إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
655

كما قال سيبويه في قوله: و هذا بعلى شيخ، و مثل: حلو حامض. فإذا كان كذلك جاز أن يتعلق بالمضمر على حد: زيد في الدار، فإذا جاز ذلك لم يكن صفة، و إذا لم يكن صفة لم يكن هذا دليلا قاطعا على أن «كل» نكرة، و إذا لم يكن نكرة لم يجز دخول اللام عليه، فهذا يمكن أن يقال.

و يجوز أن يكون «كل» ابتداء، و «فيها» خبرا، و الجملة خبر «إن» ، كقوله:

(إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ) (1) ، و كقوله: (وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ) (2) فيمن رفع «المؤمنون» بالابتداء دون العطف على «الرسول» فى قوله: (آمَنَ اَلرَّسُولُ) (3) .

و هذه آية يتجاذبها، على ما وصف لك سيبويه، و أبو العباس، لأن سيبويه يجيز إدخال لام التعريف على «كل» ، و به قال الأخفش. و قال المبرد:

لا يجوز، و احتج المبرد بأن، «كلا» و «بعضا» لا يكونان أبدا منفردين، إنما يجيئان مضافين في الابتداء، نحو قولك: كل القوم جاءونى، و بعضهم قال كيت و كيت، و لا تقول «كل جاءونى» إلا أن يكون هذا مبنيا على كلام، كأنه قيل: ما جاءك القوم، فقلت: كل جاءونى، على تقدير: كلهم جاءونى.

و هذا الحكم فى «كل» و «بعض» قائم فيهما أبدا، مضافين أو في تقدير الإضافة، و إذا كان كذلك لم يجز إدخال الألف و اللام عليهما، لأن الألف و اللام و الإضافة لا يجتمعان، فثبت أنهما لا يدخلان عليهما، و نحن تقيس البعض و الكل على النصف.

و في التنزيل: (وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ) (4) . و قد ذكرنا هذه المسألة فى «الخلاف» مستقصى.

____________

(1) آل عمران: 154.

(3-2) البقرة: 285.

(4) النساء: 11.

656

و أما قوله تعالى: (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مَوََالِيَ) (1) ، فقيل: التقدير: و لكل مال جعلنا موالى. [أو: و لكل قوم جعلنا موالى‏] (2) . و الأول الوجه، لقوله: (مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ) (3) ، و هو صفة «كل» ، أي: و لكل مال مستقر مما تركه الوالدان، أي: متروك الوالدين. و الظرف وصف لـ «كل» .

و زعم أبو إسحاق أن «أيّا» فى قوله: (يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ) * (4) و (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا) * (5) و (يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ) * (6) و (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ هََادُوا) (7) :

أنّ «أيّا» حذف منها المضاف إليه و عوضت «ها» عما أضيفت إليه.

قال أبو إسحاق: و «ها» لازمة لـ «أي» عوض مما حذف منها من الإضافة و زيادة في التنبيه، و «أي» فى غير النداء لا يكون معها «ها» ، و يحذف معها الذّكر، نحو: اضرب أيهم أفضل، أي: أيهم هو أفضل.

و مذهب سيبويه خلاف ما قال، جعلوا «ها» فيها بمنزلة «يا» ، و أكّدوا بـ «ها» التنبيه، فمن ثم لم يجز لهم أن يسكتوا على «أي» ، و لزمه التفسير.

و قوله‏ (وَ مِنْ حَيْثُ) * (8) ، أي: من حيث ألزموها، فصارا كاستئناف نداء.

و قال في موضع آخر: و أما الألف و الهاء اللتان لحقتا «أي» توكيدا، فكأنك كررت «يا» مرتين، إذا قلت يا، و صار الاسم بينهما كما صار بين «ذا» و «ها» ، و إذا قلت: ها هو ذا، فقوله: «ذا» هذا إشارة إلى أن المقصود

____________

(3-1) النساء: 33.

(2) تكملة من الكشاف يقتضيها السياق.

(4) البقرة: 21... ثم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.

(5) البقرة: 104... ثم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.

(6) المائدة: 41 و 67.

(7) الجمعة: 6.

(8) البقرة: 149 و 150.

657

بالنداء في هذا الكلام هو: الرجل، كما أن المقصود بالإشارة في قولهم:

ها هو ذا: الاسم المبهم دون المضمر، و المضمر قد اعترض بين حرف الإشارة و المشار إليه، كما أن المقصود في النداء في المعنى من قولهم:

يا أيها الرجل: هو الرجل، و إن كان النداء واقعا في اللفظ على/ «أي» ، و صار هذا دلالة على هذا المعنى، و لا يلزم أن يعوض «أي» منها، فحذف الإضافة فيها، لأنها تدل على الإضافة، و إن حذف منها لأنها لا تكون إلا بعضا لكل، فهى دالة على الإضافة، و كما لم يعوض كذلك، و لا يلزم تعويض «أي» بل لو عوض «بعض» و «كل» لكان «أي» جديرا ألاّ يعوض هنا منه، لأمرين:

أحدهما-أن النداء موضع حذف و تخفيف، ألا ترى أن فيه نحو الترخيم، و حذف الياءات، و يأفل، و ما أشبه ذلك.

و الآخر-أن الإضافة قد حذفت مما هو أمكن منه و لم تعوّض، لدلالة المضاف على الإضافة، فإذا لم يعوض ما هو أمكن منه في الموضع الذي هو أولى بالعوض، كذلك العوض، هذا في الموضع الذي لا تليق به الزيادات للعوض.

و أيضا فإن «أيّا» قد حذفت صلتها في غير الندا و لم تعوّض من صلتها شى‏ء، مع أن الدلالة على الحذف من الصلة أنقص من الدلالة على حذف المضاف إليه منه، لأنّها يعلم منها أن معناها الإضافة كيف كانت موصولة، كالعلم بأنها أبدا مقتضية للإضافة.

فإذا لم تعوض من حذف صلتها شى‏ء كان ألا تعوّض من حذف إضافتها في النداء.

658

و إن قال قائل: فـ «إذ» ليس بتمكن، و قد عوض إضافتها لمّا حذفت منها «يومئذ» و «حينئذ» و قوله: (وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) (1) ، و (مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) (2) و (عَذََابِ يَوْمِئِذٍ) (3) ، فما تنكر أن تعوض «أي» فى النداء.

إذا حذف المضاف إليه، فإن لم يعوض من «بعض» و «كل» .

قيل له: «أي» أشبه بـ «بعض «و كل» فى اللفظ، و المعنى بحمله عليهما أولى من حملها على «إذ» على أنه لا يلزم إذا عوض «إذ» أن يعوض «أي» ، لما ذكرنا من دلالتها على المضاف إليه بمعناها و لفظها، و لأنها في موضع حذف، و ليست «إذ» كذلك، ألا تراها أنها لا تدل على إضافة كما تدل «أي» عليه، و إنما تدل على وقت ماض، و لا تتمكن تمكن «أي» لأنها تتصرف في وجوه الإعراب، و «إذ» إنما تمكنت في موضعين هذا أحدهما، و كأنه كره أن يسلب ذلك و لا يعوض منه، و «أي» أمكن منها و أشد تصرفا، فلم يلزم العوض منها من حيث لزم/فى «إذ» ، و لأنهم قالوا:

اضرب أي أفضل، فحذفوا الصلة منه و الإضافة و لم يعوضوا مع حذف شيئين، فلأن لا يعوض في النداء أولى، و قد استقصينا هذا فى «الخلاف» .

____________

(1) هود: 66.

(2) النمل: 89.

(3) المعارج: 11.

659

الباب الرابع و الثلاثون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من حروف الشرط دخلت عليه اللام الموطئة للقسم فمن ذلك قوله تعالى: (وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ) * (1) ، (وَ لَئِنْ أَتَيْتَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ بِكُلِّ آيَةٍ مََا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) (2) ، (وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) . (3)

و قوله: (وَ لَئِنْ أَذَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنََاهََا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) (4) .

و قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (5) .

و قوله: (وَ لَئِنْ شِئْنََا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ) (6) .

و قوله: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لاََ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاََ يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ) (7) .

و قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) (8) .

و هذا و نحوه من الآي دخلت اللام على حرف الشرط فيه مؤذنة بأن ما بعدها جواب قسم مضمر، على تقدير: و اللّه لئن اتبعت أهواءهم؛ يدل على صحة هذا، و أن الجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، ثبات النون في قوله:

«لا يأتون بمثله» . و قوله: «لا يخرجون معهم» ، و لو كان جواب الشرط لم يقل:

____________

(1) البقرة: 120.

(2) البقرة: 145.

(3) الأنعام: 121.

(4) هود: 9.

(5) الإسراء: 88.

(6) الإسراء: 86.

(7) الحشر: 12.

(8) الأعراف: 18.

660

«لنذهبنّ» ، و لا «ليولن» و لا «إنه ليئوس» ، و لا «إنكم لمشركون» ، و لا «ما تبعوا قبلتك» . و الجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، فلا يجوز: و اللّه لئن تأتنى آتك، و إنما يقال: و اللّه لئن تأتنى لأتينك.

و أصل هذا الكلام أن تقول: و اللّه لآتينك، ثم بدا له عن الحلف بالبتات فقال: و اللّه إن تأتنى، فإذا أضمروا القسم دخلت اللام على «إن» تؤذن بالقسم المضمر الذي ما بعده جوابه، فهذا مساغ هذا الكلام. فقول من قال: إن الفاء في قوله: (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (1) مضمرة، ذهاب عن الصواب، و كذا (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ) (2) ، ليست الفاء هناك مضمرة بتة.

و أما قوله تعالى: (وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ) (3) ففيه وجهان:

أوجههما-أن يكون «من» بمعنى «الذي» ، و «اشتراه» صلته، و يكون قوله: «ما له في الآخرة» خبر المبتدأ.

/و يجوز أن يكون «من» شرطا، و «اشتراه» جزم بـ «من» ، و يكون «ماله» جواب القسم المضمر، على تقدير: و اللّه ماله.

و إنما قلنا: إن الأول أوجه، لأنهم قد أجروا «علموا» فى كلامهم مجرى القسم، فتكون «اللام» الّتي فى «لقد» جواب القسم، و يكون «لمن اشتراه» جواب «لقد علموا» ، فيكون هذا قسما داخلا على قسم؛ فلا يجوز، و لا يلزم هذا في الوجه الأول.

