه على هذا الوجه، و تكلّم بمثل هذا الكلام، و فصل بين الموضعين. كان أحق و أجدر.

و قد ضمّنت هذا الكتاب مثل هذا الفصل فصولا أخر، تقدم بعضها، و أنت بصدد الثاني فاحفظها.

قال الشيخ: و مما يحمل على إضمار «أن» فى التنزيل قوله تعالى: (فَمََا جَزََاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذََلِكَ مِنْكُمْ إِلاََّ خِزْيٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ََ أَشَدِّ اَلْعَذََابِ) (4) ، فـ «أن» مضمرة، و هي مع الفعل في تقدير المصدر معطوف على «خزى» .

____________

(1) الكتاب (1: 370) .

(2) تكملة عن الكتاب لسيبويه.

(3) الزمر: 64.

(4) البقرة: 85.

633

و مثله: (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) (1) ، أي: ثم كفر بعضكم ببعض يوم القيامة، فأضمر «أن» و مثله: (وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) (2) ، أي:

و يوم القيامة رؤية الذين كذبوا على اللّه، لأن قبله‏ (أَنْ تَقُولَ) (3) ، و: (أَوْ تَقُولَ) (4) .

و قد قال أبو علّى في قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) (5) ، يجوز أن تقدر حذف «أن» كأنه: لا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت «أن» كما حذفتها في تأويل سيبويه في قوله: (أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي) (6) .

قال: و حذف «أن» قد جاء في غير شى‏ء من كلامهم. قال:

و إن كبيرا لم يكن ربّ علبة # لدن صرّحت حجّاجهم فتفرّقوا (7)

أي: لدن أن صرّحت. و أثبت الأعشى في قوله:

أرانى لدن أن غاب رهطى كأنما # يرانى فيكم طالب الضّيم أرنبا (8)

و قد حذفت من الفعل و بنيت مع صلتها في موضع الفاعل.

أنشد أحمد بن يحيى لمعاوية بن خليل النّصرى:

و ما راعنى إلا بشير بشرطه # و عهدى به فينا يفشّ بكير (9)

فإذا وجّهه على هذا سدّ «أن» مسد المفعولين.

____________

(1) العنكبوت: 25.

(2) الزمر: 60.

(3) الزمر: 56.

(4) الزمر: 57، 58.

(5) الأنفال: 59.

(6) الزمر: 64.

(7) العلبة: القدح الذي يحلب فيه. و البيت لمليح الهذلي.

(8) البيت في الديوان (14: 19) :

أراني لدن أن غاب قومي كأنما # يراني فيهم طالب الحق أرنبا

(9) يفش: ينفخ. و الكير: زق من جلد ينفخ فيه لحداد.

634

كما أن قوله: (أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا) (1) فقال: هذا كلامه فى الآية من «الحجة» . و إن شئت فاسمع كلامه في موضع آخر، قال: و مما يمكن أن يكون انتصابه على أنه مفعول به على الاتساع، و كان في الأصل ظرفا، قوله: (أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ) (2) فى قوله: (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏`أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ) (3) ، و العامل فى، الأيام «كتب» ، تقديره: كتب عليكم الصيام أياما معدودات، أي:

فى أيام معدودات. و إن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به، فتقول على هذا: مكتوب أياما عليه. و لا يستقيم أن ينتصب «أيام» بـ «الصيام» على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأن ذلك و إن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنك لو حملته على ذلك فصلت بين الصلة و الموصول بالأجنبى منهما، و ذلك أن «أياما» تصير من صلة «الصيام» ، و قد فصلت بينهما بمصدر «كتب» ؛ لأن التقدير:

كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف فى «كما» متعلقة، بـ «كتب» ، و قد فصلت بها بين المصدر وصلته، و ليس من واحد منهما.

فإن قلت: أضمر «الصيام» لتقدم ذكر المتقدم عليه، كأنه: صيام أياما، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأنك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنه قد قال في قوله:

و كل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلاّ الفرقدان‏ (4)

أنه لا يكون على: أن لا يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، و كذلك الآية.

و إذ قد/عرفت هذا و تبينت أن المصدر و «أن» مع ما بعده عندهم بمنزلة واحدة،

____________

(1) العنكبوت: 2.

(3-2) البقرة: 183.

(4) البيت لعمرو بن معد يكرب (الكتاب 1: 371) .

635

و أنهما كليهما موصول لـ «أن» ، فلا بد و أن نعد لك الآي التي وردت فيها المصادر و ظاهرها فصل بينها و بين صلاتها بمنزلة «أن» ، و الحديث ذو شجون.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ) (1) ، لا يجوز تعليق «على» بقوله «حجتنا» للفصل بين المصدر و ما يتعلق به بالصفة.

قال أبو على: و إن كان «حجّتنا» بدلا فـ «آتيناها» خبره، و «على» متعلق بمحذوف، كقوله: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى اَلْإِيمََانِ) (2) . و كذلك إن جعلت «حجتنا» خبرا، فإن جعلت «آتيناها» فى موضع الحال على: حجة آتيناها، و إضمار «قد» ، جاز أن يكون متعلقا، بـ «الحجة» لأنه لها فصل.

