إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
705

و قال الأخفش: المعنى: أو نصفه أو زد عليه قليلا، لأن العرب قد تكلّم بغير «أو» ، يقولون: أعط زيدا درهما درهمين أو ثلاثة.

و قال المبرد: خطأ لا يجوز، إنما «نصفه» بدل من «الليل» ، و الاستثناء مقدم من «النّصف» .

و من ذلك قوله: (فَإِذََا هِيَ شََاخِصَةٌ أَبْصََارُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (1) . هذا من طرائف العربية، لأن «هى» ضمير القصة مرفوعة بالابتداء، و «أبصار الذين كفروا» مبتدأة، و «شاخصة» خبر مقدم، و هي خبر أيضا، و الجملة تفسير «هى» ، و العامل فى «إذا» قوله «شاخصة» ، و لو لا أن «إذا» ظرف لم يجز تقديم «ما» فى حيّز «هى» عليها، لأن التفسير لا يتقدم على المفسّر، و لكنّ الظرف يلغيه الوهم، و قد جاء ذلك في الشعر في غير الظرف، قال الفرزدق:

و ليست خراسان الذي كان خالد # بها أسد إذ كان سيفا أميرها

و التقدير: الذي كان خالد بها سيفا إذ كان أسدا أميرها. ففى «كان» الثانية/ضمير القصة؛ و أسد «مبتدأ» ، و أميرها «خبر» ، و الجملة تفسير الضمير الذي فى «كان» ، و قدم «الأسد» على «كان» الذي فيه الضمير و قالوا: يمدح خالد بن عبد اللّه القسري‏ (2) و يهجو أسدا، و كان أسد و إليها بعد خالد، قال: و كأنه قال: و ليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا، إذ كان أسد أميرها. ففصل بين اسم «كان» الأول، و هو خالد، و بين خبرها الذي هو «سيفا» بقوله: «بها أسد إذ كان» ، فهذا واحد. و ثان أنّه قدم

____________

(1) الأنبياء: 97.

(2) الأصل: «خالد بن الوليد» تحريف. و خالد القسري و أخوه أسد، ممن قال فيهم الفرزدق.

706

بعض ما أضافه إليه، و هو «أسد» عليها، و في تقديم المضاف إليه أو شى‏ء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، فنظير الآية قوله: (فَإِذََا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ) (1) ، و قوله: (إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (2) ، و قوله:

(إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ) (3) ، ثم قال: (إِنَّ رَبَّهُمْ) (4) ، فـ «إذا» فى هذه الأشياء متعلقة بمحذوف دلّ عليه ما بعد «إن» و «الفاء» .

و قيل في البيت: إن «كان» زائدة، فيصير تقديره: إذ أسد أميرها، فليس في هذا أكثر من شى‏ء واحد، و هو ما قدمنا ذكره من تقديم ما بعد «إذ» عليها، و هي مضافة إليها. و هذا أشبه من الأول، ألا ترى أنه إنما نفى حال خراسان إذ أسد أميرها؛ لأنه إنما فضل أيامه المنقضية بها على أيام أسد المشاهدة فيها، فلا حاجة به إلى «كان» ، لأنه أمر حاضر مشاهد.

فأما «إذا» هذه فمتعلقة بأحد شيئين. إما بـ «ليس» وحدها، و إما بما دلت عليه من غيرها، حتى كأنه قال: خالفت خراسان إذ أسد أميرها التي كانت أيام ولاية خالد لها، على حد ما نقول فيما يضمر للظرف، ليتأولها و يصل إليها.

و من ذلك قوله: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) (5) ، تقدير «من قبل» أن يكون متعلقا بـ «كفرت» ، المعنى: أي: كفرت من قبل بما أشركتمونى. ألا ترى أن كفره قبل كفرهم، و إشراكهم إياه فيه بعد ذلك، فإذا كان كذلك علمت أن «من قبل» لا يصح أن يكون من صلة «ما أشركتمونى» ، و إذا لم يصح ذلك فيه ثبت أنه من صلة «كفرت» .

____________

(1) المؤمنون: 101.

(2) سبأ: 7.

(3) العاديات: 9.

(4) العاديات: 11.

(5) إبراهيم: 22.

707

و من ذلك قوله: (كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ) (1) ، أي: أنزل إليك لتنذر، فأخر اللام المتعلّق بالإنزال.

و قيل: فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك. عن الفراء-فيكون «اللام» متعلقا بالحرج.

و من ذلك قوله: (وَ أَنْفُسَهُمْ كََانُوا يَظْلِمُونَ) (2) ، أي: كانوا يظلمون أنفسهم.

و منه: (وَ بَطَلَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ) (3) ، و (أَ هََؤُلاََءِ إِيََّاكُمْ كََانُوا يَعْبُدُونَ) (4) .

هذا يدل على جواز: يقوم كان زيدا، ألا ترى أن «أنفسهم» منتصب بـ «يظلمون» ، فإذا جاز تقديم مفعوله جاز تقديمه و جاز وقوعه موقع المعمول.

فأمّا قوله: (وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ) (5) ففى موضعه ثلاثة أقوال:

رفع بالعطف على «كتاب» ، و قيل: بل مبتدأ مضمر.

و إن شئت كان نصبا بـ «تذكر» ، أي، لتنذر فتذكر.

و إن شئت هو جرّ باللام، أي: لتنذر و للذكرى.

و ضعّفه ابن عيسى فقال: باب الجر باب ضيّق لا يتسع فيه الحمل على المعاني:

و ليس الأمر كما قال، لأنا عرفنا أن تعدّ اللام مضمرة، و كأنه قال:

للإنذار به و ذكرى للمؤمنين، و إذا جاء: (كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ وَ شَهِدُوا) (6) ، و التقدير: و بعد أن شهدوا، لم يكن لنظر أبى الحسن مجال في هذا الباب، و ابن من أنت من أبى علىّ، و كلامك ما تراه من الاختصار و الإيجاز.

____________

(1) الأعراف: 2.

(2) الأعراف: 177.

(3) الأعراف: 139-هود: 16.

(4) سبأ: 40.

(5) الأعراف: 2.

(6) آل عمران: 86.

708

فأما قوله تعالى: (فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ) (1) فإن العامل فى «إذا» محذوف، كقولك: خرجت فإذا زيد، فبالحضرة زيد، فيكون «فريقان» بدلا من «هم» ؛ و إن كان متعلقا بالمحذوف، فيكون الإخبار عن المبدل منه، و قد قال:

و كأنه لهق السّراة كأنه # ما حاجبيه معيّن بسواد (2)

أخبر عن المبدل منه؛ و الإخبار في الآية إذا قدرت قوله «فريقان» بدلا من «هم» كان متعلقا بمحذوف، كما يكون مع البدل منه فكذلك يجوز أن تجعل قوله «فريقان يختصمون» الخبر عن «هم» ، فإذا قدّرته كذلك أمكن أن تعلق «إذا» بما فى «فريقان» من معنى الفعل، و إن شئت علّقته بالاختصام، و قال: يختصمون، على المعنى. و يجوز أن تجعل «الفريقان» الخبر و نجعل «يختصمون» وصفا، فإذا قدرته كذلك تعلق «إذا» بما فى «الفريقان» من معنى الفعل، و لا يجوز أن يتعلق‏بـ «يختصمون» ، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف/ألا ترى أنه لم يجز: أزيدا أنت رجل تضربه، إذا جعلت «تضرب» وصفا. «و أجاز المازني: زيدا أنت رجل تكرمه، على أن يكون «تكرمه» خبرا ثانيا لـ «أنت» لا وصفا للنكرة. و يجوز أن تجعل «يختصمون» حالا من «هم» ، و تجعل «فريقين» بدلا، فالعامل في الحال الظرف، كقوله: فيها زيد قائما.

و قال في موضع آخر: «يختصمون» وصف أو حال. و الحال من أحد الشيئين:

____________

(1) النمل: 45.

(2) البيت للأعشى. و لهق السراة: أي أبيض أعلى الظهر. و معين بسواد: أسفع الخدين.

709

إما من الضمير فى «فريقان» لأنه منصوب، ألا تراهم قالوا: يومئذ يتفرقون، و ليس كذا.

و الآخر: أن يكون حالا مما فى «ذا» من معنى الفعل، و ذاك إذا جعلته على قولهم: حلو حامض، فإنه على هذا التقدير متعلق بمحذوف، فإذا تعلق بالمحذوف كان بمنزلة قولهم: فى الدار زيد قائما. فإذا لم تجعله على هذا الوجه لم يجز أن ينتصب عنه حال، ألا ترى أنك إذا لم تجعله على قولهم:

حلوّ حامضّ، كان «فريقان» خبر «هم» الوقعة بعد «إذا» ، و إذا كان كذلك كان «إذا» فى موضع نصب مما في قوله «فريقان» من معنى الفعل، فليس فى «إذا» ضمير لتعلقه بالظاهر، فإنما ينصب الحال إذا تعلق بمحذوف خبرا «لهم» .

و أما قوله تعالى: (وَ أَتْبَعْنََاهُمْ فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ هُمْ مِنَ اَلْمَقْبُوحِينَ) (1) ، يحتمل أن يكون: أتبعناهم في هذه الدنيا لعنة و لعنة يوم القيامة؛ فحذف المضاف، و يجوز أن يكون محمولا على موضع «فى هذه الدنيا» كما قال:

إذا ما تلاقينا من اليوم أو غد

و يشهد لذلك، و الوجه الذي قبله، قوله تعالى في آية أخرى: (لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ) (2) ، و قوله: (وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ بِئْسَ اَلرِّفْدُ اَلْمَرْفُودُ) (3) ، و يكون قوله‏ (هُمْ مِنَ اَلْمَقْبُوحِينَ) (4) . جملة استغنى بها عن حرف

____________

(1) القصص: 41.

(2) النور: 23.

(4-3) هود: 99.

710

العطف فيها بالذكر الذي تضمنت ممّا في الأولى، كما استغنى عنه بذلك فى قوله تعالى: (ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) (1) و لو كانت الواو لكان ذلك حسنا كما قال: (وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) . و يجوز أن يكون العامل فيه «من المقبوحين» لأن فيه معنى فعل، و إن كان الظرف متقدما، كما أجاز: كلّ يوم لك ثوب. و يجوز أن يكون العامل فيه مضمرا يدل عليه قوله: «من المقبوحين» لقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاََئِكَةَ لاََ بُشْرى‏ََ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) (2) .

و أما قوله: (اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ لِلرَّحْمََنِ) (3) فيكون «يومئذ» من صلة المصدر، كما كان في التي قبلها، يعنى في قوله: (وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ) (4) ، و «الحق» صفة و الظرف الخبر، و يجوز أن يكون «يومئذ» معمول الظرف، و لا يتقدم عليه و لا يتصل على هذا بالمصدر.

و أما قوله: (وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ) (5) ، إن جعلت الظرف من صلة المصدر جاز أن تنصبه نصب المفعول به، كقولك: الوزن الدراهم حق، و يكون «الحق» على هذا خبر المبتدأ. و إن جعلت «يومئذ» خبر المصدر، لأن «الوزن» حدث، فيكون ظرف الزمان خبرا عنه تعلق بمحذوف، جاز أن ينتصب انتصاب الظرف دون المفعول به، ألا ترى أن المفعول به لا تعمل فيه المعاني، و يكون «الحق» على هذا صفة لـ «الوزن» ، و يجوز أن يكون بدلا من «الذكر» المرفوع الذي في الخبر.