فأما قوله: (وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ وَ حِكْمَةٍ) (4) ، إن جعلت «ما» بمعنى «الذي» كانت مبتدأة، و «آتيتكم» صلته،

____________

(1) الأنعام: 121.

(2) هود: 9.

(3) البقرة: 102.

(4) آل عمران: 81.

661

و التقدير: آتيتكموه، و يكون قوله: (ثُمَّ جََاءَكُمْ) (1) معطوفا على الصلة، و التقدير: ثم جاءكم به، إلى قوله: (لِمََا مَعَكُمْ) (2) ، و يكون قوله‏ (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) (3) خبر المبتدأ.

و من رأى أن الظاهر يقوم مقام المضمر كان قوله: «لما معكم» يغنى عن إضمار «به» .

و من قال: إن «ما» شرط، كانت اللام بمنزلتها فى «لئن» ، و يكون «آتيتكم» مجزوما بـ «ما» ، و «ما» منصوبة به، و يكون قوله «ليؤمنن» جواب القسم الذي ذكرناه.

و الوجهان اللذان ذكرناهما في قوله «لمن اشتراه» جائزان في قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) (4) .

و قد جاءت لام «لئن» محذوفة في التنزيل:

قال اللّه تعالى: (وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) ، (5)

و التقدير: و لئن لم ينتهوا، كما ظهرت في قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنََافِقُونَ) (6) إلى قوله: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) (7) .

و مثل قوله: (إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ) (8) قوله: (كَلاََّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ) (9) .

قال أبو على: و يدل أيضا على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني دون الأول في نحو قوله: (وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (10) و (وَ لَئِنْ أَتَيْتَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ بِكُلِّ آيَةٍ مََا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) (11) ، و ما أشبه ذلك، أنه لا يخلو من أن يكون اعتماد القسم على الفعل الثاني، أو على الفعل الأول،

____________

(3-2-1) آل عمران: 81.

(4) الأعراف: 18.

(8-5) المائدة: 73.

(7-6) الأحزاب: 60.

(9) العلق: 15.

(10) الروم: 58.

(11) البقرة: 145.

662

و الدليل على أنه الثاني دون الأول حذفهم اللام الأول في نحو هذا، ألا ترى أنه لو كان اعتماد القسم عليها دون الثانية لما حذفت، كما لم تحذف الثانية فى موضع.

فمما جاءت فيه هذه اللام الأولى محذوفة في التنزيل قوله: (وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا/عَمََّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ) (1) ، (وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ) (2) .

و في موضع آخر: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنََافِقُونَ) (3) ثم قال: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) (4)

فيدلك حذفهم لها على الاعتماد على الثانية لا عليها.

فإن قلت: ما ننكر أن يكون اعتماد القسم في نحو ذا على اللام الأولى دون الثانية، لأن اللام حذفت كما حذفت من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا) ، (5) و لا يكون في حذفهم اللام من غير هذا دلالة على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني.

قيل: هذا لا يجوز؛ لأن اللام فى «لقد» إنما استحسن حذفها لطول الكلام بما اعترض بين القسم و المقسم عليه و لم يطل في هذا الموضوع كلام فيستجاز حذفها كما استحسن حذفها هناك، فإن هذه اللام بمنزلة «إن» فى قولك: و اللّه إن لو فعل لفعلت، تثبتها تارة و تحذفها أخرى، و اللام الثانية هى المعتمدة، و الأولى زيادة كان سقوطها لا يخل بالكلام، و اختص به القسم، كقولهم: آثرا ما، و ربما، و ما أشبه ذلك.

و أما قوله: (وَ لَئِنْ أَرْسَلْنََا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) (6) ، و التقدير: ليظلن، فوضع الماضي موضع المستقبل.

____________

(1) المائدة: 73.

(2) الأعراف: 23.

(4-3) الأحزاب: 60.

(5) الشمس: 9.

(6) الروم: 51.

663

و لأن جميع ما جاء في التنزيل على هذا الوجه فيما تقدم من الآي، من قوله‏ (1) : (وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (2) ، و قوله: (لَئِنْ آتََانََا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) (3) ، و قوله: (وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مََا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصََّاغِرِينَ) (4) ، و قوله: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) (5) ، و قال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ) (6) .

ـ

____________

(1) يريد بقوله: «فيما تقدم» هذه الآية وحدها.

(2) الروم: 58.

(3) التوبة: 75.

(4) يوسف: 32.

(5) مريم: 46.

(6) يس: 18.

664

الباب الخامس و الثلاثون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من التجريد و هو باب شريف لطيف يعزّ وجوده في كتبهم، و ذلك نحو قولهم:

لئن لقيت فلانا لتلقيّن منه الأسد، و لئن سألته لتسألن منه البحر؛ فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدا أو بحرا، و هو عينه هو الأسد و البحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه و ممتازا منه، و على هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه حتى كأنها تقابله أو تخاطبه، و قد يكون ذلك بحرف «الباء» /و «من» و حرف «فى» فمن ذلك، قوله تعالى: (مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ) (1) ، أي:

مالك اللّه وليّا؛ و كذا: (مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ وََاقٍ) (2) .

و قال: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ) (3) ، أي: كونوا أمة.

و قال: (وَ اِجْعَلْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (4) أي: كن لنا وليّا.

(وَ اِجْعَلْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (5) ، أي: كن لنا نصيرا.

و قال: (هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ) (6) ، أي: لكم هو شراب.

و قال اللّه تعالى: (ذََلِكَ جَزََاءُ أَعْدََاءِ اَللََّهِ اَلنََّارُ لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ) (7) . أي:

لهم هي دار الخلد.

____________

(1) البقرة: 120.

(2) الرعد: 37.

(3) آل عمران: 104.

(4) النساء: 75.

(5) النساء: 75.

(6) النحل: 10.

(7) فصلت: 28.

665

و مسألة «الكتاب» جاء بالباب: أما أبوك فلك به أب، أي لك منه أو به، أي: بمكانه؛ أي: بمكانه أب.

و قال عزّ من قائل: (وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذََابُ جَهَنَّمَ) (1) أي: بعذاب ربهم عذاب جهنم.

و يجوز أن يتعلق الباء بنفس «كفروا» ، فيكون على الأول الظرف معمول الظرف، و على الثاني يكون الظرف معمول الظاهر.

و أما قوله تعالى: (وَ لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََا مِنْكُمْ مَلاََئِكَةً فِي اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) (2) .

فقد قال أبو على: جعلنا بدلكم ملائكة؛ لأن الإنس لا يكون منهم ملائكة، و قال:

كسوناها من الرّيط اليماني # ملاء في بنائقها فصول‏ (3)

و إن جعلت «من» كالتى في قوله: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ) (4)

و:

يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر

كان التقدير: و لو نشاء لجعلنا منكم مثل ملائكة، أي: فلا تعصون كما لا يعصون، فأجبرناكم على الطاعة.

و قال أبو على: لك به أب، أي: بمكانه، فقولك «بمكانه» فى موضع ظرف. و العامل فيه «لك» . و كذلك: (لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ) (5) «فيها» ظرف، و العامل فيه «لهم» . و يجوز على قول الشاعر: (6)

أفادت بنو مروان قيسا دماءنا # و في اللّه إن لم يعدلوا حكم عدل‏

____________

(1) الملك: 6.

(2) الزخرف: 60.

(3) البنائق: جمع بنيقة و هي طوق الثوب.

(4) آل عمران: 104.

(5) فصلت: 28.

(6) عجز بيت لأعشى باهلة، و صدره:

أخو رغائب يعطيها و يسألها

(اللسان: زفر) .

666

أن يكون من قوله: (لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ) (1) مستقرّا، و «لهم» لغوا.

ألا ترى أن قوله:

و في اللّه إن لم يعدلوا حكم عدل‏

لا يكون إلا مستقرّا، فإذا صح هذا هاهنا وجب جواز كونه مستقرّا فى الآية أيضا، و كما تجعل هذا بمنزلة الظرف/كذلك تجعل الجار و المجرور فى موضع المفعول من قوله:

بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب بأشعث لا يفلى و لا هو يقمل و «مصعب» نفسه هو. الأشعث. و قالوا: فى هذا الدرهم خلف من هذا الدرهم، أي: هذا الدرهم خلف. و كذلك: (لَهُمْ فِيهََا دََارُ اَلْخُلْدِ) (2) أي:

لهم النار دار الخلد، و قال:

أخو رغائب يعطيها و يسألها # يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر (3)

فـ «أخو رغائب» هو «النوفل الزفر» ، فقال: منه النوفل، و هو هو.

قال عثمان في قوله:

و في اللّه إن لم يعدلوا حكم عدل‏

فى هذا غاية البيان و الكشف، ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن اللّه تعالى ظرف لشئ و لا متضمن له، فهو إذا على حذف المضاف، أي عدل اللّه عدل حكم. و مثله: (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) (4) أي: أسأل اللّه خبيرا.

____________

(2-1) فصلت: 28.

(3) انظر الحاشية (6 ص 665) .

(4) الفرقان: 59.

667

الباب السادس و الثلاثون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الحروف الزائدة في تقدير و هي غير زائدة في تقدير آخر فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مََا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا) (1) ، إن شئت كان التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، فتكون الباء زائدة. و إن شئت كان التقدير: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم. و الوجه الأول أحسن.

و مثله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ) (2) ، إن شئت كان التقدير: ألم تر إلى الذي حاجّ، و إلى الذي مرّ، و تكون الكاف زائدة. و قد تقدم فيه وجه آخر.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ) (3) .

إن شئت كانت الباء زائدة، أي: لا تلقوا أيديكم، و عبّر بالأيدى عن الذوات. و إن شئت كان التقدير: و لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، «و ألقى» فعل متعد، بدليل قوله: (وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) * (4) .

قال أبو على: الباء الجارة للأسماء تجئ على ضربين:

أحدهما-أن تكون زائدة.

و الآخر-أن تكون غير زائدة.

و الزائدة-تلحق‏[شيئين‏]:

حدهما-جزء من الجملة.

و الآخر-فضلة عن الجملة، أو ما هو مشبه بها فأما الجزء من الجملة فثلاثة أشياء: مبتدأ، و خبر مبتدأ/، و فاعل مبنى على فعله الأول، أو على مفعول بنى على فعله الأول.

____________

(1) البقرة: 137.

(2) البقرة: 259.

(3) البقرة: 195.

(4) النحل: 15.