قال عثمان: قلت لأبى علىّ في قول اللّه تعالى: (وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ) (3) يكون «آتيناها» حالا من «الحجة» إما على: قد آتينا، و إما: على: حجة آتيناها، و عادت مع هذا على قوله بنفس حجتنا، فمثل هذا ألاّ فصل بين الصلة و الموصول بالأجنبى؟فقال: الحال تشبه الظرف، و قد يجوز في الظرف ما لا يجوز في غيره، و لم يزد على هذا بعد المراجعة.

و الفصل بين الموصول و الصلة لا يجوز بالظرف و لا غيره، ألا ترى أنك لو قلت، أعجبنى ضربك يوم الجمعة زيدا، فعلّقت «يوم الجمعه» بـ «أعجبنى» لا بـ «الضرب» لم يجزه أحد، و إنما المتجوز بالفصل الفصل بالظرف ما كان بين الفعل و فاعله، نحو: كان فيك زيد راغبا، و نحو قوله:

فإنّ بحبّها # أخاك مصاب القلب جمّ بلا بله‏ (4)

____________

(1) الأنعام: 83.

(2) غافر: 10.

(3) الأنعام: 83.

(4) جزء من بيت، و البيت كاملا:

فلا تلمحني فيها فإن بحبها # أخاك مصاب القلب جم بلا بله‏

(الكتاب 1: 280) .

636

و أما ما ذهب إليه أبو علىّ، فيما حكينا عنه، فلا، و اللّه أعلم.

و قال أبو علىّ في موضع آخر: ففى هذا دلالة على وقوع مثال الماضي حالا، و ذلك أن «آتينا» لا تخلو من أن تكون صفة أو جملة متبعة جملة، على حد: (هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ) * (1) ، أو حالا، و لا تكون صفة لأن «حجتنا» معرفة، و لا تكون على حد (هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ) * (2) ، و (ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) (3) لأنك إن جعلته على ذلك فصلت بين الصلة و الموصول بالأجنبى، فإذا امتنعتا ثبت أنه واقع موقع الحال، إذا كانت/حالا لم تفصل بين الصلة و الموصول، و كانت على [ذلك‏] (4) متصلة بالمصدر الظاهر الذي هو «حجتنا» . فإن قلت: فلم لا تكون على قول أبى الحسن في نحو: (أَوْ جََاؤُكُمْ حَصِرَتْ) (5) ، أن يكون على تقدير:

أو جاءوكم قوم حصرت، و لا يكون على قوله: أو جاءوكم قوما قد حصرت، فإن ذلك لا يكون على حذف الموصوف، كما يكون قوله: أو يكون جاءوكم قوما حصرت؛ لأنك على هذا تحذف الموصول و تبقى بعض صلته. و قد قال سيبويه: إن ذلك لا يجوز فيه.

و أما قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتََابِ اَللََّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ) (6) فإن قوله «يوم خلق السّموات» تتعلق بمضمر دون «عدة» ، لأن الفصل بين المصدر و المعمول لا يجوز، و لهذا لا يتعلق «فى كتاب اللّه» بـ «عدة» و لا يكون بدلا من «عند اللّه» للفصل، أو يكون أن يتعلق بـ «حرم» ، كأنه: منها أربعة حرم فيها كتب اللّه يوم خلق السموات؛

____________

(2-1) البقرة: 39، 81، 82، 217، 257، 275-آل عمران: 107، 116.

(3) الكهف: 22.

(4) تكملة يقتضيها السياق.

(5) النساء: 90.

(6) التوبة: 36.

637

فيكون المعنى: مثبتا في كتاب اللّه، أي: فيما فرض كونه حرما أربعة أشهر لا أكثر، فإذا نشأتم أنتم الشهور فجعلتم الشّهور الحرم أكثر من أربعة لما كتبه اللّه أجّل لهم ما حرّم اللّه.

و يجوز أن يتعلق «يوم» بـ «كتاب» .

و أما قوله تعالى: (وَ أَذََانٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلنََّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) (1) . فإن قوله «من اللّه» صفة فيها ذكر من الموصوف، و كذلك «إلى الناس» ، و لا يكون من صلة «أذان» لأنه اسم، و ليس بمصدر. و من أجرى هذا الضرب من الأسماء مجرى المصادر فينبغى ألاّ يتعلق به هذا الجار، ألا ترى أن المصدر الذي هذا منه لا يصل بهذا الحرف كما يصل قوله: (بَرََاءَةٌ مِنَ اَللََّهِ) (2) به، لقوله:

برئت إلى عرينة من عرين‏ (3)

و: (إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا) (4) .

فأما قوله: «يوم الحجّ الأكبر» فيجوز أن يتعلق بـ «أذان» لأنك تفصل بين الصلة و الموصول بالصفة، و لا بد من تقدير الجار في قوله «إن اللّه» أي، بـ «إن اللّه» لأن اللّه برئ من المشركين، لا يكون الإعلام كما يكون الثاني الأول، فى نحو: خبر له أنك خارج.

____________

(1) التوبة: 3.

(2) التوبة: 1.

(3) عجز بيت لجرير، و صدره:

عرين من عرينة ليس منا

(4) البقرة: 166.

638

و أما قوله فى: (هََذََا عَطََاؤُنََا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسََابٍ) (1) : لا يتعلق الباء بـ «عطاؤنا» /للفصل، و لا بـ «أمسك» لأنه لا يقال: أمسكت بغير حساب، إنما يقال: أعطيت بغير حساب، فهو إذا متعلّق بـ «امنن» ، و يكون معناه: أنه مخيّر بين أن يعطى كثيرا و أن يمسك، و كأن معنى «امنن» أعط، لما كان منّا و تفضلا على المعطى، قيل: «امنن» ، و المراد: أعط.