____________

(1) الكهف: 22.

(2) الفرقان: 22.

(3) الفرقان: 26.

(5-4) الأعراف: 8.

711

و أما قوله: (وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدََاءُ اَللََّهِ إِلَى اَلنََّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (1) فهو متعلق بمحذوف، ألا ترى أنه ليس في هذا الكلام فعل ظاهر يجوز أن يتعلق الظرف به، فإذا كان كذلك تعلق بما دل عليه قوله: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، كما أن قوله، (أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ) * (2) الظرف فيه كذلك، و كذلك قوله: (يُنَبِّئُكُمْ إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (3) ، لأنّ الظرف من حيث كان مستقبلا كان بمنزلة «إذا» ، و من ثم أجيب بالفاء كما يجاب «إذا» بها.

و أما قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ) (4) .

فقد تكون مثل التي تقدمت، ألا ترى أن قوله: (وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً) (5) ماض، كما أن قوله: (وَ نَجَّيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا) (6) كذلك، و «ندعو» مستقبل، كما أن‏ (يُحْشَرُ أَعْدََاءُ اَللََّهِ) (7) كذلك، فتجعل الظرف بمنزلة «إذا» كما جعلته ثمّ بمنزلته، فيصير التقدير: يوم ندعو كل أناس بإمامهم لم يظلموا، أو عدل عليهم، و نحوه.

و من ذلك قوله: (فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ*`فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) (8) ، القول فيه:

إن ذلك إشارة إلى النّقر، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي:

نقر يوم عسير، فقوله «يومئذ» ، على هذا متعلق بذلك، لأنه في المعنى مصدر و فيه معنى الفعل، فلا يمتنع أن يعمل في الظرف كما عمل في الحال، و يجوز أن يكون «يومئذ» ظرفا لقوله «يوم» ، و يكون «يومئذ» بمنزلة «حينئذ» ، و لا يكون

____________

(7-1) فصلت: 19.

(2) المؤمنون: 82.

(3) سبأ: 7.

(4) الإسراء: 71.

(5) الإسراء: 70.

(6) فصلت: 18.

(8) المدثر: 8، 9.

712

«اليوم» ، الذي يعنى به وضح النهار، و يكون «اليوم» الموصوف بأنه عسير خلاف الليلة؛ و يكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ، أي: ذلك اليوم يوم في ذلك الحين، فيكون متعلقا بمحذوف و لا يتعلق بـ «عسير» ، لأن ما قبل الموصوف لا تعمل فيه الصفة. فأما «إذا» فى قوله: «فإذا نقر فى الناقور» فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: «يوم عسير» ، تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر فصعب، كما أن «لا بشرى يومئذ» يدل على «يحزنون» .

و من ذلك قوله تعالى: (مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) (1) ، و (وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) * (2) ، و (وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) * (3) و (مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) (4) ، و (وَ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ) (5) كل هذا «ما» فيه منصوب بفعل الشرط الذي بعده، و الفعل منجزم به.

و مثله: (أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ) (6) ، «أيا» منصوب بـ «تدعو» ، و «تدعو» منجزم به.

و منهم من قال: إن «أيّا» ينتصب بمضمر دون «تدعو» ، لأنّ «تدعو» معموله، فلو نصبه وجب تقدير تقديمه.

و أما قوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (7) ، فالتقدير: أي انقلاب ينقلبون، فـ «منقلب» مصدر. و «أي» مضاف إليه، فيصير حكمه حكم المصدر، فيعمل فيه «ينقلبون» .

و من ذلك ما قيل في قوله تعالى: (وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (8) .

____________

(1) البقرة: 106.

(2) البقرة: 272 و 273.

(3) البقرة: 197 و 215، النساء: 127.

(4) فاطر: 2.

(5) سبأ: 39.

(6) الإسراء: 110.

(7) الشعراء: 227.

(8) الأنعام: 110.

713

عن ابن بحر: إن فيه تقديما و تأخيرا، و التقدير: و أقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها و اللّه مقلّب قلوبهم في حال أقسامهم، و عالم منها بخلاف ما حلفوا عليه؛ إذ هو مقلّب القلوب و الأبصار، عالم بما فى الضمير و الظاهر، و ما يدريكم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة، أي: قبل الآية التي طلبوها (وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (1) .

و حمله قوم على أن «الكاف» بمعنى «على» ، و آخرون على أنه بمعنى:

من أجل، أي: من أجل ما لم يؤمنوا/به أول مرة.

و من ذلك قوله: (لَهُمْ دََارُ اَلسَّلاََمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ) (2) ، أىّ: ثبتت لهم دار السلام جزاء لعملهم، و هو أحسن من أن تعلقه بقوله: «وليهم» ، إنما يجازيهم بعملهم الجنة.

و مثله: (أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ) (3) .

و من ذلك قوله: (اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً `قَيِّماً) (4) ، أي: على عبده الكتاب قيّما و لم يجعل له عوجا، ففصل و قدّم و أخّر. و يجوز أن يكون الواو واو الحال، فيكون «قيما» حالا بعد حال.

و من ذلك قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا) (5) ، يكون التقدير: على قرية على عروشها، فيكون بدلا، و يكون «و هي خاوية» بمعنى: خالية، و الجملة تسدد الأول.

____________

(1) الأنعام: 110.

(2) الأنعام: 127.

(3) الأحقاف: 14.

(4) الكهف: 2.

(5) البقرة: 259.

714

و أما قوله تعالى: (وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ (90) `فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ) (1) ، التقدير: فمهما يكن من شى‏ء فسلام لك من أصحاب اليمين إن كان من أصحاب اليمين، فقوله: «إن كان من أصحاب اليمين» مقدّم في المعنى، لأنه لما حذف الفعل و كانت تلى الفاء «أما» قدّم الشرط و فصل بين الفاء و «أما» به، و على هذا جميع ما جاء في التنزيل.

و من ذلك قوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً) (2) .

روى عن حمزة الزيات أنه قال في التفسير: فكيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم.

قال أبو على: أي: كيف تتقون عذابه أو جزاءه، فـ «اليوم» على هذا اسم لا ظرف؛ و كذلك: و اتقوا يوما يجعل الولدان شيبا، إن «اليوم» محمول على الاتقاء. «و قد قيل» : إنه على «إن كفرتم يوما» فهذا تقديره: كفرتم بيوم، فحذف الحرف و أوصل الفعل. و ليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ، لارتفاع الشّبه لما يشاهد.

و قال اللّه تعالى: (وَ إِذََا جََاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذََاعُوا بِهِ) (3)

إلى قوله: (لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطََانَ إِلاََّ قَلِيلاً) (4) .

قيل: الاستثناء من قوله: (أَذََاعُوا بِهِ) فهو فىّ نية التقديم.

و قيل: هو من قوله: (لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) (5) ، و «لو لا» و جوابه اعتراض و قيل: بل هو مما يليه و يعنى به: زيد بن عمرو بن نفيل، يبعث وحده.

ـ

____________

(1) الواقعة: 90 و 91.

(2) المزمل: 17.

(5-4-3) النساء: 83.

715

و منه قوله تعالى: (فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ) (1) . إن نصبت «أربعين» بـ «يتيهون» كان من هذا الباب، و هو الصحيح.

و قيل: بل هو متعلق بـ «محرمة» ، و التحريم كان على التأبيد.

و من ذلك‏ (فَجَزََاءٌ مِثْلُ مََا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ) (2) فيمن رفع «المثل» أنه صفة للـ «جزاء» ، و المعنى: فعليه جزاء من النعم يماثل المقتول، و التقدير: فعليه جزاء وفاء اللازم له، أو: فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد.

فـ «من النعم» على هذه القراءة صفة للنكرة التي هى «جزاء» و فيه ذكره، و يكون «مثل» صفة لـ «الجزاء» ، لأن المعنى: عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم، و المماثلة في القيمة أو الخلقة، على حسب اختلاف الفقهاء في ذلك.

و لا يجوز أن يكون قوله: «من النعم» على هذا متعلقا في المصدر، كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله: (جَزََاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهََا) (3) ، لأنك قد وصفت الموصول، و إذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كالعطف فى التأكيد.

و قيل: قوله: «من النعم» من صلة «ما قتل» و ليس بوصف للـ «جزاء» .

و قيل: هو من صلة «يحكم» و إن تقدم عليه؛ و الجزاء يقوم في أقرب المواضع إلى القاتل عند أبى حنيفة، و عند الشافعي الجزاء من النظير، و لو كان من النظير لم يقل‏ (يَحْكُمُ بِهِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (4) و لم يعطف عليه‏ (أَوْ كَفََّارَةٌ طَعََامُ مَسََاكِينَ) (5) ، لأن ذلك إلى الحكمين، و النظير لا يحتاج فيه إلى ذلك.

____________

(1) المائدة: 26.

(5-4-2) المائدة: 95.

(3) يونس: 27.

716

و أما قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ) (1) ، و (وَ أَنَا عَلى‏ََ ذََلِكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (2) ، و (وَ كََانُوا فِيهِ مِنَ اَلزََّاهِدِينَ) (3) فتبيين للظاهر و ليس بصلة، لأنه لا تتقدم الصلة على الموصول.

و من ذلك قوله: (وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (4) إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ) (5) ، «فتطردهم» جواب النفي في قوله: (مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ) (6) ، و قوله: «فتكون» جواب النفي في نية التقديم.

و من ذلك قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا اَلْكِتََابَ) (7) إلى قوله: (وَ دَرَسُوا مََا فِيهِ) (8) ، فقوله: «درسوا» عطف على «ورثوا» ، و كلتا الجملتين صفة لقوله: «خلف» .

/و قوله: (أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثََاقُ اَلْكِتََابِ) (9) اعتراض بين الفعلين اللذين هما صفة «خلف» .

و من ذلك قوله: (زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ مََا فَعَلُوهُ) (10) إلى قوله: (وَ لِتَصْغى‏ََ) (11) و الآية بينهما اعتراض.

و من ذلك قوله: (لِيَذُوقَ وَبََالَ أَمْرِهِ) (12) ، اللام متعلّق بقوله: (فَجَزََاءٌ مِثْلُ مََا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً) (13) ، أي: يحكم به ليذوق و بال أمره. فيكون قوله «هديا» حالا من الهاء المجرور بالباء،

____________

(1) الأعراف: 21.

(2) الأنبياء: 56.

(3) يوسف: 20.

(6-5-4) الأنعام: 52.

(9-8-7) الأعراف: 169.

(10) الأنعام: 112.

(11) الأنعام: 113.

(13-12) المائدة: 95.

717

و قوله «أو كفارة» عطف على «جزاء» ، و «طعام» بدل منه، أو «عدل ذلك» عطف على «كفارة» و التقدير: فجزاء مثل ما قتل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ليذوق و بال أمره.