668

من ذلك، و هو دخولها على المبتدأ زائدة: ففى موضع واحد في الإيجاب، و هو قولهم: بحسبك أن تفعل الخير، و معناه: حسبك فعل الخير، فالجار مع المجرور في موضع رفع بالابتداء، و لا نعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر فى الإيجاب غير هذا الحرف.

فأما غير الإيجاب فقد دخل الجار غير الباء عليه، و ذلك نحو قوله: هل من رجل في الدار؟و قال: هل لك من حاجة، و قال: (هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ) (1) .

فأما قوله: (فَهَلْ لَنََا مِنْ شُفَعََاءَ فَيَشْفَعُوا) (2) فمن رفع ما بعد الظرف بالابتداء كان قوله: (هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ) (3) كذلك، و من رفعه بالظرف كان في موضع الرفع بالفعل كما يرتفع بالظرف، كقوله: (أَنْ تَقُولُوا مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاََ نَذِيرٍ) (4) ، و قوله: (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (5) .

أما الثاني: دخولها على خبر المبتدأ في موضع، فى قول أبى الحسن الأخفش، و هو قوله: (جَزََاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهََا) (6) ، زعم أن المعنى: جزاء سيئة مثلها، و كأنه استدل على ذلك بالآية الأخرى. و هو قوله: (وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا) (7) .

و مما يدلك على جواز ذلك أن ما يدخل على المبتدأ قد تدخل على خبره لام الابتداء التي دخلت على خبر المبتدأ، فى قول بعضهم: إن زيدا وجهه لحسن. و قد جاء في الشعر:

أمّ الحليس لعجوز شهربه‏ (8)

____________

(3-1) فاطر: 3.

(2) الأعراف: 53.

(4) المائدة: 19.

(5) البقرة: 105.

(6) يونس: 27.

(7) الشورى: 40.

(8) شهربه: كبيرة. و بعده:

ترضى من الشاه بعظم الرقبة

669

و الذي أجازه أبو الحسن أقوى من هذا في القياس، و ذلك أن خبر المبتدأ يشبه الفاعل من حيث لم يكن مستقلا بالمبتدأ، كما كان الفعل مستقلا بالفاعل، و قد دخلت على الفاعل فيما تدخله بعد، فكذلك يجوز دخولها على الخبر.

و قد تحتمل الآية وجهين غير ما ذكر أبو الحسن:

أحدهما-أن تكون الباء مع ما قبلها في موضع الخبر، و تكون متعلقة بمحذوف، كما يقال: ثوب بدرهم، و لا يمتنع هذا من حيث قبح الابتداء بالنكرة، لمعنى العموم فيه و حصول الفائدة به.

و الآخر-أن تكون الباء من صلة المصدر و تضمر الخبر/لأنك تقول:

جزيتك بكذا، فيكون التقدير: جزاء سيئة بمثلها واقع، أو كائن.

الثالث: دخولها على الفاعل المبنىّ على فعله، و ذلك في موضعين:

أحدهما-قوله: «و كفى باللّه» .

و الآخر قولهم في التعجب: أكرم به.

فالدلالة على زيادتها أن قولهم: «كفى باللّه» «و كفى اللّه» واحد، و أن الفعل لم يسند إلى فاعل غير المجرور. و في التنزيل: (وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً) * (1) ، (وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ حَسِيباً) * (2) ، (وَ كَفى‏ََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) (3) ، و التقدير في كل هذا:

كفاك اللّه شهيدا، و كفاك اللّه حسيبا، و كفت جهنم سعيرا؛ و كذلك: (وَ كَفى‏ََ بِنََا حََاسِبِينَ) (4) ، أي: كفيناك حاسبين. قال الشاعر:

كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا (5)

____________

(1) النساء: 79 و 166

(2) النساء: 6، الأحزاب: 39.

(3) النساء: 55.

(4) الأنبياء: 47.

(5) عجز بيت لسحيم، صدره‏

عميرة ودع إن تجهزت غاديا

و الشاهد فيه ورود فاعل «كفى» مجردا عن الباء.

670

و تقول: مررت برجل كفاك به، و برجلين كفاك بهما، و برجال كفاك بهم، فتفرد الفعل لأن الفاعلين بعد الباء، و إن لم تلحق الباء قلت:

مررت برجل كفاك من رجل، و برجلين كفياك من رجلين، و رجال كفوك من رجال.

و أما الدلالة على زيادتها في قولهم: أكرم به، و قوله: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ) (1) ، فهى أن الفعل لا يخلو من أن يكون للمخاطب أو الغائب، فلو كان للمخاطب لثنّى فيه الفاعل تثنيته للمخاطب و جمع بجمعه و أنث لتأنيثه، فلما أفرد في جميع الأحوال و لم يعتبر به الخطاب علم أنه ليس للمخاطب، و إذا لم يكن له ثبت أنه للغائب.

و يدل على ذلك أيضا أن المعنى إنما هو على الإخبار عن المخاطب، ألا ترى أن قولهم: أكرم به، يراد به أنه قد كرم، و إنما دخلت الهمزة على حدّ ما دخلت في قولهم: أجرب الرجل، و أقطف، و أعرب، و ألأم، و أعسر، و أيسر، إذا صار صاحب هذه الأشياء، و كذلك «أكرم» معناه: صار ذا كرم، و (أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ) (2) صاروا ذوى بصر و سمع، خلاف من قال تعالى فيه: (وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ) (3) .

فإن قلت: كيف جاء على لفظ الأمر؟قيل: كما جاء (قُلْ مَنْ كََانَ فِي اَلضَّلاََلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمََنُ مَدًّا) (4) ، و المعنى: فمدّ له الرحمن مدا.

و الموضوع الآخر من الموضعين الذي لحقت الباء/بهما زائدة، و هو أن يكون فضلة عن الجملة، أو مشبها بها، فالمشبّه كقوله:

____________

(2-1) مريم: 38.

(3) الإسراء: 72.

(4) مريم: 75.

671

(أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (1) (2) (وَ مََا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) (3) (وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (4) ، و قوله.

(لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ) (5) فالباء الأولى متعلّقة باسم الفاعل.

و الثانية التي تصحب «ليس» قال: (وَ مََا هُمْ مِنْهََا بِمُخْرَجِينَ) (6) .

و الآخر زيادتها في المفعول، كقوله: (وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) (7) .

فأما قوله تعالى: (وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ) (8) ، فقد قيل: الباء زيادة.

و قد قيل: التقدير: بهزّ جذع النّخلة.

و من ذلك قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) (9) ، أي: تنبت الثمرة بالدهن، فحذف المفعول، فيكون «الباء» حالا.

و قيل: التقدير: تنبت الدهن، و الباء زائدة.

و أما قوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ اَلْمَفْتُونُ) (10) ، فقد قيل: الباء زائدة، و التقدير:

أيكم المفتون.

و قد قيل: «المفتون» بمعنى: الفتنة، أي: بأيكم الفتنة، كما يقال:

ليس له معقول، أي: عقل.

فأما قوله تعالى: (جَزََاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهََا) (11) ، أي: جزاء سيئة مثلها، لقوله فى الأخرى: (وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا) (12) .

____________

(1) فيما سيأتي من الكلام اضطراب. فهذه الأمثلة مع «ليس» و «ما» من زيادة الباء في الخبر، و مكانها فيما سبق. و الذي عناه المؤلف بدخولها على الفضلة، فهو يعني المفعول، و قد أورد شاهده. غير أنه لم يورد شاهد المشبه بها، و هو يعني الحال و التوكيد. ثم إنّ المؤلف عاد فكرر شيئا قاله قبل.

(2) الأعراف: 172.

(3) البقرة: 96.

(4) البقرة: 8.

(5) الأنعام: 89.

(6) الحجر: 48.

(7) البقرة: 196.

(8) مريم: 25.

(9) المؤمنون: 20.

(10) القلم: 6.

(11) يونس: 27.

(12) الشورى: 40.

672

و أما قوله تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا) * (1) فالباء زائدة. و قيل: بل هي بمعنى «من» . و قيل: بل هي محمول على المعنى، أي: يروى بها و ينتفع. و قيل:

شربت بالعين، حقيقة، و: من العين، و العين، مجازا، لأن العين اسم للموضع الذي ينبع منه الماء، فهو كقولك: شربت بمكان كذا، و لهذا يقال: ماء العين، و ماء السّلسبيل، ثم توسع و اجتزئ باسم العين عن الماء، لمّا كان لا يسمى المكان عينا إلا ينبوع الماء منه.

فأما قوله: «عينا» فالتقدير: ماء عين، أي: يشربون من كأس موصوفة بهذا ماء عين.

و قيل: بل «عين» بدل من «كافور» ، لأن «كافور» اسم عين في الجنة.

و قيل: هو نصب على المدح.

و من زيادة الباء قوله: (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ) (2) ، و التقدير: أ لم يعلم أن اللّه يرى، لقوله: (وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ) (3) .

و من ذلك قوله: (وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ) (4) ، و قال: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) (5) ، و مثله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (6) . أي: اقرأ اسم ربك، لقوله: (فَإِذََا قَرَأْنََاهُ) (7) .

____________

(1) الإنسان: 6.

(2) العلق: 14.

(3) النور: 25.

(4) الحج: 25.

(5) الممتحنة: 1.

(6) العلق: 1.

(7) القيامة: 18.

673

و من ذلك قوله تعالى: (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقََادِرٍ) (1) ، فالباء فى «بقادر» ، زائدة، لأنه خبر «أن» ، و جاءت زيادتها للحاق النفي أول الكلام.

و أما قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) (2) فالكاف زائدة، و التقدير: ليس مثله شى‏ء، لأن حمله على الظاهر يوجب إثبات المثل.

و قيل: الباء بمعنى الصفة، أي: ليس كصاحب صفته شى‏ء، و صاحب صفته هو هو.

و قيل: بل «المثل» زيادة.

و قد تزاد «من» فى النفي بلا خلاف، نحو قوله: (مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ) * (3) أي: ما لكم إله، و كقوله: (هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ) ، و قوله:

(وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ) * (4) ، (وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاََّ إِلََهٌ وََاحِدٌ) (5) .

فأما زيادتها في الواجب فلا يجوز عند سيبويه، و هو جائز عند الأخفش، و قد تقدم ذلك فيما مضى، كقوله تعالى: (وَ كُلُوا مِمََّا رَزَقَكُمُ اَللََّهُ حَلاََلاً طَيِّباً) (6) .