و مثله في جعل «المن» عطاء قوله تعالى: و (وَ لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (2) ، كأنه:

لا تعط مستكثرا، أي: لا تعط لتأخذ أكثر منه.

و مثله: (وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ اَلنََّاسِ فَلاََ يَرْبُوا عِنْدَ اَللََّهِ) (3) .

و تقدير «تستكثر» : أي: مقدرا فيه الاستكثار، و جزم «تستكثر» على هذا يبعد فى المعنى، لأنه يصير: إن لا تمنن تستكثر، و ليس المعنى على هذا.

و قد أجاز أبو الحسن نحوا من هذا اللفظ، و إن لم يكن المعنى عليه.

و أما قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ اَلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي اَلصَّدَقََاتِ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَجِدُونَ) (4) ، فـ «الذين» جر، عطف على «المؤمنين» ، أو نصب، عطف على «المطوعين» . فالظرف. أعنى «فى الصدقات» . متعلّق بـ «مطوعين» أو «يلمزون» ، أي: و يعيبون في إخراج الصدقات لقلتها، و لا يكون «الذين يلمزون» ، بدلا من «من» فى قوله: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقََاتِ) (5) ، لأن هؤلاء غيرهم... (6) فى وضع الصدقات.

ـ

____________

(1) ص: 39.

(2) المدثر: 6.

(3) الروم: 39.

(4) التوبة: 79.

(5) التوبة: 58.

(6) مكان هذه النقط كلمة غير واضحة.

639

و أما قوله: (وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اَلْحُسْنى‏ََ عَلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ) (1) فـ «على» من صلة «و تمت» دون «الكلمة» و إن كانت «الكلمة» بمعنى، النعمة، لأنها وصفت بالحسنى، و كما يتعلق «على» بـ «حقت» فى قوله: (حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ) (2) و كذا هاهنا. و أما قوله: (فَاجْعَلْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لاََ نُخْلِفُهُ) (3) فقد تكلّمنا عليه في باب المفعول.

و أما قوله تعالى: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهََادَةً عِنْدَهُ مِنَ اَللََّهِ) (4) ، فقد تردّد فيه كلامه، فقال مرّة: الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، و الشهادة من اللّه هي شهادة يحملونها ليشهدوا، فهذا كما قال: (فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (5) ، و قال في موضع آخر: لا يتجه أن يتعلق «من» بـ «كتم» لأن اللّه لا يكتم شيئا.

فإن قلت: فقد جاء (وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً) (6) فإنه يجوز أن يكون التقدير: إن أحوالهم ظاهرة و إن كتموها. كما قال: (لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ) (7) ، فإذا لم يتعلق بكتم «تعلق بالشهادة» ، و تعلقه به على وجوه.

فإن جعلت قوله «عنده» صفة للشهادة لم يجز أن يكون «من اللّه» متعلقا بـ «شهادة» لأنه فصل بين الصلة و الموصول، و كما أنك لو عطفت عليه كان كذلك.

و يجوز أن تنصب «عند» لتعلقه بـ «شهادة» . فإذا فعلت ذلك لم يتعلق بـ «من اللّه» ، لأنه لا يتعلق به ظرفان.

و إن جعلت «عنده» صفة أمكن أن يكون «من اللّه» حالا عمّا فى «عنده» ،

____________

(1) الأعراف: 137.

(2) الزمر: 71.

(3) طه: 58.

(4) البقرة: 140.

(5) آل عمران: 81.

(6) النساء: 42.

(7) غافر: 16.

640

فإذا كان كذلك وجب أن يتعلّق بمحذوف في الأصل، و الضمير العائد إلى ذى الحال هو الظرف.

هذا كلامه؛ و قد منع من تعلق الظرفين بالمصدر، و هذا يجوز فى الظرفين المختلفين، و إنما الكلام في المتفقين، و قد بيناه فى «الاستدراك» .

و أما قوله: (لَمَقْتُ اَللََّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى اَلْإِيمََانِ) (1) .

فلا يخلو قوله «إذ تدعون» من أن يتعلق بـ «لمقت اللّه» ، و لا يجوز أن يتعلق بقوله «مقتكم» لأنهم مقتوا أنفسهم في النار، و قد دعوا إلى الإيمان فى الدنيا. و لا يتعلق بالمبتدأ، لأنه أخبر عنه بقوله «أكبر من مقتكم» ، و الموصول لا يخبر عنه، و قد بقيت منه بقية، و الفصل بين الصلة و الموصول غير جائز.

و أما قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلى‏ََ رَجْعِهِ لَقََادِرٌ`يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ) (2) إن جعلت الهاء للكافر، على معنى: إنه على إحيائه لقادر، لم يجز أن يتعلق «يوم تبلى السرائر» بقوله «رجعه» ، لأن قوله «لقادر» فى موضع الخبر لـ «إن» ، و قد فصل بين المصدر و ما يتعلق به، و لكن ينتصب بمضمر يفسره «رجعه» ، أي:

يحييه يوم تبلى السرائر.