و من ذلك: (قَوْلُهُ اَلْحَقُّ وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ) (1) . «يوم» ظرف لقوله: «له» ، و يجوز أيضا أن يتعلق بالمصدر الذي هو «الملك» فيكون مفعولا به، كأنه: يملك ذلك اليوم، كما قال: (مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) (2) .

و قوله: (عََالِمُ اَلْغَيْبِ) (3) فيمن جر، و هي رواية عن أبى عمرو، نعت لقوله: (وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ) (4) . و من رفع «عالم» فهو رفع بفعل مضمر، أي: ينفخ فيه عالم الغيب، كقوله: (رِجََالٌ) (5) بعد قوله:

(يُسَبِّحُ) (6) .

و من ذلك قوله: (وَ أُخْرى‏ََ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهََا) (7) نصب عطف على قوله:

(وَعَدَكُمُ اَللََّهُ مَغََانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهََا) (8) ، تقديره: (و مغانم أخرى) ؛ نظيره: (وَ أُخْرى‏ََ تُحِبُّونَهََا) (9) و التقدير: على تجارة (10) تنجيكم و تجارة أخرى. و إن شئت كان التقدير: و لكم تجارة أخرى تحبونها. ثم قال: (نَصْرٌ مِنَ اَللََّهِ) (11) أي:

هى نصر.

____________

(1) الأنعام: 73.

(2) الفاتحة: 4.

(3) الأنعام: 73.

(4) الأنعام: 71.

(5) النور: 37.

(6) النور: 36.

(7) الفتح: 21.

(8) الفتح: 20.

(11-9) الصف: 13.

(10) يريد قوله تعالى في الآية العاشرة من هذه السورة-سورة الصف- (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ تُنْجِيكُمْ) .

718

و من ذلك قوله: (فَلَمََّا جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرِحُوا بِمََا عِنْدَهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ) (1) .

قال: معمر: التقدير: و جاءتهم رسلهم بالبينات من العلم.

و من ذلك قوله: (وَ هُوَ اَلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) (2) إلى قوله:

(لِيُدْخِلَ اَللََّهُ فِي رَحْمَتِهِ) (3)

قال أبو الحسن: اللام من صلة «كف» ، و لو قال: متعلق بمضمر دل عليه «كف» لم يكن فصلا بين الصلة و الموصول و كان أحسن.

و من ذلك قوله: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهََادَةً عِنْدَهُ مِنَ اَللََّهِ) (4) .

قال أبو على: الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، و الشهادة من اللّه هى شهادة يحملونها ليشهدوا بها، كما قال: (فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (5) ، فإنه يجوز أن يكون التقدير: إن أحوالهم ظاهرة و إن كتموها، كما قال: (لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ) (6) ، فإذا لم يتعلق بـ «كتم» تعلق بـ «الشهادة» ، و تعلّقه به على وجوه:

فإن جعلت قوله: «عنده» صفة للشهادة لم يجز أن يكون «من اللّه» متعلقا بـ «شهادة» ، لأنه فصل بين الصلة و الموصول، كما أنك لو عطفت عليه كان كذلك.

و يجوز أن تنصب «عنده» لتعلقه بـ «شهادة» ، فإذا فعلت ذلك لم يتعلق به «من اللّه» لأنه لا يتعلق به ظرفان.

و إن جعلت «عنده» صفة أمكن «من اللّه» حالا عما فى «عنده» ،

____________

(1) غافر: 83.

(3-2) الفتح: 24: 25.

(4) البقرة: 140.

(5) آل عمران: 81.

(6) غافر: 16.

719

فإذا كان كذلك وجب أن يتعلق بمحذوف في الأصل، و الضمير العائد إلى ذى الحال هو في الظرف الذي هو «من اللّه» .

و يجوز أن تجعل الظرفين جميعا صفة للشهادة.

و قيل في قوله: (لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً (23) `لاََ يَذُوقُونَ) (1) تقديره: لا يذوقون أحقابا، فهو ظرف لـ «لا يذوقون» ، و ليس بظرف لـ «لابثين» ، إذ ليس تحديدا لهم، لأنهم يلبثون غير ذلك من المدد، فهو تحديد لذوق الحميم و الغسّاق.

و من ذلك قوله: (وَ مَا اِخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (2) .

عند الأخفش على تقدير: و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم.

و لا يلزم قول ابن جرير، لأن «من» فى قوله «من بعد» يتعلق بـ «ما اختلف» لا المصدر، و الفصل بين المفعول له و المصدر، لأنّ المفعول له علّة للفعل، و المصدر اختلف فيه الأصحاب.

بيّض الموضع أبو على في الكتاب.

و من ذلك قوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ) (3) إلى قوله:

(وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (4) جر «المسجد» عندنا محمول على «الشهر» ، و التقدير:

يسألونك عن قتال في الشهر الحرام و الشهر الحرام، لأن القتال كان حقه عند المسجد.

/و قوم يحملونه على الباء في قوله «كفر به» ، و المضمر المجرور لا يحمل عليه المظهر حتى يعاد الجار.

____________

(1) النبأ: 23 و 24.

(2) آل عمران: 19.

(4-3) البقرة: 217.

720

و أبو على يحمله على المصدر، و التقدير: و صد عن سبيل اللّه و عن المسجد، و وقع الفصل بالمعطوف، و هو قوله «و كفر به» بين الصلة و الموصول، و هذا لا يجوز. و قد ذكر... (1) هو في مواضع أشياء أبطلها بمثل هذا القول، حتى إنه قال في قوله: (أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) (2) لا يكون «أو يرسل» عطفا على «وحيا» ، و قد علقت «أو من وراء حجاب» بمضمر، لأنك فصلت بين المعطوف على الوصول بما ليس من صلته. و قد تقدم هذا.

و من ذلك قوله: (كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ*`فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ) (3) . و يجوز أن يكون من صلة «تتفكرون» .

و قيل في قوله تعالى: (وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً) (4) .

قيل: فيه تقديم و تأخير، و التقدير: إنه كان فاحشة إلا ما قد سلف، فصار فاحشة بعد نزول الفاحشة.

و قيل: إنها نزلت في قوم كانوا يخلفون الآباء على نسائهم، فجاء الإسلام بتحريم ذلك، و عفا عما كان منهم في الجاهلية أن يؤاخذوا به إذا اجتنبوه فى الإسلام.

و قيل: التقدير: و لا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، فـ «ما» مصدرية، و «من» صلة «تنكحوا» .

و قيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن ما قد سلف في الجاهلية، و إنه معفو عنه.

____________

(1) مكان هذه النقط بياض الأصل‏

(2) الشورى: 51.

(3) البقرة: 219 و 220.

(4) النساء: 22.

721

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مَوََالِيَ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ) (1) . قالوا: فيه قولان:

أحدهما: «ما» بمعنى: «من» ، و هو قبيح.

و الآخر: أن تكون صفة «كل» ، و الفصل لا يمنع كما لم يمنع‏ (أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (2) و (أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (3) و (لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً) (4)

و أما قوله: (مََا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) (5) . لا يكون الباء من صلة «قلته» ، لأنه لا يتقدم على الشرط ما في حيزه، و لا يكون للقسم، لأنه لا لام مع «إن» ، و لا مع «قد» و القسم يوجب ذلك، نحو: و اللّه لئن تأت لأقومن، فهو من صلة الظرف الذي قبله.

و من ذلك قوله: (وَ مِنَ اَلْبَقَرِ وَ اَلْغَنَمِ) (6) إلى قوله: (مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) (7)

يجوز في موضع «الحوايا» وجهان:

أحدهما: إنه رفع، عطف على «الظهور» ، بتقدير: أو ما احتملت الحوايا.

و الثاني: النصب، /بمعنى العطف على «ما» فى «إلا ما حملت» ، و موضع «ما اختلط» نصب، لأنه معطوف على «ما» الأولى.

و قال قوم: حرمت عليهم الثّروب و أحل لهم ما حملت الظهور، فصار قوله‏ (اَلْحَوََايََا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) (8) نسقا على «ما حرم» لا على الاسم

____________

(1) النساء: 33.

(2) الأنعام: 14.

(3) إبراهيم: 10.

(4) المائدة: 48.

(5) المائدة: 116.

(8-7-6) الأنعام: 146.

722

المعنى على هذا للقول: أو حرمنا عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم، و دخلت «أو» على طريق الإباحة.

و من ذلك قوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ) (1) .

قال مجاهد: فيه تقديم و تأخير، و التقدير: لآتينهم من بين أيديهم و عن أيمانهم حيث ينظرون، و من خلفهم و عن شمائلهم من حيث لا ينظرون.

و قال أبو على: أي: أسوّل لهم تسويلا و أغويهم إغواء أكون به كالغالب لهم المستولى عليهم، لأن من أوتى من هذه الجهات فقد أحيط به، و من أحيط به فقد استولى عليه.

و قيل: من بين أيديهم أشكّكهم في أخراهم، و من خلفهم أرغبهم فى دنياهم، و عن أيمانهم، أي: من قبل حسناتهم، و عن شمائلهم: من قبل سيئاتهم. عن ابن عباس.

و يقال: لم دخلت «من» فى الخلف و القدام، و «عن» فى اليمين و الشمائل؟ و الجواب: لأن في الخلف و القدام معنى طلب النهاية، و في اليمين و الشمال الانحراف.

قال أبو عيسى: لم يقل: «من فوقهم» ، لأن رحمة اللّه تنزل عليهم من فوقهم؛ و لم يقل: «من تحت أرجلهم» ، لأن الإتيان منه موحش.

____________

(1) الأعراف: 17.

723

و من ذلك قوله: (فَلاََ تُعْجِبْكَ أَمْوََالُهُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُهُمْ) (1) .

قال ابن عباس: فى الآية تقديم و تأخير، و التقدير: لا تعجبك أموالهم و لا أولادهم في الحياة الدنيا، و إن كان موجزا في اللفظ.

و قيل: هو على حذف المضاف، أي: يعذبهم بمصائبها التي تصيبهم؛ و قيل: بزكاتها؛ و قيل: بغنيمتها و سبى الأولاد، لأنه قيل: «الهاء» للأولاد، لقوله: (اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا) (2) .

و قيل: يعذبهم اللّه بجمعها و البخل بها.

و من ذلك قوله: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) (3) إلى قوله: (لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ) (4) . اللام من صلة «أسكنت» و هو في نية التقديم، و الفصل بالنداء غير معتد به.

(وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ (43) `بِالْبَيِّنََاتِ وَ اَلزُّبُرِ) (5) . فإنه في المعنى في نية التقديم و التأخير، و التقدير: و ما أرسلنا من قبلك بالبينات و الّزبر. و لكنه يمنع من ذلك شى‏ء، و هو «من قبل» لأنه لا يعمل فيما بعده إذا تم الكلام قبله، و لكنه يحمله على مضمر دل عليه الظاهر، أي: أرسلناهم بالبينات.

و من ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (6) ، جوّز: إما أن يكون «يوم نطوى» منصوبا بـ «نعيده» ، أو بدل من الهاء فى‏ (كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (7) ، و لم يجز أن يكون منصوبا بـ «هذا يومكم» (8) كقوله:

____________

(1) التوبة: 55.

(2) الجمعة: 11.