و: (فَكُلُوا مِمََّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) (7) . و قد تقدّم ذلك.

____________

(1) الأحقاف: 33.

(2) الشورى: 11.

(3) الأعراف: 59، 65، 73، 185، و هود: 50، 61، 84.

(4) آل عمران: 62.

(5) المائدة: 73.

(6) المائدة: 88.

(7) المائدة: 4.

674

و قد تزاد الفاء، كقوله: (لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ) (1) إلى قوله: (فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفََازَةٍ مِنَ اَلْعَذََابِ) ، فـ «الفاء» زائدة.

و قد تزاد اللام أيضا، كقوله: (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (2) ، و قوله:

(إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيََا تَعْبُرُونَ) (3) ، و قوله: (رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) (4) .

و قوله: (وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ) (5) ، و قد تقدم.

و قد تزاد الواو، قال الفراء: فى قوله تعالى: (حَتََّى إِذََا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ) (6) ، جوابه قوله: (وَ اِقْتَرَبَ اَلْوَعْدُ اَلْحَقُّ) (7) ، الواو مقحمة.

و قال: (فَلَمََّا أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (8) ، الواو زائدة. أي: تله.

و قال: (إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ‏`وَ أَذِنَتْ لِرَبِّهََا وَ حُقَّتْ) (9) ، «الواو» مقحمة.

و عندنا أن أجوبة هذه الأشياء مضمرة، و قد تقدم.

____________

(1) آل عمران: 188.

(2) الأعراف: 154.

(3) يوسف: 43.

(4) النمل: 72.

(5) الحج: 26.

(6) الأنبياء: 96.

(7) الأنبياء: 97.

(8) الصافات: 103.

(9) الانشقاق: 1.

675

الباب السابع و الثلاثون‏

هذا باب ما حاء في التنزيل من التقديم و التأخير، و غير ذلك فمن ذلك قوله تعالى: (كَمََا أَرْسَلْنََا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) (1) ، قيل: الكاف تتعلق بقوله: (وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (2) .

و قيل: بل هو متعلق بقوله: (فَاذْكُرُونِي) (3) ، أي: اذكروني كما أرسلنا فيكم.

و مثله قوله: (وَ لاََ يَأْبَ كََاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمََا عَلَّمَهُ اَللََّهُ فَلْيَكْتُبْ) (4) .

قال أبو على: «كما» متعلق بـ «فليكتب» ، بمنزلة: بزيد فامرر، و لا تحمل على: «أن يكتب كما علّمه اللّه» .

فأما قوله: (وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خََاشِعِينَ لِلََّهِ لاََ يَشْتَرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (5) .

يجوز أن يكون الوقف على «خاشعين» و «اللام» من صلة «يشترون» ، أي: لأجل اللّه لا يشترون. و يجوز أن يكون «و ما أنزل إليهم» تماما، و يكون التقدير: لا يشترون بآيات اللّه خاشعين للّه، فيكون حالا مقدّما.

و مثله في التقديم قوله: (يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ) (6) .

____________

(1) البقرة: 151.

(2) البقرة: 150.

(3) البقرة: 152.

(4) البقرة: 282.

(5) آل عمران: 199.

(6) الأنبياء: 20.

676

قال أحمد بن موسى: (وَ اَلنَّهََارَ لاََ يَفْتُرُونَ) (1) ، أي: لا يفترون النهار، فهو في نية التقديم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (2) ، أي: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد إلا لمن تبع دينكم، فـ «أن يؤتى» مفعول «لا تؤمنوا» .

و قدم المستثنى فدلّ على جواز: ما قدم إلا زيدا أحد.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ) (3) ، و قال: (لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا) (4) ، فالمفعول مقدّم على الفاعل، و وجب تقديمه هاهنا، لأن تأخيره يوجب إضمارا قبل الذكر.

و من ذلك: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ) (5) أي: أوجس موسى فى نفسه، فقدم الكناية على المكنى عليه، كما كان في نية التأخير، فدل على جواز: ضرب غلامه زيد.

و من ذلك قوله: (لِيَغْفِرَ لَنََا خَطََايََانََا وَ مََا أَكْرَهْتَنََا عَلَيْهِ مِنَ اَلسِّحْرِ) (6) .

التقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر و لم يكرهنا عليه، فيمن قال: إن «ما» نافية.

و من ذلك قوله تعالى: (خُشَّعاً أَبْصََارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ) (7) هذا كقولهم: راكبا جاء زيد، و التقدير: يخرجون من الأجداث خشعا أبصارهم.

____________

(1) الأنبياء: 20.

(2) آل عمران: 73.

(3) البقرة: 124.

(4) الأنعام: 158.

(5) طه: 67.

(6) طه: 73.

(7) القمر: 7.

677

و من ذلك قوله في البقرة: (وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ) (1) ، أي: يقيمون الصلاة و ينفقون مما رزقناهم؛ ففصل بين الواو و الفعل بالظرف.

و مثله: (فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ) (2) ، فيمن فتح الباء، أي: بشرناها بإسحاق و يعقوب من وراء إسحاق، ففصل بين الواو و الاسم بالظرف.

و قد تقدم هذا في غير موضع. و حمله قوم على إضمار فعل، و آخرون على إضمار الجار و المجرور.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ) (3) ، أي: كتاب موسى من قبله، ففصل بين الواو و بين ما عطف به عليه على «شاهد» بالظرف.

نظيره/فى الأحقاف: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ) (4) إلى قوله: (وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ) .

«كتاب» معطوف على قوله «شاهد» ، أي: و شهد شاهد و كتاب موسى من قبله.

و كذلك قوله: (رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً) (5) ، أي: و أمة مسلمة لك من ذريتنا.

و مثله: (خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (6) ، أي: و مثلهن من الأرض.

____________

(1) البقرة: 3.

(2) هود: 71.

(3) هود: 17.

(4) الأحقاف: 10.

(5) البقرة: 128.

(6) الطلاق: 12.

678

و الذي نص عليه فى «الكتاب» أن الفصل بين الواو و المعطوف بالظرف و غيره، إنما يقبح إذا كان المعطوف مجرورا، و لم يذكر في المنصوب و المرفوع شيئا.

و قال أبو على: قياس المرفوع و المنصوب كقياس المجرور، قال: لأن الواو نابت عن العامل و ليس بعامل في الحقيقة، فلا تتصرف فيه كما لا تصرف في معمول عشرين، لما كان فرعا على باب «ضاربين» .

و حمل هذه الآي على إضمار فعل آخر فقال: التقدير في قوله‏ (وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (1) أي: و خلق من الأرض مثلهن.

و قال في قوله: (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (2) التقدير: و اجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك. و لعله يحمل «كتاب موسى» فى الآيتين على الابتداء، و الظرف على الخلاف، و لا يحمله على المرفوع الظاهر، و قال: لو قلت: هذا ضارب زيد أمس و غدا عمرو، امتنع الجر و النصب فى «عمرو» .

و الذي نص عليه سيبويه في باب القسم عند قوله: و اللّه لا قومن ثم اللّه لأقتلن. فقال: هو ردئ خبيث على تقديم: اللّه لأقتلن.

قال أبو على: و إنما جاء الفصل بين الواو و المنصوب و المرفوع في الشعر دون سعة الكلام.

و قال قوم في قوله: (وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (3) فيمن نصب. إنه حال، على تقدير. و هو من الأرض مثلهن، أي: الخلق من الأرض، أي: كان ـ

____________

(3-1) الطلاق: 12.

(2) البقرة: 128.

679

من الأرض مثلهن، فجعل الجار الخبر و أضمر المبتدأ، و فيمن رفع «مثلهن» أظهر، على تقدير: و هو مثلهن من الأرض. و قد نبهتك على الأبيات فى «البيان» .

و من ذلك قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ/قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ) (1) ، التقدير عند الفراء: يستفتونك في الكلالة قل اللّه يفتيكم، فأخّر.

و مثله قال: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) (2) ، و التقدير عنده: آتوني قطرا أفرغه عليه، فأخّر.

و قال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) (3) ، أي: خذ إليك، عند الفراء.

و مثله: (لِكَيْ لاََ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) (4) فى الموضعين، أي: لكى لا يعلم شيئا من بعد علم علما، أي من بعد علمه، فأخّر عند الفراء.

فأما قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوََاجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدََاءُ إِلاََّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهََادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهََادََاتٍ بِاللََّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصََّادِقِينَ) (5) ، فقوله «باللّه» يجوز أن يكون من صلة «الشهادة» ، و من صلة «الشهادات» ، إذا نصب «الأربع» .

و قياس من أعمل الثاني أن يكون قوله: «باللّه» من صلة «شهادات» ، و حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول «باللّه» من صلة «شهادات» ، و حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت و ضربنى، و من رفع فقال:

فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه، فإن الجار و المجرور من صلة «شهادات» ،

____________

(1) النساء: 176.

(2) الكهف: 96.

(3) البقرة: 260.

(4) النحل: 70-الحج: 5.

(5) النور: 6.

680

و لا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» ، لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة و الموصول، أ لا ترى أن الخبر الذي هو «أربع شهادات باللّه» يجوز أن يكون من صلة «شهادة أحدهم» فتكون الجملة التي هى «إنه لمن الكاذبين» فى موضع نصب، لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها «إن» كما يتعلق بالعلم، و الجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و «أربع شهادات» ينتصب انتصاب المصادر. و من رفع «أربع شهادات» لم يكن قوله «لمن الكاذبين» إلا من صلة «شهادات» دون «شهادة» ، كما كان قوله «باللّه» من صلة «شهادة» ففصلت بين الصلة و الموصول.

و من ذلك قوله: (وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمََا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللََّهُ أَحَداً) (1) ، و التقدير: و أنهم ظنّوا أن لن يبعث اللّه أحدا كما ظننتم.

و قال اللّه تعالى: (وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً) (2) ، أي: هزى إليك رطبا تساقط عليك.

فهذه الآي محمول على الفعل الثاني عندنا، و ما يقتضيه الأول مضمر، و هم يحملون الأول دون الثاني. و يضمرون/الثاني و يفصلون بالثاني بين الأول و مقتضاه:

و من التقديم و التأخير: (فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ. `وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (3) ، التقدير: فلا أقسم بمواقع النجوم، إنّه لقرآن كريم. فى كتاب مكنون. لا يمسّه إلا المطّهرون. و إنه لقسم لو تعلمون عظيم. و فصل بين

____________

(1) الجن: 7.