و يجوز أن يجعل «يوم» بمعنى «إذا» فيعمل فيه مدلول «إذا» : (فَمََا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لاََ نََاصِرٍ) (3) كقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ) (4) . ألا ترى أن مدلول «الفاء» يعمل فى «يوم ندعو» .

و مثله: (وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدََاءُ اَللََّهِ إِلَى اَلنََّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (5) .

و مثله: (فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ`فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) (6) .

____________

(1) غافر: 10.

(2) الطارق: 8، 9.

(3) الطارق: 10.

(4) الإسراء: 71.

(5) فصلت: 19.

(6) المدثر: 8.

641

و لا يجوز أن يتعلق بقوله «لقادر» ، لئلا يصغر المعنى؛ لأن اللّه قادر يوم تبلى السرائر و غيره، فى كل وقت و على كل حال، على رجع النشور.

قال أبو علىّ فى «الإغفال» فى قوله: (أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ) (1) قولا يخالف ما حكينا عنه فى «الحجة» قبل، و هو أنه قال:

يجوز/أن يجعل «أياما» متعلقا بـ «الصيام» ، دون «كتب» ، و كانت الكاف في موضع النصب حالا من فاعل الصيام، ألا ترى أنه لا يستقيم:

كتب عليكم أن تصوموا مشابهين الكتابة، فهذا من جهة المعنى.

و يصح كونه حالا من «الصيام» على تقدير: كتب عليكم الصيام مثل ما كتب الصيام على من قبلكم، أي كتب الصيام مشابها كتابته على الذين من قبلكم.

فالصيام لا يشبه الكتابة، و حق التشبيه أن تشبّه كتابة بكتابة، أو صيام بصيام، فأما أن يشبه الصيام بالكتابة فليس بالوفق، إلا أن يدل اشتباه الصيام بالكتابة من حيث كان كل واحد منهما مرادا، و إن لم يكن الآخر.

و هذا مما يدلك على أن حمل «كما» ، على أنه منصوب بـ «كتب» ، أوجه و أبين من أن تجعله متعلقا بـ «الصيام» ، و لا يجوز فى «كما» أن يكون صفة لمصدر «كتب» الذي دلّ، «كتب» عليه، في قول من جعل «أياما» معمول «الصيام» ، لأنه يفصل بين الصلة و الموصول بما هو أجنبى منهما، و ما عمل فيه شي‏ء.

و أما قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوََالُهُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُهُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً وَ أُولََئِكَ هُمْ وَقُودُ اَلنََّارِ`كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) (2) لا تكون الكاف‏ (3)

____________

(1) البقرة: 184.

(2) آل عمران: 10 و 11.

(3) يريد الكاف في: «كدأب» .

642

صفة لمصدر دل عليه «كفروا» ، و لا لمصدر دلّ عليه قوله «لن تغنى» ، للفصل بين الصلة و الموصول بالخبر أو بالجملة التي هى «أولئك هم وقود النار» ، و إنما معمول لقوله «وقود النار» لأنه لا فصل بينهما.

و أما قوله تعالى: (اَلَّذِينَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطََاعُونََا مََا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ) (1) ، فقوله «و قعدوا» اعتراض، لأنه يسدّد ما يريدونه من تثبيطهم و إقعادهم عن الجهاد مع النبي صلّى اللّه عليه و على آله، فقوله: «لو أطاعونا ما قتلوا» فى موضع نصب. فقالوا:

و لا يحتاج هنا إلى إضمار فعل آخر كما احتجت إليه في قوله:

و قائلة تخشى على أظنّه‏

و لأن «تخشى» وصف، و إذا وصفت اسم الفاعل لم ينبغ أن يعمل.

فأما «الذين» فموضعه رفع، و قال: زيدا اضربه، نصب؛ ألا ترى أنك تنصب: زيدا قال له خيرا، كما تقول: زيدا اضربه. و ليس الرفع بمختار في قول أحد فيه، لأنه لا وجه للرفع على ذلك.

و أما قوله تعالى: (وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ) (2) ، فـ «من» موصولة، و تمام الصلة عند قوله: (وَ آتَى اَلزَّكََاةَ) (3) ، و قوله: (وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) (4) رفع، عطف على «من آمن» ، فلا يجوز إذا أن يكون قوله «و الصابرين» عطفا على قوله «ذوى القربى» على تقدير: و آتى المال على حبه ذوى القربى و الصابرين، لأنك قد عطفت على الموصول قوله «و الموفون» ، فلا يجوز أن يكون

____________

(1) آل عمران: 168.

(4-3-2) البقرة: 177.

643

«و الصابرين» داخلا في الصلة، و لكنك إن رفعت «و الموفون» على المدح جاز عطف «الصابرين» على قوله «ذوى القربى» ، لأنّ الجملة تسدد الأول و توضحه؛ لقوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ كَسَبُوا اَلسَّيِّئََاتِ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهََا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) (1) ، فقوله «و ترهقهم ذلة» عطف على «كسبوا» ، و قوله «و جزاء سيئة بمثلها» اعتراض.

و قال قوم: بل التقدير: جزاء سيئة، و الجملة في موضع خبر قوله:

«و الذين كسبوا» .