(4-3) إبراهيم: 37.

(5) النحل: 43 و 44.

(6) الأنبياء: 104.

(8-7) الأنبياء: 103.

724

أيام فارس و الأيام من هجرا (1)

لأنه اليوم بعينه، و لا معنى لفعل فيه.

و من ذلك قوله: (حَتََّى إِذََا فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ) (2) ، و (حَتََّى إِذََا أَخَذْنََا مُتْرَفِيهِمْ) (3) . العامل فى «إذا» (إِذََا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (4) و (إِذََا هُمْ يَجْأَرُونَ) (5)

الفعل و الفاعل، و «إذا» للمفاجأة، و هو الناصب للجار و المجرور، أعنى: حتى إذا فتحنا، و: حتى إذا أخذنا، كما تقول: يوم الجمعة عندك زيد، و لا تنصب «إذا» الأولى بما بعد «إذا» الثانية، لأن الثانية كالفاء، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها.

و من ذلك قوله: (إِنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ) (6) . إن جعلت «ما» استفهاما كان مفعولا مقدما لقوله «يدعون» ، عن الخليل، لمجى «من» بعده، و إن جعلته بمعنى «الذي» ، كان منصوبا بـ «يعلم» ، أي:

أعلم الذين تدعونه فلا تعلم ما أخفى لهم من قرة أعين، فيكون استفهاما، و يكون موصولا.

و أما قوله: (ثُمَّ إِذََا دَعََاكُمْ دَعْوَةً مِنَ اَلْأَرْضِ إِذََا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) (7) يكون حالا من الضمير فى «دعاكم» . و لا يتعلق بـ «تحرجون» لأن ما لا في حيّز المضاف لا يتقدم عليه.

و من ذلك قوله: (فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ) (8) . التقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة. و هو قول أبى الحسن. يدل عليه قوله: (أَنََّى لَهُمُ اَلذِّكْرى‏ََ) (9)

____________

(1) عجز بيت للفرزدق، و يروى للأخطل، صدره:

منهن أيام صدق قد عرفت بها

(الكتاب 2: 23) .

(2-4) المؤمنون: 77.

(3-5) المؤمنون: 64.

(6) العنكبوت: 42.

(7) الروم: 25.

(8) محمد: 18.

(9) الدخان: 13.

725

فى الأخرى، و فيما ذكر من وصف هذا اليوم، فى نحو قوله: (يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) (1) . و قوله: (يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً) (2) و نحوها من الآي المتضمّنة صعوبة الأمر دلالة على التذكّر لا يكون فيه، لما يدهم الناس و يغشاهم.

و من ذلك قوله: (وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ) (3) . أي:

فبشّرناها/بإسحاق فضحكت.

و منه قوله: (وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكََانَ لِزََاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى) (4) .

«أجل» معطوف على «كلمة» فى نية التقديم.

و منه قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهََا) (5) . أي: فعقروها فكذبوه.

و من ذلك قوله: (ثُمَّ دَنََا فَتَدَلََّى) (6) أي: تدلّى فدنا. و قيل: قرب من الأفق إلى سماء الدنيا فتدلّى إلى الأرض، و كل من استرسل من علو إلى سفل فقد تدلى، تشبيها بإرسال الدّلو في البئر.

و من ذلك قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ رَكَّبَكَ) (7) .

إن جعلت «ما» صلة تعلق قوله «فى أي صورة» بـ «ركبك» ، و «شاء» صفة للصورة، أي: شاءها، و لا يكون «ما» شرطا.

و إن تعلق الجار بـ «ركبك» . لأنك تقول «زيدا إن تضرب اضرب، فتنصب بـ «أضرب» .

و قيل: «فى» بمعنى «إلى» . فيتعلق ب (فَعَدَلَكَ) (8) ، أي: عدلك إلى أي صورة، أي: صرفك.

____________

(1) الحج: 2.

(2) المزمل: 17.

(3) هود: 71.

(4) طه: 129.

(5) الشمس: 14.

(6) النجم: 8.

(7) الإنفطار: 8.

(8) الإنفطار: 7.

726

و أما قوله: (لَوْ لاََ أَنْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْنََا) (1) أولى أنّ الفعل من غير فصل، و ليس هذا كقوله: (وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ) (2) ، لأن «ليس» ليست لها قوة الفعل، و لكنه يكون «لا» المركبة مع «لو» عوضا من الفصل، و إن تقدمت، كما كان عوضا من التوكيد في قوله: (مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا) (3) ، و إن كانت بعد حرف العطف زائدة عن موضع التوكيد فى الحاشية.

قال عثمان: راجعته في هذا فقلت: و لم جعلت «أن» مخففة من الثقيلة، و ما أنكرت أن تكون هي الخفيفة الناصبة للفعل؟فتفكر مليّا ثم جوّزه.

و من التقديم و التأخير قول الكوفيين: نعم زيد رجلا. و استدلوا ب (وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً) (4) . قال: و قد يكون التقدير على غير ما قالوا، لأن «نعم» غير متصرف.

و من ذلك: (حم (1) `وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ) (5) إلى قوله: (إِنََّا كُنََّا مُنْذِرِينَ) (6)

هو جواب القسم.

فأما قوله: (إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ) (7) اعتراض ليس بجواب، لأنه صفة القرآن، و ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشي‏ء إذا أخبروا عنه، فهو معترض بين القسم و جوابه.

ـ

____________

(1) القصص: 82.

(2) النجم: 39.

(3) الأنعام: 148.

(4) النساء: 69.

(5) الدخان: 1 و 2.

(7-6) الدخان: 3.

727

و من ذلك قول الفراء في قوله: (فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً) (1) قال: و عذبناها في الدنيا و حاسبناها في الآخرة و أما قوله: (وَ إِذََا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللََّهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) (2) فإن الجار يجوز تعلقه بشيئين: بالأخذ و العزة؛ فإن علقته بـ «الأخذ» كان المعنى: أخذه بما يؤثم، أي: أخذه بما يكسبه ذلك. و المعنى، أنه للعزة يرتكب ما لا ينبغى أن يرتكبه بما يؤثمه. و كأن العزة حملته على ذلك و قلة الخشوع.

و قد يكون المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: مما يعتز بإثمه فيبعده مما يرضاه اللّه.

و من ذلك قوله: (وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ) (3) . قال أبو الحسن:

عنى به الشياطين.

و قوله: (لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ) (4) ، عنى به الناس.

الطبري: هذا المخالف لقول جميع أهل التأويل، لأنّهم مجمعون أن قوله (وَ لَقَدْ عَلِمُوا) (5) يعنى به اليهود دون الشياطين، و هو خلاف ما دل عليه التنزيل، لأن الآيات قبل قوله و بعد قوله: (لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ) (6)

جاءت بذم اليهود، فقوله‏ (لَمَنِ اِشْتَرََاهُ) (7) مثله، و معناه التقديم، و التقدير:

و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن اللّه و يتعلمون ما يضرهم و لا ينفعهم و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. و لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق.

و قال بعضهم: نفى عنهم العلم بعد أن أثبته لهم؛ لأنهم علموا و لم يعلموا.

____________

(1) الطلاق: 8.

(2) البقرة: 206.

(7-6-5-4-3) البقرة: 102.

728

و من ذلك قوله: (وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ*`فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا) (1) . أي: و ادعوا شهداءكم، و لن تفعلوا، و اتقوا النار.

و من هذا الباب عندى دون سائر النحويين:

قوله: (أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (2) .

و قوله: (إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (3) .

و قوله: (أَ فَلاََ يَعْلَمُ إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ) (4)

فـ «إذا» فى هذه الآي محمول على ما بعد «إن» ، و جاز ذا لأنه ظرف.

و قد تصالح الأستاذ و الغلام‏ (5) على أن الظرف يعمل فيه الوهم و رائحة الفعل، و حكى عنه ذلك في مواضع، و لكنهم تعاضدوا في هذه الآي و أجمعوا أن ذا محمول على مضمر دون ما بعد «إن» .

و قد قال‏ (6) سيبويه في ذلك: و سألت الخليل عن قوله: أ حقا إنك لذاهب؟فقال: لا يجوز كما لا يجوز: يوم الجمعة إنه لذاهب.

قال أبو سعيد: لأن «أ حقا» ، و «يوم الجمعة» في مذهب الظرف، و لا يجوز نصبهما بعد «إن» لأنه لا يعمل فيما قبل «إن» ما بعدها، و إنما تنصبها كما تنصب «خلفك زيد» ، و لا يجوز: «خلفك إن زيدا ذاهب» ، و إنما يقال: خلفك زيد ذاهب، كما تقول: خلفك ذهاب زيد، فإذا لم يجز:

خلفك إن زيدا: ذاهب. فقولك: خلفك إن زيدا لقائم، أبعد في الجواز، لمنع اللام من اتصال ما قبلها بما بعدها، و لا يجوز أيضا: أ حقا إنه لذاهب، صح بفتح «أن» مع اللام، لأن «اللام» يوجب أن ما بعدها جملة مستأنفة.

____________

(1) البقرة: 23 و 24.

(2) الرعد: 5.

(3) سبأ: 7.

(4) العاديات: 9.

(5) يريد: الخليل و سيبويه، و قد صرح باسميهما بعد قليل.

(6) الكتاب (1: 47) .

729

و هذا الفصل نقله أبو علىّ بهذا اللفظ من كلام أبى سعيد، و جروا عن آخرهم على هذا، و نسى أبو علىّ هذا الفصل في قوله:

و لو شهدت أم القديد طعاننا # بمرعش خيل الإرمنى أرنّت‏ (1)

فى كلام طويل حكاه عن أبى علىّ، و أن «خيل الإرمنى» منصوب بـ «طعاننا» ، و «الباء» متعلق بمحذوف حالا من «نا» فى «طعاننا» ، أو من نفس المصدر، و الفصل به كلا فصل، لأنه ظرف.

و قال في بعض كلامه: (وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ) (2) . قال‏ (3)

فى بعض المواضع: قياس قول سيبويه أنه يكون انتصاب «جميعا» كانتصاب؛ «أرخص» ، فى قولهم: البر أرخص ما يكون قفيزان. و يجعل «الأرض» «القبضة» على الاتساع، فلا يحمله على حذف المضاف، أي: ذات قبضته، لأن ما يتعلق بالمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، إلا أن يحمل الكلام على المعنى، لأن المعنى: ذات قبضته متذللة منقادة، فيكون كقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاََئِكَةَ لاََ بُشْرى‏ََ يَوْمَئِذٍ) (4)

و يجوز أن يكون «الأرض» مرتفعا بالابتداء، و «قبضته» مبتدأ ثان، لأن القبضة ليست بالأرض، و «جميعا» منتصب، بـ «إذا يكون» ، كأنه:

و الأرض قبضته إذا يكون جميعا فـ «إذا» خبر عن القبضة لأنه مصدر، و قدم خبر المبتدأ، مثل قولك: و يوم الجمعة القتال.

و قال في «التذكرة» : لا يجوز أن يكون «جميعا» منصوبا على تقدير: إذا

____________

(1) البيت لسيار بن قصير الطائي. و مرعش: من ثغور إرمينية. و أرنت: صوتت. (الحماسة 1: 161- معجم البلدان: مرعش-لسان العرب: رعش) .