(2) مريم: 25.

(3) الواقعة: 75، 76.

681

الصفة و الموصوف بالجملة، و هو «لو تعلمون» ، و بين القسم و جوابه بقول: «و إنه لقسم» .

و من ذلك قوله: (فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ. `وَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ) (1) و التقدير: و حين تصبحون و عشيّا، فأخّر و اعترض بالجملة.

التقديم و التأخير قراءة ابن عامر: (وَ كَذََلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ شُرَكََاؤُهُمْ) (2) ، و التقدير: قتل شركائهم أولادهم، فقدم المفعول على المضاف إليه، قالوا: و هذا ضرورة ليس بضرورة، لأنه قد كثر عندهم ذلك، و أنشدوا فيه أبياتا جمة.

فمن ذلك قوله:

كأنّ أصوات من ايغالهنّ بنا # أواخر الميس أصوات الفراريج‏ (3)

أي: كأن أصوات أواخر الميس.

و قال:

هما أخوا في الحرب من لا أخا له‏ (4)

أي: هما أخوا من لا أخا له في الحرب.

و قال: بين ذراعى و جبهة الأسد (5)

أي: بين ذراعى الأسد و جبهته.

____________

(1) الروم: 17 و 18.

(2) الأنعام: 137.

(3) البيت الذي الرمة. و الإيغال: شدة السير. و الميس: شجر تعمل منه الرحال. و المعنى: كأن أصوات أواخر الميس من شدة سير الإبل و اضطراب رحالها عليها أصوات الفراريج (الكتاب 1: 92) .

(4) صدر بيت لدرنا بنت عبعبة، من قيس بن ثعلبة، و عجز البيت:

إذا خاف يوما نبوة فدعاهما

(5) عجز بيت للفرزدق، صدره:

يا من رأى عارضا أصر به‏

682

و قال:

كأنّ برذون أبا عصام # زيد حمار دقّ باللّجام‏

أي: برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام.

و من ذلك ما قاله أبو الحسن في قول اللّه تعالى: (مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوََاسِ اَلْخَنََّاسِ‏`اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ‏`مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ) (1) . أي: إنه لراد من شر الوسواس الخناس من الجنة و الناس الذي يوسوس في صدور الناس.

و منه قول اللّه تعالى: (اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ) (2) ، أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم.

و قيل في قوله: (وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (3) : إن تقديره: و الذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون.

قال أبو الحسن: المعنى فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم.

فإن قلت: كيف جاز أن تقدر/ «لما قالوا» متعلقا بالمصدر، و هو متقدم قبله؟قيل: لا يمتنع أن يتقدم على وجه التبيين، ليس إنه متعلق بالصلة، ألا ترى قوله:

تقول و دقّت نحرها بيمينها # أبعلى هذا بالرّحى المتقاعس‏ (4)

____________

(1) الناس: 4-5-6.

(2) النمل: 28.

(3) المجادلة: 3.

(4) البيت لمهذلول بن كعب العنبري (شرح الحماسة للمرزوقي: 966) .

683

و قوله:

كان جزائى بالعصا أن أجلدا

لم يجعلوه متعلقا بـ «جزائى» ، و لكن جعلوه تبيينا للجلد، و كذلك ما ذكره أبو الحسن.

و أما التقديم و التأخير الذي قدر، فمثله كثير، و يجوز أن يكون التقدير:

و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون للقول، و «القول» فى المعنى «المقول» ، كالخلق بمعنى/المخلوق، ألا ترى أن الذي يعاد هو الجسم، فلهذا كان الخلق بمعنى المخلوق، فى قوله: (وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (1) .

فإن قلت: و كيف وقع «اللام» موقع «إلى» فى قولك: عدت إلى كذا.

فإنه لا يمتنع، ألا ترى أنه قد جاء: (قُلِ اَللََّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) (2) . على أن «اللام» فى قول من يخالف في هذا التأويل بمعنى «إلى» .

و مثله: (فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ) (3) . أي: فاستمع إلى ما يوحى، لا بد من ذلك، لا سيما في قراءة الزيات: (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ) ، و يكون التقدير: فاستمع لأنا اخترناك إلى ما يوحى، و لو لم تحمله على هذا لكان التقدير: فاستمع لأنا اخترناك لما يوحى، فتعلق اللامين بقوله «فاستمع» ، و قد قال: لا يتعدى فعل بحرفى جر متّفقين.

فإن قلت: و لم لا تحمل «و أنا اخترتك» على «نودى» فى قوله‏ (نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ... وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) (4) ، أي نودى بأنى أنا ربك و أنا اخترتك.

____________

(1) الروم: 27.

(2) يونس: 35.

(4-3) طه: 11-13.

684

قيل: إن «اخترناك» قراءة حمزة، و هي تقرأ: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، مكسورة الألف، فكيف تحمله عليه. و قد ذكرنا ما في هذا فى «البيان» و «الاستدراك» .

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضََاعَفُ لَهُمْ) (1) . اضطرب قول أبى علىّ في هذه الآية، و له كلام فى «الحجة» و كلام فى «الإغفال» و كلام فى «الحلبيّات» (2) و هو أجمع الثلاثة.

قال فى «الحلبيات» :

و القول في أن حرف العطف في قوله: «و أقرضوا» لا يخلو من أن يكون عطفا/على الفعل المقدّر في صلة «المصدقين» أو على غيره: إن قوله «و أقرضوا اللّه» لا يجوز أن يكون معطوفا على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا و أقرضوا اللّه، و ذلك أنك إذا قدّرته هذا التقدير فقد فصلت بين الصلة و الموصول بما ليس منهما، و ما هو أجنبى، و الفصل بين الصلة و الموصول بالأجنبى و ما ليس منهما لا يصح، و لذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين و زيدا إلا عمرا، و هذا النحو من المسائل؛ لأن «زيدا» معطوف على «رأيت» ، و الاستثناء من الصلة من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، فقد فصلت بينهما بالمعطوف، و لم يجز ذلك. كما لم يجز أن يكون «و أقرضوا» معطوفا على «صدقوا» المقدر في الصلة، لفصل «المصدقات» المعطوف

____________

(1) الحديد: 18.

(2) كتاب في النحو.

685

على ما بينهما. و إنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموصوف و غيره في الأسماء يؤذن بتمامه، ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فإذا كان العطف يؤذن بالتمام فعطفت ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدّمته من حكم التمام بالعطف، و كان مدافعا غير مستقيم. و لا يستقيم أن يكون قوله «و أقرضوا اللّه» ، فى هذه الآية، محمولا على المقدر في الصلة، كما كان قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) (1) على المقدر من قوله: (فَالْمُغِيرََاتِ صُبْحاً`فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) (2) ، لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع و لم تفصل بين الصلة و الموصول بأجنبى منهما، كما فصلت بالمعطوف بينهما فى الأخرى، و الحمل على المعنى في هذا النحو من العطف مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفا على الصلة لم تحمله على ذلك، و لكن على وجوه أخر، منها:

أن تجعل العطف اعتراضا بين الصلة و الموصول.

و إن شئت كملته على أن الخبر غير مذكور.

و إن شئت جعلت المعطوف و المعطوف عليه بمنزلة الفاعلين و جعلت العطف عليهم.

و أما حمله على الاعتراض فهو أرجح الوجوه عندى، لأن الاعتراض قد شاع/فى كلامهم و اتسع و كثر، و لم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبى منهما، لأن فيه تسديدا و تثبيتا، فأشبه من أجل ذلك الصفة و التأكيد، فلذلك جاء بين الصلة و الموصول في الفعل و الفاعل و المبتدأ و الخبر و المفعول و فعله، و غير ذلك.

____________

(2-1) العاديات: 3، 4.

686

فما جاء من ذلك من الصلة و الموصول قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ كَسَبُوا اَلسَّيِّئََاتِ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهََا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) (1) .

و كقوله:

ذاك الذي و أبيك يعرف مالك # و الحقّ يدفع ترّهات الباطل‏ (2)

فإذا جاء الفصل بين الصلة و الموصول بما ذكرنا من الاعتراض فإنه يجوز الفصل بين اسم «إن» و خبرها بالاعتراض الذي هو قوله‏ (وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً) (3) أحرى، لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، و أن المبتدأ قد يحذف خبره و لا يستعمل إثباته. و قوله: «يضاعف لهم» على هذا التأويل في الآية فى موضع رفع بـ «إن» خبر المبتدأ.

و مما جاء من الاعتراض بين الفعل و الفاعل قوله:

ألا هل أتاها و الحوادث جمّة # بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا (4)

فالمبتدأ و الخبر اعتراض، و الجار و المجرور في موضع رفع بـ «أن» فاعل، كما أنهما فى «كفى باللّه» كذلك، و إذا جاز في الفعل و الفاعل كان المبتدأ و الخبر أجوز.

و من الاعتراض بين الصفة و الموصوف قوله: تعالى: (ذََلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) (5) كما أن قوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ) * (6) كذلك، و المعنى فى «لو تعلمون» : اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.

____________

(1) يونس: 27.

(2) اللسان «تره» .

(3) الحديد: 18.

(4) بيقر: هاجر من أرض إلى أرض. و البيت لامرئ القيس.

(5) مريم: 34.

(6) الواقعة: 75 و 76.

687

و زعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع.

و إن حملت على أن الخبر غير مذكور و لم تجعل قوله «و أقرضوا اللّه» اعتراضا، و لكن جملة معطوفة على ما تقدم، جاز في قوله «و المصدقات» أمران:

أحدهما-أن تكون الواو بمنزلة «مع» ، على أن تكون قد سدّت مسدّ خبر المبتدأ، كما أنك لو قلت: إن المصدقين مع المصدقات، كان كذلك، ألا ترى أنه لما كان معنى قولك «أ قائم الزيدان» : أ يقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، و إن كان قد ارتفع «قائم» ارتفاع المبتدأ، فكذلك قولك «و المصدقات» ، و إن كان منتصبا بالعطف على «إن» ، فإنه سد مسد الخبر، فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم يحتج إليه فى قولك: أ قائم الزيدان. و مثل ذلك قولهم: الرجال و أعضادها، و النساء و أعجازها؛ لما كان المعنى: الرجال مع أعضادها، و النساء مع أعجازها.