فأما قوله تعالى: (وَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلْمَرْعى‏ََ*`فَجَعَلَهُ غُثََاءً أَحْوى‏ََ) (2) قال أبو علىّ:

يحتمل عندى قوله «أحوى» ضربين:

يجوز أن يكون حالا لـ «المرعى» كأنه: و الذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء أحوى، و لا يكون فصلا بين الصلة و الموصول، لأن «أحوى» فى الصلة، و قوله «فجعله» أيضا معطوف على الصلة، و تقديم بعض الصلة على بعضها غير جائز، فإذا حملته على هذا كان وصفه بالحوّة إنما هو لشدة الرىّ و لإشباع الخضرة، كأنه أسود، على هذا قوله: (مُدْهََامَّتََانِ) (3) ، و إن كان هذا لا يقع من الوصف بالحوّة؛ لأنه أذهب في باب السواد.

و إن جعلت أحوى صفة لـ «غثاء» كان المراد به السواد لا الخضرة التي فى الرىّ أنها سواد، و لكن بالقدرة أخرج المرعى فصار غثاءا أسود ليبسه و هيجه و تسويد الشمس له بأحراق لطيفة.

____________

(1) يونس: 27.

(2) الأعلى: 4، 5.

(3) الرحمن: 64.

644

و أما ما ذهب إليه علىّ بن عيسى في قوله: (إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ) (1) إلى قوله‏ (وَ قِيلِهِ) (2) من أن قوله «و قيله» فيمن جرّ، معطوف على الجار و المجرور، أعنى‏ (3) ... وجدا، للفصل بين الصفة و الموصول بما تراه من الكلام.

و أما قوله: (سَلاََمٌ هِيَ حَتََّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ) ، فإن‏ (4) «حتى» متعلق إما بفعل مضمر يدل عليه «سلام» /أو بقوله‏ (تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ) (5) .

فإن قلت: فإذا كان متصلا بقوله «تنزل» فكيف فصل بين العامل و المعمول بالجملة التي هى «سلام» ؟ فإن ذلك لا يمتنع لأمرين:

أحدهما: أن هذه الجملة ليست بأجنبية، ألا تراها تتعلق بالكلام و تسدّد.

و الآخر: أن تكون في موضع حال من الضمير في قوله‏ (تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ فِيهََا) (6) مسلّمة، فهذا لا يكون فصلا على هذا الوجه الآخر.

و أما إذا لم تحمله على هذا و جعلت «حتى» متعلّقا بفعل مضمر، فلا يخلو من أن يتعلق بـ «هى» أو «سلام» ، فلا يتعلق بـ «هى» ، لأنه لا معنى فعل فيه، و لا يجوز أن يتعلق أيضا بـ «سلام» ، لأنك تفصل حينئذ بين الصلة و الموصول بالمبتدأ، ألا ترى أن «سلاما» مصدر، فإذا لم يجز هذا أضمرت ما يدل عليه «سلام» ، فكأنك قلت: تسلم حتى.

فإن قلت: فلم لا تضمر فعلا بعد «هى» مما يتعلق به، و يكون المبتدأ الذي هو «هي» قد أخبر عنه بأنه سلام، و أنها «حتى مطلع الفجر» مثل:

____________

(1) الزخرف: 86.

(2) الزخرف: 88.

(3) بياض بالأصل. و قد ذكر الزمخشري في تفسيره (الكشاف 4: 268) ما قيل حول «و قيل» . فقال:

«و عطفه الزجاج على محل الساعة؛ و حمل الجر على لفظ الساعة و الرفع على الابتداء، و الخبر ما بعده.

و جوز عطفه على «علم الساعة» ، على تقدير حذف المضاف» .

(4) القدر: 5.

(6-5) القدر: 4.

645

حلو حامض، كأنه أراد أن يعلم أنه سلام، و أنه إلى هذا الوقت، فإنّ الإفادة بأنها إلى مطلع الفجر ليست بحسنة، لأن ذلك قد علم من غير هذا المكان، فإذا كان كذا حملناه على باب‏ (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى اَلْإِيمََانِ) (1) و لهذا لم نجعل «حتى» خبر «هى» ، و «سلام» لـ «هى» آخر، و لأنه إذا لم يكن من باب حلو حامض، فلا يكون من باب: هو قائم، أولى، و إن جعلت «هى» فاعل «سلام» ، و «حتى» فى موضع الخبر، فهو وجه.

قال عثمان: لا يلزم إذا جعلت «حتى» متعلقة بـ «سلام» أن تكون فصلت بينهما بـ «هى» ، لأن «سلاما» فى موضع: مسلمة، و أنشد:

فهلاّ سعيتم سعى عصبة مازن # و هل كفلائى في الوفاء سواء

و أمّا قوله تعالى: (وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ‏ (2) ) ، فينبغى أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» إذا جعلت «وحيا» على تقدير: أن يوحى-كما قال الخليل-لمّا لم يجز أن يكون على أنّ الأولى من حيث فسد في المعنى/يكون «من وراء حجاب» على هذا متعلّقا بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة، لـ «أن» الموصولة بـ «يوحى» ، و يكون ذلك الفعل: يكلم، و تقديره: ما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف «يكلم» لجرى ذكره أولا، كما حذف الفعل في قوله: (كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ) (3) لجرى ذكره، و المعنى: كذلك أنزلنا، و كما حذف في قوله: (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ‏ (4) ) ، و المعنى: الآن آمنت، فحذف، حيث كان ذكر «آمنت» قد جرى،

____________

(1) غافر: 10.

(2) الشورى: 51.

(3) الفرقان: 32.

(4) يونس: 91.