(2) الزمر: 67.

(3) الكتاب (1: 199) .

(4) الفرقان: 22.

730

كانت جميعا، لأن «إذا» تبقى غير متعلقة بشي‏ء لأن القبضة مصدر، فلا تعمل فيما قبلها، و لكنه على أن تجعل المصدر، يعنى «المفعول» ، أي:

المقبوض، و المفعول ينصب ما قبله، و إن لم يعمل المصدر فيما قبله. «و مثل القبضة» : «القسمة» فى نحو قوله: (وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‏ََ) (1) ، لقوله: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) (2) ، أي: من المقسوم، لأن الرزق لا يكون‏[القسمة] (3) .

هذا كلامه في هذه الآية.

و قال في الظرف في قوله: (وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ) (4) : إنه متعلق بمعنى «إله» ، كقوله: «كل يوم لك ثوب» ، و لم يلتفت إلى معنى: إله ذو العبادة، و أن المتعلق بالمضاف إليه لا يتقدم على المضاف.

و لعله جعله بمعنى «مألوه» من أن «القبض» بمعنى «المقبوض» .

فإن راجعنا درس «الكتاب» و حضرتنا نكتة تدفع الفصل أخبرناك بها إن شاء اللّه.

و قد بلغ من أمرهم ما هو أشد من هذا، فقالوا: لا يجوز: زيدا ما ضربت، على تقدير: ما ضربت زيدا، لأنه نقيض قولهم: إنّ زيدا قائم: فتقول:

ما زيد قائم، ألا ترى أن «ما» يكون جوابا للقسم في النفي كما يكون جوابا فى الإيجاب؛ فلما صارت بمنزلة «إن» لم يعمل ما بعدها فيما قبلها.

ثم إنهم قالوا في قوله: (كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ) (5) : و يجوز أن تكون، ما «نافية» ، و «قليلا» نصب بـ «يهجعون» ، لأنه ظرف، و الظرف يكتفى فيه برائحة الفعل، أي: ما كانوا يهجعون من الليل.

فقد حصل من هذا كله أن الحارثي يسوّى بين الظرف و بين الاسم

____________

(2-1) النساء: 8.

(3) تكملة يقتضيها السياق.

(4) الزخرف: 84.

(5) الذاريات: 17.

731

المحض؛ فلا يعمل ما بعد «إن» فيما قبل «إن» ، سواء كان ظرفا أو اسما محضا، فعلى هذا قوله: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (1) ، لا يتأتى إعمال قوله «فى شأن» فى قوله:

«كل يوم» على قول الحارثي، و إن كان ظرفا، لأن الظرف و الاسم الصريح عنده سيان، فجاء من هذا أن قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (2) كقولهم: زيدا أجله أحرز، فتنصب «زيدا» بـ «أحرز» ، للفصل بين المعمول و العامل بالمبتدأ، و هو أجنبى، و كما لا يجوز: زيدا أجله أحرز، وجب ألا يجوز «كل يوم هو فى شأن» أن تنصب «كل» بـ «فى شأن» . لأنه مثل «أجله» فى المسألة، فلهذا اضطرب كلام الأستاذ و غلامه فيما أنبأناك به. و اللّه أعلم.

و أما قوله: (وَ ثَمُودَ فَمََا أَبْقى‏ََ) (3) فتحمله على مضمر، أو على قوله:

(أَهْلَكَ عََاداً اَلْأُولى‏ََ) (4) ، لا تحمله على «أبقى» .

و مثل الآي المتقدم ذكرها:

(يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى‏ََ إِنََّا مُنْتَقِمُونَ) (5) لا تحمله على قوله «إنّا منتقمون» لما ذكرنا، و إنما تحمله على مضمر. و أما قوله:

رأسها ما تقنّع‏

فالنصب على أن يكون مفعول «تقنع» على هذه القاعدة خطأ، و الصحيح رواية من رواه بالرفع على تقدير: و رأسها ما تقنعه، فحذف الهاء. كقراءة ابن عامر: (وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ) * (6) أي: وعده اللّه.

و من ذلك قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ مََا أَنْزَلَ هََؤُلاََءِ إِلاََّ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بَصََائِرَ) (7) «فبصائر» حال من «هؤلاء» ، و قد أخّره عن الاستثناء.

____________

(2-1) الرحمن: 29.

(3) النجم: 51.

(4) النجم: 50.

(5) الدخان: 16.

(6) النساء: 95.

(7) الإسراء: 102.

732

و هم يقولون: ما قبل «إلا» لا يعمل فيما بعده، إذا كان الكلام تاما.

و حدثتك غير مرة ما زعم أن «بادئ الرأى» محمول على الظرف، لأن الظرف يعمل فيه الوهم. فربما يقول هنا: إن الحال يشبه الظرف. و قد بيّنا شبهه بالظرف فيما سلف.

و من التقديم و التأخير قوله: (وَ لِيَبْتَلِيَ اَللََّهُ مََا فِي صُدُورِكُمْ) (1) ، تقديره: ثم صرفكم عنهم ليبتليكم و ليبتلى اللّه ما في صدوركم، فيكون كقوله: (وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ) (2) ، و قوله: (وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنََّاسِ) (3) . هذا كله على أفعال مضمرة. قد ذكرناه في حذف الجمل و لم نحكم بزيادة الواو.

و من ذلك قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهََا مَنََافِعُ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهََا إِلَى اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ) (4) . و التقدير: إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق، ثم محلها، فـ «إلى» الأولى تتعلق بالظرف، أعنى: «لكم» و «إلى» الثانية متعلقة بمحذوف فى موضع الحال «من منافع» ، أو من الضمير، أي: واصلة إلى البيت العتيق، «ثم محلها» ، أي: محل نحرها.

قال مجاهد: ثم محل البدن و الهدايا إلى البيت العتيق إلى أرض الحرم، فعلى هذا لا تقديم و لا تأخير.

و قيل: معناه: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم.

و عن أبى موسى: محل هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت.

و قيل: ثم محلها منافع أيام الحج إلى البيت العتيق بانقضائها. روى ذلك ابن وهب.

____________

(1) آل عمران: 154.

(2) البقرة: 185.

(3) مريم: 21.

(4) الحج: 33.

733

عن ابن زيد: محلها حتى تنقضى تلك الأيام، يعنى أيام الحج إلى البيت العتيق.

و مقتضى هذه الأقاويل غير ما قدمنا أن يكون قوله: «إلى البيت» متعلقا بخبر المبتدأ، أي: محلها منتهى إلى البيت، أو يكون «إلى» زيادة، و لم نعلمها جاءت زيادة في موضع. و اللّه أعلم.

و من ذلك ما قاله الجرجاني‏ (1) فى قوله تعالى‏ (اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ وَ فَرِحُوا بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) (2) . قال: التقدير: و الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل و يفسدون في الأرض و فرحوا بالحياة الدنيا، و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع، أولئك لهم اللعنة و لهم سوء الدار، و قوله تعالى‏ (يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ) * (3) عارض بين الكلام و تمامه.

و الصواب أنه يكون: إنه لما بسط اللّه الرزق لقوم فرحوا بهذا البسط، أي: حملهم على المرح، و هو كثير. و أنشد سيبويه:

و ما مثله في النّاس إلا مملّكا # أبو أمه حىّ أبوه يقاربه‏ (4)

تقديره: و ما مثله في الناس حىّ يقاربه إلا مملكا أبوه، و ذلك أن الفرزدق مدح هشام بن إسماعيل المخزومي، فقال: و ما مثله-أي هشام المخزومي-فى الناس حى يقاربه إلا مملكا-يعنى هشام بن عبد الملك- أبو أمه-أي: أبو أمه هذا الخليفة هشام بن عبد الملك-أبو هشام بن إسماعيل المخزومي، و ذلك أن إسماعيل أب المخزومي جد الخليفة هشام بن عبد الملك من قبل أمه، و أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي،

____________

(1) الجرجاني: علي بن عبد العزيز، و له «تفسير القرآن» . توفي سنة 366 هـ.

(3-2) الرعد: 26.

(4) البيت للرزدق (الكتاب 1: 14) .

734

فهشام الممدوح خال هشام الخليفة، و أبو أم الخليفة أبو الممدوح، فـ «حى» اسم «ما» ، و «يقاربه» صفته، و فصل بين الصفة و الموصوف بخبر المبتدأ، و هو «أبو أمه» مع خبره في موضع النصب لـ «مملك» ، و قدم المستثنى و هو «مملكا» على المستثنى منه و هو «حى» ، و أنشدوا للقلاخ:

و ما من فتى كنّا من الناس واحدا # به نبتغى منهم عميدا نبادله‏

قال البيّانى‏ (1) : هذا كلام مستكره، و تلخيصه: فما كان أريب فتى، و ذلك من شرط المرتبة. و الفصل بينهما و بين المدح، أعنى إدخال كان فيها، فحذفها و اكتفى منها بقوله «كنا» ، و «من» لغو، كقولك: ما رأيت أحدا، و ما رأيت من أحد كنّا من الناس واحدا، أي: كنا نبغى عميدا أو أحدا من الناس نبادله به. و المعنى: لا أحد أفتى و أسود نتمناه مكانه.

و القلاخ بن حزن بن جناب العنبري، نصرى، عمّر عمرا طويلا فى الإسلام، و القلاخ مأخوذ من «القلخ» ، و هو رغاء من البعير فيه غلظ و خشونة، و أحسبه لقبا. و اللّه أعلم.

و له مع معاوية بن أبى سفيان خبر يذكر فيه أنه ولد قبل مولد النبي صلى اللّه عليه و على آله.

قال عثمان: فى البيت فيه أشياء في التقديم و التأخير، و ذلك أنه أراد:

فما من الناس فتى كنا نبتغى منهم واحدا عميدا نبادله به.

و لا يحسن أن يكون «واحدا» صفة لـ «عميد» من حيث لم يجز أن تقوم الصفة على موصوفها، اللهم إلا أن يعتقد تقديمه عليه، على أن

____________

(1) البياني: قاسم بن أصبغ. توفي سنة 304 هـ.

735

يجعله حالا منه، فقوله «من الناس» خبر من «فتى» ، و قد فصل بينهما ببعض صفة الفتى، و هو قوله «كنّا» ، و يجوز أن «من الناس» صفة أيضا لـ «فتى» على أن يكون خبر «فتى» محذوفا «أي «ما في الوجود أمر في المعلوم أو نحو ذلك: فتى من أمره و من شأنه. و يجوز أن يكون نصب «واحدا» بـ «ينبغى» ، و «عميدا» وصف له، و قدم «واحدا» و هو مفعول «ينبغى» عليه، و قدم «به» و هو متعلقه بقوله «نبادله» ، و هو صفة لـ «عميد» هى. و لا يجوز تقديم «ما» فى الصفة على موصوفها، لو قلت: عندى زيدا رجل ضارب، و أنت تريد: عندى ضارب زيدا، لم يجز، و ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و العامل هنا هو الصفة، و محال تقديمها على موصوفها، فإذا لم يجز ذلك أضمرت «للناس» مما يتعلق به مما يدل عليه. قوله «نبادله» ، هنا بمعنى نبدله، وقع فاعل موقع أفعل، كقولهم:

عافاه اللّه، أي أعفاه، و طارقت النعل، أي أطرقتها، و جعلت لها طرقا.