استغنيت عن خبر الابتداء، و كما استغنيت عن خبر المبتدأ بما كان معطوفا عليه لمّا كان المعنى كذلك، يدخلان على هذا الحد، فيكون المعنى: إنهم معهن فى نيل الثواب و ارتفاع المنزلة. فإذا حملت على ذلك جاز بلا خلاف فيها.

و قد (1) يجوز أن تضمر لهذا النحو خبرا، فيكون التقدير: كل رجل و ضيعته مقرونان؛ و على هذا تضمر أيضا في خبر «إن» فى قوله: (إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ) (2) . أي: إن المصدقين و المصدقات يفلحون، أو مضاعف لهم، و نحو ذلك مما ذكروا به في التنزيل، و يكون موضع

____________

(1) هذا ثاني الأمرين.

(2) الحديد: 18.

688

«يضاعف» نصبا صفة للقرض.

و إن شئت جعلته جملة مستأنفة، إلا أنك لم تلحق الواو، أو لالتباس أحدهما بصاحبه، و قوله: (وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (1) مستأنف.

و من شاء جعل ما قبله وصفا، إذ لا تعلّق له بالموصوف.

و إن شئت جعلته حالا من «لهم» فى قوله «يضاعف لهم» .

و إن شئت جعلت المعطوف و المعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، و جعلت قوله «و أقرضوا» معطوفا على ذلك، لأن معنى «المصدقين و المصدقات» كمعنى: إن الناس المصدقين. فإذا كان ذلك معناه جاز أن يعطف «و أقرضوا» عليه، كما كان يجوز ذلك لو أبرزت ما هذا المذكور في معناه و موضعه.

و على هذا الوجه حمله أبو الحسن؛ لأنه قال في تفسيرها:

لو قلت: الضاربه أنا، و قمت زيد، كان جائزا، كأنه يريد: إنه كما استقام أن يحمل «الضارب» على «ضرب» فتعطف «قمت» عليه، كذلك يستقيم أن تجعل الفاعلين، فتحمل «و أقرضوا» عليه، إذ لا يستقيم عطف «و أقرضوا» على الصلة الأولى، و لأن العطف على المعنى قد جاء في الصلات و غيرها كثيرا، فافهمه.

و من التقديم و التأخير/قوله تعالى: (ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) (2) ، أي:

جزيناهم ذلك، فقدم المفعول الثاني.

و قال: (ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِمََا كَفَرُوا) (3) ، أي: جزيناهم ذلك بكفرهم.

و قال: (وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكََابِرَ مُجْرِمِيهََا) (4) أي: مجرميها أكابر.

____________

(1) الحديد: 18.

(2) الأنعام: 146.

(3) سبأ: 17.

(4) الأنعام: 123.

689

و قال: (وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ) (1) ، أي: الجنّ شركاء.

و قال: (وَ اَللََّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشََاءُ) (2) أي: يؤتى من يشاء ملكه.

و قال: (تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ) (3) ، أي: تؤتى من تشاء الملك.

و أما قوله تعالى: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامى‏ََ فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تَعْدِلُوا فَوََاحِدَةً) (4) . جاء فى التفسير أن قريشا في الجاهلية كانت تكثر التزوج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته و قلّ ماله مدّ يده إلى ما عنده من أموال اليتامى، فحلّ له الأربع. و إلى هذا الوجه أشار أبو علىّ بعد ما حكى عن أبى العباس في كتابه في القرآن تعجب الكسائي من كون «فانكحوا» ما طاب لكم جوابا لقوله: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامى‏ََ) (5) .

قال: و قاله أبو عبيد، و ليس هذا الجواب، فإنما الجواب قوله:

(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تَعْدِلُوا فَوََاحِدَةً أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ) (6) ، كأنه قال: فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.

فقال أبو على: جواب «إن خفتم» الفاء فى «فواحدة» ، كأنه فى التقدير: إن خفتم ألا تقسطوا، إن كثرت عليكم مؤن الزوجات و أحوجتم إلى مال اليتامى. أي: فانكحوا واحدة. و قوله «فانكحوا ما طاب» اعتراض بين الشرط و الجزاء، مثل قولك: إن زيدا-فافهم ما أقول-

____________

(1) الأنعام: 100.

(2) البقرة: 247.

(3) آل عمران: 26.

(6-5-4) النساء: 3.

690

رجل صدق.

قال: و لما كان الكلام باعتراض الجملة المسدّدة للشرط كرر الشرط ثانيا، فقيل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تَعْدِلُوا) (1) و هو قوله: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا) (2) .

و هذه الجملة متأخرة معنى، أي: فى حال الضيق واحدة، و في السعة أربع.

و القصة عن عكرمة و الشرح لأبى علىّ.

قال قوم: إنهم كانوا يتوقّون أموال اليتامى و لا يتوقّون الزنى، فقيل: كما خفتم في ذا فخافوا الزنى و أتوا الكلالة. عن مجاهد.

و قيل: كانوا يخافون ألا يعدلوا في أموال اليتامى و لا يخافون أن يعدلوا فى النساء. عن سعيد بن جبير.

و قيل: التقدير: ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهن من النساء. عن عائشة.

و روى عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان الناس يتزوجون اليتامى و لا يعدلون بينهن، و لم يكن لهن أحد يخاصم عنهن، فنهاهم اللّه عن ذلك، و قال: (وَ إِنْ خِفْتُمْ) (3) .

و من ذلك قوله تعالى: (ذََلِكَ هُوَ اَلضَّلاََلُ اَلْبَعِيدُ*`يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) (4) . «ذلك» منصوب بـ «يدعو» ، و يكون «ذلك» بمعنى «الذي» و الجملة بعده صلة.

و قال الفراء: بل «اللام» فى «لمن ضرّه» فى نية التأخير، و التقدير: من لضره، و هو خطأ، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول.

ـ

____________

(3-2-1) النساء: 3.

(4) الحج: 12 و 13.

691

و قيل: إن «من» ليس في موضع مفعول «يدعو» (1) ، لأنه مكرر من الأول معاد للتوكيد، و اكتفى من مفعوله بمفعول الأول، و كرر تفظيعا للأمر في عبادة الأصنام، و قوله «لمن ضره» على هذا مبتدأ، و خبره «لبئس المولى» .

و وجه ثالث: و هو أن يكون «يدعو» بمعنى «يقول» كقول القائل:

ما يدعى فلان فيكم؟أي: ما يقال له؟و كذلك: يدعون عنته‏ (2) ، أي: يقولون:

يا عنته، أي: يقولون الذي ضره أقرب من نفعه هو إلهنا، و يكون الخبر محذوفا لدلالة الكلام عليه.

و وجه رابع: و هو أن يكون «يدعو» من تمام الضلال البعيد، أي:

يدعوه، و «يدعوه» فى موضع الحال للمبتدأ، و التقدير: ذلك هو الضلال البعيد داعيا، أي: فى حال دعايته إياه. و «لمن ضره» ابتداء، و خبره «لبئس المولى» .

و لا يكون «لبئس المولى» خبرا في قول من يقول: إن «يدعو» بمعنى يقول، لأن المنافق لا يقول: إن الصنم و اللّه لبئس المولى.

و إن قلت: إنه لا يقول أيضا: ضره أقرب من نفعه، و إنما يقول غير ذلك، فإن ذلك على اعتقادنا ما فيه من كونه ضارا، على تقدير أن المنافق يقول: الصنم إله، ثم يأخذ في ذمه.

و من ذلك قراءة من قرأ: (إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً) * (3) بالفتح، لأن التقدير: و لأن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون، أي: فاتقون هذا.

____________

(1) يريد: مفعول الفعل «يدعو» الأول في قوله تعالى: (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُ) . (الآية:

12) .

(2) العنتة: المبالغ في الأمر إذا أخذ فيه.

(3) الأنبياء: 92.

692

و مثله‏ (وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً) (1) . المعنى: و لأن المساجد للّه فلا تدعو.

و كذلك عند الخليل، (لِإِيلاََفِ قُرَيْشٍ) (2) كأنه: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش، أي: ليقابلوا هذه النعمة بالشكر و العبادة للمنع بها فأما قوله: (وَ إِنَّ اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) (3) فى سورة مريم، فيجوز أن يكون على هذا: فاعبدوه لأنه ربّى و ربكم.

و لكن أبا علّى حمله على قوله: (وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ) (4) بأن اللّه ربى.

و أما قوله: (وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) (5) فيكون مثل هذا، و الفاء فى قوله «فاتبعوه» مثل الفاء في قوله: بزيد فامرر. و الفاء في قوله الثاني عاطفة جملة على جملة، و على القول الأول زيادة.

و قال الفراء فيمن فتح‏ (وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي) (6) : إنه محمول على «الهاء» من قوله: (ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ) ، (7) أي: به و بأن هذا.

و هكذا قال أيضا في قوله: (وَ أَنَّهُ تَعََالى‏ََ جَدُّ رَبِّنََا) (8) : إنه محمول على قوله:

(فَآمَنََّا بِهِ) (9) و بأنه تعالى.

و قد ذكرنا أن عطف الظاهر على المضمر لا يجوز، و قد جوز فى خمس آيات هذا الوجه، فهاتان‏ (10) ، و قوله: (وَ كُفْرٌ بِهِ

____________

(1) الجن: 18.

(2) قريش: 1.

(3) مريم: 36.

(4) مريم: 31.

(6-5) الأنعام: 153.

(7) الأنعام: 152.

(8) الجن: 3.

(9) الجن: 2.

(10) يعني الآيتين السابقتين: آية الأنعام و آية الجن.

693

وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (1) و قوله: (تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ) (2) فيمن جر؛ و قوله: (وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ*وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ) (3) . و قد أبطلنا ذلك كله في غير موضع.

و من ذلك قوله: (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ) (4) إلى قوله:

(أَوْ جََاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغََائِطِ أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ) (5) . قال الشافعي: فى مس أحد الزوجين: إنه ينقض وضوء الماس، و احتج بهذه الآية.