646

و هذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، و قد تحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها، و لا يجوز أن يقدّر تعلّق «من» فى قوله‏ (أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ) (1) إلا بهذا، لأنك إن قدّرت‏ (2) تعلّقه بغيره فصلت بين الصلة و الموصول بالأجنبى، و لا يجوز أن يقدّر فعل غير هذا، كما قدر فى «أو» فى قوله:

(إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً) (3) ، لأن هذا اعتراض يسدّد ما قبله، و أنت إذا قدّرت «أو من وراء حجاب» متعلقا بشي‏ء آخر كان فصلا بأجنبى، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدّد الأول.

و أما من رفع فقال: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) (4) فينبغى أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» متعلّقا بمحذوف، و يكون الظرف في موضع حال، لأن قوله‏ (إِلاََّ وَحْياً) (5) على هذا التقدير مصدر في موضع الحال، كأنه يكلّم اللّه إيحاء، أي: موحيا، كقولك: جئت ركضا و مشيا، و يكون «من» فى قوله «أو من وراء حجاب» فى أنه في موضع حال، مثل «من» فى قوله (وَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ) (6) بعد قوله‏ (وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وَ كَهْلاً) (7) ، فهذا موضع وقعت فيه «من» ظرفا في موضع الحال، كما وقع سائر حروف الجر، و معنى «أو من وراء حجاب» فى الوجه الأول: يكلّمهم غير مجاهر لهم بالكلام، أي:

يكلمهم من حيث لا يرى كما لا يرى سائر المتكلمين، ليس أنه هناك حجاب يفصل موضعا من موضع.

____________

(5-1) الشورى: 51.

(2) الأصل: «فقدت» .

(3) الأنعام: 145.

(4) الشورى: 51.

(7-6) آل عمران: 46.

647

و أما قوله تعالى: (وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (1) ، فـ «رسله» معطوف على الضمير المنصوب الذي قبله، كما قال: (وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ) (2) ، و لا يجوز أن يكون معطوفا على مفعول «ليعلم» ؛ لأنك تفصل بين الصلة و الموصول؛ ألا ترى أن قوله «بالغيب» متعلق بـ «ينصر» و لا يجوز أن يتعلق بـ «ليعلم» ، فإذا كان كذلك، فلو عطفت «رسله» على «يعلم» فصلت بالمعطوف بين الصلة و الموصول.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً) (3) . فقوله بعد:

(وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ) (4) اعتراض بين الصلة و الموصول، و قوله:

(وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ََ مََا فَعَلُوا) (5) فى الصلة من الفعل. و نظير هذا (قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ) (6) هو فصل بين الفعل و مفعوله دون الصلة و موصوله.

أما قوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (7) . فزعم أنه لا يكون عطفا على ما تقدم من ألاّ يفصل بين الصلة و الموصول بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ) ، (8)

و لكن النصب على إضمار «أن» بعد «أو» . و نعنى بالموصول قوله: (بُشْرى‏ََ لَكُمْ) (9) لأن اللام من قوله «ليقطع» متعلق به، و قوله: (وَ مَا اَلنَّصْرُ) اعتراض.

فهذه آي وردت، فيها يقول النحويون من امتناع الفصل بين الصلة و الموصول، و لا نرى منها حرفا في كتبهم، و الحمد للّه الذي هدى لهذا.

____________

(1) الحديد: 25.

(4-2) الحشر: 8.

(3) آل عمران: 135.

(5) آل عمران: 135.

(6) البقرة: 120.

(7) آل عمران: 128.

(8) آل عمران: 128.

(9) آل عمران: 126.

648

الباب الثاني و الثلاثون‏

هذا ما جاء في التنزيل من حذف حرف النداء و المنادى و ذلك حسن جائز فصيح ورد به الكلام، و على هذا جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: (رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا رَبَّنََا وَ لاََ تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْراً كَمََا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنََا رَبَّنََا) (1) .

و منه قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا) (2) أي: يا يوسف.

أما قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) (3) فقد قيل: التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء، فـ «أنتم» مبتدأ، و «تقتلون» الخبر، و «هؤلاء» نداء اعترض بين المبتدأ و الخبر، كما اعترض بين الشرط و الجزاء في قوله: (قُلْ رَبِّ إِمََّا تُرِيَنِّي مََا يُوعَدُونَ‏`رَبِّ فَلاََ تَجْعَلْنِي) (4) أي: يا ربّ. و كما اعترض بين المصدر و معموله في قوله:

فندلا زريق المال ندل الثّعالب‏ (5)

/و كقوله:

أوسا أو يس من الهباله‏ (6)

____________

(1) البقرة: 286.

(2) يوسف: 29.

(3) البقرة: 85.

(4) المؤمنون: 93.

(5) عجز بيت، صدره:

على حين ألهي الناس جل أمورهم‏

و البيت متصل ببيت قبله، هو:

يمرون بالدهنا خفافا عيابهم # و يرجعن من دارين بجر الحقائب‏

يصف لصوصا، و الندل: الاختلاس. و زريق: قبيلة ندل الثعالب. (اللسان: ندل-الكتاب 1:

59) .

(6) عجز بيت لأسماء بن خارجة، و صدره:

فلأحشانك مشقصا

و قبل هذا البيت:

في كل يوم من ذؤالة # ضغث يزيد على إبالة

و الأوس: الذئب و أويس: تصغيره. و الهبالة: ناقته.