و يجوز أن يكون «به» متعلقه بـ «نبتغى» ، كقولك. طلبت بهذا الثوب مائة درهم، و أردت فيما بعت، نبادله به، فحذفت الثانية لمجى‏ء لفظة الأولى.

736

الباب الثامن و الثلاثون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل الذي يتوهم فيه جريه على غير من هو له، و لم يبرز فيه الضمير، و ربما احتج به الكوفي، و نحن لا نجيز ذلك لأنا نقول: أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له خبرا أو صفة أو حالا أو صلة وجب إبراز الضمير فيه فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اَللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ‏`خََالِدِينَ فِيهََا) (1) . فقوله «خالدين» حال من المجرور بـ «على» ، أي: أولئك عليهم لعنة اللّه خالدين فيها، فقد جرى على غير من هو له، فلم يبرز فيه الضمير.

و من قال: إنه حال من «اللعنة» لمكان الكناية المتصلة به و هو «فيها» لم يصح، لأنه حينئذ جرى على اللعنة و الفعل لغيرها، فوجب أن يبرز فيه الضمير، و كان يجى‏ء: خالدين فيها هم.

و مثله: (أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اَللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ (87) `خََالِدِينَ فِيهََا) (2) ، هو على هذا الخلاف.

و مثله: (يُدْخِلْهُ نََاراً خََالِداً فِيهََا) (3) ، لا يكون «خالدا فيها» صفة للنار، لأنه لم يقل:

خالدا فيها هو، و إنما حال من الهاء في «يدخله» ، أي: يدخله نارا مقدرا الخلود فيها، كما قال: (فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا) ، (4) أي: مقدرا الضحك من قولها.

____________

(1) البقرة: 161.

(2) آل عمران: 87.

(3) النساء: 14.

(4) النمل: 19.

737

و أما قوله: (وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا) (1) لا يكون «خالدا» حالا من الهاء في «جزاؤه» لأنه أخبر عن المصدر بقوله «جهنم» ، فيكون الفصل بين الصلة و الموصول، و لا يكون حالا من «جهنم» لمكان «فيها» ، لأنه لم يبرز الضمير، ألا ترى أن الخلود ليس فعل «جهنم» ، فإذا هو محمول على مضمر، أي: يجزاه خالدا فيها.

و نظيره في «الحديد» : (بُشْرََاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (2) .

و قال: (جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (3) .

قال أبو علىّ: بشراكم اليوم جنات، أي: حلول جنات، أو: دخول جنات؛ لأن البشرى حدث، و الجنة عين، و لا تكون هي هى، و إذا كان كذلك لم تخل «خالدين» من أن تكون حالا من «بشراكم» ، أو من المصدر المحذوف في اللفظ المراد في المعنى، فلا يجوز أن يكون من «بشراكم» على معنى: تبشرون خالدين، لئلا يفصل بين الصلة و الموصول؛ فإذا كان كذلك قدرت الحال من «الدخول» المحذوف من اللفظ المثبت في التقدير، ليكون المعنى عليه، كأنه: دخول جنات خالدين، أي: مقدرين الخلود مستقبلا، كقوله: (فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ) (4) .

فإن قلت: فهل يجوز أن يكون الحال مما دل عليه البشرى، كما كان الظرف متعلقا بما دل عليه المصدر، فى قوله تعالى: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى اَلْإِيمََانِ فَتَكْفُرُونَ) (5) كأنهم يبشرون خالدين؛ فالقول: إن ذلك لا يمتنع

____________

(1) النساء: 93.

(2) الحديد: 12.

(3) البينة: 8.

(4) الزمر: 73.

(5) غافر: 10.

738

فيما ذكرت من الظرف، إذ كان الظرف أسهل من الحال، ألا ترى أن الحال هو المفعول به في المعنى، فلا يحسن أن يعمل فيه ما لا يعمل في المفعول به، و من ثم اختلفا فى امتناع تقديم الحال إذا كان العامل فيها بمعنى، و لم يمتنع ذلك في الظرف؛ و قد جعلنا الظرف متعلقا «بالبشرى» و إن لم تقدره كذلك، و لكن إن جعلت الظرف خبرا جاز ذلك، و يكون «جنات» بدلا من «البشرى» ، على أن حذف المصدر المضاف مقدّر، و يكون «خالدين» على الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.

و مثله في «التغابن» : (وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ وَ يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (1) . «خالدين» حال من الهاء العائدة إلى «من» ، و حمل على المعنى فجمع.

و مثله في «الطلاق» : (خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اَللََّهُ لَهُ رِزْقاً) (2) .

و في «التّوبة» موضعان: (أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (3) ، و بعده: (وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (4) .

و في «آل عمران» : (اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا نُزُلاً) (5) .

و في «النساء» : (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (6)

ـ

____________

(1) التغابن: 9.

(2) الطلاق: 11.

(3) التوبة: 89.

(4) التوبة: 100.

(5) آل عمران: 198.

(6) النساء: 57 و 122.

739

و فى «المائدة» : (فَأَثََابَهُمُ اَللََّهُ بِمََا قََالُوا جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا) (1) . «خالدين» حال من المفعول دون جنات.

و فى «التوبة» : (وَعَدَ اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا وَ مَسََاكِنَ طَيِّبَةً) (2) .

فهذا و نحوه على الخلاف الذي قدّمناه.

قال: (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً*`مََاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) (3) . فـ «ماكثين» (4) حال من الهاء و الميم، و عندهم صفة لـ «الأجر» .

فأما قوله: (إِلاََّ كَبََاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى اَلْمََاءِ لِيَبْلُغَ فََاهُ وَ مََا هُوَ بِبََالِغِهِ) (5) ، أي:

ما الماء ببالغ فيه. و إن شئت: ما فوه ببالغ الماء؛ و لا يكون: و ما فوه ببالغه الماء، و يكون الضميران لـ «فيه» ، و فاعل «بالغ الماء» ؛ لأنه يكون جاريا على «فيه» و هو للماء، و المعنى: إلا كاستجابة كفّيه إلى الماء، و كما أن (بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ) (6) و (مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ) (7) لم يذكر معهما الفاعل، و اللام متعلق بـ «البسط» .

فأما قوله: (وَ مََا هُوَ بِبََالِغِهِ) ، أي: ما الماء بالغ فاه من كفّيه مبسوطتين.

و يمكن أن يكون «هو» فى قوله: «و ما هو ببالغه» ضميرا لـ «باسط» ، أي:

ما الباسط/كفّيه إلى الما بالبالغ الماء، أي: ليس ينال الماء بيده،

____________

(1) المائدة: 85.

(4-2) التوبة: 72.

(3) الكهف: 3.

(5) الرعد: 14.

(6) ص: 24.

(7) فصلت: 49.

740

فإذا لم ينل الماء لبعده عنه مع بسطه الكفين، فأن لا يبلغ فاه، مع هذه الصورة على الامتناع، أولى.

و قيل: إن الذي يدعو الماء ليبلغ إلى فيه، و ما الماء ببالغ إليه.

و قيل: إنه كالظمان يرى خياله في الماء، و قد بسط كفيه ليبلغ فاه، و ما هو ببالغه، لكذب ظنه و فساد توهمه. عن ابن عباس.

و قيل: إنه كباسط كفّيه إلى الماء ليفيض عليه، فلا يحصل في كفيه شى‏ء منه.

و عن الفراء: إن المراد بالماء هاهنا البئر، لأنها معدن للماء، و إن المثل:

كمن مدّيده إلى البئر بغير رشاء.

و أما قوله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ) (1) . فقد قال الفراء:

إن «خاضعين» جرى حالا عن المضاف إليهم دون الأعناق، فجمع جمع السلامة، و لو جرى على «الأعناق» لقيل: خاضعة.

و ليس الأمر كما قال؛ لأنه لم يقل: خاضعين هم، و لكن الأعناق بمعنى الرؤساء. و إن شئت كان محمولا على حذف المضاف، أي: فظلت أصحاب أعناقهم، فحذف المضاف.

و أما قوله: (إِلى‏ََ طَعََامٍ غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ) (2) . فهو نصب على الحال من الضمير في قوله: (لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ) (3) و لم يجر وصفا لـ «طعام» ، لأنه لم يقل: غير ناظرين أنتم إناه، إذ ليس فعلا لـ «طعام» .

____________

(1) الشعراء: 4.

(3-2) الأحزاب: 53.

741

الباب التاسع و الثلاثون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل نصبا على المدح و رفعا عليه و ذلك إذا جرى صفات شتى على موصوف واحد، يجوز لك قطع بعضها عن بعض، فترفعه على المدح أو تنصبه، و كذلك في الشتم تقول: مررت بالرجل الفاضل الأديب الأريب، و بالرجل الفاسق الخبيث اللئيم. يجوز لك أن تتبعها الأول، و أن تنصب على المدح، و ترفع.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ) (1) ، إلى قوله: (وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) (2) . و التقدير: هم الموفون. (وَ اَلصََّابِرِينَ) أي: امدح الصابرين.

و قيل: إن قوله «و الموفون» رفع عطف على «من آمن» .

و من ذلك/قوله تعالى: (لََكِنِ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ اَلْمُقِيمِينَ اَلصَّلاََةَ) (3) . أي: و امدح المقيمين. (وَ اَلْمُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ) (4) . أي: و هم المؤتون، و كذلك: (وَ اَلْمُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ) (5) .

و قيل إن قوله: «و المقيمين» جر و عطف على قوله: «منهم» و هذا خطأ، لأنه لم يعد لفظة «من» .

و أما قوله: (ثُمَّ لاََ يُجََاوِرُونَكَ فِيهََا إِلاََّ قَلِيلاً`مَلْعُونِينَ) (6) ، فنصب على الذم، أي: أذم الملعونين.

____________

(2-1) البقرة: 177.

(5-4-3) النساء: 162.

(6) الأحزاب: 60 و 61.

742

و قيل: هو حال من الضمير فى‏ (لَنُغْرِيَنَّكَ) ، (1) أي: لنغرينّك بهم ملعونين.

و من ذلك قوله تعالى: (سَيَصْلى‏ََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ*`وَ اِمْرَأَتُهُ حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ) (2) . فيمن نصب على تقدير: أذم حمالة الحطب، فيكون قوله:

«و امرأته» رفعا عطفا على الضمير فى «يصلى» ، أي: يصلى هو و امرأته.

و أما من رفع «حمالة الحطب» فيكون «و امرأته» مبتدأة، و يكون «حمالة الحطب» خبره. و إن رفعته بالعطف كان التقدير: هى حمالة الحطب، و كل ما ذكرنا فى «الذي» و «الذين» : إذا جاز كونهما وصفا لما قبلهما، فإن نصبهما و رفعهما على المدح جائز.

و أما قوله تعالى: (اَلصََّابِرِينَ وَ اَلصََّادِقِينَ) ، (3) فقد يكون من هذا الباب، و قد يكون جرّا جريا على قوله: (لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ .... اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنََا ... اَلصََّابِرِينَ) (4) .