و قال لنا: متى حملنا الآية على اللمس باليد صارت الآية حاجة لبيان الطهارتين و بيان أنواع الحدث الأصغر، فإن الآية نزلت في أصحاب رسول اللّه-صلى اللّه عليه و على آله-و كانوا عرّسوا. فالمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة، أي: عن التعريس و النوم، فاغسلوا، فيكون بيان النوم حدثا، و ما هو بمعناه مما يوجب استطلاق وكاء الحدث من الإغماء و الجنون. ثم قال: (أَوْ جََاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغََائِطِ) (6) ، و كان بيانا لجميع ما يخرج من المخرج المعتاد دلالة، و كان في الآية تقديم و تأخير، أي: إذا قمتم عن النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، أي: مسستم باليد، فيكون بيان أن المسّ حدث، إذ هو سبب اشتهاء، فاغسلوا وجوهكم، /فإن عدمتم الماء فتيمموا، من غير ذكر أسباب الحدث، لأن البدل يتعلق بما يتعلق به الأصل، فلا يفتقر إلى بيان زائد. و متى لم يجعلوا هكذا كانت الآية ساكتة عن بيان أنواع الحدث.

____________

(1) البقرة: 217.

(2) النساء: 1.

(3) الأعراف: 10-الحجر: 20.

(4) المائدة: 6.

(6-5) النساء: 43.

694

و عندنا المراد بالآية: الجماع، مجازا، كما في قوله تعالى: (وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) (1) ، و لأنّا أجمعنا أن الجماع مراد، فإن الشافعي أباح التيمم للجنب، و ذكر أنه في كتاب اللّه تعالى إلا هاهنا، فبطل أن تكون الحقيقة، إلا أنه يقول: أبحت التيمم للجنب، لأن اللّه تعالى جعله بدلا عن الوضوء و الاغتسال جملة.

و عن ابن عمر و ابن مسعود أنهما كانا يحملان الآية على المس باليد، و كانوا لا يبيحون التيمم للجنب، فدل أن تأويل الآية بالإجماع ليس على التقديم و التأخير، و لا يصار إلى التقديم و التأخير إلا بدليل قاطع يمنع من حمله على الظاهر، على ما ذكرناه قبل في هذه الآي.

و كذلك قوله تعالى: (بَلِ اَللََّهَ فَاعْبُدْ) (2) ، أي: بل فاعبد اللّه، فقدّم المفعول.

و أما قوله تعالى: (وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ) (3) فهو في نية التقديم و التأخير، و التقدير: نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللّه وراء ظهورهم و اتبعوا ما تتلو الشياطين، فـ «اتبعوا» معطوف على‏ (نَبَذَ) (4) ، و قوله (كَأَنَّهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ) (5) فى موضع الحال، أي: نبذوه مشابهين الجهّال.

و قوله: (وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ) (6) ، فى «ما» قولان:

أحدهما: أنه بمعنى: الذي، فيكون نصبا عطفا على السّحر (7) على «ما تتلو» ، أو جرّا بالعطف على‏ (مُلْكِ سُلَيْمََانَ) (8) .

____________

(1) البقرة: 237.

(2) الزمر: 66.

(8-7-6-4-3) البقرة: 102.

(5) البقرة: 101.

695

و الثاني: أن يكون نفيا بالعطف على قوله‏ (وَ مََا كَفَرَ سُلَيْمََانُ) (1)

أي: و ما كفر سليمان، و ما أنزل على الملكين.

و يقال: إن سحرة اليهود زعموا أن اللّه تعالى أنزل السحر على لسان جبريل و ميكائيل إلى سليمان، فأكذبهم اللّه بذلك، فيكون التقدير: و ما كفر سليمان و ما أنزل على الملكين، و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ببابل هاروت و ماروت؛ فعلى هذا اختلفوا فيهما على ثلاثة أقوال:

الأول: أن هاروت و ماروت رجلان من سحرة أهل بابل تعلما السحر من الشياطين.

الثاني: أنهما شيطانان من مردة الشياطين خصّا بالذكر من بينهم لتمردهما، و السّحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم و دقة أفهامهم، لأن أفعال الحيوان مناسبة.

و قيل: إنهما ملكان من الملائكة أهبطهما اللّه على صورة الإنس لئلا ينفروا منهما.

و قيل: سبب هبوطهما أن اللّه تعالى أهبطهما ليأمرا بالدين و ينهيا عن السحر، لأن السحر كثر في ذلك الزمان و انتشر.

و اختلف من قال بهذا: هل كان للملكين تعليم الناس السحر أم لا؟ على قولين:

أحدهما: أن الملكين كانا يعلمان الناس السحر و ينهيان عن فعله، ليكون النهى عنه بعد العلم به، لأن ما لا يعلم أنه سحر لا يمكن الاحتراز منه،

____________

(1) البقرة: 102.

696

كالذى لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه، فيكون التعليم إذا بالنهى عنه. عن على بن أبى طالب، صلوات اللّه عليه.

و الثاني: أنه لم يكن للملكين تعليم السحر و لا إظهاره للناس، لما فى تعليمه من الإغراء بفعله، و لأنّ السحر قد كان فاشيا، فأهبط الملكان بمجرد النهى.

قال ابن بحر: جملة هذا أن «تلا» بمعنى: كذب. يقال: تلا، أي: كذب. يقول: نبذ هذا الفريق كتاب اللّه وراء ظهورهم و اتبعوا كذب الشياطين على ملك سليمان أنه كان بسحر. و موضع «ما» فى قوله (وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ) (1) جر عطف على‏ (مُلْكِ سُلَيْمََانَ) (2) . أي:

الشياطين كذبوا عليه و على ما أنزل.

قال: و معنى‏ (أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ) (3) : أنزل معهما و على ألسنتهما، كما قال اللّه تعالى: (عَلى‏ََ رُسُلِكَ) (4) ، أي: على ألسن رسلك و معهم. فلا يجوز أن يكون نصبا عطفا على «السحر» لأن الإنزال على الملكين لا يكون إلا من اللّه تعالى، و اللّه لا يضاف إليه السحر و إنما يضاف إلى الكفرة و أوليائهم من الشياطين، و هما نزلا بالنهى عن السحر، فقالوا: نزلا بتعليمه. و كان معنى الكلام: أن الشياطين يعلمان الناس السحر، و أن الملكين لا يعلّمان ذلك أحدا بل ينهيان عنه حتى يبلغ من نهيهما و صدّهما عن تعلّمه أن يقولا للمتعلم: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فإن كان من الملائكة فإنما يقولان ذلك للأنبياء، و يقوله الأنبياء لسائر البشر، و إن كان من البشر قالا ذلك لكل واحد من البشر؛ /و ذلك كما يقول الرجل:

____________

(3-2-1) البقرة: 102.

(4) آل عمران: 194.

697

ما أمرت فلانا بما فعل و لقد بالغت في نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلت ذلك نالك كذا و كذا. و وقع الاختصار بعد قوله: (وَ مََا يُعَلِّمََانِ) (1) فحذف: «بل ينهيان» ، ليستنبطه العلماء بالفكرة فيؤجروا.

و قال ابن جرير: من جعل «ما» جحدا، و «الملكين» : جبريل و ميكائيل، جعل التقدير: لم ينزل السحر إلى سليمان مع جبريل و ميكائيل، كما يقول اليهود، و جعل «من» فى قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا) بمعنى المكان و البدل، أي:

فيتعلمون مكان ما علّماه ما يفرقون به بين المرء و زوجه.

و من ذلك قوله: (وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّسََاءِ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ فِي يَتََامَى اَلنِّسََاءِ) (2) إلى قوله: (وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتََامى‏ََ بِالْقِسْطِ) (3) . «ما» فى موضع الرفع بالعطف على الضمير في «يفتيكم» ، أي: يفتيكم اللّه فيهن، و يفتيكم أيضا القرآن الذي يتلى عليكم، و «فى» من قوله: «فى يتامى النّساء» من صلة «يتلى» ، و «المستضعفين» جر عطف على «يتامى النساء» ، و «أن تقوموا لليتامى بالقسط» جر عطف على «المستضعفين» .

و يجوز فى «المستضعفين» أن يكون عطفا على قوله: «فى الكتاب» ، أي:

يتلى عليكم في الكتاب و في حال المستضعفين.

و جاء في التفسير: إنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء و لا الأطفال، فلما فرض اللّه تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس فسألوا رسول اللّه-صلى اللّه عليه و على آله-عن ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. و (مََا كُتِبَ لَهُنَّ) (4) يعنى: الميراث. عن ابن عبّاس.

____________

(2-1) البقرة: 102.

(4-3) النساء: 127.

698

و قيل: إنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن و يتملكها أولياؤهن، فلما نزل قوله: (وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً) (1) سألوا رسول اللّه-صلى اللّه عليه و على آله-فأنزل اللّه هذه الآية. و «ما كتب لهن» يعنى: من صداق.

قيل: إنه وارد في ولىّ اليتيم، كان لا يتزوجها و إن حلّت له، و يعضلها و لا يزوّجها طمعا في مالها، لأنه لا يشاركه الزّوج فيه، فنزل ذلك فيه.

و معنى: (وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) (2) : أي: ترغبون عن نكاحهنّ.

و من ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا خََالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ) (3) .

قوله «فى الحياة الدنيا» لا يخلو من تعلّقه بـ «حرّم» ، أو بـ «زينة» ، أو بـ «أخرج» ، أو بـ «الطيبات» ، أو بـ «الرزق» ؛ فجوز تعلقها بـ «حرّم» ، أي: حرم ذاك إذ ذاك. و منع من تعلقها بـ «زينة» كما يمتنع: الضرب الشديد يوم الجمعة، إن علقت «اليوم» بـ «الضرب» ، لكون المصدر موصوفا.

فإن قلت: فقد جاء: إذا... (4) فرحين، فإن اسم الفاعل ليس كالمصدر، لأن الوصف يؤذن بانقضاء أجزائه، و الوصل يؤذن ببقائه.

و جوز أن يتعلق بـ «الطيبات» و بـ «الرزق» و بـ «أخرج» .

فإن قلت: فإن «أخرج» فى صلة «التي» ، و «الطيبات» فى صفة اللام، و «الرزق» مصدر، فكيف يوصل بهذه الأشياء، «و هي للذين آمنوا» فاصلة؟ فإنه قد جاء و الطلاق عزيمة ثلاثا، و جزاء سيئة بمثلها، لأنه يسدد الأول.

و يجوز أن يتعلق بـ «الطيبات» ، تقديره: و المباحات من الرزق

____________

(1) النساء: 4.

(2) النساء: 127.

(3) الأعراف: 32.

(4) مكان هذه النقط كلمتان غير جليتين.

699

و يجوز أن يتعلق بـ «آمنوا» ، الذي هو صلة «للذين آمنوا في الحياة الدنيا» .

ثم انظر ما أغفله «أبو على» من الفصل بين الصلة و الموصول بقوله: (وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ» ، لأن هذا غير معطوف على قوله: «زينة اللّه» .