649

و نحن نقول: إنّ «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» على وجهين:

أحدهما: ثم أنتم كهؤلاء.

و إن شئت: «هؤلاء» بمعنى الذين، أي: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، كما قال عزّ من قائل: (أُولاََءِ عَلى‏ََ أَثَرِي) (1) .

و أما قوله تعالى: (رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اِغْفِرْ لَنََا رَبَّنََا) (2) .

إن شئت كان «ربنا» من صلة قوله: «و اغفر لنا» ، أي: و اغفر لنا ربنا، فتقف على «ربنا» ؛ و إن شئت ابتدأت، فقلت: (رَبَّنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ) (3) . فإنما قلنا: لا يكون «هؤلاء» على: يا هؤلاء، لأن «هؤلاء» يجوز أن يكون وصفا لـ «أي» ، فتقول: يا هؤلاء أقبل، كل ما يوصف به «أي» لا يحذف منه حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز: رجل أقبل، لأنك تقول: يا أيها الرجل أقبل، و تقول: زيد أقبل، لأنك لا تقول:

أيها الزيد أقبل.

و أما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ) (4) فيمن خفّف، فقد قيل: إن الهمزة بمعنى «يا» ، و التقدير: يا من هو قانت، فأقيمت الهمزة مقام «يا» .

قال أبو على: المعنى: أمن هو قانت كمن هو بخلاف هذا الوصف؟ و لا وجه للنداء هاهنا، لأن الموضع موضع معادلة، فليس النداء مما يقع فى هذا الموضع، إنما يقع في نحو هذا الموضع الجمل التي تكون أخبارا، و ليس النداء كذلك.

____________

(1) طه: 84.

(3-2) الممتحنة: 5.

(4) الزمر: 9.

650

و يدل على المحذوف هنا قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ) (1) ، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين، و في الجملتين في الخبر، فالمعنى: أمن هو قانت كمن جعل للّه أندادا ليضل عن سبيله.

و كما جاز حذف حرف النداء فيما تقدم جاز حذف المنادى، كما قال:

(يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ) (2) أي: يا قوم، ليتنا نرد. و مثله: (يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ) (3) ، و (يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (4) و ما أشبه ذلك.

و أما قوله تعالى: (أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ) (5) فقد قال المبرّد: إن التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى.

و الذي اختاره أبو علىّ: أن الجملة هاهنا كأنها المنادى في الحقيقة، و أن «يا» هاهنا أخلصت للتنبيه مجردا من النداء، كما أن «ها» من قوله:

(هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ جََادَلْتُمْ) (6) للتنبيه، من غير أن تكون للنداء.

و قال أبو علىّ: وجه دخول حرف التنبيه على «ألا» من أنّه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهى أو نحو ذلك، مما يخاطب به، و إذا كان كذلك فقد يجوز ألا يريد منادى في نحو قوله: (أَلاََّ يَسْجُدُوا) (7) كما يريد المنادى:

ـ

____________

(1) الزمر: 9.

(2) الأنعام: 27.

(3) الزخرف: 38.

(4) يس: 26.

(7-5) النمل: 25.

(6) النساء: 109.

651

يا لعنة اللّه و الأقوام كلهم # و الصالحين على سمعان من جار (1)

و كذلك ما حكى عن أبى عمرو من قوله: يا ويلا له. و يؤكد ذلك قوله:

«هلم» . و بناؤهم «ها» للتنبيه مع «لمّ» و جعلها مع الفعل كشئ واحد، و إجماع الناس على فتح آخر الكلمتين في اللغتين. و كما لا يجوز أن يراد هاهنا مأمور، لبناء الكلمتين على الفتح، و إن فكّت إحداهما من الأخرى، بل لا يسوغ إرادة المنادى لمكان بنائهما معا و جعلهما بمنزلة شي‏ء واحد، كذلك يجوز لك ألا تريد مأمورا في قوله: (أَلاََّ يَسْجُدُوا) (2) . و يجوز أن يراد تقدير مأمورين، فحذفوا كما حذف من قوله:

يا لعنة اللّه و الأقوام كلهم‏

و كما كان «يا هذا» لا يكون إلا لغير اللعنة، كذلك يجوز أن يكون المأمورون مرادين، و حذفوا من اللفظ.

قال أبو علىّ في قوله: (هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ) * (3) يحتمل ضربين:

يجوز أن يكون «ها» للتنبيه دخلت على «أنتم» ، و يكون التنبيه داخلا على الجملة كما دخل في قولهم «هلم» ، و كما دخلت «يا» للتنبيه في نحو (أَلاََّ يَسْجُدُوا) (4) .

و يجوز أن يكون «الهاء» فى «أنتم» بدلا من همزة الاستفهام، كما كان بدلا منها في قول ابن كثير، حيث قرأ (هأنتم) (5) على وزن «هعنتم» ، و تكون الألف التي تدخل بين الهمزتين لتفصل بينهما كما تدخل بين النونين

____________

(1) الشاهد فيه حذف المنادي لدلالة حرف النداء عليه؛ و المعنى: يا قوم، لعنة اللّه على سمعان. (الكتاب 1: 321) .

(4-2) النمل: 25.

(5-3) النساء: 109.