و من ذلك قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذََلِكَ) (5) ، أي: أذمّهم.

و أما قوله: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) (6) فيكون على الذم، و يكون على الحال من‏ (اَلْمُعَوِّقِينَ) ، (7) أي: يعوقون هاهنا عند القتال و يشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين. و إن شئت من‏ (وَ اَلْقََائِلِينَ) (8) و إن شئت‏ (وَ لاََ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاََّ قَلِيلاً) ، (9) و يكون على الذم.

____________

(1) الأحزاب: 60.

(2) المسد: 3.

(3) آل عمران: 17.

(4) آل عمران: 15-17.

(5) النساء: 143.

(6) الأحزاب: 19.

(9-8-7) الأحزاب: 18.

743

الباب المتم الأربعين‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من المبتدأ المحذوف خبره فمن ذلك قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ) ، (1)

و التقدير: فيما يتلى عليكم شهر رمضان. و يكون قوله: (اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ نعتا.

و قيل: بل هو الخبر.

و قيل: بل الخبر قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ) ، (2) أي: فمن شهده منكم.

و جاز دخول الفاء لكون المبتدأ موصوفا بالموصول، و الصفة جزء من الموصوف، و كان المبتدأ هو الموصول.

و مثله قوله: (قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاََقِيكُمْ) (3) . لما وصف اسم «إن» بالموصول أدخل الفاء في الخبر كما دخل في قوله:

(إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذََابُ جَهَنَّمَ) (4) .

و كما قال: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ) (5) ، ثم قال: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ) (6) ، لأن المبتدأ الموصول و النكرة الموصوفة يدخل «الفاء» فى خبرهما.

و قال الأخفش: بل الفاء في قوله: (فَإِنَّهُ مُلاََقِيكُمْ) (7) زائدة، فعلى قياس قوله هنا تكون زائدة.

____________

(2-1) البقرة: 185.

(7-3) الجمعة: 8.

(4) البروج: 10.

(6-5) آل عمران: 21.

744

و يجوز أن يكون قوله «الذي تفرّون» خبر «إن» ، كأنه قال: الموت هو الذي تفرون منه، نحو القتل أو الحرب، و يكون الفاء فى «فإنه ملاقيكم» للعطف.

و من ذلك قوله: (وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (1) ، أي: فيما يتلى عليكم.

و من ذلك أيضا: (وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ) (2) ، أي: فيما يتلى عليكم.

و يجوز أن يقال: و إنما رفع قوله «و اللذان» و لم ينصبه.

و قال فى «الكتاب» (3) : «اللّذين يأتيانك فاضربهما» ؛ لأن الاختيار النصب، لأن الذي فى «الكتاب» يراد بهما معيّنان، و الفاء زائدة، فهو بمنزلة: زيدا فاضرب. و في الآية لا يراد بهما معيّنان، بل كل من أتى بالفاحشة داخل تحتها.

فقوله: (فَآذُوهُمََا) (4) فى موضع الخبر، و الفاء للجزاء في الآية، و في المسألة الفاء زائدة.

و قال: (اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا) (5) . و قال: (وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا) (6) أي: فيما يتلى عليكم:

فأما قوله: (مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ) * (7) فهو على القياس المتقدم، أي: فيما يتلى عليكم.

____________

(1) البقرة: 234.

(4-2) النساء: 16.

(3) الكتاب (1: 70) .

(5) النور: 2.

(6) المائدة: 38.

(7) الرعد: 35.

745

و قال أبو إسحاق: التقدير صفة الجنة التي وعد المتقون، و ليس بصحيح، لأن اللغة لا تساعد عليه، و لأن موضوعه التشابه، و لا معنى للوصفية في شى‏ء من تصاريفه، و كيف يصح. و من جهة المعنى أيضا: إنه و لو قال قائل:

صفة الجنة فيها أنهار، لكان كلاما غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة لا في صفتها؛ و أيضا فقد أنث ضمير «المثل» حملا على الصفة، و هذا أيضا بعيد.

و قول الفراء أيضا من أن الخبر جعل عن المضاف إليه، و هو الجنة، دون المضاف، الذي هو «مثل» ، فباطل أيضا؛ لأنا لم نر اسما يبدأ به و لم يخبر عنه البتة، و كذا من قال: «المثل» يقحم، أي: يلغى، لأن الاسم لا يكون زائدا، إنما يزاد الحرف، فكذلك قول الزجاج، لأنه إن أراد بالمثل الصفة، فقوله:

«صفة الجنة جنة» فاسد، لأن الجنة ليست بالصفة، و الزيادة شي‏ء يقوله الكوفيون فى: مثل، و اسم، و يعلم، و يكاد، و يقول: هذه الأربعة تأتى فى الكلام زيادة، و نحن لا نقول بذلك.

و أما قوله: (اَلَّذِي خَلَقَنِي) ، (1) إن جعلته مبتدأ، فقوله: (فَهُوَ يَهْدِينِ) (2)

خبره و ما، بعده معطوف على «الذي» ، و التقدير: هو يطعمنى و يسقينى، إلى قوله: (بِالصََّالِحِينَ) (3) محذوف الخبر، أي: فهو يهدينى، كما تقول: زيد قائم، و بكر و خالد.

و من ذلك قوله تعالى: (أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ اَلنََّاسِ) (4) ، أي: البر و التقوى أولى، فحذف الخبر.

____________

(2-1) الشعراء: 78.

(3) الشعراء: 83.

(4) البقرة: 224.

746

و أما قوله: (وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ) ، (1) فيمن لم ينون، فيجوز أن يكون «عزير» مبتدأ، و «ابن» صفة، و الخبر مضمر، أي: قالت اليهود عزير ابن اللّه معبودهم.

و يجوز أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين، و يكون «ابن» خبرا.

و يجوز أن يكون لم يصرف «عزير» ، و مثله: (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) (2) فيمن جعل «يدعو» بمعنى «يقول» . و قد تقدم ذلك فى المبتدأ.

و مثله: (وَ مََا أَكْرَهْتَنََا عَلَيْهِ مِنَ اَلسِّحْرِ) ، (3) و لم يقل: محطوط عنا، و قد تقدم.

و مثله: (طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (4) و: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) * (5) ، و قد تقدم.

و مثله قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلصََّابِئُونَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ) (6) ، و التقدير: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا) إلى قوله: (فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ) (7) /و الصابئون كذلك، فالتقدير فى «و الصابئون» ، أي:

و الصابئون كذلك، فحذف الخبر و فصل بين اسم «إن» بمبتدأ مؤخر تقديرا، و قال:

و من يك أمسى بالمدينة رحله # فإنّى و قيّارا بها لغريب‏ (8)

____________

(1) التوبة: 30.

(2) الحج: 13.

(3) طه: 73.

(4) محمد: 21.

(5) يوسف: 18 و 83.

(7-6) المائدة: 69.

(8) البيت لضابئ البرجمي. (الكتاب 1: 78) .

747

أي: إنى لغريب و إن قيارا كذلك.

و قال اللّه تعالى: (أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) (1) أي: رسوله برئ، فحذف الخبر.

و قيل: بل هو عطف على الضمير فى «برئ» هو و رسوله.

و عند سيبويه: هو محمول على موضع «إن» ، كقوله: (إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (2) ، فيمن فتح.

و من ذلك قوله تعالى: (أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ إِمََاماً وَ رَحْمَةً) (3) ، و لم يذكر الخبر، و التقدير:

كمن كان على ضلالة.

و قال: (أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) (4) ، أي: كمن لم يزيّن له ذلك.

و قال: (أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ) (5) ، و التقدير: كمن لا يقام عليه. فحذف الخبر في هذه الآي.

و قد أظهر في قوله، (أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) (6) .

و أما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ) (7) فيمن خفّف، فيكون، أي:

يكون من هذا الباب، على تقدير: أمن هو قانت آناء الليل كالجاحد و الكافر.

____________

(1) التوبة: 3.

(2) الأنبياء: 92.

(3) هود: 17.

(4) فاطر: 8.

(5) الرعد: 33.

(6) محمد: 14.

(7) الزمر: 9.

748

و زعم الفارسي أن التقدير: أمن هو قانت آناء الليل كمن جعل للّه أندادا.

ثم قال: و استضعفه أبو الحسن، دون الاستفهام لا يستدل عليه بما قبله و إنما يستدل عليه بما بعده.

فقيل: إن ذلك على تقديرك دون تقديرنا، فما تقول في قوله: (أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ) (1) ، و قوله: (أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) (2) ، أليس الخبران محذوفين؟و قوله: (أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي اَلنََّارِ) (3) .

قلت: أيها الفارسي، جوابا: إن سيبويه قال: إن الخبر محذوف، يعنى خبر قوله‏ (أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ) ، و لم تكن لتذب عن أبى الحسن: أن التقدير:

أ فمن حق عليه كلمة العذاب، أ فأنت تنقذ، بل قدّرت حذف الخبر.

و زعم أحمد بن يحيى أن من قدر: أمن هو قانت آناء الليل، فهو كالأول.

و زعم الفارسي أن هذا ليس/موضع نداء بل موضع تسوية، ألا تراه قال من بعد: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ) (4) ، و جواب الفارسي تحت قول أحمد هو كالأول، يعنى أنه قال-عز من قائل: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ) (5) ، يا من هو قانت آناء الليل أبشر إنك من أصحاب الجنة، فحذف في الثاني لذكره أولا.

____________

(1) الزمر: 22.

(2) الزمر: 24.

(3) الزمر: 19.

(4) الزمر: 9.

(5) الزمر: 8.

749

فأما من شدد فقال: «أمّن هو قانت» ، فالتقدير: الكافر الجاحد خير أمّن هو قانت؟كقوله: (أَمْ زََاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصََارُ) (1) ، و التقدير: أ مفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ و من ذلك قوله: (وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ) * (2) ، قوله «إلا اللّه» بدل من موضع الجار و المجرور، و الخبر مضمر، و التقدير: ما من إله في الوجود إلا اللّه، كقوله: (لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ) * ، (3) فليس الرفع محمولا على الوصف للمجرور، لأن الأكثر في الاستثناء و البدل دون الوصف.

و أما قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ اَلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ) (4) ، فـ «الذين يلمزون» مبتدأ، و خبره‏ (سَخِرَ اَللََّهُ مِنْهُمْ) (5) . و من نصب «زيدا مررت به» كان «الذين» منصوبا عنده، و لا يكون‏ (فَيَسْخَرُونَ) (6) خبره، لأن لمزهم للمطوعين لا يجب عنه سخريتهم بهم، كما أن الإنفاق يجب عنه الأجر فى قوله: (اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ) (7) إلى قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) (8) ، و إذا لم يجب عنه كان «فيسخرون» عطفا على «يلمزون» ، أو على «يجدون» ، و موضع‏ (وَ اَلَّذِينَ لاََ يَجِدُونَ) (9) جر تابع لـ «المؤمنين» ، أو نصب تابع لـ «المطوعين» ، للفصل بين الصلة و الموصول، أي: يعينون في إخراج الصدقات لقلتها، و منه قوله: (فَرَوْحٌ وَ رَيْحََانٌ) (10) ، و منه قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) (11) ، أي: فله نزل من حميم، و في الظرف ذكر من الموصوف.