و لا يمكن «أبو على» أن يجيب عن هذا الفصل بأنه مما يسدّد القصة، و إذا كان العطف على الموصول يتنزل منزلة، صفته في منع تعلق شي‏ء به بعد العطف، فالعطف على ما قبل الموصول أولى بالمنع و أحق، لأن قوله:

«و الطيبات» منصوب بـ «حرم» لا بـ «أخرج» ، و في تعلقه بـ «الطيبات» نظر، لأن قوله «من الرزق» بيان لـ «الطيبات» يتنزل منزلة الحال، و كما يمنع النعت بما قبله فكذلك الحال، إلا أن لأبى علىّ أن ينحو بهذا البيان نحو التمييز فيتوجه له حينئذ الفرق بينه و بين الحال.

و جوز فى «الإغفال» تعلقها بآمنوا و باللام فى «الذين» ، و بمحذوف فى موضع الحال، و العامل فيه معنى اللام، فعلى هذا يكون فيه ضمير.

و على الأولين لا ضمير و لا يجوز تقديمه على «الذين» فى الوجهين أعنى:

الحال و التعلق بـ «آمنوا» . و يجوز في الوجه الآخر التقديم، كما جاز: كل يوم لك ثوب؛ و هي مبتدأ و اللام خبره، و «خالصة» أيضا، كحلو حامض، فيمن رفع، و فيمن نصب حال، و لم يجز أن يتعلق بـ «أخرج» لأنه فصل به، أعنى «فى الحياة الدنيا» بين المبتدأ و خبره، فيمن رفع؛ و بين الحال و ذى الحال فيمن نصب، لكون «فى الحياة الدنيا» أجنبية من هذه الأشياء، ثم لم يرتض من نفسه أن يظن به ما يخطر بخاطر من أن هذا ظرف، و الظروف يتلعب بها، فذكره حجة لأبى الحسن.

700

و من ذلك قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ) (1) . قالوا: إن التقدير: له معقبات من أمر اللّه، فيكون «من أمر اللّه» معمول الظرف الذي هو قوله «له» .

و قيل: يحفظونه عند نفسه من أمر اللّه، و لا رادّ لأمره و لا مانع لقضائه.

و قيل: إن «لا» مضمر، أي: لا يحفظونه من أمر اللّه.

و قيل: فى «المعقبات» : حراس الأفراد الذين يتعاقبون الحرس. عن ابن عباس.

و قيل: إنه ما يتعاقب من اللّه و قضائه في عباده. عن عبد الرحمن ابن زيد.

و قيل: إنهم الملائكة، إذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ملائكة النهار، و إذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل. عن مجاهد.

و قيل: فى «من بين يديه» : أي: من أمامه و ورائه. و هذا قول من زعم أن المعقبات حراس الأفراد.

و قيل: فى الماضي و المستقبل. و هذا قول من زعم أن المعقبات ما يتعاقب من أمر اللّه و قضائه.

و قيل: من هداه و ضلالته. و هذا قول من زعم أنه الملائكة.

و قيل: يحفظونه من أمر اللّه، أي: من تلك الجهة وقع حفظهم له، أي: حفظهم إياه إنما هو من أمر اللّه، كما يقال: هذا من أمر اللّه.

عن سعيد بن جبير.

____________

(1) الرعد: 11.

701

فإذا حملته على التقديم كان قوله. «من بين يديه» متعلقا بقوله «يحفظونه» ، و التقدير: له معقبات من أمر اللّه يحفظونه من بين يديه و من خلفه. قاله النخعىّ فيكون الظرف فاصلا/بين الصفة و الموصوف، فنظيره: (إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (1) ، جمع: راصد.

يعنى: الملائكة يحفظون النبي-صلى اللّه عليه و على آله-من الجن و الإنس، و هم أربع.

و من ذلك قوله: (كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) (2) . قيل: الكاف من صلة ما قبله. و قيل: من صلة ما بعده.

فمن قال: هى من صلة ما قبله، قال: «كما أخرجك» أي: كما ألزمك الخصال المتقدم ذكرها التي تنال بها الدرجات، ألزمك الجهاد و ضمن النّصرة لك و العاقبة المحمودة.

و قيل: بل المعنى: الأنفال للّه و الرسول مع مشقتها عليهم، لأنه أصلح لهم، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كراهتهم، لأنه أصلح لهم.

و قيل: هو من صلة ما بعده، و التقدير: يجادلونك في الحق متكرّهين كما كرهوا إخراجك من بيتك.

و قيل: أن يعمل فيه «بالحق» ، يعنى: هذا الحق كما أخرجك ربك. جائز حسن. (3)

و قيل: التقدير: يجادلونك في القتال كما جادلوا في الإخراج.

____________

(1) الجن: 27.

(2) الأنفال: 5.

(3) ساق أبو حيان في تفسير: البحر المحيط (4: 459-464) خمسة عشر رأيا حول إعراب «كما» ليس من بينها هذا الرأي الذي يبدو غير واضح.

702

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ) (1) ، ثم قال: (ذَوََاتََا أَفْنََانٍ) (2) . فقوله «ذواتا» صفة لـ «جنتين» ، أي: جنتان ذواتا أفنان.

و اعترض بينهما بقوله: (فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ) (3) .

و هكذا الآي كلها التي تتلوها إلى قوله: (وَ مِنْ دُونِهِمََا) (4) ، كلها صفات لقوله: (جَنَّتََانِ) ، و التقدير: و له من دونهما جنتان، و ما بعدها صفات لـ «جنتان» المرتفعة بالظرف. و قوله: (فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ) (5) اعتراض، و يكون قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ رَفْرَفٍ) (6) حالا من المضمرين في قوله: (وَ مِنْ دُونِهِمََا) (7) أي: و لهم من دونهما، كما أن قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ فُرُشٍ) (8)

حال من قوله «و لمن» .

و التقديم و التأخير كثير في التنزيل. و مضى قبل هذا الباب الخبر المقدم على المبتدأ في قوله: (وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ) * (9) ، (وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ) * (10) ، (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ) (11) ، و نحوه كثير.

و أما قوله: (اَلَّذِي جَعَلْنََاهُ لِلنََّاسِ سَوََاءً اَلْعََاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبََادِ) (12) ، و قد قرئ بالرفع و النصب:

وجه الرفع فى «سواء» أنه خبر ابتداء مقدّم، و المعنى: العاكف و البادي فيه سواء، أي: ليس أحدهما بأحق به من صاحبه، ـ

____________

(1) الرحمن: 46.

(2) الرحمن: 48.

(5-3) الرحمن: 47.

(7-4) الرحمن: 62.

(6) الرحمن: 76.

(8) الرحمن: 54.

(9) النحل: 63، 104، 117.

(10) البقرة: 7.

(11) البقرة: 179.

(12) الحج: 25.

703

فاستواء العاكف و البادي، فيه دلالة على أن أرض الحرم لا تملك، و لو ملكت لم يستويا فيه، و صار العاكف فيه أولى بها من البادي بحقّ ملكه، و لكن سبيلهما سبيل المساجد التي من سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه إليه، و سبيله سبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به.

و من نصب فقال: (سَوََاءً اَلْعََاكِفُ) أعمل المصدر عمل اسم الفاعل، فرفع «العاكف» به كما يرتفع «بمستو» ، و لو قال: مستويا العاكف فيه و البادي، فرفع العاكف «بمستو» فكذلك يرفعه بـ «سواء» .

و الأكثر الرفع في نحو هذا، و ألا يجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة الفاعل، و وجهه أن إعماله المصدر قد يقوم مقام اسم الفاعل في الصفة، نحو: رجل عدل، فيصير: عدل العادل. و قد كسّر اسم المصدر تكسير اسم الفاعل في نحو قوله:

فنوّاره ميل إلى الشّمس زاهر (1)

فلو لا أن «النّور» عنده كاسم الفاعل لم يكسّر تكسيره، فكذلك قول الأعشى:

و كنت لقى تجرى عليك السّوائل‏ (2)

و من أعمل المصدر إعمال اسم الفاعل فقال: مررت برجل سواء درهمه؛ و قال: مررت برجل سواء هو و العدم؛ كما تقول: مستو هو و العدم، فقال:

سواء العاكف فيه و الباد، كما تقول: مستويا العاكف فيه و الباد، فهو وجه حسن.

____________

(1) عجز بيت للخطيئة، صدره:

بمستأسد القريان حونباته‏

(2) صدره:

وليتك حال البحر دونك كله‏

و الرواية في الديوان: «عليه» مكان «عليك» . و السوائل: المياه السائلة.

704

و يجوز في نصب قوله «سواء العاكف فيه» وجه آخر: و هو أن تنصبه على الحال، فإذا نصبته عليها و جعلت قوله. «للنّاس» مستقراّ، جاز أن يكون حالا يعمل فيها معنى الفعل، و ذو الحال الذّكر الذي في المستقر.

و يجوز أيضا في الحال أن يكون من الفعل الذي هو «جعلناه» ، فإن جعلتها حالا من الضمير المتصل بالفعل كان ذو الحال الضمير و العامل فيها، و جواز قوله «للناس» /مستقر، على أن يكون المعنى: أنه جعل للنّاس منسكا و متعبدا، فنصب، كما قال: وضع للناس.

و يدل على جواز كون قوله «للناس» مستقرّا، أنه قد حكى: أن بعض القراء قرأ: (الّذى جعلناه للنّاس العاكف فيه و البادي سواء) ، فقوله «للناس» يكون على هذا مستقرّا في موضع المشغول الثاني لـ «جعلناه» ، فكما كان في هذا مستقرّا كذلك يكون مستقرّا في الوجه الذي تقدمه، و نعنى:

الذي جعلناه للعاكف و البادي سواء. أنهما يستويان فيه في الاختصاص بالموضع و من ذلك قوله تعالى: (قُمِ اَللَّيْلَ إِلاََّ قَلِيلاً*`نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* `أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) (1)

قوله «نصفه» بدل من «الليل» ، كما تقول: ضربت زيدا رأسه، فالمعنى: نصف الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص من النصف أو زد عليه.

و قوله «إلا قليلا» يفيد ما أفاده أو «انقص منه قليلا» ، لكنه أعيد تبعا لذكر الزّيادة؛ خيّره اللّه تعالى بين أن يقوم النصف أو يزيد عليه أو ينقص منه.

____________

(1) المزمل: 2-4.