652

لتفصل بينهما فى «إحسانان» ، و جاز «ها أنتم» و لم يجزها قوم لشبه المضمر بالميم في الإبهام. و أما قوله: (قََالُوا سَمِعْنََا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقََالُ لَهُ إِبْرََاهِيمُ) (1) ، فيمكن أن يكون من هذا الباب، على تقدير: يا إبراهيم، فحذف، و يمكن أن يكون رفعا، أقيم مقام فاعل‏ (2) «يقال» .

و أما قوله: (وَ جَعَلْنََاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ أَلاََّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً/`ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنََا) (3) ، فقد قيل: التقدير: يا ذرية؛ و قيل: قوله «ذرية» مفعول ثان لـ «تتخذوا» ، و «وكيلا» الأول، فيمن قرأه بالتاء (4) .

و أما قوله: (قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ) (5) ، و (قُلِ اَللََّهُمَّ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (6) فالميم في آخر «اللهم» بدل من «يا» ، فيقال: يا اللّه، و اللهم. و انتصاب قوله: «مالك الملك» على نداء آخر، أي: يا مالك الملك، و: يا فاطر السموات، كقوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحََادِيثِ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ) (7) أي: يا فاطر السموات.

و أبو العباس يحمله على موضع المنادى، كقولهم: يا زيد أخا عمرو.

و سيبويه لا يرى ذلك، لأنه لمّا ضمت الميم إلى الكلمة صارت الأصوات التي لا توصف.

و مثله قراءة من قرأ: (طُوبى‏ََ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ) (8) بالنصب، أي:

يا حسن ماب، فحذف.

____________

(1) الأنبياء: 60.

(2) يريد: نائب فاعل.

(3) الإسراء: 2 و 3.

(4) و يقرأ «يتخذوا» بالياء، على: لئلا يتخذوا.

(5) آل عمران: 26.

(6) الزمر: 46.

(7) يوسف: 101.

(8) الرعد: 29.

653

الباب الثالث و الثلاثون‏

هذا ما جاء في التنزيل قد حذف منه المضاف إليه و ذلك يجئ أكثرها من كلمات تلت: «قبل» و «بعد» و «كل» .

فأما «قبل» و «بعد» إذا كانا مضافين فإنهما معربان؛ و إذا كانا مبنيين كان المضاف إليهما قد حذف منهما و نوى فيهما، فاستحقّا البناء، لأنهما صارا غايتين، على ما عرفت في كتب النحو.

و ذلك قوله تعالى: (وَ كََانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا) ، (1)

أي: كانوا من قبل مجيئه، أي: مجئ الكتاب، يعنى القرآن، أي:

يستفتحون على الذين كفروا، فحذف المضاف.

و كذلك قوله: (وَ جََاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كََانُوا يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ) (2)

أي: من قبل مجيئهم.

و قال: (لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ) (3) ، أي: من قبل كل شى‏ء و من بعد كل شى‏ء، و قرئ: (لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ) (4) و لم يبنيا و جعلا اسمين من غير تقدير المضاف إليه.

و من ذلك قوله: (وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ) (5) ، أي: و لكل أهل قبلة وجهة، فحذف المضاف.

____________

(1) البقرة: 89.

(2) هود: 78.

(4-3) الروم: 4.

(5) البقرة: 148.

654

و كذلك: (كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ) * (1) ، أي: كل من في السموات و الأرض.

و كذا: (وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ) (2) ، أي: و كلهم.

و كذا: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) * (3) أي: كل ذلك.

و كذا قوله: (إِنََّا كُلٌّ فِيهََا) (4) أي: كلنا، فحذف المضاف إليه.

فأما قوله «فيما» فلا يخلو قوله «فيها» أن يكون صفة أو حالا، فإن حملته على الحال لم يستقم، لأنه ليس في هذا الكلام ما يكون هذا حالا عنه، و إذا لم يستقم أن يكون حالا كان صفة، و إذا كان صفة كان «كل» نكرة، و إذا كان نكرة جاز دخول لام المعرفة عليه.

فإن قلت: فاجعله حالا و احمله على المعنى، لأن معناه «الجميع» ، و كأنه قال: نجتمع مستقرين‏ (5) ، فهذا لا يستقيم.

فإن قال قائل: هذا التأويل ليس بالقريب، لأن المعنى كأنه ليس عليه؛ لأنه ليس يريد: إنّا كلّ، و إنّا فيها، أي جمعنا الأمرين، و لكن المعنى على الصفة، و لا حجة في هذا أن «كل» نكرة، لأنه يجوز أن يجعل «كلا» مبتدأ ثانيا و «فيها» خبره، فيها التقدير: إنا كلنا فيها، إن الأمر كله للّه.

فإن قلت: و اجعل «فيها» و «كل» جميعا الخبر، لأن ذلك

____________

(1) البقرة: 116.

(2) النمل: 87.

(3) الأنبياء: 33.

(4) غافر: 48.

(5) بين قوله «مستقرين» و قوله «فهذا» جاءت هذه العبارة: «فإن ذلك لا يستقيم على هذا، لأنه يلزم على هذا، أنا آباؤك واصلين و بارين: لأن معنى الأب مناسب، و قد أخذ الأب من الفعل، أ لا ترى أن أحمد بن يحيى أنشد شعرا فيه:

فاطلب أبا نخلة من يأبوكا»

و الشعر لشريك بن حيان العنبري يهجو أبا نخلة. و يأبوك، أي يكون لك أب.