____________

(1) ص: 63.

(2) آل عمران: 62.

(3) الصافات: 35.

(9-6-5-4) التوبة: 79.

(8-7) البقرة: 274.

(10) الواقعة: 89.

(11) الواقعة: 93.

750

الباب الحادي و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من «إن» المكسورة المخففة من «إن» و ذلك إذا جاءت لزمتها اللام في الخبر، كما أن النافية يلزمها إلا في الخبر.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلضََّالِّينَ) (1) .

قال: (وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ) * (2) .

قال: (وَ إِنْ وَجَدْنََا أَكْثَرَهُمْ لَفََاسِقِينَ) (3) .

قال: (إِنْ كُنََّا عَنْ عِبََادَتِكُمْ لَغََافِلِينَ) (4) .

قال: (إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا عَنْ آلِهَتِنََا) (5) .

قال: (وَ إِنْ كََانُوا لَيَقُولُونَ (167) `لَوْ أَنَّ عِنْدَنََا ذِكْراً مِنَ اَلْأَوَّلِينَ) (6) فاللام هنا كـ «إلاّ» . كقوله: (إِنِ اَلْكََافِرُونَ إِلاََّ فِي غُرُورٍ) (7) .

و قوله: (إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ) (8) .

و قوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلاََّ ظَنًّا) (9) .

قال‏ (10) سيبويه: و يكون «إن» يبتدأ بما بعدها في معنى اليمين، و في اليمين، كما قال: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ) (11) . و (وَ إِنْ كُلٌّ لَمََّا جَمِيعٌ لَدَيْنََا مُحْضَرُونَ) (12) .

____________

(1) البقرة: 198.

(2) آل عمران: 164.

(3) الأعراف: 102.

(4) يونس: 29.

(5) الفرقان: 42.

(6) الصافات: 168.

(7) الملك: 20.

(8) الفرقان: 44.

(9) الجاثية: 32.

(10) الكتاب (1: 474) .

(11) الطارق: 4.

(12) يس: 32.

751

قال: و حدثنى من لا أتهم به أنه سمع عربيا يتكلم بمثل قوله: إن زيدا لذاهب، و هي التي في قوله: (وَ إِنْ كََانُوا لَيَقُولُونَ (167) `لَوْ أَنَّ عِنْدَنََا) (1) ، و هذه «إن» مخففة من «إن» الشديدة.

قال أبو على: أما «إن» فى الآي فالقول فيها أنها مخففة من الثقيلة، و قد دخلت على الفعل مخففة، و امتنعت من الدخول عليه مشددة؛ فالجواب أنها امتنعت من ذلك مثقلة لشبهها بالفعل في إحداثها النصب و الرفع، كما يحدثهما الفعل من حيث لم يدخل الفعل على الفعل لم تدخل هى أيضا عليه، و أصلها أنها حرف تأكيد، و إن كان لها هذا الشبه الذي ذكرنا بالفعل، فإذا خففت زال شبه الفعل عنها، فلم تمتنع من الدخول على الفعل إذ كانت الجمل المخبر بها على وجهين: مبتدأ و خبر، و فعل و فاعل، و قد تحتاج المركبة من الفعل و الفاعل من التأكيد إلى مثل ما تحتاج إليه المركبة من المبتدأ و الخبر، فدخلت المخففة على الفعل مؤكدة، إذ كان أصلها التأكيد، و زال المعنى الذي كان امتنع من الدخول على الفعل، و هو شبهها به، و لزوال شبهها بالفعل اختير في الاسم الواقع بعدها الرفع، و جاء أكثر القراءة على ذلك، كقوله: (وَ إِنْ كُلٌّ لَمََّا جَمِيعٌ لَدَيْنََا مُحْضَرُونَ) (2) ، و: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ) (3) ، فمن حيث اختير الرفع في الاسم الواقع بعدها جاز دخولها على الفعل في الآي التي تلوناها أو غيرها.

و أما اللام التي تجئ بعدها مخففة فهى لأن تفرق بينها و بين «إن» التي تجئ نافية بمعنى «ما» ، كالتى في قول اللّه تعالى: (وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ

____________

(1) الصافات: 167-168.

(2) يس: 32.

(3) الطارق: 4.

752

مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ) (1) و ليست هذه اللام التي تدخل على خبر المشددة التي هي الابتداء، لأنه كان حكمها أن تدخل. على «إن» /فأخرت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو ما هو واقع موقعه و راجع إليه، فهذه اللام لا تدخل إلا على المبتدأ أو على خبر «إن» إذا كان إياه في المعنى أو متعلقا به، و لا تدخل من الفعل إلا ما كان مضارعا واقعا في خبر «إن» و كان فعلا للحال، فإذا لم تدخل إلا على ما ذكرنا لم يجز أن تكون هذه اللام التي تصحب «إن» الخفيفة إياها، إذ لا يجوز دخول لام الابتداء على الفعل الماضي، و قد وقع بعد «إن» هذا الفعل، نحو:

(إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا) (2) و: (وَ إِنْ وَجَدْنََا أَكْثَرَهُمْ لَفََاسِقِينَ) (3) . و قد جاءت الأفعال الواقعة بعد «إن» فعملت فيما بعد اللام، و معلوم أن لام الابتداء التي تدخل في خبر «إن» الشديدة لا يعمل الفعل الذي قبلها فيما بعدها، و ذلك قوله: (إِنْ كُنََّا عَنْ عِبََادَتِكُمْ لَغََافِلِينَ) (4) ، و قول القائل:

هلبتك أمّك إن قتلت لفارسا # حلّت عليك عقوبة المتعمّد (5)

فلما أعمل الفعل فيما بعد هذه اللام علم من ذلك أنها ليست التي تدخل في خبر «إن» الشديدة، و ليست هي التي تدخل على الفعل المستقبل، و الماضي للقسم، نحو: ليفعلن، أو لتفعلن. و لو كانت تلك للزم الفعل، الذي تدخل عليه «النون» يعنى: ليفعلن، الذي تدخل عليه إحدى النونين، فلما لم يلزم النون علم أنها ليست إياها قال اللّه تعالى: (إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا) (6) و (وَ إِنْ كََانُوا لَيَقُولُونَ) (7) ، فلم يلزم النون.

ـ

____________

(1) الأحقاف: 26.

(2) الفرقان: 42.

(3) الأعراف: 102.

(4) يونس: 29.

(5) البيت لعائكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل تخاطب عمرا بن جرموز حين قتل الزبير. و يروى:

شلت يمينك أن قتلت لمسلما

(المغني 1: 22) .

(6) الفرقان: 42.

(7) الصافات: 167.

753

حكى سيبويه إن هذه النون قد لا تلزم المستقبل في القسم، فيقال:

و اللّه لتفعل، و هم يريدون: لتفعلنّ.

قال: إلا أنّ الأكثر على ألسنتهم ما أعلمتك، يعنى من دخول النون، و لا ينبغى أن نقول: إن هذه اللام هي التي فى «لتفعلن» فتحمل الآي التي تلوناها على الأقل في الكلام، على أن هذه اللام لو كانت هذه التي ذكرنا أنها للقسم، و تدخل على الفعل المستقبل و الماضي، لم تدخل على الأسماء، مثل:

(إِنْ كُنََّا عَنْ عِبََادَتِكُمْ لَغََافِلِينَ) (1) و «إن قتلت لفارسا» ، لأن تلك تختص بالدخول على الفعل الماضي أو المستقبل المقسم عليه، أو ما يتصل بهما، نحو «إلى» من قوله: (لَإِلَى اَللََّهِ تُحْشَرُونَ) (2) . و الدليل على ذلك أنها لا تعلق الأفعال الملغاة قبل «إن» إذا وقعت/فى خبرها، كما تعلقها التي تدخل على الأسماء. فقد ثبت بما ذكرنا أن هذه اللام الداخلة على خبر «إن» المخففة التي تدخل في خبر «إن» المشددة، و لا هي التي تدخل على الفعل المستقبل و الماضي في القسم، لكنها تلزم «إن» هذه لتفصل بينها و بين التي بمعنى «ما» النافية، و لو أدخلت شيئا من الأفعال المعلقة على «إن» المكسورة المخففة من الثقيلة، و قد نصبت و اللام في خبرها. لم تعلق الفعل قبلها من أجل اللام، كما تعلقه مع لام الابتداء، لأن هذه اللام قد ثبت أنها ليست تلك، فإذا لم تكن تلك لم تعلق الفعل الملغى كما تعلقه لام الابتداء.

فهذه حقيقة «إن» هذه المخففة و اللام التي تلحق معها عندى، و يدل على أن هذه اللام ليست التي للابتداء أن تلك تدخل على الخبر نفسه التي

____________

(1) يونس: 29.

(2) آل عمران: 158.

754

لا تسغنى، أو يكون قبل الخبر و يكون الأول في المعنى أو ما يقوم مقام ما هو الأولى فى المعنى، أو تدخل على الاسم نفسه إذا فصل بين «إن» و اسمها، و لا تدخل على الفضلات و ما ليس بالكلام افتقار إليه، كما دخلت هذه في قوله «لفارسا» و نحوه، فلو أدخلت «علمت» على مثل: إن وجدك زيدا لكاذبا، فقلت: علمت إن وجدك زيد لكاذبا. لوجب انفتاح «إن» إذ ليس في الكلام شي‏ء يعلق الفعل عنها، و لم يجب أن يكون فى «إن» ضمير القصة من هذه المسألة، كما تقول «أن» فى مثل قوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) (1) ضمير، لأن هذا الضمير إنما يكون فى «أن» المخففة من «أن» الشديدة، و ليست هذه تلك، إنما هى «أن» التي كانت قبل دخول الفعل عليه، «أن» التي لا تمتنع من الدخول على الفعل لزوال العلة التي كانت تمنعها من الدخول عليه، و هي ثقيلة، و كما تقول في حال انكسارها نحو: (إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا) (2) إنه لا ضمير فيه كذلك تقول في حال انفتاحها بعد الفعل: إنه لا ضمير فيها. و الوجه أن تقول: إنه لا ضمير فيه، في نحو: (إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا) (3) و إنه دخل على الفعل كما دخل على الاسم، لأنه حرف وضعه للتأكيد، فالصنفان جميعا يؤكدان، و إنما امتنع من الدخول على الفعل في حال التثقيل لشبهه بالفعل، و كما لم يدخل فعل على فعل كذلك لم تدخل هذه مثقلة عليه، و هذه العلة زائلة عنها في حال التخفيف، فيجب أن تدخل عليها، فإذا قلنا: علمت أن قد وجدك زيد لكاذبا لم تدخل اللام، كما كانت تدخل قبل دخول «علمت» ، و لم يمنع الفعل من فتح «أن» شى‏ء، و ارتفعت الحاجة إليها مع دخول «علمت» ، لأن «علمت» يفتحها، إذ لا مانع لها من فتحها، فإذا فتحتها لم تلتبس «بإن» التي ينفى بها، و لو لا

____________

(1) المزمل: 20.

(3-2) الفرقان: 42.